شرح الزيارة الجامعة الكبيرة الجزء الثالث
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد الامجد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
و به نستعين .
قال العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحساۤئي :
قال عليه السلم : بابي انتم و امي و اهلي و مالي و اُسْرتي .
اقول بابي اصله معمول ثانٍ لافدي و انتم مفعول اوّل و المعني افديكم بابي و امي الخ فكثر استعماله و تداوله علي السنتهم في مخاطباتهم فحذفوا افدي اختصاراً لظهور معناه لكثرة الاستعمال حتّي انتقش في اذهانهم عند ذكر بابي انتم و ان لميقصدوا تصوّره و ذلك لشدة حرصهم في طلب الاختصار فيقتصرون علي اقل ما يدلّ علي المقصود و ان لميكن في المنطوق بل اكتفوا بما كان في محلّ النطق كدلالة الاقتضاۤء و التنبيه و الاشارة بل بالمفهوم و المجازات و الاستعارات و اللّوازم البعيدة و الامثال اذا امكن فهم المخاطب لها و لو بنصبِ قرينةٍ فلمّا حَذفوه لظهور المعني تمادَي بهم الحال و المداومة علي الحذفِ لكثرة الاستعمال حتي غفلوا عن المعني الفعلي الملحوظ فيه الحركة لعدم فاۤئدة التجدّد للفداۤء و دعاهم دوام الاستعمال الي دوام حضور الفداۤء نفسه في خيال المتكلّم عند لفظ بابي انتم فاقيم متعلّقه الذي هو بابي مقامه في التصدّر و لمّا كان ظرفا كان غير صالحٍ للابتداۤء الاصطلاحي مع انه المفعول الثاني كان المفعول الاوّل الذي هو انتم اولي بالابتداۤء الاصطلاحي لانه اسم و مقدّم علي بابي رتبة في الاصل فهو اولي برتبته [ص 3] و لمّا كان انتم لايصلح لنيابة افدي لانه المفدي جعلوا بابي نائباً عن افدي لانه متعلقه و معناه فيه و لمّا جعلوه ناۤئباً عنه لانه الفداۤء اوجبوا تقديمه لينزل في مرتبة الفعل و كان خبراً لان الخبر مسند الي المبتداۤء و الفداۤء مسند الي المفدي و لمّا كان انتم هو المبتدأ اُلْبِسَ حلّة المبتدأ و صورته لانه كان حين وجود الفعل ضمير المفعول و ضمير المفعول ان كان متّصلا كان كم و ان كان منفصلاً كان ايّاكم و ليستا من ضماۤئر الرفع ليصلح ان يجعل مبتدأ فاتي بضمير الرفع الذي هو بمعناه اي ضمير الجمع المخاطبين لان الصحيح عندي انّ الضماۤئر في الخطاب صورتان وضع الواضع للرفع صورة و هي اَنْ بسكون النون و الحقها علامات تميّز مَعُودها و هي الف بعد ان للمتكلم و حرّكت النون لالتقاۤء السَّاكنَيْن و تاۤء مفتوحة للمخاطب المذكر و مكسورة للمخاطبة و تاۤء و ميم و الف للمثني امّا التاۤء فاتي بها لئلّايزيد المفرد علي المثني و امّا الميم للفرق بينه و بين ضمير المخاطب اذا لحقته الالف الاطلاق و امّا الالف فللفرق بينه و بين ضمير الجمع و انما خصّ الالف بالمثني لانه ضميره في الغاۤئب و امّا الجمع فلما قلنا في المثنّي التّاۤء لئلّايزيد المفرد و الميم علامة الجمع و في المؤنث النون المشدّدة و للنّصب صورة و هي الكاف وحدها للمفرد علي الاصل و كسرت للمخاطبة للفرق و في المثني بزيادة الميم و الالف و في الجمع بزيادة الميم للمذكرين و النون المشدّدة للمؤنّث لما قلنا في الرفع و كل هذه الملحقات علامات فارقة و ليست اصلية و زيد في صورة الانفصال ايّا و هي دعامة يعتمد الضمير عليها عند انفراده عن فعله لا اصلية و هنا اختلافات للنحاة هل الضمير ايّا وحدها او الكاف وحدها او المجموع و كذلك في ضماۤئر الرفع و الاصح ما قلنا لك فلمّا عدلوا عن ضمير النصب [ص 4] اتوا بضمير الرفع و المعني فيهما واحد و انّما التغيير لاجل صورة الاعراب لصلوح كل صورة لما هي له لاسباب يطول ذكرها فقيل انتم فالضمير اَنْ و ما زاد علي اَنْ فعلامات فارقات فكان بابي خبراً مقدّما و انتم مبتدأً مؤخراً و لو اُخّر الخبر علي الاصل لماصح الاخبار لفساد المعني لاجل انقلابه لان صورة انتم بابي تدل علي كون المفدَّي فداۤء و بالعكس الّا بان يقدّر خبر يكون بابي معمولاً له اي انتم مفديّون بابي و تقديمُ بابي مع نيابته عن العامل المتقدّم اعني افدي اولي من اصالة عدم تقديم الخبر للموجب و لفساد المعني و انقلابه و من التقدير لزيادة الكلفة فالتزموا التقديم لما سمعتَ فان قلت لم قدم الاب ثم الام و هكذا قلتُ لانه اتي بها علي جهة الترقي و هو الانتقال من الاقوي الي الاضعف جرياً علي وفاق الغالب لان الغالب في الاثبات كذلك من الاقوي الي الاضعف و في النفي من الاضعف الي الاقوي الّا ان العكس قد يستعمل و ان كان خلاف الاغلب قال اللّه تعالي لاتأخذه سنة و لا نوم و في الدعاۤء ليلة الجمعة من الجمع الاربعين كما رواه ابنطاووس في مهج الدعوات و لايأخذك نوم و لا سنة و الام اضعف من الاب لانّها تقتل بالابن و لايقتل الاب و لاشتراط اذنه في مثل النذر و صوم المندوب دونها علي الاشهر و يلزم الابن القضاۤء عنه و لايلزم القضاۤء عنها علي المشهور لان الاب اصل للولد و الام فرع عليه و لهذا خلق من الاب العصب و العروق و المخ و العظم التي هي اصل الانسان و خلق منها اللحم و الدم و الشعر و الجلد و هي ظاهره و قشرهُ و ذلك لانّ ما منه الماۤدة و ما منها الصورة و حديثُ مَن اُبِرُّ قال عليه السلم امّك قال ثم من ابرّ قال امّك قال ثم مَنْ ابرّ قال امّك قال ثمّ مَنْ ابرّ قال ابُوكَ و لان الاب مقدّم في الوجود و التكليف الاول كما في عالم الذر و لانها خلقت من نفسه اي من فاضل طينة نفسه [ص 5] و انما نسبت الي النفس و لمتنسب الي العقل لقلّة ما منه و كثرة ما منها فانها ثلث من العقل و ثلثان من النفس و الاب بالعكس و مزاجه من الاصل في عقله و نفسه و مزاجها من الفاضل في عقلها و نفسها و وجوب اجابة ابنها لها في الصّلوة دون الاب محمول علي ملاحظة الضعف و عدم احتمالها ما يحتمله الاب فوجبت الشفقة بها و الرأفة و انما قيل بابي انتم و لميؤخر انتم الي آخر الفداۤءات للاهتمام و الاعتناۤء بذكر المفدي بالمبادرة اليه و لئلّايتوهم مَن غفلَ عن بابي لبعده او يسهو فيجعل انتم خبراً للمذكورات او لما يقاربه منها فاذا وصل الي انتم و التفت الي ما قبله وجد مثلا اهلي و مالي انتم فيكون عنده خبرا و ما قبله مبتدأ و يختلّ المعني و ملاحظة الكلام من اوّله لئلّايختلّ المعني فيه مشقّة و كلفةٌ و مبني اللغة العربيّة علي السهولة و الخفّة كما هو مشاهد عند الاعلال و تَوالي الامثال و التقاۤء الساكنين و عدم الابتداۤء بالساكن و التزام المدّ و غير ذلك فالتزموا التقديم في انتم علي غير بابي لما قلنا و لايلزم احتمال الاستيناف و توهّمه في و امّي للفصل بانتم لظهور المعني و ذكر الام بعد الاب قرينة علي ارادة التشريك بينهما و لانه لو احتمل الاستيناف كان مبتدأ و لو كان كذلك لوجب ذكر الخبر و لايجوز حذفه لمعارضة العطف لذلك الاحتمال و لاصالة عدم الحذف و عدم ذكره دليل عدم احتماله و هذه العبارة تستعمل لبذل الحبيب و العزيز وِقايةً للاحب و الاعزّ بحيث يفني الحبيب و العزيز من كتاب الرعاية و المحافظة مطلقاً كما هنا لعموم الاحاطة و شمولها لجميع الاقتضاءات او في رتبة ما يقتضيه المقام عند توهّم محاذرة تغيّر الاحب و الاعز او تبدّله مطلقا او عن خصوص صفة الاحبّية و الاعزّية او فناۤئه عنها او مطلقا مثلا اذا وجدتَ مَن ظهر بصفةٍ حسنةٍ قد هانَ عند ظهورِها لَكَ كلّ جليل و عزيز عندك قلتَ بابي انت و امي الخ ، [ص 6] اي افدي تغيّرك عن هذه الصفة او تبدّلك بغيرها مما لميستدعِ ميل قلبي اليها او فناۤءَك او فقدانك باحب الاشياۤء عندي و اعزّها عليَّ و هي ابي و امي و اهلي اي عشيرتي و ذوي قراباتي و الزوجات و الاولاد و البنات و الاصهار و مالي و اُسْرتي بالضم اي رهطي الادنون اي ابذلهم وقاية لكَ من كل مكروه و محذور و هذا تستعمله العرب عند الخطاب لمن يحترمون مقامه و يعظّمون اكرامه فلمّا اراد خطابهم بان يشهدوا علي ما انطوي عليه من الاعتقاد مما ابرزه باقراره الحتمي علي جهة المعاهدة بالعهد المؤكد و كان قد احلَّهم من قلبه محلّا اجلّ من ان يطلُبَ منهم الشهادة امّا لكونهم اجلّ قدراً من ذلك لعلوّ مرتبتهم كما كانت عادة المملوك القنّ الذليل الحقير انه لايحسن منه ان يقول لسيّده العظيم الجليل الشأن العالي المكان الشديد الاركان اُشهِدُك علي حسن حالي عندك مع ما يعلم من نفسه من وقوع كثير من التقصيرات في حق سيّده و مولاه الاجل و اِمّا لعلمه باطلاعهم علي حقيقة ما اشهدهم عليه فاستشهاده لهم سوۤء ادب و لميكن له استغناۤء عنهم في حال من الاحوال مع انّهم امروا عليهم السلم بذلك و امثاله لان القول عبادةٌ اذا طابقَ الضمير و لمّا اراد تعظيمهم و التأدّب معهم قبل ان يطلب الشهادة المعلومة بذل اعظم ما يقدِر عليه و لميقدر علي شيء اعظمَ عنده من ان يدعو بان يكون اعزّ الاشياۤء عنده و عليه فداۤءً فداۤء لهم من كل مكروهٍ و محذورٍ فقال بابي انتم و امي و اهلي و مالي و اسرتي فان قلت اذا كانت علّة جعلِهٖ ابويه و غيرهما ممّن ذكر فداۤء لهم هي عِظَمُ منزلتهم عنده و كبر شأنهم لديه علي نحو ما ذكرت فهل يجري ذلك في تعظيم الله سبحانه و تعالي و اجلاله لأنه تبارك و تعالي شأنه اجلّ و اعظم منهم و من غيرهم و انما العظم و كبر الشأن بما افاض عليهم من آثار افعاله قلتُ هو اللّه سبحانه اجلّ من ان يساوَي و اكبر من ان [ص 7] يداني و اعزّ من ان ينسب الي نسبة شيء من خلقه و لٰكنه لايصح ذلك القول الّا لمن يجوز ان تجري عليه المكاره او التغيّر او التبدّل او الفناۤء اوِ الفقدان و ان لمير بعض خلقه انه يجده او في حال فهو سبحانه موجود حاضر في كلّ حال فوجوده حالَ وجدانِه كوجوده حال فقدانه فلايصحّ اَنْ يفرض عليه التحوّل عن حالٍ ليُدْعَا له بان يُفْدَي من ذلك بمن دونه و لايصح ذلك الّا علي مَن يجوز عليه التحوّل و التغيّر فلذا فدَي من يجوز عليه ذلك .
قال عليه السلم : اشهد الله و اشهدكم اني مؤمن بكم و بما امنتم به كافر بعدوّكم و بما كفرتم به .
قال الشارح المجلسي (ره) اشهد الله لمّا اراد مخاطبتهم بالشهادة فداهم بابيه و امه و اشهدكم كما هو المتعارف عند العرب اشهد الله تعالي و اياهم بانه مؤمن بهم و بجميع ما امنوا به مجملاً و ان لميعلم تفصيله و كافر اي جاحدٌ و عدو لاعداۤئهم كما قال تعالي فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي فانظر الي كلامه تعالي كيف قدّم الكفر علي الايمان لبيان انه لايمكن الايمان بدون عداوتهم كما ورد في الاخبار الصحيحة انه من قال انّي مؤمن بالائمة عليهم السلم و ليس لي شنأٰن بالمخالفين انه ليس بمؤمن بل هو من اعداۤئِنا فانّ المحبَّ من يحبُّ اولياۤء المحبوب و يبغض اعداۤءه انتهي .
اقول قوله اشهد اللّه و اشهدكم انّي مؤمن بكم الخ تجديد للعهد المأخوذ منه في التكليف الاوّل و موافاة منه اشهد اللهَ و اشهدهم عليها ليشهدوا له عند السؤال في القبر و علي الصراط بل ليشهدوا له الشهادة الفِعليّة بان يكتبوا في قلبه الايمان بنور ولايتهم و في اعماله قبولها و في حسناته مضاعفتها [ص 8] و في سيّئاته التّجاوز عنها و في القدر الجاري عليه صرفَ سُوۤئِهٖ و شرّه و جلبَ خيرِه و في كتاب عدادِهٖ انّه من حزبهم و في رتبته انه موصول بهم و في سلوكه انّه داخل مدخلَهُمْ و خارج مخرجَهُمْ و غير ذلك فان هذه و ما اشبهها مترتّبة علي الموافاة و قوله و بما امنتم به يعني اني مؤمنٌ بكم كما انتم عليه في المقامات التي اقامَكم اللّه فيها علي نحو ما اشير اليه فيما تقدم و بما امنتم به مما اطلعَكم اللّه عليه مما اراده لكم و لغيركم من الحقّ من صفاته و افعاله و عبادته و ممّا انزل من كتبه و وحيه و من جميع ملاۤئكته و رسله و انبياۤئه و اولياۤئه و اصفياۤئه من المصْطفين و اَتْباعِهم و ممّا اجراهُ عَلي اعداۤئه من قدره و قضاۤئه في ذواتهم و اعمالهم الي غير ذلك من كلِّ ما شاۤء و ارادَ وَ قدّر و قضي من مقتضياتِ فضله و عدله مجملاً و مفصَّلاً و قوله كافر بعدوِّكمْ يعني به انّي جاحِدٌ لما يدّعيه اعداۤؤكم من الاوّلين و الاخرين ممّا ليس لهم او يدّعيه لهم مدّع من اتباعهم ممّا اغتصبوه من مقامات غيرهم و من اموالهم و غير ذلك لا ان المراد اني كافر بوجود عدوّكم او بوجودِ ما صدر منهم من الدّعوي او التعدّي بمعني عدم وقوعه لان ذلك لا شك فيه و يجب الايمان به و لايجوز انكارُ ذلك و انما الواجب انكاره و جحوده منهم ذلك و هو ما يدّعونه و ما اغتصبوه و ما فعلوه من الاعمال الّتي لايَرْضاها اللّه سبحانه فَاُسُّ ولايتهم صلّي الله عليهم الايمان ظاهراً و باطنا بما ثبتَ لهم من الايمان بهم و بما آمنوا به كما تقدم و بما سُلِب عنهم من الاسماۤء السوءي بالكفر بعدوِّهم علي نحو ما اشرنا اليه فلهم عليهم السلم صفاتٌ ثبوتيّة و صفات سلبيّة كما قيل انّ للّهِ صفاتٍ ثبوتيّة و صفات سلبيّة و الصفات الثبوتيّة قسمان صفات ذات و صفات افعال و الصفات السلبية ترجع في ظاهر العبارة الي قسمين صفات ذات و صفات افعال اما الصفات الثبوتية الذاتية فهي في حقهم [ص 9] عليهم السلم في كل مرتبة من مراتبهم الاربع نفس الذات فيها و اما الثبوتية الافعالية فهي نفس ظهور الذات بها في تلك المرتبة و امّا السلبيّة الذاتية فهي نفي ظاهر الاشتراك و ظاهر الاشتراك ليس هو الذات و نفيه ليس هو الذات ايضا فلاتكون السّلبية نفس الذات و ان اطلق عليها الذاتية و ان وصفت بها الذات وصفا صناعيّا او تعريفيّا و قوله تعالي باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب من هذا المعني الذي اشرنا اليه فان ظاهر الباب اي ما كان وراۤءه و خلفه ليس هو الباب و ان نسِب اليه او كان به فانه ليس منه و لا اليه بخلاف باطنه فانه منه و اليه و امّا السلبية الفعلية ففي الظاهر حكمها بالنسبة الي الافعال حكم الذاتية بالنسبة الي الذات بمعني انها لاتكون صفة الّا كما اشرنا اليه بالوصف الصّناعي او التعريفي امّا في الباطن يعني في نفس الامر فالسلبية الفعليّة بحكم الثبوتيّة الفعلية لان نفي الممكن ممكن كما يقال في الظلمة انها عدم الضّوء عمّا من شأنه ان يكون مضيۤئا عند من يجعلها عدم النور و هي نفي و قد قال اللّه تعالي الحمد للّه الذي خلق السموات و الارض و جعل الظلمات و النور و لايكون الشيء مجعولا و ليس بشيء بل شيء مخلوق و يؤيده ما رواه علي بن يونس بن بهمن قال للرضا عليه السلم جعلتُ فداك اَنَّ اصحابنا اختلفوا فقال في اي شيء اختلفوا فتداخلني من ذلك شيء فلميحضرني الّا ما قلتُ جعلتُ فداءك من ذلك ما اختلف فيه زرارة و هشام ابن الحكم فقال زرارة النفي ليس بشيء و ليس بمخلوق و قال هشام النفي شيء مخلوق فقال لي قل في هذا بقول هشام و لاتقل بقول زرارة ه ، و بيانه انّك تقول تركتُ فعل كذا لما لمتفعله لانّ فعله ممكن لك فتركتَ ما كان فعله ممكناً لك فقولك تركتُ و قولي تركتَ لما لمتفعل و تعبيرنا عن هذا العدم بالفعل الماضي مسنداً الي مَنْ لميفعل دليل علي حدوث فعلٍ [ص 10] ممّن اُسْنِدَ اليه و هو حركة ضميره بالتّرك و قول اميرالمؤمنين عليه السلم لابيالاسود و الفعْل مَا دَلَّ عَلي حركةِ المسمّي يشمله للاتفاق علي انّ مثل ماتَ زيد و ظَنَّ عمروٌ و سَمِعَ بكرٌ و رأي خالد و ما اَشْبَهها افعال و انّها داخلة في كلامه عليه السلم لانّها حركة المسمّي كما في ماتَ زيدٌ ، فقوله كافر بعَدُوِّكم صفة سلبٍ و ثبوتٍ علي نحو ما اشرنا اليه هنا .
و قول الشارح (ره) انه لايمكن الايمان بدون عداوتهم يعني انّ الايمان بهم عليهم السلم لايمكن بدون عداوة اعداۤئهم و هو صحيح لان الايمان بهم هو الحق و هو لايجامع الباطل الذي هو ولاية اعداۤئهم و عدم البراۤءة منهم و هو قوله تعالي ذلك بانّ الّذين كفروا اتّبعوا الباطل و انّ الذين امنوا اتبعوا الحق من ربّهم قال القمّي ذلك بان الذين اتبعوا الباطل و هم الذين اتبعوا اعداۤء رسول اللّه (ص) و اميرالمؤمنين (ع) و قال في قوله و امنوا بما نزّل علي محمّد و هو الحق من ربهم عن الصادق عليه السلم قال بما نزّل علي محمد في علي هكذا نزلت و قال ايضا نزلت في ابيذر و سلمن و عمار و المقداد لمينقضوا العهد قال و امنوا بما نزّل علي محمد (ص) اي ثبتوا علي الولاية التي انزلها الله و هو الحق يعني اميرالمؤمنين (ع) ه ، فلما كان عدم البراءة من اعداۤئهم باطلاً كانت البراۤءة من اعداۤئهم حقا و هي جزء الولاية لهم عليهم السلم لان البراۤية حق فاذا لمتنضم اليها البراۤءة لزمها عدم البراۤءة و هو الباطل و لايجتمع الحق مع الباطل و لايكون جزءا له و لا لازما و المراد بالاتيان بالايمان بهم و ٱلكفر بعدوّهم لبيان انّ الايمان مركب منهما لا ان الايمان هو محبتهم و العمل بقولهم خاۤصّة من دون البراۤءة من اعداۤئهم فاذا قلنا البراۤءة شرط لايراد بالشرط هنا ما هو خارج عن المشروط الّا اذا اريد به السلب علي الظاهر او السلب الذاتي و هنا المراد به الفعلي علي الباطن كما ذكرنا و قولنا علي الباطن اذا لوحظ في الكفر بعدوّهم [ص 11] و البراۤءة منه السلب و اذا لميلاحظ فيه السلب كان جزءاً علي الظاهر و الباطن و ظاهر كلام الشارح (ره) ان البراۤءة من عدوّهم شرط في قوله لايمكن الايمان بدون عداوتهم بقرينة قوله فانظر الي قوله تعالي كيف قدّم الكفر علي الايمان يعني في قوله فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله و فيه انه لو كان الامر كذلك مراداً لقال عليه السلم اني كافر بعدوّكم و بما كفرتم به مؤمن بكم و بما امنتم به و انما يراد به الجمع كما قلنا نعم كلامه يحتمل ما قلنا و لو قيل انه لميرد بكلامه هذا الاستشهادَ علي كلامه عليه السلم ليلزم ما فيه قيل لو لميرد ذلك لماحسن جعله شرحاً لكلامه عليه السلم .
قال عليه السلم : مستبصِرٌ بشأنكم و بضلالةِ مَنْ خالفكم موالٍ لكم و لاولياۤئكم مبغض لاعداۤئكم و مُعادٍ لهم .
اي انّي مستبصر بشأنكم يعني مستبين لهُ و المراد به المعرفة بشأنهم و الشأن الخطب يخبر اني عارف بكم بالمعرفة النورانية يعني عرفت بدليل الحكمة و العيان انّكم المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و انّكم معادن كلمات الله و اركان توحيد اللّهِ و اياته و مقاماته و بيوت علمه و حكمه و غيبه و حقه و امره و انكم جنبه و يده و لسانه و عينه و اذنه و قلبه و وجهه و ظاهره و سرّهُ و انكم بابُهُ و خزاۤئنه و مَفاتِحُ غيبه الّتي لايعلمها الّا هو و كتابه المبين و صراطه المستقيم و انكم حججُه و اولياۤؤه و الدُّعاة اليه و خلفاۤؤه في ارضه و النذر الاولي و النُّذُرُ الاخري و الدّعاة الي اللّه و الي دينه الذين اوجب محبّتهم و فرض طاعتهم و عرفتُ ايضاً بدليل الحكمة و العيان انّ مَن خالفكم هم الضّاۤلّون عن سبيل الهدي في كلّ موضعٍ من كتاب اللّهِ ذكر الضّاۤلّين فانّما عَناهم و اتباعهم مثل قوله تعالي و من يعش عن ذكر الرّحمن نقيّض له شيطانا فهو له قرين و ذكر الرّحمن [ص 12] هو الولي اي و من يضعف نور بصيرته عن ولاية الولي بعد ظهور برهانها كالشمس في رابعة النهار او و من يعرض عن الولي او عن ولايته او و مَن يَعْمَ علي قراۤءة فتح الشين و انّهم ليصدّونهم عن السبيل و يحسبون انّهم مهتدون فالسبيل هو الولي اوْ ولايته و قرناۤؤهم من الشياطين يَصدونهم عنه و عن ولايته و هدَوهم الي سبيل الغيّ و يحسبون انهم مهتدون فضلّوا عن سبيل النجاة بمخالفة الوليّ من بعد ما تبيّنَ لهم الهدي فالضّلالة تستعمل في حقّ مَنْ خالفهم و في اتباعهم كما ذكر عليه السلم هنا فانّ المراد بمن خالفهم المضلّون لمن تبعهم و اقتدي بهم عن سبيل الرشاد الضّاۤلّون بانفسهم لاعراضهم عن ذكر الرّحمن و بصَدِّ اتباعهم عنه فهم اهل الضلالة بمخالفتهم سبيل الهدي فانّ الهدي ان يتّبع الحق عليه السلم و يدعو الي اتّباعِهٖ و هم علي العكس قال تعالي ذلك بان الذين كفروا اتبعوا الباطل و ان الذين امنوا اتبعوا الحقّ من ربّهم . فان قلت قوله تعالي و يحسبون انهم مهتدون يدلّ علي انهم لايعلمون بضلالتهم و انما يظنون انهم علي الحقّ و اللازم من هذا عدم ضلالتهم لان اللّه تعالي يقول و ماكان الله ليضلّ قوما بعد اذ هديٰهم حتي يبيّن لهم ما يتّقون ، قلتُ انّهم انّما خلقوا بقبولهم الايجاد و ما قبولهم الّا موافقة ما امدّوا به من الوجود و ماامدّوا الّا بما هو هيئة فعله تعالي و ما هيئة فعله تعالي الّا صفة رضاه و ما صفة رضاه الّا اتباع اولياۤئه و موالاتهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و محبّتهم بالقلب و اللسان و الجوارح و معاداة اعداۤئهم و البراۤءة منهم فاذا كان كل مخلوق هكذا لانّه انّما خلقه الله ليعرفه و لايعرفه الّا بما وصف به نفسه له و ماوصف نفسَهُ له الّا بنفسه و لهذا قال (ع) من عرف نفسه فقد عرف ربّه و هم عليهم السلم حقيقة كلّما وصف الله نفسه لخلقه من الدرّة الي الذرّة لانه [ص 13] سبحانه انّما وصف نفسه لكلّ شيء من خلقه بهم عليهم السلم اي بصفةٍ من صفاتهم وجب ان يعرفهم و يعرف حقيّتهم كلّ شيء لان فطرته صفةُ حقّيّتِهم ثم لمّا حسدهم اعداۤؤهم و استكبروا عن طاعتهم التي افترضها الله عليهم و علي جميع خلقه التوت فطرتهم و تلوّنت بلون استكبارهم و تقدّرت بهيئة حسدهم و علوّهم فكانت لهم صورتان صورة الفطرة التي هي الاجابة و هي الموافقة للوجود الذي هو المدد و بها عرفوا الولاة عليهم السلم و عرفوا حقيّتهم و صورة الاستكبار و العلوّ و الحسد التي هي الانكار و الجحود و هي المخالفة للوجود الموافقة للماهيّة التي هي منشأ الشرور و بهذه الصورة انكروا معرفة الولاة و انكروا حقيّتهم لان هذه الصورة الخبيثة صورة الباطل و لاتوافق شيـٔا من الحقّ لانها ضدُّه و هي التّغيّر و التبديل المذكوران في قوله تعالي فليغيّرن خلق اللّه و في قوله تعالي فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه و لمّا كانت دواعيها كلّها نفسانيّة داۤئرة مدار شهوتها كان عملهم بمقتضياتها و لمّا كانت الاولي دواعيها كلها عقلانية مخالفة لشهوات النفس و مقتضي انّيّتِها الذي حصل به التكبّر و العلوّ و الحسد لميعملوا بمقتضياتها التي هي معرفة الحقّ و اهله و فروعها من الاعمال الصالحات تمكّنتْ في حقاۤئقهم و اعمالهم مقتضيات الصورة المغيّرة و المبدّلة حتي كانت ذاتيّة لهم من حيث مواظبتهم علي مقتضياتها فبصورة الفطرة الاوليّة عرفوا الحق بموافقته لها معرفةً قامت بها عليهم الحجة و كانوا ضاۤلّين بمخالفتها و بصورة الاستكبار و العلو و الحسد التي لبسوها و استبطنوها بالتغير و التبدّل انكروا الحق و اتّبعوا الباطل و تديّنوا به لموافقتها له و مطابقتها ايّاه حتّي ظنّوا انهم مهتدون الي طريق النجاة بها فهم في مشاعرهم بين داعِيَيْن متنازِعَيْنِ فبداعي الضّلالةِ جحدوا بها و بداعي الهداية استيقَنَتْها انفسهم ظلماً [ص 14] و علوّاً و هما معمولانِ لجحدوا بها لٰا لِاستيقنَتْها .
و قوله : موالٍ لكم و لاَوْلِيٰاۤئِكم
اي محبٌّ لكم و لاولياۤئكم و صديق و ناصر و متابعٌ بالقلب و اللسان و الاركان فالمحبّة التي تعقد علي الاخلاص و المتابعة في القلب بالمتابعة و التّسليم لهم و البغْض لاعْداۤئهم و في اللسانِ و الاركان بالاخذ عنهم و الاقتداۤء بهم و المجانبةِ لمَن جانَبُوا و هذا كله و امثاله حدودُ فطرة اللّه التي فطر الناس عليها و هي هيكل التوحيد كما مرَّ مكرّراً يعني انّ التوحيد له صورة و الصورة انّما هي الهندسة المشتملة علي الحدود كالمثلث المشتمل علي ثلاثة خطوط محيطة بسطحٍ و المربع المشتمل علي خطوط اربعة محيطة بسطح و هكذا و كذلك الاجسام فانها مواۤدّ اكتنفَتْها خطوط الصور و لا فرق في ذلك بين المعنويّة و غيرها مثلا الايمان له حدود كما تقدم حدّ التصديق بالقلب و الاعتقاد فيه بتوطين النفس علي القيام بمتعلّق مقتضاه من الخدمة وَ الاعمال و الاقوال و حدّ المجاهدة و حد الاخلاص و حدّ الانقياد و حدّ التسليم و حد عدم وجدان حرجٍ في النفس فيما اقتضاه ذلك التصديق من الاعمال و الاقوال و الاحوال و حدّ الزهد و حدّ الورع و حدّ اليقين و حدّ العلم وَ حدّ المعرفة و حدّ الصلاح و حدّ المروّة و حدّ الصبر و حدّ التوكّل و حدّ الثقة باللّه و ما اشبه ذلك من الحدود كذلك هيكل التوحيد اي صورته التي استقرّ غيبُه فيها لتمامها و كمالِها لَها حدود منها ما ذكر في حدود الايمان و منها الاخلاص في تفريد الذّات و تجريد الصفات و توحيد الافعال و قطع الجهات في العبادة و هذا جملة حدود التوحيد لانه من جهة اصول حدوده الكليّة له اربعة حدود الاول و قال اللّه لاتتّخذوا الهين اثنين انّما هو اله واحد و الثاني ليس كمثله شيء و الثالث هذا خلقُ اللّه فاروني ماذا خلق الّذين من دونه و الرابع فمن كان [ص 15] يرجو لقاۤء ربّه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربّه احداً و امّا فروعُ حدودِه فليسَ في الوجود ممّا في الوجدان و العيان و لا في الغيب و الفقدان شيء يُرَي قبل الله او بدون اللّه قال اميرالمؤمنين عليه السلم مارأيتُ شيـٔا الّا و رأيتُ اللّٰهَ قبله او معه و معني قوله عليه السلم او معه ليس او للتقسيم بان يكون ما يراه قسمين احدهما يري الله قبله و الاخر يري اللهَ معه و لا للترديد بان يكون ما يراه متردّدا بين الحالين بل المراد شيئٰان كلٌّ منهما مرادٌ احدهما ان يكون المعني مارأيتُ شيـٔا الّا و اري اللّهَ قبله و معه و يلزم هذا في حكم المنطوق و محلّه و بعده اي يري اللّه قبلَ الشيء و مع الشيء و بعده و ثانيهما انه عليه السلم له حالتٰان حالة المقامات و في هذه الحالة كلّ شيء يري الله قبله اي لايري الّا الله تعالي و حالة الامام عليه السلم و في هذه الحال كلّ شيء يري الله معه فاو في الوجه الثاني للتقسيم لحال الراۤئي عليه السلم فانه حالتان و مثل قول اميرالمؤمنين عليه السلم قول ابنه الحسين عليه السلم في ملحقات دعاۤء عرفة في المناجاة ايكون لغيرك من الظهور ما لَيْسَ لك حتّي يكونَ هو المُظْهِرَ لَكَ مَتي غِبْتَ حتي تحتاجَ الي دليل يدل عليك و متي بعدْتَ حتي تكون الاشارة ( الٰاثار خل ) هي التي تدل عليك الدعاء ، فاذا فُقِد حدّ من حدود التوحيد الكلية الاصلية او الفرعيّة نقص هيكله و كانت فطرة اللّه فيها تبديل و خلق الله فيه تغيير و بنسبة هذا التبديل و التغيير تنقص الولاية .
و قوله (ع) : مبغض لاعداۤئكم و معادٍ لهم الفقرة الاولي عبارة للركن الايمن من الولاية ( المعبر عنه بالتولي ، نسخة ) و هذه الفقرة عبارة للركن الايسر من الولاية المعبّر عنه بالبراۤءة و لا ريب في تقابلهما تقابُلاً عاماً فهما معاً للتوحيد و للنبوة و للولاية و للشهادتين و للصلوة و للزكوة و للصيام و للحج و لساۤئر احكام الايمان كاليد اليمني [ص 16] و اليَدِ اليُسْرَي للانسان فان الدين انسان حقيقي معنوي ناطق باللسان العربيّ يسمع نطقه كلّ مَنْ عرفه و وجوهه متعدّدة باعتبار قوابله من المكلّفين فيختلف في الحسن و القبح و الكبر و الصغر و التمام و النقص باختلاف قابله بحسب اتصافه به كالوجه اذا قابل المرايا المختلفة في كمّها و كيفها و استقامتها و اعوجاجها و صفاۤئها و كدورتها و كبرها و صغرها و قربها و بُعْدِها فانّ صورته المنطبعة فيها مختلفة بسبب ذلك الاختلاف و لكن لا بدّ من مقابلة الوجه و من صقالة المرءاة اذ بدون احدهما لايحصل الانطباق ( الانطباع ظ ل ) في الاتفاق و الاختلاف نعم لو حصلت الصقالة و عدم مقابلة الوجه انطبع خلفه و ضدّه كذلك الايمان اذا توجّه الي المكلف بالتكليف به انطبع في المكلّف وصفه و صورته علي حسب استعدادِه و قابليّته كما اشرنا لك به و لو لميكلّف به لميحصل انطباع لعدم توجّه الايمان اليه و عدم حصول القابليّة الخاۤصّةِ التي هي الاستطاعة الفعلية لا العاۤمّة التي هي الاستطاعة الامكانيّة نعم لو حصلت الاستطاعة الخاۤصّة بالتكليف بالايمان الّا اَنَّ هذا المكلّف لميقبل شيـٔا من الايمان بل قابل التكليف بالانكار و الردّ انطبع في قابليته خلف الايمان و ضدّه و هو الكفر فاذا فهمتَ الاشارة و التمثيل ظهر لك ان هذا الانسان الشريف الذي هو باطن الانسان المعلوم ان كان مؤمناً لان الانسان اذا لميكن مؤمناً كان حيواناً او شيطاناً و الصورة الانسانيّة الظاهرة مُعارة تُنْتَزع منه حدودُهُ هي الانسانيّة الحقيقيّة الناطقة و هي و هو ماۤدّتها و المكلّف كلّما نقّص من تلك الحدود شيـٔا بتقصيره نقصت صورة ايمانِهٖ بما قصّر فيه سواۤء كان من جهة يمين الايمان التي هي الولاية و ما يتفرّع منها ام من جهة يساره التي هي البراۤءة و ما يتفرّعُ منها فاذا عرفتَ هذا عرفتَ ان الفقرة الثانية مع مطابقتها للاولي و تقوّم احديهما بالاخري علي عكس الاُولي في التعبير و بمعناها في التقدير [ص 17] فيكون معناها مبغِض لاعداۤئكم و لاولياۤئهم و عَدُوٌّ و خاذل و مخالف بالقلب و اللسان و الاركان فالبغض لهم يعقد علي الاخلاص و المخالفة بالقلب بالمخالفةِ في الاعتقادات و الانكار عليهم و بالمحبّة لاعداۤئهم الذين هم انتم و شيعتكم و في اللسان و الاركان بترك الاخذ عنهم و بالاخذ بخلافهم في الاقوال و الافعال و الاعمال و بترك الاقتداۤء بهم و التشبّه بهم في الملابس و ساۤئر الاحوال الّا لِتقيّةٍ لانها السدّ الذي ردمتموه بيننا و بينهم و بالموالاة لمن جانبوا و هذا كله و امثاله حدود فطرة الله التي فطر الناس عليها و هي هيكل التوحيد كما كان في الاولي و ليس الاولي خاۤصة هيكلاً تاماً للتوحيد و لا هذه ايضاً بل هما معاً تمام هيكل التوحيد لانّ الاولي متقوّمة بالثانية تقوّم ظهورٍ و الثانية متقوّمة بالاولي تقوّمَ تحقّق لانّ الاولي هي ماۤدة الايمان من النور و الثانية هي صورة الايمان من الرحمة التي هي صبْغة الله التي صبغ احبّاۤءه المؤمنين فيها و هو قوله تعالي الّا من رحم ربك و لذلك خلقهم فالتوحيد الحقّ ما هدي اللّه سبحانه اهل محبته اليه و هم الذين خلقهم للجنّة و خلق الجنّة لهم و لايتحقق و لايعرف الّا بحدوده التي تعرّف بها لاولياۤئه و هي الاعتراف بالوحدانية و الاستقامة عليها بالاعتراف بالنبوّة و الولاية لاولياۤئه و البراۤءة من اعداۤئه الذين هم اعداۤء اولياۤئه و شيعتهم و ما يتفرع علي هذه الحدود الكلية من جميع جزئيّاتها و اجزاۤئها و الي هذا الاشارة بقوله تعالي انّ الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملاۤئكة الّاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون ، و في تفسير القمي ثم استقاموا قال علي ولاية اميرالمؤمنين عليه السلم و في الكافي عن الصادق عليه السلم قال استقاموا علي الائمة واحداً بعد واحدٍ و قال علي عليه السلم في نهجالبلاغة و اني متكلم بعدة اللّه و حجّته قال اللّه تعالي ان الذين قالوا ربّنا اللّه ثم [ص 18] استقاموا ، الاية و قد قلتم ربّنا اللّهُ فاستقيموا علي كتابه و علي منهاج امره و علي الطريقة الصّالحة من عبادته ثم لاتمرقوا منها و لاتبتدعوا فيها و لاتخالفوا عنها فانّ اهل المُروق منقطع بهم عند الله يوم القيمة و روي الطوسي في مجالسه باسناده الي ابيالصلت عبدالسلام بن صالح الهروي قال كنتُ مع الرضا (ع) لما دخل نيشابور و هو راكب بغلةً شهباۤء و قد خرج علماۤء نيشابور في استقباله فلمّا صاروا الي المربّعة تعلّقوا بلجام بغلته و قالوا يا ابن رسول اللّه (ص) حَدِّثنا عن اباۤئك الطّاهرين حدثنا عن اباۤئك صلوات الله عليهم اجمعين فاخرج رأسه من الهودج و عليه مطرف خزّ قال حدّثني ابي موسي بن جعفر عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي عن ابيه علي بن الحسين عن ابيه الحسين بن علي سيد شباب اهل الجنة عن اميرالمؤمنين عن رسول الله (ص) قال اخبرني جبرئل الروح الامين عن الله عز و جلّ تقدست اسماۤؤه و جل وجهه قال اني انا الله لا اله الّا انا وحدي عبادي فاعبدوني و ليعلم مَن لقيني منكم بشهادة اَلّا اله الّا الله مخلصاً بها انه قد دخل الجنة حصني و من دخل حصني اَمِن عذابي قالوا يا ابن رسول الله و ما اخلاص الشهادة للّه قال طاعة الله و طاعة رسوله و ولاية اهل بيته عليهم السلم اقول و هذا الذي اشرنا اليه هو التوحيد الخالص الذي اشار اليه عليه السلم بقوله من قال لا اله الّا اللّه مخلصاً دخل الجنّة فانّ المراد بالاخلاص القيام بهذه الشروط التي هي في الحقيقة اركان التوحيد فافهم بل ليس التوحيد الّا هذا و الي هذا اشار سبحانه بقوله انّهم كانوا اذا قيل لهم لا اله الّا اللّه يستكبرون فانّ المراد بلا اله الّا الله ذلك لانه سبحانه قال و قفُوهم انّهم مسئولون ما لكم لاتناصرون بل هم اليوم مستسلمون و اقبل بعضهم علي بعضٍ يتساۤءَلُونَ قالوا انكم [ص 19] كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لمتكونوا مؤمنين و ماكان لنا عليكم من سلطانٍ بل كنتم قوماً طاغين فحقّ علينا قول ربِنّا انّا لذاۤئقون فاغويناكم انّا كنّا غاوين فانهم يومئذ في العذاب مشتركون انّا كذلك نفعل بالمجرمين انّهم كانوا اذا قيل لهم لا اله الّا اللّه يستكبرون فتدبّر سياق الايات و ارتباطها بقوله و قِفوهم انهم مسئولُونَ فقد وَردَ من الطرفين انّ المراد انهم مسئولون عن ولاية علي بن ابيطالب عليه السلم فمن ذلك ما في الامالي و تفسير القمي قال عن ولاية اميرالمؤمنين عليه السلم و كذا في عيون الاخبار عنه صلي الله عليه و اله و في العلل عنه عليه السلم انه قال في تفسير هذه الاية قال لايجاوز عبدٌ قدماً حتي يسئل عن اربع عن شبابه فيما ابلاهُ و عن عمره فيما افناه و عن ماله من اين جمعه و فيما انفقه و عن حبِّنا اهل البيت و في السادسةعشرة من مناقب ابنشاذان باسناده عن ابيسعيد الخدري قال سمعتُ رسول اللّه صلي اللّه عليه و اله يقول اذا كان يوم القيمة امر الله الملكَيْن يقعدان علي الصّراط فلايجوز احد الّا ببراۤءة اميرالمؤمنين عليه السلم و من لمتكن له براۤءة اميرالمؤمنين عليه السلم اكبّه اللهُ علي منخريه في النار و ذلك قوله تعالي و قِفُوهم انهم مسئولُونَ قلتُ فداك ابي و امّي يا رسول اللّهِ (ص) ما معني براۤءة اميرالمؤمنين قال مكتوب لا اله الا الله محمد رسول الله اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب وصيّ رسول اللّه صلّي الله عليه و اله اقول فحيث لميأتوا بهذه البراۤءة اخبر عنهم انّهم اذا قيل لا اله الا الله يستكبرون فيدخل في الاياتِ كلّ من لميأتِ بما اُمِرَ به الّا انّه اذا تمسّك بالاصل المأمور به جاز في الحكمة العفو عن التقصير في بعض فروعه فلايضرّه ذلك كما ان من ترك الاصل و تمسك بالضدّ المنهي عنه لميجز في الحكمة القبول لشيء ممّا اتي به من الفروع فلاينفعه ذلك و قد تقدمت الاشارة الي ذلك .
[ص 20] قال عليه السلم : سلم لمن سالمكم و حرب لمن حاربَكم .
قال الشارح المجلسي تغمده اللّه برحمته اني صلح لمن صالحتم ايّاه بترك الجهاد معهم كما في زمان الغَيبة اي لااجاهد حتي تجاهدوهم اوْ انا محبّ لشيعتكم و عدوّ لاعداۤئكم انتهي .
اقول السِّلم الصلح و الطّاعة و بمعني الاستسلام و المحبّة و الولاية و الاسلام و المُسَالِم فعلي معني الصلح يكون بمعني المصالح ليستقيم المعني اي مصالح لمن صالحتم لاقتضاۤء المفاعلة المشاركة سواۤء كانت المصالحة بترك الجهاد كما ذكره الشارح ام بمعني ترك المحاۤجّة ام باستعمال التقيّة في مواضِعها ام بالرضي عمّن رضيتم عنه و رضيَ عنكم كما في بعض شيعتهم علي تأويلٍ يطول بيانه و علي معني الطاعة انّي مطيع لمن اطاعكم و اِنْ عَصاني لانّ طاعتكم موجبة لاتضرُّ مَعَها معصيةٌ لاتُنَافيها لان المعصية التي تنافي طاعتهم و طاعة اللّٰهِ هي عداوتهم و بغضهم و كلّ ما سوي هذه لاتضرّ مع طاعتهم نعم لو عصاه لأنه مطيع لهم لميكن مطيعاً لهم و المراد بطاعة مَن اطاعهم طاعته فيما لهم اوْ منهم لأنّ المعني انه مطيع لمن اطاعهم فيما هو طاعة لهم و علي الاستِسْلام انّي منقادٌ لمن انقادَ لكم فيما لاينافي مرادكم الذي هو مراد الله و علي المحبّة انّي محبّ لمن احبّكم بهوي القلب و ثناۤء اللسان و عمل الاركان و علي الولاية اني وليّ لمن والاكم بالمعاني المذكور في الولي كما تقدّم و الاسلام كالطاعة و الاستسلام و المحبّة و الولاية و انّ مَنْ سلمتم منه فيما تريدون منه كما سَلِم منكم فيما يريد الله سبحانه منكم فانا اُوَاليه و اُصافيه و لااُجَانبه و لااُعٰادِيه فهو اي الاسلام كالمُسَالِم و هذه السبعة المعاني في سلم تجري في سالمكم فينضمّ كل واحدٍ منها في سلمٍ مع كل [ص 21] واحدٍ منها في سالمكم فتكون تسعةً و اربعين معني و كلّ واحدٍ منها يكون بالجنان و باللسان و بالاركان فتكون مائة و سبعةً و اربعين و ينضمّ الي ذلك الاحتمالات المتعدّدة فيما تعدّدت فيه كما ذكرنا بعضها في معني الصّلح و يلاحظ في كلّ شقٍّ منها الحقيقة في حق بعض المُسَالِمٖين و المجاز في بعض و الاغلبيّة في بعضٍ و امثال ذلك فيشتمل علي جميع مراتب الايمان من كون السلم نفس المسالم في ولايتهم عليهم السلم اوْ اخاهُ اوْ انّه تَعارف معه عليها و علي جميع آحاد فروعها و لايشترط في كونه سلماً للمُسَالم الموافقة في كلّ شيء ممّا اشير اليه و الّا لَماوُجد ذلك الّا في الاربعةعشر المعصوم عليهم السلم كما لاتكفي الموافقة في شيء واحدٍ من ذلك حيثما اتّفق و الّا لَماوقع اختلاف بين احدٍ من الخلق و الشرط الموافقة في الاصل الاعظم و في معظم الاشياۤء بحيث لايكون جهة المخالفة ارجح اَوْ مُسَاويةً فافهم و حيث كان المراد من السلم حقيقةً الولاية و انّما ذكر له وجوهاً لأنّ هذه الوجوه من المعاني اللغويّة للسلم و كلّها عند اهل البيت عليهم السلم من الولاية فلذلك ذكرنا كثيرا منها هُنَا كان قوله عليه السلم و حرب لمن حاربَكم يراد به البراۤءة من اعداۤئهم علي نحو ما تقدّم في موافقةِ الرّكنيّة لقوله سلم لمن سالمكم و مخالفة الضّدّيّة له و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي يا ايّها الّذين آمنوا ادخلوا في السلم كاۤفّة و لاتتّبِعُوا خطُوات الشيطان انّه لكم عدوّ مبين فان زللتم يعني عن الدخول في السّلم الآية ففي اصول الكافي قال في ولايتِنا و في تفسير علي بن ابراهيم قوله ادخلوا في السلم كاۤفّةً قال في ولاية اميرالمؤمنين عليه السلم و في امالي الشيخ قال الصادق (ع) في ولاية علي بن ابيطالبٍ عليه السلم و لاتتّبِعُوا خطوات الشيطان قال لاتتّبعوا غيره و في تفسير العيّاشي عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلم الي ان [ص 22] قال اتدري ما السلم قال قلتُ لااعلم قال ولاية علي و الائمة الاوصياۤء من بعده قال و خطوات الشيطان واللهِ ولاية فلان و فلان و عن ابيجعفر و ابيعبدالله عليه السلم في هذه الاية قالا اُمِرُوا بمعرفتِنا و عن ابيجعفر عليه السلم قال السلم هم آلمحمد صلي الله عليه و اله امر اللّٰهُ بالدخول فيه و عن ابيجعفر عن ابيه عليهما السلم هو ولايتنا و قال اميرالمؤمنين عليه السلم و قد ذكر عترة خاتم النبيّين و المرسلين و هم باب السلم فادخلوا في السلم و لاتتّبِعُوا خطوات الشيطان ، اقول و الاحاديث متظافرة في هذه المعني بان السّلم الولاية و خطوات الشيطان ولاية اعداۤئهم و اذا وافقتَ في الضّدّيّة كان المؤمن حرباً لاعداۤئهم بالمجاهدة بالسّيف حيث يسوغ و بالمحاۤجّة بالبراهين و بالمداهنةِ و التّقيّة في مواضعهما و بالاعراض مطلقاً الي فتحِ سدِّ يأجوج و مأجوج او حتّي يخوضوا في حديث غيره او بالمغفرة لهم اي عدم الانتقام ليكون اللّه عز و جل هو الذي ينتقم منهم لأنه شديد الانتقام و هو قوله تعالي قل للّذين امنوا يغفروا للّذين لايرجون ايّامَ اللّهِ ليجزي قوما بما كانوا يكسبون و ايّام اللّه الائمة عليهم السلم اي لايوالونهم و لايقتدون بهم و اوّل وقت الانتقام قيام القاۤئم عليه السلم اللهم عجّل فرجَه و سهّل مخرجه و قولي حتّي يخوضوا في حديث غيره اُشٖيرُ بهٖ الي انّ خوضهم في ايات اللّه عليهم السلم اتّخاذ اوْلياۤء من دونهم فحينئذٍ جهادُهم قبل قيام ولي اللّه عليه السلم الاعراض عنهم الَي ان يدخلوا في ولايةٍ اخري كامر معاشهم من بيعهم و شراۤئهم و زراعتهم و ما اشبه ذلك و ذلك لأنّ الحديث و القول و الكلمة و ما اشبه ذلك في التأويل رجالٌ طاهرون و عباد مكرمون كما نطقت به احاديث اهل العصمة عليهم السلم في تأويل كلام الله سبحانه قال تعالي و لقد وصَّلْنا لهم القول لعلّهم يتذكّرون اي امام الي امامٍ عن الكاظم عليه السلم اوْ امام بعدَ امامٍ [ص 23] عن الصّادق عليه السلم و قال تعالي بكلمةٍ منه اسمه المسيح و قال تعالي مانفِدت كلمات اللّه و قال تعالي لنفد البحر قبل ان تنفد كلماتُ ربّي و هم الائمة عليهم السلم و قال تعالي اللّه نزّل احْسَنَ الحديثِ كتاباً متَشابهاً مثاني الاية ، و قال تعالي فبشّر عبادي الَّذٖين يستمعون القول فيتّبِعون احْسنه و احسن القول هو احسن الحديث في الٰاية الثانية و هو الكتاب الناطق بالحقّ في قوله تعالي هذا كتابُنا ينطق عليكم بالحقِّ و الحاصل انّ من عرف التّأويل من كلامهم صلي اللّه عليهم ظهر له انّ القرءان يرجع تأويله و باطن تأويلهٖ باجمعه فيهم و في شيعتهم و في اعداۤئهم "٢-" و في شيعتهم "-٢" و ان كلّ الخلق امّا معهم او مع اعداۤئهم و انّ ما اشرنا لك هنا من البيان و التلويح هو من وصف سلم لمن سالمهم حربٌ لمن حاربهم و اللّه الموفّق .
قال عليه السلم : محقّق لما حقّقتم مبطل لما ابْطلتم .
قال الشارح المجلسي (ره) محقِّق اي اعتقد انه حقّ اوْ اسعي في بيان انه حق بالادلَّةِ كما في الاِبطال .
اقول انّي محقق لما حققتم اي اعتقد ان ما اثبتموه ثابت و ما ابطلتموه باطل او اعلم ذلك بالادلّة القاطعة فالاول متفرّع علي ما ثبت بالادلّة القطعية عقلا و نقلاً من انّهم عليهم السلم عالمون لايجهلون و معصومون لايكذبون و مسدَّدون لايُخْطِئونَ و مؤيّدون لاينزفون و ناصحون لايغشّون و حكماۤء لايتجاهلون و لايزهون و ذاكرون لاينسون و متيقِّظون لايغفلون و متوسِّمون لايُهْمِلُون خلقهم اللّه له و خلق الخلق لهم و اشهدهم خلق انفسهم و خلْقَ كلِ شيءٍ من خلقه و اتّخذهم اَعْضاداً لخلقِهٖ و اشهاداً عليهم و مُنَاةً لهم و اذواداً لهم و حفظةً عليهم و رُوَّاداً لهم و جعلهم محاۤلَّ مشيّته و اَلْسِنةَ ارادَتِهٖ فلاينطقون الّا عن الله عز و جل و للّه [ص 24] و بامره لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فاذا ثبت لهم ما سمعتَ في حقّهم بالادلّة القاطعة ثبت انّ الحقّ ما حقّقوه و الباطل ما ابطلوه لايشكّ في شيء من اقوالهم و احوالهم و افعالهم و اعمالهم مَن لميشكّ فيهم و لا فيما لهم و الثاني انّ من عرف لهم ما ذكرنا في حقهم اتَاهُ اللّه علما و نوراً و شرح صدره حتي يشاهد الغيب و يعرف الحقّ حقّا كما عرّفوه و الباطل باطلا بما ابطلوه فان هذا هو الاحسان الذي وعد سبحانه من اتّصف به ان يؤتيه العلم قال تعالي و لمّا بلغ اشده و استوي آتيناه حكما و علما و كذلك نجزي المحسنين ، و قال صلي الله عليه و اله ليس العلم بكثرة التعلّم و انّما هو نور يقذفه اللّه في قلبِ من يشاۤء فينشرح فيشاهد الغيب و ينفسح فيحتمل البلاۤء قيل و هل لذلك من علامةٍ قال (ص) التّجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله و قال الباقر عليه السلم ما من عبدٍ حَبّنا و زاد في حُبِّنا و اخلص في معرفتِنا و سُئِل مسئلةً الا و نفَثْنا في رُوعِهٖ جواباً لتلك المسئلة ه ، و قد ذكرنا فيما سبق معني ما اُشٖيرَ اليه فٖي هذا الحديث و غيره من الاخبار المتكثّرة من انّهم عليهم السلم ابوابُ اللّٰهِ وَ مَصْدَر الفيض من خزانته فلايصل الي احدٍ من الخلق شيء الّا بواسطتهم و قد مرّ مكرّراً فمن حقّق متحقّقاً فبما حقَّقُوه له لأنّهم الادلّاۤء الي كُلّ خير و الهداةُ الي كلّ صوابٍ و كذلك مَنْ اَبْطَلَ باطلاً فانّما ابطله بما ابطلوه له و الي ما ذكرنا الاشارة بقوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنُه و ماننزّلهُ الّا بقدَرٍ معلومٍ و نا الذي هو ضمير المتكلم و معه غيره اي هم عليهم السلم معه كما في كلام الصادق عليه السلم في قوله تعالي و من عنده لايستكبرون عن عبادته الٰاية قال نحن الذين عنده و معني معه في الكلام انّهم محلّ كلامه و تراجمته و الحاكون عنه اَوْ انّ نا ضمير المعظّم نفسه و هم تلك النفس [ص 25] المُتَكلِّمَةُ المحدَثَةُ و هم تلك العَظَمةُ و هم الصفة و هو الموصوف بهم وصفاً فِعْليّاً و هم الاسماۤء و هو المسمّي بهم تسمية التعريف و المحبّة فتكون المعني انّي باتّباعكم و الاخذ عنكم و الردّ اليكم و التسليم لكم و الاقتفاۤء لٰاثارِكم و الاهتداۤء بهُدَاكم و التفويض اليكم في كلّ شيء محقّق لما حقّقتم مُبْطِل لما اَبْطَلْتم اذ ليس لي معرفة و لا علم الّا منكم و لا بَصٖيرة الّا بكم و لا نورٌ اَسْتضيء به في طرق حقاۤئق الاشياۤءِ الّا مَا افدْتمونيه من فاضل اَنْواركم كما امركم الله سبحانه و الَّذٖي حقّقوه عليهم السلم معرفة اللّهِ بما وصَف به نفسه و توحيده بما دَلَّهُمْ عليه و معرفة ما وصَف به نفسه و عرّفَ به من اَفْعَالِهٖ و علّم من عبادته و اتِّباع اَوٰامره و اجتناب نواهيه و الاقرار بنبوّة الانبياۤءِ و وصيّة الاوصياۤء عليهم السلم خصوصا نبوّة نبيّنا محمد صلي اللّه عليه و اله و وصيّة اوصياۤئه و امامتهم عليهم السلم و الايمان بهم و الاقرار بفضاۤئلهم و التّسليم لهم و الردّ اليهم و التّفويض اليهم في كلّ شيءٍ من التكاليف و الاحوال و الاعتقادات وَ جميع ما يريد اللّه من جميع خلقه في الدّنيا و الاخرة وَ اَنّ اللّٰهَ سبحانه اعطاهم عليهم السلم كلّ شيء و جعل لهم الدنيا و الاخرة و قرن طاعتهم بطاعته و معصيتهم بمعصيته و رضاهم برضاه و سخطهم بسَخَطِهٖ فلايقبل طاعته من احدٍ من خلقه الّا اذا كانت مع طاعتهم و انّ التكليف تشييد لمجدهم و تأسيسٌ لطاعتهم و اظهار لفضاۤئلهم و نشر لممادحهم و دعاۤء الي سُلْطَانِهم و انّ الحَقّ لهم و معهم و فيهم و بهم و انّهم حججُ اللّهِ و ابوابه و بُيُوت الله و عَيْنهُ و وجهه و حكمه و امره و علمه و خزاۤئنه و مفاتح غيبه و جميع معانيه و ظاهرهُ في خلقه وَ سُفَراۤؤهُ الَيْهم فيما يجري عليهم من احكام قضاۤئِهٖ من خير او شرٍ محبوبٍ اوْ مكروهٍ و انّ ما انزل سبحانه من كتبه و اوامره و نواهيه الي انبياۤئه و رسله و المستحفَظٖين لدينه و احكامه و ما [ص 26] اخبروا به عنه سبحانه ممّا يريد من عباده مما يتعلّق باعمالهم و اعتقاداتهم كاحكام تكليفاتهم و حياتهم و مماتهم في الايّام الخمسة الذرّ و الدّنيا و الرجعة و البرزخ و الاخرة لميكن شيء مما ذكر و نحوه و لا شَيْءٍ من افراده و ما يتفرّع عليه الّا ذكروهُ و حقّقوه و اشاروا الي دليله عرف ذلك مَن عرفه و جهل من جهل و انكر مَن انكر فالمؤمنُ الثّابتُ الايمان محقق لما حقّقوه علي ثلاثة انحاۤءٍ مؤمن اعتقَد ذلك بالتسليم لهم و هو دليل اجمالي و مؤمن اعتقد ذلك مع التسليم لهم بسماعه ذلك من اقوالهم و ارشاداتهم عليهم السلم بحسب مفهومه و قد يسمّي دليلاً تفصيلِيّاً و الحقّ انّ هذا التفصيل في صورة الدليل لا في حقيقته و لا في المدلول و مؤمن اعتقد ذلك بعلمه كما اشار اليه سبحانه بقوله و لايملِكُ الَّذٖينَ يدعون من دونه الشّفاعة الّا من شهد بالحقّ و هم يعلمون و المراد بهذا العلم الخاۤص انّه قرأ الكتاب الكبير الذي كتب فيه القلم بيد اللّهِ عليه السلم كما امره عز و جلّ آياته و امثال ما شاۤء لما يشاۤء و الكتاب الكبير هو آفاقُ العَالَم و كذا الكتاب الصغير و هو الانسان كتب ما كتب في الكبير فلمّا قرأ فيهما بتِبيانهم عليهم السلم و شاهَدَ ما اَوْقفُوه عليه شاهَدَ المدلول في الدليل و في نفس المدلول و المدلول دَلٖيلاً و هذا هو التفصيلي حقيقة و صاحب هذه المعرفة هو الذي عنيناه اوّلا بقولنا الثاني انّ من عرف لهم ما ذكرنا في حقهم آتاه الله علما و نوراً و شرح صدره حتّي يشاهدَ الغيب و يعرف الحقّ حقّا كما عرّفوه الخ ، هذا في الحق و في الباطل علي هذا حرفاً بحرفٍ فقابل هذا بهذا في جميع التفاصيل .