و القلب هو العقل و هذا النور الشريف خير كله يسمي بالقلب امّا لتقلّبه في المعاني اوْ انّه داۤئماً يتقلّب في احواله و لهذا امر اهل العصمة عليهم السلم شيعتهم انهم يقولون كل يوم يا مقلّب القلوب و الابصار ثبّت قلبي علي دينك و دين نبيّك (ص) و لاتزغ قلبي بعد اذ هديتني و هب لي من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب و اِمّا لانّ المعاني تقلب فيه اي تفرغ فيه و يسمّي بالعقل لانه يعقل صاحبه ان عمل بمقتضاه و لميكابره عن جميع معاصي اللّه اي يحبسه عنها و لهذا ورد عن الصادق عليه السلم انّ العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان فقيل و الذي في معوية قال (ع) تلك النكراۤء تلك الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بعقلٍ و ليس العقل شرعاً التمييز الذي هو مناط التكليف بل هو النور الحق المكتسب من العمل الحقّ و من هنا قال جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه بالعقل يستخرج غورُ الحكمة و بالحكمة يستخرج غور العقل و المراد بالحكمة العلم العملي اي المقرون [ص 174] بالعمل فانه هو الّذي يزيد في العقل كما قال تعالي في الحديث القدسي مازال العبد يتقرّب اليّ بالنوافل حتّي احبّه فاذا احببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته و ان سكتَ ابتدأته الحديث ، فقوله عليه السلم و قلبي لكم مسلّم يراد من القلب النور الحق المكتسب من العمل الحق سواۤء اردتَ به القلب و العقل اذ هما شيء واحد ام العلم لان العلم المقرون بالعمل هو ثمرة العقل المستنير كما قال تعالي هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون انّما يتذكر اولوا الالباب يعني مايعلمون العلم الحق الّا اصحاب العقول ام الفؤاد لانه هنا اوْلا قال تعالي و اجعل افئِدة من الناس تهوي اليهم و ذلك لانّها هي الكنه الاصلي فاذا مالت و هوت دلّ ذلك علي انّ صاحبها مخلوق ممّن مالت اليه و هوت فيكون تسليمُه لهم عن علمٍ منه و كشفِ موانعَ غريبةٍ ليست من النّور لانه صفة مالت الي موصوفها و فرع التَفَّ الي اصله فاذا مال ذلك القلبُ اليهم و التفَتَ الي شيء من احكامهم اوْ آدابهم او اعتقاداتهم او اعمالهم اوْ اقوالهم اوْ احوالهم او شيء منهم او عنهم انضمّ الي ملاۤئمه و مطلوبه و باب مطلوبه فلاتحصل له نفرة في شيء هذا ان عرف و ان لميعرف استهلكَتْ طبيعتُه وجدانَه في وجودهم عليهم السلم فيصدق علي الفرضين صدق كون القلب مسلِّماً لهم علي جهة الحقيقة لانّه خلق من فاضل طينتهم فهو يحنّ الي اصله و يميل الي ما منه بُدِئ و يطمئنّ و يسكن في مقرّ كنهه فاذاً قلبي لكم مسلِّم مفوّض في كلّ شيءٍ مما يكون منكم و يرد عنكم لانّ قلبي من فاضِل طينتكم خلق و اليها يعود و لمّا كان بدء قلب المؤمن مخلوقاً من فاضل طينتهم عليهم السلم كما دلّت عليه الاخبار و المراد بالفاضل هو الشعاع و هو في اللطافة [ص 175] و الشرف و النوريّة من طينتهم نسبته اليها نسبة الواحد الي السبعين فطينتهم كالسّراج مثلاً و قلوب شيعتهم كالاشعّة و رتبة الاشعة من السراج في النّورية و الشرف و القوة نسبة الواحد من السبعين فلمّا كانت قلوب شيعتهم كذلك قد وجب في الحكمة و هي ايجاد الشيء علي ما هو عليه مما ينبغي له ان يكون الشعاع عند المنير لايجد نفسه و لا شعور له الّا بما اعطاه المنير و كذا ما خلق من الشعاع بالطريق الاولي كانت قلوب شيعتهم اذا اتّصلت بجهتهم و توجّهت الي احوالهم لاتجد انفسها و لاتشعر بما لها من الاحوال و هذا معني التسليم و التّفويض الحقّ المراد هنا فافهم و تحمّل الاسرار فقد كشفتُ لَكَ الاستار .
و قوله عليه السلم : و رأيي لكم تبع الرأي هو نظر القلب و اختياره يقال هو علي رأي زيد اي يقول بقوله و يذهب مذهبه يريد ان قلبي لايري اعتقاداً و لا مذهباً و لا عملاً الّا بما ترون من ذلك اي انّه تابع لكم في كلّ شيء لا انّه في رأيه موافقٌ لرأيِهم لانّ ذلك دليل الاستقلال و عدم الاحتياج و هذا لايكون ممّن خُلِق من شعاعهم و فاضل طينتهم بل يكون رأيه تَبعاً لرأيهم لانّه في الحقيقة ناشٍ عن رأيهم بل هم سلكوا به ما سلك كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلم في حديث ابيالطفيل عامر بن واثلة قال قلتُ يا اميرالمؤمنين اخبرني عن حوض النبي صلي اللّه عليه و آله في الدنيا ام في الٰاخرة قال بل في الدنيا قلتُ فمَنِ الذاۤئدُ عليه قال انا بيدي فليردنّه اولياۤئي و ليصرفنّ عنه اعداۤئي و في روايةٍ و لاُوردنّه اولياۤئي و لاصرفنّ عنه اعداۤئي الحديث ، و المراد به الدين الحق الذي مَنْ شرِبَ منه شربةً لميظمأْ بعدها ابداً فلميصدّق بالحقّ مصدِّق الّا من اوردوه حوض التّصديق و لميعمل عامل عملاً صالحاً الّا مَنْ سدَّدوهُ و اوردوه حوض [ص 176] الاعمال الحقّة و هو الاسلام و الاستسلام و في الحقيقة اعمال شيعتهم فاضل اعمالهم و الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا اللّه و قد اشار الي التبعيّة التي اشرنا اليها و هي التبعيّة الخاۤصّة بهم من ائمّتهم عليهم السلم العاۤمة لكل شيء محمد بن علي الباقر عليهما السلم في ما رواه في العلل عن ابياسحق الليثي قال قلتُ لابيجعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلم في حديث طويل الي ان قال اخبرني يا ابراهيم عن الشمس اذا طلعَتْ و بَدا شعاعها في البلدان اهو باۤئن من القرص قلت في حال طلوعه باۤئن قال اليس اذا غابت الشمسُ اتّصل ذلك يعود كل شيء الي سنخه و جوهره و اصله و روي ابوالفتوح الرازي في كتاب اداۤء الحقوق في الاخوان سأل المفضل الصادق عليه السلم ما كنتم قبل ان يخلق اللّه السموات و الارضين قال كنا انواراً حول العرش نسبّح اللّه تعالي و نقدّسه حتي خلق اللّه سبحانه الملاۤئكة فقال لهم سبّحوا فقالوا يا ربّنا لا علم لنا فقال لنا سبّحوا فسبّحنا فسبّحتِ الملاۤئكة بتسبيحنا الّا انا خلقنا من نور اللّه و خلق شيعتنا من دون ذلك النور فاذا كان يوم القيٰمة التحقت السفلي بالعليا ثم قرن عليه السلم بين اصبعيه الوسطي و السّبّابة و قال كهاتَيْنِ ثم قال يا مفضّل اتدري لم سمّيت الشيعة شيعة يا مفضّل شيعتنا منا و نحن من شيعتِنا اماتري هذه الشمس اين تبدو قلتُ من مشرق قال و الي اين تعود قلت مغرب قال عليه السلم هكذا شيعتنا مِنا بُدِءوا و الينا يعودون ه ، فقد ظهر لك ممّا ذكرنا و ممّا استشهدنا به من الاخبار معني تبعيّة الرأي علي جهة الحقيقة فمن كان كذلك فهو صادق في دعواه و من لميكن كذلك فقد يكون مراده بالتبعيّة الموافقة بل لايعرف سواها كما شاهدنا من اكثر الخلق من عالمٍ و جاهل و ان كان يقول انّ رأيي تبعٌ لرأيهم فليس كذلك كيف و نحن نجده [ص 177] يصرف اكثر احاديثهم اذا لميفهمها امّا لقصوره و لاجل قاعدةٍ عنده ربّما لاتنطبق الّا علي مذهب غيرهم و لايرضي بالوقوف عند ما لايعرفه من احاديثهم مع انّي وجدتُ كثيراً ممّا يردّها و يطّرحُها هو الحقّ الصريح و هو مذهب ائمته عليهم السلم فان كان صادقاً في قوله و رأيي لكم تبع فلِمَ يردّ اخبارهم و يصرفها الي قاعدته و الواجب عليه امّا الوقف و ردّها اليهم و الاقرار بعدم فهمها او تصحيح قاعدته عليها لا تصحيحُها علي قاعدته و في نهج البلاغة انّ رجلاً قال لاميرالمؤمنين عليه السلم صف لنا ربّك لنزداد له حبّاً و به معرفةً فغضِب عليه السلم فخطب الي ان قال فانظر ايّها الساۤئل فما دلّك القرءان عليه من صفته فائتمَّ به و استضِئْ بنور هدايته و ما كلّفك الشيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه و لا في سنة النبي صلي اللّه عليه و آله و ائمة الهدي (ع) اَثَرُهُ فكِلْ علمَهُ الي اللّه سبحانه فانّ ذلك منتهي حقّ اللّه عليك و اعلم انّ الراسخين في العلم هم الذين اغناهم عن اقتحامِ السدد المضروبةِ الاقرارُ بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح اللّه تعالي اعترافهم بالعجز عن تناول ما لميحيطوا به علماً و سمَّي تركهم التعمّقَ فيما لميكلّفهم البحث عن كنهه رُسوخاً فاقتصر علي ذلك و لاتقدر عظمة اللّه سبحانه علي قدر عقلك فتكون من الهالكين ه ، فان كان علي بن ابيطالب عليه السلم اِمَاماً لك تأتمُّ بِهٖ فاقبل قولَهُ هذا و الّا فانت ذاك الذي قلنا .
و قوله عليه السلم : و نصرتي لكم معدّة اعلم انّك قد عاهدتهم علي اَنْ تنصرهم في كل موطنٍ علي عدوّهم و ذلك حين اخذ اللّه عليك العهد بذلك في عالم النفوس فاحضرك في ذلك المشهد مع جميع الخلاۤئق فاوْقف كُلّاً في رتبة كونه مع من كان في رتبته فاخذ عليك العهد معهم هنالك علي ان تنصروهم كلّاً بما يستطيع فقال الستُ [ص 178] بربّكم فعاهدتموه علي النصرة لهم علي عدوهم اذا دعَوكم في كل كرّة فقلتم بلي و شَهِد عليكم جل و علا و اشهدهم و اشهدَ ملاۤئكته و انبياۤءَهُ و رسله و المؤمنين و انا علي ذلكم من الشاهدين فانزل صَكَّ الشهادةِ بقوله تعالي شهدنا ان تقولوا يوم القيمة انّا كنا عن هذا غافلين الٰايات ، فدعوكم عليهم السلم الي النصرة في توحيده تعالي بانّ « ١ » مَن اراد اللّهَ بَدَأ بهم و « ٢ » من وحّده قبِلَ عنهم و « ٣ » من قصده توجّه بهم و معني الاول انهم ابوابه و الادلاۤء عليه و معني الثاني انهم اركان توحيده و الواصفون له اي لميقبل من الوصف اِلّا ما وصفوه به و معني الثالث انهم معانيه و اسماۤؤه و الشفعاۤء عنده لمن ارتضي دينه و دعوكم الي النصرة في ان تصفوه بما وصف به نفسه علي السنتهم و تعرفوه بما تعرّفَ به علي ايديهم و ان تؤمنوا به و بملاۤئكته و كتبه و رسله و انبياۤئه و اولياۤئه و بما جاۤؤا به من عند ربّهم من احوال النّشأَتينِ و ان تؤمنوا بعبده و رسوله محمد بن عبداللّه صلي اللّه عليه و آله و بخلفاۤئه و اهل بيته عليهم السلم علي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي و محمد و جعفر و موسي و علي و محمد و علي و الحسن و الحجة عليهم السلم و انّهم كما وصفهم رسول اللّه صلّي اللّه عليه و عليهم عن اللّه بما هم اهله علي نحو ما مرّ عليك مراراً و ان تؤمنوا بالمَوْت و ما بعده من احوال البرزخ و ان تؤمنوا باليوم الٰاخر و ما اخبروا به من احواله و بالجنّة و النار و ان تؤمنوا بما بين ذلك من قيام قاۤئمهم و من رجعتهم الي دار الدنيا و اقامتهم الحق و اظهارهم علي الدّين كله حتي يملئوا الارض قسطاً و عدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً و حتي لايُسْتَخْفَي بشيء من الحق مخافةَ احدٍ من الخلق و ان تؤمنوا بجميع ما جاۤء به محمد صلي اللّه عليه و آله من عنده من امور الاعتقادات و التكاليف في الاعمال و الاقوال من جميع ما يتعلّق باحوال الدنيا و الٰاخرة [ص 179] و اَنْ تؤمنوا بان الحق لهم و معهم و منهم و فيهم و بهم و ان طاعتهم طاعة اللّه و معصيتهم معصية اللّه و رضاهم رضي اللّه و سخطهم سخط اللّه و وليّهم وليّ اللّه و عدوّهم عدوّ اللّه بالجنان و الاركان و اللسان و دعوكم الي ان تنصروهم بالجَنان باَنْ تعتقدوا ما اعتقدوا و تروا ما رأوا و توالوا من والَوا و تجانبوا من جانبوا علي معني ما تقدّم في و رأيي لكم تبع و بالاركان بان تقتدوا بهم في اعمالهم فتعملوا ما عملوا و تتركوا ما تركوا و تنصروهم بالسيف اذا دعوكم الي ذلك و باللسان بان تقولوا ما قالوا و تسكتوا عمّا سكتوا و تنصروهم بنشر فضاۤئلهم و قباۤئح اعداۤئهم ما استطعتم و بالاحتجاج لاقامة اقوالهم و دينهم و مذهبهم و ابطال اقوال مخالفيهم بحججهم عليهم السلم و تنصروهم بالولاية لهم و لاولياۤئهم و بالبراۤءة من اعداۤئهم و ان تنصروا بالصلوة عليهم و الدعاۤء لهم و لشيعتهم و بلعن اعداۤئهم و بالبراۤءة منهم و من اتباعهم و في تفسير الامام عليه السلم فقال رجل يا ابن رسول اللّه اني عاجز ببدني عن نصرتكم و لستُ املك الا البراۤءة من اعداۤئكم و اللعن لهم فقال له الصادق عليه السلم حدثني ابي عن ابيه عنْ جدّه عليهم السلم عن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم انه من ضعف عن نصرتنا اهل البيت فلعن في خَلَواته اعداۤءنا بلّغ اللّه عز و جل صورته جميع الاملاك من الثري الي العرش فكلّما لعن هذا الرجل اعداۤءنا لعناً ساعَدُوه و لعنوا مَنْ يلعنُه ثم ثنوا فقالوا اللهم صل علي عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه و لو قدر علي اكثر منه لفعل فاذا النداۤء من قبل اللّه عز و جلّ قد اجبتُ دعاۤءكم و سمعتُ نداۤءَكم و صلّيتُ علي روحه في الارواح و جعلته عندي من المصطفَيْنَ الاخيار الابرار ه ، اقول هذا نصرهم بلعن اعداۤئهم فكلّ حق و كلّ ما يريده اللّه من خلقه من الواجبات و المندوبات و الاخلاق الحسنة من احوال الغيب كساۤئر الاعتقادات [ص 180] و المعارف و العلوم و من احوال الشهادة كساۤئر الاعمال و الاقوال من افعالٍ و تُرُوكٍ فهم الدّاعون اليه و المجاهدون في سبيله و قد دعَوا جميع الخلق الي نصرتهم في ذلك كله فمن عمل بما امروه به عن اللّه فقد نصرهم و جاهد معهم و اذا مات علي ذلك فهو شهيد داخل في عناية اللّه سبحانه و ارادته بقوله تعالي و الشهداۤء عند ربّهم لهم اجرهم و نورهم و مَن ترك ذلك او شيئاً منه فقد فرّ عن معسكر جند اللّه و حِزْبه و من فعل ذلك الّا متحرّفاً لقتالٍ او متحيّزاً الي فئة فقد باۤءَ بغضب من اللّه فاذا ترك واجباً او فعل محرّماً و هو مقرّ بالاساۤءة و التقصير فقد تحيّز الي فئة و يرجي له الخير و من ندم و عزم علي الطاعة و علي عدم العود في المعصية فهو متحرف لقتال و هو ناج ايضاً فالنصرة المعدّة لهم يكون صاحبها عاملاً للطاعات تاركاً للمحرمات مُقِرّاً بالتقصيرات عازماً علي ترك المعاصي و تدارك الطاعات فلايفقد من مواضع الخير و مجالس الذكر و اماكن محبّة اللّه امّا باطناً و ظاهراً و امّا باطناً فذلك الذي نصرته لهم معدّة فان كان ذلك ظاهراً و باطناً فهو المجاهد حقّاً و ان كان مرة كذلك و مرة باطناً لا غير فهذا مرابط و الحاصل مَنْ بذل جهده في نصرتهم فيما يجاهدون فيهِ للّه من جميع مَراضيه فانّ نصْرته لهم معدّة و اذا قال ذلك فهو صادقٌ فيما ادّعاه و الّا فلا .
قال عليه السلم : حتي يحيي اللّه دينه بكم و يردّكم في ايّامه و يظهركم لعدله و يمكِّنكم في ارضه .
قال الشارح المجلسي (ره) حتي يحيي اللّه دينه بكم في الرجعة مع المهدي (ع) و يردّكم بالرجعة في ايامه اي ايّام ظهور دينه فانه ايّام اللّه و يمكِّنكم في ارضه بالدولة الباهرة كما قال تعالي و ليمكّنَنّ لهم دينهم الذي ارتضي لهم انتهي .
[ص 181] اقول حيوة الدين الاتيان به علي طبق ما امر اللّه تعالي به و هذا ظاهر و انّما الخفاء في تبَيُّنِهٖ علي جهة الحقيقة فنقول مطابقة العمل للامر قد يتحقّق بصورة العمل بان تكون صورته مطابقةً للامر اذا اتي بها مقرونة بشرط الصحة فصلوة الظهر اذا اتي بها علي الهيئة المعروفة ان كانت مقرونة بشروط الصحة كالطَّهارة و السّتر و الوقت و الاستقبال مع التّمكّن و الظاهر عندي انّ مع التمكّن قيداً للاربعة علي بعض الاحوال ليدخل وجوب صلوة فاقد الطَّهُورَيْنِ في الوقت و ان وجب القضاۤء بعد التمكن يقال لها في الجملة انّها حيّة اذا كانت مسقِطةً للقضاۤء و قد لايقال لها حيّة باعتبارِ انّها قد لاتقبل كما لو لميقبل عليها بقلبه و قد تقبل باعتبارِ انّها مجزئة لصدقِ الامتثال فيها فتكونُ حيَّة اما لو اتي بها مطابقة للامر مقبِلاً عليها بقلبه فانّها انشاۤء اللّه تعالي حيّةٌ فالحيوة الموجبة للقبول متحقّقة و غير الموجبة متحقّقة الاجزاۤء و المتحققة القبول اقوي من المتحقّقة الاجزاۤء و منشأ الاولي من صحة الصورة و حصول الاقبال و منشأ الثانية من صحة الصورة خاۤصّة و المراد من قوله حتّي يحيي اللّه دينَهُ بكم من نوع الحيوة الاولي اذ لو اريد من نوع الحيوة الثانية لماحَسُنَ ان يقال حتّي يحييَ اللّهُ دينَهُ بكم لانّ هذا لايقال الّا علي فرض انّ دينه الأن ميتٌ و لايعتبر مطلق الحيوة الموجودة الأن و الّا لماقال ذلك مع انها الأن موجودة قطعاً فيكون مراده الحيوة الكاملة لما دلّت عليه النصوص انه اذا قام قاۤئمهم عليه السلم وضع يده علي رؤس العباد فكَمُلَتْ بذلك احلامهم و ايمانهم و لايكون قبل قيامه عليه السلم فاذا قام عليه السلم اخذ ايمان المؤمنين في الاستكمال و ينتهي في رجعتهم بعد ظهوره عليه السلم و هو بعد القتل راجع معهم كما تقدّم او يراد بالحيوة وجودهم و ظهورهم بين الخلاۤئق متمكّنين من التّصرف نافذي الامر لانّ الحيوة انما تكون بهم و في [ص 182] قوله تعالي اومن كان ميتاً فاحييناه و جعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ، روي في الكافي عن بريد قال سمعت اباجعفر عليه السلم يقول في هذه الٰاية ميتاً لايعرف شيئاً و نوراً يمشي به في الناس اِماماً يأتمّ به كمن مثله في الظلمات الذي لايعرف الامام و عنه قال سألتُ اباجعفر عليه السلم عن هذه الٰاية فقال الميت الذي لايعرف هذا الشأن يعني هذا الامر و جعلنا له نوراً اِماماً يأتمّ به يعني علي بن ابيطالب (ع) كمن مَثله في الظلمات قال بيده هكذا هذا الخلق الذين لايعرفون شيـٔاً ه ، فالميت الذي لايعرف وِلَايتهم (ع) و احييناه عرّفناه ولايتهم عليهم السلم و اظهرنا له اماماً يأتمّ به يتديّن بين اديان الناس بهداه فيجوز ان يكون ذلك في الدنيا و لكن لايكون كاملاً و يصدق عليه الموت في بعض الاحوال و لاتصدق عليه الحيوة حقيقةً الّا اذا كان كاملاً في الولاية و لايكون ذلك الّا اذا كانوا ظاهرين متمكّنين آمنينَ كما قال تعالي وعد اللّه الّذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الارض كما استخلف الّذين من قبلهم و ليُمكِّننّ لهم دينهم الذي ارتضي لهم و ليبدِّلنّهم منْ بعد خوفهم آمناً يعبدونني لايشركون بي شيْئاً فالوعد من اللّهِ سبحانه لهم بالتمكينِ لهم في الارض حيث لا مانع و لا مدافع و لا منازع و ليبدّلنهم من بعد خوفهم في هذه امْناً فاذا اراد ان يحيي اللّه تعالي دينَهُ كما يُحِبُّ ردّهم اي رجعهم في ايّامه اي الرجعة و خروج قاۤئمهم عليهم السلم و اظهرهم لعدله فيُظْهِر بهم عدله كما يحبّ حتّي يملأَها بهم قِسطاً و عدلاً كما مُلِئت باعداۤئهم جوراً و ظلماً و مكّنهم في اَرْضِهٖ في مشرِقها و مغرِبهَا فقوله عليه السلم حتّي يحييَ اللّهُ دٖينه بكم نهاية لصبرِ المؤمنِ و تسليمِ قلبه لهم فيما يرد عليه و علي المؤمنين و علي الديْنِ من جَوْر الظالمين و تحريف المبطلين و تبديل المعاندين مِمّا يُغَيِّرون به مقتضيات ولايتهم عليهم [ص 183] السلم و حدود دٖينهم مع علم المؤمن المُسَلِّم لهم بانّهم لَوْ سألُوا اللّه تعالي اَنْ يُزيلَ ذٰلِكَ لفَعل لهم ما طلبوا منه فرضي ذلك المؤمن بما صدر عنهم و بما اَصابه و اصاب المؤمنين بمسمعٍ منهم و بمنظرٍ و بما حدث في الدين من المعاندين و قد كان بعين اللّه سبحانه و هم يعلمون و اللّه قادر علي اصلاح دينه و هم باللّهِ قادرون فصبر ذلك المؤمن و رضي عن اللّه سبحانه و عن اولياۤئه و سلّم و لميجد في نفسه حرجاً مما قضي اللّه و رسوله صلي اللّه عليه و آله لما قلنا سابقاً من اضمحلال وجدانه في وجودهم .
و قوله (ع) : و يردّكم في ايّامه يراد منه انكم بعد ما خرجتم من الدنيا او من التمكين فيها و استيلاۤء اعداۤئكم الظالمين علي سلطانكم يحلّلون ما حرّم اللّه و يحرّمون ما حلّله اللّه و يقرّبون من بعّده اللّه و يبعّدون من قرّبه اللّه و يبدّلون كلام اللّه و يغيّرون احكام اللّه يردّكم الي ايّامه اي الدنيا اوْ الي التمكين فيها حتي يرجع اليكم سلطانكم و ايّام اللّه ثلاثة الدنيا و الرجعة او قيام القاۤئم عليه السلم و القيمة الكبري فامّا القيمة و الرجعة فظاهر و اَمّا الدنيا التي مضت و لاتعود مع انها قد تكون كناية عن دولة الفاسقين و دولة الفاسقين لو عادَتْ لميتمكّنوا عليهم السلم من العدل في الارض فكيف تراد من الايام هنا فلعلّ المراد بالردّ الي الدنيا باعتبار مقابلة الٰاخرة لانّها هي الدنيا اي الاولي او المراد بالردّ اليها استدراك ما فاتهم فيها من اصلاح رعيّتهم فانهم يستدركون ذلك بان يحيي من له مظلمة و يحيي معه ظالمه فيقتص منه او قصاص فيقتصّ منه و يبعث من نقص ايمانه ليستكمله و من لميحصل له ما طلبه من العلوم للّهِ تعالي ليتعلّم ما احَبَّ و اَمْثال ذلك او المراد بالاَيّام الاعم و نسبت اليه لظهور عدله و حيوة دينه فيها او المراد بالايّام الائمة عليهم السلم و في الحديث لاتعادوا الايام فتعاديكم و المراد [ص 184] بها هم عليهم السلم فالاحد اميرالمؤمنين عليه السلم و الاثنين الحسن و الحسين و الثلاثا علي بن الحسين (ع) و الباقر و الصادق عليهم السلم و الاربعاۤء الكاظم و الرضا و الجواد و الهادي و الخميس الحسن العسكري (ع) و الجمعة هو القاۤئم عليه السلم و اليه تجتمع الامم و السبت رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و ردّهم في الايام المراد به انهم خرجوا الي الدنيا مظلومين مضطهدين لميخرجوا فيها علي ما هم عليه لانهم سلاطين الدنيا و الٰاخرة و اليهم ترجع الامور كلّها فلما غُصِبُوا سلطانَهُمْ و ازيلوا عن مقامهم حتي غيّر اعداۤؤهم الدين و حرّفوا الكتاب المستبين و اراد اللّه اظهار دينه و اعلاۤء كلمته ردّهم في ايّامه اي ردّهم الي الدنيا فيما هم عليه من ظهورهم برفع الموانع عنهم و اذلال اعداۤئهم الناصبين لهم الغاصبين لحقّهم و تمكينهم من مراتبهم التي خلقهم فيها و خلقها لهم فهم ايّام اللّه و ردّهم في ايّامه اي علي ما هم عليه من كونهم ملوك الدنيا و الٰاخرة او المراد بالايّام اوقات ظهور افاعيله في خلقه من خلق و رزقٍ و حيوة و مماتٍ كليّات او جزئيات حيث كانوا ابوابه لجميع فيوضاته فان قلت علي هذا لا معني للردّ لانهم اذا كانوا ابواب فيوضاته لميخرجوا عن تلك الايام ليقال انّه في الرجعة يردّهم فيها و لو كانوا خرجوا تعطّل الفيض قلتُ انّهم لميخرجوا بالكليّة اصلاً و الّا لفسدت السموات و الارض و من فيهن و لكنهم عليهم السلم لمّا لميكونوا متمكّنين من جهة اقامة الدين علي ما ينبغي كان غاية وساطتهم في اصلاح الوجود الكوني بما فيه من الشرع الكوني و هو ظاهر التكوين فلايكون الوجودُ الكوني مستقيماً علي ما ينبغي بظاهر التكوين و انما يستقيم بباطنه و سرّه و باطن التكوين و سرّه هو الكون الشرعي و لميكونوا في دولة الباطل متمكّنين من اقامته فاذا رجعوا ذهبت بظهورهم و تمكّنهم دَوْلةُ الباطل [ص 185] و اضمحلّت و اقاموا الكون الشرعي و استقامت الاشياۤء علي كمال ما ينبَغي و استدار الفلك كهيئته يوم خلق اللّه السموات و الارض لانّهم اقاموا العوج بان اعطوا كلّ شيءٍ مدد معونته علي ما يراد منه فهنالك صدق ان اللّه تعالي ردّهم في ايّامه اي اوقات ظهور افاعيله من جميع الخلق و الرزق و الحيوة و المَوْت .
و قوله عليه السلم : و يمكّنكم في ارضه من قوله تعالي و نريد ان نمنّ علي الذين استضعفوا في الارض و نجعلهم ائمة و نجعلهم الوارثين و نمكِّن لهم في الارض و نري فرعون و هامان و جنودهما منهم ما كانوا يحذرون و عن اميرالمؤمنين عليه السلم قال هم آلمحمد صلي اللّه عليه و آله يَبعث اللّه مهديّهم بعد جهدهم فيعزّهم و يذلّ اعداۤءهم و في نهج البلاغة قال عليه السلم لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسِها عطف الضّروس علي ولدِها و تلا عقيب ذلك و نريد ان نمن علي الّذين استضعفوا في الارض الٰاية ، و في معاني الاخبار عن الصادق عليه السلم انّ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله نظر الي علي و الحسن و الحسين عليهم السلم فبكي و قال انتم المستضعفون بعدي فقيل للصادق عليه السلم ما معني ذلك يا ابن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال معناه انكم الائمة بعدي ان اللّه تعالي يقول و نريد ان نمنّ علي الذين استضعفوا في الارض و نجعلهم ائمة الٰاية ، فاذا كانت الفقرة مقتبسةً من قوله تعالي و نمكّن لهم في الارض كان معناها ان اللّه تعالي يجعلهم ائمة يقتدي بهم و انّه لايكون بعد ملكهم ملكٌ لمخلوقٍ و الّا لَماتَمَّ التمكينُ اذا تمكّن بعدهم في الارض غيرهم لانّ المعني ظاهر في الٰاية حيث قال و نجعلهم ائمة يقتدي بهم اي لايُقتدَي بغيرهم الّا عنهم و نجعلهم الوارثين للارض فلو تمكَن بعدهم في الارض احد كان هو الوارث للارض لانه هو الاخير [ص 186] لا هم فلعلّ العطف في و نمكن لهم في الارض في الٰاية تفسيري .
قال عليه السلم : فمعكم معكم لا مع عدوّكم آمنتُ بكم و تولّيتُ آخركم بما تولّيتُ به اوّلكم .
قال الشارح المجلسي (ره) فمعكم معكم اي فانا معكم بالقَلْب و اللّسانِ او هُنا و في الرجعة او كرّر للتأْكيد و تولّيت آخركم بما تولّيت به اوّلكم اي اتولّي كلّ واحدٍ منكم بنحو ما تولّيتُ به اميرالمؤمنين عليه السلم فانّ كلَّ واحدٍ آخِرٌ بالنسبة الي سابقه او اعتقد بوجود المهدي عليه السلم الأنَ لا كما تقوله العاۤمّة انه غير موجودٍ الأن بل يوجد و يخرج مع انهم قاۤئلون بوجود الخضر و الياس و غيرهما و قاۤئلون بان النبي صلي اللّه عليه و آله قال لايزال امر الدين قاۤئماً ما وليهم اثناعشر خليفةً كلهم من قريش و بانه قال (ص) من مات و لميعرف امامَ زمانه مات مٖيتةً جاهليّة فعلي قولهم لا دين لهم و يموتون كفّاراً و نحن ايضاً قاۤئلون بهذا القول انتهي .
اقول قوله فمعكم معكم اي اذا جُبلت فطرتي و استقر رأيي و عملي و استقام اعتقادي وَ اطمئنّ قلبي و سكنَتْ نفسي علي ما تقدّم مما سمعتَ و نطق به لساني و قد وجدتُ فيما انطوت عليه سريرتي و عقد عليه قلبي و كشف عن بيان حقيقته فؤادي انّ مبدأ ذلك و المقتضي له و الكاشف له و الداعي اليه و المرشد الي سبيله المستقيم و المحبِّب الي قبوله ليس مني و لا عني و لا من احد من الخلق الّا بواسطتهم خاۤصّة عن اللّه اذ بدونهم لايكون شيء من ذلك و لا حقّ في غيره و لا نجاة الّا به و لميرد اللّهُ غير ذلك و كان لا بدّ لكل من لميكن مستقلاً من الانضمام الي من يكون مستقلاً و به الاستقلال و كان تعالي لميجعل له باباً و لا واسطةً و لا دليلاً عليه و لا عضداً لجميع [ص 187] خلقه الّا ايّاهم عليهم السلم وجب ان يكون كلّ من سواهم منضمّاً اليهم طوعاً كاولياۤئهم و محبيهم و لهم اجرهم او كرهاً كاعداۤئهم و مبغضيهم و عليهم وِزْرَهم و اليه الاشارة بقوله تعالي باطنه فيه الرحمة لاولياۤئهم و ظاهره من قبله العذاب لاعداۤئهم و لا قوام للمنضمّ الا بالانضمام اليهم عبّر عنه بقوله فمعكم معكم علي التأْكيد للانقطاع و الانتهاۤء لا مع عدوّكم لانهم علي العكس في جميع ما ذكر و اما ما ذكره من بعض المعاني لهذه الفقرة فهو صحيح فيجوز ان يراد بالٰاخِرِ القاۤئم عليه السلم علي معني انّ ولايتي للقاۤئم عليه السلم هي ولايتي لعلي بن ابيطالبٍ او كما انّ وِلايَتي لعَلي بن ابيطالبٍ (ع) بعد وجوده و تحقّقه كذلك ولايتي للحجة (ع) بعد وجوده و تحقّقه و هذا المعني اي انّي تولّيت من هو موجود انسب من كون تولّيتُ بمعني اعتقدتُ اوْ انّ ولايتي لكلّ لاحقٍ منكم هي ولايتي لكلّ سابقٍ منكم اوْ انّ كلّ واحد منهم عليهم السلم فله اوّل و آخر فاوّله من جهة حقيقته كالمقامات و المعاني و الابواب و الاشباح فالمقامات اوّل حقيقي و المعاني و الابواب و الاشباح اوّليتها اضافِيّة و الامام و الحجة و المفترض الطاعة و الخليفة آخِرٌ فقول المؤمن تولّيْتُ آخركم اي اوّلَ كلِّ واحدٍ منكم اي آمنتُ و صدّقتُ و امتَثلتُ و اَثْنَيْتُ و اطعتُ آخر كلِّ واحدٍ منكم اي كونه عندي خليفة اللّه في ارضه و خليفة رَسُولِهٖ و وليَّ اللّهِ و اِمامَ الخلق و حجّة الحقّ المفْترض علي كلّ الخلق طاعته بما تَولّيتُ به اوّلكم اي اوّلَ كلّ واحدٍ منكم يعني آمنتُ و صدّقْتُ و امتثلتُ و اَنْثيْتُ و اطعتُ اوّلَ كلّ واحدٍ منكم اي كونه عندي اسمَ اللّهِ الاَعْظم و آيته الكبري و محلّ مشيّته و لسان ارادته و معاني اسماۤء افعاله و حامل صفات افعاله و ترجمان وحيه و وجهه الذي اليه يتوجّه اولياۤؤه و بابه الّذي منه يؤتي و بَشَرهُ المحتجبَ به عن الاشياۤء و حجابه الذي ظهر به للاسماۤء و قول الشارح (ره) لا كما تقوله العَاۤمّة انّه [ص 188] غير موجود يريد به بعض العاۤمّة لا عاۤمتهم لانّ لهم في ذلك ثلاثة اقوال : احدُها انّ القاۤئم الموعود بخروجه هو محمد بن الحسن العسكري عليهما السلم كما تقوله الشيعة و انّ اللّه تعالي بقدرته و حكمته قد اطال عمره كما اطال عمر الخضر و الياس و علي بن عثمن بن ابيالدنيا و انّه في زمن علي عليه السلم و الي الٰان هو موجود و انه لايموت الّا عند النفخ في الصور لانه شرب من عين الحيوة كما نقله الصدوق رحمه اللّه في كتابه اكمال الدين و اتمام النعمة و كابليس مع نطق القرءان ببقاۤئه الي يوم يبعثون و اجماع المسلمين علي ذلك و كالشياطين كما قيل بانهم لايموتون الّا بسبب بل قيل ذلك في الحيّة ايضاً و كالملاۤئكة و قدرة اللّه في مثل ذلك لاتنكر الّا انّ القاۤئل بذلك منهم قليل نقله ابنحجر في الصواعق المحرقة له و ثانيها ان القاۤئم هو عيسي بن مريم (ع) و نقلوا عليه روايات و فسّروا قوله تعالي و ان من اهل الكتاب الّا ليؤمننّ به قبل موته و ان ضمير به و موته يعود الي عيسي و انه هو المنتظر و لان اللّه تعالي قال و ماقتلوه و ماصلَبُوه و لكن شُبِّهَ لَهُمْ و قال تعالي بل رَفَعهُ اللّهُ اليهِ ، و ثالثها انّه المهدي العبّاسي من بنيالعبّاس وَ اَنّه الأنَ لميوجد و لا بدّ اَنْ يوجد و الحق ما دلّت عليه الروايات من الفريقين و اجماع اهل البيت عليهم السلم و شيعتهم و هو انه محمد بن الحسن العسكري عليه السلم عجّل اللّه فرجه فيجوز ان يكون تولّيت آخركم الخ ، بمعني آمنتُ بوجود آخِركم عجّل اللّه فرجَه و سَهَّل مخْرجَهُ اَوْ ببقاۤئِهٖ و انّه حيّ الي اَنْ يخرج طالت الازمنة اَوْ قصرت قبل الموت اَوْ بظهوره قبل الموت حتي يملأَها قِسطاً و عدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً .
[ص 189] قال عليه السلم : و برئتُ الي اللّٰه عز و جل من اعداۤئكم و من الجبت و الطاغوت و الشياطين و حزبهم الظالمين لكم الجاحدين لحقّكم و المارقين من ولايتكم و الغاصبين لارثكم الشاكّين فيكم المنحرفين عنكم و من كل وليجة دونكم و كلّ مطاع سواكم و من الائمة الذين يدعون الي النار .
قال الشارح المجلسي (ره) و من الجبت ... و من الطاغوت ... و الشياطين بنياميّة و بنيالعباس و حزبهم اتباعهم و الغاصبين لارثكم من الامامة و الفيء فدك و الخمس و غيرها الشاۤكين فيكم اي في امامتكم كانهم و ان لميقولوا بامامتهم و لكن يحتملونها او غيرهم من الشاكين و من كل وليجة اي معتمد عليه كعلماۤئهم و فقهاۤئهم كما قال اللّه تعالي ام حسبتم ان تتركوا و لمايعلم اللّهُ الذين جاهدوا منكم و لميتخذوا من دون اللّه تعالي و لا رسوله (ص) و لا المؤمنين وليجة و المراد بالمؤمنين هُنا الائمة عليهم السلم كما في الاخبار الكثيرة و من الائمة الذين يدعون الي النار و هم ائمتهم لانهم قاۤئلون بان ائمتنا داعون الي الجنّة بلا خلاف بينهم انتهي .
اقول برئ بمعني امتنع و ذلك بعد ذكر تولّيت اي انقَدْتُ و اطعتُ بظاهري و باطني و سرّي و علانيتي و قولي و فعلي لكم ناسبَ ذكر ركنَ الدّين الايسر و ان كان معلوماً عند ذكر الركن الايمن من الدين الذي هو الولاية و الطاعة المطلقة لانّ الاقبال يلزمه الادبار عن ضده العام كما اذا قلتَ انا غرّبتُ لزمك انّك تركت جهة الشرق و امتنعتَ من التشريق لكن لمّا كان بعض العاۤمّة يَدّعي انّه متوالي بعلي و اهل بيته و باصحاب رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و قد قامت الادِلّة عقلاً و نقلاً ان [ص 190] ذلك ممتنع بان يتوجّه الي الشيء في حال توجّهه الي ضدّه العام ذكر البراۤءة لبيان توهّم مَن توهّم ذلك و للردّ عليه و علي مَن يقول احبّ الكل تحظ بالكلّ و لانّ النطق له تكليف خاۤصّ لايسقط بقيام القلب بمعناه و ليتعلّم مَن لايعلم و يتنبّه مَن لميتنبّه و لتشهد به الارواح حين تسمعه و لينتقش في الالواح حين يقرعُهٰا فلما ذكر الموالاة ناسب ذكر ضدها العام لما قلنا فقال و برئتُ الي اللّه عز و جلّ اي امتنعْتُ و لماُطِع و لمانقَدْ بظاهري و باطني و سرّي و علانيتي و قولي و فعلي من طاعة اعداۤئكم و محبّتهم و الميل اليهم و الاخذ عنهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و التجأْتُ في ذلك الي اللّه عز و جل و استجرتُ به من ذلك الميل و ان يجري ذكره في قلبي و اسارير صدري و اَلّايكلني الي نفسي الامّارة بالسُّوۤء فتميل الي ابويها لانّ كل انسانٍ له ستة اٰباۤء ابَوا عقله محمد و علي صلي اللّه عليهما و آلهما قال تعالي و وصّينا الانسان بوالديه حسناً من نور ( صفة خ ) محمد صلي اللّه عليه و آله ماۤدّته و هي الأب و من نور صفة علي عليه السلم الباطنة صورته و هي الأُم اذا كان ذلك الانسان مؤمناً لان الصورة صبغ الرحمة باطنه فيه الرحمة و قال الصّادق عليه السلم ان اللّه خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمتِهٖ فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امّه ابوه النور و امّه الرحمة الحديث ، و ان كان الانسان كافراً او منافقاً فمن ظل صفة علي عليه السلم الظاهرة و ظاهره من قبَله العذاب لانّ عليّاً عليه السلم شفاۤءً و رحمةً للمؤمنين و لايزيدُ الظالمين الّا خساراً و ابَوا نفسه الامّارة بالسوۤء الاوّل و الثاني و ان جاهداك علي ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلاتطعهما فمادّتها من الاوّل من سجّين و طين خبال و صورتها النكري و الشيطنة قال تعالي تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر و هو الثاني و المنكر صفته يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا فمن الاوّل الأب [ص 191] و من الثاني الام و ابَوا الجسم الابوان المعروفان و صاحبهما في الدنيا معروفاً ، و برئت الي اللّه عز و جل من اعداۤئكم اي لذتُ الي اللّه و اعتصمتُ به من ان يميل قلبي او يجري في فكري او ينطق لساني بذلك و انّما كانت الولاية الركن الايمن من الدّين لانها المقصود و المدد و انّما كانت البراۤءة الركن الايسر من الدين لانّها نفي المنافي بعد الثبوت لانه في عالم الكثرة لمتتحقّق الولاية الحق الّا بالبراۤءة لكون الولاية في حكم الجهل و ما يصل اليه الجهل و ما قد يلمّ به اعمّ من الولاية الحقّ لحضور الولاية الباطل عند الولاية الحقّ في مشهد الكثرة و الجهل فكانت البراۤءة هي الركن الايسر للحوقها للولاية و انّما كانت ركناً لاعتبار الملازمة بينهما و انّما اعتبرت الملازمة لانّ المكلّف لاينفك عن الفعل او الترك و الولايتان متنافيتانِ تَنافياً كُلِّيّاً ففعلُ شيءٍ في احدي الولايتَيْنِ ترْكٌ له في الولاية الاخري و تروك الولاية الحق واجبات ففعل هذه التروك محرمات فيها و هي افعال الولاية الباطل و افعال الولاية الحق واجبات و تروكها محرمات فيها و هي تروك الولاية الباطل فمن ترك واجباً من اللّه فقد فعل تركاً معتبراً في الولاية الباطل و مَن فعل محرّماً عند اللّه فقد فعل فعلاً معتبراً في الولاية الباطل فلايخلو المكلّف عن احدهما ابداً فالولاية الباطل ضدّ عاۤم للولاية الحق و كلّ فعل او ترك فيها فهو ضدّ عام لنقيضه في الولاية الحق فكانت الولاية الحق لاتتقوّم في مشهد الكثرة الّا بالبراۤءة من الولاية الباطل .
و قوله عليه السلم : و من الجِبْت و الطاغوت عطف تفسيري او خاص علي عاۤمّ و الجِبْت الصنم و الكاهن و السّاحر و السِّحر و الذي لا خير فيه و كلّ ما عُبِدَ مِن دون اللّه تعالي و في حديث الباقر عليه السلم المراد به الاول و في القاموس الطاغوت اللّات و العُزَّي [ص 192] و الكاهن و الشيطان و كل رأس ضلال و الاصنام و كل ما عبد من دون اللّه و مردة اهل الكتابِ ه ، و الطاغوت فلعوت مقلوب طغَي و هو تجاوز الحدّ و يجيۤء مفرداً كقوله تعالي يريدون ان يتحاكموا الي الطاغوت و جمعاً كقوله تعالي و الذين كفروا اولياۤؤهم الطاغوت و يجمع مفرده علي طواغيتَ و كذلك الجبت يجمع علي جوابيت و في الدعاۤء اللهم العن الجوابيت و الطواغيت و كلّ ندٍّ يدعَي من دون اللّهِ ه ، و في حديث الباقر عليه السلم المراد بالطّاغوت الثاني و فيما كتب الرضا عليه السلم للمأمون في الحديث الطويل الذي جمع فيه كثيراً من الاصول و الفروع قال عليه السلم و لا اِيْمانَ اِلّا بِالبراۤءةِ مِنَ الجبت و الطّاغوت اللَّذَيْنِ ظَلَمٰا آلمحمّدٍ حقّهم و اَخذا ميراثهم و غصَبا خمسهم و اخذا فدك من فاطمة صلّي اللّه عليها و هَمّا باحراق البيت و الصكّ عليها و غيّرا سنّة نَبيّهم صلي اللّه عليه و آله ه ، و الصَّكُّ هُنا الباب .
و قوله عليه السلم : و الشياطين و حزبهم الظّالمينَ لكم الي آخره ، يراد منه في الشياطين الخواۤصّ مثل ودٍّ و سُواع و يغوثَ و يعُوقَ و نسرٍ و الحمار و السّامري و الانصاب و الازلام او مطلقاً و يدخل فيه المذكورون و السلسلة التي ذرعها سبعون ذراعاً بذراع ابليس و في حديث الرضا عليه السلم الطويل المذكور قال عليه السلم و البراۤءة من الناكِثَيْن ودٍّ و سُواعٍ و اراد بهما طلحة و الزبير قال (ع) اللّذينِ هتكا حجاب رسول اللّهِ صلي اللّه عليه و آله و نكثا بيعة امامهم و اخرَجا المَرْأةَ و حاربَا اميرَالمؤمنين عليه السلم و قتَلا شٖيعةَ رَسولِ اللّه صلي اللّه عليه و آله المتقين و البراۤءة من يغوثَ نعثل الذي ضرب الاخيارَ و نفاهم و شرّدهم في البلدان و آوَي الطُّرَداء و اللُّعَنَاۤءَ وَ جعل الاموال دُولةً بين الاغنياۤء منهم و استعمل السفهاۤء و البراۤءة من يعوقَ و نسرٍ معوية [ص 193] و عمرو بن العاص و اتباعهم الّذين حاربوا اميرالمؤمنين عليه السلم و قتلوا المهاجرين و الانصار و اهل الفضل و الصلاح من التابعين و البراۤءة من الحمار الذي يحمل الاسفار ابيموسي الاشعري و اهل ولايته و البراۤءة من السّامري و اصحابه الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا و هم يحسبون انهم يحسنون صنعاً اولٰۤئك الذين كفروا بٰاياتِ ربهم بولاية اميرالمؤمنين عليه السلم و لقاۤئه ان يلقوا اللّهَ بغير ولايته و امامته فحبطت اعمالهم فلانقيم لهم يوم القيمة وزناً كلاب النارِ ، اقول في كلام اميرالمؤمنين عليه السلم و هو يخطب في البصرة بعد رجوعه من وقعة الجمل و كان الحسن البصري مستتراً و يكتب كلماته عليه السلم لينسبها اليه فزجره و قال مه ثم قال عليه السلم اَما انَّ لكل امّةٍ سامري و سامري هذه الامّة هذا ، قال الرضا عليه السلم و البراۤءة من الانصاب و الازلام ائمة الضلالة و قادة الجور كلّهم اوّلهم و آخرهم و البراۤءة من الشقيّ المرادي نظير عاقر الناقة الذي كان اشقي الاولين و الٰاخرين و البراۤءة من يزيد بن معوية لعنهما اللّه و اصحابه الذين قتلوا الحسين بن علي عليهما السلم الحديث ، اقول انه عليه السلم ذكر البراۤءة من هؤلاۤء بعد ذكر الايمان فقال و الايمان اداۤء الفراۤئض و اجتناب المحارم و هو معرفة بالقلب و اقرار باللسان و عمل بالاركان الي ان قال و نؤمن بعذاب القبر و منكر و نكير و البعث بعد الموت و الحساب و الميزان و الصراط و لا ايمان الّا بالبراۤءة من الجبت و الطاغوت الي آخر ما تقدم فدلّ علي ان البراۤءة ركن للولاية العاۤمّة الكلّية التي هي جميع ما يريد اللّه من المكلّفين في مقام التكليف الذي عبّرنا عنه سابقاً بمقام الكثرة و الجهل كما اشرنا اليه و علي تفسير الشارح للشياطين ببنياُميَّة و بنيالعبّاس الذين هم السلسلة التي ذرعها سبعون ذراعاً بذراع ابليس ثلثون من بنياميّة [ص 194] و مَن ترأّسَ لهُمْ من اتباعهم و اربعون خلفاۤء بنيالعبّاس و في تفسير علي بن ابراهيم قال معني السلسلة السبعون ذراعاً في الباطن هم الجبابرة السبعون ه ، يعني الثلاثين من بنياميّة و الاربعين من بنيالعباس فعلي ذلك يكون ضمير في حزبهم يعود علي السّبعين و من ذكر قبلهم ممّن تقدّم عليهم و يجوز ان يراد بالشياطين مَن ذكره الرضا عليه السلم في الحديث السابق بخصوصهمْ فيكون الحزب شاملاً لبعض الثلاثين و كل الاربعين و اتباع الجميع المشاركين لهم الي يوم القيمة و في تفسير القمّي عن الصادق عليه السلم او كظلمات فلان و فلان في بحر لجيّ يغشاه موج يعني نعثلاً من فوقه موج طلحة و الزبير ظلمات بعضها فوق بعضٍ معوية و يزيد و فتن بنياميّة الحديث ، و البحر اللجّيّ هو الدنيا و في الحديث الدنيا بحر عميق قد غرق فيها عالم كثير الحديث ، و قد جعل الاول و الثاني ظلمات و من بعده ممن ذكر ظلمات و جعل بعضها فوق بعضٍ يشعر بان الاربعين داخلون في الحزب و الحاصل انا اذا اعتبرنا في البراۤءة الضدّية العاۤمّة للولاية الحقّ العاۤمّة دخل في المتبرأ منهم كل ظالمٍ من الصامت و الناطق حتّي نشترط في كمال الايمان الولاية للارض و الماۤء العذبَيْن و البراۤءة من الارض و الماۤء المالحَيْن و الظالمين لكم يشمل كلّ من ادّعَي ما ليس له فانّه ظلم لٰالمحمد لانهم صلّي اللّه عليهم حقّهم الحقُّ في كل شيء فمن تعدَّي حدّاً من اللّه فقد ظلمهم عليهم السلم و الجاحدين لحَقّكم يدخل فيه كلّ من عرف انّ حق آلمحمّدٍ صلّي اللّه عليه و آله الحقّ و تعدّي حدّاً من حدود اللّه بعد العلم اي المعرفة الذوقية بذلك و الجاهل بذلك ناقص الايمان الّا انّه لايدخل في ذلك فان كان من اهل المحبّة لاهل البيت عليهم السلم فاولٰۤئك يبدّل سيّئاتهم حسنات و ان لميكن من اهل المحبّة و الولاية فامره مُرجي لامر اللّه فاذا قامت قيامته حاسبه [ص 195] بعمله فاِمّا الَي الجنَّةِ و اِمّا اِلَي النَّار و المارقين من ولايتكم كالخوارج اوْ اعمّ و الغاصِبٖين لأرثكم كمن تقدّم اوّلاً و يدخل فيهم كلّ من اتّبعهم علي ذلك و الارث كفدك و العَوالي و الخمس و الجلوس للحكم و التولّي لأمور المسلمين و التسلّط عليهم و امثال ذلك و امّا ميراثهم الحقيقي الذي هو العلم و آثار الانبياۤء و دلاۤئل الامامة فان ذلك عندهم لايمكن احد من الخلق علي ازالته عن رتبته التي وضعه اللّه فيها الشّاكّين فيكم يدخل في هذا كل من دخله شك اوْ ريب في امامتهم و كونهم حجج اللّه المفترضين الطاعة علي المكلّفين و في شيء من فضاۤئلهم الظاهرة المشهورة و فيما ورد في حقهم من بعد ما تبيّن له الهدي و امّا مَن لميعلم فحكمه الارجاۤء لأَمر اللّه يوم القيمة و كذلك حكم المنحرفين عنكم من بعد ما تبيّن له الهدي و من كل وليجةٍ دونكم الوليجة البطانة و الاصل من يتّخذه الرجل لسرّه و يعتمد عليه بخلاف ما يظهر للناسِ و كل من اتخذ وليجةً من دونهم عليهم السلم بعد البيان من اللّه فهو يعبد وليجتَهُ من دون اللّهِ من حيث لايدري و اليه الاشارة بقوله تعالي و يوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين اشركوا اين شركاۤؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لمتكن فِتنَتهُمْ الّا ان قالوا واللّهِ ربِّنا ماكنّا مشرِكين انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، و يقول الصادق عليه السلم في الحديث السابِق في الايمان قال (ع) هيهات فات قوم و ماتوا قبل ان يهتدوا و ظنّوا انهم آمَنُوا و اشركوا من حيث لايعلمون ، و كل مطاعٍ سواكم اي كلّ مطاع سواكم فهو مطاعٌ في معصيَةٍ من جميع الخلقِ و كلّ مَنْ اُطٖيعَ من جميع الخلق في طاعةِ اللّهِ فهو طاعتهم و اُطٖيعَ لهم و ليس هو اذْ ذاكَ سواهم سواۤء علِم المطيعُ او المُطَاعُ بذلك ام لا و الاصل في هذا ما ذكرناه سابقاً انّ ما كان للّهِ فهو لهم و ما كان لهم فهو للّهِ و ما لايكون للّهِ لايكون لهم و ما لايكون [ص 196] لهم لايكون للّه الّا انّا سابقاً بيّنّا دقيقةً يفرق بها بين الحقّ و الباطل و هو انّ ما يكون لهم لا بدّ و ان يكونَ صحيحاً و حقاً و لايكون لهم شيء من الباطل فايّما عمَلٍ اُوقعَ لهم خاۤصّة فليس للّه و ليس لهم لانه عمل باطل و ليس للّه و ليس لهم الّا الحق و ايّما عَملٍ اُوقِع للّه خاۤصّة فهو لهم لانه حقّ و صحيح فاذا اخلص العملُ للّهِ كان صحيحاً و صحّ اَنْ يكون لهم لانّ اللّه سبحانه غنيّ عن كلّ شيء و انّما اَمر بالاعمال لهم و علي اللّه سبحانه جزاۤء مَن اطاعَهُ في ذلك و انّما اَمر بعبادته خاۤصّة لتصحّ العبادة و لو وقعَتْ لهم عليهم السلم كانت باطلةً و لايصل اليهم منها شيء و انّما كانت الاعمال لهم لانّها زرعهم وَ مَنْ زَرَع حَصد و قد تقدّم بيان كون هذا زرعهم في خلال هذا الشرح في مواضع متفرِّقة فراجع و من الائمة الذين يدعون الي النار و هم الذين اتخذوا الٰههم هواهم لانّهم يحكمون بما يوافق اغراضهم و شهوات انفسهم و علي مقتضي حواۤئجهم و قد ائتمّوا بهم و السُّفل و من يريد اللّه اضلاله لميقبل الحق من اللّه فيكله الي نفسه فيأتمّ بامثال هؤلاۤء الائمة ائمة الضلال الذين حكي اللّه تعالي عن قولهم يوم القيمة لمن اضلّوهم فحق علينا قول ربّنا انّا لذاۤئقون فاغويناكم انا كنا غاوين ، و في الكافي عن الصادق عليه السلم ان الامام في كتاب اللّه تعالي امامانِ قال اللّه تعالي و جعلناهم ائمةً يهدون بامرِنا لا بامرِ الناس يقدمون امر اللّه قبل امرِهم و حكم اللّه قبل حكمهم قال و جعلناهم ائمةً يدعون الي النار يقدِّمون امرهم قبل امر اللّهِ و حكمهم قبل حكم اللّهِ و يأخذون باهواۤئهم خلاف ما في كتاب اللّه عز و جل ه ، فان قلت كيف يمكن ممّن يتصف بالتمييز اَنْ يفعل شيئاً يدخل به النار مع علمه بذلك و يقينه كما اخبر اللّه عن علمه بذلك و قصده اليه قال تعالي و جعلناهم [ص 197] ائمّة يدعون الي النّار و قال تعالي فحقّ علينا قول ربّنا انا لذاۤئقون فاغويناكم انّا كنا غاوين فانهم اخبروا في الٰاخرة عن حالهم في الدنيا انّا لمّا حقّت عَلَيْنا كلمة ربّنا بتعذيبنا اغويناكم و الاغواۤء في الدنيا قلتُ انّ الكافر و المنافق لا بدّ و ان يكون عالماً بما دُعِي اليه انّه حقّ بحيث لايجهل شيئاً و الّا لماقامت الحجة عليه لانّ اللّه تعالي بكرمه و لطفه و غناه عمّا سواه انما اَمر عبادَهُ و كلّفهم لصلاحهم و نفعهم كما قال تعالي يريد اللّه بكم اليسر و لايريد بكم العسر و لايكلِّف الغَافل و لا الجاهل بما يؤمر به و لايحمل علي غير العالِم بما يُؤمَرُ به فابانَ علي اَلْسِنَةِ اوْلياۤئِهٖ ليس علي العباد ان يعلموا حتي يُعَلّمَهُم اللّهُ ، الناس في سعةٍ ما لميعلموا و قال تعالي و ماكان اللّه ليضلّ قوماً بعد اذ هديهم حتّي يبيّن لهم ما يتّقون ، و ماكنا معذّبين حتي نبعث رسولاً ، و من يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدي و امثال ذلك و لو كلّف الغافل لكان تكليفاً بما لايطاق و هو قبيح عقلاً لايفعله الغني المطلق و لو حمل علي الجاهل لكان ظلماً و ما رَبُّكَ بظلّام للعبيد و امّا قوله تعالي و هم يحسبون انّهم يحسنون صنعاً فذلك جهل بين عِلْمَيْنِ و يَقينٌ بين شَكَّيْنِ و العلّة في ذلك ان اللّه سبحانه خلقَ كلَّ شيءٍ علي صفةِ ما تعرّفَ لَهُ به و مَاتعرّفَ لشيءٍ الّا بالحقِّ المبين لانه سبحانه هو الحق المبينُ و حقيقةُ كلِّ شيء ما تعرّفَ له به و لميكلّفه بشيء الّا بوصف ما تعرّفَ له به لانَّ جميعَ الافعال صفات الفاعلين فكل فعلٍ فهو صفةُ فاعلِهٖ فلمّا ابرزَ من كتم غيبِ الامكانِ ما تعرّفَ به له الذي قلنا انه حقيقته وجب ان تكونَ له اِنِّيّة من نفسه اذ لايمكن اَلّايكون هو ايّاه و يتميّز في نفسه عند نفسه فذلك الفاۤئض البارز هو وجوده و ماۤدة كونه المقبولة و تلك الانّيّة اللازمة هي ماهيّته و صورته و قابليته للتكوين و هذا معني قولهم كل شيء مكوّن فله اعتبارٌ من ربه و اعتبار من نفسه [ص 198] فالاعتبار الذي من ربّه هو نور اللّه و هو وجوده و هو مادّته و هو ما تعرّف له به و الاعتبار الذي من نفسه هو ظلمة فقره و هو ماهيّته و هو صورته و هو ما عرف به نفسه انه هو فكلّما ترك اعتبار نفسه و عمل باعتبار ما من ربّه قوي نوره و استقامت فطرته و اعتدل مزاجه و استنار عقله و هكذا الي اَنْ يفارق الاضداد و الي مثل هذا المَقام اَشارَ تعالي بقوله مازال العبد يتقرّب اليّ بالنوافل حتّي اُحِبَّه فاذا احببته كنتُ سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده الذي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته و ان سكت ابتدأته ه ، و كلّما ترك اعتبارَ ما من ربه و عمل باعتبار نفسه قويت ظلمته و تغيّرت خِلقتُه و تبدّلت فطرته و اعوجّ مزاجه و طبع علي قلبه و هكذا الي اَن يري الحقّ من جهة تغييره لخِلقته باطلاً و الباطلَ حقّاً و ليس هذا داۤئماً عليه لانّ خِلقته التي من اللّه موجودة فباِبصاره بعين فطرته يري الحقّ حقاً و الباطل باطلاً و باِبصاره بعَين الصورة المتغيّرة يري الحق باطلاً و الباطل حقاً و مثال هذا ما نقل بعض الثقات انه رأي مِرْءَاةً اتي بها من عمل الافرنج اذا نظر فيها الانسان يري وجهه وجه كلبٍ لانّهم في صبّ زجاجتها عوّجوها فاذا نظر فيها انطبعت الصورة علي حسب الزجاجة كما اذا رأيتَ وجهك في السيف المصقول فانك تراه طويلاً متغيراً تغيّراً فاحشاً في الدّقةِ و الطول اذا نظرتَ فيه بالطول و تري الوجه عريضاً عرضاً فاحشاً اذا نظرتَ فيه بالعرْض فمن جهة اصل فطرة الانسان يري وجهه في تلك المرءاة الافرنجية له عينان و انف و جبهة و فم و لايري صورة جماد كصورة الجدار او الشجرة و من جهة تغيّر الزجاجة التي هي القابلة لايري وجه انسانٍ و انّما يري وجه كلب و ذلك لتغيّر الهيئةِ كذلك الانسان خلق في احسن تقويم لانه صفة ما تعرّفَ به الحق سبحانه له فانّه انّما [ص 199] تعرّف له بالحقّ ثم ردّه بعمله السيّء اسفلَ سافلين لانّ هذا هو صورته حين غيّرَها عن فطرةِ اللّهِ التي فطره عليها و بدّلها كان صفة هذا التغيير و التبديل اسفل سافلين كما كان صفة التغيير و التبديل في تلك المِرءٰاة صورة كلب فافهم فلمّا كان هؤلاۤء المغيّرون و المبدِّلون لخلق اللّه و المبتِّكون آذانَ الانعام خلقوا علي فطرة الحق الّتي هي صورة تعرُّفِ اللّه تعالي له و هي الصورة الانسانية التي هي صفة الحقّ كما ذكرنا سابقاً بانّ الصورة الانسانية شكلها مركّب من حدود و هي علم و حلم و تقوي و زهد و يقين و معرفة و صلاح و تصديق و تسليم و رضي و مروّة و شجاعة و كرم و عفو و تجاوز و صفح و صبر و غير ذلك و مَن كانت هذه صفته يقبل الحق و يعتقده و يستقيم عليه فلمّا اُمِرَ هؤلاۤء بمقتضي ما فُطِروا عليه و ذكروا به في الدعوة الالهيّة عتوا و عصوا و خالفوا جميع ما امروا به و هو تغيير خلق اللّه و تبْديله و تبتيك آذان الانعام و هذه صورة اِنكار ما تَعرَّفَ لهم به خالقهم و هي الصورة الحيوانية ان هم الا كالانعام و الصّورة الشيطانية شياطين الانس و الجنّ و شكلها مركّب من حدود و هي جهل و خرق و تهتّك و طمع و شكّ و انكار و طلاح و تكذيب و اعتراض و سخط و شره و جبن و بُخْل و مناقشة و مقاۤصّة و محاسبة و جزع و غير ذلك و مَن كانت هذه صفته يقبل الباطل و يعتقده و يستقيم عليه فلمّا كانت الحالتان موجودتين فيهما كان يعرف الحق بالفطرة الاصلية و يقبل الباطل بالصورة التبديلية فهو لايستقر علي حالٍ يعرف الحق انّه حقّ و يتركه بالصورة الثانية و ينكر الباطل بالاولي و يقبله و يعمل به بالثانية و هكذا حاله و من يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنّما يصّعَّدُ في السَّماۤء فاخبر سبحانه عن معرفتهم بالحق و قبولهم للباطل فقال و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلماً و علوّاً ، فاذا عرفتَ ما فصّلنا لك ظهر لك الجواب [ص 200] في كل ما ذكرتَ من السّؤال و عرفتَ الصواب فهم يعرفون حقّيّةَ كلّما كُلِّفوا به بالصورة الاولي و يجحدونه و يعملون بخلافه بالثانية و يعلم انّ عمله هذا موجب لدخول النار بالاولي و ينكر وجود النار و البعث بالثانية فيدعوه انكاره هذا لوجودِ البعث و الجنّة و النّار الي العَمل بما يوجب دخول النّار و يدعو اتباعه الي ذلك فهؤلاۤء الائمة يدعون الي النار و هم يعلمون في حال و هم لايعلمون في اُخْري و هذه احوال الائمة و الدعاة الي النار و اكثر اتباعهم ممّن عرف و من لميعرف موقوف لامر اللّه كما تقدم فافهم .