قال عليه السلام : فكنا عنده مسلمين بفضلكم و معروفين بتصديقنا اياكم .
قال الشارح (ره) فكنا عنده في علمه بانّا من المصلّين عليكم او الموالين لكم او مطلقاً مسلّمين بالتسليم القلبي الحقيقي بفضلكم علي العالمين و معروفين بتصديقنا اياكم بالامامة و الفضيلة و هذه فضيلة لنا يجب علينا شكرها و التحدّث بها انتهي .
اقول يقول فكنا تفريع علي جعله لصلاتنا و ما خصّنا به الخ ، و قوله عنده اي في كتابه الحفيظ يعني كنّا عنده مكتوبين باسماۤئنا و صفاتنا في [ص 343] اللوح المحفوظ بانّا مسلّمون بتشديد اللام اي منقادون لطاعتكم و للاقتداۤء بكم و الولاية لكم و البراۤءة من اعداۤئكم و وفّقنا لذلك بسبب تفضلكم علينا بما انتم اهله من النور و الهداية و النصيحة و الدعاۤء لنا بذلك او بسبب تفضّل اللّه علينا بكم حين جعلنا لكم موالي وَ اَتْباعاً الحمد للّه رب العالمين او الباۤء بمعني اللّام اي منقادين ندين بفضلكم علي جميع الخلق و انّما خلق خلقه لكم و يؤيد نسخة تشديد اللّام قوله بتصديقنا ايّاكم و علي نسخة تخفيف اللّام يكون المعني كنا بسبب ما اجراه علينا من فضله مما ذكر سابقاً و لاحقاً مسلمين منقادين اي يسلّم منّا الناس لما بنا من العدل و الانصاف و عدم التعدّي علي احد و عدم التجاوز لحدود اللّه ممّا امدّونا من فضلهم من التأييدات و التوفيقات او يسلم منّا رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله لمنؤذِه في اهل بيته و لا احكام شريعته كما في تأويل قوله تعالي و اما ان كان من اصحاب اليمين فسلام لك من اصحاب اليمين او بمعني ان من لميتول و لميتبرأ و لميتابع الائمة عليهم السلام في افعالهم و اعمالهم و اقوالهم ليس بمسلم اي ليس بكامل الايمان الذي هو الاسلام الكامل كما قال تعالي ان الدين عند الله الاسلام او ليس بمسلم بل هو كافر كفر الجاهليّة الاولي و انما كنا عند اللّه مسلمين بفضلهم و انما يقال ان كل من سوي شيعتهم كافر لما روي في كثير من الاخبار مثل ما رواه في الخصال بسنده عن مالك الجهني قال سمعت اباعبداللّه عليه السلام يقول ثلاثة لايكلمهم اللّه يوم القيمة و لاينظر اليهم و لايزكيهم و لهم عذاب اليم من ادعي اماماً ليست امامته من اللّه و من جحدَ اماماً امامته من عند اللّه و من زعم انّ لهما في الاسلام نصيباً ه .
و قوله (ع) : و معروفين بتصديقنا اياكم اي معروفين عند الناس بانّا اتباعكم و شيعتكم المصدّقين لكم فيما قلتم [ص 344] و فعلتم و عملتم او معروفين عند الامم الماضية بذلك او في كتبهم فانها نزلت من السماۤء بوصفِ محبّيهم و وصف اعداۤئهم كما اخبر اللّه تعالي في كتابه بل تؤثرون يعني اعداۤءهم الحيوة الدنيا اي ولاية الاول و تصديقه اي تسميتهم له بالصّديق و الٰاخرة اي ولاية علي عليه السلام لمحبّيه خير و ابقي فانه عندهم هو الصديق الاكبر و الفاروق الاعظم او معروفين عند اهل السماۤء من الملاۤئكة المستغفرين لشيعتهم و محبّيهم لايحصي عددهم الّا اللّه روي القمّي في قوله تعالي الذين يحملون العرش و من حوله الي قوله و ذلك هو الفوز العظيم عن ابيعبداللّه عليه السلام انه سئل هل الملاۤئكة اكثر ام بنوٰادم فقال و الذي نفسي بيده لملاۤئكة اللّه في السموات اكثر من عدد التراب في الارض و ما في السموات موضع قدم الّا و فيها ملك يسبّحه و يقدّسه و لا في الارض شجرة و لا مدر الّا و فيها ملك موكل (ظ) بها يأتي اللّهَ كل يوم بعملها و ما منهم احد الّا و يتقرب كل يوم الي اللّه بولايتنا اهل البيت و يستغفر لمحبّينا و يلعن اعداۤءنا و يسئَل اللّه ان يرسل عليهم العذاب ارْسَالاً و انما خص عليه السلام ملاۤئكة الارض بهذا مع انه لايختص بهم فان اللّه سبحانه يقول الذين يحملون العرش و من حوله يسبّحون بحمد ربّهم و يؤمنون به و يستغفرون للّذين آمنوا الخ ، و قد قال ابوجعفر عليه السلام و الذين يحملون العرش يعني رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و الاوصياۤء من بعده يحملون علم اللّه و من حوله يعني الملاۤئكة يسبّحون بحمد ربّهم و يؤمنون به و يستغفرون للّذين آمنوا يعني شيعة آلمحمد (ص) ربّنا وسعتَ كل شيء رحمةً و علماً فاغفر للذين تابوا من ولاية فلان و فلان و بنياميّة و اتبعوا سبيلك اي ولاية ولي اللّه و قهم عذاب الجحيم الي قوله ربّنا و ادخلهم جنات عدن التي وعدتهم و من صلح من آباۤئهم و ذرّيّاتهم انك انت العزيز الحكيم يعني عليّاً عليه السلام [ص 345] فذلك صلاحهم و قهم السيئات و مَن تق السيئات يومئذ فقد رحمته يعني يوم القيمة و ذلك هو الفوز العظيم لمن نجّاه اللّه من هؤلاۤء يعْني ولاية فلان و فلان الحديث ، و امثال ذلك ممّا يدل علي ان جميع الملاۤئكة يستغفرون لمحبيهم لانّ السؤال ليس بهذا الصّدد و انما هو بصدد كثرتهم و انهم يسبّحون اللّه و يقدّسونه و ربّما اقتضي المقام استغراب ان جميع الملاۤئكة انّما تسبيحهم هو الثناۤء عليهم و الاستغفار لشيعتهم بل للثناۤء علي شيعتهم بمثل ما هو مذكور في الٰايات المذكورة كقوله تابوا و اتّبعوا سبيلك و كقوله و ادخلهم جنات عدن التي وعدتهم بل قد يقتضي الانكار فاذا كان المقصود لهم من احاديثهم مفرّقاً فيها خفّ علي الناس من اعداۤئهم و من ضعفاۤء شيعتهم و قول الباقر صلوات اللّه عليه و الذين يحملون العرش يعني رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله الي اٰخره لايراد منه اختصاص الاستغفار للشيعة بمن حول العرش من الملاۤئكة اذا فسِّر الذين يحملون العرش بمحمد و اهل بيته و ان كان لو فُسِّر الذين يحملون العرش بالملاۤئكة كانوا من المستغفرين لان ذكره عليه السلام لذلك لبيان باب اعظم و فتح قفلٍ مقفلٍ محكم من العلم و ادرج مَن حول العرش من الملاۤئكة معهم عليهم السلام و اخبر ان الذين يحملون العرش علي اي تفسير و من حول العرش يعني ممّن دونه الي ما تحت الثري اذ كل ذلك حول العرش يستغفرون لشيعتهم فان قلتَ ان علياً عليه السلام داخل في الاوصياۤء بل هو اوّلهم و اخصّهم بذلك و هو السبيل في الٰاية فيلزم ان يكون المعني في حقّه عليه السلام رب اغفر للذين تابوا و اتّبعوني و هذا النمط من الخطاب قد يتوحّش منه بعض الناس و قد يتخذه بعض الاعداۤء دليلاً للطعن عليه صلوات اللّه عليه و علي المذهب قلتُ هذا المعني لا بأس به و لا مطعن علي المحقّ و من وجب عليه تعريف نفسه [ص 346] لتوقف الدعوة و الهداية و التوفيق عليه مع انّ مثل هؤلاۤء الذين تجوّز عليهم الاعتراض عليه يقنعون ان يقال لهم ان السبيل هو الاسلام و الايمان و ما امر اللّه به و ان كان يقال لهم ان الاسلام و الايمان و ما امر اللّه به لايتم الّا بولايته فانه يكون اخفّ علي نفوسهم علي انه يقال ايضاً يجوز ان يكون المراد من السبيل هي ولاية محمد و اهل بيته عليهم السلام و لايلزم ان يعني كل واحد منهم ما يخصّ نفسه بل ما يشترك فيه هو و غيره او ما يخص غيره و لا محذور في شيء مع انّا نقول انهم كثيراً ما يستغفرون لشيعتهم و يدعون لهم و لايكادون يتّقون فيه و لايستترون به و اعداۤؤهم يسمعون ذلك و امثاله و لايتوهّم فيهم احدٌ شيئاً لانّ الحقّ لهم و معهم و فيهم و بهم فلايجد الناقد فيهم مايكره و امّا النفوس التي عرّقت فيها الوساوس و الشياطين فلا عبرة بما يوسوسون به و الحاصل انّ الذين يحملون العرش مطلقاً اي سواۤء كان المراد بهم الملاۤئكة او الملائكة العالين او محمداً و اهل بيته عليه و عليهم السلام و سواۤء كان المراد بالعرش العرش الاعلي الذي هو المشية فهم عليهم السلام يحملونها لانهم محاۤلّها او ما دونه من نحو ما تقدّم يستغفرون للشيعة و الاخبار مشحونة بذلك فهم معروفون في السماۤء عند محمدٍ و آله صلي اللّه عليه و آله و عند العالين من الملاۤئكة و عند المقرّبين منهم و عند ساۤئرهم و انما كانوا معروفين بتصديقهم ائمتهم و اتباعهم اوْ هم معروفون عِند اللّه بذلك التصديق و معني كونهم معروفين عِند اللّه انّه تعالي ميّزهم بما قبِلوا ممّا دَعا اليه او من المعرفة التي هي علّة المحبّة اي محبوبين عنده تعالي اَوْ انّه سبحانه اعطاهم بتصديقهم محبّته و التصديق هنا هو بالصّلاح و المعرفة و التصديق بمتابعة الاقوال و الاحوال و الاعمال و الافعال و الاعتقاد و بالتسليم لهم و الردّ اليهم .
[ص 347] قال عليه السلام : فبلغ اللّه بكم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقربين و ارفع درجات المرسلين .
قال الشارح (ره) اشرف محل المكرمين و افضل مراتبهم و اعلي منازل المقرّبين من المرسلين و ارفع درجات المرسلين و هي درجات نبيّنا صلي اللّه عليه و آله فيلزم منه افضليتهم علي الانبياۤء كما ذكره العلّامة النيسابوري في تفسير قوله تعالي و انفسنا و انفسكم بانه لاتزال الشيعة قديماً و حديثاً يستدلّون بهذه الٰاية علي افضلية عليٍّ عليه السلام علي جميع الانبياۤء عليهم السلام بانه نفس النبي (ص) و هو افضل و قال و يؤيّده ما روي عنه (ص) انه قال مَن اراد ان ينظر الي آدم في علمه و الي نوح في عبادته و الي ابراهيم في خلّته و الي موسي في هيبته و الي عيسي في زهده و الي يحيي في ورعه فلينظر الي علي بن ابيطالب فان فيه سبعين خصلة من خصال الانبياۤء بان كل واحدٍ منهم امتاز عن ساۤئرهم بخصلةٍ واحدة بهذه الخصال فمن اجتمع فيه جميعها فهو افضل و الاخبار عندنا متواترة بذلك في جميع الائمة (ع) انتهي .
اقول قوله عليه السلام فبلّغ اللّه بكم يجوز فيه معنيان احدهما ما ذكره الشّارح (ره) من انّ اللّه تعالي بلّغهم عليهم السلام اشرف محل المكرمين الخ ، فتكون الباۤء زائدةً علي هذا الوجه و هو و ان كان بعيداً عن مفاد هذا الكلام الّا انّه محتمل عَلَي بُعْدٍ امّا انّه محتمل فلانه يجوز ان يكون معطوفاً علي قوله خلقكم اللّه انواراً فجعلكم بعرشه محدقين فرتّب علي خلقهم و جعلهم محدقين بعرشه اَنْ بلّغهم سبحانه من جزيل فضله ما الحقهم بمقام نبيه محمد صلي اللّه عليه و آله الذي هو اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقرّبين و ارفع درجات المرسلين علي الحقيقة لانّ هذا الاشرف و الاعلي و الارفع [ص 348] متفاوت المراتب و الحقيقي منهَا مرتبة محمد صلي اللّه عليه و آله و امّا انّه علي بعدٍ فلانّه عليه السلام انّما ذكر هذا لانه جعله غاية لطاعتهم و الاقتداۤء بهم و الولاية لهم و البراۤءة من اعداۤئهم و هو قوله عليه السلام و جعل صلواتنا عليكم و ما خصّنا به من ولايتكم طيباً لخلقنا الخ بمعني انّ اللّه سبحانه و تعالي بلغ بهم محبّيهم الدرجاتِ الرفيعةَ كما يأتي و ثانيهما ان المراد انّه سبحانه حين جعل الصلوات عليهم و الولاية لهم طيباً لخلق محبّيهم المصلّين عليهم المتوالين بهم و طهارة لانفسهم و تزكية لهم و كفارة لذنوبهم حتي قبل من شيعتهم القليل من اعمالهم و اثابهم عليه الجزيل من ثوابه فقال تعالي فمن يعمل من الصّالحاتِ و هو مؤمن فلا كفران لسعيه و انّا له كاتبون بلّغ بهم اشرف محلّ المكرمين الخ ، ثم لمّا كان تبليغ اللّه سبحانه لعباده المؤمنين المتوالين بهم المحبين لهم اعالي الدرجات انما هو علي حسب قيامهم بواجب حق ساداتهم عليهم السلام و طاعتهم و محبتهم و ولايتهم و البراۤءة من اعداۤئهم و كانت تلك الاعالي متفاوتة لاتكاد تتناهٰي في مقامها وجب ان يعتبر فيها باعتبار المبلّغين بفتح اللام و باعتبار تلك المراتب في العلوّ و الدنو و في الذاتي و العرضي وجهان : احدهما ان نقول يراد بالمبلّغين بفتح اللام الانبياۤء و المرسلون بعد محمد و آله صلي اللّه عليه و آله فانّهم مستثنون لانّهم اما ان نقول هم المبلّغ بهم بفتح اللام من سواهم او هم المبلِّغون بكسر اللام باذن اللّه مَن سواهم و معني ان اللّه سبحانه بلّغ الانبياء و المرسلين اعلي الدرجات يعني اعلا درجات التابعيّة ممّا لكل واحد من امكانه بان يبلّغ الانبياۤء اعلي درجات النبوّة التابعيّة كلّ واحد منهم ما يمكن في حقّه علي حسب قيامه بمقتضي ولايتهم و ان يبلّغ المرسلين اعلي درجات الرسالة التابعية كل واحد منهم ما يمكن في حقّه علي [ص 349] حسب قيامه بمقتضي ولايتهم فبلّغ بهم و بطاعتهم الانبياۤء اقصي مراتب الانبياۤء و المرسلين اقصي مراتب المرسلين و الاوصياۤء اقصي مراتب الاوصياۤء يعني اقصي ما يقتضيه امكانُ كلّ واحدٍ من مقامه بعمله فان كل واحد منهم بلّغه اللّه تعالي بهم ما اقتضاه امكانه من رتب التّابعيّة لانّهم اجمعين اتباع محمد و آله صلي اللّه عليه و آله و المتبوعيّة في كل مرتبة عالية له و لاهل بيته صلي اللّه عليه و آله و ثانيهما ان يراد بالمبلّغين بفتح اللام المؤمنون و الصالحون من شيعتهم و تبليغ اللّه لهم علي حسب قابليتهم بمحبّة ائمتهم وَ ولايتهم لهم و الاقتداۤء بهم من التّابعيّة فعلي هذا الوجه و هو انّ المبلّغين بفتح اللام هم المؤمنون و الصالحون يكون المراد من قوله اشرف محلّ المكرمين انّ المكرمين هم المؤمنون الخواۤصّ و الخصيصون و هم الّذين اكرمهم باتّباع ائمتهم و رفعهم بهم عن مقام من سواهم من ساۤئر خلق اللّه من الطاۤئع و العاصي لانّه جعلهم بذلك مكرمين قد بلغوا ما خلقهم اللّه له من الخير يعني انّه بَلَّغهُمْ ببركة ائمتهم اقصي ما يمكن في حقهم من المراتب العليا و اِنْ اُرٖيد بالمكرمين اهل العصمة من الانبياۤءِ و المرسلين بقرينة عطف مقاميهما علي مقامهم كان المراد بالتبليغ الانضمام اليهم و المجاورة لهم و ايصالهم الي صفاتِ ما وصلَهُ الانبياۤء و المرسلون و اليه الاشارة بقوله تعالي فاولۤئك مع النبيّين و الصدّيقين و الشهداۤء و الصالحين و حسن اولۤئك رفيقاً فاشار تعالي هنا الي هذا المعني المشار اليه بقوله مع و بقوله رفيقاً و امّا التبليغ فيراد منه انه سبحانه بلّغ مَنْ شاۤءَ ما شاۤء من الدرجات العاليات بمحمد و آله صلي اللّه عليه و آله او انّ محمّداً و آلَهُ صلي اللّه عليه و آله بلّغوا مَن شاۤؤا ما شاۤؤا من الدرجات العاليات علي حسب ما اقتضته قوابلهم باللّه سبحانه كما علّمهم و امرهم و اذن لهم و اعانهم و هو الفعّال لما يريد فهو سبحانه هو المبلّغ بكسر اللام وحده [ص 350] لا شريك له بهم في الفرضين .
قال عليه السلام : حيث لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع .
قال الشارح (ره) حيث لايلحقه لاحق ممن هو دونكم و لايفوقه فاۤئق منهم علي الانبياۤء كاولي العزم و ان فاقوا علي غيرهم لايفوقون عليكم و النبي (ص) و اميرالمؤمنين (ع) مستثنيان بالاخبار و لايسبقه سابق في فضيلةٍ من الفضاۤئل عليكم و لايطمع في ادراكه طامع لانهم يعلمون انها موهبة خاۤصّة من اللّه تبارك و تعالي بكم لايمكن الوصول اليها بالسّعي و الاجتهاد انتهي .
اقول يحتمل هذا الكلام معنيين احدهما و هو الظّاهر ان الضمير البارز في يلحقه و يفوقه و يسبقه و ادراكه يعود الي اشرف محل و اعلي منازل و ارفع درجات لان المراد به شيء واحد و هذا ظاهر علي الوجه الذي ذكره الشارح (ره) و هو الّذي قلنا انه بعيد عن مفاد الكلام مع انه يخالف ما اراد هنا ان اريد بمَعُود الضمير في يلحقه واحد منهم عليهم السلام كما هو محتمل علي ما يأتي و ان اريد به اشرف و اعلي و ارفع ارتبط الاول مع الثاني الّا انّ فيه بُعْد الاول كما ذكرنا سابقاً فعلي ظاهر ما اراد هنا مرتباً علي ما ذكر في الاول يكون المعني انّ اللّه تعالي بلّغكم محلّاً عالياً بحيث لايلحقه لاحق اي لايدركه لاحق يعني لايصل اليه غيرهم اوْ لايكون محلّ لاحدٍ غيرِهمْ يساويه في الشرف و الرفعة و لايفوقه فاۤئق اي لايكون محلّ و مقام اشرف منه و لا خيراً منه و لايسبقه مكان سابق باعتبارِ سبق اهلِهٖ ايّاهم و لايطمَعُ احد اي لايكونُ اَحَدٌ يُؤهِّلُ نفسَه لادراكِ مَحلِّهم بل الخلق كلهم يجد كلّ واحدٍ منهم في نفسه القصور عن ادْراكِهٖ فلايطمع فيه طامع و معني ادراكه هو [ص 351] ما يراد من يلحقه فلعلَّهُ اتَي بالثاني في الادراك لبيان اللحوق و في يطمع لانّه اَخص مَنْ يلحق لان لايلحقه يشمل من طمِعَ و عجز و من لميطمع و امَّا لايطمع فلايعم و يحتمل ان بينهما عموماً و خصوصاً من وجهٍ لانّ بعض من لميلحق يطمع و بعض من لميطمع يلحق فتخصّص احدهما بالٰاخر حتي كان المراد مِنْ اَحَدِهما هو المراد من الٰاخر و انّما اتي بهما ليجمع بين عدم الطمع لظهور القصور من كلّ احدٍ و عدم اللّحوق لانحطاط كل من سواهم عن ذلك المقام .
و ثانيهما انّ الضمير البارز في يلحقه و يفوقه و يسبقه و ادراكِهٖ يعود الي الواحد منهم و هذا مبني علي ان المبلّغ بفتح اللام يراد به محبّهم الذي يصلّي عليهم و يتوالَي بهم الذي جعل اللّه تعالي صلاته عليهم و ما خصّه به من ولايتهم طيباً لخلقه و طهارة له الخ ، كما هو الظاهر كانوا عليهم السلام هم الذين بلّغ اللّهُ بهم محبهم اشرف محلّ المكرمين الي آخر الكلام فيحتمل راجحاً اَلّايُرادَ بقوله حيث لايلحقه اي بمعود الضماۤئر البارزة ذلك المحلّ لانّ ذلك المحل الذي بلغه المحبّ المذكور يلحقه لاحق و يفوقه فاۤئق و يسبقه سابق و يطمع في ادراكه طامع و انّما يراد به الامام عليه السلام الّذي هو واحدٌ منهم عليهم السلام فانّه حقيقة هو الذي لايلحقه لاحق و لايفوقه فاۤئق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع و كلام الشارح (ره) في هذا معلوم لانه ظاهر في هذا حيثُ يقول كاولي العزم و ان فاقوا علي غيرهم لايفوقونَ عليكم و النبي (ص) و اميرالمؤمنين (ع) مستثنيان بالاخبار انتهي ، و يؤيد هذا المعني الثاني ما بعد هذا من الزيادة من قوله (ع) حتي لايبقي ملك مقرّب الخ و قوله (ره) و النبي (ص) و اميرالمؤمنين (ع) مستثنيان بالاخبار ليس بجيّد لانّ المراد بهذا المقام او بهذا الولي ما يجتمعون فيه لانّ لهم حالتين [ص 352] حالة يجتمعون فيها الاربعةعشر المعصوم عليهم السلام و هي ما يحتاج اليه جميع الخلق فانّهم فيه سواۤء لايزيد احد منهم علي احد و لاينقص و هذه الحالة هي المشار اليها في هذه الزيارة في جميع فَقَراتهَا و حالة يزيد بعضهم علي بعض و ينقص بعضهم عن بعض و في هذه الحالَة لايختص الاستثناۤء بالنبي و علي صلّي اللّه عليهما و آلهما لان مقاماتهم متفاوتة كتفاوتهم فالنبي صلي اللّه عليه و آله سبقهم و لايبلغ احد منهم مقامه و علي عليه السلام بعد النبي (ص) سبقهم و لايبلغ احد منهم بعد النبي (ص) مقامه و كذلك الحسن بعد علي ثم الحسين ثم القاۤئم ثم الائمة الثمانية ثم فاطمة عليهم اجمعين صلوات اللّه و سلامه و هذه الحالة ليست مرادةً هنا فلايتّجه استثناۤؤه و الّا توجّه استثناۤء آخر ايضاً و آخر و يحتمل مرجوحاً انه اراد بمعود الضماۤئر محلهم العالي المذكور و ان قوله لايفوقون عليكم مجاز اي لاتفوق محاۤلّهم عَلي مَحلِّكم و انما جعلناه مرجوحاً مع انه هو الظاهر من كلامه السابق حيث جعلهم هم الذين بلّغهم اللّه اشرف محلّ المكرمين الخ ، لانّ الظاهر من كلامه الاخير الذي نحن بصدده انه هو المعني الذي جعلناه راجحاً بدليل قوله و ان فاقوا علي غيرهم لايفوقون عليكم اذ الاصل في الاستعمال الحقيقة و قولهم ان الاستعمال اعم من الحقيقة احتمال مرجوح لايخرج عن الاصل ما لميكن راجحاً او مساوياً و احتمال انّه اَرادَ لايدفع الايراد .
ثم انا قد اشرنا سابقاً انّ هذا المحل الذي لايلحقه لاحق اذا اريد به الذاتي جَازَ باعتبارٍ ان يراد به الحاۤلّ به اي الذي بلّغه اللّه ذلك المحلّ و هو كنايةٌ عَنْ تقريبه اليه و باعتبارٍ آخر يراد به مرتبته و هو صفته التي جزَاهُ اللّه ايّاهَا فعلي الاعتبَار الاوّل يجوز ان يراد به المقامات المعبّر عنها بانا كما في الحديث القدسي قال تعالي خلقتُ الاشياۤء لاجلك و خلقتكَ لاجلي باطنُكَ انا و ظاهرك للفنا ه ، [ص 353] و نقل في الانجيل قال تعالي اعرف نفسَك ايّها الانسان تعرف ربك ظاهرك للفنا و باطنك انَا ه ، و اَنْ يُرادَ به معَانيه سبحانه و علي الاعتبار الثاني يجوز اَن يراد به معانيه بالنسبة الي مقامه او ابوابُه بالنِّسبة الي مَعَانيه و اذا اريد به العرضي جاز اَنْ يُرادَ به الذّاتي الاضافي فيفيد معني قوله عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه لانّه من المقامات الدنيا و المعاني الجزئيّةِ و الابواب الخاۤصّة في كلٍّ بحسبِهٖ و اَنْ يُرادَ منه نسبته الي مَن بلغوا تبعيّتَهُ مِنَ الاتباع لان الحكم العرضي انّما هو في نسبتهم اليه لان المراد منها بلوغهم المحلّ الذي ينسب اليه بالتّبعيّة كما تَقَدّمَ لانّه ذاتي بالنِّسبة اليهم و هو الاضافي المذكور لا فرق بينهما الّا انّ الاول اريد فيه من الذّاتي الحقيقي عند الاطلاق في رتبة الاتباع هو الذاتي الاضافي لانه يصدق عليه انّه لايلحقه لاحق و لايفوقه فاۤئق الخ لعظيم التوفية منهم عليهم السلام لمحبّيهم و كمال التّصفية و في الثاني اُرِيدَ نسبة الحقيقي اليهم و هي و ان كان الواقع منه هو الاضافي الّا انه لمّا اريد المبالغة في الاكرام و الترغيب ذكروا الذاتي الحقيقي كما ورد عنهم عليهم السلام في كثير من ترغيْباتهم لشيْعتهم بانّ من كان كذا او فعل كذا فهو معنا في درجتنا و لمّا دلّ الدليل العقلي و النقلي القطعيان علي انّ بلوغ الذاتي الحقيقي لغيرهم مستحيل وجب ان يصار الي اقرب مثالٍ و صفة يمكن اَنْ يبلغَها التابع بحسن اعماله علي ما ذكرنا سابقاً مكرّراً فافهم .
قال عليه السلام : حتي لايبقي ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا صدّيق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دنيّ و لا فاضِل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبّار عنيد و لا شيطان مَريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد الا عرّفهم جلالة امركم و عِظم خطرِكم و كبر شانكم و تمام نوركم و صدق مقاعدكم [ص 354] و ثبات مقامكم و شرف محلِّكم و منزلتكم عنده و كرامتكم عليه و خاصّتكم لديه و قرب منزلتكم منه .
قال الشارح (ره) حتي لايبقي اي لميبق احد في عالم الارواح و الاجساد الّا عرّفهم في الكتب المنزلة و علي السنة الانبياۤء و المرسلين و صدق مقاعدكم انكم صادقون في هذه المرتبة و انّها حقّكم كما قال تعالي في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدرٍ انتهي .
اقول قول الشارح (ره) اي لميبق احد في عالم الارواح و الاجساد يوهم حصر تعريفه تعالي لهم عليهم السلام في هذين العالمين و هو رحمه اللّه مقامه اعلي من ان يقتصر فَهْمُهُ علي حصر تعريف اللّه ايّاهم في اهل هذين العالَمين فيحتمل انّه اقتصر عليهما علي جهة التمثيل اوْ جَرياً علي ما تعرفه العواۤم و يمكن ان يعتذر له بانه اقتصر عليهما لانّ ما سواهما داخل فيهما امّا من باب التبعيّة او انّ كلّ شيء له روح و جسم بحسبه و لايختصُّ الجسم بهذا المعروف بل كثيراً ما يقال روح الارواح و ذات الذوات و يراد ان الارواح جسم لتلك الروح و الذوات جسم لتلك الذات و فيما تقدّم في حديث جابر بن يزيد من الكافي عن ابيجعفر عليه السلام قال يا جابر اِنّ اللّهَ اوّل ما خلق خلق محمداً و عترته الهداة المهتدين فكانوا اشباحَ نورٍ بين يدي اللّهِ قلتُ و ما الاشباح قال ظلُّ النورِ اَبْدَانٌ نورانيّة بلا ارواح الحديث ، فسمّي الاشباح و هي مقادير لا مادّة تحلّها اَبْدٰاناً و البدن محركة من الجسد ما سوي الرأس كذا في القاموس و فسّر الجسد بالجسم و انما سمّي بدناً لانه بدن للماۤدة روحه المادة فهو جسدها و لاجل انّ روحه الماۤدة قال عليه السلام ظل النور اي هيئته كما ان الصورة في المرءاة ظلّ الشاخص و هيئته و هي بدن له فكذلك ما في هذا الحديث و الحاصل انه (ره) ان اراد ما اشرنا اليه و الّا فهو المراد لانّ اللّه سبحانه بفضله علي جميع خلقه عرّف كل شيء مما خلق من حيوان [ص 355] و نبات و جماد من جوهر و عرضٍ مقام محمد و اهل بيته الطاهرين صلي اللّه عليه و آله و اخذ عليه الميثاق بالطاعة لهم كما دلّت عليه الاخبار و من ذلك ما تقدّم في حديث حمران بن اعين في ذكر عبداللّه بن شداد الليثي حين مرض و عاده الحسين عليه السلام فلما دخل من باب الدار طارت الحمّي عن الرجل فقال قد رضيت بما اوتيتم به حقاً حقاً و الحمّي لتهرب منكم فقال له واللّه ماخلق اللّه شيئاً الّا و قد امره بالطاعة لنا يا كبّاسَةُ قال فاذا نحن نسمع الصوت و لانري الشخص يقول لبّيك قال اليس امرك اميرالمؤمنين عليه السلام اَلّا تقربي الّا عدوّاً او مذنِباً لكي يكون كفارة لذنوبه فما بال هذا الحديث ، فقد نطقت الحمّي بلسان عربي مبين حين ناداها الحسين عليه السلام و هي ليست في الظاهر من الجواهر و الكلام المسموع منها فعل الاجسام و قد اقسم عليه السلام و اخبر انّه ماخَلَق اللّه شيئاً الّا و قد امرَهُ بالطّٰاعةِ لهم فكيف يأمر اللّه شيئاً بطاعتهم و لميعرّفه مقامهم منه و قد ذكرنا مراراً في هذا الشرح ان اللّه تعالي خلقهم له و خلق الخلق لهم و ان اللّه سبحانه اشهدهم امر خلقه و كل ذلك و امثاله صريح في انّه عزّ وَ جلَّ عرّف كُلَّ شيء ايّاهم و اما ما ذكره عليه السلام فانه جارٍ علي المتعارف في الظاهر و يعلم من الادلّة الخارجة انه يريد كلّ شيء لانهم ذكروا في احاديثهم العموم فلايجوز ان يريد هنا الخصوص لئلّاتختلف احَاديثهم باطناً و في الواقع علي انه عليه السلام قد اجمل ذلك كله بقوله و لا خلق فيما بين ذلك شهيد اي فيما بين كلّ ما ذكر من الوساۤئط و الاعراض و الفواضل و النسب و الاوضاع و الاسباب و الشروط و الموانع و المسببات و هو ما ذكر من الاثنيعشر المذكورة و ما بينها كالملك المقرب و الشيطان المريد فانّ الملك في الطرف الاعلي من الغيب الجزئي و الشيطان المريد في الطّرف [ص 356] الاسفل من الغيب الجزئي و ما بينهما من ذرّات الوُجود من الغيب و الشهادة من البساۤئط من الجواهر و الاعراض و كالنبي المرسل و الجبّار العنيد فان النبي المرسل في الطرف الاعلي من النور الجامع و الجبار العنيد في الطرف الاسفل من الظلمة الجامعة و ما بينهما من ذرّات الوجود من الغيب و الشهادة من المركبات و الكليات من الجواهر و الاعراض و كذلك ما بين كل متخالفين من المراتب في الذوات و الصفات فانها كلّها خلق شهيد يعني اشهده اللّه معرفتهم باخذ الميثاق عليه لهم كما سمعتَ من كلام الحسين عليه السلام في شأن الحمّي و ممّا اشرنا اليه حركتك و سكونك و نومك و يقظتك و فرحك و حزنك و ضحكك و بكاۤؤك و شبعك و جوعك و ريُّكَ و عطشك و صحّتك و مرضُك و نموّك و ذُبُوْلك و طاعتُكَ و معصيتك و امثَالك و طبايعك و اطوارك و اوطارك و احوالك و وجودك و عقلك و علمك و جهلك و موتك و حياتك و كل شيء منك من عين او معني فانه خلق فيما بين ظاهرك وَ باطنك و اوّلِك و آخرِك و ذاتك و صفاتك و دنياك و آخرتك شهيد اي اشهده اللّه معرفتهم و اخذ عليه الميثاق لهم بالطاعة و هو تأويل و لا رطب و لا يابس الا في كتابٍ مبينٍ و قوله تعالي وَ كُلّ شيء اَحْصَيْناهُ في امامٍ مبين و تأويل وَ حَشرناهم فلمنُغادِرْ منهم اَحداً و قالوا يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرةً الّا اَحْصيٰها مع قوله تعالي هذا كتابنا ينطق عليكم بالحقّ انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون .
قوله : الّا عرّفهم جلالة امركم اي لميبق مما ذكر شيء الّا عرّفهم عظم اَمْرِكم اي وِلايَتكم و سلطانكم و السلطان الذي لهم عليهم السلام هو ما اقامَهُمْ فيه من انّ اللّه سبحانه انما خلقهم له لا لانفسهم و لا لغيرهم و هذا المقام اعلي مقاماتهم و خلقَ ما سواهم لهم و هو معني انّا للّه و انا اليه راجعون في حقّهم لانّهم [ص 357] خلقهم له عزّ و جل و في حقّنا لانّه تعالي خلقنا لهم و من خلقهم لهم حقيقة فهم له بعين تلك الحقيقة لانّهم له تعالي و حين خلقَ ما سِواهم اشهدهم خلقهم كما اشهدهم خلق انفسهم اي انّ اشهاده تعالي لهم خلق خلقه فرع و صفة لاشهاده تعالي لهم خلق انفسهم و هو سر التشبيه في قولنا كما اشهدهم و انهي تعالي اليهم علم خلقه و علم امرهم به في خلقه من صنعٍ و تقديرٍ و تبليغٍ و اداۤء في التكوينات و التشريعات فترجموا لهم امرَ اللّه تعالي علي حسب قوابلهم في التكوينين في متقن التّدبير في تربيتهِم و اِصْلَاحهم استنطاقاً لهم بما اودعَ اللّه سبحانه في حقاۤئقهم من تسبيحه و تهليله و تقديسه و عبادته بطاعتهم و الولاية لهم و البراۤءة من اعدائهم و بمحبتهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و نشر فضاۤئلهم و بَثِّ مداۤئِحهم و الثناۤء عليهم و هو قوله تعالي و ان من شيء الّا يسبّح بحمده و قولهم عليهم السلام في الزيارة الجامعة الصغيرة يسبّح اللّٰهَ باسماۤئه جميع خلقه و قد ذكرنا هذا المعني فيما مَضَي مراراً في المواضع المختلفة تنبيهاً عَلَي اتحادها فتدبّر معني ما اَوْردتُه هنا و تفهّمه فانّك تري امراً عظيماً جليلاً كبيراً لاتحتمله عقول اولي الالباب و هذا هو الوصف الظاهر من سلطانِهم و امرهم اماسمعتَ ما قدّمنا من قول الصّادق عليه السلام انّ امرنا هو الحق و حق الحقّ و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السر و سرّ السِّرِّ و سرّ المستسرّ و سرّ مقنّع بالسّرّ فان قلتَ اذا كان هذا الذي اشرتَ اليه لايكاد ان يدركه من لطف حسّه و صَفي ذهنه و كشف عن عين بصيرته مع انه ظاهر امرهم فشأن باطن امرهم لايدركه غيرهم و هو كما ذكرتَ و لكن كيف يصح ان يقال انه لميبق شيء من خلق اللّه تعالي كما تضمّنه كلامه عليه السلام الّا عرّفهم جلالة امرهم لان ما اشرتَ اليه لايفهمه الّا آحٰاد شيعتهم الخصيصُون و هو ظاهر امرهم و قد بَيَّنْتَ [ص 358] انّ المعرّفين بفتح الراء هم جميع الخلق من الحيوانات و النباتات و الجمادات من الذوات و الصفات الذاتية و الفعلية و اكثرهم لايعرفون ممّا وصفتَ حرفاً واحداً قلتُ المراد بقوله عليه السلام الّا عرّفهم جلالة امركم انّه تعالي عرّف كلّ شيء جلالةَ امرهِم بان يعرف ممّا يظهر له من ظاهرهم جلال و عظمة لايحتمله و هذا المعني يتساوَي فيه جميع من سواهم فانّ الانبياۤء و المرسلين يظهر لهم من شأنهم ما لايحتملونه و ليس ذلك منتهاهم و لا جزءٌ من مائةِالفِ جزءٍ و انما يعرفون منه ما يحتملونه و مايحتملون منه الّا بقدرهم و اليه الاشارة بقوله تعالي انزل من السماۤء ماۤء فسالت اودية بقدرها و ذلك كما تقبل المِرءاة من ضوء الشمس و الذي احتملوه من شعاعهم هو ما كتبوه في حقاۤئقهم الّتي هي نفس ذلك المكتوب و كذلك الجمادات ظهر لها من شأنهم ما لاتحتملُه لانّها انما احتملت من شعاعهم ما كتبوه في حقاۤئِقها الَّتي هي نفس ذلك المكتوب و ذلك كما يحتمله الحجر من ضوء الشمس فقد عرّف سبحانه كل واحدٍ مِنْ خلقه جلالة امرهم عليهم السلام علي نحو ما اشرنا اليه و كيف لايعرف مخلوق و هو مخلوق لانّه انّما خُلِقَ بما قَبِلَ و انّما قبِلَ بما عَرَفَ و انّما عَرفَ بما قَبِلَ فلو لميعرف لميقبل و لو لميقبل لميخلق و الخطَر محركة مثل الشيء و عديله و لايستعمل الّا في الشيء الذي لَهُ قدرٌ و مَزِيّة و الشأن الخطب و هو الامر تقع فيه المخاطبة و الحال و المراد من عظم الخطر عظم القدر في علوّ الذات او الصفات علي نحو ما اشرنا اليه لان كل احد و كل شيء اراه اللّه تعالي عِظَماً بكسر العين و فتح الظاء المعجمة من علوّ ذواتهم لايقدر علي اكتناهه و من سموّ صفاتهم لايعرف قدره و يراد من كِبَرِ الشأن بكسر الكاف و فتح الموحّدة انّه سبحانه [ص 359] اوصل الي كل شيء تعريفاً لشأن ذواتهم و صفاتهم لاينال احد من معناه الّا ما احتملته قابليته من آثار معني ذلك التعريف ففي الحقيقة نزل التعريف من اللّه سبحانه لخطرهم وَ شأنهم علي حقيقة ما هما عليه في حقّهم فهم قبلوا التّعريف كما اراد لميشركهم في ذلك شيء من خلق اللّه في شيء من تلك الحقيقة وَ لَاحَتْ اٰثارُهُ علي هياكل ما سواهم علي حسب قوابلهم و قوله عليه السلام فيما يأتي مواليّ لااُحْصي ثناۤءكم و لاابلغ من المدح وصفكم و من الوَصْفِ قدركم حكايةٌ و تعليم لمن سواهم و الّا فانّه عليه السلام يحصي ثناۤء نفسه و آباۤئه السّتة و ابنه العسكري و فاطمة عليهم السلام و مدحَ وصفهم و وصفَ قدرهم و الباقي يبلغ من كنههم ما اجتمع معهم فيه و ما دونه و انّما كلامه هنا لغيرهم .
و قوله عليه السلام و تمام نوركم يريد به انّ نورهم تاۤمّ ليس فيه في رتبة الامكان نقص و المراد من النور حقاۤئقهم و صفاتهم و افعالهم و اعمالهم و كلّ ما لهم و اليهم و منهم و عنهم و بهم فان قلت كيف لايكون في نورهم نقصٌ بقول مطلق و قد قلتَ كما مر انّ بعضهم اعلم من بعض و بعضهم افضل من بعض و قد قلتَ انهم كلّهم محتاجون الي المدد من اللّه تعالي ابداً فهم داۤئماً في الزيادة و ذلك يدل علي نقص فيهم قبل الزيادة بها تمّوا و قبل الزيادة الثانية هم ناقصون و بها تمّوا و هكذا فلايفارقهم النقص قلتُ مرادنا بنفي النقص في وجوه احدُهَا انهم في كل مقام تاۤمّون قبل الزيادة و بعدها لانّهم قبل الزيادة الجديدة لميكن شيء ينبغي ان يكون لهم فلايكون بل كلّما ينبغي فهو حاصل لهم و ما لميحصل قبل حصوله لاينبغي لتوقّفه علي اسباب كونه و عينه و قدره و قضاۤئه و لايراد منهم شيء يتوقّف علي ما لاينبغي ليحصل النقص بفقده و فاقد ما لاينبغي له ليس ناقصاً بسبب فقده [ص 360] و ثانيها انّ الزيادة المتجدّدة ليست للتتميم ليكونوا قبلها ناقصين و انما هي للتكميل و الزيادة للتكميل لاتستلزم النقص قبلها و ان فرض في مراتب الكمال لاينافي التمام لان التمام راجع الي الذّات و التكميل راجع الي الصفات و ثالثها ان التمام المذكور اضافيّ اي بالنسبة الي من دونهم من ساۤئر الخلق فانهم لميجعلهم اللّه اولياۤء علي ما خلق و ابواباً لاحكام سلطانه و فيهم نقص عما يرادُ منهم فعله او تبليغه اوْ اَداۤؤه و ان قلنا بتفاوت ما بين حالتيهم قبل الزيادة و بعدها و رابعها انّ المراد بقولنا ليس فيه في رتبة الامكان نقص ان ذلك النور التام ليس فيه في رتبة الامكان المُسَاوي الّذي تَساوَي فيه الوجود و العدم و هو مقام الكون اي المشاۤء مشيّة الكون لِاَنّه في هذه تام ليس فيه نقصٌ و الّا لظهر النقص في ما تحته من آثاره و افعاله فلمّا وجدنا افعاله و مصنوعاته و آثارُ افعالِهٖ و صفاته سبحانه و تعالي ليس فيها نقص في شيء بل هي محكمة في غايةِ الاتقان و كمال الصّنع قطَعْنا بانَّ عِللَها التي هي العلّة المٰاۤدّية و العلّة الصوريّة و العلّة الغاۤئيّة بل ما هو فوق ذلك و كلّ ذلك هم عليهم السلام و منهم و ما تترتّب عليه يجب ان تكون تاۤمّة بل اتمّ من معلولاتها قطعاً و تفضل عليها لا اقل من سبعين مِثْلا و انما كان كذلك لانه سبحانه انما خلق الاشياۤء علي حسب اسبابها و ما تترتب عليه و كل ذلك من نورهم و لانريد بالامكان الامكان الراجح الذي هو مظهر البدع و الافاضات المخترعة لا من شيء التي لا نهاية لها و لا غاية قال سبحانه و لايحيطون بشيء من علمه الّا بما شاۤء اي لايحيطون بشيء من علمه الذي هو راجح الوجود الّا بما شاۤء اي انّ علمه المساوي الوجود و هو المشاۤء بالمشية الكونية المتعلقة بالاكوان يحيطون به لانّهم محلّ تلك المشيّة لا المشاۤء بالمشيّة الامكانية المتعلّقة بالامكان الذي هو محل الرجحان و في [ص 361] هذه الٰاية وجه آخر و هو ان المراد بالعلم الذي لايحيطون بشيء منه هو العلم الواجب الذي هو ذاته سبحانه و تعالي و المحاط به هو العلم المشاۤء الحادث فعلي هذا الاستثناۤء منقطع و علي الاول يحتمل ثلاثة وجوه احدها انّه متّصل لانّ العِلمَيْن حادثان و ثانيها انه منقطع لان الثاني ليس من الاول و لايطلق عليه حقيقة و لايدخل في مفهومه الّا لفظاً بل لايكاد يتناوله ليحتاج الي اخراج ما لولا الاستثناۤء لدخل فيه في حال انه لميكن داخلاً في الواقع و انما اتي به لبيان ما يحيطون به و ثالثها انه ليس بمتصل و لا منقطع و انه قسم ثالث و انما لميتعرض له اهل العربية لانهم لايعرفونه و انما يعرفه من عرف حقيقة هذا المشار اليه فاذا نظر الي ما قرّره علماۤء العربيّة وجده لايدخل في واحد منهما و وجب عليه في دليل الحكمة ان يجعله قسماً ثالثاً كما هو شأنُ جميع احوال برزخ البرازخ لانه لايدخل في حكم الوجوب و لا حكم الحدوث و لهذا قال الاكثر منهم بالوجوب و قال اهل العصمة عليهم السلام بالحدوث و دلّت اخبارهم باشاراتها علي انه لا اوّل له الّا عين ذاته اوجده اللّه بنفسه و لميكن قبله شيء الّا الازل الحق تعالي و لا معه شيء غيره و اللّه سبحانه بكل شيء محيط و انما اذكر هذه الاشياۤء و امثالها و ان لماكن بصددها تنبيهاً لطالب الحكمة علي بعض الاسرار الالهيّة و العلوم المخزونة المكنونة لعلّه يقرع باب الحكمة علي النحو الذي لايفتح لاحدٍ بابها الّا به .
و اما ان بعضهم اعلم من بعض و افضل من بعض فلايستلزم نقص المفضول هنا لانّ المراد بالمفضول هو من لميوجد في وقت الفاضل و رتبته فاذا وجد ساواه في جميع ما وصل اليه من ربّه الّا هذا الحرف و هو سبق الوقت و الرتبة مثالُهُ اذا كان عندك سراج ثم اشعلتَ منه سراجاً مساوياً له في القدر [ص 362] في النور و الفتيلة وَ الدهن فانه مساوٍ له و الاوّل وجد قبله و الثاني و ان ساواه و لكنه اشعل منه فهو افضل من الثاني فهذا مرادنا بذلك و هو قول علي عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء فافهم .
و اما ان كلهم محتاجون الي المدد فحق و لكن لايستلزم النقص كما قلنا في الوجه الاول لانه سبحانه لايمدّهم بشيء كان عنده مكوّنٍ قبل الامداد ليكونوا فاقدين لما يحتاجون اليه لوجوده في رتبة اعلي من رتبتهم فينزل عليهم و انّما يوجد اللّه سبحانه الامداد في ظهوره عليهم كما توجد الشمس مدد نورها المشرق علي الارض في اشراقه علي الارض لا قبله لانه لا قابل له غيرها فهو متوقف علي وجود الارض توقّف ظهورٍ اذ ليس له كون قبل ظهوره عليها الاتري الي صورتك في المرءاة فانّها حين ظهرت في المِرءٰاة تامّةً لا نقص فيها و تبقي موجودة مدّة مقابلتِكَ لها و في تلك المدة لاتتصوّر نقصاً فيها غير افتقارها اليك مع انّها لاتقوم لحظة الّا بما تُمِدُّهَا من ظهورِك لها بها فهي في كلّ لحظة طريّة جديدة بَل في الحقيقة انّما تقوّمَتْ بالمددِ تقوّم صُدُورٍ و مع هذا فلاتمدّها بما ليس منها و لها بل عدمها لازمٌ لوجودِها فما فُقِدَ من كونها لحق بامكانها فكمن فيه بعد انخلاع لباس الكون و ما وُجِدَ لها بالمدد فهو ما كمن في اِمْكانِها بعد ما البستَهُ ما نسجتَ له منه بتعيّناته و تشخّصاته حلّة الكون المناسبةَ للمستمدّ فظهر لها علي حسب حالها من الوقت و المكان و الرتبة و الجهة و الوضع بِمَعْنيَيْهِ الاخيرين اعني نسْبة الاجزاۤء بعضها الي بعضٍ و نسبة الاجزاۤء الي الامور الخارجة و من الكيف و الكمّ و غير ذلك فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه هنا و سابقاً ظهر لك انّ الصورة لاتستغني عن المدد لحظة و الّا لاستغنَتْ ابداً و ان المدد كلّ لحظة جديد ماكان قبل الٰان و انه لايكون من غير ما لَها و لا منها و انّ الصُّورة بذلك نهر [ص 363] مستدير علي نفسه يعني كرة مجوّفة تدور علي وجه ظهورك بها لها لا الي جهة فاذا عرفتَ هذا في الصورة مَعَ انّها ابدا ليْسَت ناقصةً الّا نقص الافتقار الي ظهورك لَهٰا بهَا عرفتَ اَنّهم عليهم السلام ابداً تاۤمّون مع استمرار استمدادهم من فيضه تعالي الاعلي الذي هم به متقوِّمون علي نحو ما اشرنا لك به منَ التمثيل بالمِرءٰاةِ فتفهّم و اقْرَأ وَ ارْقَ .
و قوله : و صدق مقاعدكم المقاعد جمع مقعد و هو مكان القعود و المراد بها مراتبهم الّتي رتّبَهُم اللّه فيها مثلاً رتّبَهُم اللّه في المقامات يعني ان اللّه سبحانه و له الحمد كان و اَلّا تعيّن له بل هو كنز مخْفي فاوّل ظهوره فيما احبّ من تعريفِه نفسَهُ بهم و كلّ ما سوي هذا المقام لايعرف الّا شؤن هذا المقام و هو الذي عناه الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب في قوله و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك و هو قول النّبي صلّي اللّه عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قول علي عليه السلام من عرف نفسَهُ فقد عرف ربّه و ذلك لان اوّل هذه المقامات و اشرفها مقام النّبي صلّي اللّه عليه و آله فهو اعرف الخلق باللّه سبحانه فيعرفون اي الخلق المعبود جل و علا بصفات الصِّفَات و هي صفات افعاله و صفات مظاهره و امّا هم صلوات اللّه عليهم فيعرفونه تعالي بهذه الصفات و المظاهر انفسها لانهم انفسها و ليس في الامكان معرفة اعلي من هذه و لميتعرّف تعالي بمقام اعلي منه و لهذا قال في دعاۤء شهر رجب لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك و المراد من المستثني هو المراد من المستثني منه و انما ذكّر الضمير في المستثنَي للبيان بتعريفها بما تظهر فيه آثار الخلق و الّا فالمراد واحد و لهذا لمّا اخذ في تبيين المستثني المنصوص عليه بالعبودية و الخلق انّث الضمير ليعلم انّ المراد منهم تلك بقوله فتقها و رتقها بيدك [ص 364] بدؤها منكَ و عودُها اليك فاذا عرفتَ هذا المقعد الحق الذي كلّما يُدّعا من دونه هو الباطل عرفتَ انه في غاية الصدق في الامكان و كيف لا و قد نص عليه الحجة عليه السلام بقوله لا فرق بينك و بينها و المقعد الثاني فيما دون ذلك و هو معانيه الّتي لاتعرف الا هي و لايعرف الّا بها و المقعد الثالث فيما دون الثاني و هو مقعد الابواب و هم في هذا المشهد سبيل اللّه الي خلقه و سبيل خلقه اليه و المقعد الرابع فيما دون الثالث و هو كرسي الامامة و القاعد عليه الامام المفترض الطاعة من الخالق سبحانه و الحجة علي الخلق و المقعد الخامس فيما دون ذلك مقعد الافعال و الاعمال و منها الاداۤء و التبليغ و الصدق في هذه المقاعد و ان كان في نفسه مختلفاً اختلافاً شديداً الّا انه يجمعه شيء واحد و هو الصدق مع اللّه في كلّ المواطن علي حدٍّ لايبلغه من سواهم بحيث لايفقدهم حيث يحبّ و لايجدهم حيث يكرَهُ و ذلك لان هذا الصدق في هذه المقاعد الخمسة هو ما عناه الصّادق عليه السلام و ادني حَدِّ الصّدق اَلَّايخالفَ اللسانُ القلبَ و لا القلبُ اللسانَ و مَثل الصّادق الموصوف بما ذكرنا كمثل النازع روحه ان لمينزع فماذا يصنع و هذا مثال لهم لا لغيرهم فان كان اَحَدٌ من غيرهم بهذه الصّفة فانّه بنسبة مقامه لميبلغ غاية الصّدق لانّ ما يدل عليه هذا اللفظ اذا اريد به المفهوم يكون مُشَكِّكاً متفاوتَ المراتب و امّا اذا اريد به المعني فلايزاحمهم فيه احد .
و قوله عليه السلام : و شرفَ مَحلِّكم و منزلتكم عنده الشّرف الرفعة و العلو و القدر و المحلّ بفتح الحاۤء المكان و بفتحها و بكسرها المكان و الوقت و المنزلةُ مَكان و مكانة و رتبةٌ و وقتٌ فقد عرَّفَ كل خلقه علوّ مكانهم و رفعته و سبق وَقتِهِمْ و قُرْب مكانتهم فالمكانةُ في الامكان كمُحدَّبِ مُحَدِّدِ الجهات في الاجسام و الرتبة فيه كالمُحدد في الاجسام و الوقت [ص 365] فيه من السرمد في المكانة كالزمان في محدَّبِ المحدّد و في الرّتبة كالزمان في المحدِّدِ و امّا المكان فالمكانة فيه كالمحدّب في المكانِ و الرّتبة فيه كالمُحدِّدِ في المكان و الوَقْت في المكان كالمكان في الوقتِ يعني انهما متساوقانِ و كل رتبة من احدهما في رتبةِ مُسَاوقِه كما ذكرنا في بعض رَساۤئلنا في الزمان و المكان و الجسم فانّا بَيَّنّا ان زمان محدّب محدّد الجهات في اللطافة كالمحدّب و كَمكانِهٖ و زمان المحدد في اللطافة كالمحدّد و مكانه و زمان فلك البروج فيها كفلك البروج و مكانه و زمان السموات السبع في اللطافة مثلها و مثل مكانها بل كل سماۤء مكانه و زمانه مثله و زمان الارض و ساۤئر الجمادات مثلها و مثل مكانها كذلك فكلما لطف الجسم لطف زمانه و مكانه بنسبة لطافته و كلّما كثف كثف فكذلك حكم وقت مراتبهم و مكانها في مقامِ او ادني حرفاً بحرف لان الامكان الراجح الذي هو مكان الابداع و الحقيقة المحمديّة و فلك الولاية المطلقة و السرمد الذي هو وقت هذه الثلاثة و هذه الثلاثة كلها من شبهٍ واحد يعني كل مرتبةٍ من واحدٍ منها كمثل مساويها من الٰاخرين في اللطافة و الشرف و الرتبة و الرفعة .
و قوله عليه السلام : و كرامتكم عليه الكرامة بمعني العزازة اي عدم النظير او قلّة النظير لا بمعني ضد الذلِّ فكرامتهم عليه انهم عنده ليس لهم مثل و لا نظير .
و قوله عليه السلام : و خاصتكم لديه اي عنده اَو ان لدي اخصّ من عند لانّ لدي قد تستعمل لاقرب مراتب ما تصدق عليه العند اَوْ لأعْلَي من اعلي مراتب ما تصدق العند لانّ لدي يقال لما يختصّ به من دون كل ما سواه كما في قوله عليه السلام و باسمك الذي استقرّ في ظلّك فلايخرج منك الي غيرك و امّا عند فلما في ملكه و خزاۤئنه و في كل ما تحت يده فلدي للاشرف و الاقرب [ص 366] فهي اخص من عند فلذا ذكر الخاۤصّة بلَدَي لا بعند و معني خاصتكم لديْه انّهم له قد استخلصه لهم في القدم من بين ساۤئر الامم كما قال علي عليه السلام في خطبة الغَدير و الجمعة فيؤل معني و كرامتكم عليه الي معني و خاۤصتكم لديه و بالعكس و قد تقدّم بيان ذلك مراراً .
و قوله عليه السلام : و قرب منزلتكم منه حتي قال من اطاعهم فقد اطاعني و من عصاهم فقد عصاني و قال عليه السلام لا فرقَ بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقُكَ و ذلك لانه سبحانه خلقهم في القرب و اقامهم في القرب حتي جعلهم معانيه و ابوابه و بيوته و معرفته و عبادته و الثناۤء عليه كما اشار اليه في الزيارة الجامعة الصغيرة التي اوّلها السلام عليك ايها النبي و رحمة اللّه و بركاته السلام عليك ايّها النبي المرسل و الوصي المرتضي و السيدة الكبري و السيدة الزهراۤء و السبطان المنتجبان و الاولاد الاعلام و الامناۤء المنتجبون قال في اٰخرها اشارة الي انهم الثناۤء عليه يسبّح اللّهَ باسماۤئه جميع خلقه و السلام علي ارواحكم و اجسادكم و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته ه ، و جعلهم ظاهره في خلقه و اسماۤؤه ( اسماءه ظ ) و صفاته و نعمه و حججه علي خلقه و مظاهر صفاته و افعاله في خلقه صلي اللّه عليهم اجمعين .