قال عليه السلم : مطيع لكم عارف بحقكم مقرّ بفضْلكم .
اقول قد تقدّمَ معني هذه ( هاتين ، ظاهر ) الفقرتَيْنِ مفرّقاً و لا بأس بالاشارة [ص 27] الي مجمل ذلك هنا لانّ ذكره هنا يكون مجتمعاً فيكون ادلّ و لئلّايحتاج الناظر الي التّتبّع في المراجعة و قد يحصل عنده بعض هذا الشرح و مطلوبه في البعض الاخر فلايتمّ مطلوبهُ مع انّ اعادته كما قال الشّاعر :
اَعِدْ ذِكرَ نَعْمانٍ لنا انّ ذكره هو المِسْكُ مَا كرَّرْتَهُ يَتَضَوّعُ
فاقول قد تقدّم فيما ذكرنا انّ الله سبحانه خلقهم عليهم السلم لهُ فلايقع منهم فعل او عمل او قول او اعتقاد حقيّة حقّ او بطلان باطل اَوْ حركة او سُكونٌ الّا له تعالي و ما لَهُ الّا ما امر به و ما من شيءٍ لشَيْءٍ او عن شيء او بشيءٍ الّا به تعالي فهم عليهم السلم و ما مِنْهم و عنهم و بهم و لهم حمده و ثناۤؤهُ و معرفته و ذكره و آلاۤؤُه ثم خلق خلقه لهم و ذلك لِتَتْمٖيمِ ما لَهُ و تكميلِه فلايقبل الله سبحانه طاعة شيءٍ من خلقه اِلّا بطاعتِهمْ و لايقبل شيـٔا من طاعتهم الّا له و لميقبل شيـٔاً لهُ من طاعة خلقه الّا لهم فليس لهم من الطاعات و الاعمال الّا ما كان له منهم لانّهم عليهم السلم له و لايكون شَيْءٌ طاعةً له الّا ما كان لهم لَهُ فقوله مطيع لكم اي لكم للّهِ فاطاعَةُ المؤمِنِ لهم حقيقة ان يعمل للّهِ بكل ما اَمَرُوا بِهٖ و اَنْ ينتهي لِلّهِ عن كُلِّ ما نَهَوْا عنه و ذلك عاۤمّ في كلّ حقٍ و النهي عن كلِّ باطلٍ و من الاوّل مثلاً اَنْ يقول الخمسة ثلاثة و اثنان و من الثاني ان تقول الخمسة اثنان و اثنانِ و الي نحو هذا اشار تعالي حكاية عن بعض من عمل بالثاني المتر الي الذين يُزكّون انفسهم بل اللّٰهُ يزكّي مَن يشاۤء و لايُظلمون فتيلاً انظر كيف يفترون علي اللهِ الكذبَ و كفي به اثما مبيناً ، ثم انّ الطاعة قد تكون صوريّة بان تكون العبادة مثلاً رياۤءً فصورتها طاعة و حقيقتها معصية و لذا قال تعالي يراۤؤن النّاس و لايذكرون الله الّا قليلاً اي ممّا لميُرَاۤؤا فيه اوْ انّ ذكرَ اللّهِ في صلاتهم قليل اَوْ بصورة صلاتهم او بالذكرِ و النسيان و قد تكون غير ثابتةٍ بل تكون متزلزلةً كمن عبد سمعةً [ص 28] فعبادته واقفة بين القبول بنسبتها كما لو مات قبل اَنْ يطلِعَ عليها احداً و بين الرّدّ كما اذا اطلع عليها احداً و كاعتقاد المنافق فانّه و ان طابَق صورته الواقع كما اذا اقرّ بالحقّ و ربّما اثيب عليه بثواب الدنيا بمثل حقن الدماۤء و تحريم الاموال و الدماۤء ظاهرا و كالتناكح و التّوارث الّا انّ باطنه من ذلك المعتقِد غير مطابقٍ للواقع لانه منكر له و هو عالم به فكان في اقراره كاذباً كما قال تعالي حكاية عنهم قالوا نشهد انّك لرسول اللّه و اللّه يعلم انّك لرسوله و الله يشهد ان المنافقين لكاذِبُونَ لانّ اعتقاد المنافق في الحقيقة رؤية الحقّ و معرفته حَقّاً لا الثبات عليه بان يجري علي مقتضاه و لو بالعزم لانّ رؤية الحق و معرفة كونه حقّا لا غير لايثبت به الايمان الّذي هو الثبات علي الحقّ الّا باستعمال اركانه الثلاثة كلٌّ في محلّه و هي الاعتقاد الّذي هو جزء الايمان كما ذكرنا و الاقرار باللِّسان و العمل بالاركان و في الخصال عن الصادق عليه السلم في الحديث الطويل و الايمان هو معرفة بالقلب و اِقْرارٌ بِاللِّسان و عمل بالاركان فاذا حصلت هذه الثلاثة متطابقةً لايرد علي شيء منها واردٌ من الٰاخر ينافيه بفعلٍ او عزم تحقّق الايمان و قول الاكثر منّا انه التصديق القلبي لا غير و انّ ما ورد عنهم عليهم السلم من انه تصديق بالجنان و اقرار باللسان و عمل بالاركان كما هو مذهب المعتزلة و جماعة منّا فتوجيه صحته امّا بان يراد به اقلّ ما يتحقّق به مصداقه مع اعتبار العزم علي الاقرار و العمل و الّا لكان هو المعرفة الّذي هو شرط قيام الحجة علي المكلّف لانه جحد ما استيقن و معني جحوده انه لميجر علي مقتضي استيقانه و لو بالعزم و لهذا قال تعالي في حقهم و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما و علوّا ، اَوْ ان التّصديق اقوي اركانه و اعظمها فاذا صدّق فقد اتي بمعظم ما طُلِب منه اوْ لانّه مستلزم لهما غالباً او لانّهما تصديق لساني و اركاني كما انه عمل و اقرار [ص 29] قلبي فيشملهما اذا اُطلِق و امّا تحقّقه بهما مع التطابق فهو الايمان الكامل فالتصديق المُعرَّي عنهما و عن العزم عليهما ليس ايمَاناً و قد تكون الطاعة قبول التكليف الوجودي المسمّي بالشرعي الوجودي و هو ظاهر الشرعي و هذه في الحقيقة كلها يصدق عليها اسم الطاعة ظاهراً قال تعالي في رجلٍ من المنافقين يا ايّها الّذين امنوا لم تقولون ما لَاتفعلُونَ كبر مقتاً عند اللّهِ ان تقولوا ما لاتفعلون فوصفه بالايمان لعلمه و قوله مع انّه مااٰمن باللّهِ طَرفة عين و كذا ايمان صورته و هذه و امثالها تدخل في اسم الطاعة بوجهٍ لكن لمّا كانت لاتترتّب عليها نجاة مما اُرٖيدَتْ للنجاة منه لمتدخل في الطاعة حيث تطلق مع انّ ما قد يترتّب عليها من الثواب كلّه اَوْ جُلّهُ انّما هو في الدُّنْيا لايَكاد يصِل الي البرزخ منه شَيْءٌ فضلاً عن ان يصل الي الاخرة فلاتدخل في الطاعة حيث تطلق نعم لو كان شيء من عملٍ يترتّب عليه ثواب الدنيا لا غير لكنه يترتّب عليه النجاة مما اُرٖيد للنجاة منه اَوْ حصول ما اُرٖيدَ له كالاوامر و النّواهي الارشاديّة امكن دخول الامتثال به في الطّاعة في قوله مطيع مثل ما استشار علي بن محمد علّان خال الكليني صاحب الزّمان عليه السلم في السفر للحج فنهاه عليه السلم فمضي و قُتِل فانّه يصدق علي ذلك المعصية و ان كان النهي ارْشادِيّا و لو لميمض صدق عليه انه اطاعَ الّا انّ الطَّاعة يختلف باعتبار مراتب التكليف و المكلّفين و لايبعد ربط هذه الطَّاعةِ بقوله عارف بحَقِّكم لانّ الطّاعة باعتبار الاخلاص و محبّة القيام بخدمة الٰامر تكون علي حسب المعرفة بحقّه و لهم عليهم السلم في الوجود بحسب ما نُدِبُوا اليه اربع مراتب كما الاُولي مرتبة المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و حقّهم هنا معرفتهم يعني معرفة اللّه سبحانه بهم و هو قول الحجة عليه السلم في دعاۤء شهر رجب يعرفك بها مَن عَرفك و قولهم عليهم السلم من عرفَنا عرف اللّهَ [ص 30] و قولهم عليهم السلم من لميعرفنا لميعرف اللّه و قول علي عليه السلم نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الا بسبيل معرفتِنا الثانية مرتبة المَعاني و حقهم معرفة انّهم معانيه سبحانه يعني معاني افعاله فهم علمه و قدرته و حكمه و امره و عدله و عينه و اُذُنه و لسانه و قلبه و وجهه و نوره و يده و عضده و كتابه و خزاۤئنه و مفاتح خزاۤئنه و عيبة علمه و اسرار غيبه و محالّ مشيته و اَلْسِنةُ ارادته و صفاته العليا و اسماۤؤه الحسني و امثاله العُلْيا و نِعَمُهُ الَّتٖي لاتُحْصَي الي غير ذلك من معاني افعاله و مظاهر اِبْدٰاعاتِه و اختراعاتِهٖ و معني معرفة انّهم معانيه مشاهدة ذلك في عبادتهم وَ دُعاۤئهم و ذكرهم و فكرهم و اعتبارهم و في جميع وُجْداناتهم و وجوداتهم فيتوجّه الداعي الي اللّه بهم و يخاطبه و يناجيه بهم و هكذا الثالثة مرتبة الابواب و معرفة حقهم فيها ان يعلم انّهم ابواب اللّه التي منها يُؤْتَي في ساۤئر العبادات و الدعوات و المناجاة و طريق قبول الاعمال و منها يُؤتي عباده ما يشاۤء من خلق و رزْقٍ و حيوة و ممات في غيبهم و شهادتهم و في ذواتهم و احوالهم و اقوالهم و افعالهم و اعمالهم وَ مٰا منه صادِرُون و اليه صاۤئِرون فلايخرج من الخزاۤئن خارج و لايَصْعَدُ اليها صَاعِدٌ اِلّا منهم و بهم فهذا و مثله من معرفته وَ اعتقادهٖ حقِهم عليهم السلم في هذه المرتبة الرابعة مرتبة ظاهر الامامة و حقّهم في هذه المرتبة فرض طاعتهم و الاقتداۤء بهم وَ الرَّدِّ اليهم و الاخذ عنهم و التسليم لهم و تفضيلهم علَي مَنْ سواهم و ان لايسوِّيَ بهم غيرهم في نسب و لا حسب و لا علم و لا شجاعة و لا كرم و لا تقوي و لا زهدٍ و لا صلاح و لا ديانة و لا عبادة و لا اخلاصٍ و لا قربِ منزلة من اللّهِ و لا في شيءٍ من مَحاسِنِ الاحوال و الافعال و مكارم الاخْلاق لا نبي مرسل و لا ملك مقرّب و لا مؤمن ممتحن و انّ كلّ ما نُسِب الي غيرهم من المحاسن و المكارم [ص 31] و الصفات الحميدة فانّما هو ذرّة من تيّار متلاطِم بِحَار ما اُوتوا من الفضاۤئل كيف و قد سئل يحيي بن اكثم اباالحسن العالم عليه السلم عن قوله تعالي سبعة ابحرٍ مانفدت كلمات اللّهِ ما هي فقال هي عين الكبريت و عين اليمين و عين البرهوت و عين الطبريّة و جمّة ماسيدان و جمّة افريقيّة و عين ناجروان ( بلعوران خ ) و نحنُ الكلمات التي لاتُدْرَكُ فضاۤئلنا و لاتُسْتَقْصي و الحاصل حقّهم ان تعتقد انّهم اولياۤء اللّه علي جميع خلقه و اوصياۤء رسول الله صلي الله عليه و اله و خلفاۤؤه علي امته و القوّام بدينه بعده و حفظة شريعته القاۤئمون مقامه في كلّ شيء اقامه اللّه فيه لخلقه ماعَدا النُبُوَّةَ فقولي لايبعد ربط هذه الطاعة بقوله عارف بحقِّكم لانّه اذا لميعرف حقّهم رُبَّما اَطاعَ بما يُنافي حقهم فيكون تلك الطاعة معصيةً لهم و انّما قلتُ لايبعد لانّ كلام الامام عليه السلم يراد احد وجوه متعدّدة او يراد منه وجوه متعدّدة و قد وردت اٰثارهم عليهم السلم بما يدلّ علي الارادتين و ذلك لانّه قد يُلَاحَظ و يقصد احدها اي احد السبعين الوجه كما روي عنهم اِمَّا لِانّه المُتَعارَف فينصرف الاطلاق اليه عرفاً او يراد منه الابهام اَو التّعميم ليعلم كلّ اناس مشربهم و يتيسّر كلٌّ لما خُلِقَ لَهُ و ينال ما كُتِبَ له و غير ذلك فان اُرٖيدَ الاوّلُ مثلاً اتّجَه عدمُ ربطِ هذه الطاعة بمعرفة الحقّ و ان اريدَ الاخير تَعيّنَ الاَخيرُ و ان اريد الوسط احتمل الربط و عدمُه .
و قوله عليه السلم مقرّ بفضلكم يحتمل بناۤؤه علي ما قبله لانّ مَن عرف حقّهم تبيّنَ له انّهم لايُسَاويهم خلقٌ فيلزمه الاعتراف و الاقرارُ بفضلهم و يكون المراد من هذا الفضل ما هو اعمّ من الظّاهر فيدخل فيه الاسرار و الفضاۤئل الظّاهرة لان بناۤءَهُ علي ما قبله يترتّب علي المراتب الاربع وَ يَظْهَرُ لَك انّ من فضاۤئِلِهمْ مَا لٰايَحْتَمِلُه سواهم كما [ص 32] هو مقتضي الاولي و بعض الثانية و منها ما لايحتمله الّا الخصيص من الشيعة الاخصّ فالاخصّ كالانبياۤء و المرسلين و الكَرُوبيّين و كبعض المؤمنين الممتحنين اولي المُدُنِ الحصينة و مَن شاۤؤا عليهم السلم تعليمهم و ذلك كالبعض الاخر من الثانية و بعض الثالثة و منها ما لايحتمله الّا الخواۤصّ من الشّيعة كبعض الثالثة الٰاخر و بواطن مقتضي الرابعة و منها ما يحتمله عواۤمّ الشيعة كظواهر مقتضي الرابعة و هذا المقرّ يعرف من فضلهم بقدر رتبته من الايمان و درجته من الاحسان هل جزاۤء الاحسان الّا الاحسان و قيمةُ كلّ امرءٍ ما يحسنه و رتبته ما يتحقّق و يستقرّ فيه و يستقيم عليه من درجات الايمان و يحتمل عدم بناۤئِهٖ علي ما قبله و يكون الاقرار علي حسب المعرفة و العزم علي الموافاة و الادراك و بدون المعرفة و الادراك و العزم علي الموافاةِ لاينفع بل ربّما يضرّ كما تقدمت الاشارة اليه في حق المنافقين نعم لو فقدت المعرفة و الادراك لميتحتّم عليه العزم علي الموافاة اذا لميفهم و لميعزم علي عدم الموافاة لجهلٍ او لخبث طٖينَةٍ فاذا فقد هذه الاشياۤء كفاه التسليم في حفظ اصل ايمانه اذا لميجد في نفسه المنافاة كما اشار سبحانه اليه بقوله الحق في خطاب وليّه الحقّ و خليفة رسوله المصدّق صلي اللّه عليه و اله فلا و ربّكَ لايؤمنون حتّي يحكّموكَ فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجاً ممّا قضيتَ و يسلّموا تسليماً فاذا لميبن عليه ترجّحت ارادة الخصوص من الطاعة لان الاقرار بالفضل من اعظم افرادها لانه اطاعة المرءِ لعَقْلِهٖ فيما دلّه عليه من هذه الفضاۤئِل لانّ هذه الفضاۤئل آثار اَفْعالِ الربوبيّة بتراجمة العبوديّة في افعال اَلْسِنَةِ الرّبوبية و اَيْديهٰا و خلق اللّه المكلّفين فيما فطرهم عليه من صِبْغَتِهٖ علي هَيْـٔات تلك الٰاثار فمن لميغيّر البُنْيةَ و لميبدِّل الفِطرةَ لَزِمه الاقرار بفضاۤئلهم التي هي تلكَ الٰاثار وَ هو لب الطّاعة و مخّ العبادة [ص 33] لانّها هي الثّناۤء علي اللّه تعالي و تسبيحه و تحميده و تهليله و تكبيره و تمجيده بالسنةِ ارادته و اليه الاشارة بما في الزيارة الجامعة الصغيرة التي رَواها في المصباح قال انّي لمن القاۤئلين بفضلكم مقرّ برجعتكم لااُنكِر للهِ قدرةً و لاازعمُ الّا ما شاۤء اللّه سبحان اللّه ذي الملك و الملكوت يسبّح اللّٰهَ باسماۤئه جميعُ خلقه و السلام علي ارواحكم و اَجْسادِكم الخ ، و هم عليهم السلم اَسْماۤؤه الحُسْنَي التي امركم ان تدعوه بها و في تفسير العيّاشي عنه عليه السلم اذا نزلت بكم شِدّة فاستعينوا بنا علي اللّه و هو قول اللّه و للّهِ الاسماۤء الحسني فادعوه بها قال نحنُ واللهِ الاسماۤء الحسني الّذي لايَقْبَلُ اللّٰهُ عملاً الّا بمعرفتِنا ه ، فتسبيحه تعالي باسماۤئه موالاتهم و البراۤءة من اعداۤئهم و الاقرار بفضاۤئلهم و اعتقادها و بنقاۤئص اعداۤئهم و اعتقادُهَا و التسليم لهم و الردّ اليهم و سؤال اللّهِ بهم و التسليم و الصلوة عليهم و زيارة قبورهم و ذكر ممادحهم و مثالب اعداۤئهم و ذكر مصاۤئبهم و رثاهم و البكاۤء عليهم و لهم و عند ذكر مناقبهم و ما خصّهم اللّه به فقد جعل سبحانه ذلك شعار الايمان و الخُضُوع لعرفان الحق من الملك الديّان فقال و اذا سمعوا ما اُنْزِلَ الي الرسول تري اعينهم تفيض من الدمع ممّا عَرفُوا من الحَقِّ يقولون ربّنا آمنا فاكتبنا مع الشّاهدين و قلتُ في ذكر فضاۤئلهم و مصاۤئِبهم في قصيدة رثَيْتُ بها سيّدالشهداۤء عليه و علي آباۤئه و ابناۤئه الصلوة و السلام :
فهَيْهات ماقضَّيْتُ من شَغَفٖي بكم مُنَايَ و لا نَوْحي لكم و انقضي العمرُ
و قبله :
اَهٖيمُ ببلواكم اَهٖيمُ بحُبِّكم و دمعي علي الحَالَيْنِ من شَغَفٖي غَمْرُ
و بالجملة فيما خُصِصْنا به انّ الطّاعة و الاقرار بالفضاۤئل متساويان لان المراد عندنا من الطاعة ليس مخصوصاً بما هو المعروف عند العواۤمّ [ص 34] و الاقرار بالفضاۤئل لَيْسَ مقصوراً علي اللّسان بل به و بالجنان و بالاركان و هو تأويل قوله تعالي و ان من شَيْءٍ الّا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم انه كان حليما غفوراً و قوله تعالي اولميروا الي ما خلق اللّه من شيء يتفيّأُ ظِلالُه عن اليمين و الشّماۤئِل سُجّداً للّهِ و هم داخرون و الاصل انّ المعبود الحق جل و عزّ انما يدعَي و يعبد و يسبَّحُ بما امر من اسماۤئه و هم اسماۤؤُه فانّك اذا قلتَ يا زيد فان المدعو هو الذات المسمّاة بهذا اللفظ و اللفظ هو الاسم هذا اذا كان الاسم اسم ذاتٍ و مرتجل فان كان اسم فعل كان الاسم في الحقيقة هو اللفظ و مفهومه و المسمي هو المعنيّ باللفظ و بمفهومه لان اللفظ ح اسم فعل و مفهومه الفعل و هما اسمان للذّات من حيث ظهورها بذلك الفعل الخاۤصّ كالقاۤئم اذا جعلناه اسما لزيدٍ فانا نريد باللفظ ما ظهر به زيد من القيام و المفهوم من هذا اللفظ هو ما ظهر به زيد من القيام فلفظ قاۤئم و معناه اي مفهومه اسمان لزيدٍ من حيث ظهوره بِالقيامِ فهم عليهم السلم اسماۤءٌ له تعالي من حيث ظهوره تعالي بفعله لما فعل حقاۤئقهم مفهوم الالفاظ التي يُدْعَي بها كما لوّحْنا لَكَ في المرتبة الثانية و ليسوا عليهم السلم اسماۤءً للذات البحت المقصودة بالعبادة لان الذات البحت لميكن لها اسم يقع عليها و اسماۤؤه الحسني انّما هي لما دَلَّ به علي نفسه و عن ابنسنان قال سألتُ اباالحسن عليه السلم هل كان الله عز و جل عارفا بنفسه قبل ان يخلق الخلق قال نعم قلتُ يراها و يسمعها قال ماكان محتاجاً الي ذلك لانه لميكن يسألها و لايطلبُ منها هو نفسه و نفسه هو قدرته نافذة فليس يحتاج ان يسمّيَ نفسه و لكنّه اختارَ لنفسِه اسماۤءً لغيره يدعوه بها لانه اذا لميدع باسمه لميعرف فاوّل ما اختار لنفسه العليّ العظيم لانه اعلي الاشياۤء انتهي ، فحيث ظهر لك انّه سبحانه انما سمّي نفسه لغيره و انهم اسماۤؤه الّتي تسمَّي بها لخلقه ليدعوه بها و يعبدوه بها [ص 35] ظهر لك انّهم معاني افعاله و اوامره و نواهيه و لو عرفتَ انطوي عليه ما ذكر في المرتبة الثانية رأيتَ ان جميع التكاليف و هيئات العبادات صفات معانيه و هيئات اوامره و نواهيه عرف مَن عرف و من جهل فاَمامَهُ اليقين ( سجين ظ ) .
قال عليه السلم : محتمل لعلمِكم محتجِبٌ بذمَّتِكم معترِفٌ بكم .
قال الشارح المجلسي (ره) محتمل لعلمكم اي اعلم انه حق و ان لمتصل اليه عقولنا محتجِب بذمتكم اي مستتر و داخل في الداخلين تحت امانكم اوْ اجعل الدخول في امانكم مانعا من النار و الشياطين كما ورد عن النبي (ص) انه قال الله تعالي محبّة عليّ حصني من دخل حصني امِنَ من عذابي رواه الصدوق و غيره انتهي .
و قال السيد نعمتاللّه الجزاۤئري تغمده اللّه برحمته في شرح التهذيب محتمل لعلمكم قيل معناه اني ارويه و ان لمافهم معانيه ، اقول يجوز ان يكون اشارة الي ما روي عنهم عليهم السلم علمنا صعبٌ مستصعب لايحتمله الّا نبي مرسل او ملك مقرّب او عبدٌ امتحن الله قلبه للايمان و معناه ح انّي مصدّق بتفاصيل علومكم و انّ عندكم علم ما كان و ما يكون الي يوم الْقيٰمةِ و كما رُوي عن اميرالمؤمنين عليه السلم قال لولٰا آيةٌ في كتاب اللّهِ لاخبرْتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة و هي قوله تعالي يمحو اللّه ما يشاۤء و يثبت و عنده امّ الكتاب . محتجِب بذمّتكم اي احتجِبُ عن شرور الدّارَيْنِ بالدّخول في حماكم و جواركم و عهدكم انتهي . اقول ظاهر قوله محتمل لعلمكم انّي اعلم حقّيّة علمكم عن علمٍ و فهْمٍ لان الاحتمال في هذا المقام اغلب ما يستعملونه عليهم السلم في العلم به عن ادراكٍ و ان كان علمي لايسع تفاصيل علمهم و قد يستعملونه هنا بمعني التّسليم فانّه يطلق علي العلم الراسخ كما قال تعالي و الراسخون [ص 36] في العلم يقولون آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا فسمّي اهل التسليم راسخين في العلم و اثني عليهم ثانياً فقال و مايذّكّر الّا اولوا الاَلْباب ، و قد يستعمل في الكتمان و الحفظ و ممّا يدلّ علي الأول قول الصادق عليه السلم انّ حديثنا صعبٌ مستصعَبٌ شريفٌ كريم ذكوان ذكي وَعِرٌ لايحتمله ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن قيل فمن يحتمله قال مَن شئنا و في رواية نحن نحتمله ه ، لانّ الملك المقرب الخ ، لاينكرونه و الّا لكفروا فليس المراد بنفي الاحتمال الّا عدم العلم و الفهم و يؤيّده ما في الرواية الاخري من قوله نحن نحتمله لانّ المراد من احتمالهم لعلمهم فهمهم له و كذلك قال عمير الكوفي معني حديثنا صعبٌ مستصعب لايحتمله ملك مقرّب و لا نبي مرسل فهو ما رويتم انّ اللّه تبارك و تعالي لايوصف و رسوله لايوصف و المؤمن لايوصف فمن احتمل حديثهم فقد حدّهم و من حدّهم فقد وصفهم و من وصفهم بكمالهم فقد احاطَ بهم و هو اعلم منهم انتهي ، و مثله ما ورد عن الصادق عليه السلم في تفسيره للحديث الذي فيه لايحتمله الّا ملك مقرّب الخ ، قال (ع) ان من الملاۤئكة مقرّبين و غير مقرّبين و من الانبياۤء مرسلين و غير مرسلين و من المؤمنين ممتحنين و غير ممتحنين و ان امركم هذا عُرِضَ علي الملاۤئكة فلميقرّ بِهٖ الّا المقرّبون و عرض علي الانبياۤء فلميقرّ به الّا المرسلون و عُرِضَ علي المؤمنين فلميقرّ به الّا الممتحنون فان قلتَ انّ قولك لانّ الملك المقرّب لايُنكره و الّا لكفر يشعر بانّ مَن انكره فقد كفر و يلزم من هذا ان الملك الغير المقرّب و النبي الغير المرسل و المؤمن الغير الممتحن الذين لميحتملوا و لميقروا منكرون له قلتُ انّ الانكار لايكون و لايتحقّق الّا بعد المعرفة كما قال تعالي ام لميعرفوا رسولهم فهم له منكرون و قال تعالي يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها [ص 37] فمن لميحتمل او لميقبل لا عن معرفةٍ بل عن قصورٍ لايكون منكِراً كما كان ذلك في حق آدم عليه السلم قال تعالي و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لمنجد له عزماً ، و في العلل عنه عليه السلم في حديث و اخذ الميثاق علي اولي العزم انّني ربّكم و محمد رسولي و عليّ اميرالمؤمنين (ع) و اوصياۤؤه من بعده وُلاةُ امري و خُزّان علمي و انّ المهدي انتصرُ به لدٖيني و اُظْهِرُ بهٖ دَوْلتي وَ انتقمُ به من اعداۤئي و اُعْبَدُ به طَوْعاً و كرهاً قالُوا اقررنا يا ربِّ و شَهدْنا و لميجحَدْ آدَمُ و لميُقرَّ فثبتتِ العزيمةُ لهؤلاۤء الخمْسَةِ في المهدي و لميكن لِآدمَ علي الاقرار به ( عزم ، نسخة ) و هو قوله و لقد عهدنا الي آدمَ من قبلُ فنسِيَ و لمنجِدْ له عزماً قال انما هو فَتركَ ه ، اقول انّ الحجة عليه السلم كان حينئذٍ في بعض احوال الثّانية اوِ الاُولي ظاهراً به لِلْاَنْبياۤء عليهم السلم فعرفَ اولوا العزم و وحّدوا و اعترفوا بذلك العهد المأخوذ عليهم لمحمّد و اهل بيته و لمّا عرض عليهم العهد للقاۤئم عليه السلم و هو في تلك الحال قَبِلَ اولوا العزم و وقَف آدمُ فلميقرّ لعدم احتماله لحال القاۤئم عليه السلم بالمعني الاوّل لعدم فهمه و لميجحد لعلمِهٖ انّه عليه السلم من جملةِ مَنْ اَقرَّ لهم لأنّه محتمِل لعلمه عليه السلم بالمعني الثّاني فكان عدم احتماله بالمعني الاوّل لقصوره فلِذا قال (ع) و لميجْحَدْ و قد مرّت الاشارة الي انّه ماابتُلٖي احَدٌ من الانبياۤء الّا بتقصيره في احتمال علومهم و ما هم عليه و كلّ ما وقع من عدم الاحتمال من احدٍ من شيعتهم فانّما هو من المعني الاوّل و لاسيّما اهل العصمة من شيعتهم و امّا عدم الاحتمال بالمعني الثاني فلايقع من شيعتهم لأنّ ذلك من شعار اَعْداۤئِهم و ما وقعت العقوبة عليه في حقّ بعض الانبياۤء عليهم السلم كيونس و ايّوب و يعقوب و اشباههم عليهم السلم مع انه قصور فيهم و لميجحدوا مع ذلك ليستحقّوا العقوبة علي عدم [ص 38] تسليمهم فانّما هو لاجل سؤالهم عن العلّة و عَن البيان اسْتِعجالاً و عدم صَبْرٍ منهم علي شدّة البلاۤء فكان السؤال و الاستعجال و عدم الصبر حيث لايراد منهم منافياً لمقامِهِمْ من تحمّلِ ولاية محمد و اهل بيته الطاهرين صلي اللّه عليه و آلهٖ و عليهم اجمعين و ذلك بحكم حسنات الابرار سيّئات المقرّبين و ليس ذلك منافياً للتسليم لأنه في الحقيقة انّما هو قصور و قد علم بدليل الحكمة انّ للقصور عقوباتٍ بنسبة مراتبه يسرع الي اكثرها العفو و التجاوز اذا كانت مشوبةً بنوع اختيار لِتُنْسَبَ الي الافعال الاختياريّة فتكون دواعيها غير ثابتة الاصل للجهل و القصور بخلاف ما اذا لمتكن مشوبة بالاختيار فانّها لاحقة بالافعال الطّبيعيّة الجبلّيّة فانها قد لايسرع اليها العفو و قد لايعفي عنها و ان كانت في نفسها حقيرة فلاجلِ انّ للقصور عقوبات ابتُلِي الانبياۤء عليهم السلم بنسبة قصورهم و لاجل كونه مشوباً بنوع اختيار اَسْرعَ العفو اليها لكونها غير ثابتة الاصل في دواعيها و ما لمتكن مشوبةً كانت طبيعيّة ثابتة الداعي و ممّا يدلّ علي الثاني ما ذكر بعده من آيَة و الراسخون في العلم يقولون آمنا به الاية و قد تقدّم و الاخبار فيه كثيرةٌ و مما يدلّ علي الثالث و هو كونُ المراد بالاحتمال الكتمان و حفظ السِّرِّ ما رَوَاه في البَصاۤئر عن ابيالحسن عليه السلم في تفسيره انّما معناه انّ الملك لايحتمله في جوفه حتي تخرجَهُ ( يخرجه ظ ) الي ملكٍ مثله و لايحتمله نبيّ حتي يخرجه الي نبيّ مِثْلِهٖ و لايحتمله مؤمن حتّي يُخْرجَهُ الي مؤمنٍ مثله انّما معناه الّايحتملَه في قلبه من حلاوة ما هو في صدره حتي يخرجه الي غيره ه ، فعلي هذه المعاني يجري قوله محتمل لعلمكم و يكون الزاۤئر بها عند هذه اللفظ يقصد ما هو عليه ان كان عرف نفسه انه من اهل ايِّ مرتبةٍ من المراتبِ الاربع امّا المرتبة الاولي فلهم عليهم السلم لميشارِكهم [ص 39] في حقيقتها احدٌ الا ما يظهر من آياتها علي قلوب شيعتهم و حقاۤئقهم فانّها حقاۤئِقهُمْ و لهم و اما الثانية فيعثر بعض خصٖيصٖي شيعتهم في بعض معانيها كما جري علي بعض الانبياۤء عليهم السلم مثل ايّوب عليه السلم لمّا سمع الكلام عند انبعاث المنطق شكّ و بكي و قال خطب جسيم و امرٌ عظيم و قد ذكر ذلك و قد يثبت في بعضٍ فيقصد احتمال علمهم هذا و ان كان من اهل المرتبة الثالثة فكذلك ما عرفه قصَد احتماله و كذلك ان كان من اهل الرّابعة و ما لميعرفه من كل مرتبةٍ قصَد بالاحتمال المعني الثاني و هو التسليم و يقصده فيما عرَف ايضاً و ليعلم انّ ما عرف فبتَعْليمِهمْ و انّ ما سلَّم فيه فبتوفيق اللّهِ ببركتهم و بهم و عنهم و ان كان من اهل المعني الثّالث و هو انّه لايحتمله اي يقدر علي كتمانه حتّي يخرجه الي مثله فلا بأس فيه و لاينافي هذا قوله محتمل لعلمِكم لانّه يريد به الفهم و التّسليم و عدم اخراجه الي من ليس من اهلِهٖ ثم علي المعني الثالث كما فسّره ابوالحسن عليه السلم وقع احتمال اشكالٍ و هو انّه اذا وردَ هذا الحديث وجب علي من سمعه من الاصناف الثلاثة من الملٰۤئكة المقربين و الانبياۤء المرسلين و المؤمنين الممتحنين اعلامُ مثله فان كان هذا المثل اريد منه مطلق انه ملك مقرّب او نبي مرسل او مؤمن ممتحن من غير ان يعتبر فيه ما اعتبر في الاوّل من عدم الكتمان لزم خلاف الظاهر من الخبر لأن الظاهر منه انّ هذا مقتضي الحديث و لو اريد بعض من هذا النوع لقال انّ بعض اولٰۤئك لايحتمله و اطلاق الحديث و اطلاق حديث تفسيره يقتضي ذلك و يلزم من هذا ان يكون آخرهم يخرجه الي اوّلِهمْ و هو اوّل مَنْ سمعه و اخرجَهُ الي مثله و هو حينئذٍ لايحتمله فيخرجه الي مثله و هكذا الي ان لّايبقي لجميع هذه الاصناف الثلاثة وقت و لا عمل و لا حال الّا استماع حديثٍ واحدٍ من احاديثهم و اِسْماعه المثل فيشتغلون [ص 40] بحديث واحدٍ عن كلّ شيءٍ بل علي نحوٍ من الاعتبار يقال و عن حديثٍ آخر من احاديثهم مقتضٍ لما اقتضاه الاوّل فيلزم في غير الاوّل انّه لو فرض استماعُه ماحصل اخراجه الي المثل لشغله بالاوّل و شغل المثل ايضاً فيلزم انهم عليهم السلم لميريدوا بتلك الاوصاف الّا حديثاً واحداً و كلّ ما سمعتَ خلاف المعروف و المتبادر من مرادهم و دفعه هو انّ المراد انّ الملك المقرّب الذي لايحتمل قد يخرجه الي مثله ملك مقرّبٍ يحتمل فيكتمه و لايخرجه و لو كان غير محتمل اخرجه و لكن مراتب المقرّبين متفاوتة جدّاً و دفع ذلك النحو من الاعتبار انه انّما يفهم منه انه اذا اخرجه استراحَ و سكنَتْ سَوْرة الحَلاوة علي نفس الملك بحيث لو سمعه مرّة ثانياً لمااقتضي اخراجه ثانياً لأنّ المثل قد سمعه منه فلاتتوق نفسه الي استماعه ثانياً و اذا علم الاوّل ذلك من الثاني لمتَتُقْ نفسه الي اخراجه اليه و ليس ابداً اخراج مثل تلك الاحاديث و لو حصل اخراجُ آخر جري فيه كما جري في الاوّل فلايلزم شيء ممّا ذكر مع انّ المراد بيان نوع هذه الصفة فقد تلزم في واحدٍ خاۤصّة فيخرجه الي مثله ثم لايلزم في المثل ذلك و قوله محتجبٌ بذمّتكم الاحتجاب الاستتار و المراد انّ الائتمام بكم و التسليم لكم و الردّ اليكم و الاعتماد و الاتّكال علي ذلك لأنكم باب القدر و القضاۤء و وسيلة القبول و الرّضا حصنٌ منٖيع لايُحَاول و ملجأ رفيع لايُطَاول و الذمّة و الذِّمام واحد و هو العهد و الامان و الضمان و الحرمة و الحق اَمّا علي معني العهد فانّ اللّهَ سبحانه حين خلق الخلق خلقهم علي صورة عهده اليهم و هو ما اخذه منهم من مقتضي احكام الولاية المطلقة الكبري التي ذكرها اللّه في كتابه فقال فاللّٰهُ هو الوَليّ و هو يحيي الموتي و قال هنالك الولاية للّهِ الحقّ هو خير ثواباً و خير عقباً [ص 41] و هي الولاية ظهر بها عليّ و اهل بيته الطّاهرين صلي اللّه علي محمد و عليهم اجمعين اللّهُ سبحانه اعطاها نبيّه صلي اللّه عليه و آله و هم ظهروا بها و هي لواۤء الحمد في قوله (ص) اُعطيتُ ثلاثاً و شاركني عليّ فيها اُعْطٖيتُ لواۤء الحمد و عليّ حاملُه و اعطيتُ الجنّة و النار و عليّ قسيمهما و اُعطٖيتُ الحوض و عليّ ساقيه و اُعطٖي عليّ ثلاثاً و لماُعْطَ مثلها اُعطِي زوجةً و لماُعطَ مثلها و اُعطِي ولدَيْنِ و لماُعطَ مثلهما و اُعطِي حمواً و لماُعْطَ مثله ه ، و الحَمو بفتح الحاۤء ابو الزوجة هُنَا و حٖين اخذ علي الخلق ذلك العهد الذي كرّم به و بقبوله عباده الصّالحين فقال الستُ بربّكم و معناه الستُ بربّكم و محمد نبيكم و عليّ وليّكم و اِمامكم و الائمة اولياۤؤكم و ائمتكم و معناه ما مر عليك من معرفة التوحيد و ما يتعلق به و نبوّة محمّد (ص) و ما يترتب عليها و امامة الائمة عليه و عليهم السلم و ما يتفرع عليها و احوال التكاليف الشرعية و الوجوديّة و العقلية و النفسانية و الطبيعية و المادية و المثاليّة و الجسمانيّة في الدنيا و في البرزخ و في الاخرة قالوا بلي فعاهدوه علي الوفاۤء و عاهدهم علي حسن الجزاۤء فقال و اوفوا بعهدي اوف بعهدكم ، فعهده المأخوذ هو ولاية محمد و آله صلي اللّه عليه و آله و هو اصل الوجود و لبّ الاسرار و سرّ الانوار و نور الاقتدار و امر الواحد القهار و كلّ شيء من الخلق محتاج الي ذلك كلّ الينا راجعون و كلّ شيء خاۤئف منه و هم من خشيته مشفقون و كلّ شيءٍ قاۤئم به و من آياته ان تقوم السّماء و الاَرْض بامره و كلّ شيءٍ في قبضته قل من بيده ملكوت كل شيء و هو يُجٖيرُ وَ لَايُجٰارُ عَلَيْهِ اِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ و هو درع اللّهِ الحصينة التي يحفظ بها من يَشاۤء و من دخله كان آمناً من الشيطان و جنوده و كيدهم و مكرهم و خداۤئعهم و حيَلهم و اغواۤئهم و تزيينهم و كلّ شيء من سلطانهم و هو الذمام المذكور في دعاۤء [ص 42] الصباح و المساۤء اصبحتُ اللّهم معتصماً بذِمامِك المنيع الذي لايطاول و لايحاولُ من شرّ كلّ غاشم و طارقٍ من ساۤئر ما خلقتَ من خلقك الصّامت منهم و الناطق في جُنّةٍ من كلّ مَخُوفٍ بلباسٍ سَابغةٍ وِلاۤءِ اهل بيت نبيّك محمد صلواتك عليه و عليهم محتجباً من كل قاصدٍ لي باَذِيَّةٍ بجدارٍ حصينٍ الاخلاصِ في الاعتراف بحقّهم و التمسّك بحبلهم موقناً بانّ الحقّ لهم و معهم و فيهم و بهم الخ ، و هذا الذمام ولايتهم عليهم السلم رفيع المكان و المكانة فلايطاوله شيء منٖيع حصين لايحاوله شيء و هو منيع من ساۤئِر ما خلق اللّه من خلقه الصامت و الناطق و هو الجُنَّة بضم الجيمْ اي الدرع الحصينة او المِجَنّ بكسر الميم و الجيم من كلّ مخوفٍ اي من كل ما يخاف منه من ذي روحٍ او نباتٍ او جمادٍ او عرضٍ او جوهرٍ او المٍ او هم او غم او وسواس او خاطر سوۤء او طبيعة او تخيّلٍ او تمثُّلٍ او تعرُّضٍ او شيء من الحُمّيات و ساۤير الاوجاع و الٰالام و ضربان العروق و الارياح و الاختلاجات و سوۤء الاحلام و ما يخطر في اليقظة و المنام و مَا لايحسن من الكلام في الدنيا و الٰاخرة و اللباس السابغة الدرع الظافية التي تشمل جميع البدن ولاۤء اهل بيت نبيّك محمد (ص) ولاۤء مجرور علي البدل مِن لباسٍ سابغة يبيّن عليه السلم ان اللباس السابغة التي هي الدرع الظافية الحافظة لِلٰابِسها من جميع المكاره هي ولاۤء اهل بيت محمد (ص) و كذا قوله من كل قاصدٍ لي باذيّةٍ بجدارٍ حصين و هو ولايتهم عليهم السلم الاخلاص بالجر بدل من جدارٍ حصين يبيّن عليه السلم ان الجدار الحَصٖين هو الاخلاص في الاعتراف بحقّهم بان يتولّاهم و يقتدي بهم في كلّ شيء و يجعلهم الوسيلة بينه و بين اللّه سبحانه في كلّ شيءٍ و ان يكون ذلك كلّه مشفوعاً بالبراۤءة من اعداۤئهم متلبّساً باللعن لاعدائهم معتقِداً انّ اللّه لايردّ عملاً علي هذه الطريقة و لايقبل عَملاً بدون شيءٍ منها و هو قوله و التمسّك [ص 43] بحبلهم موقناً بان الحق لهم الخ ، فلمّا اخذ من الخلق العهد المؤكّد بما سمعتَ و نحوه علي ساۤئر خلقه قال شهدتُ عليكم بما عاهدتموني و قال يا اولياۤئي و يا ملاۤئكتي اشهدوا قال محمّد صلي اللّه عليه و آله شَهِدْتُ لكَ يا ربّ بذلك عليهم و قال عليّ عليه السلم شهدتُ بذلك و قالت الائمة عليهم السلم شهدنا بذلك و قال الانبياۤء و المرسلون شهدنا بذلك و قال المؤمنون شهدنا بذلك و قالت الملاۤئكة شهدنا فقال اللّه حكاية عن نفسه و عن اولياۤئه و ملاۤئكته شهدنا ان تقولوا يوم القيمة انّا كنا عن هذا غافلين الٰايات ، فقال اللّه تعالي جرياً علي جميل عادته و ابتداۤء تفضّلِهٖ و منّه اوفوا بعهدِي الذي عاهدتموني عليه بمشهد الشاهدين اُوفِ بعهدكم اي انه اقسم بعزّته و جلاله انَّ مَن وَفي له بعهده اي اتي يوم القيمة موالياً لهم معادياً لاعداۤئهم انّه يقبل عمله و ينجّيه من النار و يدخله الجنّة فقال المجيبون لخطابه المستجيبون لدعوته علي لسان نبيّه صلي اللّه عليه و آله حين قال لهم الستُ بربّكم ربّنا انّنا سمعنا منادياً ينادي للايمان ان آمنوا بربّكم فٰامنّا ربّنا فاغفر لنا ذنوبنا و كفّر عنا سيّئاتِنا و توفّنا مع الابرار ربّنا و آتنا ما وعدتنا علي رسلك و لاتخزنا يوم القيمة انّك لاتخلف الميعاد فاستجاب لهم ربّهم اني لااضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثي بعضكم من بعض لأنه سبحانه وعدهم بالوفاۤء مع الموافاة و اشهدَ علي وعدِه لهم عباده الصالحين فلذا اخبر عن حال الشيعة المسلّمين حين ذكّرهم هذا المحضر الشريف قال و اذا سمعوا ما انزل الي الرسول يعني ذكر ما اشرنا اليه ذكرُوا الموقف المكرّم تري اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحقّ بقلوبهم و السنتهم و اعمالهم كما جري منهم في ذلك الموقف و نسوه و ذكّرهم سبحانه علي لسان نبيّه و اولياۤئه صلي اللّه عليه و عليهم يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين الذين [ص 44] اشهدتَهم علي عهد عبادك لك و عهدِك لهم مع الموافاة و انا اقول ربَّنا اٰمنّا بما انزلتَ و اتّبعنا الرسول و آل الرسول فاكتبنا مع الشاهدين و الحاصل معني الاحتجاب بذمّتهم التي هي عهدُ اللّه و عهد خلقه بالموافاة الاحتجابُ بالموافاة اي بان تستجيب له سبحانه بان تدخل في عهده بان يستجيب القلبُ له بما طلب منه و اللسان بما دعي اليه و الاركان بما امر به فاذا دخل في عهده بهذا الدخول فقد احتجب بذمّتهم و اَمِنَ من كلّ مخوفٍ لما اشرنا اليه قبل من ان هذه الذمّة هي اصل الوجود و لبُّ الاسرار و سرّ الانوار و نور الاقتدار و امر الواحد القهار الخ ، و لذلك كانت امناً من كلّ شيءٍ و لايؤمن منها شيء و هو يجير و لايجار ان كنتم تعلمون و قد كرّرنا هذا المعني و امثاله في هذا الشرح في مواضع متعدّدة تأكيداً للبيان و تكريراً عن النسيان و اذا فسّرت الذمّة بالامان الذي هو الحصن من كلّ مَخُوف عرفتَ ممّا ذكرنا ان الامان المطلق الذي لايكون معه خوف ابداً انّما هو ولايتهم عليهم السلم لأنّها طاعة اللّه فيما امر و دعي اليه و خوف مقام اللّه بما عرّف من عظمته و كبرياۤئه و عز جلاله و من اطاع اللّه في كل شيء اطاعَهُ كلّ شيء كما قال تعالي يا عبدي انا اقول للشيء كن فيكون اطِعني اجعلْكَ مثلي تَقُولُ للشيءِ كن فيكون و من خاف اللّهَ في كلِّ شَيءٍ اَخافَ اللّهُ منه كلّ شَيءٍ و لايُرَادُ مِنْ ولايتهم حقيقةً الّا طاعة اللّهِ في كلّ شَيءٍ و خوفَهُ في كلّ شَيءٍ فاذا احْتجَبَ بذمّتهم الّتي هي طاعة اللّهِ في كلّ ما اَمر به ظاهراً و باطناً و خوفُ مقام اللّه في كلّ ما نهي عنه ظاهراً و باطناً كان في امان اللّه و جوار اللّهِ و في بيتِ الذي من دخله كانَ آمِناً من جميع مكاره الدنيا و الٰاخرة الّتي فيها سخط اللّه و اَمّا المكاره الّتي فيها رضي اللّه فانّها محبوبات و انّما كرهها المؤمن لعدم علمه الاتري انّ القتل من اعظم المَكاره و اذ كان [ص 45] في سبيل اللّهِ كان محبوباً مطلوباً لكل مؤمن بل هو غاية ما يتمنّاه فاذا كان في بيت اللّه الحَرام هذا و جري عليه بعض البلايا التي هي هديّة اللّه الي عبده المؤمن كالفقر و كالقتل ظلماً و كموت من يحبّ و كالامراض لميكن ذلك مكارِهَ حقيقةً انّما تجري علي المؤمن رفعاً لمقامه فانّ عند اللّه منازل في رضوانه لاتنال الّا بالْبلايَا في الدنيا و كيف لايكون المؤمن في حال البلاء آمِناً من المكاره و هو في سَلَامةٍ من دينه لانّ اللّه سبحانه اخبر انّ مَن دخل هذا البيت الشريف كان آمِناً فقال انّ اوّلَ بيتٍ وُضِعَ للنّاسِ لَلَّذي ببكّةَ مُبَاركاً و هديً للعالمين فيه آياتٌ بيّناتٌ مقام ابرٰهيمَ وَ مَنْ دَخله كانَ آمِناً و سلامةُ الدّين هي الاَمْنُ من مكاره الدنيا و الٰاخرة و بَلايا الدنيا مع سلامةِ الدين تكرمةٌ من اللّه تعالي لعبده المؤمن ليرجع اليه مُحِقّاً طاهراً مطهَّراً مستحقّاً للدَّرجات الرفيعة و لهذا ورد عن الكاظم عليه السلم مَن عاش في الدّنيا عيشاً هنيۤئاً فليتّهم في دينه فان البلايا اسرع الي المؤمن من اللمح بالبصر و عن الصادق عليه السلم المؤمن كثير البلوي قليل الشكوي و قال الباقر عليه السلم انّ اللّه ليتعاهد المؤمن بالبلاۤء كما يتعاهد الرجل بالهديّة و يحميه الدنيا كما يحمي الطّبيبُ المريضَ و قال النبي صلي اللّه عليه و آله مَن حسن ايمانه و كثر عمله اشتدّ بلاۤؤه و من سخف ايمانه و ضعف عمله قلّ بلاۤؤه و عن الصادق عليه السلم المؤمن مبتلي طُوبَي للمؤمن اذا صبر علي البلاۤء و سلّم للّه تعالي القضاۤء قال سعدان بن مسلم قلتُ جُعلتُ فداۤءكَ مَن المؤمن الممتَحَن قال الذي قد امتحن بوليِّهٖ و عدوِّهٖ اذا مرّ باخوانه اغتابُوه و اذا مرّ باولياۤئه لعنوه فصبر علي تلك المحنة كان مؤمناً ممتحناً و عن يونس بن يعقوب قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلم يقول ملعون كلُّ بَدنٍ لايُصابُ في كل اربعين يوماً قلتُ ملعونٌ قال ملعون قلتُ ملعون قال ملعون فلمّا رأني قد [ص 46] عظم ذلك عليّ قال يا يونسُ انّ من البليّةِ الخدشةَ و اللطمةَ و العثرةَ و النكبة و الهفوة و انقطاع الشِّسْع و اختلاج العين و ما اشبه ذلك ان المؤمن اكرم علي اللّه من ان يمرّ عليه اربعون يوماً لايمحّصه فيها من ذنوبه و لو بغمّ يُصٖيبُهُ مايدري ما وجهه واللّهِ انّ احدكم ليضع الدراهم بين يديه فيزِنُها فيجدُها ناقِصةً فيغتمّ بذلِك ثم يعيد وزنها فيجدها سواۤءً فيكون ذلك حَطّاً لبعض ذنوبه ه ، و امثال ذلك كثير و قد تقدّم غير هذه فاذا وقفتَ علي هذه الاخبار و مثلها مع ما سمعتَ من سلامةِ دينِ مَن اقامَ الولاية و اَنّ اللّه لايغيّر ما بقوم حتّي يغيّروا ما بانفسهم علِمْتَ انَّ مَنْ غيّرَ اللّهُ ما بِهٖ معَ اَنّه لميغيّر ما بنفسه فانّما هو رفعٌ لدَرَجتِهٖ و حَبْسٌ له عن الركون الي الدنيا الّتي حبّها رأس كلّ خطيئة ففي الحقٖيقة ما فعل اللّهُ به ليْس تغييراً بل اصلاحٌ و تحسين .
و علي معني الضّمان يكون المعني انّي محتجبٌ بضمانكم اي باعتمادي علي وَعْدِكم علي اللّهِ سبحانه انّه اقسم بعزته و جلاله انّه يدخل الجنّة مَن احبّ عليّاً وَ اِنْ عصاه و لقد روي عن رضيالدين ابن طاووس (ره) انه قال سمعتُ القاۤئم عليه السلم بسرّمنرأي يدعو من وراۤء الحاۤئط و انا اسمعه و لااَراهُ و هو يقول اللهم انّ شيعتنا خُلِقوا منّا من فاضلِ طينتِنا و عجنوا بماۤء ولايتِنا اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلُوه اتّكالاً علي حبِّنا و وَلِّنا يوم القيٰمَةِ اُمورَهم و لاتؤاخذهم بما اقترفوه من السيِّئات اكراماً لنا و لاتقاصصهم يوم القيمة مقابل اعداۤئِنا و ان خفّت موازينهم فثقّلْها بفاضلِ حَسَناتِنا ه ، اقول قوله عليه السلم اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتِّكالاً علي حبِّنا يراد منه حُسْنُ ظَنٍّ في انّ الذنوب لاتضرّ مع حبّهم و الحديث المَرْوِي من طرق الخاۤصة و العاۤمة انّ اللّه تعالي قال اقسم بعزّتي و جَلالي انّي اُدْخِلُ الجَنَّةَ مَنْ اَحَبَّ عليّاً وَ اِنْ عَصاني الحَدٖيث ، شاهِدٌ لما في الدّعاۤء و قد تقدّم [ص 47] هذا الحديث القُدْسيّ و جواب ما يرد عليه و المراد انّهم عليهم السلم عهدوا الي شيعتهم بذلك و الاخْبار فيما يفيد هذا المعني كثيرة فاِذَا وقع مِنْ مُحِبّهِمْ ذَنْبٌ ندم عَلَي ذٰلِكَ و رجا من اللّهِ العفو و المغفرة و لميقنط من الرحمة رجاۤءً في حبّهِم و ولايتهم و اعتماداً علي اِخْبارِهمْ بذلك عن اللّهِ تعالي و هم لايَسبِقُونه بالقَوْلِ مَشْفُوعاً بما وَعَدَهُمْ بالشّفَاعَةِ لأهلِ ولايَتِهمْ فعهدُهُمْ الي محبّيهم ضمانٌ لهم بالنّجاة لمَنْ لَقِيَهُمْ مِنْهُمْ بذلك وَ هُوَ وَاللّهِ كذلك يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَ الاَبْصَارِ ثَبِّتْ قلبي علي دينِكَ و دينِ نبيّك صلّي اللّهُ عليه و آله و لاتزغ قلبي يا ربّ بعد اذ هَدَيْتَنٖي و هب لي من لدنك رحمة انّك انت الوهّاب فلمّا كان اعظم المضاۤرّ و اشدّ المكاره القنوط و احسن الاعمال و احصن الحصون حسن الظنّ كان احتجابه بحسن الظّنّ بضمانهم لمحبّهم من اعظم المهلكات و هو القنوط عند عروض التقصيرات حصْناً منيعاً ممّا يخاف منه و يخشي لأنّه من جملة الذمّة اذ قد عهدوا الي شيعتهم بذلِك و في غوالي اللألي بسنده المتّصل الي المُعَمّر السُّنْبُسي قال سمعتُ من مولاي ابيمحمّد الحسن العسكري عليه و علي آباۤئه وَ وَلدِه افضل الصلوة و السلام يقول اَحْسِنِ الظنّ و لو بحَجَرٍ يطرحِ اللّهُ فيه سرَّهُ فتَتناوَلَ نَصٖيبكَ منه فقلتُ يا ابن رسول اللّهِ و لو بحجر فقال اَلاتنظر الي الحجر الاسود ه ، و الاخبار عنهم عليهم السلم في ترغيب شيعتهم و وعدهم ايّاهم بالشّفاعة و عدم المؤاخذة بذنوبهم و ان عظمت و قبول اعْمالهم و ان ضعفت و انّ حبّهم و ولايتهم متمّم لنقص اعمالهم و ان سيّئاتهم تبدّل حَسَناتٍ و غير ذلك كثيرة جدّاً و القرءان اٰياته تنطق بهذا و نحوه فهذا و نحوهُ عهده اليهم و قد احْتجب وليّهم بذلِك و اطمئنّ بعهدهم و ذمّتهم الناطق بضمانهم لهم بالنّجاة و للّه دَرُّ من قال :
ولايتي لامير النحل تكفيني عند المماتِ و تغسٖيلي و تكفٖيني [ص 48]
و طٖينَتي عُجِنَتْ من قبل تكويني في حبّ حيدر كيف النارُ تكويني
و علي معني الحُرمةِ انّ المحبّ العارف بحقّهم يصفهم بمثل ما اشرنا اليه في مواضع متعدّدة من هذا الشرح بحيث لايجدُ في ذلك حدّاً يقِف عليه الّا بما اجملوه لَنا من الحدّ الغير المتناهي كقول الصَّادق عليه السلم اجْعَلُوا رَبّاً نَؤُبُ اليه و قولوا فينا ما شئتم و لنتبلغُوا قال الساۤئل نقول ما نشاۤء فقال عليه السلم و ما عسي اَنْ تقولُوا واللّهِ ماخرج اليكم من علمنا الّا الف غير معطوفة ، اقول نقلتُ هذا الحديث الشريف بالمعني فقوله (ع) اجعلوا لنا ربّاً نؤب اليه تحديد بغير تناهٍ لأنّ المعني انّك تقول فيهم من العظمة و القدس و القهر و التسلّط و العلم و الاحاطة و التصرف و نحو ذلك بما لايتناهَي الّا اَنَّك تعتقد ان ذلك كله و هم عليهم السلم صادرون عن فعل اللّه تعالي و قاۤئمون به قيامَ صدورٍ فاذا كشفتَ عن الوصف فاذا هم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضَي و هم من خشيته مشفقون فاذا جمعتَ بين هذه الٰايات التي معناها ما ذكرنا لك لا غير من انّهم قاۤئمون باللّهِ قيامَ صدورٍ و بين ما سمعتَ مراراً متعدّدة و انّهم مقامات اللّهِ التي لا تعطيل لها في كل مكانٍ يعرفه بها مَن عرفه لا فرق بينها و بينه الّا انّهم عباده و خلقه و انّهم معانيه و ظاهره في خلقِه و انّهم اَبْوابه و بيوتُه و انّهم حججه و آياته و سفراۤؤه الي خلقه و انّهم خلفاۤؤه و انّهم اَعْضَادُه لخلقه و اُمناۤؤه و اولياؤه عليهم و غير ذلك ظهر لك ظلّ الكبرياۤء و العظمة و العزّة التي اظهرها سبحانه عليهم و اَلْبَسَهم جلابيب صفاتها حتي صغر لكبرياۤئهم كلّ كبير و ذلّ لعزّتهم كلّ عزيزٍ و انحطّ لعلوّ مكانهم كل رفيع و استحقر لعظمتهم كل عظيم و شاهَدْتَ عزّةً و جلالةً و سلطنةً انقاد لها كلّ ما في الامكان و انّ كلّ شيء واقف علي ذلك الباب و لاۤئذ بذلكَ الجناب احتجبتَ [ص 49] و لُذْتَ بذلك الحَرم و مددْتَ يدَ طمَعِك و عينَ رجاۤئك الي ذلك الكرم فكان احتجابُك من كلّ ما تكره في الدنيا و الٰاخرة بطمعِك و رجاۤئك في تلك الحرمة الظاهرة و ذلك عهدهم الي محبّيهم بقول اللّه سبحانه فيهم قال و من يقنط من رحمة ربه الّا الضّاۤلّونَ و هم عليهم السلم رحمة اللّه الّتي وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ فاذا كان احتجابك بهذه الحرمة الّتي لايردّ اللّهُ سبحانه ساۤئِلاً بها و لايُخٖيف مستجيراً بها و لايعذّب مَن اسْتظَلَّ بفَيْئِهَا و لايسخَطُ و لايغضب علي مَن لاذَ بها كنتَ سائِلاً بوجهه الباقي الذي يتوجّه اليه الاولياۤء و مستجيراً بكَنَفِه الذي لايُضَامُ و مستَظِلّاً بظِلّ عرشِهٖ المجيد العظيم الكريم و لاۤئِذاً برحمته الّتي وسعت داخِلاً في رحمته المكتوبة لعباده المتّقين و هم الّذين اتّقوا ولاية اوّل الظالمين و اجتنبوهَا كما قال تعالي و الّذٖينَ اجتنبوا الطاغوتَ اَنْ يعبدوها و اَنابوا الي اللّهِ لهم البشري و اجتناب عبادة الطاغوتِ هو اجتنابُ الولايةِ الاُولَي و الانابة الي اللّهِ هي الانابة و الرجوع الي الولاية الٰاخرة قال تعالي بل تؤثرون الحيوة الدنيا و الٰاخرة خير و ابقي ثم قال انّ هذا لفي الصحف الاُولَي صحف ابراهيم و موسي و لهذا روي ان الالواح التي نزلت فيها التورية تسعة الواح و انّ موسي اظهر لقومه سبعة و كتمَ اثنَيْن عن قومه لعدم احتمالهم لما فيهما و كان مما فيهما بيان ما اشرنا اليه من المراد بالدنيا و عبادة الطاغوت و المراد من الٰاخرة و الانابة الي اللّه تعالي فاذا كنتَ كذلك كنتَ آمِناً من جميع محذورات الدنيا و الٰاخرة لأنك احتجبتَ بحرمتهم و جاههم عند اللّه و انّه لقسم لو تعلمون عظيم .