و ثانيهما عرضي و هو ما تَعلّقَ بمَنْ سِوٰاهم فانّ مَن سواهم من ساۤئر الخلق خلقهم اللّه تعالي لهم عليهم السلام و اليه الاشارة بقول سيد الوصيّين صلوات اللّه عليه نحن صناۤئع ربّنا و الخلق بعدُ صَناۤئِعُ لنا اي صنعهم اللّه لنا و في الحديث القدسي قال تعالي خلقتُ الاشياۤء لاجلك و خلقتك لاجلي و قربي الحديث ، فما اراد اللّهُ من ساۤئر خلقه في ايجادهم و شرعه و في تكليفهم و وجوداته من ساۤئر الحيوانات و النباتات و الجمادات من الغيب و الشهادة فهو اصلاح لمن اراد منه ذلك و ايجادٌ له و تتميم و تكميل ليبلغ الكتاب فيهم اجله و كلّ ذلك لهم و لشئونهم عليهم السلام يوم ظعنهم و يوم اقامتهم جعله تعالي لهم اثاثاً و متاعاً الي حين من صحبة كلّ شيء منها حتي يرجعوا ليس معهم غيرهم فيمحض المراد الذاتي وحده و لا غاية له في نفسه و في ما دونه و اللّه من وراۤئهم محيط فمراد اللّه من خلقه يدور علي ولايتهم فلا شركَ الّا الشرك بهم و بولايتهم و لا كفر الّا الكفر بهم و بولَايتهِمْ و اذا اريد بالشرك شرك الطاعة فانّ الشرك في طاعتهم شرك بطاعة عدوّهم و علي ما تقدّم من ان طاعتهم عين طاعة اللّه تعالي و طاعة عدوّهم شرك باللّه شرك عبادة يتّحد المعنيان في حقهم فمَنْ حاربهم علي ايّ معنيً بعد المعرفة شركٌ عظيم لايغفره اللّه سبحانه .

قوله عليه السلام : و من ردّ عليكم في اسفل درك من الجحيم اي مَن ردّ عليكم من ساۤئر خلق اللّه من الصامت و الناطق حكمكم و كذّب [ص 292] قولكم و ترك امركم و نهيكم استكباراً و عُلوّاً بعد المعرفة بكم و بمقامكم فهو في النار فقوله عليكم يعني انّه ردّه للحكم ليس لعدم فهمه او لاستثقاله علي نفسه او لشهوته بل عليكم ظلماً و علوّاً و هذا و ان كان يتحقّق الرّد عليهم من النباتات و الجمادات ظلماً و عُلوّاً في كلٍّ بحسبِه الّا ان قوله عليه السلام في اسفل درك من الجحيم لايتحقّق المراد هنا الّا في حقّ رؤس ائمة الضّلالَة الذين هم طلع شجرة الزقّوم كما قال تعالي طلعها كانّه رؤسُ الشياطين اي طلعها هو رؤس الشياطين لان المشبّه نفس المشبّه به في القرءان و في احاديثهم المتلقّاة عنهم في التفسير الباطن و ذلك من حكم اسفل لانه للتّفضيل و يؤيد ان المراد بهم رؤس ائمة الضلال الذين هم في اسفل درك من الجحيم ما في الاحتجاج عن النبي صلّي اللّه عليه و آله في حديث طويل في خطبته يوم الغدير يقول فيه معاشر الناس سيكون من بعدي ائمة يدعون الي النّار و يوم القيمة لاينصرون معاشر الناس انّ اللّه و انا بريئاۤنِ منهم معاشر الناس انهم و انصارهم و اشياعهم و اتباعهم في الدّرك الاسفل من النار و لبئس مثوي الظالمين و انّما قيل للنار دركات لان طبقاتها متتابعة متداركة بعضها فوق بعض و قد يقال لها درجات باعتبار اختلاف مراتبها لاختلاف مراتب اهلها و في تفسير علي بن ابراهيم بلغني و اللّه اعلم ان اللّه جعلها سبع درجات اعلاها الجحيم يقوم اهلها علي الصفا منها تغلي ادمغتهم فيها كغلي القدر بما فيها و الثانية لظي نزاعة للشّوي تدعو من ادبر و تولّي و جمع فاوعي و الثالثة سقر لاتبقي و لاتذر لوّاحة للبشر عليها تسعة‌عشر و الرابعة الحطمة و منها يثور شرر كالقصر كانه جمالات صفر تدقّ من صار اليها مثل الكحل فلاتموت الروح كلّما صاروا مثل الكحل عادوا و الخامسة الهاوية فيها ملوك يدعون يا مالك اغثنا فاذا اغاثهم جعل لهم آنيةً من صفر من نارٍ فيه صديدُ ما يسيل من جلودهم كانه مُهْل [ص 293] فاذا رفعوه ليشربوا منه سقط لحم وجوههم فيها من شدّة حرِّها و هو قول اللّه تعالي و ان يستغيثوا يغاثوا بماۤء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب و ساۤءَتْ مرتفقاً و من هوي فيها هوي سبعين عاماً في النار كلّما احترق جلده بُدِّلَ جلداً غيره و السادسة هي السعير فيها ثلثمائة سرادق من نار في كل سرادق ثلٰثمائة قصرٍ من نار في كل قصر ثلثمائة بيت من نارٍ في كلّ بيت ثلثمائة لون من عذاب النار فيها حَيّاتٌ منْ نارٍ و عقارب من نار و جوامع من نارٍ و سلاسل من نارٍ و اغلال من نارٍ و هو قول اللّه انا اعتدنا للكافرين سلاسل و اغلالاً و سعيراً ، و السَّابعة جهنّم و فيها الفلق و هو جبّ في جهنّم اذا فتح اسعر النارَ سعراً و هو اشدّ النار عَذَاباً و امّا صعود فهو جبل من صفر من نار وسط جهنّم و امّا الٰاثٰام فهو وادٍ من صفر مُذَابٍ يجري حوَل الجبَل فهو اشدّ النار عذاباً ه‍ ، فدلّ هذا علي انّ الجحيم هي العُليا من النارِ و عليه امّا ان يكون المراد بمن ردّ عليهم الاتباع لا ائمّتهم وَ ظاهر قوله في اسفل درك من الجحيم يدلّ ان المراد بهم ائمّتهم لا الاتباع و في حديث اسحق بن عمار من كتاب الخصال عن ابي‌الحسن موسي عليه السلام يقول ان في النار لوادياً يقال له سقر لم‌يتنفس منذ خلقه اللّه عز و جل لو اذن اللّه عز و جل له ان يتنفس بقدر مخيطٍ لاحترق ما علي وجه الارض و ان اهل النار يتعوّذون من حر ذلك الوادي و نتنِهٖ و قذَرِه و ما اعدّ اللّهُ فيه لاهله و انّ في ذلك الوادي لجبلاً يتعوّذ جميع اهل الوادي من حر ذلك الجبَل و نَتْنِهٖ و قذَرِه و ما اعدّ اللّه فيه لاهله و انّ في ذلك الجبل لشعباً يتعوّذ جميع اهل ذلك الجبل من حرّ ذلك الشعب و نتْنِه و قذَرِه و ما اعدّ اللّهُ فيه لاهله و ان في ذلك الشعب لَقليباً يتعوّذ جميع اهل ذلك الشعب من ذلك القليب و نتْنِهٖ و قذَرِه و ما اعدّ اللّه فيه لاهله و انّ في ذلك القليب لحيّةً يتعوّذ جميع اهل ذلك القلِيب من خُبْثِ [ص 294] تلك الحيّة و نتنِها و قذَرِها و ما اعدّ اللّه في انيابها من السّمّ لاهلِها و انّ في جوف تلك الحيّة لسبعة صناديق فيها خمسةٌ من الامم السالِفة و اثنان من هذه الامّةِ قال قلتُ جُعِلتُ فداۤءك مَنِ الخمسةُ و الاثنانِ قال (ع) امّا الخمسة فقابيل الذي قتل هابيل و نمرود الذي حاۤجّ ابراهيم (ظ) في ربه قال انا احيي و اميتُ و فرعون الذي قال انا ربّكم الاعلي و يهود الذي هوّد اليهود و بولس الذي نصّر النصاري و من هذه الامة اعرابيّان ه‍ ، و هذا يدل ظاهره انّ الحيّة و ما فيها من الصناديق لائمة الضلال كلها في سقر و من المعلوم انّ هؤلاۤء المذكورين لايكون احدٌ اشدّ عذاباً منهم فلاتكون نار اسفل منها و فيه دلالة ايضاً علي انّ الجحيم ليست هي السفلي و هذا يعطي انّ من ذكرهم الهادي عليه السلام في الزيارة هم الاتباع و في الخصال عن الصادق عن ابيه عن جده عليهم السلام قال ان للنّار سبعة ابواب باب يدخل منه فرعون و هامان و قارون و باب يدخل منه المشركون و الكفّار و مَن لم‌يؤمن باللّه طرفة عين و باب يدخل منه بنواميّة هو لهم خاۤصّةً لايزاحمهم فيه احد و هو باب لظي و هو باب سعير و هو باب الهاوية يَهْوي بهم سبعين خريفاً فكلّما هوي بهم سبعين خريفاً فارَ بهم فَوْرةً قذَف بهم في اعلاها سبعين خريفاً ثم هوي بهم كذلك سبعين خريفاً فلايزالون هكذا خالدين مخلّدينَ و باب يدخل منه مبغضونا و محاربونا و خاذلونا و انّه لاعظم الابواب و اشدّها حرّاً ثم قال و الباب الذي يدخل منه بنواميّة هُوَ لأبي‌سفيان و معاوية و آل مروان خاۤصّة يدخلون من ذلك الباب فتحطمهم النار حَطماً لايسمع لهم واعية و لايحيون فيها و لايموتون اقول ذكر عليه السلام هنا اربعة ابواب و الظاهر انّ الاول منها هو اعلاها و عليه فيكون الباب الذي يدخل منه مبغضوهم هو الرابع يعني الوسط من السبعة فيحتمل ان يراد بالاسفل الاوسط الذي احاطت به الابواب هذا ظاهر اللفظ ان الاصل في [ص 295] الابتداۤء الابتداۤء بالاول و الاظهر من المقام و بعض ما يستفاد من اخبارهم عليهم السلام انه عليه السلام ابتدأ بالرابع فيكون الباب الذي يدخلون فيه بنواميّة هو السادس و هو الاربع النيران سقر و سعير و الحطمة و الهاوية و لهذا ذكرها كذلك اما لأنّ الباب لسقر و يؤدّي الي السعير و منه الي الحُطمة و منه الي الهاوية او لأنّ كل باب يسمّي باسم الاخر لاشتماله علي ما في الاخر من انواع العذاب و ان كان بطورٍ ثانٍ فهو ما في الٰاخر في النوع فيطلق عليه و غيره في الشخص فيسمّي بغيره و في رواية ان النار اسفلها الهاوية و علي هذا يكون المراد بمبغضيهم ائمة الضلال و في المجمع عن اميرالمؤمنين عليه السلام ان جهنّم لها سبعة اطباق بعضها فوق بعضٍ و وضع (ع) احدي يديه علي الاخري فقال هكذا و انّ اللّه وضع الجنان علي العرض و وضع النيران بعضها فوق بعضٍ فاسفلها جهنّم و فوقها لظي و فوقها الحطمة و فوقها سقر و فوقها الجحيم و فوقها السعير و فوقها الهاوية و في رواية اعلاها جهنّم و اسفلها الهاوية اقول لعل كون جهنم اعلاها انّها اعلي طبقاتها فقد روي انّها ثلاث طبقات اَسْفلها الفلق و فيه الصّناديق و لا ريبَ انّ الصَّناديق في اسفل طبقةٍ من النار و كون الهاوية اَسْفلها انّها اسْفلُ من بعضِ الطبقات كما تشير اليه ما قدّمنا من الاخبار و لاسيّما حديث الخصال حيث جعل بابَها لبني‌اميّة خاۤصّةً و من المعلوم انّ في النار مَن هو اسوءُ حالاً منهم فيجب ان تكون ناره اسفل من الهاوية و في المعاني عن الصادق عليه السلام انه سئل عن الفلق قالَ صدع في النار فيه سبعون‌الف دارٍ في كل دارٍ سبعون‌الف بيت في كلّ بيتٍ سبعون‌الف اسود في كلّ اسود سبعون‌الف جرّة سمٍّ لا بدّ لاهل النار ان يمرّوا عليها .

اقول قوله ان يمرّوا عليها يدلّ بظاهرِهٖ علي انّ الفلق طريق لاهل النار [ص 296] و انّ فيها اسْفَل منه و يحتمل ان المراد باهل النار اصحاب التوابيت و ان المرور عليها هو المصير فيها و هو الذي يظهر لي و لايقال لو كانَت الفلق اسفل لَمٰاعرضت علي اهل التكليف يوم القيمة من الاطفال و المجانين و الجهّال و المستضعفين و ما اشبههم ممن لم‌يمحض الكفر و الايمان محضاً لأنا نقول انّما تعرض عليهم تشديداً للتّكليف كما عرضت اوّل مرة في الذر ليتحقّق صدق المطيع لامر اللّه بدخولها و روي القمي قال الفلق جبٌّ في جهنم يتعوّذ اهل النّار من شدّة حرّه سئل اللّه اَن يأذن له ان يتنفّس فاذِنَ له اَنْ يتنفسّ فاحْرق جهنّم الحديث ، و هذا مؤيّد لما اشرنا اليه من انّ الفلَق في جهنّم و انه يتعوّذ من حرّه النار التي منها جهنّم فهي اسفل الطبقات و محل الصناديق لانها هي الجب و الصناديق اختلف ظاهر الروايات في عددها فروي واحد و هو يراد به النوع او الجب الجامع لها او اعظمها و روي اثنان لاعرابيّين فيراد به الاعظم او العلّة فيها و روي اربعة او ستة لاربعة من الاولين و اثنين من الٰاخرين و روي سبعة كما تقدّم و روي ثمانية لاربعة من الاولين و اربعة من الٰاخرين و روي اثناعشر لستّة من الاولين و ستة من الٰاخرين و الجمع بينها علي نحو ما ذكرنا و اذا اطّلعتَ علي ما ذكرنا فاعلم انّ الظاهر من المراد من قوله و من ردّ عليكم انّهم الاعرابيان و مَن اتّبعهم علي بيان من امره فيكون المراد باسفل درك من الجحيم امّا ان المراد مطلق النار او انّ المراد باسفل دركٍ منها ما نزلَ عنها سواۤء فرضت الجحيم هي الاعلي او الوسطي او السفلي فانّ مراده عليه السلام انهم لعنهم اللّه و ابعدهم من رحمته الواسعة اشدّ عذاباً من جميع اهل النار من المنافقين و المشركين و الكفار و انما استحقّوا ذلك لان محمّداً صلّي اللّه عليه و آله قد بَيّن لهم الحقّ في افئدتهم و قلوبهم و نفوسهم و سرهم ( و ظ ) علانيتهم و باطنهم و ظاهرهم بما لم‌يقدر احد من خلق اللّه ان ياتي بمثله في الظهور و رفع [ص 297] الشبه و الجهل و الغفلة عنهم حتي جعل لهم تلك الخفايا ضروريّات لايشكّون فيها و مع هذا فقابلوه بالانكار و الجحود و العداوة الشديدة و سعوا غاية جهدهم في اَذيٰهُ و اذَي اهل بيته بما لايقدر علي مثله احد من المنافقين و المشركين و الكافرين فكانت امثالهم و صفاتهم و بدعهم قاۤئمة باحْقادهم و باطلهم ما دام النظام قد ملئت جميع الظلمات و اسّست الشبهات و العناد و الجحود لجميع البريّات ممّن كان او يكون الي يوم القيمة فاذا حشر الناس كانوا لهم اعداۤء و كانوا بعبادتهم كافرون ( كافرين نسخة ) يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغاۤئبين فثمرات تلك الامثال الباقية ابد الدهر يعذّبون بها بقدر مبلغها من سخط اللّه و غضبه و يعذّب بفاضلها جميع اهل النار من الاوّلين و الٰاخرين و يعذّبون ايضاً بمثل عذاب مَن عُذِّب بسببهم من الاوّلين و الٰاخرين و ليحملنّ اثقالهم و اثقالاً مع اثقالهم و ليسئلُنَّ يوم القيمة عمّا كانوا يفترون .

قال عليه السلام : اشهد ان هذا سابق لكم فيما مَضَي و جارٍ لكم فيما بقي .

قال الشارح (ره) اشهد ان هذا اي وجوب اتباعكم او كل واحدٍ من المذكورات سابقٌ لكم فيما مضي من الائمةِ اَوْ في الكتب المتقدّمة انتَهي .

اقولُ قَدْ مَضَي مَعْني اَشْهَدُ و امّا هذا فهو اسم اشارَةٍ الي القريب و القرب المستعمل فيه اعمّ من القُرْب الحَقيقي فيستعمل فيه و في القرب العرفي او المستحضر في الذّهن عند المتكلّم و اِنْ توَقّفَ فهْمُهُ عند المخاطَبِ عَلَي نَصْبِ قرينةٍ من المتكلّم لو اقتضي الحَالُ ذلك فاذَا فهمتَ معني هذا بنحو ما ذكرنا فيَحْتمل اَنْ يَكُونَ المشار اليه مَن اتّبعَكم فالجنّة مأواهُ الي اَشْهَدُ و هذا بناۤء علي اعتبارِ القرب الحقيقي و ان يكون من قوله سعِد مَن والاكم الي قوله اشهد و هو الظاهر من سياق الكلام و ان يكون من قوله مَن اتاكم نجي [ص 298] و هذا اقرب من احتمال ان يكون من قوله الي اللّه تدعون و ان يكون من قوله انتم الصراط الاقوم و ان يكون من قوله مَن والاكم فقد وَالَي اللّهَ و ان يكون من قوله و اشهد انّكم الائمة الراشدون المهديّون الخ ، و ان يكون مِنْ اوّلِ الزيارة و ان كان بعيداً و انّما احْتملنا هذا لانّ ما ذكر من الاحتمال الاوّل الحقيقي او ما يقرب منه في القرب انّما هو من فروع ما ذكر من الزيارة من الاوصاف التي استحقّوا بها ما يشهد بثبوته لهم عليهم السلام في كل وقت و مكانٍ ثم انّ قوله عليه السلام اشهد انّ هذا سابق لكم الخ ، شهادة منه بحقيقة ما ذكر في نفس الامر و تعليم لِشيعتِه لا مجرّد خصوص التعليم و لاينافي هذا قوله و اَنَّ اَرْوَاحَكُمْ و نورَكم و طينتكم واحدة لِمٰا ثبتَ عنهم عليهم السلام انّهُم يتَفَاضلون في مراتبهم لانّهم و ان كانوا متفاضلين في مَراتبِهمْ من جهة اختلاف القرب الي المبدء و ترتّب بعض مراتبهم علي بعض فانّ طينتهم و ارواحهم و انوارهم شيء واحِدٌ و هو نور واحد تعدّدت هياكله باعتبار تغاير جهاتهم من حيث احاطتهم بمبدئهم كما قال عليه السلام فجعلكم بعرشه محدقين و ليس ذلك الترتّب و التغاير في مراتبهم و جهاتهم الا علي نحو ما قال علي عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء فقد جمعتهم حقيقة واحدة في رتبة واحدة فلايكون قوله اشهد مخصوصاً بالتعليم .

و قوله عليه السلام : سابق لكم فيما مضي اي فيما مضي من الدهور الالف الدهر كما مر و الازمنة و هي زماننا هذا الجسماني و دهورنا فانها لهم ازمنة و قد ذكرنا مراراً انّ قلوب شيعتهم التي وقتها الدهر من فاضل اجسامهم التي وقتها زمان لهم و ان كان دهراً لغيرهم و انّما قلنا و الازمنة بالجمع لانّ دهر الانبياۤء زمان لهم و للانبياۤء عليهم السلام زمان لهم هو دهرٌ للمؤمنين و للمؤمنين زمان هو دهر لمن دونهم من الحيوانات او من [ص 299] بحكمهم و كل ما سوي دهرهم صلّي اللّه عليهم فهو لهم زمان فلهم دهور تفرّدوا بها و شاركوا غيرهم في اوقاتهم فهم مع كل طبقةٍ في وقتهم يشاركونهم في دهرهم اذا كانوا فيهم و في زمانهم و اذا لم‌يكونوا فيهم كان ذلك الدّهر زماناً لهم فلهم مع غيرهم حالتانِ و لهم مع ربهم سبحانه حالتان و لهم مع انفسهم حالة واحدة فلهم مع غيرهم دهور و ازمنة و لهم مع اللّه تعالي سرمد و دهورٌ و ازمنةٌ و لهم مع انفسهم دهور و زمان و ان شئت قلتَ دهر و زمان و ان شئتَ قلتَ دهر و ازمنة فهذا المشار اليه سابق لهم ثابت هو او حكمه او مع حكمه في كلّ وقتٍ من السرمد الي هذا الوقت اي من الفعل الي الماۤء و الارض الجرز في الاكوان النورانية الي العقول في الاكوان الجوهريّة الي الارواح في الاكوان الهوائيّة الي النفوس في الاكوان المائية الي الطباۤئع في الاكوان النّارية الي المواۤدِّ و الاشكال في اكوان الاظلّة و الذّرّ انّهم كذلك كما وصفوا به انفسهم و انّ من خالفهم و انكرهم و ردّ عليهم كما وصفوه و انّما جري لهم ذلك فيما مضي و فيما يأتي لانّ ذلك فرع لحكم ذاتي يقتضي ما ذكره عليه السلام اقتضاۤء لايردّه حكم من احكام الامكان ممّن دونهم لانّ كل من دونهم ملكوته في قبضة امر اللّهِ الّذي هو ذلك الحكم الذّاتي الذي هو مقتضي ذواتهم و اليه الاشارة بقوله عليه السلام في دعاۤء الصباح و المساۤء اصبحت اللّهم معتصماً بذِمامك المنيع الذي لايطاول و لايحاول الخ ، و في الدعاۤء اللهم اجعلنا في درعِك الحصينة الّتي تجعل فيها من تريد فان قلتَ ظاهر ما استدللتَ به اقتضاۤؤه لبعضِ ما ذكر و هو في اتباعهم و محبّيهم لان قوله بذمامك المنيع و قوله درعك الحصينة انما يدلّ علي حفظ من التجأ بهم دون هلاك من خالفهم و ردّ عليهم و المدّعي هو الامران كلاهما [ص 300] قلتُ انّ الشيء اذا ثبت له انّه حافظ لكلّ من التجأ به من كلّ مخوف ثَبت له في دليل الحكمة انّه لا ملجأ سواه و الّا لعادله الملجأ الٰاخر فلم‌يكن حافظاً لمن حاد عن ذلك الملجأ لانه قد فرض انه مساوٍ له و اذا حفظ عنه لم‌يساويه ذلك الٰاخر بل يكون ناقصاً عنه و اذا ثبت انه ناقص لم‌يكن مجيراً من التام و تنحصر النجاة في التام فيهلك من حاد عن التام لانه لا ملجأ دونه لقيام الكل به او عنه فان قلت عموم قولك هذا يدلّ علي انّ اللّه تعالي لايجير منهم عليهم السلام قلت هذا كلام لايقال لانّا قد بيّنا فيما مضي في مواضع كثيرة انّهم عليهم السلام ليسوا اغياراً لحكم قضاۤءِ اللّه بل حكمهم عين حكم اللّه اذ لا حكم لهم الّا ما حكم اللّه بهم عليهم و علي مَنْ دونهم فما ذكر عليه السلام فيما سبق من قوله سعِد من والاكم و هلك من عاداكم و امثاله معناه حقيقة سعِد من والي اللّه تعالي و هلك من عادي اللّه تعالي و مَن والي اللّه هو من والاهم اذ ليس للّه ولاية في خلقه غير ما جعل لهم و من عادي اللّه تعالي هو من عاداهم اذ ليس للّه عداوة غير ما جعل لهم و الّا لماصح قولهم الحقّ من والاهم فقد والي اللّه و من عاداهم فقد عادي اللّه فافهم لانه سبحانه و تعالي انّما احبّ ما كان له و انّما ابغض ما كان لعدوّه الشيطان و الذين له هم محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله و اتْباعهم من كلّ شيء و الذين للشيطان هم اعداۤؤهم و اتباع اعداۤئهم من كلّ شيء و هو قوله تعالي حكاية عن عدوّه الشيطان الرجيم و تسلّطه علي اولياۤئه لاقعدنّ لهم صراطك المستقيم ثم لٰاتينّهم من بين ايديهم و من خلفهم و عن ايمانهم و عن شماۤئلهم و لاتجد اكثرهم شاكرين و انّما قلنا انّ ذلك فرع لحكمٍ ذاتيّ لان الشيء الذي به شيئيِّة اشياۤء يجب له اَلّايكون لشيء منها شيئيّة بغيره و الّا لم‌تكن به شيئيّتُه بل بغيره سواۤء استقلّ ذلك الغير بها او شاركه و هذه الشيئيّة [ص 301] هي فرع ذلك الحكم و هذا الفرع مركّب من اثباتٍ و نفي في كلّ فردٍ و الّا لم‌يتميّز عن ضده فمن والاهم و تبرّأ من اعداۤئهم تحقّقت فيه شيئيّة السّعادة و مَن عاداهم تحقّقت فيه شيئيّة الشقاوة و من تولّي و لم‌يتبَرّأ لم‌يتولّ لانّه لم‌يتميّز عن العدو و لم‌يتزيّل و مَنْ تولّي عدوّهم و لم‌يتبرّأ منهم لم‌يتولّ عدوّهم لانّه لم‌يتميّز عن الولي و لم‌يتزيّل و هذا مستضعف او في حكمه كما ذكره الحسن بن علي بن ابي‌طالب عليهما السلام كما في الاحتجاج قال عليه السلام انما الناسُ ثلاثة مؤمن يعرف حقّنا و يسلّم لنا و يأتم بنا فذلك ناجٍ محبٌّ للّه وليٌّ و ناصب لنا العداوة يتبرّء منّا و يلعنُنَا و يستحلّ دماۤءنا و يجحد حقّنا و يدين اللّه بالبراۤءة منّا فهذا كافر مشرك فاسق و انّما كفر و اشرك من حيث لايعلم كما يسبّوا اللّه عدواً بغير علم كذلك يشرك باللّه بغير علم و رجل اخذ بما يختلف فيه و ردّ علم ما اشكل عليه الي اللّه مع ولايتِنا و لايأتم بنا و لايُعَادينا و لايعرف حقّنا فنحن نرجو اَنْ يغفر اللّه له و يدخله الجنة فهذا مسلم ضعيف ، قوله عليه السلام مع ولايَتِنا اي ردّ علمها الي اللّه تعالي لانها عنده ممّا اشكلت عليه .

قال عليه السلام : و انّ ارواحَكم و نُورَكم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعضٍ .

قال الشارح (ره) كما ورد في الاخبار الكثيرة انّ ارواحهم مخلوقة من اعلي عليّين و ابدانهم من عليّين و انوار علومهم و كمالاتهم واحدة طابت الارواح و طهرت الابدان او الجميع بعضها من بعض كما قال اللّه تعالي ذريّة بعضها من بعض اي من طينةٍ واحدةٍ مخلوقة من نور عظمته تعالي انتهي .

اقول الرّوح الكلّي واحد و هو روحهم عليهم السلام و انّما تعدَّدُوا [ص 302] بتعدّد الهياكل التي هي هياكل التّوحيد لاختلاف الجهات التي هي جهات قبولهم لا المراتب فانّها بالنسبة الي مبدئهم سواۤء في القرب الّا ترتّب بعضهم علي بعض و لا الكمّ الا بتفاضلهم في الترتب و لا في الكيف الّا ما نشأ منه عن تفاضل الترتّب و لا الوقت و المكان الّا ما نسب الي التّرتّب و اعلم ان للروح في مقام ذكرهم عليهم السلام اطلاقين يطلق و يراد به العقل الكلّي و القلم و هو الركن الايمن الاعلي من العرش و يطلق و يراد به الروح الكلّي المتوسّط رتبةً بين العقل الكلّي و النفس الكليّة و هو الركن الايمن الاسفل من العرش و قد اشار اليهما اميرالمؤمنين عليه السلام كما في الكافي عن ابن‌رࢨاب رفعه الي اميرالمؤمنين عليه السلام انّه قال انّ لِلّهِ نهراً من دون عرشه و دون النهر الذي دون عرشه نورُ نورِهٖ و انّ في حافتي النهر روحين مخلوقين روح القدس و روح من امره و ان للّه عشر طينات خمسة من الجنّة و خمسة من الارض ففسّر الجنان و فسّر الارض ثم قال ما من نبي و لا ملك من بعده جبلَهُ الّا نفخ فيه من احدي الروحين و جعل النبيّ من احدي الطينتين قلتُ لابي‌الحسن الاول ما الجَبْل قال الخلق غيرنا اهل البيت فان اللّه عزّ و جلّ خلقنا من العشرِ طينات و نفخ فينا من الرّوحين جميعاً فَاَطْيِبْ بها طيباً .

اقول الظّاهر اَنّ المراد بالنهر نهر الوجود المقيّد لانه يفيض من العرش و الروحانِ و الطينتان تفصيل العرش اذا اريد بالطينتين الباطنتانِ فروح القدس هو النور الابيض من العرش و الروح من امره هو النور الاصفر من العرش و يطلق علي كليهما روح من امر اللّه و الطينتان اذا اريد بهما الباطنتان يطلق عليهما و علي احدهما الروح الذي علي ملاۤئكة الحجب اي مُوكّل عليهم و هما النور الاخضر الاعلي عن يَسار العرش و النور الاحمر الاسفل عن يسار العرش و ظاهر الطينتين من عليين العليا الاولي جنّة عدن و جنّة المأوي و جنّة [ص 303] النعيم و جنّة الفردوس و جنّة الخلد و هي طين الجنان و السُّفْلَي طين الارض و هي مكة و المدينة و الكوفة و بيت المقدّس و الحاۤئر و قوله عليه السلام ما من نبي و لا مَلكٍ الخ يُراد منه و اللّه اعلم ان كل نبي و كل ملك ينفخ فيه من الرّوح الثانية الّتي هي روح من امره و بها العصمة فمن شعاعها كانت الانبياۤء معصومين و من نور شعاعها كانت الملاۤئكة معصومين و محمد وَ اهل بيته الطاهرون صلّي اللّه عليه و آله نفخ سبحانه فيهم من الروحين جميعاً يعني فيهما جميع الرُّوحَيْن و من سواهم نفخ فيهم من شعاع الثانية و هي روح من امرِهٖ روح العصمة و امّا الاولي التي هي باب اللّهِ فلم‌ينفخ منها في احدٍ و لم‌تكن عند خلقٍ الّا عند محمد و آله صلي اللّه عليه و آله فماكانت لأحدٍ من الانبياۤء وساطةٌ و سفارَةٌ في شيءٍ قليلٍ او كثير في الدنيا و الٰاخرة لانفسهم اَوْ لاحَدٍ من اُمَمهم الّا اِلي محمّدٍ و اهل بيته عليه و عليهم السلام فاذا سَمِعْتَ انّ احداً من الانبياۤء عليهم السلام كان بَاباً بينَ اللّهِ و بين امّته فاِنّما هو بين اُمَّتِهٖ و بين محمد و اهل بيته عليهم السلام الذين هم شفعاۤء جَميعِ الخَلْق و كذلك حكم الطينتين و من الدليل علي انّ من سواهم لاينفخ فيه من ذات ما ينفخ فيهم و انما هو من شعاعها ما رواه في البصاۤئر عن جابر الجعفي قال كنتُ مع محمد بن علي عليهما السلام فقال يا جابر خلقَنَا نحنُ و محبّينا من طينةٍ واحدةٍ بيضاۤء نقيّة من اعلي علّيّين فخلقنا نحن من اعلاها و خلق محبّينا من دونها فاذا كان يوم القيمة التقت العليا بالسفلي و اذا كان يوم القيمة ضربنا بايدينا الي حجزة نبيّنا (ص) و ضربَ اشياعنا بايديهم الي حجزتنا فاين تري يصيّر اللّه نبيّه و ذرّيّته و اَيْن تري تصير ذرّيّته محبّيها فضرب جابر يده علي يده فقال دخلناها و ربّ الكعبة ثَلٰثاً و منه عن ابي‌الحجّاج قال قال لي ابوجعفر عليه السلام يا اباالحجّاج انّ اللّه خلق محمّداً و آل‌محمد من طينة عليّين و خلق [ص 304] قلوبهم من طينةٍ فوق ذلك و خلق شيعتَنا من طينةٍ دون علّيّين و خلق قلوبهم من طينة عليّين فقلوبُ شيعتِنا من ابدانِ آل‌محمّد و انّ اللّه خلق عدوّ اٰل‌محمّد من طينة سجّين و خلق قلوبهم من طين اخبث و خلق شيعتهم من طين دون طين سجّين و خلق قلوبهم من طين سجين فقلوبهم من ابدان اولٰۤئك و كلٌّ يُجَرّ الي بدنه ، اقول قد ذكرنا مراراً ان المراد بقولهم عليهم السلام من دون ذلك او من فاضل طينة كذا كما في بعض الاخبار هو الشعاع و كذلك اذا قيل من نضح كذا و منْ عرق كذا و قد يستعمل النضح و الفضل بمعني الجزء و القسيم و الادلّة الخارجة فارقةٌ و ذلك كما في البصاۤئر عن بشر بن ابي‌عقبة عن ابي‌جعفر و ابي‌عبداللّه عليهما السلام قالا انّ اللّه تعالي خلق محمّداً من طينةٍ من جوهرة تحت العرش و انه كان لطينته نضحٌ فجبَل طينة اميرالمؤمنين عليه السلام من نضح طينة رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و كان لطينة اميرالمؤمنين (ع) نضح فجبل طينتنا من فضل طينة اميرالمؤمنين عليه السلام و كان لطينتِنا نضح فجبل طينة شيعتنا من نضح طينتنا فقلوبهم تحنّ الينا و قلوبنا تعطف عليهم تعطّف الوالد علي الولد و نحن خير لهم و هم خير لنا و رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله لنا خير و نحن له خير ه‍ ، فاستعمل عليه السلام النضح و الفضل في الجزء و القسيم و علي الاصل من كون المراد منه الشعاع في قوله فجبل طينة شيعتنا من نضح طينتنا فلَايشتبه عليك بعد التنبيه و ايضاً لايذهب عليك ما في بعض الاحاديث كما في هذا الخبر من انّهم اذا خلقوا من رسول اللّه او من اميرالمؤمنين عليهما السلام كانوا مُتَأخّرين عن مقامِهما مع انّا نقول انّهم في مقام واحدٍ و قد ورد هذا عنهم ذلك و انّهم خُلِقوا من نور وَاحدٍ روي الصدوق في كتاب المعراج عن رجاله الي ابن‌عباس قال سمعتُ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و هو يخاطب عليّاً صلوات اللّه عليه [ص 305] و يقول يا علي انّ اللّه تبارك و تعالي كان و لا شيء معه فخلقني و خلقك روحين من نور جلاله فكنّا اَمام عرش ربّ العالمين نسبح اللّه و نقدسه و نحمده و نهلّله و (ظ) ذلك قبل ان يخلق السموات و الارضين فلما اراد ان يخلق آدم خلقني و ايّاك من طينةٍ واحدةٍ من طينة علّيّين و عجَنَنا بذلك النور و غمَسنا في جميع الانوار و انهار الجنّة الحديث ، و في رياض الجنان باسناده مرفوعاً الي جابر بن يزيد الجعفي قال قال ابوجعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام يا جابر كان اللّه و لا شيء غيره و لا معلوم و لا مجهول فاوّل ما ابتدأ من خلقٍ خلقه ان خلق محمّداً و خَلقَنا معه من نور عظمته فاوقفنا اظِلّةً خضراۤء بين يديه حيث لا سماۤء و لا ارض و لا مكان و لا ليل و لا نهار و لا شمس و لا قمر يفصل نورنا من نور ربِّنا كشعاع الشمس من الشمس نسبّح اللّه و نقدّسُه و نحمده و نعبده حق عبادته ثم بدا لِلّهِ تعالي ان يخلق المكان و كتب علي المكان لا اله الّا اللّه محمد رسول اللّه علي اميرالمؤمنين و وصيّه به ايّدته و نصرته ثم خلق اللّه العرش فكتب علي سرادقات العرش مثل ذلك الحديث ، فذكر في الحديث الاوّل انهما من طينة واحدة و في الثاني انهم خلقوا معَهُ لان المراد بكونهم معه صلي اللّه عليه و آله من طينة واحدة في وقتٍ واحدٍ من السرمد و ما دلّ علي تأخّرهم عنه (ص) فالمراد به ترتّبهم عليه و لا ريبَ انّهم متاخرون عنه رتبةً لا وقتاً مغايراً بل هم معه في سرمد واحدٍ و ان كان له اوّله حتي انّه مقدّر عندهم عليهم السلام بثمانين‌الف سنة و هو وقت الحرف الذي فضل عليّاً عليهما السلام من العلم و به كان افضل منه روي ذلك جابر بن عبداللّه في تفسير قوله تعالي كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف قال قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله اول ما خلق اللّه نوري ابتدعه من نوره و اشتقّه من جلال عظمته فاقبل يطوف بالقدرة حتي وصل الي جلال العظمة في ثمانين‌الف [ص 306] سنة ثم سجد للّه تعظيماً ففتق منه نور علي عليه السلام فكان نوري محيطاً بالعظمة و نور علي محيطاً بالقدرة ثم خلق العرش و اللوح و الشمس و ضوء النهار الحديث ، فاخبر انّ نوره صلي اللّه عليه و آله بقي يطوف بالقدرة ثمانين‌الف سنة و الظاهر ان المراد منه ان يطوف علي حكم الولاية هذه المدّة التي هي مقدار سبق ظهور الولاية علي النبوّة التي هي العظمة و جلال العظمة فلمّا وصل نازلاً الَي مَقامِ النبوّة سجد للّه تَعْظيماً لانّه هو شأن النبوة بخلاف الحال الاوّل الذي هو شأن الولاية فانّه مقام ربوبيّة لا مقام عبوديّة فقامَ بالنبوّة و قام عليّ بالولاية بعد محمّد صلي اللّه عليه و آله و هو قوله فكان نوري محيطاً بالعظمة اي النبوّة و نور عليّ محيطاً بالقدرة اي الولاية و الاِحاطة في المقامَيْنِ لهذين العظيمين القيام بموجب ما يرادُ منه في حكمه فعبّر عن القيام بجميع احكامها بالاحاطة بِهَا فظهر مما اوردنا و ممّا نبّهنا عليه انّ ارواحهم و نورهم و طينتهم واحدة و ان تعدّدوا و انّما ذلك كنور السّراج لا كالسراج و نوره كما اذا نسب اليهم من سواهم بل هم كالسراج من السراج كما قال علي عليه السلام انا من محمّد كالضوء من الضّوء و هذا هو شأن البدل و اليه الاشارة بقوله تعالي ما ننسخ من آية او نُنْسِها نأت بخير منها او مثلها الم‌تعلم ان اللّهَ علي كلّ شيء قدير ، و مما يشير الي انّ طينة شيعتهم من شعاع طينتهم و فرعٌ عنها لا من حقيقتها ما تقدّم في حديث محمد بن مروان في من (كذا) الكافي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام في قوله لم‌يُجْعل لاحدٍ في مثل الذي خلقنا منه نصيب و خلق ارواح شيعتِنا من طينتنا و ابدانهم من طينة مخزونة مكنونة اسفل من تلك الطينة الحديث ، و ما في رياض الجنان عن ابن‌عباس انه قال قال اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه اتّقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه قال فقلتُ يا اميرالمؤمنين كيف ينظر بنور اللّه قال عليه السلام [ص 307] لانّا خلقنا من نور اللّهِ و خلق شيعتنا من شعاع نورنا فهم اصفياۤء ابرار متوسمون نورهم يُضيۤء علي من سواهم كالبدر في الليلة الظلماۤء ، اقول و يدخل في اسم الشيعة الانبياۤء عليهم السلام بل لهم الاسم و هم الشعاع و ساۤئر المؤمنين من شعاع نور الانبياۤء عليهم السلام روي في البصاۤئر عن عبدالغفار الجازي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال انّ اللّه خلق المؤمن من طينة الجنّة و خلق الناصب من طينة النار و قال اذا اراد اللّه بعبدٍ خيراً طيَّبَ روحه و جسده فلايسمع شيئاً من الخير الّا عرفه و لايسمع شيئاً من المنكر الّا انكره قال و سمعته يقول الطينات ثلاثة طينة الانبياۤء و المؤمن من تلك الطينة الّا ان الانبياۤء هم صفوتها و هم الاصل و لهم فضلهم و المؤمنون فرع من طينٍ لازبٍ كذلك لايفرّق اللّه بينهم و بين شيعتهم و قال طينة الناصب مِنْ حمأٍ مسنون و امّا المستضعفون فمن تُرابٍ لايتَحوّلُ مُؤْمِنٌ عن ايمانِهٖ و لا نَاصِبٌ عن نصبه و للّه المشيّة فيهم جميعاً ه‍ ، اقول ظاهر هذا الكلام الاخير و هو قوله و لِلّهِ المشيّة فيهم جميعاً ينافي قوله لايتحوّل مؤمن عن ايمانه و ذلك لانّ روايات تكليف الذر دالّة علي ان اللّه تعالي قال لاصحاب اليمين للجنّة و لاابالي و لم‌يشترط فيهم البداۤء و قال لاَصْحَاب الشمال للنار و لاابالي و اشترط فيهم البداۤء و لم‌يشترط في اصحاب الجنّة فقوله و للّه فيهم المشية جميعاً منافٍ لهذا و رفع الاشكال ان عدم اشتراط البداۤء في المؤمنين من الفضل و الجود فجرَت الحكمة مطابقةً لمقتضي الفضل و الجود كما جرت علي ذلك المقتضي باشتراط البداۤء في الناصبين و في الواقع ان الحكم الغير المشروط و المشروط هما من الممكنات المقدورات له تعالي و الشرط فيهما و في كل شيء حكم قيام الاشيَاۤء به قيام صدورٍ و عدم الاشتراط في اصحاب الجنّة من الفضل و الجود وَ لو شاۤء صَرَفَ [ص 308] ما شاۤءَ اِلَي مٰا شاۤء كما شاۤء فلا منافاة بين الحَدٖيثَيْنِ .

و قوله عليه السلام : طابت و طهرت لانّ المراد بالطّيب و الطهر التخلّص من الرذاۤئل و النَقاۤئص الظّاهرة وَ الباطنة من الذنوب النفسانيّة و الجسمانيّة في التكليفات الشرعيّة او التكليفات الوجوديّة من السّفاح الظاهري كما وقع عقد النكاح علي غير الوجه الشّرعي لخلل في لفظ العقد او في القصد كما لو وقع علي غير المقصود انكاحه او نكاحه او بغير رضي الطرفين او احدهما او من يعتبر رضاه او قصده في الطرفين اوْ احدهما او لكونه ممّن قد حَصل له النّصاب قبل ان يفارق منهنّ شيئاً او لكونها في عدة الغير او نكاحه او فاقدينِ للوليّ الّذي يتوقف النكاح عليه او احدهما او لكونهما محرمين او احدهما او احدهما كافر او بينهما رضاع او مصاهرة محرّمان او جمع محرم كالاختين او علي العمة و الخالة بغير رضاهما او كونهما مِنَ المحَارِمِ او نكح الزوجة بظنّ انّها اجنَبِية او المطلقة ثلاثاً قبل ان تنكح زوجاً غيره او تسعاً للعدة او متلاعِنَيْنِ او ظهارٍ قبل التكفير اوْ ايلاۤء كذلك او خلع او مبارأة قبل الرجوع في البذل في العدة و غير ذلك او السّفاح الباطني كما لو كان الصداق المعيّن من حرام علي اشكال او كانا او احدهما مبغضين لائمّة الهدي او احدهم عليهم السلام عن بصيرة او معتقدَيْن او احدهما كون العقد و النكاح علي الكتاب و السنّة و الولاية و البراۤءة غير مبيحٍ للنكاح مع البصيرة و ما اشبَه ذلكَ او نكح زوجته بظنّ انّها اجنبيّةٌ او بشهوة الاجنبيّة و ما اشبه ذٰلك و من ترك شيءٍ من الواجبات و المندوبات و فعل شيء من المحرمات و المكروهات من جميع ما يريد اللّه من عباده من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه بحيث يكون الطيب الطاهر الخالص من هذه النقائص و ما اشْبَهها لطيب طينته و طهارة طبيعته في جميع احْواله و اعماله و اقواله و اعتقاداته [ص 309] ينطبق طريقه علي الصراط المستقيم بغيرِ تَكَلُّفٍ بل باستقامة فطرته و طهارة خِلْقته فيكون في جميع احواله لايفقده اللّه سبحانه حيث يحبّ ابداً و لايجده حيثُ يكره ابداً فذلك الطيّب الطّاهرُ فقوله طابت و طهرت يريد الارواح و النور و الطينة و ارواحهم هي ماۤء الحيوة و النور الاصفر و هي واحدة و انّما تعدَدَتْ رقاۤئقها لما قلنا سابقاً من تعدّد جهَات التمكين و التمكن اللّذين بهما ترتّب بعضهم علي بعض في دهرٍ واحدٍ لهم هو لغيرهم سرمد اضافي و طيبُها لحقيقةِ ما هم اَهْله من نحو ما ذكرنا و نورهم هو وجودهم المعبّر عنه بالفؤاد و الكنه و الحقيقة و النفس و هو واحد لعدم تمَايزهم فيه او يراد به العقل و هو ايضاً لهم واحِدٌ و انْ حَصَل لهم تمايز معنوي فيه باعتبارِ تعدّد جهات التمكين و التّمكن كما في الارواح و هو النور الابيض و طيبُه كَما اَشَرْنا اِليه و لانّه لاينظر الَي نفسِهٖ بل الي جهة ربّه كما انّ الفؤاد لاينظر الّا الي ربّه فالروح قَدِ اسْتَوْلَي عَلَيْهَا نورُ ربِّها حتّي لم‌يَبْقَ منها الّا صورة حدودها و العقل قدِ اسْتولي عليه نورُ ربّه حتّي لم‌يبقَ منه الّا معني حدوده و قال السهروردي في قصيدته في صفة الواصلين :

منهمُ مَن عَفا و لم‌يبقَ للشكوي و لا للدموع فيهِ مَقيلُ

ليس الّا الانفاس تخبر عنه و هو عنها مُبَرَّءٌ معزولُ

و الفؤاد قد اضمحَلّ في النور فهو نور ربّه ، قال صفي‌الدين :

انحلَني الحبُّ في هواك فلو تَفَقّدتْني المنون لم‌ترني

و اليه الاشارة بقول اميرالمؤمنين عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّهِ و طينتهم طيبها و طهرُها لانها هندسة الايمان باللّه و هيئات امتثال امر اللّه و اجتناب نهيه و حدود مراقبة اللّه و كيفيّة الصّدق مع اللّه في كل المواطن و هيكل توحيد اللّه و صورة عبادة اللّه و طاعته و ما كان هكذا لايكون [ص 310] الّا هكذا كما وصفنا سابقاً .

و قوله عليه السلام : بعضها من بعض يريد انّها شيء واحد فاذا فرضتَ بعضاً منها فهو من البعض الٰاخر و ذلك الٰاخر من ذلك البعض لانّ ما لايكون هكذا لاتتحقّق فيه الوحدة الحقيقيّة لانّك اذا فرضتَ بعضاً لشيء و هو حين فرض فصْله مغاير للبعض الٰاخر بمعني انه لم‌يكن منه بل هما معاً من شيء آخر غيرهما فهذا ليس واحداً حقيقيّاً حين الاجتماع لان اجزاۤءَهُ مغايرة بعضها لبعض حين الفصل بخلاف ما اذا كان كلّ واحدٍ من الٰاخر فان هذا شيء واحد لايتكثّر بالفصل بل هو واحد في الفصل كما هو قبل الفصل فتأمّل و تفهّم فانّه دقيقٌ جدّاً و المراد انّ ارواحهم و نورهم و طينتهم في الطيب و الطهر ممّا اشرنا اليه من النّقاۤئص واحدة لا تفاضل فيها بوجه من الوجوه ثم اكّد هذا الاتّحاد بقوله بعضها من بعض و هذا المعني يظهر منه انه لايريد بالنور الفؤاد و انما يريد به العقل اذ لو اريد به الفؤاد لزم تساويهم في الفضل و قد ثبت عنهم تفاضلهم في الدرجات فان النبي صلّي اللّه عليه و آله افضل منهم باجماعهم و نصوصهم المتواترة معنيً و اجماع شيعتهم الّا ما يظهر من بعض الجهّال منهم ممن لايعدّ من العلماۤء بل و لا من شيعتهم العارفين فان منهم من يجعل الاربعة‌عشر سواۤء و منهم من يجعل محمداً و علياً صلي اللّه عليهما و آلهما سواۤء و منهم من يفضّل علياً علي محمد صلي اللّه عليه و آله و هذا ملحق بالغُرابية الكفرة القاۤئلين محمد بعليّ اشبَهُ من الغُراب بالعِراب و الذُّباب بالذِّئاب و قالوا بُعِث جبرئل الي علي فغلط الي محمد و يلعنون لعنهم اللّه صاحبَ الريش يعنون به جبرئل عليه السلام و منهم من يستثني محمداً و علياً و يسوّي بين الباقين و امّا المعتبرة اقوالهم من العلماۤء فاجمعوا علي فضل النبي صلي اللّه عليه و آله علي الكل و بعده علي [ص 311] علي الباقين ثم اختلفوا فمنهم من قدّم فاطمة عليها السلام علي الباقين كما هو في الذكر و منهم من فضّل الحسنين عليهما السلام عليها و علي التسعة من ذريّة الحسين و التسعة سواۤء و منهم من جعل فاطمة عليها السلام بعد الائمة عليهم السلام و هم سواۤء الّا علي فانه افضل و منهم من جعل محمّداً صلي اللّه عليه و آله افضل الخلق اجمعين ثم علي عليه السلام ثم الحسن ثم الحسين ثم القاۤئم ثم الائمة الثمانية ثم فاطمة عليهم السلام و هذا هو الذي يترجّح عندي و منشأ اختلاف الكل اختلاف الاحاديث ظاهراً ثم القائلون بالتفاضل اختلفوا هل ذلك لزيادة العلم او له و للعمل او عناية من اللّه تعالي او لزيادة ساۤئر الصفات في بعضهم علي بعض كالقوّة و الشجاعة و الكرم و غير ذلك و ليس هذا محل بيان هذا و ايراد ادلة القاۤئلين و الاصح عندي ان التفاضل لزيادة جميع الصفات للفاضل و من فتّش عن ادلة ذلك وجدها في احاديثهم و كان ممّا يشتبه فيه كثيراً حتي خفي علي فحول العلماۤء زيادة علم بعضهم علي بعض لورود احاديثهم بان نورهم سواۤء و علومهم سواۤء و انّ اللاحق منهم يحيط بجميع ما عند السابق عند آخر دقيقة من عمر السابق و الحقّ انّها مخصّصة و ان العلوم التي يتساوون فيها هو ما يحتاج اليه جميع الخلق و يتفاضلون فيما يخصّ كل واحد روي الحسن بن سليمن الحلي في مختصر بصاۤئر سعد بن عبداللّه الاشعري باسناده الي ايوب بن الحر عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال قلنا الائمة بعضهم اعلم من بعض فقال نعم و علمهم بالحلال و الحرام و تفسير القرءان واحد ه‍ .

اقول و هذا ما قلنا من ان ما يتساوون فيه من العلوم هو ما يحتاج اليه الخلق لان كلّاً منهم حجّة مستقل علي ساۤئر الخلق فلايجوز ان يكون حجة عليهم و ليس عنده جميع ما يحتاجون اليه و امّا ما يتفاضلون فيه فهو [ص 312] ما يخصهم من معرفة اللّه سبحانه لان معرفة كلّ شخص هو كنه ما ظهر له اللّه سبحانه و تعالي به و هو حقيقته التي هي آية ربّه الكبري له و لا ريب انه ظهر لمحمد قبل ان يظهر لعلي فعند محمد صلي اللّه عليه و آله حرف من العلم لايعلمه علي و قد تقدّم الايماۤء الي طول ذلك الحرف و عرضه و انه ثمانون‌الف سنة في وقت القدرة من السرمد و ظهر سبحانه لعلي قبل الحسن و للحسن قبل الحسين و للحسين قبل القاۤئم و للقاۤئم قبل الثمانية و لهم قبل فاطمة صلي اللّه عليهم اجمعين فهم فيما ينتقل و يحوّل من العلوم سواۤء و امّا ذات الشيء فلاينتقل الي غيره فافهم و لاينافي هذا كونهم سواۤء فانهم سواۤء آمنّا باللّه و ما انزل الي نبيه صلي اللّه عليه و آله و ما انزل اليهم لانفرّق بين احد منهم و نحن له مسلمون و الحاصل ان هذه الحقيقة التي هي آية اللّه الكبري و بها التفاضل هي الوجود المعبر عنه بالفؤاد فينبغي ان يحمل قوله و نورهم علي العقل و ذكرنا في تفسير النور انه هو العقل او الفؤاد لبيان انّ النور قد يطلق علي كل واحد منهما و قد يقال للعقل نور و للفؤاد سرّ كما في بعض الاخبار و لو ابقينا الكلام علي اطلاقه او عمومه و لم‌يخصّص النور بالعقل امكن حصول الوحدة في الفؤاد و لاينافيه التفاضل كما نقول انّ النور المتشعشع من السراج واحد حقيقة و ان اختلفت مراتبه باختلاف القرب الي السراج و ان حملنا الاختلاف علي ترتب بعضهم علي بعض لانا لانريد به الّا ذلك الترتب الذي قدّر وقته في السرمد بالنسبة الي الزمان او الدهر ثمانين‌الف سنة .

قال عليه السلام : خلقكم اللّه انواراً فجعلكم بعرشه محدقين .

قال الشارح (ره) مطيفين اي مستفيضينَ من علمه او طاۤئفين بالعرش الصّوري في الاجساد المثالية كالطواف بالبيت انتهي .

اقول امّا ان اللّه تعالي خلقهم [ص 313] انواراً من نوره قبل ان يخلق شيئاً من خلقه فهو معلوم متواتر معني في احاديثهم و امّا انه سبحانه جعلهم بعرشه محدقين فهو ايضاً لا اشكال فيه انّما الاشكال في جعلهم بعرشه محدقين بعد ان خلق العرش فهم قبل خلق العرش يسبحونه في الكان و المكان ام خلق العرش قبل ان يخلقهم فلمّا خلقهم جعلهم محدقين بالعرش ام ظهروا مع العرش اي خلقوا مع خلقه فلم‌يظهر العرش في الوجود الّا بهم او لم‌يظهروا في الوجود الّا في العرش ام فيه تفصيل كما يأتي و المعروف من اطلاقات رواياتهم ان العرش يطلق و يراد به احد معاني نذكر بعضها يتميّز بعضها من بعض بالمقام اي بخصوص مقام الاطلاق فيطلق و يراد به الملك و ملكوت الاشياۤء و اسبابها و العلم الباطن و اصل مطلع البدع و علم الكيف و الكون و القدر و الحد و الاين و المشية و صفة الارادة و علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البَدْئ و عرش الاحديّة علي ما اصطلحنا عليه كما هو المفهوم من اخبارهم من ان الاحديّة المعروفة صفة فعلٍ و عرش الوحدانية و المثل الاعلي بمعني التقدس و المثل الاعلي بمعني الالوهيّة و الربوبية و الرحمانية و المثل الاعلي بمعني الٰاية الكبري و النبأ الاعظم و الاسم الاكبر و الاسماۤء الحسني و الخلق و الرزق و الحيوة و الممات و علي اللّوح المحفوظ و علي الواح المحو و الاثبات و علي كل فرد فيما تحته من الافاعيل و علي محدد الجهات و علي كل فلك فيما تحته و كل عنصر فيما تحته فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء و اليه ترجعون و ممّا يدل صريحاً علي تعدد المراد ما رواه في التوحيد باسناده الي حنان بن سدير قال سألتُ اباعبداللّه عليه السلام عن العرش و الكرسي فقال ان للعرش صفاتٍ كثيرة مختلفةً له في كل سببٍ وضع في القرءان صفة علي حدةٍ فقوله ربّ العرش العظيم يقول الملك العظيم و قوله الرحمٰن علي العرش استوي يقول علي الملك احتوي و هذا ملك الكيفوفية [ص 314] في الاشياۤء ثم العرش في الوصْل متفرّد من الكرسي لانّهما بابان من اكبر ابواب الغيوب و هما جميعاً غيبان و هما في الغيب مقرونان لانّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الاشياۤء كلها و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحد و الاين و المشية و صفة الارادة و علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدئ فهما في العلم بابان مقرونان لان ملك العرش سوي ملك الكرسي و علمه اغيب من علم الكرسي فمن ذلك قال ربّ العرش العظيم اي صفته اعلم من صفة الكرسي و هما في ذلك مقرونان قلتُ جعلت فداءك فلم صار في الفضل جار الكرسي قال انه صار جاره لان علم الكيفوفيّة فيه و فيه الظاهر من ابواب البداۤء و اينيّتها و حد رتقها و فتقها فهذان جاران احدهما حمل صاحبه في الظرف و بمثل صرف العلماۤء و يستدلوا علي صدق دعواهما لانه يختصّ برحمته من يشاۤء و هو القويّ العزيز فمن اختلاف صفة العرش انه قال تبارك و تعالي ربّ العرش عما يصفون و هما وصف عرش الوحدانية لان قوماً اشركوا كما قلتُ لك قال تبارك و تعالي ربّ العرش ربّ الوحدانية عما يصفون ، و قوم وصفوه بيدين فقالوا يد اللّه مغلولة و قوم وصفوه بالرجلين فقالوا وضع رجله علي صخرة بيت المقدس فمنها ارتقي الي السماء وَ وصَفوه بالانامل فقالوا ان محمداً قال اني وجدت برد انامله علي قلبي فلمثل هذه الصفات قال ربّ العرش يقول رب المثل الاعلي عما به مثّلوه و للّه المثل الاعلي الذي لايشبهه شيء و لايوصف و لايتوهّم فذلك المثل الاعلي و وصف الذين لم‌يؤتوا من اللّه فواۤئد العلم فوصفوا ربهم بادني الامثال و شبّهوه بالمتشابه منهم فيما جهلوا به فلذلك قال و ما اوتيتم من العلم الّا قليلاً فليس له شبه و لا مثل و لا عدل و له الاسماۤء الحسني التي لايسمّي بها غيره و هي التي [ص 315] وصفها في الكتاب فقال فادعوه بها و ذروا الذين يلحدون في اسماۤئه جهلاً بغير علم فالذي يلحد في اسماۤئه بغير علم يشرك و هو لايعلم و يكفر به و هو يظن انه يحسن فلذلك قال و مايؤمن اكثرهم باللّه الّا و هم مشركون فهم الذين يلحدون في اسماۤئه بغير علم فيضعونها غير مواضعها يا حَنَان ان اللّه تبارك و تعالي امَر انْ يتّخذ قوم اولياۤء فهم الّذين اعطاهم اللّه الفضل و خَصَّهم بما لم‌يخصّ به غيرهم فارسل محمّداً صلي اللّه عليه و آله فكان الدليل علي اللّه باذن اللّه عز و جلّ حتي مضي دليلاً هادياً فقام من بعده وصيّه عليه السلام دليلاً هادياً علي ما كان هو دلّ عليه من امر ربّه من ظاهر علمه ثم الائمة الراشدون عليهم السلام ، اقول آخر هذا الحديث الشريف ليس فيه ظاهراً استشهاد علي ما ذكرنا من امر العرش و انّما ذكرته لبيان ان المراد بهذا الكلام هو بيان بعض ما يطلق عليه العرش من مراتب اطلاقاته العليا فان قوله تعالي سبحان اللّه ربّ العرش عما يصفون ان المراد بالعرش هنا المثل الاعلي كما ذكر عليه السلام و اشار بهذا الكلام الي انّ من دعاه باسماۤئه الحسني فقد وصفه بما له تعالي من صفاته و سمّاه باسماۤئه التي ظهر بها لمن عرفه بها و هو تأويل قوله الرحمن علي العرش استوي اي وصف نفسه لعباده الصالحين بصفاته و سمّي نفسه لهم باسماۤئه عليهم السلام ليعرفوه بها و اسماۤؤه الّذين سمّي نفسه بها و امر عباده اَنْ يدعوه بها هم محمد و آله المعصومون صلي اللّه عليه و آله و صفاته التي وَصف نفسه بها لمن احب ان يعرفه كما يحبّ هي ولايتهم عليهم السلام و من الحَد في اسماۤئه تعالي بان وَصَفَهُ بولاية اعداۤئهم التي هي صفات النقص تعالي اللّه عن ذلك و سمّاه باعداۤئهم الذين هم الاسماۤء السوءۤي و زعم ان اللّه تعالي امر ان يدعي بها فقد اشرك من حيث لايعلم لانه اتّخذ رجالاً اولياۤء [ص 316] و قد نهي اللّه تعالي عن ولايتهم و اتّباعهم و امر بالبراۤءة منهم و عدلَ عمّن جعلهم اللّه اولياۤء و ادلّاۤء هادين و امر بولايتهم و اتّباعهم و نهي عن عداوتهم و عن البراۤءة منهم و امرَ بالبراۤءة من اعداۤئهم فمعني العرش هنا المثل الاعلي اي سبحان اللّه ربّ العرش اي ربّ المثل الاعلي الذي هو ما وصف نفسه به من ولاية اولياۤئه و سمّي نفسه بهم لمن ارادَ ان يدعوه بها اي اُنزّهه بهذا الوصف و بهذه التسمية عما يصفه الملحدون به من تلك الاوصاف القبيحة و سمّوه بتلك الاسماۤء السوءۤي الذين هم اعداءُ اولياۤءِ اللّه و اسماۤئِه الحسني و هذا المعني الذي ذكرته لك من هذا الحديث صريح ظاهر لمن خاطبَهُ به اولياۤؤه صلواتُ اللّه عليهم فاذا كانَ هٰذَا المعني الذي هو المثل الاعلي الذي هو العرش في بعض اطلاقاته كما ذكره الصادق عليه السلام في هذا الحديث صريحاً و تلويحاً فمعني استواۤئه تعالي علي هذا العرش ظهوره تعالي بتلك العزّة المرادة من هذا المثل الاعلي و هو العرش هنا و هو قوله تعالي سبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون و لقد اجاد عبدالحميد بن ابي‌الحديد في هذا المعني بنسبة معرفته حيث قال في مدح علي عليه السلام في قصيدته الراۤئيّة :