و قوله عليه السلم : لاۤئذ بقبوركم اي ملتجِئ فهو بمعني عاۤئذ اَوْ اَحدِ مَعْنَييه فعلي الاوّل يراد ان الالتجاۤء و الاستجارة انما هي بهم صلي اللّه عليهم و الالتجاۤء اليهم نفس الالتجاۤء الي اللّه تعالي و الاستجارة بهمْ نفس الاستجارة باللّه سبحانه و هو سبحانه يجير و لايجار عليه و لا ملتجأ منه الّا اليه و انّما اتّحد الالتجاۤء بهم و الالتجاۤء [ص 126] باللّه لانّه لايوجد سبحانه الّا حيث وُجِدوا و لايظهر الّا حيث ظهروا و ذلك لانه عز و جل انّما وَجَدهُ مَن عَرَفهُ بهم و انما ظهر بهم و انما عُرِف بهم لانهم عليهم السلم كما مر مكرّراً معانيه و ابوابه و ظاهره في خلقه و اركانُ مقاماتِهٖ و علاماتِهٖ و صفاتُهُ و اسماۤؤهُ و ذلك لان جهة الالتجاۤء اليه اذا طلبها العارفُ بهم لم‌يجدها الّا اِيّاهم و ذلك لتقدس ذاته السبحانية عن النسب و الانتسابات و جهاتُ الخلقِ في الخَلْقِ و هو قول علي عليه السلم الحقّ انتهي المخلوق الي مثله اي مخلوقٍ مثله فنزّهَ الحَقّ سبحانه عمّا سِوَاهُ و قرنَ المخلوق بما سَاواه فتكون المغايرة بين عاۤئذ و لاۤئذٍ للتحسين و انما ذكرت القبور مع انّ الالتجاۤء انما هو اليهم لانّهم الٰان لم‌يوجدوا لنا و انما توجد قبورهم و الالتجاۤء الي قبورهم انما هو لاجل انّها ابواب غيبَتهم كما ان الغاۤئب في بيته انّما ينتظر وَ يرتَقَبُ عند الباب و علي الثاني يراد انّ الالتجاۤء و الاستجارة اللّذين هما طلب الاَمْن من مكاره الدارين انما هما الدخول للبيت الذي جعله عز و جل اَمْناً لداخليه حيث يقول و من دخله كان آمِناً و هم صلي اللّه عليهم البيتُ المشار اليه لا هذه البنية المشرّفة الظّاهر فكم من داخلٍ فيه لم‌يأمن علي نفسه فقد قتل ابن الزبير فيه و دخل القرامطة لعنهم اللّه الي مكة المشرّفة ايام الموسم في سنةِ عشرٍ و ثلٰثمائة من الهجرة و اخذوا الحجر الاسود و قتلوا خلقاً كثيراً من الطاۤئفين و غيرهم و ممّن قتلوه علي بن بابوَيْه و كان يطوف فاقطع طوافه فضربوه بالسيف فوقع علي الارض و انشد :

تري المحبّين صرعي في ديارهم كفِتيَةِ الكهف لايدرون كم لبِثوا

و نقلوا الحجر الي القطيف و بقي عندهم عشرين سنة و ردّ الي مكة في سنة ثلاثين و ثلثمائة و قيل بقي تسع‌عشرة سنة و في امالي الصدوق قال تعالي للنبي (ص) في حق عليّ عليه السلم و جعلته العَلَم الهادي من الضّلالة و بابي الَّذٖي اُوتيَ منه و بيتي الَّذٖي مَن دخله كانَ آمِناً من ناري فهم عليهم السلم [ص 127] ذلك البيت و ولايتهم ذلك البيت و معرفتهم ذلك البيت فالالتجاۤء اليهم دخول هذا البيت و امّا الالتجاۤء الي قبورهم فلانّها مدافنهم و تُرَبُهُمْ فهو التجاۤء الي قبورهم و كونُ الالتجاۤء الي قبورهم التجاۤء اليهم لانهم فيها او لانّها حفرهم لانهم ليسوا فيها بل رفعهم اللّه اليه احتمالان و الاحاديث عنهم عليهم السلم اكثرُهَا يدلّ علي الثاني فانّ الاخبار منها ما يدلّ علي انهم لايبقون في قبورهم الّا ساعة و منها لايبقون الّا ثلٰاثة ايّام و منها انهم اوّل الامر يبقون ثم يرفعون كما في رواية كامل الزيارة و غيره لمّا سئل الصادق عليه السلم عن الحسين عليه السلم لو نُبش وُجد في قبره قال ما معناه امّا في الاوّل فنعم و امّا الٰان فلا لانّه الٰان متعلّق بالعرش و هو داۤئماً ينظر الي زُوّاره و انّما يُزَار موضع حفرته و امّا ما يدلّ علي انّهم في حفرهم فكثير مثل ما يروَي انك تأتي الحسين عليه السلم مثلاً و تزورُه في قبره و تشير الي قبره و تخاطبه و تقول اشهد انّك تري مقامي و تسمع كلامي و تردّ عليّ سَلامي و احتمال المجاز تعارضه اصليّة استعمال الحقيقة و الذي اعرف و اعتقد ان مدلولي النوعين من الاخبار صحيحان علي ظاهرهما و انّما الاشكال و الصعوبة في الجمع بينهما مع تنافيهما ظاهراً و ذلك لغموض معني رفعهما علي الافهام قبل التنبيه عليه و انا انشاۤء اللّه تعالي آتيك ايّاه فخذه و كن للّه من الشاكرين .

اعلم ان اجسادهم و اجسامهم عليهم السلم في غاية اللطافة بحيث لاتدركها الابصار بل و لا البصاۤئر فقد روي عنهم (ع) انّ اللّه خلق قلوب شيعتهم من فاضل اجسامهم و في رواية ان اللّه خلق ارواح شيعتهم من فاضلة طينتهم او اجسامهم و خلق ارواحهم من فوق ذلك و خلق ارواح شيعتهم من دون ذلك و قد تقدّم الاشارة الي ذلك مراراً و انما ظهروا للناس بما لبسوا من الصورة البشريّة التي هي محلّ التغيير و التبدُّل و هي صورة كثيفة من العناصر الاربعة التي تحت فلك [ص 128] القمر و انّما لَبِسُوها ليتمّ ما ارادَ اللّهُ مِن انتفاع المكلّفين بهم و لولاها لماقدر احدٌ من الخلق ان يراهم او يدركهم او ينتفع بهم من قوله تعالي و لو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً و للبَسْنا عليهم ما يلبسون و كانت الصورة البشريّة و ان كانت لهم عارضيّةً لانها ليست منهم و انما هي من آثار آثارهم فلمّا انتهت الحاجة اليها و انقضت و لم‌يكن لها فاۤئدة و لا مصلحة القَوْها في اصولها الاربعة كلّ في اصله فلمّا القوها كشِف منهم ما اخفته البشريّة بكثافتها ظاهراً فكانوا كما كانوا في اعالي عالم الانوار معلّقين في اوَاۤئل عللهم من الامر الذي قام به كلّ شيء و مثال ظهورهم بالبشريّة و ما بعده مما اشرنا اليه الصورة التي ظهرَتْ منك في المرءٰاة فانّ جرم الشيشة الصقيل للصورة بمنزلةِ الصورة البشريّة لهم اي لظهورهم عليهم السلم اذ لولا جرم الشيشة و صقالته لماظهرت الصورة مع انها موجودة في ظلّك و انما توقّف ظهورها علي الصورة البشريّة التي هي الشيء الصقيل كالمرءاةِ و الماۤء و ما اشبههما فالصورة شبَحُك معلّق بك مستقرّ في ظلّك عارض لك لا ذاتي لانه نورك و شعاعُكَ فاذا ذهبت المِرْءٰاةُ خفي الشبَحُ لعدم شرط ظهوره فكان كما كان في اعالي عالم ظهورك الذي هو عالم انوارك اي انوار افعالك معلّقاً في اواۤئل علله من الامر الذي من فعلك اي ظهورك الذي قام به كل شيء من آثار ذلك الفعل فافهم هذا بيان الجوابِ علي كشف جميع الاسباب و رفع الحجاب و امّا قشر الجواب فاعلم انّهم انوار لا كثافةَ في اَجْسَامِهم بوجهٍ بحيث لاتدركها الابصار بل اكثر البصاۤئر و هي حينئذٍ في رتبة لطافة العرش فاذا زالت الكثافة البشرية التي هي علّة الادراك قلنا انّهم معلّقون بالعرش و هم في حفرهم كما قد تقرّر عند علماۤءِ الفَنّ انّ الصورة التي تراها في المِرْءاة من عالم المثال و هو يعني عالم المثال في الاقليم الثامن اسفله علي اعلي [ص 129] محدّد الجهات يعني ان الصورة المرئيّة اذا نسبت في الرتبة و اللطافة تكون فوق محدَّب مجدّد الجهاد ( محدّد الجهات ظ ) لانّه الطف الاجسام و الصورة اي عالم المثال فوقه في الرتبة لا الجهة اذ ليس وراۤء محدّب محدّد الجهات شيء محدَث فقول الحكماۤء الاوّلين المستمدّين من مشكوة الوحي و النبوة ليس وراۤءه خلاۤء و لا ملاۤء يريدون انه لم‌يخلق اللّه سبحانه شيـٔاً من الاشياۤء خارجاً بالمكان و الشيئيّة عن المحدد فلا وراۤء له لا انه له وراۤء خالٍ او لا خالٍ و لا ممتلٍ كما توهّم بعضهم ان وراۤءه المجردات و هي لاتوصف بالخلاۤء و الملاۤء بل المراد انه ليس له وراۤء و اذا اردت ان تري آيته و مثاله فانظر الي نفسك فتري انه ليس وراۤءك شيء منك فاذا قلتَ ان الروح وراۤء هذا الجسد لاتريد به الّا انها غيب فيه بلا تحيّز لا انها خارجة عنه ليكون وراۤء جسمك شيء منك لك فافهم التمثيل فاجسادهم عليهم السلم في قبورهم في رتبة الاجساد من اللطافة و هو معني تعلّقها بالعرش اي في الرتبة و اللطافة فلو وجدت الصورة البشرية الأن وجدتهم في قبورهم فلمّا خلعُوها في اصولها لم‌يجدهم في قبورهم احد الّا ان يكون واحداً منهم عليهم السلم فانه يدرك ذلك لكونه من هنالك و لايمنعه ما فيه من الصورة البشريّة التي بها نجدُه لانَّها اذا نسبت الي نوريّته كانت كالذرّة في هذا العالم و لهذا صعد النبي صلي اللّه عليه و آله ليلة المعراج بجسْمه الشريف مع ما فيه من البشرية الكثيفة و بثيابه التي عليه و لم‌يمنعه ذلك عن اختراق السموات و الحجب حجب الانوار لقلّة ما فيه من الكثافة الاتراه يقف في الشمس و لايكون له ظلّ مع ان ثيابه عليه لاضمحلالها في عظيم نوريّته و كذلك حكم اهل بيته الثلاثة‌عشر المعصوم صلي اللّه عليهم اجمعين و مثال ذلك انك لو وضعتَ مثقالاً من التّراب في مثقال من الماۤء او اقل او اكثر بقليل كان الماۤء كدراً لكدورة كثافة التراب [ص 130] و لو وضعتَ مثقال التراب المذكور في البحر المحيط لم‌يظهر للمثقال التّراب اثر بل يكون وضعه و عدمه بالنسبة الي البحر المحيط سواۤء نعم لو نظرت الي المثقال التُّراب في قدره من البحر المحيط قبل تموّجه و استهلاكه ادركته كذلك هم عليهم السلم حال تعلّق البشريّة تدرِك منهم ما تلبّست به الكثافة البشريّة حال ارادتهم التلبّس و الأن لم‌يريدوا التلبّس و خلعوها في اصولها فاجسادهم في قبورهم معلّقون بالعرش و عبارة اخري اجسادهم في السماۤء في قبورهم و حفرهم المعلومة التي تأتي اليها زوّار شيعتهم المؤمنين اللهم ارزقنا زيارتهم و ادخلنا بِرحمتك في شيعتهم يا ارحم الراحمين فالنّاس حيث لم‌يدركوهم و لو نبشوا قبورهم لم‌يروهم يزورون مواضع آثارهم و لعمري انهم صلي اللّه عليهم فيها في السماۤء او معلّقون بالعرش و في كامل الزيارة لجعفر بن محمد بن جعفر بن قولويه باسناده عن عبداللّه بن بكر الاَرْجاني في حديث طويل عن الصادق عليه السلم و فيه قلت جعلتُ فداك اخبرني عن الحسين عليه السلم لو نبش كانوا يجدون في قبره شيـٔاً قال يا ابن بكر ما اعظم مساۤئلك الحسين مع ابيه و امه و الحسن في منزل رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يُحبَون و يرْزقون فلو نُبش في ايّامِه لوجد فامّا اليوم فهو حيّ عند ربّه ينظر الي معسكره و ينظر الي العرش متي يُؤمَر ان يحملَهُ و انه لعلي يمين العرش معلّق يقول يا ربّ انجز لي ما وعدتني و انّه لينظر الي زوّاره و هو اعرف بهم و باسماۤئهم و باسماۤء آباۤئهم و بدرجاتهم و منزلتهم عند اللّه من احدِكم بوُلدِهٖ و ما في رحلهم و انه ليري مَن يبكيه فيستغفر له رحمة له و يسئل اباه الاستغفار له و يقول لو تعلم ايّها الباكي ما اُعِدَّ لك لَفرِحْتَ اكثر ممّا جَزِعتَ و يستغفر له كل من سمع بكاۤءه من الملاۤئكة في السماۤء و في الحاۤئر و ينقلبُ و ما عليه من ذنبٍ و فيه عن زياد بن ابي‌الحلال عن ابي‌عبداللّه [ص 131] عليه السلم قال ما من نبيّ و لا وصيّ يبقي في الارض اكثر من ثلاثة ايّام ثم يرفع روحه و عظمه و لحمه الي السماۤء و انّما يؤتي مواضع آثارهم و يبلّغونهم من بَعيدٍ السّلامَ و يسمعونهم في موضع آثارهم من قريبٍ قوله عليه السلم يبلّغونهم من بعيد السّلامَ يعني به انّ الزوّار يبلّغون الائمة عليهم السلم من بعيدٍ السلامَ فضمير الجمع الفاعل للزوار و المفعول للائمة عليهم السلم و انما كان التبليغ من بعيد لبُعدهم عن الادراك و عن وجدانهم لانّهم في السماۤء اي الخلوص و الصفاۤء الذي لايدركونه و هم عليهم السلم يسمَعون زوّارهم و هم في قبورهم من قريب لانهم حاضرون في قبورهم فضمير الفاعل في يسمعون لهم عليهم السلم و المفعول لشيعتهم و زوّارهم فقوله عليه السلم لاۤئذ بقبوركم المراد منه انّي لاۤئذ بقبوركم لانكم فيها ترون مقامي و تسمعون كلامي و تردّون عليَّ سَلَامي فانا لاۤئذ بكم فيصير بمعني عاۤئذ بكم لاۤئذ بكم فيختلف المعني في العبارتين فيكون اني عاۤئذ بكم اي معتصم بكم لاۤئذ اي مستجير بكم فاذا جمعت بين الخبرين فرّقتَ بين المتعلّقَين و اذا جمعتَ المعلّقَيْن فرّقتَ بين الخبرين لئلايصير في الكلام تكرار و التأسيس خير من التأكيد .

قال عليه السلم : مستشفع الي اللّه عز و جلّ بكم و متقرّب بكم اليه و مقدّمكم امام طلبتي و حواۤئجي و اراداتي في كل احوالي و اموري .

قال الشارح المجلسي (ره) مستشفع الي اللّه عز و جلّ بكم اي اجعلكم شفعاۤئي الي اللّه تعالي و اسأله بحقكم في قضاۤء حواۤئجي و متقرّب بكم اليه اي اجعلكم وساۤئل قربي اليه او اتقرّب اليكم حتي اتقرّب اليه تعالي فان قربكم قرب اللّه تعالي و مقدّمكم امام طلبتي اي اسألُه بحقّكم او اصلي [ص 132] عليكم قبل الدعوات حتي تصير مستجابة كما ورد في الاخبار المتواترة ان الدعاۤء لايقبل بدون الصلوة علي محمد و اهل بيته انتهي .

اقول يراد بالاستشفاع بهم اَنْ يتوجّه الي اللّه تعالي باحضارِ صورهم اَمام قلبه المتوجّه الي اللّهِ و هم اَمام توجُّهِه متوجّهون الي اللّه تعالي له فيدعو اللّه بتوجّههم الي اللّه في استجابة دعاۤئه و قبول توبته و ان يقبلَهُ علي ما هو عليه من تقصيره و يدخِلَهُ في عباده الصالحين فهم المستشفعون له او هو المستشفع بهم بان يدعو اللّه عز و جل و يقسم عليه تعالي بحرمتهم و بحقّهم و بجاههم عنده ان يستجيب دعاۤءَهُ فيما يطلب من مالك الدنيا و الٰاخرة فالسين في مستشفع للطَّلَب منهم ان يطلبوا من اللّه له مطالبه فانه تعالي لايردّهم او للطّلب من اللّه تعالي بحقّهم و بجاههم فهو علي الحالين مقدِّم لهم اَمامَ توجهه اليه تعالي فعلي الاوّل هم الشافعون له و علي الثاني هو المستشفِع من اللّه بهم و حرمَتُهم المقسم بها علي اللّه هي ما اقامهم منه تعالي لعباده بان جعلهم اركان توحيده و آياته و مقاماته الّتي ظاهرُها انهم عليهم السلم ظاهرُه في خلقه و بان جعلهم معانيه اي معاني اسماۤء افعاله من علمه و قدرته و سمعه و بصره وَ ارادته و محبّته و امره و كتابه و سرّه و مفاتح غيبه و اَلْسنة ارادته و محاۤلَّ مشيته و عيبة علمه و خزاۤئن جميع آثار افعاله من عرفهم فقد عرف اللّه و من انكرهم فقد انكر اللّه و من احبّهم فقد احَبَّ اللّه و من ابغضهم فقد ابغض اللّه فهم اقطاب جهات مطالب الخلق من اللّه سبحانه كيف يحبّ اللّه من يبغض جهة محبّتِهٖ من اللّهِ او قطبها الذي عليه دارَتْ اَوْ سببها الذي به كانت و كيف يعرف اللّهَ من ينكر جهةَ مَعْرِفتِهٖ لِلّهِ و حقهم علي اللّه ان اللّه سبحانه خلقهم لَهُ كما هم له فخلصوا له فحقّهم عليه خلقُه ايّاهم له كما هم له فكان بهذا الحق اَنْ كان لهم كلّ ما كان له و كل ما يكون له و ذلك [ص 133] جميع ما كوّنَ في ملكه و ما يُكوّن فلايكون له من ذلك ما ليس لهم و لايكون لهم من ذلك ما ليس له لانه في الحالَيْن انّما كان له ليكون لهم فحقهم عليه حقّه عليهم لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقُك الدعاۤء ، و جاههم عنده هو جاهُه عندهم لانّهم اَمْثَالُه العليا فلمّا اراد ان يُعْرَف سبحانه تعرّف لهم بانفسهم فعرفوه بما وصف به نفسه من انفسهم فذلك هو الجاه قال اللّه سبحانه كل مَنْ عليها فانٍ و يبقي وجه ربّك ذي الجلال و الاكرام و قال تعالي فاينما تُوَلّوا فثَمّ وجه اللّه ان اللّه واسع عليم ، و هو الجهة ايضاً كما في الدُّعَاۤء عنهم عليهم السلم وجهُك خير الوجوه و جاهُك خَيْر الجاهِ و جهتُك اكرم الجهات الدعاۤء .

و قوله عليه السلم : و متقرِّبٌ بكم اليه

التقرّب اليه سبحانه القيام باوامره و اجتناب نواهيه و التأَدُّب بٰادابه و التخلّق باخلاق الروحانيين علي النحو الذي دعا اليه و دلّ عليه و هو ان يأخذ الاوامر الالهيّة و المناهي الجبّاريّة عنهم عليهم السلم و يمتثل بالاوامر و يجتنب المناهي علي سنن تعليمهم و عملهم و يأخذ التأَدّبات و التّخلّق باخلاق المجرّدات عن كدورات البشريّة عنهم عليهم السلم و يستعمل اَعْمَال علومه بذلك علي نحو استعمالهم لذلك مقدِّماً لهم امامَ علومه و اعماله و استعماله ليقتفي بهم لانّهم الهادون و يستدل بهم و بدلالتهم لانهم الادلّاۤء الراشدون معتقِداً ان هذا النحو هو مراد اللّه من عباده و لذلك خلقهم وَ اسكنهم في بلاده لايقبل منها الّا ما وافق رضاهم و لايوافق الّا ما اخذ عنْهم علي جهة الانقياد و التسليم المحض الذي يكون فيه المطيع كالميت و كالجماد لايعتبر من شؤن نفسه في وجدانه الّا ما اعتبروه له لطاعة اللّهِ فاذا كان هكذا طهر ظاهره و باطنه و توافقا و صدق مع ربّه خلف ساداته في جميع المواطن و زكا و زكّاه اللّه سبحانه و طَهّره [ص 134] بما وفّقه له من اتّباعهم حتي كان قريباً منه فشابه وجهه في كتاب اللّه المحفوظ و هو قول علي عليه السلم و خلق الانسان ذا نفسٍ ناطقةٍ انْ زكّاهَا بالعلم و العمل فقد شابهت جواهرَ اواۤئل عللِها يعني انه يكون مثل عقله الذي هو رأسٌ من العقل الكلي الذي هو عقل الكل في التقدّس و عدم التلوّث بشيء من شائبَة الاجسام و الجسمانيات لا ملابسة و لا مقارنة فيكون كالعقل شهوده و وجوده و رؤيته و دعوته و قوله و عمله و جميع احواله داعيةً الي عبادة الرحمن كاسبةً مُكْسِبَةً للجنان و هو القريب الي اللّهِ تعالي و حقيقة تقرُّبِه انّما هو بهم عليهم السلم كما سمعتَ و الدليل علي هذٰا ان الاخبار المتكثرة من الفريقين حتي انه يمكن دعوي تواترها معنيً انه لو عمل هذا العمل و اعظم منه من لم‌يتولّ بهم ماكانت اعماله الّا هباۤءً منثوراً و عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي بن الحسين عن ابيه عن اميرالمؤمنين قال قال رسول اللّه (ص) يا علي انت اميرالمؤمنين و امام المتّقين يا علي انت سيد الوصيين و وارث علم النّبيين و خير الصديقين و افضل السابقين يا علي انت زوج سيّدة نساۤء العالمين و خليفة خير المرسلين يا علي انت مولي المؤمنين يا علي انت الحجة بعدي علي الناس اجمعين استوجب الجنّة من تولّاك و استحق دخول النار من عاداك يا علي و الذي بعثني بالنبوة و اصطفاني علي جميع البرية لو ان عبداً عبد اللّه الف عام ماقبِل اللّه ذلك منه الّا بولايتك و ولاية الائمة من ولدك و ان ولايتك لايقبلها اللّه الّا بالبراۤءة من اعداۤئك و اعداۤء الائمة من ولدك بذلك اخبرني جبريل (ع) فمن شاۤء فليؤمن و من شاۤء فليكفر ، اقول و قد تقدم بعض هذا الحديث و بعض غيره اقول و معني القرب انه لمّا فعل ما امر به كما امر به طهرت جملته ظاهراً و باطناً فكان بعظيم تزكّيه [ص 135] و طاهِريّتهٖ من نوع الروحانيين و من شكل جواهر العلل فكان بطهارته و صفاۤئه قريب المكانة من المبدء الفيّاض لشدّة قابليّته و عظيم استمداده و تلقّيه فانّ القريب من المنير اشدّ استنارة من البعيد و مرادنا بالقريب شديد الصقالة و الصَّفاۤء لا قريب المكان من المنير فانّ المِرءاة اشدّ استنارة من الجدار بنور السراج و ان كان الجدار اقرب الي المنير من المرءاة و ليس الّا لصفاۤئها فهو اذا تقرّب بهم نال القرب من اللّه بهم لانّ مَنْ تولّاهم و تبرأ من اعداۤئهم علي نحو ما ذكرنا مراراً كان تابعاً لهم و قابلاً لوصلهم يتمّمون له ما نقصَ من قابليّته و مقبوليّته عن نيل درجات المقرّبين بفاضل حَسَناتهم و اعمالهم و فاضل انوارهم فبذلك منهم يلحق بالمقرّبين .

و قوله عليه السلم : و مقدّمكم امام طلبتي و حواۤئجي و اراداتي في كل احوالي و اموري

يراد من التقديم معني الاستشفاع و التقرب بهم كما ذكرنا سابقاً و معني اٰخر سنذكره بعدُ لا انه يتخيّل عند العبادة صورهم و يتمثلهم كما يفعلونه اهل التصوّف الذين يأمرون مريديهم به يقول الشيخ منهم لمريده اذا اردتَ ان تصلّي فرض الظهر تتصوّر صورتي اَمام نيّتك و تمثّل هيئتي عند قصدك لانك قاصدٌ الي معبود بينك و بينه مسافة طويلة و انت لم‌تقطعها و انا قد قطعتها و وصلتُ اليه و انت تابع لي و سالك مسلكي لاتصل الّا باتّباعي فاذا تخيّلتَ صورتي اَمامَ قصدِك و صورتي في خيالك هي حقيقة ظاهري الذي تشاهده ببصرك لان الخيال هو اصل الوجود و الظاهر من آثارِهٖ قاۤئم به و حقيقتي قد اتّصلت بمعبودك و انت بخيالك اتّصلتَ بحقيقتي وصلتَ الي معبودك بدلالتي و هدايتي و كذب لعنه اللّه لانّ مريدَه اذا تخيّل صورته اَمام قصده كانت الصورة المحدودة بالابعاد هي معبوده المقصود بعبادته او وجه معبوده [ص 136] فان قيل انه يدّعي انها ليست مقصودة بالعبادة قلنا اذا لم‌تكن مقصودة بالعبادة فهي امّا دليل علي المقصود بالعبادة اوْ لا فان كانت دليلاً فهي انّما تدلّ بهيئتها فيلزمه ان يكون مدلولها علي تلك الهيئة من التحديد و التخطيط و ان لم‌يكن مدلولها كذلك فبأَي شيء تدلّ عليه اذا لم‌تدلّ بهيئتها و ان لم‌تكن دليلاً و لا مدلولاً فهي صورة شيطانية تشغله عن التوجّه الي معبوده الذي ليس كمثله شيء بملاحظتها و انّما المراد بتقديمهم عليهم السلم امامه في كل احواله لانّ المعبود الحق جل و علا هو المقصود بالعبادة وحده و المطلوب منه كل خير وحده لا شريك له و لمّا كان سبحانه لايشبههُ شيء و لايعرف كيف هو في سرّ و علانية الّا بما دلّ علي نفسه و لايدلّ علي نفسه بغيره لان ذلك يضلّ المدلول فانك لو دللتَ علي الطويل بالقصر لضلّ المدلول و انّما يدلّ علي نفسه بما يهدي المدلول و ذلك لايكون الّا باسماۤئه و صفاته و هم صلي اللّه عليهم اسماۤؤه و صفاته و الذات لايمكن القصد اليها و الارادة لها الّا باسماۤئها و صفاتها و مع هذا فلايجوز ان تتصوّر صورة النبي صلي اللّه عليه و آله او علي عليه السلم او الائمة عليهم السلم عند توجّهك الي اللّه تعالي لان هذا شرك و كفر لان ما تتصوّر لايدلّ عليه و ما يدلّ عليه تعالي لايمكن تصوّره اذ لا صورة له و الّا لعُرِف تعالي بصورة فليس معني التقديم لهم اَمام كل شيء للّه تعالي من عبادة و دعاۤء و ذكر و غيرها الّا ان تدعوه وحده باسماۤئه و هم تلك الاسماۤء الاتري انّك اذا اردتَ ان تخاطب زيداً و تقصده و هو متعيّن قاعد عندك لم‌تقدر علي ذلك الّا باسماۤئه و صفاته فتقولُ يا زيد و لا تريد الاسم و لاتتصوّره و انّما تعني المعني المدعو و لكن لاتقدر ان تتوصل الي جهة توجّهه و اقباله اليك الّا باسمه او صفته فتقول يا قاعد و لست تريد القعود و لاتلاحظه و لاتتصوّره الّا ان مقصودك هذا [ص 137] المعني المعلوم عندك بصفة القعود اَوْ بالاشارَة اليه فتقول هذا غير ناظرٍ الي الاشارة فاذا دلّك الاسم و الصفة و الاشارة علي زيدٍ في حالٍ منك قد خلي وجدانك منها و ملاحظتُك و نظرك فهي اسماۤؤه و صفاته و آياته الدّاۤلة عليه و لايدلّ شيء منها عليه حين وجدانه لانه حينئذٍ حجاب جلالٍ لِوجْدٰانك انّيّتَهُ كما امر به الصوفي من تصوّر صورته اَمام تَوَجُّهِهٖ و لكن لمّا كان علم التّصوّف عندهم شرطه ان يكون جارياً علي مذهب السّنّة و الجماعة كما صَرَّحَ به عبدالكريم الجيلاني في اول كتابه الانسان الكامل و نظرهم بهذا العلم الخبيث علم الضلالة و الكفر و مقصدهم المعارضة و المباهاة لائمة الهدي صلي اللّه عليهم ليصرفوا وُجوهَ الناس اليهم و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالٰاخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون و اللّه سبحانه بلطيف تدبيره يضلّ به كثيراً ممّن مال اليهم و اتّبعهم و اقتدي بهم و يهدي به كثيراً ممّن ردّ عليهم و انكرهم و تبرّأ منهم و من اتباعهم وَ مايضلّ به الّا الفاسقين الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه يعني الميثاق الذي اخذ عليهم اَلّايقولوا علي اللّه الّا الحق و يقطعون ما امر اللّه به ان يوصل و هو ما امَرَ به من اتّباع اهل البيت عليهم السلم و الردّ اليهم و التسليم لهم في قوله تعالي يا ايّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه و كونوا مع الصادقين ، و يفسدون في الارض اولٰۤئك هم الخاسرون لانهم قد ضلّوا باعتقاداتهم الفاسدة كما اشرنا الي بعضها سابقاً و اضلّوا كثيراً ممن اصغي اليهم و ضلّوا عن سواۤء السبيل اي عن وسط الحق في قوله تعالي و كذلك جعلناكم امةً وسطاً فافهم فلما كان علمهم مبنياً علي غير الصراط المستقيم اضلّهم الشيطان عن طريق الحق ليجعل ما يلقي الشيطان فتنةً للّذٖين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم و ان الظالمين لفي شقاقٍ بَعٖيدٍ و زيّن لهم ان هذا التصور هو الدليل الي اللّه كما ان ذا الصورة هو الذي [ص 138] يدلّك بعلمه عليه و بنَفَسِه و اخلاقه كذلك صورته تدلّ خيالك علي اللّه فزيّن لهم الشيطان ان يتصوّروا صنَماً يحدثونه باوهامهم يتوجهون اليه في عبادتهم مع انه مكنوفٌ بالحدود و المقادير فلمّا تنبّه بعضهم الي هذه الحدود نطق له الشيطان علي اَلْسِنةِ مشاۤئخهم و كبراۤئهم بانّ الوجود واحد يتكثّر و هو واحد في كثرته و يتحدّد و هو غير متعيّن في تعيّنه و تشخّصه فقال شعراً :

كلّ شيءٍ فيه معني كلّ شيء فتفطّنْ و اصرفِ الذّهنَ الَيّ

كثرة لاتتناهي عَدَداً قد طوتها وحدة الواحد طي

و الحاصل لا حاجة الي التطويل في بيان مَخازيهم و قبيح معتقداتهم و نحنُ مرادُنا بتقديم ائمّتِنا عليهم السلم اَمامَ عبادتنا و ذكرنا و دعاۤئنا انّا نعبد اللّه علي نحو عبادتهم و بما عبدوه و نعرفه بما عرّفوه و نصفه بما وصفوه و ندعوه سبحانه باسماۤئه و صفاته و معانيه كما مثّلنا سابقاً و معني ذلك انا مثلاً اذا قلنا يا رحيم فانّا ندعو معبوداً وصف نفسه برحمة حادثة خلقها و اشتقّها من لطفه و هم عليهم السلم تلك الرحمة الحادثة و لانريد بها الرحمة التي هي ذاته لان تلك لا عبارة لها و لا كيف لانها هي هو بلا اعتبار تعدّد و لا كثرة و لا مغايرة فلاتقع عليه العبارة و لاتعيّنه الاشارة و لاتميّزه الصفات و لاتكتنفه الاوقات و انّما الرحمة التي هي معني من معاني اسماۤئه احدثها و تعبّد بها خلقه قال تعالي و للّه الاسماۤء الحسني اي ملكه و خلقه فادعوه بها فتقول يا رحيم يا كريم يا جواد يا غفور و هكذا الي ساۤئر اسماۤئه و هي هم عليهم السلم ففي تفسير العياشي عنه عليه السلم قال اذا نزلت بكم شدّة فاستعينوا بنا علي اللّه و هو قول اللّه وَ للّه الاسماۤء الحسني فادعوهُ بها قال نحنُ واللّهِ الاسماۤء الحسني الذي لايقبل اللّه عملاً الّا بمعرفتِنا و في التوحيد عن ابي‌عبداللّه عليه السلم قال اللّه غاية من غيّاه و المغيّي غير الغاية و وصف [ص 139] نفسه بغير محدوديّة فالذاكر اللّهَ غير اللّهِ و اللّهُ غير اسماۤئه و كل شيء وقع عليه اسمُ شيء سواه فهو مخلوق الاتري الي قوله العزّة لِلّٰهِ العظمة لِلّهِ و قال و للّه الاسماۤء الحسني فادعوه بها و قال قل ادعوا اللّهَ اوِ ادْعوا الرحمن ايّاً ما تدعو فله الاسماۤء الحسني فالاسماۤء مضافة اليه و هو التوحيد الخالص ، اقول قوله عليه السلم فالاسماۤء مضافة اليه هو ما ذكرتُ لك اي منسوبة اليه لانها ملكه و اسماۤؤه و خلقُهُ و قوله عليه السلم اوّلاً و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء سواه فهو مخلوق هو ما ذكرنا سابقاً فانّا ندعوا معبوداً وصف نفسه برحمة حادثةٍ خلقها و اشتقّها من لطفه و اشتقّ هذا اللطف من رأفته و اشتقّ هذه الرأفة من قدرته اي من اقتداره و ليس المراد من هذه القدرة عين ذاته فانّ ذاته لايشتَقّ منها شيء و ليس المراد من قوله عليه السلم سواه في قوله عليه السلم و كل شيء وقع عليه اسم شيء سواه استثناۤء من الموقوع عليه اسم شيء ليكون المعني انه تعالي وقع عليه اسم شيء و ما سواه وقع عليه اسم شيء الّا انّه مخلوق بل المراد من سواه البيان للموقوع عليه و المعني و كلّ شيء وقع عليه اسم شيء ممّا سواه فافهم لانه تعالي لايقع عليه شيء و لايقع علي شيء اذ ليس بينه و بين ما سواه نسبة و ليس بين ما سواه و بينه نسبة الّا نسبة الاحتياج الي صنعه و مدده و فيضه في كلِّ ما ينسب له فقولي في قوله تعالي و للّه الاسماۤء الحسني انهم هم الاسماۤء الحسني و قولي في قوله فادعوه بها فتقول يا رحيم يا كريم يا جواد يا غفور و هكذا الخ ، اريد به انهم عليهم السلم تلك الرحمة المحدثة التي هي ركن رحيم و الكرم المحدَث الذي هو ركن كريم و الجود المحدَثُ الذي هو ركن جواد و المغفرة المحدثة التي هي ركن الغفور و هذه الاسماۤء تقوّمت بهذه المعاني المحدثة لان هذه الاسماۤء اسماۤء افعالِ الذاتِ العليّة و هي التي امرنا ان ندعوه [ص 140] بها فكريم اسم فاعل الكرم فهو اسم فعل و الكرم ركنه الذي تقوّم به و هم عليهم السلم ذلك الكرم الذي هو ركن اسم كريم و متقوّم به و انما كان كريم اسماً لِتقوُّمِهٖ بالكرم و كريم هو دليلنا علي المعبود و المدعوّ سبحانه و المقصود بالعبادة و بالسؤال و الدعاۤء هو مدلول كريم و مسمّاه علي وجهٍ تضمحلّ فيه هذه الاسماۤء الداۤلّة و المطالب و الطالبين عن الوجدانِ بلا اشارة و لا كيفٍ و هكذا في جميع اسماۤئه سبحانه و الي هذه الرتبة و هي رتبتهم في المعاني الاشارة بقولهم عليهم السلم حيث يقولون عليهم السلم نحنُ معانيه يعني معاني افعاله لانه تعالي لم‌يعرف الّا بما عرّف به نفسه و لم‌يتعرّف لاحدٍ من خلقه الّا بصفاتِ افعاله و صفات افعاله آثارها الدالّة عليها كما تدلّ اٰثار افعال النار من الحرارة و الاحراق علي افعالها و افعالُهَا تدلّ بما تقومت به علي نفس النار من جهة القصد اليها و المعرفة لها و لانريد ان تلك الاَسْماۤء اي اسماۤء افعالها كالمحرق و المسخّن و المحرِّر بكسر الراۤء الاُولَي تدلّ عليها اي علي كنهها دلالة تكشِفُ عن حقيقتها و انما نريد انها تدلّ عليها من جهة ما ظهرت به لنا من افعالها اي تعرّفَتْ لنا به لانّها لم‌تظهر لنا بذاتها و انّما ظهرت بافعالها فافهم فانّ هذا آيةُ ما اشرنا اليه من معني انهم هم الاسماۤء الحسني التي امرنا ان ندعو اللّه بها مثل يا كريم يا رحيم كما مر و هو حقيقة معني و مقدِّمُكم اَمامَ طلبتي و حواۤئجي الخ .

و اعلم انّ التوحيد الخالص له مراتب و ليس وراۤء هذه المرتبة التي هي رتبة المعاني مرتبةً اعلي منها علي ما وصل اليّ في اسرار اهل العصمة عليهم السلم الّا مرتبة المقامات و هذا فيما اعرف و اعتقد بالنسبة الي ما دون العصمة و اما اهل العصمة عليهم السلم فلهم مراتب لايصل اليها احد سواهم بكل وجهٍ فلاندّعيها و لانريدها باطلاقات عباراتنا لانّا لانعرفها نعم قد تصلح [ص 141] عباراتنا لها عند من يعرفها و يصل اليها و لهذا تراهم عليهم السلم يعبّرون بهذه العبارات الّتي نعبِّر نحنُ بها عن مقاصدنا امّا انا فٰاخذ من عباراتهم عليهم السلم اذا حضرتني اذَا امكنني الاداۤء بها عن مطلبي و اللّه سبحانه وليّ التوفيق و اعلم انّي في كلِّ موضعٍ من هذا الشرح و غيره اذا اقتضي المقام ذكر هذا المعني ذكرته و بيّنته كلّ ذلك لعلمي بصعوبة معرفته و انّ الاكثر لايعرفون شيـٔاً من هذا و انّما الناس يحومون حول القول بالغلوِّ او عدم معرفة مقام اهل البيت عليهم السلم من اللّه تعالي فاذا نظرتَ في اكثر الخلق لم‌تكَدْ تجدُ الّا غالياً اوْ قالِياً فلهذا كثيراً ما اُكَرِّرُ ذِكرَهُ لعلّ اللّه سبحانه ان يُفَهِّمَ مَنْ ينظر في هذا الشرح طالباً للاعتقاد الحق و يهديه سواۤء السبيل و كأَني باقوامٍ يقولون اِنْ حَسَّنُوا القَوْلَ :

و كلٌّ يدّعي وصلاً بليْلَي و ليلَي لاتُقِرُّ لهم بذاكا

فاقول لهم :

اذا انبجسَتْ دموعٌ في خدودٍ تبيّن مَن بكي ممّن تَباكا

و اقول لهم ايضاً :

فهَبْ انّي اقول الصبح ليل أَيعمي الناظرون عن الضياۤءِ

و اعلم انّ الافهام و المعارف قسمَها عدل حكيم عليم بين خلقه كما قسم بينهم ارزاقهم و آجالَهُمْ و قد اشار سبحانه الي ذلك بقوله أهم يقسمون رحمة ربّك نحن قسمنا بينهم مَعٖيشتهم في الحيوة الدنيا و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات الٰاية لكنّه سبحانه جعل المقسوم من جميع ذلك علي قسمين قسم لاينال الّا بالسعي و الطلب من الجهة المجعولة لذلك و قسم لاينال بالسعي و انما ينال بالعناية الالهيّة و هو سبحانه اعلم حيث يضع احسانه و امّا القسم الاول فينال بالطلب و اقرب الطرق الي تحصيله و اصحها و انجحها اصلاح [ص 142] النية و العمل و الصدق مع اللّه في جميع المواطن و بنسبة ما تحسن تدرك و امّا القسم الثاني فاللّه يرزق من يشاۤء بغير حساب .

و قوله عليه السلم : و حواۤئجي و ارادتي في كل احوالي و اموري يريد به انّي مقدّمكم علي النحو الذي ذكرنا اي بكلّ تقديم من استشفاع و توجّه و استهداۤءٍ و انتهاۤءٍ اليكم في كل نحو من انحاۤء وُجوداتي وَ وجْدَانَاتي في حواۤئجي وَ ارادتي بمعني اني اطلبها بكم من اللّه سبحانه او منكم باللّه اي باللّه تفعلون و بامره تعملون او عنكم اي اتوصّل الي ادراكها عنكم اي انتم باللّه توصلونني الي نيلها اوْ لكم لأنّي لكم لأن اعمال شيعتهم زيادة في جاههم كما تحصل زيادة الثواب في الصلوة باللباس الابيض و بالطيب فان الزيادة عرضيّة قال (ص) تناكحوا تناسلوا فانّي مباهٍ بكم الامم الماضية و القرونَ السالفة يوم القيمة و لو بالسقط الحديث ، و قوله (ع) اعينونا بورعٍ و اجتهادٍ الحديث ، و هذا كلّه في جميع ما اُرٖيدُ و يُرَادُ منّي مما يتعلّق بالاركان و اللسان من جميع الاعمال للدنيا و الدين من جميع حواۤئجي و مما يتعلّق بالجنان من جميع الاعتقادات و المعارف و العلوم للدنيا و الدّين من جميع اراداتي و هو قوله (ع) في كلّ احوالي و اموري لأنه (ع) جمع فيه كلّما اشرنا الي تفصيله .

قال عليه السلم : مؤمن بسرّكم و علانيتكم و شاهدكم و غاۤئبكم و اوّلكم و آخركم .

قال الشارح المجلسي تغمّده اللّه برحمته مؤمن بسرّكم و علانيتكم اي باعتقاداتكم و اعمالكم انّها للّهِ حقاً او باسراركم مجملاً و شاهدكم من الائمة الاحدعشر و غاۤئبكم من المهدي (ع) و اوّلكم انه علي بن ابي‌طالب عليه السلم و آخركم بانّه المهدي (ع) لا كما تقوله العاۤمّة و الواقفية و غيرهما [ص 143] او الحيوة الاولي و الرجعة انتهي .

قد تقدّم معني الايمان و انّه اعتقاد بالجنان و عمل بالاركان و قول باللسان و يصدُقُ علي اَحدِهَا كما هو المتعارف في اصطلاح المتكلّمين انّه التصديق باللّه و بالرسول صلي اللّه عليه و آله و بجميع ما جاۤء به الرسول (ص) مما علم ضرورة مجيّه (ص) به و علي الاوّل كاۤفّة المعتزلة و جماعة من الاماميّة و اكثر المتقدّمين منّا و الاخبار منصبّة عليه و مبني كلامِنا في هذا الشرح عليه سواۤء قيل بان ذلك هو الايمان او الكامل منه و السرّ قال في النهاية فيه صوموا الشهر و سِرَّه اي اَوّلَهُ و قيل مستهَلَّهُ و قيل وسطه و من كل شيء جوفه فكأَنه اراد الايام البيض و في مجمع البحرين و السرّ الذي يكتم و منه هذا من سر آل‌محمد اي من مكتوم آل‌محمد الذي لايظهر لكلِّ احدٍ قال بعض شرّاح الحديث اعلم انّ سرّ آل‌محمّدٍ صعبٌ مستصعبٌ فمنه ما تعلمه الملاۤئكة و النبيّون و هو ما وصل اليهم بالوحي و منه ما يعلمه هم و لم‌يجرِ علي لسانِ مخلوقٍ غيرِهِمْ و هو ما وصل اليهم بغير واسطةٍ و هو السرّ الذي ظهرت به آثار الربوبيّة عنهم فارتابَ لذلكَ المبطلون و فاز العارفون فكفر به فيهم مَن انكر و فرَّط و غلَا فيهم مَن تجاوز (ظ) و افرط و فاز مَن ابصر و تبع النَّمطَ الاوسط انتهي ، فعلي معني كلام النهاية يكون المعني انّي مؤمن باوّلِكم اي اوّل كَونكم و علي هذا لايراد مطلق السرّ لانه قد يطلق و يراد به ما يقابل العلانية و يصدق علي كلّ مرتبةٍ لهم من المقامات و المعاني و الابواب و كذلك مرتبة الاشباح فاذَا فسّرنا السرّ بالاوّل لم‌نعرف لهم اوّلاً اعلي من المقامات التي اشار اليها الحجّة عليه السلم في دعاۤء كل يوم من شهر رجب في قوله فجعلتَهُم معادنَ لكلماتك و اركاناً لتوحيدك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لَها في كل مكانٍ [ص 144] يعرفُكَ بها مَن عرفك لا فرقَ بينكَ و بينها الّا انهم عبادُك و خلقُك فتقها و رتقها بيدِك بدؤُهَا منكَ و عودُهَا اليكَ اعضاد و اشهاد و مُناةٌ و اذوادٌ و حفظةٌ و رُوّاد فَبِهِمْ مَلَأْتَ سماۤءَك و ارضَك حتي ظهر اَلّا اله الّا انتَ الدعاۤء ، فقوله عليه السلم و مقاماتك يراد منه اوّل كونهم في الوجود الراجح المعبّر عنه بالوجود المطلق و برزخ البرازخ و هذا هو السرّ المقنّع بالسرّ في قول الصادق عليه السلم علي ما رواه في البصاۤئر قال (ع) انّ امرنا هو الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السرّ و سرّ السّرّ و سرّ المستسرّ و سرّ مقنّع بالسرّ ه‍ ، و قد تقدّم و معني كونه مقنّع بالسرّ ما قلنا انّ السرّ يُرَاد منه في الاطلاق ما يقابل العلانية فيكون المرتبة العليا منه التي هي المقامات مقنّعةً بالسرّ الذي هو مرتبة المعاني لهم عليهم السلم و هي مقنّعة بالسرّ الذي هو مرتبة الابواب لهم عليهم السلم و هي مقنّعة بالسرّ الذي هو مرتبة الاشباح لهم عليهم السلم و الاظلّة المعلّقة بالعرش اي الصاۤفّون الحاۤفّون حول العرش المسبّحون و عن الصادق عليه السلم كنا انواراً صفوفاً حول العرش نسبّح فيسبح اهل السماۤء بتسبيحنا الي ان هبطنا الي الارض فسبّحنا فسبّح اهل الارض بتسبيحنا و انّا لنحن الصاۤفّون و انا لنحن المسبّحون الحديث ، و انّما حفّت الملاۤئكة بعرش ربّهم ائتماماً بهم عليهم السلم حيث رأوهم قد حفّوا بعرش ربّهم و صفّت كما صفّوا و سبّحت كما سبّحوا و هذه المقامات المشار اليها المذكورة في الدعاۤء هي الصفة المنسوب اليها جميع احْكام الافاعيل و الموجودات و اليها تنتهي جميع الٰاثار و المكوّنات و الفيوضات و هي اسم للفاعل الذي ابدَع بها كلّ شيء و تعرّف بها لكل شيء و الفاعل هو المسمّي بها سمّي نفسَهُ بها حين احدث بها مَنْ احدث لمن احدث ليدعوه بها و بتلك الصفة التي هي المقامات التي هي اسم الفاعل ظهر الفاعل للخلق [ص 145] بهم لان الفاعل ظهر باسمه لكلّ مبتدعٍ به و لذلك قال عليه السلم في الدعاۤء لا فرق بينك و بينها اي في جميع الفيوضات و الصدورات و الٰاثار و الوجودات اِذْ بها فعل ما فَعَلَ و عنها اظهر ما اظهر كما قال اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه و القَي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله و المراد بالمثال هنا اسمه كقاۤئم اسم فاعل القيام فانه في القيام كالصورة في المرءٰاةِ و في الظاهر جعل طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته و رضاهم رضاه و سخطهم سخطه و قوله عليه السلم الّا انّهم عبادُك و خلقك يعني انّ تلك الصفة التي هي المقامات و اسم الفاعل الذي احدث ما احدث و تعرّف لمن تعرّف خلقه و صنعه يعني احدثه بنفسه و اقامه بنفسه و صنع به ما صنع فهو سبحانه هو الفاعل وحده لا شريك له و هو بحكمته يفعل ما يشاۤء بما يشاۤء كما يشاۤء لا اله الّا هو العزيز الحكيم كما زرع سبحانه الحنطة بزيدٍ الحارث من بذرها بالماۤء و الارض في الفصل الصالح للزرع و هو سبحانه يقول افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون ، و في قرب الاسناد للحميري باسناده عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلم الي ان قال (ع) قال ابوجعفر عليه السلم في النطفة قال فاذا تمّت الاربعة الاشهر بعث اللّه تبارك و تعالي اليها ملكَيْن خلّاقَيْنِ يصوّرانه و يكتبان رزقه و اجله و شقياً و سعيداً الحديث ، و في الكافي في صحيح زرارة عن ابي‌جعفرٍ عليه السلم الي ان قال ثم يبعث اللّه ملكَيْن خلّاقَيْنِ يخلقانِ في الارحام ما يشاۤء اللّه يقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة فيصلان الي الرحم و فيها الروح القديمة المنقولة في اصلاب الرجال و ارحام النساۤء فينفخان فيها روح الحيوة و البقاۤء و يشقّان له السمع و البصر و جميع الجوارح و جميع ما في البطن باذن اللّه تعالي ثم اوحي اللّه الي الملكَيْن اكتبا عليه قضاۤئي و قدري و نافِذَ امري و اشترطا لي البداۤء فيقولان يا ربّ [ص 146] ما نكتب قال فيوحي اللّه عز و جلّ اليهما ان ارفعا رؤسكما الي رأس امّه فيرفعان رؤسهما فاذا اللوح يقرع جبهة امّه فينظرانِ فيه فيجدانِ في اللوح صورته و زينته و اَجَلَه و ميثاقه شقيّاً او سعيداً و جميع شانه قال فيملي احدهما علي صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح و يشترطان البداۤء فيما يكتبان ثم يختمان الكتاب و يجعلانه بين عينيه ثم يقيمانه قاۤئماً في بطن امّه قال فربّما عتَا فانقلب و لايكون ذلك الّا في كل عاتٍ او ماردٍ الحديث ، و غير ذلك من الاخبار الدالّة علي انه سبحانه يخلق ما تشاۤء بما يشاۤء كيف يشاۤء و اذا اشتبه عليك ما اشرنا اليه فانظر الي ما في هذا العالم من الاشياۤء التي يعملها العامِلون و اللّه سبحانه هو الفاعل لها كما مثّلنا لكَ بالزّرع و اعلم ان كلّ ما هنا فهو آية ما هنالك و دليله اماتسمع قول اللّه سبحانه سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انّه الحق ، و قول الرضا عليه السلم قد علم اولوا الالباب انّ الاستدلال علي ما هناك لايُعْلم الّا بما هيهُنا ه‍ ، و لولا خوف الاطالة لشرحتُ كلمات هذا الدعاۤء الشريف و ان مدّ اللّه و مكّن شرحتُ الدعاۤء كلّه و بيّنتُ ما فيه من الاسرار التي لايحتملها الّا ملك مقرب او نبي مرسل او عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان و اياك ان تنسب اليهم (ع) او الي احدٍ من الخلق من ملك او نبي او غيرهما شيـٔاً من افعاله تعالي بعد ما بيّن لك سبحانه فقال تعالي اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات و قال قل اللّه خالق كلّ شيء و هو الواحد القهّار كما انّك لاتقول انّ الارض و الماۤء هما اللذان يزرعان الزرع و انّما المعني انه سبحانه ماامرك بامرٍ و لانهاك عن شيء من جميع ما كلّفك به الّا علي لسان محمدٍ و آله صلي اللّه عليه و آله و قد اخبروك و انت تعلم انه سبحانه هو الٰامر و هو الناهي وحده و لا شريكَ له في شيء من ذلك و ان كانوا هم الحاملين لامره و نهيه و المُبَلِّغٖين عنه [ص 147] لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فكذلك في جميع ما تسمع مما ننسبه اليهم من افعاله هو الفاعل علي ايدي من يشاۤء من خلقه من الانبياۤء و الملاۤئكة و الحيوانات و النباتات و الطباۤئع و العناصر فمن شاۤء من خلقه جعلهم تراجمة لفعله لمن شاۤء من خلقه و ذلك حكمه و قضاۤؤُه في صنعه و في وحيه و امره و نهيه علي حد سواۤء فافهم و لاتتوهّم غير هذا فتكون من الكافرين و اللّه يحفظك في هذه الغمرات .

و الحاصل السرّ الاوّل الاسم الذي استقر في ظلّ اللّهِ اي في نفس ذلك الاسم فلايخرج منه الي غيره و الضمير في منه و غيره يعود الي اللّه بمعني انّ اللّه سبحانه خلقه له فلايكون لغيره كما ذكرنا سابقاً مراراً كثيرة و هذا احد معاني جَعْلِ الضميرين يعودانِ الي الظلّ الذي هو ذلك الاسم نفسه او معني جَعْلِ الضميرين يعودانِ الي الظل احد معاني انّه خلقه له وحده لا شريك له فاذا قال المعصوم عليه السلم و خصيص شيعته مؤمن بسرّكم جاز ان يريدَ هذا السرّ و امّا مَن سواهم و سوي خصيص شيعتهم لايمكن ان يريدَهُ و ان سمع وصفه و سلّم فانه لايمكن ان يريده لانه لو كشف له ما يراد منه انكره فكيف يمكن ان يؤمن به او يكون تسليمه ايماناً به اماسمعتَ قول الصادق عليه السلم في حق انصار القاۤئم عليه السلم الثلثمائة و الثلاثة‌عشر الّذين اختارهم اللّه من اهل الارض لنصرته و هم اصحاب الالوية و حُكّام اللّهِ في ارضه علي خلقِهٖ و ذلك لمّا دعاهم اوّل ما يخرج ليلة عاشوراۤء و هم في مشرق الارض و مغربها اجابوه فاتوه كلمح البصر منهم من تنطوي له الارض و منهم من تحمله السحاب فلما اجتمعوا حوله قال عليه السلم استخرج من قبلته كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب عهد معهود من رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله فيجفلون عنه اجفال الغنم فلم‌يبق منهم الّا الوزير و احدعشر نقيباً كما [ص 148] بقوا مع موسي بن عمران (ع) فيجولون في الارض فلايجدون عنه مذهباً فيرجعون اليه فواللّهِ انّي لاَعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به ه‍ ، انظر كيف كفروا بذلك المقام الذي ظهرَ به لهم و هم من عرفتَ فكيف يحتمله الّا اهله كالوزير عيسي بن مريم عليه السلم و احدعشر نقيباً الذين امتحن اللّه قلوبهم للايمان و عند من عرف هذا السر الذي هو سرّ مقنّع بالسرّ اذا كمل ايمانه به نوع من الايمان به لو علم ابوذرّ ما في قلب سلمٰن لقتله او لكفّره و هو تأويل قوله تعالي و مانقموا منهم الّا ان يؤمنوا باللّهِ العزيز الحميد و هذا هو جوهر علمٍ لو ابوح به لقيل لي انت ممّن يعبد الوثَنا ،

و لاستحلّ رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما يأتُونَهُ حَسَناً

و الحاصل الايمان بهذا السرّ لايكون اِلَّا بالاعتقاد بالجَنان و العمل بالاركان و القول باللسان و لو تكلّفنا ان نستعمل الايمان الذي هو التصديق كما تقدّم ذكره في هذا السّرّ الخاص فارق المعرفة و اليقين و العلم و فارق الايمان الحق الذي هو شرط الشّفاعة و عبارة مجمع البحرين التي نقلها ابن‌طريح رحمه اللّه عن بعض شُرّاح حديث ان سرّ آل‌محمد صعب مستصعب و هي قوله و منه ما يعلمه هم و لم‌يجر علي لسان مخلوقٍ غيرِهم و هو ما وصل اليهم بغير واسطةٍ و هو السرّ الذي ظهرت به آثار الربوبيّة عنهم فارتاب لذلك المبطلون و فاز العارفون فكفر به فيهم من انكر و فرّط الي آخر ما تقدّم تصلح لهذا السر الذي نعنيه و لانعلم ما في ضمير صاحبها فلعلّه عرف و لعلّه ماعرف و انما هو كما قال الشاعر :

قد يُطْرِبُ القمريُّ اسماعَنٰا و نحن لانفهمُ اَلْحانَهُ

هذا اذا اريد به السرّ الاول و ان اريد به الوسط و الجوف فكذلك لانا لانريد بالوسط و الجوف الّا الاوّل في البَدْء و لانريد بالاوّل الّا الوسط [ص 149] و الجوف الذي هو قلب الشيء و لُبُّهُ و ان اريد به ما يقابل العلانية كما مثّلنا به بانه كونهم معانيه و ابوابَهُ و عبادَه المكرمين الذين لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فالايمان الكامل علي نحو ما مرّ و امّا هذا السرّ فقد قلنا اوّلاً انه كونهم معانيه سبحانه اي معاني اسماۤئه و افعاله كما تقدّم و كونهم ابوابه تعالي التي منها يؤتي و منها يمنع و يعطي و يفقر و يغني و يُضحِك و يُبكي و يقبض و يبسط و يميت و يحيي و يأمر و ينهي الي غير ذلك من اَفاعيله و كونهم اشباحاً و هي ابدانٌ نُورانيّة لا اَرْوَاحَ فيها كما رُوِي عنهم عليهم السلم و الشّبَح ظلّ النّور و قد مَضي تفسير هذه و الكلام في الايمان بهذه الاسرار كما مرّ و انّ الاٖيمان الحقيقي لايتحقّق من غير اهل العصمة عليهم السلم و شيعتهم الخصيصين كما مرّ و امّا الخاۤصّون من شيعتهم فمنهم مَن قد يتمكّن من الايمان ببعضٍ من مراتب بعض هذه الاسرار و اكثرهم لايتمكّنون من ذلك و امّا الخصيصون فربّما عرفوا تلك الاسرار مجملةً و لكن الاشكال في الاتيان بالايمان الكامل بها و مَا اكثر المقصّرين في ذلك او بعضه لانّ الايمان بالقلب و بالْجَوارح وَ باللِّسَان بأَن يصرفها فيما خلقت له امرٌ صعب قد عثر في مواضع من ذلك كثير من الانبياۤء عليهم السلم مع عصمتهم حتي انه ورد عن اهل البيت عليهم السلم ما معناه انّ علي الصّراط لعقباتٍ كَؤُداً لايقطعها بسهولةٍ الّا محمد و اهل بيته صلّي اللّه عليه و آلهِ و امّا اذا اقتصرنا علي ما تعرفه العوام او علي ما يظهر من الكلام صدق لغةً علي المصَدِّق بمفهوم لفظ السّرّ لا كما ذكره الشارح تغمّده اللّه برحمته في تفسيره السرّ بالاعتقاد قال مؤمن بسرّكم و علانيتكم اي باعتقاداتكم و اعمالكم انّها للّهِ حقّاً ففسّر السرّ بالاعتقادات و العلانية بالاعمال يعني اني معتقِد انّ اعتقاداتكم حقّة و اعمالكم صحيحة و انت اذا عرفتَ اخبارهم ظهر لك انّ هذا المفهوم [ص 150] لايكون مصداقاً للسّرّ لانّ المفهوم ان كان هو المصداق في نفس الامر كان حقّاً و الّا فهو اما دليل المصداق و آيته اَوْ هو موهوم و لايكون دليلاً و آيةً فهو موهوم بل يعتقد انّ عندهم علوماً وَ اعتقاداتٍ صحيحة مطابقة لما عند اللّهِ و في نفس الامرِ لايعرفها غيرهم و لايطّلع عليها احد سواهم و انّ اللّه سبحانه اظهر عليهم من آثار الربوبيّة كالاطّلاع علي الضّماۤئر و احياۤء الموتي و ابراۤء الاكمه و الابرص و غير ذلك اَسْراراً لم‌يظهرها علي غيرهم فيصدّق بهذه و امثالِها مجملةً فيصدق مفهوم السرّ علي ذلك ظاهراً و ينال حظّه من ثواب ذلك الايمان بنسبته .