و قوله عليه السلم : و علانيتكم يراد منه ظاهرهم عليهم السلم و هو كونهم ائمة هديً مفترضِيَ الطاعة و خلفاۤء اللّه في ارضه و حججه علي عباده و اُمَناۤءَهُ في بلاده و هو قول علي عليه السلم ظاهري امامة و باطني غيبٌ لايدرك و لوازم هذه العلانية ما ذكرناه سابقاً من وجوب الردّ اليهم و الاخذ عنهم و وجوب متابعتهم و التسليم لهم في كل ما يرد عنهم و هذه العلانية هي ظاهر الامامة و الولاية و الخلافة اي انّي عاهدتُ اللّهَ حٖين قال لي الستُ بربّكم بقولي بَلَي علي الايمانِ بظاهرِكم و باطنِكم بالايمان الذي ذكرناه .

و قوله عليه السلم : و شاهدكم و غاۤئبكم اي مؤمن بِشاهدكم اي الائمة الاحدعشر و غاۤئبكم الحجّة عليه السلم او شاهدكم اي الناطق منكم يعني قطب الوقت و محلّ نظر اللّه من العالم المسمّي بالغوث علي اصطلاح اهل التصوف و يسمّيه افلاطون مدبّر العالم و ارسطو انسان المدينة و هو الفَارِقْلٖيطا اي مظهر الولاية او الموجود المقابل لمن مضي و لمن يأتي او الحاضر او الشاهد علي المكلّفين او لاعمالهم او [ص 151] العالم بالشهادة او المدبر الي الخلق او بالملَكِ المُحدِّثِ المُدَبِّرِ لهم او عنهم علي الاحتمالَيْن او القاۤئم علي كلّ نفسٍ بما كسبت الي غير ذلك و غاۤئبكم اي الامام الصّامت و لا بُدّ لكلّ زمانٍ من ناطقٍ و صامت و الصّامت موقوف علي الاذن من الناطق فغيبوبته بغيبوبة الاذن فهو ناطق بالناطق و حاضر شاهدٌ به اي باذْنِ الناطق و يتوقف الاذن علي وجود الناطق الّا في الحسن و الحسين عليهما السلم فانّ الحسين عليه السلم ناطق مع وجود الحسن "٢" عليه السلم و انّما هو صامت مع حضوره و مشاهدته فيتوقّف الاذن علي حضوره "-٢" خاۤصّة في حق الحسين عليه السلم او الغاۤئب غير الموجود ممن مضي منهم (ع) و ممّن سيأْتي اوْ مَن غاب عن مشاهدة المؤمن به اوْ مَن هو في حال المراقبة منهم فانه حينئذٍ غاۤئب عن الخلق كلهم و عن نفسه فلايكون حينئذٍ شاهداً علي احدٍ من المكلّفين و لا مشاهداً لاعمالهم و لا عالماً بالشهادة بل و لا الغيب من الخلق او المراد بالغاۤئب المدبر الي الخلق او عنهم علي الاحتمالين علي حكم العكس في الشاهد المقبِلِ او غير القاۤئم علي كل نفسٍ بما كسبت و ذلك اذا تجلّي لهم بلا واسطة و في اكمال الدين و اتمام النعمة سئل الصَّادق عليه السلم عن الغيبة التي كانت تأخذ النبي صلّي اللّه عليه و آله كانت تكون للنبي صلي اللّه عليه و آله عند هبوط جبرئل (ع) فقال لا ان جبرئل (ع) كان اذا اتي النبي صلي اللّه عليه و آله لم‌يدخل عليه حتّي يستأذنه فاذا دخل قعد بين يديه قِعْدَة العبد و انّما ذلكَ عند مخاطبة اللّه ايّاه بغير تَرجُمَان و لا واسطة ه‍ ، اخبر عليه السلم ان تلك الغيبة انما تكون لمحمد صلي اللّه عليه و آله عند مخاطبة اللّه ايّاه بغير ترجمان و لا واسطة و انّما الترجمان له نفسه يترجم الوحي حين القاۤئه عليه لَهُ به .

[ص 152] و قوله عليه السلم : و اوّلكم و آخركم يراد منه انّي مؤمن باوّلكم الذي هو سرّكم كما مرّ و آخركم الّذي هو علانيتكم التي هي ظاهركم في الأَكوان الوجوديّة و في التكوينات الشرعيّة اوْ اوّلكم علي بن ابي‌طالب عليه السلم قال تعالي انّ اوّل بيت وضع للنّاس للّذي ببكّة مباركاً و هدي للعالمين اي وضع ببكّة و هو موضع البيت الظاهر شرّفه اللّه و وضع فيه البيت الباطن عليه السلم او رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و عنهم عليهم السلم اوّلنا محمّد و اوسطُنا محمّد و آخرنا محمد او القاۤئم عليه السلم لانه اوّل مَن يظهر منهم و يقوم بالحق او الحسين عليه السلم لانه اوّل مَن يرجع و ينشق التراب عن راسِهٖ و آخركم القاۤئم عليه السلم او الحسن العسكري عليه السلم اذا جَعَلْنَا القاۤئم عليه السلم افضل التسعة او فاطمة عليها السلم لانّها علي قولٍ آخرهم في الرتبة و الفضل و هو الذي يظهر لي او علي بن ابي‌طالب عليه السلم لانّه آخر مَن يرجع في كرّته الاخيرة او رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله لانّه آخر مَن ينزل من السماۤء في الرجعة او المراد اوّلكم في الدنيا اي يومكم الاوّل في الدنيا و آخركم في الرجعة اي يومكم الٰاخر اوْ اوّلكم عليّ بن ابي‌طالبٍ عليه السلم لانّه اوّل مَن آمَن باللّه و رسوله صلي اللّه عليه و آله و آخركم عليّ بن ابي‌طالبٍ عليه السلم لانّه آخِر مَن فارقَ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله عند موته اوْ اوّلكم علي عليه السلم لانه القاۤئد و آخركم هو لانه هو السَّاۤئق اوْ اوّلكم اي اوّليّتكم في كلّ خير و آخركم اي آخريّتكم كذلك اوْ اوّلكم اي بكم فتح اللّهُ و آخركم اي بكم يختم اوْ اوّلكم اي اوّل مَن وُجد و آخركم اي آخر من يبقي اوْ اوّلكم اي النشأة الاولي و آخركم اي النشأة الاخري اوْ علي معني لكم الاولي و لكم الاخري الي غير ذلك .

[ص 153] قال عليه السلم : و مفوِّض في ذلك كله اليكم و مسلِّم فيه معكم .

قال الشارح المجلسي (ره) و مفوِّض في ذلك كله اليكم اي اعتقد الجميع من قولكم اوْ اسلِّم جميع اموري اليكم حتّي تصلحوا خللَها حيّاً و ميتاً و مسلِّم فيه معكم اي كما سلّمتم للّه تعالي اوامره عارفين ايّاها فانا ايضاً مسلِّم و ان لم‌يصل عقلي اليها اوْ كالسابق تأكيداً انتهي .

و قال السيد نعمت‌اللّه الجزاۤئر في شرح التهذيب و مفوّض في ذلك كله اليكم يعني ان ما طلبتُ منكم من الشفاعة و اللجاۤء اليكم مفوّضة اليكم ان شئتم فافعلوه اوْ اني مفوّض اُموري اليكم بسبب ذلك التصديق لتصلِحُوها و مسلِّم فيه معكم مسلّم بالتشديد اي مفوّض اموري الي اللّه تعالي مع اموركم التي سلّمتموها اليه انتهي ، اقول قال في النهاية في الدعاۤء فوّضتُ امري اليك اي رددتُه يقال فوّضَ الامر اليه تفويضاً اذا ردّه اليه و جعله الحاكم فيه انتهي .

اقول معني التفويض في اللغة كما سمعتَ و علي هذا يكون المعني انتهاۤءً بعد التّصديق او مبالغةً فيه او تفريعاً عليه انّي في استشفاعي الي اللّه عز و جلّ بكم و تقرّبي بكم اليه و تقديمي لكم اَمام طلبتي و حواۤئجي و اراداتي في كلّ احوالي و اموري و كذا في ما ذكر قبل ذلك مفوّض و راۤدّ في ذلك كلّه اليكم اي اني رضيتُ بكم حاكمين في كلّ احوالي و اموري و بحكمكم في جميع ذلك كلّه لانّي مؤمن بسرّكم و علانيتكم و شاهدكم و غاۤئبكم و اوّلكم و آخركم او بسبب ايماني هذا اوْ انّ مقتضي ايماني هذا و استقامتي عليه لااشكّ و لاارتاب تفويض جميع اموري و جميع احوالي مما قضي لي و عليّ و ممّا يراد مني و مما خُلِقْتُ له اليكم مسلِّم جميع ذلك اليكم و لكم تسليماً و اعلم انّ التفويض عرفاً له معنيان : [ص 154] احدُهمَا القول بنسبة الافعال او بعضها و لو فعلاً واحداً الي احدٍ من الخلق علي جهة الاستقلال و المفوّضة من قال بذلك اوْ من يؤل قوله الي ذلك سواۤء المنسوب الي فعل العبد علي الاستقلال من الذوات او الصفات او الافعال فمنهم مَن قال انّ اللّه تعالي خلق محمّداً صلي اللّه عليه و آله و فوّض اليه خلق الدنيا فهو الخلّاق لما فيها و قال بعضهم فوّض ذلك الي علي عليه السلم و منهم المخمّسة قالوا ان اللّهَ فوّضَ الامر الي سلمن و ابي‌ذر و المقداد و عمار و عمرو بن اُميّةَ الضمري فهم المدبّرون للدنيا و ممّن قال بالتفويض المعتزلة قالوا ان اللّهَ فوّضَ افعال العباد اليهم و في مجمع البحرين و من القدريّة المعتزلة لانهم شهروا انفسهم بانكار ركن عظيم من الدين و هو كونُ الحوادث بقدرة اللّهِ تعالي و قضاۤئه و زعموا انّ العبد قبل ان يقع منه الفعل مستطيع تامّ يعني لايتوقّف فعله علي تجدّد فعلٍ من افعاله تعالي و هذا معني التفويض يعني ان اللّه تعالي فوّض اليهم افعالهم انتهي ، و قال في قدر و في الحديث ذكر القدريّة و هم المنسوبون الي القدر يزعمون انّ كل عبدٍ خالقٌ فعلَهُ و لايرون المعاصي و الكفر بتقدير اللّهِ و مشيّته فنُسِبوا الي القدر لانه بدعتهم و ضلالهم و في شرح المواقف قيل القدريّة هم المعتزلة لاسنادِ افعالهم الي قدرتهم و في الحديث لايدخل الجنّة قدري و هو الذي يقول لايكون ما شاۤء اللّه و يكون ما شاۤء ابليس انتهي و قال الشيخ محمد بن ابي‌جمهور الاحساۤئي في كتابه كشف البراهين في شرح زاد المسافرين للعلّامة ادام اللّه اكرامه و مذهب المعتزلة يسمّي بالتفويض بمعني ان العبد مفوّض في افعالِهٖ مختارٌ فيها و ان اللّه تعالي فوّضه في اختيار الطاعة و المعصية و جعل زمام الاختيار بيده و قالت الاشاعرة مذهب المعتزلة يسمّي بالقدر لانّهم يقولون انّ فعل العبد مستند الي قدرته و جعلوا للعبد قدرة فهم القدريّة و هو غلط لان القدريّة هم الذين يقولون [ص 155] ان افعال العبد بتقدير اللّهِ و قضاۤئه و هم الاشاعرة لا المعتزلة و لهذا انه روي عن النبي صلّي اللّه عليه و آله ان قاۤئلاً قال له انّ قوماً من الذين يرتكبون القباۤئح و المعاصي و يقولون ذلك بتقدير اللّهِ عز و جلّ فقال عليه السلم القدريّة مجوس هذه الامّة فشابه بين القدريّة و بين المجوس من وجوهٍ ثلثة الاول ان المجوس اعتقدوا اعتقادات سخيفة و قالوا بمقالات فاسدة لزمهم منها محالات كثيرة و القدريّة كذلك الثاني ان المجوس نكحوا امّهاتهم و بناتهم و اخواتهم و نسبوا ذلك الي انه في شرعهم منزّل من اللّه تعالي فنسبوا اليه ما ليس من فعله و القدريّة نسبوا افعالهم القبيحة الي اللّه تعالي فشابهوهم الثالث ان اعتقاد المجوس مثل اعتقاد القدريّة في نسبة الافعال القبيحة الي اٰلة الشّر و الافعال الحسنة الي آلةِ الخير و انه لا فعل لهم كذلك القدريّة فشابهوهم انتهي ، اقول امّا المفوّضة فمعلوم انهم المعتزلة و من قال بمثل مقالتهم و امّا الجبريّة فمعلوم انهم الاشاعرة و امّا القدرية فقد يطلق هذا اللفظ في الاخبار علي المفوّضة مرة و علي الاشاعرة اخري الّا انّ اكثر الاطلاقات يراد منه المفوّضة كما قال (ع) لا جبر و لا قدر و لكن منزلة بينهما الحديث و عنهما عليهما السلم فسُئِلا عليهما السلم هل بين الجبر و القدر منزلة ثالثة قالا نعم اوسعُ مما بين السماۤء و الارض ه‍ ، امّا علي معني نسبتهم افعالهم الي قدرتهم علي الاستقلال او علي معني تركهم القدر سمّوا بالقدريّة كما قال ابوالمظفّر من علماۤء العاۤمّة ما معناه انّ العرب ربّما يسمّون الشيء بخلاف ما عرف به فسمّوا الغُرَاب اعور لشدّة ابصارِهٖ و قوّته و كان رجل في الْعَرب لايحبّ الخبز فسمّوه آكِلَ الخُبْز و سمّوا القدريّة بهذا لتركهم القول بالقدرِ و نخاف انّما سُمّٖينَا السّنّة لتركِنا السُّنَّة ، انتهي معني كلامه و هذا متعارف و يجوز [ص 156] الاطلاق علي المجبرة لقولهم بالقدر لكن الاكثر في الاطلاق علي المفوِّضة و الاحاديث دالّة علي ان القول بالتفويض كفر و شرك لانّهم اذا اسندوا فعلاً الي شيء علي الاستقلال فقد جعلُوه شريكاً للّهِ في سلطانه و اثبات الشريك انكار و جحود للواجب الحق تعالي لانّ التشريك انّما يكون بين الحوادث المتشابهة و في التوحيد عن الصادق عليه السلم قال ان النّاس في القدر علي ثلاثة اوْجُهٍ رجل يزعم انّ اللّه عز و جل اجْبر الناس علي المعاصي فهذا قد ظلّم اللّهَ في حكمه فهو كافِرٌ و رجل يزعم ان الامرَ مُفَوَّضٌ اليهم فهذا اوهَن اللّهَ في سلطانه فهو كافر و رجل يزعم انّ اللّه كلّف العباد ما يطيقون و لم‌يكلّفهم ما لايطيقون و اذا احسن حمِد اللّهَ و اذا اساۤء استغفر اللّه فهذا مسلم بالغٌ ه‍ ، فجعل حكم المجبر و المفوّض واحداً و قال عليه السلم مَن قال بالتشبيه و الجبر فهو كافر مشرك ه‍ ، فيحكم علي المفوّض بالشرك كالمُجْبِرِ بالطّريق الاولي و في عيون الاخبار عن الرضا عليه السلم الي ان قال (ع) و القاۤئل بالجبر فهو كافِرٌ و القاۤئل بالتفويض مشرك و الحاصل المَأٰل واحد و عن اميرالمؤمنين عليه السلم قال انّ ارواح القدريّة تعرض علي النّار غدوّاً و عشِيّاً حتي تقوم الساعة فاذا قامت الساعة عُذِّبوا مع اهل النار بانواع العذاب فيقولون يا ربّنا عذّبتَنا خاۤصّةً و تُعذِّبُنَا عاۤمّةً فيردّ عليهم ذُوقوا مسَّ سقر انّا كلّ شيء خلقْناه بقَدَرٍ و عن ابي‌عبداللّه عليه السلم قال ماانزل اللّه هذه الٰايات الّا في القدريّة انّ المجرمين في ضلالٍ و سُعر يوم يسحبون في النار علي وجوههم ذوقوا مسّ سقر انّا كل شيء خلقناه بقدر ه‍ ، اقول و الٰايات ظاهرة في ان القدريّة هم المفوّضة لان المجبرة من اقوي ادلّتهم عندهم بانّ كلّ شيء مخلوق للّهِ وحده بقدره و قضاۤئه و الٰاية يتوهّم منها كلّ من لم‌يقتد بمحمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و اهل بيته انّها صريحة في مطلوب المجبرة و امّا مَن اقتدي بهديٰهم عليهم السلم عرف انّها ردّ [ص 157] علي المفوّضة و من سلك مسلكهم خاۤصّة و قول صاحب مجمع البحرين المتقدّم و زعموا انّ العبد قبل ان يقع منه الفعل مستطيع تام يعني لايتوقّف فعله علي تجدّد فعلٍ من افعاله تعالي غير منَقّح و لايمكن تقرير الحال و تبيينه الّا ببيان حقيقة المسألة و هي المنزلة بين المنزلتين و لسْنا بصددها و لكن الامر انّ التكليف لايتوجّه الّا الي مَن كان مستطيعاً للفعل علي الوجه المأمور به لكن الاستطاعة قسمان : الاستطاعة الامكانية و هي شرط صحة توجّه الخطاب اليه بالتكليف و هي كما قال الرضا عليه السلم في الكافي حين سَئَلَه علي بن اسباط عن الاستطاعة فقال يستطيع العبد بعد اربع خصال ان يكون مخلّي السرب صحيح الجسم سليم الجوارح له سببٌ وارد من اللّه اقول هذا السبب الوارد هو القدر في فعل العبد و هو مدد الطاعة بالمعونة و النور الذي مادتها و ايجادها من تلك الماۤدة و من صورة فعل العبد و مدد المعصية بالتخلية و الخذلان الذي هو ماۤدة المعصية و ايجادها من هذه الماۤدة و من صورة العبد قال يعني علي بن اسباط جعلتُ فداك فسِّر لي هذا قال ان يكون العبد مخلّي السرب صحيح الجسم سليم الجوارح يريد ان يزني فلايجد امرأة ثم يجدُها فامّا ان يعصم نفسه فيمتنع كما امتنع يوسف عليه السلم او يخلّي بينه و بين ارادته فيزني فيسمّي زانياً و لم‌يطع اللّه باكراهٍ و لم‌يعصِهٖ بغلبة ه‍ ، و القسم الثاني الاستطاعة الفعليّة و هو قول ابي‌عبداللّه عليه السلم عن الاستطاعة تستطيع ان تعمل ما لم‌يكوّن قال لا قال فتستطيع ان تنتهي عما قد كُوِّن قال لا فقال له ابوعبداللّه عليه السلم فمتي انت مستطيع قال لاادري قال فقال ابوعبداللّه عليه السلم ان اللّه خلق خلقاً فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثم لم‌يفوّض اليهم فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل اذا فعلوا ذلك الفعل [ص 158] فاذا لم‌يفعلوه لم‌يكونوا مستطيعين ان يفعلوا فعلاً لم‌يفعلوه لان اللّه تعالي اعزّ من ان يضاۤدّه في ملكه احد قال البصري فالناس مجبورون قال لو كانوا مجبورين كانوا معذورين قال ففوّض اليهم قال لا قال فما هم قال علم منهم فعلاً فجعل فيهم آلة الفعل فاذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين قال البصري اشهد انه الحق و انكم اهل بيت النبوة و الرسالة ه‍ ، فاذا اراد صاحب مجمع‌البحرين بقوله مستطيع تام ان استطاعة العبد قبل الفعل امكانية و انّ تمامها الّذي اشار اليه بتجدّد فعل من افعاله تعالي هو ما اشرنا اليه في ذكر الوارد من اللّه الذي به تتم الاستطاعة من معونة المطيع بالمدد و معونة العاصي بالتخلية و الّا لم‌يكن متمكّناً من فعل المعصية و اذا لم‌يتمكّن من فعلها لم‌يتمكّن من فعل الطاعة و اذا لم‌يتمكّن من فعل الطاعة لم‌يحسن تكليفه و اذا لم‌يحسن تكليفه قبح ايجاده و من ايجاد الطاعة بفعل المطيع و المعصية بفعل العاصي فهو حسن و حق و الّا فهو باطل لانه يلزم منه التشريك في الفعل بينه و بين اللّه تعالي اللّه عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً و ذلك لان المنزلة الحق بين المنزلتين الباطلتين احدّ من السيف و ادقّ من الشعر و لكنّها لمن علّمه الامام عليه السلم ايّاها اوسع مما بين السماۤء و الارض و اثبت من الجبال الرواسي و في الكافي عن ابي‌عبداللّه عليه السلم قال سُئِل عن الجبر و القدر فقال لا جبر و لا قدر و لكن منزلة بينهما فيها الحقّ لايعلمها الّا العالم او مَن علّمها اياه العالم ه‍ ، اقول و هذه المنزلة ليست كما يذهب اليه كثيرون فانّ مَن وفّق لمعرفتها علم بانّهم قاۤئلونَ بالتفويض لان ادراكها صعب و ان كان اللفظ عنها سهلاً ففي التوحيد عن مهزم قال قال ابوعبداللّهِ اخبرني عما اختلفَ فيه مَن خلّفتَ من موالينا قال قلتُ في الجبر و التفويض قال فاسألني قلتُ اَجْبَرَ اللّهُ العباد علي المعاصي قال اللّه اقهر لهم من ذلك قال قلتُ [ص 159] ففوّض اليهم قال اللّه اقدرُ عليهم من ذاك قال قلتُ فأَيّ شيء هذا اصلحك اللّهُ قال فقلّبَ يَدهُ مرّتينِ ثم قال لو اجَبْتُك فيه لكفرتَ ه‍ ، فقوله عليه السلم لو اجبتُك فيه لكفرتَ صريح في انّ المنزلة الحق ليست مجرّد لفظ لا جبر و لا قدر و لا معني ذلك انه تعالي امرهم و نهاهم و قوله (ع) لو فوّض اليهم لم‌يحصرهم بالامر و النهي انّما هُوَ لبيان الدليل للساۤئل اَنّ المفوّض اليه لم‌يؤمر و لم‌ينه بل يترك و هواه و للتنبيه علي الاستدلال بان المحدّد عليه في افعاله لم‌يفوّض فيها و لا معني ذلك انه خلق لهم الٰالَة لانه لو خلقَ لهم آلة الفعل و خلّاهم من يده لم‌يكونوا شيـٔاً لِما قَدْ تقرّر بانّ الموجودَ الباقي محتاج في بقاۤئه الي المدد و المعني الثّاني ما ذكر في احاديث اهل العصمة عليهم السلم في حقّ النبي و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله من انّ اللّه تعالي خلقهم ثم خلق الخلق و اشهدهم خلق جميع خلقه و انهي اليهم علومهم و فوّض اليهم امر خلقه علي ما تسمع من الاخبار فمن ذلك ما في كشف الغمة عن مناقب الخوارزمي عن جابر قال قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله ان اللّه لمّا خلق السموات و الارض دعاهن فاجبنه فعرض عليهنّ نبوّتي و ولاية علي بن ابي‌طالب (ع) فَقبِلْنَهُمَا ثم خلق الخلق و فوَّض الينا امرَ الدّينِ فالسعيد من سعِد بنا و الشقي مَن شقي بنا نحنُ المحِلّونَ لحلاله و المحرّمون لحرامه و في بصاۤئر الدرجات عن ابي‌جعفر عليه السلم قال انّ اللّهَ خلق محمّداً عَبْداً فادَّبَهُ حتي اذا بلغ اربعين سنة اوحي اليه و فوّض اليه الاشياۤء فقال ما آتيٰكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و منه عن ابي‌جعفر عليه السلم قال وضع رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله دية العين و دية النفس و دية الانف و حرّم النبيذ و كلّ مسكرٍ فقال له رجل فوضع هذا رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله من غير ان يكون جاۤء فيه شيء قال نعم ليعلم من يطيع الرسول و من يعصيه و في تفسير العياشي [ص 160] عن جابر الجعفي قال قرأت عند ابي‌جعفر عليه السلم قول اللّه عز و جلّ ليس لك من الامر شيء قال بلي واللّهِ انّ له من الامر شيـٔاً و شيـٔاً و شيـٔاً و ليس حيث ذهبتَ و لكني اخبِرك انَّ اللّه تبارك و تعالي لما امر نبيه "٢-" (ص) ان يُظْهِرَ ولاية علي "٤" عليه السلم فكّرَ في عداوةِ قومه "٥-" "-٢" له "-٤" و معرفته "-٢" بهم "-٥" و ذلك للّذي "٦" فضّله "-٤" الله به "-٦" عليهم "-٥" في جميع خصالِه "-٤" كان "٤" اوّلَ مَن آمن برسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و بمن ارسل و كان "٤" انصرَ الناسِ للّه و لرسوله و اقتلَهم لعدوِّهما و اشدَّهم بغضاً لمن خالفهما و فضل علمه الذي لم‌يساوِهٖ احدٌ و مناقبه التي لاتحصي شرفاً فلمّا فكّر النبي صلي اللّه عليه و آله في عداوة قومه له في هذه الخصال و حسدهم له عليها ضاق من ذلك فاخبر اللّه انه ليس له من هذا الامر شيء انّما الامر فيه الي اللّه اَن يصيّرَ علياً عليه السلم وليّ الامر بعدَهُ فهذا عني اللّه فكيف لايكون له من الامر شيء و قد فوّضَ اللّهُ اليه اَن جعلَ ما احلّ فهو حلال و ما حرّم فهو حرامٌ قوله ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و من الاختصاص للمفيد (ره) عن جابر بن يزيد قال تلوتُ علي ابي‌جعفر عليه السلم هذه الٰاية من قول اللّه ليس لك من الامر شيء فقال ان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله حرص علي ان يكون عليٌّ وليّ الامر من بعده فذلك الذي عني اللّه ليس لك من الامر شيء و كيف لايكون له من الامر شيء و قد فوّض اللّه اليه فقال ما احلّ النبي صلي اللّه عليه و آله فهو حلال و ما حرّم النبي صلّي اللّه عليه و آله فهو حَرامٌ و مِنه و من بصاۤئر الدرجات عن الثمالي قال سمعتُ اباجعفر عليه السلم يقول مَن احللنا له شيـٔاً اصابه من اعمال الظالمين فهو حلال لان الائمة منّا مفوّض اليهم فما احلّوا فهو حلال و ما حرّموا فهو حرام و من الاختصاص عن محمد بن سنان قال كنتُ عند ابي‌جعفر عليه السلم فذكرتُ اختلاف [ص 161] الشيعة فقال ان اللّه لم‌يزل فرداً متفرِّداً في الوحدانيّة ثم خلق محمداً و عليّاً و فاطمة عليهم السلم فمكثوا الفَ دهرٍ ثم خلق الاشياۤء و اشهدهم خلقَها و اجري عليها طاعتهم و جعل فيهم ما شاۤء و فوّضَ امرَ الاشياۤء اليهم في الحكم و التصرّف و الارشاد و الامر و النهي في الخلق لانهم الولاة فلهم الامر و الولاية و الهداية فهم ابوابه و نوّابه و حجّابه يحلِّلُونَ ما شاۤؤا و يحرّمُونَ ما شاۤؤا و لايفعلون الّا ما شاۤءَ عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فهذه الديانة من تَقدّمها غرق في بحر الافراط و مَن نقّصهم عن هذه المراتب التي رتَّبهُمُ اللّه فيها زهق في برّ التفريط و لم‌يُوَفِّ آل‌محمدٍ حقّهم فيما يجب علي المؤمن من معرفتهم ثم قال خذها يا محمّد فانّها من مخزون العلم و مكنونه ، اقول و الاخبار الواردة بهذا المعني كثيرة غير ما ذكر و قد كثرت فيها اقاويل العلماۤء بين راۤدٍّ لها و بين واقفٍ عنها غير باحثٍ فيها و انّها من المتشابه لتواردها مع مخالفتها في العقل لمقتضي التوحيد و بين مُـَٔوّلٍ لها و الحقّ انها غير منافية للعقول السّليمة المستنيرة بنور هداية اهل العصمة عليهم السلم و ذلك ان التفويض المنافي للتوحيد هو كون المفوَّض اليه مستَقِلا بما فوِّض فيه و نسِبَ اليه و لا شكّ انّ هٰذَا شرْكٌ باللّهِ مُنَافٍ لِلتَّوْحٖيد و لم‌يرد عن اهل البيت عليهم السلم ما يَدُلّ علي ذلكَ في حقهم و لا حقِّ مخلوقٍ غيرِهمْ بل ورد عنهم نفيه عنهم و عن كلّ احدٍ من الخلق فمن ذلك ما في نوادر محمد بن سِنان قال قال ابوعبداللّه عليه السلم لا واللّهِ مافوّضَ اللّهُ الي احدٍ من خلقه لا الي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و لا (ظ) الي الائمة عليهم السلم فقال انّا انزلنا اليك الكتاب لتحكم بين الناس بما اريٰك اللّه و هي جاريةٌ في الاوصياۤء (ع) و في الاختصاص للمفيد (ره) عن عبداللّه ابن سنان مثله و في عيون الاخبار عن يزيد بن عمير بن معوية الشامي قال دخلتُ علي علي بن موسي [ص 162] الرضا عليه السلم بمرو فقلتُ له يا ابن رسول اللّه (ص) روي لنا عن الصادق جعفر ابن محمد عليهما السلم انه قال لا جبرَ و لا تفويضَ بل امرٌ بين امرين فما معناه قال من زعم ان اللّه عز و جل يفعل افعالَنا ثم يُعذِّبُنا عليها فقد قال بالجبر و من زعم ان اللّه عز و جلّ فوّض امرَ الخلق و الرزقِ الي حُججهٖ عليهم السلم فقد قال بالتفويض و القاۤئل بالجبر فهو كافر و القاۤئل بالتفويض مشركٌ و فيه عن ياسر الخادم قال قلتُ للرضا عليه السلم ما تقول في التفويض فقال ان اللّه تبارك و تعالي فوّضَ الي نبيّه (ص) امرَ دينه فقال ما اتيٰكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا فامّا الخلق و الرزق فلَا ثم قال عليه السلم ان اللّه عز و جل خالق كل شيء و هو يقول عز و جل الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاۤئكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالي عما يشركون ، و في غيبة الطوسي عن كامل بن ابراهيم المدني حين وجّهه قوم من المفوّضة و المقصّرة الي ابي‌محمّد يعني الحسن العسكري عليه السلم ليسأله عن مقالتهم الي ان قال فسلّمتُ و جلستُ الي بابٍ عليه سترٌ مرخيً فجاۤءت الريح فكشفَتْ طرفه فاذا انا بفتيً كأَنّه فَلقةُ قمرٍ من ابناۤء اربع سنين او مثلها فقال يا كاملُ بنَ ابراهيم فاقشعررتُ من ذلك و اُلْهِمْتُ اَن قلتُ لبّيكَ يا سيّدي فقال جئتَ اِلي وليّ اللّه و حجّته و بابه تسأله هل يدخل الجنّة الّا مَن عرف معرفتك و قال بمقالتك فقلتُ اٖي واللّهِ قال اِذَنْ واللّه يقِلّ داخلُها واللّهِ انه ليدخُلها قومٌ يقال لهم الحقّيّة قلتُ يا سيدي و مَن هم قال قوم من حبّهم لعليٍّ يحلفُونَ بحقِّه و لايدرون ما حقّه و فضله ثم سكتَ (ع) عنّي ساعةً ثم قال و جئتَ تسأله عن مقالة المفوّضة كذبوا بل قلوبُنَا اوعية لمشيّةِ اللّهِ فاذا شاۤء شئنا و اللّهُ يقول و ماتشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّه ثم رجع الستر الي حالته فلم‌استطع كشفه فنظر [ص 163] اليّ ابومحمد عليه السلم متبسّماً فقال يا كامل ما جلوسُك قد انبأك بحاجتك الحجة من بعدي فقمتُ و خرجتُ و لم‌اعاينه بعد ذلك الحديث ، و فيه توقيع خرج من صاحب الامر عليه السلم نسخته انّ اللّهَ تعالي خلق الاجسام و قسم الارزاق لانه ليس بجسم و لا حاۤلّ في جسم ليس كمثله شيء و هو السميع البصير فامّا الائمة عليهم السلم فانهم يسئلون اللّه تعالي فيخلق و يسئلونه فيرزق ايجاباً لمسئلتهم و اعظاماً لحقّهم و روي زرارة انه قال للصادق عليه السلم انّ رجلاً من وُلدِ عَبْدسَبَا يقول بالتفويض فقال و ما التفويض قال ان اللّه تعالي خلق محمّداً و عليّاً ففوّضَ اليهما فخلَقَا و رزقَا و امَاتَا و اَحْيَيٰا فقال عليه السلم كذب عدوُّ اللّهِ اذا انصرفتَ اليه فاقرأ عليه هذه الٰاية هذه الٰاية في سورة الرّعد ام جعلوا للّهِ شركاۤءَ خلقوا كخلقِهٖ فتشابَه الخلق عليهم قلِ اللّٰهُ خالقُ كُلِّ شيءٍ و هو الواحدُ القَهّار فانصرفتُ الي الرّجل فاخبرته فكأَنّما القمتُه حجراً او قال فكأَنما خرسَ و قد فوّض اللّه عز و جلّ الي نبيّه صلّي اللّه عليه و آله اَمْرَ دينِهٖ فقال اللّه عز و جلّ ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و قد فوّض ذلك الي الائمّة عليهم السلم و غير ذلك من الاخبار الصّريحة الداۤلّة علي نفي التفويض عنهم و عن جميع الخلق الناطقة بعدم وروده عنهم في حق جميع الخلق فيكونُ التفويض المذكور في الاخبار السابقة يراد به غير هذا المعني الباطل الّذي هو الشرك بالله و انّما معناه هو التفويض الحقّ علي معانٍ كلّها صحيحة :

احدُهَا انه سبحانه اوْحَي اليهم علوم ما يحتاج اليه الخلق و احكامهم ممّا شاۤء جملة و تفصيلاً منها ليلة المعراج علي محمد صلي اللّه عليه و آله و منها ما ينزل في ليالي القدر و منها القذف في القلوب و النقر في الاسماع و منها علم ما كان و علم ما يكون اي غابر و مزبور و هو قول موسي بن جعفر [ص 164] عليه السلم مبلغ علمنا علي ثلاثة وجوهٍ ماضٍ و غابر و حادث فاما الماضي فمفسر و امّا الغابر فمزبُور و امّا الحادث فقذفٌ في القلوب و نقر في الاسماع و هو افضل علمنا الحديث ، و اعلمهم جهات التحمّل و التبليغ فهم المؤدّون الي مَن اُمِروا بالاداۤء لا غيرهم فقد فوّض اليهم تبليغ ما امرهم بتبليغه كما حدّد لهم فهم بامره يعملون و ليس معني كلامنا انّه فوّض اليهم تبليغ ما امرهم بتبليغه و رفع يده لانّ هذا من التفويض الباطل الذي هو الشّرك باللّه لانّ كلّ شيء سواه تعالي انما هو شيء بكونه في قبضته اذ لا وجود لشيء و لا قوام الّا بامره بل مرادُنَا بانّه فوّضَ اليهم ذلك التبليغ انّهم حملة امره و نهيه بقدْرته و تراجمة وَحْيِهٖ بقوّته و مشيته فافهم و انّما سمّي هذا تفويضاً لانه تعالي خصّهم به دون غيرهم لانّ غيرهم لايقدر علي تحمّل ذلك و اليه الاشارة بقوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلبُ عبدي المؤمن اي لم‌تقدر الارض و السماۤء علي تحمّل اوامره و نواهيه و جهات تصرّفات نظام عالمه و انما قدر علي ذلك قلبُ عبده محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله و ذلك لقرب كونهم من محدّب كرة الوجود الراجح و لهذا خلقهم قبل الخلق بالف دهر كما تقدّم في رواية الاختصاص .

و ثانيها انه تعالي خلقهم علي هيئة مشيّته و هي صورة مقتضاها اذا لم‌يحصل لها قاسر عن مقتضاها ان تجري علي طِبق مشيّته و انّما خلقهم ليجروا علي مشيّته فاذا انهي اليهم علماً ليبلّغوه الي مَنْ شاۤء كانت ارادتهم ترجمان ارادته و لذلك خلقهم و مع هذا لم‌يرفع يده كما تقدّم في جميع اقوالهم و اعمالهم و حركاتهم و سكناتهم فهم بامره يعملون لا بشيء من ارادتهم و لا ميل انفسهم و هذا معني حديث البصاۤئر المتقدم في قوله ان اللّه تعالي خلق محمّداً عبداً فادّبَهُ حتي اذا بلغ اربعين سنة الحديث ، و كذا قوله تعالي و انّك لعلي [ص 165] خُلقٍ عظيم و انا اضرب لك مثلاً لهذا المعني اذا كان عندك ماۤء في الارض فاذا اردتَ ان تُجريَهُ الي جهة الشرق حفرتَ له في الارض طريقاً منخفِضاً الي الجهة التي تريد اجراۤءَهُ اليها علي قدر ارادتِكَ و صرفته اليها فيجري علي حسبِ ما حفرتَ له فهو حين صرفته فجري فانّك لم‌تمنعه ممّا صرفته اليه فانت قدْ فوّضتَ اليه جريانه فيما صرفته اليه و لكن هو بنفسه لم‌يجر و انما المُجري له انت بما حفرتَ له فكذلك هم عليهم السلم خلقهم اللّه علي صورة مشيّته فمقتضي بنيتهم و فطرتهم الجريان علي مشيّته لانّ الاثر لايخالف في صفته صفة مؤثره فلايكون ظل الطويل قصيراً و لا العكس و لا المعوجّ مستقيماً و لا العكس و انّما خلقهم علي تلك الهيئة ليجروا عليها فهو اجراهم علي ما يَشاۤء كما انّك اجريتَ الماۤء علي ما تشاۤء بما صنعتَ له من هيئة جريانه فيما حفرتَ له مع انه تعالي لم‌يخلّهم في جميع احوالهم من قبضته كما تقدّم و كيف يقال بانّ هذا تفويض اوِ استقلال و انتَ لايقال لكَ فيما صنعتَ بالماۤء حين قدّرتَ له جريانه انّك فوّضتَ اليه الجريان مع ان الماۤء في جريانه ليس في قبضتِك بل هو قاۤئم بنفسه و انما حصرته علي سبب الجريان و هو تعالي حصرهم علي سبب الجريان علي ارادته بما خلقهم عليه من هيئة ارادته و مع هذا لم‌يخلّهم من يدهٖ في جميعِ احوالِهمْ و وجودهم و انّما قوامهم و قوام جميع الخلق بامره تعالي كقوام الصورة في المرأٰة بظهور الشاخص و مقابلته فافهم .

و ثالثها انه تعالي خلقهم له لا لسواه و لا لانفسهم فجعلهم اَلْسِنَةَ ارادته و محاۤلّ مشيّته ففي الحقيقة ليس لهم مشيّة و انّما مشيّتهم مشيّة اللّهِ فاذا شاۤءوا فانّما شاۤء اللّه كما قال تعالي و مارميتَ اذ رميتَ و لكن اللّهَ رمَٰي و قال تعالي و ماتشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّهُ فهو تعالي يشاۤء بهم ما شاۤء و لا مشيّة لهم و ليس [ص 166] لمشيّته محلّ غيرهم و جميع ما يجريه علي خلقه من جميع الاشياۤء فانّما هو بمشيّته تعالي و هم محلّ تلك المشيّة و هم اَلْسِنَةُ تلك الارادة و هذا معني قول الحجة عليه السلم في جوابه المتقدم لكامل بن ابراهيم المدني قال (ع) بل قلوبُنا اوعية لمشيّة اللّهِ فاذا شاۤء شئنا و اللّه يقول و ماتشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّه ه‍ .

و رابعُها انّهم عليهم السلم اطاعوه في كل حال و صدقوا معه في كل موطن فاوجب علي نفسه تعالي اجابتهم في كل ما سألوا و ارادوا جزاۤء بما كانوا يعملون فمعني فوّض اليهم الامر انّ كل ما ارادوا فعله لهم و اجراه علي حسب ارادتهم و العلّة انّهم باستقامة عقولهم و استواۤء فطرتهم لايشاۤؤن الّا ما هو محبوب له تعالي مراد له عز و جل و ذلك كما تقدم في التوقيع انَّ اللّه تعالي خلقَ الاجسام و قسم الارزاق لانه ليس بجسم و لا حال في جسم ليس كمثله شيء و هو السميع البصير فامّا الائمة عليهم السلم فانهم يسئلون اللّه فيخلق و يسئلونه فيرزق ايجاباً لمسئلتهم و اعظاماً لحقّهم ه‍ .

و خامِسُهَا المراد بالتَّفْويض الاذن فيما ولّيهم عليه و صرّفهم فيه ممّا حَدَّدَ لهم فانّه انزل عليهم الكتاب الذي فيه تفصيل كل شيء فقال انّا انزلنا عليك الكتاب لتحكم بين الناس بما اراك اللّه و عناهم في هذا بقوله هذا عطاۤؤنا فامْنُنْ اَوْ اَمْسِكْ بغير حساب و قد يكون بعض الاشياۤء معلقةً علي شروطٍ او موقّتة باوقاتٍ فيمنعون من فعل ذلك الي ان يقع ما علّق عليه مثل و تخفي في نفسِك ما اللّهُ مُبديه و مثل لاتحرّك به لسانك لتعجل به و مثل و لاتقولنَّ لشيء انّي فاعل ذلك غداً الّا ان يشاۤء اللّه فاذِنَ له فيما لم‌يُعَلّق علي شيء هذا عطاۤؤنا فامنن او امسك بغير حساب و مُنِع ممّا هو معلّق او موقت و لاتعجل بالقرءان من قبل ان يقضي اليك وحيه فجعل الاذن و الرخصة في امضاۤء ما [ص 167] امر بتبليغه تفويضاً لانه قبل الاذن ( كان ، نسخة ) محصوراً بالمنع من الامضاۤء .

و سادسُها ان الاشياۤء لمّا كانت لهم مخلوقة و احكامها التي بها صلاح نظامها في النشأتين عندهم لانّهم عليهم السلم هم خزاۤئن تلك الغيوب و هم الاولياۤء علي الاشياۤء التي لم‌تخلق الّا لهم و لم‌يكونوا لذواتهم عالمين بوضع الاسباب لمسبّباتها و الاجزاۤء في مواضعها المشخّصة لها الّا بتعليمه و هدايته انهي اليهم ما يتوقف عليه التأدية الي ما شاۤء تتميماً للنّعمة و اكمالاً للتّفضل ليؤدّوا بقوته و مدده و توقيفه لهم علي ما خفي عنهم و ذلك هو التفويض الحقّ بتسبيب الاسباب و رفع الموانع .

و سابعها انّ اللّه سبحانه هو الوليّ و هو يحيي الموتي و هو علي كلّ شيء قدير قال تعالي هنالك الولاية للّه الحق هو خير ثواباً و خير عقباً ثم لمّا كان الحق جل و علا كنهه تفريق بينه و بين خلقه متعالياً عن كل مجانسة و مناسبة لم‌يمكن للمخلوقات التلقّي عنه تعالي و القبول و لم‌يمكن ان يكون شيء مفعولاً بغير فعل فاحدثَ الفعل بنفسه اي نفس الفعل و الفعل لايتقوّم الّا بمحلٍّ و متعلّقٍ و يجب في الحكمة ان يكون اوّل متعلّقٍ للفعل مناسباً له و قريباً منه و حاملاً له و مؤدّياً عنه فان كان بخلاف ذلك كان الفعل و الصنع علي خلافِ ما ينبغي و خلافُ ما ينبغي خلافُ الكمال و خلافُ الكمال دليلُ الحاجة و العجز و الجهل و الواقع خلاف ذلك كله فوجب ان يكونوا عليهم السلم مناسبين للفعل لانهم اوّل متعلّقٍ للفعل و بهم تقوَّمَ كما تقوّمَتْ استضاۤءة نور الشمس بالارض لانّها متعلّق الاستضاۤءة فوجب ان يكونوا الواسطة في كلّ شيء لكلّ شيء فللحكمة جعلهم اولياۤء علي خلقه و تراجمة وحيه و الولاية هي التفويض الحق الّذي سمعتَ فافهم .

و هذا الّذي ذكرنا اليه من اول الكلام الي هيهنا اشارة الي بيان التفويض [ص 168] العرفي منه الباطل المنفي في الاخبار الاخيرة و منه الحقّ المثبت في الاخبار الاوّلة و انّما ذكرتُ هذا مع ان المحتاج اليه في شرح و مفوّض في ذلك كله اليكم انّما التفويض اللّغوي و هو الردّ اليهم و التسليم لهم علي كلّ حالٍ لاجل الاشارة الي تبيين التفويض الحقّ في الجملة تقوية لكثيرٍ ممّن يطرح الاخبار الصحيحة الصريحة لشبهة ان التفويض باطل و يزعم انها مخالفة للعقول و انت اذا فهمتَ ما ذكرنا لك عرفتَ انها موافقة للعقول و ان انكارها تقصير و تفريط في حقّهم صلّي اللّه عليهم اجمعين .

و قوله عليه السلم : و مسلّم فيه معكم يراد منه معني التفويض اليهم و التسليم هو الاخبات و لايكمل ايمان المؤمن الّا بالتسليم فيما علم و فيما لايعلم يقول الصادق عليه السلم فيما تقدّم من حديث الكافي انكم لاتكونون صالحين حتي تعرفوا و لاتعرفون حتي تصدّقوا و لاتصدّقون حتي تسلّموا ابواباً اربعة لايصلح اوّلها الّا بٰاخرِها ضلّ اصحاب الثلاثة و تاهوا تيهاً بعيداً الحديث ، اقول الصلاح بدون المعرفة هو الكوكب الذي رءاه ابراهيم الخليل عليه السلم حين اراه اللّه ملكوت السموات و الارض و المعرفة بدون التصديق هو القمر الذي رءاه و التصديق بدون التسليم هو الشمس التي رءاها فكان الصلاح و المعرفة و التصديق طرق ضلالة اذا لم‌ترتبط بالتّسليم و في الكافي عن الكاهلي قال قال ابوعبْدِاللّه عليه السلم لو انّ قوماً عبدوا اللّه وحده لا شريك له و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة و حجّوا البيت و صاموا شهر رمضان ثم قالوا لشيءٍ صنعه اللّه او صنعه النبي صلي اللّه عليه و آله الاصنع خلاف الذي صنع او وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلكَ مشركين ثم تلا هذه الٰاية يعني قوله تعالي فلا و ربّك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجاً مما قضيتَ و يسلّموا تسليماً [ص 169] ثم قال ابوعبداللّه عليك بالتسليم و فيه عن سديرٍ قال قلتُ لابي‌جعفر عليه السلم انّي تركتُ مواليك مختلفين يتبرّأ بعضهم من بعض قال فقال و ما انت و ذاك انما كلّف الناس ثلاثةً معرفة الائمة و التسليم لهم فيما ورد عليهم و الردّ اليهم فيما اختلفوا فيه ه‍ ، و فيه عن الشحّام عن ابي‌عبداللّه (ع) قال قلتُ له انّ عندنا رجلاً يقال له كليب فلايجيۤء عنكم شيء الّا قال انا اسلّم فسمّيناه كليب تسليم قال فترحّم عليه ثم قال اتدرون ما التسليم فسكتنا فقال هو وَاللّهِ الاخباتُ قول اللّه عز و جل الذين آمنوا و عملوا الصّالحات و اخبتوا الَي ربّهم ، و فيه عن يحيي بن زكريّاۤء الانصاري عن ابي‌عبداللّه عليه السلم قال سمعته يقول من سرّه ان يستكمل الايمان كلّه فليقل القول مني في جميع الاشياۤء قول آل‌محمد (ص) فيما اسرّوا و ما اعلنوا و فيما بلغني عنهم و فيما لم‌يبلغني ه‍ ، و فيه عن ابي‌بصير قال سألت اباعبداللّه عليه السلم عن قول اللّه عز و جلّ الّذين يستمعون القول فيتّبعون احسنه الي آخر الٰاية قال هم المُسَلِّمونَ لٰال‌محمد الّذين اذا سمعوا الحديث لم‌يزيدوا فيه و لم‌ينقصوا منه جاۤؤا به كما سَمِعُوهُ ه‍ ، فقد ظهر لمن نظر في احاديثهم و اعتبر انّ التسليم اعلي درجات الايمان و به كماله و لاتثبت الاستقامة اِلّا به لشدّة الابتلاۤء و الاختبار اذ لايبقي احد من الخلق بعدهم عليهم السلم اِلّا و يرد عليه من الابتلاۤء الالهي ما لايسلم له دينه معه الّا بالتسليم حتي الانبياۤء و المرسلون و لذلك ابتُلوا و اُصٖيبوا حتي يرجعوا الي القبول و التسليم لمحمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله و ينيبُوا كما تقدّمت الاشارة في حقّ يونس عليه السلم و انه انّما التقمه الحوت لتردّده في ولاية اميرالمؤمنين عليه السلم و ذلك لما امر بالايمان به فقال كيف اؤمن به و لم‌اره و ايّوب عليه السلم حين شكّ ● و بكي عند سماع انبعاث المنطق و قال امر عظيم و خطب جسيم و قد تقدّم ذكر ذلك [ص 170] فلمّا تابا و رجعا و اعترفا قبلت توبتهما و كذلك ساۤئر الانبياۤء عليهم السلم و المؤمنون فيما ابتلوا به عند التوقّف و قبلت توبتهم بالتسليم و كماله ان تكون في كل ما يرد عنهم عليهم السلم فانياً عن كلّ ما سواه و اليه الاشارة بتأويل قوله تعالي و لايلتفت منكم احد و امضوا حيثُ تؤمرون اللهم بلّغنا و وفّقنا لذاك و لاتُخْلِنا طرفة عينٍ من رضاك .

قال عليه السلم : و قلبي لكم مُسَلِّم و رأيي لكم تبع و نُصْرتي لكم معدّة .

قال الشارح المجلسي (ره) و قلبي لكم مسلّم بالاسلام او التسليم اي سلم بمعناه او بمعني الصلح اي لا اعتراض لقلبي علي افعالكم و لايخطر ببالي اعتراض لانّي اعلم يقيناً انكم للّه و من اللّه و رأيي لكم تبع اي لا رأي لي مع رأيكم و نصرتي لكم معدّة اي انتظر خروجكم و الجهاد في خدمتكم مع اعداۤئكم اوْ اعددتُ نصرتي لاعلاۤء دينكم صورة و معنيً بالبراهين و الادلَّة مع اعاديّ ما امكن انتهي .

اقول القلب يطلق و يراد به العقل و الفؤاد او هو العقل و الفؤاد و قد يفرق بينها فالقلب هو وسط الشّيء و قد يطلق علي الجسم الصّنوبري الّا اذا كان في مقام الادراك فانه ح يراد به ما يتعلّق به تعلّق التّدبير و لا شَكَّ اَنّ الانسان اي النفس النّاطقة المعبّر عنه بانا انّما هو المتعلق بالصنوبري لا بالدماغ الاتري انّك اذا اشرتَ الي نفسك و قلتَ هذا شيء عندي اومأتَ الي صدرك الي جهة الصّنوبري و لم‌تؤمِ الي رأسك و المفهوم من الاخبار انّ القلب هُوَ العقل و هو خزانة المعاني المجرّدة عن المادة العنصريّة و المدّة الزمانيّة و الصورة النفسانيّة و المثاليّة و هو متعلق بالجسم الصنوبري بوساۤئط تعلّق التدبير فاقربها الي الصنوبري العلقة الدم التي في تجاويفه الي الجانب [ص 171] الايسر اكثر و فوقها الدم الاصفر التي تقوّمت العلقة به و فوقه الابخرة المتألّفة من عناصرك بامداد عناصر العالم الكبير المعتدلة بان تكون جزءاً من الحرارة الناريّة و من الهوائية جزءاً و من المائيّة جزئين و من الترابيّة جزءاً فنضجت نضجاً معتدلاً بكرّ الكواكبِ باشعّتها و العناصر بدورها حتي شابهت الافلاك فتحرّكت بتبعية حركتها لمساواتها لها و اتّحادِها بها رتبةً و هي النفس الحيوانيّة الحسيّة و فوقها ما تنزّلَ عليها من النفس الكليّة الذي هو مركب العقل المشار اليه و هو القلب في قوله تعالي و لكن تعمي القلوب التي في الصدور و الصدر هو ما تنزّل من النفس الكليّة و هو فيك بمنزلة اللوح المحفوظ في العالم الكبير و هذا هو مقرّ العلم الذي هو الصورة المجرّدة عن الماۤدة العنصريّة و المدّة الزمانيّة و الفؤاد هو النور الذي ينظر به المؤمن المتوسّم في قوله (ع) اتّقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه و المراد به الوجود و هو اعلي مشاعر الانسان و هو يدرك الشيء لا في جهة و لا بهيئة و لا باشارة و لا كيف و هو مقرّ المعارف الالهيّة و مقتضاه حبّ اللّه سبحانه و ايثاره علي ما سواه و لهذا نسبه الامام عليه السلم الي نور اللّه و لم‌يقل وجود المؤمن مع ان الصادق عليه السلم فسّره بالوجود في قوله اي بنوره الذي خلق منه و لكن لمّا كان هو العارف باللّه و الداعي الي محبة اللّه و الي ايثاره علي ما سواه نسبه اليه تعالي فقال ينظر بنور اللّه و يقابله الماهية و الانّية و مقتضاها الانكار لان المعرفة يقابلها الانكار و هو ضدّها العام قال تعالي ام لم‌يعرفوا رسولهم فهم له منكرون و قال تعالي يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها و لايقابله الجهل و الشك الّا اذا اريد بالفؤاد القلب او النفس و القلب مقرّ اليقين و ضده العام الشك و لايقابله الجهل الّا اذا اريد به النفس و امّا الصدر فهو مقرّ العلم و ضدّه العاۤم الجهل و لايقابله الشك الّا اذا اريد به القلب [ص 172] و لا الانكار الّا اذا اريد به الفؤاد فالعلم في النفس المعبّر عنها في الٰاية بالصدر و قد يطلق عليه الفلك الثامن اي باطنه و مثالها اي صفتها التي يقال لها في النحو اسم الفاعل كالقاۤئم لزيد في الفلك السادس فلك المشتري اي نفسه و عيناها اللتين ( اللتان ، ظاهر ) تبصر بهما في الفلك الثالث الذي هو فلك الزهرة فلك الخيال اي نفسه .

بقي بيان العقل و ما اشتهر انه في الدماغ و ان القلب في الصدر و قد قلنا انهما شيء واحد الّا ان المنسوب الي الدماغ هو التعقل لا العقل فانه هو القلب الذي في الصدر و القلب انسان مثلك بجميع ما لك من الهيئات و الطباع الظاهرة و الباطنة فلو ظهر عقلك لكان كل من رأٰه عَرف ان هذا هو انت لايفرق بينكما الّا انّك انت تخبر عن نفسك و هو يخبر عنك و كذلك علمك و خيالك و فكرك و وجودك و جميع ما لك و لهذا سمي الانسان قرية كما ورد في تفسير قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و هذا الانسان الشريف الذي هو القلب متعلقه و كرسيّه هو الصدر منك و رأسُه و تَعَقُّلُه في الدّماغ منك الاتحسّ انّك اذا اردت ان تتعقّل معني انّما تنظره بعينَيْنِ في دماغك كما ان عينيْك في رأسك كذلك قلبك عيناه في رأسه لان الباطن طبق الظاهر ثم اعلم انه في اللغة يطلق القلب علي العقل و اللّبّ و الفؤاد و كذلك الفؤاد و كذلك الحقيقة العقلية و الشرعية التفرقة كما بيّنّا لك نعم نسبة الفؤاد الي العقل كنسبة العقل الي التعقل فان الاصل الفؤاد و العقل وزيره و كرسيُّه و عيناه فيما دون مقامه فاذا نظر بنفسه ادرك الشيء لا في جهة بلا كيف و لا اشارة و لا تعدّد فيما يدرك و انما يدرك مثالاً لايشبهه شيء نعم اذا نظر بالعقل ادرك ما ادركه العقل و به و بالنفس ادرك ما ادركته النفس و اما العقل فيدرك الشيء في [ص 173] جهة معنوية بكيف معنوي و اشارة معنوية و لهذا تعقل معني السكني من البيت في جهة غير الجهة التي فيها تدرك معني الزينة من الخاتم بحيث تميّز هذا من هذا بكيف معنوي و اشارة معنويّة و جهة معنوية غير ما يميّز بها الٰاخر و اما العلم فيدرك صورة المعلوم الخارجي ينتزعها منه و تكون هي معلومَهُ يعلمها بها فاذا حضر الخارجي انطبقت تلك الصورة عليه لانها صورته اخذها منه الخيال عارية فاذا حضر كان هو اولي بها فاذا حضر الخارجي كان هو بعينه معلومَهُ يعلمه به نفسه لا بصفةٍ غيره و اليه الاشارة بقول علي (ع) لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها و قال الشاعر :

رأت قمر السماۤءِ فذكَّرتني لياليَ وصلِنا بالرقمتَينِ

كِلانا ناظرٌ قمراً و لٰكِنْ رأيتُ بعَيْنها و رَأَتْ بعيني