صفاتُكَ اسماۤء و ذاتُكَ جوهرٌ بريۤء المعاني عن صفات الجواهرِ
يجلّ عن الاَعْراض و الاين و المتي و يكبرُ عن تشبيههٖ بالعناصِر
يعني انّ صفاتك اسماۤء للّه تعالي و ذاتك جوهر منزّهٌ عن صفات الجواهر من الاعراض و الوقت و المكان و المواۤدّ و لهذا قال بعض اعداۤء الدين منهم ان الشيخ عبدالحميد غَلَا في عَلِيٍّ عليه السلام في هذين البيتين و انا اقول انّه قصّر في هذين البيتين و في غيرهما و معني استواۤئه علي هذا العرش ايضاً ظهوره بعزّته فيهم حتي تكرّموا و تقدسوا عن كل ما ليس له سبحانه قال تعالي و للّه العزّة و لرسوله و للمؤمنين و لكنّ المنافقين لايعلمون ، و معني [ص 317] استواۤئه علي هذا العرش ايضاً ظهوره بهم لمن سواهم بما شاۤء كيف شاۤء لانهم ابوابه الي خلقه و اعضادُهُ لهم و وساۤئله اليه و قد تقدّم انّ المثل الاعلي بمعني الٰاية و الدليل و بمعني التقدس كما ذكرنا هنا و في كلّ واحدٍ اطلاق العرش يصدق عليه باعتبارٍ و ما ذكرنا مما اشير اليه في الحديث صريحاً و تلويحاً و من غيره ممّا يطلق عليه العرش باعتبارٍ كل واحد قد كتبت عليه اسماۤؤهم عليهم السلام و روي عن ابيسلمن راعي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال سمعت رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يقول ليلة اسري بي الي السماۤء قال لي الجليل جل جلاله آمن الرسول بما انزل اليه من ربه قلتُ و المؤمنون قال صدقتَ يا محمد من خلّفتَ في امتك قلتُ خيرها قال علي بن ابيطالب قلتُ نعم يا ربّ قال يا محمد اني اطّلعتُ الي الارض اِطّلاعةً فاخترتك منها فشققتُ لك اسماً من اسمي فلااذكر في موضع الّا ذُكِرْتَ معي فانا المحمود و انت محمد ثم اطّلعتُ الثانيةَ فاخترتُ منها عليّاً و شققتُ له اسماً من اسمٰاۤئي ( اسمي ظ ) فلااذكر في موضعٍ الّا ذكر معي فانا الاعلي و هو علي يا محمد اني خلقتُك و خلقتُ علياً و فاطمة و الحسن و الحسين و الائمة من ولده من سنخ نوري من نوري ( من نور ظ ) و فرضتُ ولايتكم علي اهل السموات و اهل الارض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين و من جحدها كان عندي من الكافرين يا محمد لو ان عبداً من عبيدي عبدني حتي ينقطع او يصير كالشن البالي ثم اتاني جاحداً ولايتكم ماغفرتُ له حتي يقرّ بولايتكم يا محمد تحب ان تراهم قلت نعم يا ربّ فقال لي التفت عن يمين العرش فالتفتُّ و اذا انا بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسي بن جعفر و علي بن موسي و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي و المهدي في ضحضاحٍ من نور قيام يصلّون [ص 318] و هو في وسطهم يعني المهدي كأنه كوكب درّي فقال يا محمد هؤلاۤء الحجج و انه يعني المهدي عليه السلام الحجة الواجبة لاولياۤئي و المنتقم به من اعداۤئي ه ، اقول قد بيّن في هذا الحديث معني كتابتهم علي العرش و علي الاشياۤء و معني كونهم محدقين هو كونهم في ضحضاحٍ من نورٍ قياماً يصلّون لانّ المراد بكتابتهم اثبات صورهم و اشباحِهم اَوْ في اَشْباحِهم لا اثبات حقيقتهم لانّها فوق مراتب الصور و الاشباح و معني الضحضاح هو سناۤءُ النور و المراد به نور شفّافيّة العرش و صقالته التي تنطبع فيه الصور و الاشباح كما تري في المرءاة لانّ الصور انّما تظهر في صقالتها و هو ضحْضاح من نورها و شفّافيّتها و انّما ظهرت صورهم في ضحضاحٍ من نور العرش لانّ العرش حقيقتهم هنا و له اطلاق آخر و هو عبارة عن معانيهم و رقاۤئقهم و صورهم و طباۤئعهم و هذه الاربعة الاشياء هي اركانُهُ فالعرش كالشجرة و الاركان كاصلها و اغصانها و هذه الصور ضحضاح بالنسبة الي تلك الحقيقة و قد اشار علي بن الحسين عليه السلام الي هذه الاركان كما رواه في التوحيد عنه عليه السلام قال ان اللّه عز و جل خلق العرش ارباعاً لميخلق قبله الّا ثلاثة اشياء الهواۤء و القلم و النور ثم خلقه من انوار مختلفة فمن ذلك النور نور اخضر اخضرت منه الخضرة و نور اصفر اصفرّت منه الصفرة و نور احمر احمرّت منه الحمرة و نور ابيض و هو نور الانوار و منه ضوء النّهار ثم جعله سبعينالف طبقٍ غلظ كل طبق كاوّل العرش الي اسفل السافلين ليس من ذلك طبق الّا يسبح بحمد ربّه و يقدّسه باصواتٍ مختلفة و اَلْسِنَةٍ غير مشتبهةٍ و لو اذن للسانٍ منها فاسمع شيئاً مما تحته لهدم الجبال و المداۤئن و الحصون و لخسف البحار و لأهلك ما دونه له ثمانية اركان علي كل ركن منها من الملاۤئكة ما لايحصي عددهم الّا اللّه عز و جل يسبّحون الليل و النهار لايفترون [ص 319] و لو حسَّ شيء مما فوقه ما قام لذلك طرفة عين بينه و بين الاحساس الجبروت و الكبرياۤء و العظمة و القدس و الرحمة و العلم و ليس وراۤء هذا مقال ه ، اقول بناۤء علي ما قرّرنا مراراً انّ العرش في هذا الحديث ثالث رتبة للحقيقة المحمدية و الهواۤء الذي هو العمق الاكبر و القلم الذي هو الوجود المسمي بالماۤء الاول الحامل للعرش و كان عرشه علي الماۤء و هذا باعتبارٍ انه الاسم المربّي و هو اسمه البديع و النور هو الدواة الاولي و ارض الجرز او هو الماۤء الحامل للعرش ثاني مرتبة للحقيقة المحمّدية و الاولي نفس المشيّة و صورتها و عالم فاحببت اَنْ اُعْرَف و الانوار الاربعة اعني الابيض معانيهم و الاحمر طباۤئعهم و الاصفر رقاۤئقهم و الاخضر اشباحهم و صورهم هي الخامسة من مراتب العرش ان جعلنا قوله ثم خلقه بمعني جعله و ان جعلناه تفسيراً للاول كان مرتبة رابعة للعرش و ضمير ثم جعله ضمير العرش و هذه الاطباق و هذه الالسن مظاهر تلك الاشباح و شؤنها تسبح اللّه و تقدّسه و تعبده بالثناۤء عليهم و نشر فضاۤئلهم و هو تأويل قوله تعالي و ان من شيء الّا يسبّح بحمده اي بحمد اللّه يعني يسبّح اللّه بنشر مداۤئحهم علي الواح الموجودات و قوله و بينه اي بين الشيء من كل ما دون العرش الي الثري من جميع الافراد و بين احساسه بشيء من تلك الانوار الذي هو علة فناۤئه و اضمحلاله الجبروت اي العقول الحاۤئلة بتعقّلها لمعانيها عن الاحساس بتلك الانوار و الكبرياۤء من عجاۤئب الملك الدالة علي القدرة و هي اعظم حاۤئل بينه و بين الاحساس بتلك الانوار و العظمة من اشعّة الملكوت المانعة من الاحساس بتلك الانوار و القدس الظاهر من نطق السنة الحوادث بشهادة نقاۤئِصها و فقرها كذلك و الرحمة الظاهرة بالحيوة التي هي الحجاب الاعظم كذلك و العلم الذي تحصل منه هذه المراتب الخمس [ص 320] في كل شيء بنسبته و هو اشدّها و اغلظها و لهذا قال عليه السلام و ليس وراۤء هذا مقال و ممّا يدل علي ان اسماۤءهم مكتوبة علي كل شيء احاديث لاتكاد تنضبط من الفريقين و لميوجد حديث يشتمل علي جميع الاشياۤء اجمالاً فضلاً عن التفصيل لكنها متفرقة في الاحاديث و لنورد منها واحداً و به يعرف مَنْ عرَف و هو ما رواه في الاحتجاج عن القاسم بن معوية بن عمّارٍ قال قلتُ لابيعبداللّه عليه السلام هؤلاۤء يروون حديثاً في معراجهم انه لمّا اسري برسول اللّه صلي اللّه عليه و آله رأي علي العرش لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ابوبكر الصديق فقال سبحٰن اللّه غيّروا كلّ شيء حتّي هذا قلتُ نعم قال ان اللّه عز و جل لمّا خلق العرش كتب علي قواۤئمه لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لمّا خلق اللّه عز و جل الماۤء كتب علي مجراه لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لمّا خلق اللّه عز و جل الكرسي كتب علي قواۤئمه لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لمّا خلق اللّه عز و جل اللوح كتب فيه لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لمّا خلق اللّه عز و جل اسرافيل كتب علي جبهته لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لما خلق اللّه عز و جل جبرئل كتب علي جناحيه لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لمّا خلق اللّه عز و جل السموات خلق علي اكنافها لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لما خلق اللّه عز و جل الارضين كتب في اطباقها لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لمّا خلق اللّه عز و جل الجبال كتب في رؤسها لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لما خلق اللّه عز و جل الشمس كتب عليها لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و لمّا خلق اللّه عز و جل القمر كتب عليه لا اله الّا اللّه [ص 321] محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و هو السواد الذي ترونه في القمر فاذا قال احدكم لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه فليقل علي اميرالمؤمنين ولي اللّه (ص) ، اقول قد دلّ هذا الحديث و امثاله علي ان اسماۤءهم مكتوبة علي كل شيء و العنوان في ذكر الكتابة انما هو للعرش و قد اشرنا الي ان كلّ شيء يطلق عليه اسم العرش باعتبار و ذكر هذا الحديث و غيره لخصوص علي اميرالمؤمنين عليه السلام لايدل علي التخصيص بل احاديثهم الصحيحة علي ان كلما يجري لواحد منهم يجري للٰاخر هذا في الظاهر و اما في الباطن فالمراد باميرالمؤمنين هو علي عليه السلام و الائمة الّا في امرة المؤمنين فانها لاتصح لغيره صلوات اللّه عليه و لعن اللّه من تسمّي بها غيره من جميع الخلق فقوله عليه السلام خلقكم اللّه انواراً فجعلكم بعرشه محدقين يريد به ما اشرنا لكم من الكتابة ككتابة الصورة في المرءاة و النور في السراج و الحركة في المتحرك و القوة في ذي القوة و الادراك في ذي الادراك و الطعم في ذي الطعم و الحيوة في الحي و الصوت في الصاۤئت و منه و ما اشبه ذلك و في الاختصاص عن سماعة قال كنت عند ابيعبداللّه عليه السلام فارعدت السماۤء و ابرقت فقال ابوعبداللّه عليه السلام اما انه ما كان من امر هذا الرعد و من هذا البرق فانه من امر صاحبكم فقلنا من صاحبنا قال اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه ه ، اقول و قد اشرنا فيما تقدم و دلّت عليه احاديثهم انهم يظهرون في الصور كيف ما شاۤؤا و هذا الظهور في كلّ شيء لكلِّ شيء ففي العرش كونهم محدقين به ظهورهم فيه باشباحِهِم و بايجاداتهم و تأثيراتهم باللّهِ و بايجادِ اللّه و صنعه لما صنع بهم من خلقٍ و رزقٍ و حيوة و ممات فافهم .
و اما كونهم انواراً فهو معلوم و قد تقدم بعض الاشارة الي ذلك و ملخّص [ص 322] البيان انّ المراد بالانوار الانوار الوجوديّة يعني ان اللّه سبحانه خلقهم من النور لميكن فيهم شيء من الماهيّة و الانيّة الا ما يقوّم به الوجود تقوّم الظهور في اصل وجودهم و كذا في وجوداتهم الشرعية فهم انوار لا ظلمة فيهم لا في اكوانهم الوُجودية و لا في اكوانهم الشرعيّة لانّ الاكوان مطلقاً لاتتقوّم الّا بمقوّمٍ من الاعيان لانّ ظهورها يتوقّف علي شيء من الانيّة تتخصَّصُ به و هذا الشيء المقوِّم بكسر الواو و ان كان ظلمة في حقيقته الّا انه بالنسبة الي نورية ذلك الكون و قوته و سعته يكاد ذلك المقوِّم بكسر الواو يضمحلّ و يفني في نفسه و امّا في حكمه فليس له ذكرٌ و لا اعتبار له لفناۤئه و استيلاۤء الانوار العظيمة عليه فلايكون نور في الامكان اخلص في النوريّة من جميع الشّواۤئب و النقاۤئص منهم بعد المشيّة فلذا قال عليه السلام خلقهم اللّه انواراً فافهم ما اشرنا اليه و محدقين اي مطيفين يعني محيطين بالعرش اما بمعني انهم مكتوبون علي كل جهةٍ من جهات العرش بحيث يصدق عليهم انهم محيطون به حقيقةً بالاجتماع او التفريق و امّا بمعني انّ كل واحد علي الانفراد حامل للعرش و امّا بمعني استنارته بانوارهم او بمعني انّهم المظهرون لما اودع اللّه فيه لانّه خزانة الفيض و هم الخزنة و الحفظة و هم المفاتيح او انّهم الخازنون باذن اللّه تعالي فيه او عندهم لما ظهر به من صفة رحمانيته فيه و من اثرها الذي به قام كل شيء او بمعني انّهم مستفيضون من علمه مما ظهر به فيه قال الشارح (ره) او طاۤئفين بالعرش الصوري في الاجساد المثالية كالطواف بالبيت انتهي ، اقول يجوز ان يكون بمعني طوافهم بالعرش المعنوي العقلي علي المعاني التي ذكرناها كلها و بالعرش الروحي و النفسي و الطبيعي و الهيولاني و المثالي و الجسمي و الجسماني و في كلها علي المعاني المذكورة كلها الّا ان الطواف في المعنوي معنوي و في الصوري صوري [ص 323] و هكذا كل شيء بحسبه لان التحصيل من شيء و الحفظ له و الفتح لخزاۤئنه و خزن نفاۤئسه فيه و الحمل له و الانفاق علي الغير مما خزن فيه و ما اشبه ذلك طواف به و كذا اذا كان المراد بالعرش قلبهم او ذاتهم او ذاتياتهم اوْ ظاهرهم او افعالهم و تخصيص طوافهم بالعرش الصوري و في الاجساد المثالية غفلة او قصورٌ في معرفتهم .
قال عليه السلام : حتي مَنّ علينا بكم .
قال الشارح (ره) بان جعلكم ائِمتَنٰا .
اقول قد ثبت انهم النعمة الكبري و آلاۤء اللّه العظمي علي كلّ من سواهم في كل مقام و لمّا خلقهم اللّه سبحانه في التعين الاوّل حيث احبّ ان يعرف بان يعرفوه بما عرّفهم من نفسه و ان يعرفه من سواهم بهم و بسبيل معرفتهم جرت حكمته علي ان خلق ما شاۤء من خلقه علي ما هم عليه فخلقهم ليس معهم شيء من الخلق فبقوا يوحّدونه الف دهر قبل ان يخلق شيئاً غيرهم و في رواية الفالفِ دهرٍ و هم اذ ذاك يوحّدونه و يعبدونه بتوحيده صاعدين و يعبدونه و يوحدونه بعبادته نازلين الي ان خلق لهم اهل محبّته و طاعته من الانبياۤء و المرسلين و اتباعهم من المؤمنين و من الصاۤفّين المسبحين بصناۤئِعه و افعاله من الملاۤئكة الحاۤفين حول عرشه و مَنْ منهم علي ارجاۤء سمواته و ارضيه و ساۤئر خلقه فاشهدهم امر مَنْ خلقَهُمْ لِاَجْلهم و اَنهَي اليهم العلم بهم و جعلهم الهداة لهم الي ما فيه نجاتهم و اَعْضَادُهُمْ الي كلّ خَيْرٍ مِنْ سَعٰادَةِ الدّنيا و الٰاخرة بحيث لايسعد من سعِد الّا بهِمْ و لايشقي من شقي الّا بمخالفتهم و ترك متابعتهم فبفضل وجودهم اوجد اللّه من سواهم و بفاضل عقلهم عقلوا و بهداهم اهتدوا و بمتابعتهم نجوا من الهلكات و بهم يرزقون و بهم تقبل اعمالهم و يدفع عنهم ما يكرهون من البلايا الّتي استحقّوها باعمالهم فهم اصل كل خير و بهم يدفع كل شرّ [ص 324] فلا منّةَ اعظم من منّةِ اللّه تعالي بهم علي عباده المؤمنين فقول الشارح (ره) بان جعلكم ائمّتنا يمكن ان يراد منه كلّما اشرنا اليه فان اراد ذلك فبها و الّا فقد ذكرنا لك فيما اشرنا اليه اصول المنن الّذين تنزّلوا بها لاصلاحِ انعامهم في دار التكليف و ليستعدّوا فيها بالزاد المبلّغ الي دار الجزاۤء و المعاد الي ان يستقرّ كلّ شيء في دارِ قراره التي لايظعن عنها و هو تأويل قوله تعالي و اللّه جعل لكم من بيوتكم سكناً و جعل لكم من جلود الانعام بيوتاً تستخفّونها يوم ظعنكم و يوم اقامتكم و من اصوافها و اوبارها و اشعارها اثاثاً و متاعاً الي حين و كذلك اذا استقر الفريقان المؤمنون في الجنّة و الكافرون في النارِ قدّروا لاهل الدارين مقتضي اعمالهم من ثمار امثالهم ممّا لايتناهي من فيض الفضل و قدر العَدْلِ فقد منّ اللّه علينا بهم من اوّل ذكرِنا الذي لا نهاية له الي آخر ذكرنا التي لا غاية له فافهم .
قال عليه السلام : فجعلكم في بيوتٍ اذن اللّهُ ان ترفع و يذكر فيها اسمه .
قال الشارح (ره) اشارة الي ان هذه الٰايات التي بعد آية النور وردت فيهم كما ان الٰايات التي بعدها وردت في اعداۤئهم كما ورد في الاخبار المتكثرة و المراد بالبيوت البيوت المعنويّة التي هي بيوت العلم و الحكمة و غيرهما من الكمالات و الذكر فيها كناية عن الاستفاضة منهم او الصوريّة التي هي بيوت النبي صلي اللّه عليه و آله و الائمة عليهم السلام في الحيوة و مشاهدهم بعد الوفاة انتهي .
اقول يجوز ان تكون المراد انّ تلك الانوار التي كانت محدقة بعرشه انزلها في هذه الاجساد الشريفة و هي بيوت تلك الانوار و مخازنها التي اذن ان يرفع شأنها و يعلّي قدرُهَا علي ما سواها بما حلّ فيها من تلك الانوار [ص 325] و انّما كانت الاجساد بيوتاً لانّها مَساكنُ تلك الانوار كلّ نور في مخزنٍ فالنور العقلي في الدماغ و هو رأس القلب و مَساكن احساسه و النور النفسي في الصّدر اي صدر القلب و وجهه الخيال و النّور الروحي بين الصدر و الدماغ في الهواۤء الذي بينهما و النور الطّبيعي تحت الصدر في الدخان الحامل للروح الحيواني و النور المادّي في الدم الاصفر في الجانب الايسر من القلب الصنوبري و تلك الانوار هي النجوم المذكورة في قوله تعالي فلااقسم بمواقع النجوم و هذه البيوت هي مواقعها يعني انّها تتعلق بتلك الاجساد و يجوز ان يكون المراد بالبيوت هي تلك الانوار و معني جعلها في بيوتٍ جعلها بيوتاً و هو كناية عن تنزّلها و جمودها و ظهورها كما تقول نزل المطر في الثلج اي جمد فكان ثلجاً و يشير الي هذا المعني ما رواه في الكافي عن الصادق عليه السلام و قد تقدّم و هو في قوله وصل اللّه طاعة ولي امره بطاعة رسوله و طاعة رسوله بطاعته فمن ترك طاعة ولاة الامر لميطع اللّه و لا رسوله و هو الاقرار بما انزل من عند اللّه خذوا زينتكم عند كل مسجد و التمسوا البيوت التي اذن اللّه ان ترفع و يذكرَ فيها اسمه فانه قد خبّركم انهم رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و اقام الصلوة و ايتاۤء الزكوة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب و الابصار الحديث ، فانه قال عليه السلام و التمسوا البيوت يعني بها البيُوت المذكورة في الٰاية و في هذه الزيارة ثم قال فانه يعني اللّه تعالي قد خبّركم انهم رجال الاۤية و هذا صريح في المدّعي لمن وَعَي و هذا علي قراۤءة من لميقف علي اسمه و قرأ يسبّح بالبناء للمفعول و وقف علي الٰاصال و يبتدئ بقوله رجال اي هم رجال فاخبر الصادق عليه السلام ان رجال خبر و ان المبتدأ الذي هو هم يعود اي البيوت لانه عليه السلام قال التمسوا البيوت التي اذن اللّه ان ترفع و يذكر فيها اسمه ثم قال عليه السلام فانه يعني اللّه تعالي [ص 326] قد خبّركم انهم يعني البيوت رجال و هذا ظاهر صريح صحيح فانه كثير الاستعمال في القرءان و في كلام سادات الزمان عليهم السلام مثل و أتوا البيوت من ابوابها و مثل قوله تعالي و تلك القري اهلكناهم لمّا ظلموا فقد سمّي الرجال قري و سماهم بيوتاً و سمّاهم ابواباً و مثل ذلك قوله تعالي ان اوّل بيت وضع للناس اي اوّل امامٍ وضع حجةً و اماماً للناس لَلامام الذي وضع اي وُلِد ببكة اي وضعته امه في وسط الكعبة و هو علي بن ابيطالب اميرالمؤمنين و سيد الوصيّين صلوات اللّه عليه لانه اوّل خليفةٍ نُصِبَ اماماً و هادياً للناس بعد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله فابانَه عمّن يلتبس به عند الجهّال بقوله تعالي للّذي ببكة اي وضع ببكة مباركاً له في ذرّيته الطيبين عليهم السلام و هديً للعالمين كما قال تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد ، فيه آيات بيّنات اي فيه الائمة الاطهار عليهم السلام آيات بيّناتٌ و هو قوله تعالي سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم قال الصادق عليه السلام و قد تقدّم مكرراً قال عليه السلام فايّ اٰية في الٰافاق غيرنا اراها اللّه اهل الٰافاق و قال عليه السلام و قال و مانريهم من آية الّا هي اكبر من اختها فاي آية اكبر منا الحديث ، فهذا من معني بيّنات و قوله مقام ابراهيم هو قول اللّه عز و جل حكاية عن دعوته و اجعل لي لسان صدقٍ في الٰاخرين و هم الائمة عليهم السلام و قوله تعالي و جعلها اي ابراهيم كلمة باقية في عقبه و هم الدعوة و الكلمة الباقية في عقبه الي يوم القيمة و في الكافي عن الباقر عليه السلام ان قتادة قال له واللّه لقد جلستُ بين يدي الفقهاۤء و قدامهم فمااضطرب قلبي قدّام واحدٍ منهم ما اضطرب قدّامك فقال له اتدري اين انت انتَ بين يدي بيوت اذن اللّه ان ترفع الخ الٰاية ، فانت ثَمّتَ و نحن اولٰۤئك فقال له قتادة صدقتَ واللّهِ جعلني اللّه فداۤءك واللّه ما هي بيوت حجارة و لا طين اقول و قد تقدم ان البُيوت تطلق عليهم و علي ولايتهم [ص 327] و يجوز ان يكون المراد بالبيوت المساكن الظاهرة و المشاهد المنوّرة كما ذكره الشارح (ره) و يدل عليه ما رواه القمي عن الباقر عليه السلام هي بيوت الانبياۤء و بيت علي (ع) منها و روي من افاضِلها و عنه عليه السلام هي بيوتات الانبياۤء و الرسل و الحكماۤء و ائمة الهدي رواه في اكمال الدين و في الكافي عن الصادق عليه السلام هي بيوت النبي صلي اللّه عليه و آله ، و قوله (ع) اذن اللّه ان ترفع يراد بالاذن المعني الظاهري و هو الامر يعني امر اللّه برفع شأنها و تعظيمها و بناۤئها و المراد بالبناۤء عمارتها لا رفع بنيانها و تعليته في الصورة اذ لا فائدة فيه الّا اذا اقتضي الحال توقّف التعظيم عليه فانه يدخل في الامر به هذا اذا اريد بها المساكن الظاهرة و المشاهد المنوّرة و لو اريد بها انوارهم و حقاۤئقهم كما تقدم او اجسامهم كذلك كان الامر بتعظيمها و رفع شأنها واجباً في الحكمة فهو اولي لانه هو المقصود بالذات و اما تعظيم المشاهد و المساكن فانّما هي بالعرض و اذا اريد بالاذن المعني الباطني فهو القدر و القضاۤء و الحكم اي ايجاد ذلك في اللوح المحفوظ و الرخصَة لذلك في ظهوره في الاكوان و الاعيان الوجودية و في الاكوان و الاعيان الشرعية سواۤء اريد بالبيوت الحقاۤئق ام الانوار ام الاجسام ام البيوت التي هي المساكن الظاهرة و المشاهد المنوّرة فانه سبحانه قد قدر و قضي و امضي ما حكم و حتم بما سمعتَ منها و رأيتَ و ما لمتسمع و لمتر حتي كان من ذلك ما نصّ تعالي علي تكوينه و كونه في محتوم حكمه مما كان و ما يكون في قوله تعالي يريدون ليطفئوا نور اللّه بافواههم و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون هو الذي ارسل رسوله بالهدي و دين الحق ليظهره علي الدين كله و لو كره المشركون و هو قوله الحق الكاۤئن الذي لا مردّ له من اللّه .
و قوله عليه السلام و يذكر فيها اسمه اقتباس من الٰاية و بيان للمراد منها [ص 328] و المراد من الذكر الفعل و التلقّي و القول و العمل بالجنان و اللسان و الاركان و المراد من الاسم صفة مستحق التسبيح و التقديس و التحميد و التهليل و التكبير و ما اشبه ذلك من الدال علي الاسم و الصفة كسبحن اللّه و سبحن رب السموات و الارض سواۤء كان باللسان في المقال ام بالطبيعة في الحال ام بالجنان في الاعتقادات و المراقبات و التلقيات ام بالاركان في الاعمال فكل واحدٍ من الذكر و الاسم منه تمكين و تمكّن و ايجادٌ و شرعٌ وجودي و وجود كوني فعلي و انفعالي و حكم في قدرٍ و قضاۤءٍ و امضاء و عمل و قول و حال و وجود شرعي فعلي و انفعالي و حكم تكليفي و حكم في قدر و قضاۤء و امضاۤء و عمل و قول و حال و كلّ واحدٍ من الشرع الوجودي و من الوجود الكوني و من الوجود الشرعي و الحكم التكليفي تجري فيه الحكمة و العناية الالهية علي جهتين احديهما انه يأمر و يريد الامر به و وقوع متعلقه و هو واقع كاۤئن و كذا نهي و يريد النهي عنه و عدم وقوع متعلّقه و هو ايضاً غير واقع و ثانيتهما انه يأمر و يريد الامر به و لايريد وقوع متعلقه و هو غير واقع و ينتهي و يريد النهي عنه و لايريد عدمَ وقوعِ متعلّقِهٖ و هو واقع و هذان الحكمان لمشيته و ارادته في امره و نَهْيِهٖ جاريَان في الكون الوجودي و شرعه و في الكون الشرعي و وجوده في المراتب السبعة باعتبار متعلقاتها المشية و الارادة و القدر و القضاۤء و الاذن و الاجل و الكتاب فالتمكين لطف الفاعل و هو عرشه الذي يظهر عليه بالعلّة الفاعلية و هو استواۤؤُه عليه و التمكن قدرة القابل و هي كرسيّه و ظاهر علمه تعالي و هو الذي وسع ذلك العرش و اليه الاشارة بما رواه في التوحيد عن زرارة قال سألت اباعبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عز و جل وسع كرسيّه السموات و الارض السموات و الارض وسعن الكرسي ام الكرسي وسع السموات و الارض فقال بل الكرسي [ص 329] وسع السموات و الارض و العرش و كل شيء في الكرسي ه ، و الايجاد هو العلّة الفاعلية و هو فعله تعالي قال علي عليه السلام في خطبته المعروفة باليتيْمة علّةُ ما صنع صُنْعهُ و هو لا علّة له و الوجود الكوني فعل و هو ماۤدة الموجود و انفعال و هو صورة الموجود فالوجود هو المادة و الماهية هي الصورة فالماۤدة من التمكين و الصورة من التمكن فالفعل هو العلة المادّية و هو المقبول و الانفعال هو العلّة الصوريّة و هو القابل و الحكم في الكاۤئن منها في خلقه الثاني سواۤء طابقت الارادة الرضا ام خالفت في قدر و قضاۤء و امضاۤء و اذن و اجل و كتاب و العمل من الفاعل تمكين و صنع و قول و من المفعول تمكن و قول و قبول و القول من الفاعل سؤال و صنع و عمل و من المفعول جواب و فعل و امتثال و الحال من الفاعل وقوع فعله و تعلّقه بمفعوله و من المفعول تعلق الاطوار باَوْطارِهَا و الوجود الشرعي فعل و هو الامر و النهي الذاتيّانِ و العرضيّان و ذلك ماۤدة الثواب و العقاب و توابعهما في التتميم و التكميل و انفعال و هو القبول و الامتثال و العمل المطابق للامر و النهي او عدم القبول و عدم الامتثال و العمل المخالف للامر و النهي و ذلك صورة الثواب و العقاب و توابعهما في التتميم و التكميل و له تمكين و تمكّن و ايجاد كما في الوجود الكوني قال تعالي فمن يرد اللّه ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنما يصّعّدُ في السماۤء كذلك يجعل اللّه الرجس علي الّذين لايؤمنون و هذا صراط ربّك مستقيماً يخلق بالعمل الموافق لامره و نهيه الثواب علي صورة ذلك العمل و يخلق بالعمل المخالف لامره و نهيه العقاب علي صورة ذلك العمل و هذا صراطه المستقيم و لايظلم ربك احداً و قالوا قلوبنا غلف بل طبع اللّه عليها بكفرهم و الحكم التكليفي الذي هو مادة الثواب مع الموافقة و العقاب مع المخالفة امر و نهي ذاتيان لوجود الغاية التي لاجلها جري [ص 330] التكليف في كل فرد من افرادهما و عرضيّان قسمان ما كان متمّماً فكالذاتيّين الّا انه تابع فهو عارض و ما كان مكمِلاً فقد توجد الغاية في بعض افراده و قد لاتوجد و هو قسمان احدهما ما شُرِعَ لوجودها في بعض افراده و هو الموظف المستدرك عند فواته الّا اِذَا كَان للوقتِ و قد خرج و ثانيهما ما شرع لمحض التكميل و ليس من حقه الاستدرَاك لانه و ان وجد في بعض افراده تلك الغاية علي جهة الاتفاق او لانه من مكمّلات القابل لها فقد يكون له مدخل في ذلك في الجملة الّا انه ليس بمراد علي جهة الطلب و اما الاباحة فما كان منها فيه الرخصة باصل الخلق للامتنان و مصالح النظام فعمل العامل به للرخصة لاحق بعمله بالامر العرضي و التارك للاحتياط كذلك و عمله و تركه للاهمال لاحق بالنهي العرضي و ذلك لان احكامها معلومة في الكتاب الحفيظ و انّما دخلت في الاباحة لان الناس في سعةٍ ما لميعلموا و ليس علي العباد ان يعلموا حتي يعلّمهم اللّه فلاتظهر احكامها الّا بعد التكليف لا انّها لا حكم لها اصلاً كما قد يتوهم من انها خلقت هكذا مهملة ثم حدّدت بالاحكام بل كانت الاحكام في الاسباب و العلل و الكليّات قبل قوابلها الجزئية و ظهرت الاحكام الخاۤصة في الوجود مع متعلّقاتها و قوابلها علي جهة التساوق و التّضايف و ما كان منها فيه الرخصة بتَسْوية الشّارع فالعملُ بهِ و الترك له مع العلم بالتسوية لاحق بالامر العرضي و ليس لهذا حكم في اللّوح الحفيظ غير هذه التسوية في هذا الوقت و يجوز تبدّله باختلاف الوقت او الموضوع و الحكم الالهي في الكاۤئن منها في خلقه الثاني سواۤء طابقت الارادةُ الرضا ام خالفت في قدرٍ و قضاۤء و امضاء و اذن و اجل و كتاب كما في الوجود الكوني لانه وجود مثل هذا الوجود ففي هذا اولي و الاولوية في الشدّة و الضعف و العمل من الفاعل تمكين و صنع و امر و نهي و من المفعول تمكّن و امتثال وَ دُعاۤء و القول من الفاعل دعوة و صنع و امر و نهي و من [ص 331] المفعول استجابة و امتثال و عمل و فعل و الحال من الفاعل وقوع تكليفه و تعلّقه بالمكلّف و من المفعول عمل معنوي و قول وصفي و هو مطابقة صفات الاطوار للاوطار و الحاصل ان الوجود الشرعي كالوجود الكوني و ان اختلفت العبارة في بعض المواضع ففي الحقيقة المراد واحد الّا ان الوجود الكوني في الحقيقة كالوجود الشرعي لان الاصل و العلّة و الباطن و اللّبّ و العلّة الماديّة و العلة الصوريّة و العلة الغاۤئيّة بل و العلّة الفاعلية باعتبار توسّط الشرعي بين الفاعل و بين الكوني هو الوجود الشرعي و اما الوجود الكوني هو الفرع و المعلول و الظاهر و القشر فكلّ هذه المراتب في الحقّ ذكر اللّه تعالي علي اختلافها فيذكرون بهذه المراتب اسم اللّه سبحانه في تلْك البيوت باسماۤئه التي هي وجوه هذه المراتب المذكورة و معني اٰخر هذه الامور المذكورة هي اسماۤؤه تعالي التي يذكرونه بها في البيوت الّتي هي مواقع هذه الامور المذكورة و التي هي مَأٰخذها و التي هي اظلّتها و التي هي حقاۤئقها و التي هي مشارقها و التي هي مغاربها و التي هي تطوّرُهَا اولميروا الي ما خلق اللّه من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين و الشماۤئل سجّداً للّهِ و هم داخرون و معني آخَرُ انّ هذه الامور المذكورة بجميع السنتِها تسبّح اللّه تعالي و تذكر اسمه الذي هو الثناۤء عليهم بنشر فضاۤئلهم و بثّ ممادحهم صلوات اللّه عليهم في بيوت هي ما اشرنا اليه و هي ولايتهم و هي آثار رحمة اللّه الّتي هي ذواتهم و هي هذه الامور ذواتها و احوالها فالتمكين اسم للّه تعالي و التمكن اسم للّه تعالي و الاثنان اسم واحد له تعالي و الايجاد اسم واحد له تعالي و الثلاثة التمكين و التمكن و الايجاد اسم واحد له تعالي و هكذا كل واحد من هذه الامور المذكورة اسم و الكل اسم و بعضها اسم و كل واحد منها ذكر و الاثنان ذِكْرٌ للّٰهِ واحد و الكل ذكر واحد و البعض ذكر [ص 332] واحد و كلها و كل واحد منها ذاكر و مذكور به و مذكور فيه .
قال عليه السلام : و جعل صلواتنا عليكم و ما خصّنا به من ولايتكم طيباً لخلقِنا و طهارةً لانفسِنا و تزكيةً لنا و كفارةً لذنوبنا .
قال الشارح (ره) و جعل عطف علي اذن بالخبرية او الانشائية الدعاۤئيّة و لا بأس به لكونه بصورتها كما في قوله تعالي حسبنا اللّه و نعم الوكيل ، صلواتنا عليكم و ما خصّنا به من ولايتكم طيباً مفعول ثانٍ لجعل لخُلقنا بالضّم اي جعلكم اللّه في بيوت تصير الصلوة فيها و اظهار الولاية سبباً لكرامة اللّه علينا بالاخلاق الحسنة او يكون عطفاً علي منَّ و هو اظهر و طهارة لانفسنا مِنَ الرذاۤئل كما حلّانا بالفضاۤئِل و تزكيةً لنا من الاعمال القبيحة او في القِيمة انتهي .
اقول يجوز اَنْ يُرَاد بالصَّلوات المجعولة عليهم قولنا اللهم صل علي محمد و آلمحمد ظاهراً بان نسئل اللّه تعالي لهم ان يرحمهم و ان يرحم بهم و ان يصلهم برحمته و ان يمدّهم بمدده الذي استوي به عَلَي عرشه لجميع خلقه بهم من جميع رحمانيّته التي غيّبتِ العرش بظهوره بها عليه و باطِناً بان يكون نريد من قولنا اللهم صل علي محمد و آلمحمد هو انا نسئلُكَ يا ربّنا الصلوة عليهم اجابة لما اخذتَ علينا من العهد المؤكد لهم بان نعبدَك بحبّهم و بالقيام بحدود فروعهم و اوامرهم و نواهيهم بالتي ندبتهم بها الينا وَ نَدبْتنا الي اجابتهم في دَعْوتهم اليك في كلّ ما دلّوا عليه كما اشار اليه موسي بن جعفر عليهما السلام قال قال الصادق عليه السلام من صلّي علي النبي و آله فمعناه اني انا علي الميثاقِ و الوفاۤء الذي قبلتُ حين قوله الستُ بربّكم ه ، رواه في مختصر بصاۤئر سعد الاشعري و ظاهر هذا الوجه هو المراد من قوله عليه السلام هنا ظاهراً و ما ذكره الشارح (ره) ليس مراداً ظاهراً لانّه لايتّجه الّا علي معني لايريده (ره) [ص 333] و سنذكره ان شاء اللّه تعالي و امّا باطن هذا الوجه كما دَلَّ عليه هذا الحديث الشريف فهو مرادٌ له عليه السلام قطعاً بل حقيقة الارادة له و اما ظاهرهُ الذي قلنا انه المراد ظاهراً فانّما كان مراداً له عليه السلام ظاهراً لانه جزئيٌّ لهذا الباطن او جزءٌ لانّ معني هذا الباطن تعاهُدٌ منّا لما اخذ علينا من الميثاق لهم بالقيام بجميع التكاليف التي هي صُوَرُ ولايتهم و هياكلها و اداۤء منّا لتلك الامانة فقولنا اللّهم صل علي محمد و آلمحمد من ذلك و الطهارة من الحدث الاصغر و الاكبر الظاهرين و الباطنين من ذلك و الطهارة الترابية ايضاً من ذلك في مواضعها المشروعية و الصلوة بجميع اصنافها ظاهرة و باطنة من ذلك و الزكوة ظاهرة و باطنة من ذلك و الصيام ظاهراً و باطناً من ذلك و الحج و الجهاد و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و احكام اللّه في جميع ابواب الشريعة من ذلك و آداب اللّه في جميع فراۤئضه و سننه و ما دَعا اليه من معرفته بصفاته التي وصف بها نفسه لعباده و معرفة انبياۤئه و رسله و حججه و كتبه و ملاۤئكته و آياته و امثاله و النظر في عجاۤئب مصنوعاته في الٰافاق و في الانفس بل جميع ما للّهِ فيه رضاً من اعتقاد و اجتهاد و عملٍ و قولٍ و حال و فعل من احوال الدنيا و الٰاخرة من ذلك و امّا انّ جعل صلواتنا عليهم بمعني ان اللّه جعلهم في بيوت تصير الصلوة فيها و اظهار الولاية سبباً للكرامة من اللّه الخ فمِمّا لا معني له الّا علي تأويلٍ بعيد و وقوع مثل هذا المعني من مثل الشارح مستغرب نعم لو ارادَ جَعلهم في مقاماتٍ لِلّهِ بان جعلهم اركاناً لمقاماته تعالي و كون الصلوة فيها عبارة عن توجّهنا الي تلك المقامات في جميع احوال عباداتنا و معارفنا و دعاۤئنا ليكون المعني انّهم ذلك الوجه الذي يتوجّه اليه الاولياۤء في كل حال من الطاعات و اظهار الولاية لهم من المحبّة لهم و الاقتداۤء بهم و الرد اليهم و التسليم لهم و البراۤءة من اعداۤئهم سبباً لكرامة اللّه [ص 334] كان معنيً صحيحاً الّا انه لايريده بوجهٍ و هنا معني آخر انّ الصّلوات يجوز ان يراد بها الصلوات اليومية و كونها عليهم بمعني انّها لَهُمْ فانّ الصلوة و ان رجّحنا ثبوت الحقيقة الشرعية علي مصطلح اهل الاصول كما هو الحق في المسئلة لكنا قد قرّرنا هناك انّها قد نقلها الشارع من اللغة عن معناها اللغوي المعروف و استعملها بوضع جديدٍ و انما اخذ هذا اللفظ نقلاً من اللغة و استعمله في مراده بعد ان هجر المعني الاوّل ليكون ادلّ علي فهم مراده مما لو وضع لفظاً لميعرفوه في لغتهم و اقرب تناولاً لهم و آنَسَ لهم باستعمال لغتهم في لغته و ابلغَ استمالةً لقلوبهم و اشرنا الي ان هذا تحقيق هذه المسئلة في الظاهر و امّا في الحقيقة قلنا فيه سر عجيب لايعرفه الّا من لطف حسُّه و كشف عن عين بصيرته الغطاۤء و الاشارة اليه ان الواضع واحد و هو اللّه تعالي علي الصحيح و هو الذي وضع الالفاظ الشرعية و اللغوية فوضع لفظ الصلوة علي ذات الاركان المخصوصة و علي الدعاۤء من باب التشكيك و قلنا بعد ذلك و لنقبض العنان فللحيطان آذان و تعيها اذن واعية و انما قلنا هناك هذا الكلام لانه من العلوم الظاهرة و نحن في هذا الشرح لمنسلك فيه الّا كشف الاسرار لانه هو المطلوب منا في هذا الشرح فنقول مرادنا هناك ان لفظ الصلوة وضع علي ذات الاركان المعلومة لانّها في الحقيقة دعاۤء و صلوة و علي الدعاۤء المعروف لانّه صلوة و لكن تحقق الدعاۤء في الصلوة التي هي صورة الولاية باطن و عاۤم في ذات الاركان و تحقق الصلوة في الدعاۤء المعروف باطن و خاۤص يعني ان معني الدعاۤء في ذات الاركان باطن عام كمعني ذات الاركان في الدعاۤء المعروف الّا انّه خاۤص فكان المعني من مدلول لفظ الصلوة يوجد في ذات الاركان قوياً شاملاً لكل خير و كل مطلب و في الدعاۤء ضعيفاً خاۤصّاً ببعض الخير و المطلب فلِذا كان الوضع [ص 335] فيهما من باب المشكِّك و قد قلنا ايضاً انّ معني صلّي معدّيً بعلي هو معني دعا معدّي باللّام لدفع اعتراض مشهور فاذا عرفتَ هذا فلك ان تجعل قوله (ع) و جعل صلواتنا عليكم اي الصلوة اليومية عليكم اي دعاۤءنا لكم فانّها باللّسان و الاركان و الجنان لانها طلب من اللّه بكلّ مشعرٍ و جارحةٍ و حركة و سكونٍ و هيئة كل نوعٍ و صنفٍ من انواع المدد و صنفِه و انّما كانت الصلوة اليوميّة و ساۤئر الصلوات الواجبات و المندوبات مجعولةً عليهم صلوات اللّه عليهم لانّها في الحقيقةِ صورةُ ولايتهِم و حكايةُ مَدْحِهمْ و ذكْرُ ثَنٰاۤئِهِمْ فمعني عليهم لهم او الصلوة عليهم بمعني الدعاۤء لهم و معني لهم ما قلنا انها صورةُ ولايتهم و حكاية مدحهم و ذكر ثناۤئِهِمْ او انها من فروعهم او ان اللّه تعالي تعبّد عباده بطاعتهم و طاعتهم عبارة عن امتثال الخلق اوامر اللّه و الاخلاص في عبادته تعالي كما امر سبحانه و معني كون ذلك هو طاعتهم انهم للّه سبحانه وحده فطاعتهم طاعته و عبادته و انّما لمنقل انّ عبادتهم عبادته لان عبادتهم ان كانت عبارة عن عبادته تعالي وحده لا شريك له فهي عبادته لانهم ينطقون عن اللّه و من استمع الي ناطق فقد عَبده فان كان الناطق ينطق عن اللّه فقد عبد اللّه الحديث ، و ان اعتبر كونهم فيها معه او كون العبادة لهم بمعني انها ليست له كان شركاً او كفراً و كان ذلك معصيتهم لان العبادة لاتكون طاعة للّه تعالي و لاتكون تلك العبادة طاعتهم حتي تقع للّه وحده لا شريك له علي الوجه الذي اسّسُوه كما تقدم من كونهم اسماۤءه التي يدعي بها و وجهه الّذي يتوجه اليه من قصده سبحانه و بابه الذي يؤتي منه و دليلهم اليه و شرط قبوله للاعمال من العباد فعبادة الخلق للّه سبحانه التي يقبلها و امرهم بها هي وقوعها علي الوجه الذي اسّسوه فاذا كانت كذلك خالصة للّه سبحانه وحده لا شريك له صح كونها عبادة اللّه حقاً و صح [ص 336] كونها طاعتهم لان اللّه سبحانه خلقهم له لا لانفسهم و لا لغيره و هذه الوجوه التي فسّرنا بها معني لهم مجملة و تفصيلها ان اللّه سبحانه منزّه عن كل ما سواه من كل شيء ثم انه اصطفي مما خلق صَفوة ليس في جميع خلقه ما يساويهم عنده و لايدانيهم ليعرفوه بما عرّفهم من انفسهم و خلق لهم خلقه ليمدّهم من ثمرات اعمالهم من خيراتٍ وصفهم بها قال تعالي و جعل افئدة من الناس تهوي اليهم و قال تعالي اليه يصعد الكلم الطيب اي اليهم و لهم كما قال تعالي الطيبات للطيبين و من شرورٍ وصف بها اعداۤءهم و بَرَأهم منها قال تعالي و الخبيثاتُ للخبيثين ثم قال اولۤئك اي الطيبون مبرّءون ممّا يقولون و معني اليه يصعد الكلم الطيب انه الي اولياۤئه لانّ الحوادث لاتداني الازل سبحانه فاذا كانت الصلوات كما سمعت زكت و طابت و كانت طيباً لخلق العاملين لَه و طهارة لانفسهم الخ ، و قول الشارح (ره) بالضم خلاف المعروف و خلاف ما في النسخ المشهورة بل لماقف في شيء من النسخ الصحيحة مما وقفت عليه علي الضم و لماسمع من احدٍ ذلك و ان كان يجوز وقوعه و لماقف عليه و معناه ايضاً يجوز و لكن المعروف المشهور في النسخ الذي يقبله العقل السليم و الطبع المستقيم هو الفتح هنا و المراد به طيباً لمَوْلِدنا لانّ غير شيعتهم لمتطب مواليدهم كما نطقت به اخبارهم فاذا تألّفت البنية من الطينة الطيّبة التي قبلت ولايتهم و الماۤء العذب الذي هو الماۤء الثجاج النازل منهم علي هيئة ولايتهم و صورة صفتهم طاب خلقهم بالفتح و اذا طاب خلقهم بالفتح طاب خلقهم بالضم لانه صفة البنية و لمّا اخذ علي الخلق الميثاق بالطاعة لهم عليهم السلام و الردّ اليهم و التسليم لهم في كل شيء و كان الخلق كلهم متساوين في رتبة القبول و عدمه كان الناس امّة واحدة كان مَن قبل طيّب المعدن و العنصر لانّ قبوله صلاته عليهم بكلِّ معني فجعل [ص 337] اللّه سبحانه تلك الصلوات عليهم و قبول ولايتهم سبباً لطيب مولدهم و طينتهم و خلقهم بالضمِّ و طهارة لانفُسِهم لطيب الماۤء الذي خمّرت به طينتهم و هو ماۤء ولاية ائمتهم عليهم السلام و تزكية لهم لانهم بانقيادهم و التسليم لائمتهم عليهم السلام قبلت اعمالهم علي ما هم عليه من المعاصي و الذنوب بمجرد عملهم ببعض الطاعات لايمانهم بالحق و اهله و براۤءتهم من الباطل و اهله و تلك التزكية من قوله تعالي فمن يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه و انّا له كاتبون و قوله تعالي الّا من تاب و عمل صالحاً فاولئك يبدّل سيّئاتهم حسنات و قوله تعالي انّ عبادي ليس لك عليهم سلطان الّا من اتبعك من الغاوين ، و روي زكريا ابن آدم قال دخلتُ علي ابيالحسن الرضا عليه السلام فقال يا زكرياۤء بن آدم شيعة علي رفع عنهم القلم قلتُ جعلت فداۤءك فمن اي العلّةِ في ذلك قال انّهم اخّروا الي دولة الباطل يخافون علي انفسهم و اموالهم و يحذرون علي امامهم يا زكرياۤء بن آدم ما احد من شيعة علي اصبح صبحةً اتي بسيئة و ارتكب ذنباً الّا امسي و قد ناله غم حطّ عنه سيئتَهُ فكيف يجري عليهم القلم رواه ابراهيم ابن سليمن القطيفي في رسالته في الفرقة الناجية و فيها عن فرات بن احنف قال كنت عند ابيعبداللّه عليه السلام اذ دخل رجل من هؤلاۤء الملاعين فقال واللّه لاَسُوءنّه في شيعته فقال يا اباعبداللّه اقبل اليّ فلميُقبِل و اعاد عليه فلميقبل فاعاد الثالثة فقال ها انذا مقبل فقل و لنتقول خيراً فقال ان شيعتك يشربون النبيذ فقال و ما بأس بالنبيذ اخبرني ابي عن جابر بن عبداللّه ان اصحاب رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يشربون النبيذ قال ليس اعنيك النبيذ انما اعنيك المسكر فقال شيعتنا ازكي و اطهر ان يجري للشيطان في امعاۤئهم رسيس و ان فعل ذلك المخذول فيجد ربّاً رؤفاً و نبيّاً بالاستغفار عطوفاً و ولياً عند الحوضِ ولوفاً [ص 338] ثم قال له عليه السلام اخبرني ابي عن علي بن الحسين عن ابيه عن علي بن ابيطالبٍ عليهم السلام عن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله عن جبرئل عن اللّه تعالي انه قال يا محمد اني حظرتُ جنّة الفردوس علي جميع النبيين حتي تدخلها انت و عليّ و شيعته الّا من اقترف منهم كبيرة فاني ابلوه في ماله او بخوفٍ من سلطانه حتي تلقاه الملاۤئكة بالروح و الريحان و انا عليه غير غضبان فيكون ذلك جزاۤء لما كان منه فهل عند اصحابك هؤلاۤء شيء من هذا فَلُمْ اَوْ دَعْ ه .
و من الادلة علي قولنا في تعليل تزكية شيعتهم لانهم بانقيادهم الي آخره من الرسالة المذكورة روي ابنعباس زيادة علي الحديث الذي رواه ابوهريرة عن النبي صلي اللّه عليه و آله منها قال ابنعباس فقلتُ يا رسول اللّه اوصني فقال عليك بمودة علي بن ابيطالب و الذي بعثني بالحق نبيّاً لايقبل اللّه من عبدٍ حسنةً حتي يسئله عن حب علي و هو تعالي اعلم فان جاۤء بولايته قبل عمله علي ما كان منه و ان لميأت بولايته لميسئله عن شيء و امر به الي النار ه ، و مثله ما رواه الصدوق بسنده الي ميسّر قال سمعتُ اباالحسن الرضا عليه السلام يقول لايُرَي منكم في النار اثنان لا واللّهِ و لا واحد قال قلتُ فاينَ ذا من كتاب اللّه فامسك هنيّةً قال فانّني معه ذات يوم في الطواف اذ قال يا ميسّر اليوم اُذِن لي في جوابك عن مسئلتك كذا قال قلتُ فاين هو من القرءان قال في سورة الرحمن و هو قول اللّه عز و جل فيومئذٍ لايسئل عن ذنبه منكم انس و لا جاۤن قال انّ من قد غيّرها ابناَرْوَي و ذلك انها حجة عليه و علي اصحابه و لو لميكن فيها منكم لسقط عقابُ اللّه عن خَلْقه اذ لميسئل عن ذنبه انْسٌ و لا جاۤن فلميعاقب اذاً يوم القيمة ه ، وَ كفّارة لذنوبهم لانّ قبولهم الولاية دخولهم في الرحمة الّتي هي تلك [ص 339] الصلوات التي جعلها اللّه منهم عليهم تزكية لهم فلمتكن في حقيقتهم ظلمةٌ تقتضي مقارفة الذنوب و لكن حين كسروا بعد التكليف الاوّل و رجعوا الي الطين اصابهم لطخ من مجاورة اهل النار و بذلك اللطخ قارفوا الذنوب و لمّا كانت هذه الذنوب ليست من حقيقتهم و انّما هي من لطخ طينة اعداۤء ائمّتهم عليهم السلام اقتضت الحكمة ان ترجع تلك الذنوب علي اولٰۤئِك الاعداۤء لانها من طينتهم كما هو شأنُ العدل نعم انّ ذلك اللطخ انّما جاز ان يتعلق بالمؤمن الذي حقيقته من نور مع انّ ذلك اللطخ ظلمة لانّ في المؤمن شيئاً من الظلمة و هو الذي تقوّم به وجوده و هو و ان كان قد استولي عليه نور الوجود بحيث لايقتضي من نفسه الذنوب الّا بمعونة غيره الّا انه قد بقيت فيه شائبة الظلمة و السواد فلذا يكون لونه ازرق و هذه الزرقة من لون تلك الظلمة المشوبة بالنور فكان بينه و بين ذلك اللّطخ مناسبة فتعلق به اللطخ المقتضي للمعصية فكان ذلك الشيء بضمه الي ذلك اللطخ صالحاً للمعصية فكانت هذه الذنوب وقعت بمقتضيَيْن مقتض ذاتي و هو اللطخ و مقتضٍ عرضي و هو ذلك الشيء من المؤمن فما كان من الذاتي رجع الي الكافر و ما كان من العرضي رجع الي المؤمن فلمّا انبسط علي المؤمن نور الولاية و تخلله ماۤء المحبّة زال عنه ذلك العرضي لانه كالثوب لمّا اصابته نجاسة من بول الغير و اصابه الماۤء الجاري زالت عنه النجاسة فرجع الثوب الي اصله من الطهارة و روي الفقيه ابومحمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة قدس اللّه روحه في كتابه المسمي بالتمحيص عن عمر النيسابوري قال قلت لابيعبداللّه عليه السلام اني لاري من اصحابنا من يرتكب الذنوب الموبقة فقال لي يا عمر لاتشنّع علي اولياۤء اللّه انّ ولينا ليرتكب ذنوباً يستحق بها العذاب فيبتليه اللّه في بدنه بالسقم حتي يمحّص عنه الذنوب فان عافاه ابتلاه [ص 340] في ولده فان عافاه ابتلاه في اهله فان عافاه في اهله ابتلاه بجار سوۤء يؤذيه فان عافاه من بواۤئق الدهر شدّد عليه خروج نفسه حتي يلقاه و هو عنه راضٍ قد اوجب له الجنّة ه ، و عن ابيالصباح الكناني قال كنت انا و زرارة عند ابيعبداللّه عليه السلام قال لايطعم النار من وصف هذا الامر فقال زرارة ان ممن يصف هذا الامر من (ظ) يعمل بالكباۤئر فقال اوماتدري ما كان ابي يقول في ذلك انه كان يقول اذا ما اصاب المؤمن من تلك الموبقات شيئاً ابتلاه اللّه ببليّة في جسده اَوْ بخوفٍ يدخله عليه حتي يخرج من الدنيا و قد خرج من ذنوبه ه ، و الاحاديث في ذلك كثيرة و انما كان طهر المؤمن من الذنوب بالبَلَايا لان البلايا قسمان قسم بلاۤء حسن و قسم بلاۤء سوء فالاوّل هو الذي به يبتلي اللّه المؤمن قال تعالي و ليبلي المؤمنين منه بلاۤءً حسناً و هو التمحيص و التخليص من الذنوب و انّما يجد المؤمن اَلمَهُ لانّ الذنوب من فيح جهنم فاذا انفصلت عنه تألّمَ بالانفصال بعد الاتّصال به للزومها له فهي كالجزء من صفته او منه و انما لميتألم بها قبل التوبة منها او الابتلاۤء بسببها لانه قبل ذلك حال الاتّصال كانت كالجزء منه و الشيء لايتألّم بجزئه و انما يتألم بانفصاله منه و عليه تأويل ما روي اَنّ من يخرج من النار يتألّمون بها عند خروجهم منها و قد تقدم في بيان سَعِدَ مَنْ وَالاكم انّ البلاۤء منه سعادة المؤمن و انه من ولاية اٰلمحمد صلي اللّه عليه و آله و الصلوة عليهم من ولايتهم فظهر لك سرّ انه سبحانه جعل صلواتنا عليهم و ما خصّنا به من ولايتهم كفّارةً لذنوبنا اِن جعلنا اَنَّ البلاۤء هو المكفر لان الولاية هي الربوبيّة و الولي يصلح ما هو وَلِيٌّ عليه كلّ شيءٍ بما يناسبه كما يصلح الصيقل السيف بالصّقالة و الصَائغ الذهب المَغشوش بالتّصفية و هذا للسيف و الذهب من البلاۤء الحسن و هو مِنْ تدبير الولي لِمٰا هو وَليّ عليه لان الولي له ربوبيّة علي ما هُوَ وليّ عليه فهو له فلذا [ص 341] قلنا انّ هذا البلاۤء للمؤمن من ولايتهم فلذا يكفر الذّنوب اما انه عليه السلام مع ما ابطن اظهر فانه قال و جعل صلواتنا عليكم وَ ما خصّنا به من ولايتِكم طيباً لخلقنا و طهارة لانفُسِنا و تزكية لنا فابطن فيها ثم اظهر فقال و كفّارة لذنوبنا فبناۤء علي ان ذنوب شيعتهم تكفّرها البلايا في الدنيا كما تقدم في الاحاديث لِانّهم عليهم السلام فسّروا ذلك التكفير بالبلايا في الدنيا و هذا المعني ظاهر في ظواهرِ اَحاديثهم و في بواطنها ان حبّهم و ولايتهم تكفّر الذنوب و السرّ في ذلك انّ حبّهم و ولايتهم نورٌ من كلِّ ظلمة و حيوة من كلِّ موتٍ و طهر من كلِ دنسٍ و رجس و شفاۤء لما في الصدورِ و هدي و رحمة للمؤمنين فاذا تفضّل اللّه بهما علي عبدٍ كان منيراً ظاهره ببعض الاعمال الصَالحات و باطنه بحسن الاعتقاد و الاقتصاد و السّداد فاذا وقعت منه سيئة فلمتصدر من قلبه بل وقعت منه و قلبه منكر عليه فتكون مجتثةً ليست متأصِّلةً فيه مع تأصّل النور فيه لانه خلق من طينة ائمتهم و هي نور و من ماۤءِ ولايتهم و هو نور و حين خاطبهم في الذر اجابه فغمسه في رحمته و هي نور فالانوار متأصلة فيه و لا نفاد لها و ظلمة السيّئة مجتثة نافدة لعدم تأصّلها و قلّتها فاذا وقعت منه و ندم عليها استولت عليها تلك الانوار فمحقتها بواسطة الندم لانّ الندم علي فعل السيئة من نور ولايتهم اذ معناها تجديد العهد المأخوذ عليه و كذا عدم الاصرار و منه عدم العزم علي البقاۤء علي المعصية فان تلك الانوار تمحوها كما نقول في النهر الجاري اذا تنجّس موضع منه فتغيّر بالنجاسة فزال التغير بتدافعه فانه يطهر و لايحتاج الي نزح ما فيه النجاسة الذي هو مثل البلاۤء للمؤمن الذي يكون مكفّراً للسيّئة بل تلك الانوار التي اشرنا اليها هي انهار تجري من الكوثر و هي بكثرة جريانها و تدافعها تزيل التغير الذي حدث من المعصية المجتثة فيطهر صاحبها و لايحتاج الي البلاۤء [ص 342] الذي هو نزح المتنجّس و ازالة النجاسة لان حبهم يستهلك الذنوب كما ان الماۤء الذي له ماۤدة تجري يستهلك النجاسة فلاتحمل خبثاً كما هو حكم الكر اذا لميتغير منه ما لايبقي بعده كر لميتغيّر و كالجاري اذا لمتتغيّر الماۤدة فالتغير في المؤمن الذي لايبقي معهُ كرّ غير متغيّر هو ولاية اعداۤئهم فان من كان كذلك و العياذ باللّه كان نجساً لايطهر اولٰۤئك الذين لميرد اللّه ان يطهّر قلوبهم و اما الذي يبقي معه حال المعصية اصل الايمان الذي هو بمنزلة بقاۤء كرّ طاهر يطهر بزوال النجاسة كما مثلنا لان المحب خلقه اللّه من النور و غمسه في الرحمة فيعود الي الرحمة و في الكافي بسنده الي ابيعبيدة الحذاۤء قال سألتُ اباجعفر عليه السلام عن الاستطاعة و قول الناس بها و تلا هذه الٰاية و لايزالون الي قوله خلقهم قال يا اباعبيدة الناس مختلفون في اصٰابة القول و كلهم هالك قال قلتُ قوله الا من رحم ربك قال هم شيعتنا و لرحمته خلقهم و هو قوله و لذلك خلقهم يقول لطاعة الامام الرحمة التي يقول و رحمتي وسعت كل شيء يقول علمُ الامام وسع علمه الذي هو من علمه كل شيء ه ، و امثال ذلك فاذا ابطن الامام عليه السلام في قوله و كفارة لذنوبنا كان مما يريد ما ذكرنا لك .