و قوله عليه السلام : و الي سبيله تُرْشِدون
السَّبيل الطَّريق يذكّر و يؤنّث و المراد بسبيل اللّه معرفته و طاعته و دينه و وليّه وَ وَلايته و قد تقدّم من هذا كثير و لعلّ هذه الفقرة بَيَانٌ لما قبلها فانّ معني الي سبيله ترشدون الي اللّهِ تدعون اي الي معرفته و طاعته و امتثال اَوامِره و اجتناب نواهيه و هو معني و عليه تدلّون و به تؤمنون و له تسلّمون و بامره تعملون و كلّ ما اريد منها فيما اشرنا اليه يراد هُنَا و فيه زيادة تراد هنا و لاتراد فيما قبلها الّا بتكلّف لا فاۤئدة فيه و هي انّهم عليهم السلام سبيله فاذا اريد بسبيله غيرهم فظاهر و ان اريد به هم فيجب ان تعتبر مغايرة الداعي و المدعوّ اليه بان يكونوا يدعون العباد الي انفسهم من حيث هم سبيل اللّه لئلّاترجع الدعوة الي انفسهم خاۤصّة لانّه كفرٌ و كذلك ينبغي هذا الاعتبار في و بامره تعملون لانهم امر اللّه فاذا اريد بالامر في هذه الفقرة هم فلا بُدَّ من ملاحظة انّهم يعملون بانفسهم من حيث انهم امر اللّه و كذا بقوله تحكمون فانهم قوله تعالي فاذا ارَدْناهم بالقول في مثل هذه الفقرة فلا بدّ من ملاحظة انّهم قولهُ لا انّهم قَوْلٌ مطلق لاستلزامه المحذور .
و قوله عليه السلام : و بقوله تحكمون
يراد منه ما اشرنا اليه من المراد بالقول من اللفظي و المعنوي و يراد من الحكم الحكم الشرعي و حكم ايجاده و الحكم الايجادي و حكم شرعه و يراد من القول اللفظي ما نزل اليهم و ما نزل عنهم و ما نزل بهم و من القول المعنوي ما نزل بهم و ما نزل منهم و امّا ما ينزل اليهم فمنهم في الحقيقة و ذلك لانّ الممكن لا بقاۤء له و لاتقوّم بدون المدد فهو ابداً يتلاشَي و يضمحل بالتدريج و ابداً [ص 247] يصاغ و يعاد بالتدريج و المدد الوارد عليه ليس لغيره و انما هو له لانه ممّا يمكن له بخصوصه و مما مضي منه بمعني انّ ما مضي منه يعود اليه لانّ ما اضمحلّ من وجوده يلحق بالعدم الامكاني في وجهه من الامكان الرّاجح فاذا نزل عليه ذلك المدد من وجهه من الامكان الراجح وُجِدَ بوجوده و بيانه انّ وجه زيد من الامكان الراجح اي المشيّة و ما تقوّمت به و تحقّقت و ظهرت به هو كنهه الذي لايفني و وجهه الذي لايهلك و لا غاية له في الامكان و لا نهاية و زيد ظاهره و باطنه من غيبه و شهادته مثال ذلك الوجه و صورته كالصورة في المرءاة بالنسبة الي الوجه المقابل للمِرْءٰاةِ و جعل المدد يجري من الوجه و يتّصل بالصورة و به تقوّمُها و بقاۤؤها و لو وقف لحظة فُقِد زيد كما انّ الصورة في المِرءٰاة لو فقدت مقابلة الوجه لحظة فقدت لانّ بقاۤءها بذلك و قد وكّل اللّه بذلك ملاۤئكة تمكين التكوين كلّما اعوجّت قوابل جزء من ذاتِ زيد عن مقابلة وجه ذلك الجزء حتي فنِيَ و لحق بالامكان الاصلي من ذلك الوجه اقامت الملاۤئكة ما اعوجّ من تلك القوابل حتي قابلت وجهه فظهر في زيد مثل ما فقد منه و كلّما تجدّدت له قوابل لمتكن عنده وجّهتها الملاۤئكة الي وجه زيد من الامكان الراجح فيعطيها ما سألته بلسان استعدادِها فتحمله الملاۤئكة الي تلك القوابل المتجدّدَة بعدَ اقامتها للمقابلة و يكون اوّل ظهور ذلك المدد الي الكون و تحقّقه مقابلة القوابل للوجه فلايرد عليه شيء من المدد الّا ما كان له مما يمكن له و ما مضي منه هو مما يمكن له فهو عاۤئد اليه فالعاۤئد من المدد هو ما ذهب عنه في اصل الماۤدة و هو غيره في ظاهر الصورة و امّا في باطنها فهو هو و هذا معني قولنا و امّا ما ينزل اليهم فهو منهم في الحقيقة لانه جل و عز يقول سيجزيهم وصفهم ، و ان ليس للانسان الّا ما سعي هذا باطنه و امّا ظاهره فلو كان ما ذهب من زيد لايعود و ان ما يأتيه جديد لكان زيد ابداً جديداً [ص 248] لميكن له عمل يثاب عليه و لايعاقب به لان المباشر للعمل ذهب و اتي جديدٌ لميعمل شيئاً و هذا في كل لحظة كما تري في النهر الجاري ما ذهب منه لميعد و ما اتي فجديد و ليس كذلك بل ما ذهب منه يعود بعد العدم الي الوجود كما بَدَأكم تعُودُون فان كان ما عاد حين ذهبَ طاۤئعاً عادَ مُسْفِراً مستبشِراً و ان كان حين ذهب عاصياً و اتبع بالتوبة النصوح عاد منه كالاوّل و منه خالياً من الصِّفةِ و ان لميتبع بالتّوبة النصوح عاد عليه غبرة ترهقه قترَة قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدّاً ثم لمّا كان ما يمكن للشيء غير متناهٍ في الامكان ابداً وجب ان يكون المدد غير متناهٍ لان خزاۤئنه سبحانه لاتتناهي و لايظهر فيها النقص بكثرة الانفاق بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاۤء و لا رَيْبَ لانّها من الممكن و لو كانت من القديم لماجاز الانتقال علي القديم و التغيّر فما ينزل اليهم عليهم السلام فهو منهم لانه ممّا يمكن لهم و الشيء حقيقةً انّما هو شيء بما يمكن له فان قلتَ انّ الشيء شيء بالفعل قبل ان ينزل اليه ما ينزل اليه قلتُ انّما كان شيئاً بما نزل اليه و لايمكن قيامه لحظةً بدونِ ما ينزل اليه ليتحقّق له شَيْئيَّةٌ بدون المدد و حيث قلنا انّ ما ينزل اليه هو ما ذهب عنه اَوْ مٰا لَهُ وجب ان يكون علي هيئة نهرٍ يجري مستديراً يرجع عودُه علي بَدْئِهِ الّا انّه كرةٌ تدور لَا الي جهةٍ يظهر عليها ما خفي منهَا فاذا عرفتَ ذلك فيعتبر عند ارادة القول المعنوي اذَا عنيتَهم به انّهم قوله يحكمون به من حيث انهم قوله لئلّايرجعَ الحكم الي انفسهم فافهم .
قال عليه السلام : سَعِدَ مَن والاكم و هلَك مَن عاداكم و خاب مَنْ جحدكم و ضلّ من فارقكم و فازَ من تمسّكَ بكم و امِنَ مَن لجأ اليكم و سَلِمَ مَنْ صدَّقكم و هُدِيَ مَن اعْتَصَمَ بكم .
[ص 249] قال الشارح (ره) و خاب مَن جحدكم و لميؤمن بامامتكم فانه من الخاسرين الهالكين و ضلّ من فارقكم و ترك متابعتكم في الاعمال او من كان من المستضعفين فانّهم الضاۤلّون و روي انّ للّه فيهم المشيّة و فاز و نجا من تمسّك بكم علماً و عملاً و امِن من العذاب من لجأ اليكم بالاعتقاد و المتابعةِ و الاستشفاع و سلم من الهلاك من صدّقكم في الامامة و غيرها و هُدِي علي صيغة المجهول مَن اعتصم بكم كما قال اللّه تعالي و اعتصموا بحبل اللّهِ و هو الائمة عليهم السلام كما في الاخبار المتكثّرة انتهي .
اقول السعادة ضدّ الشقاوة و المراد من ضدّ السعادة هنا هلاك الدين الذي هو الشقاوة الحقيقيّة في الدّارين فيراد بقوله سعِد من والاكم حيِيَ حيوة طيّبة في الدارَيْنِ لِانه في مقابلة هلك من عاداكم فسَعادَتُهُ في الدُّنْيٰا توفيقُه لاَفْعالِ الخير و قبول اعماله و ان كانت ناقصةً لانّ ولايتهم تتمّ ما نقص من اعمال محبِّيهم و اثابتُه علي القليلِ بالكثير و دفع البلايا عنه الّا البلايا الجميلة فانّها قد ترد علي محبّيهم هديّةً من اللّه سبحانه امّا لرفع درجته فانّ عند اللّه مقاماتٍ لاولياۤئه شريفة لاتُنال الّا بالمحن و البلايا في هذه الدنيا و امّا لتكون كفّارةً لذنوبه و امّا لِتدفعَ بلايا اعظم منها كما رُوي عن اميرالمؤمنين عليه السلام حين اتاه سلمن الفارسي و هو مُغطٍّ رأسه فقال لَهُ ما معناهُ ما لك يا اباعبداللّه مُغطٍّ رأسك فقال انّ فيّ زُكاماً فقال ما معناه انّ في كل شخص ستّة عروق عرق الجنون و عرق الجذام و عرق العمي و عرق الطاعون و عرق البرص و عرق البواسير فاذا تحرّك عرق الجنون ارسل اللّه عليه الزكام فيبطله و اذا تحرّك عرق الجذام انبت اللّه الشعر في الانف فيبطله فلاتأخذه بالمنقاش و خذه بالمقراض لطيفاً و اذا تحرّك عرق العمي ارسل اللّه عليه الرمد فيبطله و اذا تحرّك عرق الطاعون ارسل اللّه عليه السعال فيخرجه بلغماً و اذا تحرّك [ص 250] عرق البرص ارسل اللّه عليه الدّمامل فيخرجه قيحاً و اذا تحرّك عرق البواسير ارسل اللّه عليه شقوق الاعقاب فيبطله فهذه و امثالها بلايا من الله ليصلح بها عبده و يدفع بها عنه ما هو اعظم منها مع ما فيها لوليه من الاجر العظيم و امّا البلايا الجميلة فقد ورد فيها كثير من الاحاديث و احب ان اذكر شيئاً منها هنا لانّها من اعظم ما ينبغي للمؤمن ان يعرفه ليشكر اللّه علي نعمة البلاۤء و ليعرف انّها اعظم النعم فمنها ما روي عن الكاظم عليه السلام من عاش في الدنيا عيشاً هنيئاً فليتّهم في دينه فان البلاۤء اسرع الي المؤمن من اللمح بالبصر و عن الصادق عليه السلام المؤمن كثير البلوي قليل الشكوي و روي عن النبي صلّي اللّه عليه و آله من حسن ايمانه و كثر عمله اشتد بلاۤؤه و من سخف ايمانه و ضعف عمله قلّ بلاۤؤه و قال الباقر عليه السلام انّ اللّه ليتعاهد الرجل بالبلاۤء كما يتعاهد الرجل بالهديّة و يحميه عن الدنيا كما يحمي الطبيب المريض و عن الصادق عليه السلام ما من مؤمنٍ الّا و هو يذكر في كلّ اربعين يوماً ببلاۤء يصيبه امّا في ماله او في ولده او في نفسه فيؤجر و هو لايدري من اين هو و قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله ما مِنْ شيء يصيب المؤمن من تعبٍ و لا نصبٍ و لا همّ و لا اذيً الا كفّر اللّه عز و جل به خطاياه و عنه صلي اللّهُ عليه و آله طينة المؤمن من كلّ شيء الا الكذب و الخيانة و عنه (ص) ان وليّ عليّ عليه السلام لَنْتَزُولَ له قدَمٌ حتي تثبت لهُ اخري و عن سعدان بن مسلم عن الصّادق عليه السلام المؤمن مبتلَي طُوبي للمؤمن اذا صبر علي البَلاۤء و سلّم للّهِ تعالي القضاء قلتُ جُعِلتُ فداۤءَك من المؤمن الممتحن قال الذي امتحن بوليّه و عدوّه اذا مَرَّ باخوانه اغتابوه و اذا مرّ باعداۤئه لعنوه فصبر علي تلك المحنة كان مؤمناً ممتحناً و من كتاب التمحيص عن يونس بن يعقوب قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول (ظ) ملعونٌ كل بدنٍ لٰايُصَابُ في كل [ص 251] اربعين يوماً قلتُ ملعون قال ملعون قلتُ ملعون قال ملعون فلما رءاني قد عظم ذلك عليّ قال يا يونس انّ من البليّة الخدشة و اللّطمة و العثرة و النكبة و الهفوة و انقطاع الشسع و اختلاج العين و اشباه ذلك انّ المؤمن اكرم علي اللّه من ان يمر عليه اربعون يوماً لايمحّصه فيها من ذنوبه و لو بغمّ يصيبه مايدري ما وجهه واللّهِ انَّ اَحدَكم ليَضع الدّراهم بين يديه فيزنها فيجدها ناقصةً فيغتمّ بذلك ثم يعيد وزنها فيَجدُهَا سواۤء فيكون ذلك حطّاً لبعض ذنوبه و في كتاب مسكّن الفؤاد عند فقد الاَحبَّةِ و الاولاد لشيْخِنا الشهيد الثاني رُوِيَ انّ اَسْماۤء بنت عُميس رضي اللّه عنها لمّا جاۤءَها خبرُ ولدِها محمد بن ابيبكرٍ انه قُتِل و احرق بالنار في جيفة حمار قامَتْ الي مسجدها فجلسَتْ فيه و كظمت غيظها (ظ) حتي شخبت يداها دماً و فيه ايضاً عن ابيعبداللّه عليه السَلام قال دُعِيَ النبي صلّي اللّه عليه و آله الي طعَامِ فلما دخل الي منزل الرجل نظر الي دجاجةٍ فوق حَاۤئِطٍ قد باضت فتقع البيضة علي وتدٍ في حاۤئطٍ فتثبتُ عليه و لمتسقط و لمتنكسِر فعجب النبي صلّي اللّه عليه و آله منها فقال له الرجل اعجبتَ من هذه البيضة فو الذي بعثك بالحق نبيّاً مارُزِيتُ شيئاً قطّ فنهض رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و لميأكل من طعام الرجل (ظ) شيئاً و قال (ص) مَنْ لميُرْزَ فما للّه فيه من حاجةٍ ه ، اقول و هذا قليل من كثير فتأمّل في هذه الاحاديث فانّها تدلّ علي انّ البلايا من اعظم نعم اللّه علي عبده المؤمن فيَجب شكرها و انّ الرخاۤء من اللّه لعبده فان كان بعد بلاۤء و شدّةٍ فهو محمود لانّه ترويح له و تفريح و تذكير له ليرجو في الشّدةِ الرخاۤءَ ثم لايديم له الرخاۤء لئلّايركن الي دار الفناۤء و هكذا حاله مع محبِّ علي و اهل بيته عليهم السلام و هو معني قوله تعالي ماتردّدت في شيء انا فاعله كتردّدي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت [ص 252] و اكره مساۤءته و لا بد له منه فهذا من سعادة محبي عليّ عليه السلام و هو من البلاۤء الحسن في قوله تعالي و ليبلي المؤمنين منه بلاۤءً حسناً و منها توفيقه لاصابة الصواب في الاقوال و الافعال و الاعمال و الاعتقادات و العلوم و منها دفع الشُّبَه و الشكوك عنه بنور يقذفه اللّه في قلبه لمحبّتِهٖ لَهُ اَوْ يُقدِّر لهُ مَنْ يُعَلِّمهُ اَوْ يُلْقِي مَا يشاۤء اليه من الامداداتِ في المنامِ و غيره و منها ظهوره علي اعداۤء الدّين بتلقينه الحجّة كما قال تعالي انّا لننصر رُسُلَنا و الّذين آمنوا في الحيوة الدّنيا و هو وعد منَ اللّه سبحانه بنصر الحجّة و لنيخلف اللّه وعده و منها ان يجعل اللّه له بولايتهم قلباً ذاكراً تخطب عليه الملاۤئكة و تنقر فيه بالالهامات و الافكار الصاۤئبة حتي يعرف آياتِ اللّه في الٰافاق و في نفسه و يعقِلُها و يعرف موصوله و مفصوله و يعرف حيث و كيف و لم و يخلص للّه الوحدانية في افكاره و اطواره و اعماله و اقواله كما قال تعالي يؤتِ الحكمة من يشاۤء و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيراً كثيراً و مايذّكّر الّا اولوا الالباب و هم شيعتهم عليهم السلام خاۤصّةً و ليس لغيرهم من ساۤئر الناس لبٌّ بل لهم قلوبٌ لايفقهون بها الحكمة و لهم اعين لايبصرون بها الٰاية و لهم آذان لايسمعون بها الموعظة فالحكمة نورهم و الٰاية صفتهم و الموعظة فعلهم صلّي اللّه عليهم اجمعين اولۤئك يعني الناس غير شيعتهم كالانعام بل هم اضل اولۤئك هم الغافلون يعني عن ذكر اللّه محمد و اهل بيته صلي اللّه عليه و آله بدليل قوله بعد هذا و للّه الاسماۤء الحسني فادعوه بها اي فاعبدوه بها و اعرفوه بها و اطيعوه بها و اسئلوه بها و في قوله و للّه الاسماۤء الحسني نُكْتَةٌ و هي انّ اعداۤءهم هم الاسماء السُّوٰاۤي و ليست للّه و لايُدْعَي بها و انما يدعي بها الشّيطان و منها ان يجعل اللّه تعالي له لساناً ذاكراً اي مشتغلاً بذكر اللّهِ مثل اللهم صل علي محمد و آلمحمد و مثل سبحان اللّه و الحمد للّه و لا الهَ الّا اللّهُ و اللّٰهُ اكبر و مثل الكلام في العلوم [ص 253] النّافعة للّهِ او فيما للعلوم النافعة و المواعظ و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و الاصلاح بين الناس و الكلام في اَمْر معيشتِهٖ عَلي الوجه المشروع و بالجملة جميع ما يعنيه من الكلام الراجح في ظاهر الشرع و باطنه و منها ان يجعل اللّٰهُ لَهْ بدَناً علي البلاۤء صابراً علي نحو ما اشير اليه في الاخبار المتقدّمة من الرّضَا و عدم الشكوي لِيُبَدِّلَهُ اللّٰهُ لَحْماً غير لحمِهٖ و دماً غير دمِه و بَشَراً غير بشره يعني لايعصي اللّه فيها و منها ان يقدّر اللّهُ له زوجةً صالحة تسرّه اذا نظر اليها و تطيعه اذَا امرها و تحفظه اذا غَابَ عَنْهَا في نفسِها و ماله كما في الخبَر و منها ان يبصِّرَهُ اللّه بعيوب نفسِه حتي يشتغِلَ بها عن عيوب غيره و يكون بما اطّلع به علي نفسه ابداً ماقِتاً لَها يري نفسَهُ مقصِّراً في طاعة ربه فهو مستحٍ منه خاۤئف وجل غير آمنٍ من العقوبةِ و هو لعلمه بكرم ربّه راجٍ للمثوبة و منها ان يظهر اللّه اعماله الصالحة للنّاسِ ليكون محبوباً عند القلوب بمعني انّ كل مَن رءاه استحسن معاملته مع ربّه من صديق و عدوٍّ و في عيون الاخبار قال حدثنا ابوالصلت عبدالسلام بن صالح الهروي قال سمعت علي بن موسي الرضا عليه السلام يقول اوحي اللّه الي نبي من انبياۤئه اذا اصبحتَ فاوّل شيء يستقبلك فكُلْهُ و الثاني فاكتمهُ و الثالث فاقبله و الرابع فلاتؤيسْهُ و الخامس فاهرب منه قال فلمّا اصبح مضي فاستقبله جبل اسود عظيم فوقف و قال امرني ربّي عز و جل ان آكل هذا و بقي متحيّراً ثم رجع الي نفسه فقال انّ ربّي جل جلاله لايأمرني الّا بما اُطِيق فمشي اليه ليأكله فكلّما دنا منه صغر حتي انتهي اليه فوجده لقمةً فاكله فوجدَها اطيب شيء اكله ثمّ مضي فوجد طشتاً من ذهبٍ فقال امرني ربّي ان اكتم هذا فحفر له و جعله فيه و القَي عليه التراب ثم مضي فالتفتَ فاذاً الطشتُ قد ظهر قال فعلتُ ما امرني عز و جل فمضي فاذا هو بطَيْرٍ و خلفه بازي فطاف الطير حوله [ص 254] فقال امرني ربّي ان اقبل هذا ففتح كُمَّه فدخل الطير فيه فقال له البازي اخذتَ صيدي و انا خلفه منذ ايّام فقال امرني ربّي ان لااُؤيس هذا فقطعَ من فخذه قطعةً فالقيٰها اليه ثم مضي فلمّا مضي فاذا هو بلحم مَيتةٍ مُنتِنٍ مُدَوِّدٍ فقال امرني ربّي عز و جل ان اهربَ من هذا فهرب منه و رجع و رأي في المنام كانه قد قيل له انّك قد فعلتَ ما اُمِرتَ به فهل تدري ما ذلك قال لا قيل له امّا الجبَل فهو الغضب ان العبد اذا غضِبَ و دخل النار لمير نفسه و جهل قدرَهُ من عظم الغضَب فاذا حفظ نفسه و عرف قدره و سكن غضبه كانت عاقبته كاللقمة الطيبّة التي اكلها و اما الطشت فهو العمل الصالح اذا كتمه العبد و اخفاه اَبي اللّه الّا ان يظهره ليزيّنه به مع ما يدّخر له من ثواب الٰاخرة و اما الطير فهو الذي يأتيك بنصيحةٍ فاقبله و اقبل نصيحته و اما البازي فهو الرجل الذي يأتيك في حاجة فلاتؤيسه و اما اللحم المنتِن فهي الغيبة فاهرب منها انتهي ، فمثّل سبحانه العمل الصالح اذا كتمه صاحبه للّه تعالي فانّه يظهره ليزيّنه بين عباده و ذلك من سعادة الدنيا و منها ان يحييَهُ حيوة طيبةً بان يرزقه الرضي بما قسم له و ذلك اثر صدق المحبّة لهم و في قوله تعالي من عمل صالحاً من ذكر او انثي و هو مؤمن فلنحييَنَّهُ حيوة طيّبَة قال القمّي القنوع بما رزقه اللّه و سئل علي عليه السلام عنها اي الحيوة الطيّبة فقال هي القناعة و عن النبي صلي اللّه عليه و آله انّها القناعة و الرّضا بما قسم اللّه تعالي و امثال ذلك مما يخصّ اللّه سبحانه به عبادَهُ الصَّالحين و سعادته بين الدنيا و الٰاخرة ان لايقبض روحَهُ الّا برضاه ليكون باختياره محبّاً للقاۤء اللّهِ لان من كره لقاۤءَ اللّهِ كَرِه اللّهُ لقاۤءَهُ فان علم انه محب للبقاۤء في الدنيا ابتلاه بالمحن في الدنيا حتّي يكره البقاۤء فاِن خٖيف عليه القنوط رُوِّحَ بالرخاۤء فاذا خيف عليه الركون شُدِّد عليه حتّي يكره البقاۤء فيها و هو [ص 255] معني ماترددتُ في شيء انا فاعله كترددي في قبض رُوح عبدي المؤمن يكره الموت و اكره مساۤءته الحديث ، يعني اكره ان اقبض رُوحَهُ و هو غير راض فاكون قد اَسَأْتُهُ او اكره مساۤءَتَهُ بمعني اني اذا قبضتُ روحه و هو غير راضٍ ختم له بالسُّوۤء فاذا قرب اجله و حضر اتاه مُحمّدٌ و اهل بيته و الملاۤئكة وَ مَلكُ الموت و كلّ يوصي ملك الموتِ به و يكون عليه اشفق من الام الشفيقة ثم تأتيه ريح مُنْسِيَةٌ من الجنّة تنسيه اهله و ما يحب في الدنيا ثم ريح مسخية حتي يسخي بنفسه و اهله و ما يحبّ للقاۤء اللّه ثم يظهر له ملك الموت بصورة رضا ائمّتِه عنه و يخاطبه بِصُورةِ لحْنِهِمْ فيمدّ الاوّل الي مادةِ رُوحِهٖ و الثّانِي الي هيئتِها فتنجذب اليهما انجذاب اشتياقٍ كانجذاب الصفة الي موصوفها و الحديد الي المغناطيس فتنسلّ من اقطار بدنه كانسلال الشعرة من العجين لما تستنشق من طيب نسيم اللّقاۤء في دار البقاۤء و هو قوله تعالي فروح و ريحان و جنّة نعيم ثم تنقل الي جوار ائمته في الجنّتين المدهاۤمتين و الي وادي السلام الذي هو دار السلام و سعادته في الٰاخرة بما يتنافس فيه من الدرجات في الجنان و النعيم فلاتعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة اعين جزاۤء بما كانوا يعملون حيث لاترد عنهم شهوة الّا بما يحب اللّه و رسوله و الائمة صلي اللّه عليه و آله فهو مكلّف بما يشتهي نفسه و هذا الذي سمعتَ من نوع السعادة انما هي لمَنْ وَالاهم اي لمن آمن بهم بسرّهم و علانيتهم و احبّهم و جحد اعداۤءَهم و ما يَدَّعُونه من مقامهم و ابغضهم و هذا الايمان بولايتهم علي الفتح فانّها بمعني التصرّف المطلق كما مرّ مكرراً و علي الكسر فانها بمعني الملك و السلطان و المعنيان جاريان في قوله تعالي هنالك الولاية للّه الحقّ هو خير ثواباً و خير عقباً اي الولي الذي جعله اللّه مظهراً لهذه الولاية خيرٌ ثواباً اي لمحبّيه و المتوالين به المتّبعين له و هو قوله عليه السلام [ص 256] نحن العمل و محبّتنا الثواب و ما جري له في هذه الولاية جري للحامل لها لا فرق بينه و بينهم الّا انّهم عباده و خلقه اي بينه فيما نسب الي افعاله و بينهم فيما نسب اليهم بامره فانّه انّما يفعل بما شاۤء من محاۤلّ افعاله و متعلّقاتها و هم محاۤلّ افعاله و بهم فعل ما فعل كما في قوله تعالي و مارميتَ اذ رميتَ و لكنّ اللّهَ رمي و قوله عليه السلام و هلك من عادَاكم معناه علي الضد ممّا سمعتَ في مَن والاهم يجريان علي نمطٍ واحدٍ هذا في الخير و ذلك في الشر فراجع و تفهّم .
و قولهُ عليه السلام : و خابَ مَنْ جَحدَكم
اي خسِرَ الدُّنْيٰا و الٰاخرة ذلك هو الخسران المُبينُ اَمَّا خسران الدّنيا فلما يَرِدُ عليه من ظلماتِ الباطلِ و الشكوك الموجب للرَيْن عَلي قلوبهمْ و الطَّبْع حتي لايوفَّقُوا لشيء من الحقّ لا في اعتقادٍ و لا في عملٍ و لا في طَهَارة مولدٍ و لَا لرِزْقٍ حلالٍ و ذلك لجحودهم ولاية آلمحمد صلي اللّه عليه و آله لانهم اطاعوا الشّيطان و ذلك تأويل قوله تعالي تاللّهِ لقد ارسلنا الي اممٍ من قبلك فزيّن لهم الشيطان اعمالهم فهو وليّهم اليوم من قوله تعالي و اتقوا الذي خلقكم و الجبلّة الاولين و قوله تعالي و ان يعودوا فقد مضت سنة الاوّلين و قوله تعالي سنة اللّه في الّذين خلوا من قبل و لنتجد لسنّةِ اللّه تبديلاً لانّ اولٰۤئك لمّا اتتهم رسلهم بالتوحيد و النبوة و الولاية جحدوا ولاية محمد و آلِهٖ صلّي اللّه عليه و آله و زيّن لهم الشيطان ولاية غيرهم فقبِلوها لما بينهم من المشاكلة في الجور و الضّلالة فالشيطان وليهم في الدنيا يخرجهم من النور الذي اتت به الانبياۤء من الدعوة الي قبول الولاية الي الظلمات التي هي ولاية اعداۤئهم و هو وليّهم اليوم يصوّر لهم الشيطان في قبورهم عيناه من نحاسٍ و لهم عذاب اليم هذا لمن جحد الولاية و من جحد الولاية من هذه الامة بعد ظهور الٰايات القاطعات في الٰافاق و في انفسهم بتبيين سيّد المرسلين [ص 257] صلي اللّه عليه و آله حتي حصل لهم اليقين بالحقّ كما قال تعالي في حقّهم و جحدوا بها وَ اسْتيقنتها انفسهم ظلماً و عُلوّاً بعد البَيان كما جحدها الاولون فقال اللّه تعالي فقد مضت سنّة الاوّلين الذين زيّن لهم الشيطان و هؤلاۤء وليّهم الشيطان يخرجهم من نور الولاية و الهداية الي ظلمات الضلالة و الغواية كما ذكرنا بخلاف مَن تولّي بهم فانّ اللّه وليّه يخرجه من ظلمات الجَهْل و الضّلالة و الغواية الي نور العلم و الولاية و الهداية و اما خسرانهم في ما بين الدنيا و الٰاخرة فلِمٰا يلقَون من الشدة من حضور اولياۤءِ اللّه و امرهم الملاۤئكة النازعات غرقاً بالتشديد عليهم يوم يرون الملاۤئكة لا بشري يومَئِذٍ للمجرمين و ذلك عند النزع و عند السؤال و من الضرب بالمِرْزَبَةِ و من الدخان في قبورهم و فورة الحميم و امّا خُسرانهم في الٰاخرة فنزل من حميم و تصلية جحيم لايقضي عليهم فيموتوا و لايخفّف عنهم مِنْ عذابِها و معني جحدكم اي جَحَدَ كونهم ائمّة و اولياۤء و اوصياۤء رسول اللّه صلي اللّه عليهم فان قلت كيف يكونون جاحدين و هم لايعلمون و من المعلوم انّ الجحود لايكون الا بعد المعرفة و قد قال الله قل هل نُنَبِّئُكُم بالاخسرين اعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحيوة الدنيا و هم يحسبون انّهم يحسنون صُنْعاً ، قلتُ قد ثبت ان اللّه سبحانه عدل لايجور و صادق لايكذب فقال في كتابه الناطق علي لسان نبيه الصادق صلي الله عليه و آله و ماكان اللّه ليضلّ قوماً بعد اذ هديهم حتّي يبيّن لهم ما يتّقون و قال تعالي و ماكنّا معذّبين حتي نبعث رسولاً و امثال ذلك من القرءان و من الاحاديث فيجب بمقتضي الادلّة القطعية ان تكون الٰاية الاولي محكمة و ان تكون الثانية متشابهة و بيان ردّها الي المحكم فيه الجمع بين المختلفات من الٰايات و الروايات فان في الروايات ما يطابق الثانية كما تقدم من قول الصادق عليه السلام هيهات فات قوم و ماتوا قبل [ص 258] ان يهتدوا و ظنّوا انّهم آمنوا و اشركوا من حيث لايؤمنون هو ان اللّه سبحانه خلق الخلق باجابتهم دعوته اذ قال الستُ بربّكم فخلقهم كما اجابوه و ان اختلفت اجابتهم و لا ريبَ انّ هؤلاۤء لميجيبوا كما دُعُوا الّا ظاهراً و قلوبهم منكرة و هم مستكبرون فكانت صورة ظواهرهم كهيئة هيكل الحق فاذا سمعوا الحقّ استيقنوا به و كانت قلوبهم بسبب انكارِها باعثة لهم علي انكار الْحَقّ فلمّا فعلوا خلاف ما اسْتيقنوا به حدثت فيهم صورة الانكار التي هي ثمرة تغيير خلقِ اللّه فَكٰانُوا بمقتضي صورة انكارهم يميلون الي الباطل الذي هو ولاية ائمّة الجور و يَرْضَوْنَ بها و يعملون بمقتضاها حتّي تشَوَّهُوا بصور الباطِلِ و بمقتضَي هيئة ظواهرهم التي هي الصورة الاِنْسانِيّة الناشيَة من الاجابة الظّاهرة يستيقِنُونَ الحقَّ و لايعملون بمقتضاها لانّ آلات العمل تملّكتها صورة الانكار و كانت اَوْلَي بها من صورة الاجابة لسبقِ صورة الانكار الي استعمال الٰالات في مقتضاها حَتّي اَنست بها بخلافِ صُورةِ الاجَابَةِ فبصورة الانكار احبّ الباطل وَ مال اِلَيْه و بصورة الاجابة التي هي الفطرة استيقنَ بحقيّةِ الحقّ و بصورة الانكار انكر الحقّ و بصورة الاجابة انكر الباطل فهو بين المتجاذبَيْن متردّدٌ بين الطرفَيْن فهم في ريبهم يتردّدون قد جعل اللّه بهما صدرَهُ ضيّقاً حرجاً كأنّما يَصَّعَّدُ في السّماۤءِ كذلك يجعل اللّهُ الرجس علي الذين لايؤمنون فلو لميَعْرِفِ الحَقَّ لَمْتَقُمْ عليه الحجة بتركه و لَوْ لميعرف الباطل لميستحقّ ثواباً علي تركِهٖ و في حال الانكار و العمل بموجبه يحسب انّه يحسن صنعاً و في حالِ الاجابةِ و استيقان الحقّ مع ترك العمل بموجبه يقطع بضلالته فهو علي جميع الاحوال مضطرب الْاعتقادات و الاقوال و الاعمال .
[ص 259] قوله عليه السلام : و ضلّ مَن فارقكم اي ضاع و تَاهَ وَ لَمْيَدر اين طريقه اَوْ اَين مطلبه و لميهتدِ الي طريق نجاته او مقصوده و بمعني بطل قال تعالي وَ الّذينَ كفروا فتعساً لهم و اضلّ اعمالهم و بمعني الْهَلَاك قَالَ تعالي انّ المُجْرمين في ضَلالٍ و سُعُرٍ يَعْنٖي اَنَّ مَنْ فَارقهم و لميَقْتَدِ بِهمْ وَ يُقِّر بِامامِهِمْ وَ يَتَولّاهُمْ و يتبرّأ مِنْ اعْدَاۤئِهمْ بَلْ تولّي باعداۤئهم و اقتدَي بهم و دانَ اللّهَ بحُبِّهِمْ و نَصَبَ لائمّةِ الهدي العَداوَة و البَغْضاۤءَ فقد ضَلّ و تاهَ و لميدرِ اين طريق نجاته لانحصار طريق النجاةِ في اتّباع ائمّة الهدي عليهم السلام فاذا لميتّبع سبيلهم عليهم السلام و اتّبع غيرهم تفرّقت بهم السُّبُلُ عن سبيله فاِمّا الي اليهوديّة اَوْ اِلي النصرانيّة او الي المجوسية او الي الدهريّة او الي الثنوية او الي عبدة الكواكب اوْ الي غير ذلك و كلُّها تَصُدُّ عَنْ سبيلهِ الحَقّ و لميدر ايْنَ مقصوده بل اذا جاۤء مقصوده لميجده شيئاً لانه بدون ولاية اولياۤء اللّه كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمٰان ماۤءً و بطلت اعماله لانّ شرط الصّحةِ مطابقتها لامر اللّٰه تعالي و امر اللّه لايعرف الّا من نبيّه صلّي اللّٰهُ عليه و آله قال تعالي ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتَهُوا و قال تعالي من يطع الرسول فقد اطاع اللّه و مَن توَلّي فماارسلناك عليهم وكيلاً و امرهم امر رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و اللّه و رسوله و هم عليهم السلام امروا باتِّباعهم و مجانبة اعداۤئهم ارشاداً للمؤمنين و انّ شرط صحّة الاعمال و قبولها ولايتهم و طاعتهم فيما امروا به و نهوا عنه و محبّتهم و ترك ولاية عدوّهم و مخالفتهم فيما امروا به و نهوا عنه لانّ الرشد في خلافهم و بغضهم بالجنان و الاركان و اللسان بحسب الامكان روي القمّي عن الباقر عليه السلام في قوله تعالي و قدمنا الي ما عملوا من عمل فجعلناه هباۤءً منثوراً قال اما واللّهِ انهم كانوا يصومون و يصلّون و لكن كانوا اذا عرض لهم شيء من الحرام اخذُوه و اذا ذكر لهم [ص 260] شيء من فضل اميرالمؤمنين عليه السلام انكرُوه قال و الهباء المنثور هو الذي تراه يدخل البيت في الكوّة من شُعاع الشمس و في الكافي عن الصادق عليه السلام انه سُئِل عن هذه الاية قال ان كانت اعمالهم لاشدُّ بياضاً من الْقباطي فيقول اللّه عز و جلّ لها كوني هباۤءً و ذلك انهم كانوا اذا شرع لهم الحرام اخذوه ، اقول القباطي بالفتح جمع القُبطيّة بالضم علي غير قياس و قد يكسر ثياب بيض رقيقة تنسب الي القِبط بالكسر و هم اهل مصر لانهم يعملونها و انّما غيّرت النِّسبة للاختصاص كما غيّرت في الدُّهري بالضم منسوب الي الدهر بالفتح هذا في نسبة الثياب للفرق بينه و بين الانسان و لو نسب الانسان قيل قبطي بالكسر علي الاصل و قوله عليه السلام و ذلك انهم كانوا اذا شرع لهم الحرام اخذُوه فيه اشارة الي انهم يأخذون بحكم ائمة الضلال يريدون ان يتحاكموا الي الطاغوت و قد امروا ان يكفروا به و يريد الشيطان يعني ابليس او الثاني ان يضلّهم ضلالاً بعيداً يعني يصدّهم عن ولاية اولياۤء اللّه و ذلك هو الضلال البعيد الذي لاينتهي الي خيرٍ ابداً و لاينتهي ابداً بخلاف ما لو كانوا متَوالين و اخذوا الحرام فانّ ذلك لايوجب لهم الضَّلال البعيد و انّما كانت اعمال اولۤئك هباۤءً منثوراً لانهم والوا اعداۤء اللّهِ و عَادَوْا اوْلياۤءَ اللّهِ و في البصاۤئر عن الصادق عليه السلام انه سئل في هذه الٰاية اعمالُ مَن هذه فقال اعمال مبغضينا و مبغضي شيعتِنا ه ، فبطلان اعمال من فارقهم و جعلها هباۤء منثوراً انّما هو لمفارقتهم و عدم محبّتهم و الاقتداۤء بهم و ميلهم الي اعداۤئهم لان شرط الصحة و القبول هو محبتهم و الاقتداۤء بهم عليهم السلام و لهذا كانت شيعتهم و محبّوهم تقبل منهم اعمالهم لان الشرط متحقّق بل لو وقعت منهم السيئات بُدّلَتْ لهم حَسناتٍ امّا لانّ سيّئاتهم في الحقيقة ليست منهم بل هي من لطخ اعداۤئهم كما دلّ عليه حديث ابياسحق الليثي الطويل حديث الطينة [ص 261] عن الباقر عليه السلام من ان اللّه يأمر يوم القيمة ان تؤخذ حسنات اعداۤئِنا فتردّ علي شيعتِنا لانّها من طينتهم و تؤخذ سيّئات محبّينا فتردّ علي مبغضينا قال و هو قوله تعالي فاولٰۤئك يبدّل اللّه سيّئاتهم حسناتٍ ، و اِمّا لاقرارهم بذنوبهم فانه في حقّ محبي علي و اهل بيته عليهم السلام توبة منها كما روي عن الباقر عليه السلام قال يؤتي بالمؤمن المذنب يوم القيمة حتي يوقف موقف الحساب فيكون اللّه هو الذي يتولي حسابه لايطّلع علي حسابه احد من الناس فيعرّفه ذنوبه حتي اذا اقرّ بسيئاته قال اللّه تعالي للكتبة بدّلوها حسناتٍ و اظهروها للنّاس فيقول الناسُ ح ماكان لهذا العبدِ سيئة واحدة ثم يامر اللّه به الي الجنّة فهذا تأويل الٰاية و هي في المذنبين من شيعتِنا خاۤصّة و امّا لحبّهم اهل البيت عليهم السلام فانه يكفّر الذنوب لانه حسنة لايضر معه سيّئة و امّا لان اللّه يتحمّل عنهم سيّئاتهم جزاۤءً لطاعتهم له تعالي في اعظم الطاعات قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله حبّنا اهل البيت يكفر الذنوب و يضاعف الحسنات و ان اللّه ليتحمّل عن محبّينا اهل البيت ما عليهم من مظالم العباد الّا ما كان منهم علي اصرارٍ و ظلمٍ للمؤمنين فيقول للسيئات كوني حسناتٍ و اما لخوفهم من معصية اللّه و المجازاة عليها فانه ندَمٌ و توبة و لو كان يوم القيمة كما في جهّالهم الذين ماتنبّهوا الّا يوم القيمة و هم عند اللّه من المحبين فروي القمي عنه اي عن الرضا عليه السلام قال اذا كان يوم القيمة اوقف اللّه عز و جل المؤمن بين يديه و عرض عليه عمله و نظر في صحيفته فاوّل ما يري سيّئاته فيتغيّر لذلكَ لونه و ترتعد فراۤئصه ثم تعرض عليه حسناته فتفرح لذلك نفسه فيقول اللّه بدِّلوا سيئاته حسنات و امّا لانّ سيّئاتهم لمّا تحمّلها ائمّتهم عنهم و كانوا عليهم السلام قد استغفروا اللّه منها فغفَرهَا لهم و هم لايعلمون بذلك بل مازالوا خاۤئفين منها فاذا كان يوم القيمة وجدوا سيّئاتهم [ص 262] مكفّرة و حسنات خوفهم مُوَفَّرةً فكان ما ظنوا انّهم مأخوذون به من السيئات حسنات و امّا لِما يشرقُونَ به من فاضل حسناتهم علي شيعتهم فانّها تقلبُهَا حَسَنات كما لو تصرّف شخص في مال زيدٍ بغير اذنه فانّه سَيّئةٌ ثم انّ زيداً بعد ذلك اباحَ له تصرّفه و ابرأه من التصرف فانّه ح ينقلب ذلك الحرام حلالاً و امثال ذلك من الشفاعات و هجران المعاصي مع غلبة الطاعات و من مغفرة اللمم لمن اجتنب كباۤئر الاثم و الفواحش و من الاتّكال علي حبّهم و من حسن الظنّ في اللّهِ و من مدّ بصر العاصي الي جهة ربه تطلُّعاً الي مغفرته و من الشهادة في سبيل اللّه و من تحمّل القاتل و من الانتقال من الاسلام الي الايمان و امثال ما ذكر و كلّ هذا فانّما هو لمحبّيهم الذين حقّت لهم من اللّه سبحانه الكلمة الحسني اذ قال تعالي للجنّة و لااُبالي و قال تعالي فمن يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه و انّا له كاتبون و كذلك ضلّ بمعني هلك فانّ من فارقهم فقد هلك هلاكَ الشَّقاۤء الذي لا سعادة بعدَهُ ابَد الٰابدين لانّه يفقد كلّ خير و كلّ راحةٍ و كلّ سرورٍ و كلّ نعمةٍ و كلّ تنعّم و كلّ فرحٍ و كلّ فرجٍ و كلّ رَوْحٍ و كلّ اُنْسٍ و كلّ استغناۤءٍ و كلّ شبَعٍ و كلّ رِيٍّ و كُلّ نومٍ و كل ادراكٍ و كل ملايم و كلّ موافقٍ و كلّ سَعْدٍ و بالجملة يفقد كلّ ما يحبّ و لايفقد شيئاً مما يكره لايقضي عليهم فيموتوا و لايخفّف عنهم من عذابها كذلك نجزي كلّ كَفُورٍ بانعم اللّه تعالي .
و قوله عليه السلام : و فازَ من تمسّك بكم فاز اي نجي و ظفر بالخير و تمسّكَ اي اعتصَم يعني انّ من اعْتَصَمَ بولاۤئهم فقد نجي مِنَ النّارِ و من غضبِ الجبّار و نجي من الضلالة لانّ اتّباعهم هُديً من الضلالةِ و نورٌ في الظلمات و ظَفِر بسعادةِ الدنيا و سعادة الٰاخرة كما مر و المراد بالتمسُّكِ بهم الاعتصام بذمامهم و هو ولايتهم و هو ذمام اللّهِ المنيع [ص 263] الذي لايطاوَلُ و لايُحَاوَلُ و الذمام هو العهد حين قال لهم في التكليف الاوَّل الستُ بربّكم و محمّد نبيّكم و عليّ و الائمة من بنيه عليهم السلام اولياۤؤكم و حججي عليكم قالوا بلي فقال اللّه تعالي يا اولياۤئي عليهم اشهدوا عليهم فقالوا شهدنا ان تقولوا يوم القيمة انّا كنّا عن هذا غافلين او تقولوا انّما اشرك اٰباۤؤنا من قبل و كنّا ذريّةً من بعدهم افَتُهْلِكُنَا بمَا فعل المبطلون ثمّ اخذ عليهم العهد ثانياً كما مرّ بمشهد انبياۤئه و رسله فقالوا بلي فقال يا انبياۤئي و رسلي اشهدوا عليهم فقالوا شَهدْنا الخ ، ثم اخذ عليهم العهد ثالثاً بمشهد عباده المؤمنين العَارفين فقالوا بلي فقال يا عبَادي اشهَدُوا عَليهم فقالوا شَهدْنا الخ ، ثم اخذ عليهم العهد رابعاً بمشهد الملاۤئكة فقالوا بَلَي فقال يا ملاۤئكتي اشهدوا عليهم فقالوا شهدنا الخ ، و كذلك اشهد عليهم ساۤئر خَلقه فشهد عليهم كلّ شيء من حيوانٍ و نباتٍ و جَمادٍ و هذا الذّمام الذي مَنْ تَمَسَّكَ بهٖ فاز هو ولايتهم الكليّة و هي التي اُخِذَتْ لهَا العهود و المواثيق من جميع الخلق و هي معرفة اللّه سبحانه و معرفة اولياۤئه و انبياۤئه و الايمان بسرّهم و علانيتهم و ما دلّوا عليه من التوحيد و العدل و النبوة و الامامة و المعاد و الصلوة و الزكوة و الصوم و الحج و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و جميع التكاليف الشرعيّة و الٰاداب الالهيّة فهذه هي الولاية التي فازَ من تمسّك بها و امّا الولاية الخاۤصّة الّتي هي التّولّي بهم و التبرئ من اعداۤئهم فمن تمسّكَ بها فاز الّا انّ بعض مَن تمسّك بهذه يفعل الكباۤئر و ربّما لاتناله شفاعة فيطهّر بالنّار قبل ان يدخل الجنّة و ذلك لانّ الولاية الخاۤصّة قد تغيّرها المعاصي لان المعاصي هي من ولاية عدوّهم فاذا اجتمعا في شخصٍ فان لمتزل الولاية الخاۤصة كانت مقتضية للنجاة موجبةً للجنة سواۤء كان ذلك بعد التطهير بالنار كما في بعض المحبّين الفاعلين للكباۤئر ام بعد العفو بنحو شفاعة او عناية سبقت له او غيرهما [ص 264] كما مر و ان اعتاد المعاصي حتي انِستْ بها نفسه و كانت طبيعة له و لمتتداركهُ رحمة بل خُلِّي و نفسه و رضي بها حتّي رانت علي قلبه و تَبذّخَ بها و لمينكرها قلبه بل اطمأنّ بها اخذ في بغض اهل البيت عليهم السلام فكان عاقبة امره خسراً بخلاف صاحب الولاية الكليّة فانه في الدنيا ماخرج عن الوَلاية من المعرفة و العُلوم النَّافِعة و الاعمال الصالحة و الٰادٰاب الشرعيّة من التقوي و الحلم و الوَرع و الزهد و الكرم و الشجاعة و الفهم و النباهة وَ حُسْن الخلق و غير ذلك و امّا في الٰاخرة فانه منذ خرجَتْ روحُه دخلها اي الجنّة الي نفخة الصّعق و يوم الحشر هو في ظلّ عرش الرحمن ثم يدخل لايري ما يكرهه في جميع المواقف و امّا ما بين النّفختَيْنِ فانّه في الجنّة ايضاً و ان بطل تركيباته و الجنّة هي ولايتهم كما دلّت عليه احاديثهم فعن الصادق عليه السلام ما معناه انه سمع رجلاً من محبّيه يقول اللّهم اَدْخِلنا الجنّة فقال عليه السلام انتم في الجنّة و لكن سلوا اللّه اَلّايخرجكم منها انّ الجنّة هي ولايتنا و هو تأويل قوله تعالي و امّا الّذين سُعِدُوا ففي الجنّة خالدين فيها ما دامت السموات و الارض الّا ما شاۤء ربّك عطاۤءً غير مجذوذ علي احد وجوه الاستثناۤء فيها .
قوله عليه السلام : و امِنَ مَن لجَأَ اليكم اي اَمِنَ من المعاصي ببركة ولايتهم اوْ انّ الالتجاء اليهم مانع من المعاصي او انّ المراد بالالتجاۤء اليهم انّما هو في الاقتداۤء بهم و لا رَيْب ان ذلك مانع من المعاصي صغيرها و كبيرها اذ لا شيء منهما فرع لهم عليهم السلام و انّما هو فرع لاعداۤئهم او المراد الامن من الخطاۤء في الاعتقاد او الاحكام لان من اقتصر في جميع احواله علي الالتجاۤء اليهم فهو آمِنٌ من الجهالة و الضّلالة و الخطاء و ذلك تأويل قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها [ص 265] قري ظاهرة و قدّرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و ايّاماً آمنين ، ففي الاحتجاج عن الباقر عليه السلام في حديث الحسن البصري و قد تقدّم في هذه الٰاية قال عليه السلام بل فينا ضرب اللّه الامثال في القرءان فنحن القري التي بارك اللّه فيها و ذلكَ قول اللّه عز و جلّ فيمن اَقَرّ بفضلِنا حيثُ امرهم ان يأتونَا فقال و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها اي و جعلنا بينهم و بين شيعتهم القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و القري الظاهرة الرّسل و النّقلة عنّا الي شيعتنا و فقهاۤء شيعتِنا و قوله تعالي و قدّرنا فيها السير فالسير مثل للعلم سير به ليالي و اياماً مثل لما يسير من العلم في الليالي و الايام عنا اليهم في الحلال و الحرام و الفراۤئض و الاحكام آمنين فيها اذا اخذوا عن معدنها الذي امروا ان يأخذوا منه آمنين من الشك و الضلال و النّقْلة من الحرام الي الحلال و عن السجاد عليه السلام الي اَنْ قال آمِنٖين من الزَّيْغِ ه ، و ذلك علي نحو ما تضمّنت هذه الاحاديث و امثالها عنهم عليهم السلام اوْ انّ المراد الاَمْن من خطوات الشيطان و وسوسته و تزيينه لقوله تعالي انّ عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتّبعك من الغاوين ، اِمّا انّه لايقدر علي من التجأ اليهم عليهم السلام ان يخرجهم من الايمان او من الاسلام الي الكفر و ان زيّن لهم بعض المعاصي لان قلوبهم بولاية ائمتهم مطمئِنّة لايتسلّط عليها الشيطان كما في معاني الاخبار باسناده الي ابيعبداللّه عليه السلام في هذه الٰاية قال ليس علي هذه العصابة خاۤصّة سلطان قال قلت و كيف جعلت فداك و فيهم ما فيهم قال ليس حيث تذهب انما قوله ليس لك عليهم سلطان ان يحبّب اليهم الكفر و يبغّض اليهم الايمان و في روضة الكافي عنه عليه السلام انه قال لابيبصير يا ابامحمد لقد ذكركم اللّه في كِتابه فقال ان عبادي ليس لك عليهم سلطان واللّه مااراد بهذا الا الائمة عليهم السلام و شيعتهم و امّا انه لايتسلّط [ص 266] علي قلوبهم لانّ قلوبهم منيرة بحبّ ائمتهم و ولاۤئهم و اتّباعهم و التسليم لهم و الردّ اليهم او لانّ قلوبهم خلقت من فاضل اجسام ائمتهم عليهم السلام و قد اشترط اللّه تعالي علي ابليس قضاۤء بمقتضي الحكمة لان الانوار تمحق الظلمات و الظلمات ليس لها سلطان علي النور لعدم طاقتها به و لبُعدِ رتبتِه عنها و لانّ قلوبهم حِزب اللّه و جنده و حزب اللّه و جنده هم الغالبون و لانَّ الشيطان انما يتسلّط في اغواۤئه و اضلاله بجهة ظلمته المجتثّةِ الاصل فيأتي مَن يغويه من الجهة المناسبة لجهته من الجهل و الغفلة عن ذكر اللّه و الشهوة و الغضب و الحسد و التكبّر و امثال ذلك لانه يزرع شبهته في المحل المناسب فتنمو حتّي تعظم تلك الجهة الخبيثة فتستولي علي اضدادها من جنود العقل فتذهب ملاۤئكتها الي مراكزها من النور فتستولي اَضْدادهم من الشياطين علي منابر تلك الملاۤئكة من قلب ذلك الشخص فيطبع علي قلبه فمن لمتكن هذه الجهات و امثالها فيه او كٰانَتْ ضعيفةً مهجورةً لميقدر الشيطانُ اَنْ يتسلّط عليه لانّه لايَجِدُ باباً يدخل عليه منه و لو دخل و لميجدْ مناسِباً كان ما فيه من نور الوجود الذي تقوَمَتْ به ظلمته مناسباً لنور المؤمن فيكون سبباً و وُصلةً لاشراق نورِ المؤمنِ علي ظلمة الشيطان فيحترق باشراق نور المؤمن و لاجل ما ذكرنا كان مَن لجأ اليهم عليهم السلام آمِناً من حيل الشيطان لانّه اخذ من النور و استمدّ من النور و اعتصم بالنور و احتجب بتفويضِ امره اليهم بالنور قال اللّه تعالي انه ليس له سلطان علي الذين آمنوا يعني بمحمد و آله صلي اللّه عليه و آله و علي ربّهم يتوكلون اي اعتصموا بذمّة اللّه التي لاتخفر و هي ولايتهم و البراۤءة من اعداۤئهم بالجنان و الاركان و اللسان انّما سلطانه علي الذين يتولونَهُ و الّذين هم به مشركون اي يتولّون غير ولي اللّه فان ذلك هو تولّي الشيطان و ادخالهم في ولاية آلمحمد صلي اللّه عليه و آله هو عبادة [ص 267] الشيطان مع اللّه تعالي و الحاصل انّ من لجأ اليهم علي ما اشرنا اليه فانه اٰمِنٌ من جميع ما يكره اللّه سبحانه لعباده المؤمنين في الدنيا و الٰاخرة .
قال عليه السلام : و سلم من صَدّقكم
اي انّ من صدّقهم سلم من الخطاء و الزيغ و الشكّ و الضلالة و النفاق و من المعاصي كلها و الفواحش ما ظهر و ما بطن لانه فعل موافق لامر اللّه كما قال تعالي يا ايّها الذين آمنوا اتقوا اللّه و كونوا مع الصادقين لانهم لاينطقون الّا عن اللّه و لهذا امر بالكون معهم ارشاداً لبريّته الي طريق النجاة و في الاحتجاج عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث طويل قال و قد جعل للعلم اهلاً و فرض طاعتهم بقوله اتقوا اللّه و كونوا مع الصادقين اي امر الخلق بالكون معهم و التولي بهم و التبرئ من اعداۤئهم و الردّ اليهم و الاخذ عنهم و التسليم اليهم في كل شيء و في التهذيب في دعاۤء صلوة يوم الغدير ربّنا انّك امرتنا بطاعة ولاة امرك و امرتنا ان نكون مع الصادقين فقلتَ اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و قلتَ اتّقوا اللّه و كونوا مع الصادقين فسمعنا و اطعنا ربّنا فثبِّت اقدامنا و توفّنا مسلمين مصدّقين لاولياۤئك و لاتزغ قلوبَنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انّك انت الوَهّاب و في تفسير العياشي عن ابيحمزة الثمالي عن ابيجعفر عليه السلام قال قلتُ اصْلحَكَ اللّهُ اي شيء اذا عملته استكملتُ حقيقة الايمان قال توالي اولياۤء اللّه محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي بن الحسين ثم انتهي الامر الينا ثم ابني جعفر و اومَأ الي جعفر و هو جالس فمن والي هؤلاۤء فقد والي اولياۤء اللّه و كان مع الصّادقين كما امره اللّه الحديث ، فمن صدّق مَن اخبر اللّهُ بصدقهم و امر بالكون معهم فقد سلم من جميع المضاۤرّ و المكاره في الدّنيا و الٰاخرة و معني سلم انّه لايصيبه منها شيء كما في الدعاۤء و تخرجني [ص 268] من الدنيا آمناً و تدخلني الجنّة سالماً اي من النار بان لايكون من الذين اصيبُوا بشيء من النار و لو بدخول الضحضاح من نار و يحتمل انه يكون سالماً من نار جهنّم و ان طُهِر في الضحضاح من نار لانه ليس من حقيقة النار و انّما هو من ظِلّها و يحتمل ان يكون سالماً منها في البرزخ اوْ سَالِماً ممّا هو منها من جميع مكاره الدنيا و الٰاخرة كالهمّ و المرض و الفقر و الحر و البرد الزاۤئدين علي ما يلايم الطباع و ما اشبه ذلك و من ظاهرها في البرزخ و منها يوم القيمة و حديث ابيحمزة داۤلّ علي ان المراد بالموالاة الحقيقيّة هي القيام بجميع ما امر اللّه و اراد و الاجتناب عن جميع ما نَهٰي و كرِهَ لانّ بِه اسْتِكمالَ حقيقةِ الايمان و الكون مع الصَّادقٖين و هٰذا لايكون الّا باقامة الولاية بالقلب و الفؤاد من المعرفة و حُسْن الاعتقادِ و ثباته و بِاللّسان من الاقوال الخالصة في الثناۤء عليهم من صلوة و قراۤءة و دعاۤء و تسبيح و من كلِّ ما يعني محبّهم من الاقوال في مصالحِ دُنياه و آخِرتِهٖ و بالجوارح من الاعمال الصَّالحةِ كما سَنُّوا و اَسَّسُوا و هو كذلك لان اللّه سبحانه يقول انا عَرَضْنا الامانةَ علي السمواتِ و الارضِ و الجبال فابينَ اَنْ يحملنها و اشفقن مِنْها الٰاية ، مع انّ السموات و الارض و الجبال قَدْ قَبِلْنَ منها ما يقدرن عليه و هو قوله ثم استوي الي السماۤء و هي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعاً او كرهاً قالتا اتينا طاۤئعين ، و الحاصل انّ من صدّقكم في جميع ما قالوا عن اللّه عز و جل من اعتقادٍ و قولٍ و عملٍ و آداب فقد سلم من جميع مكاره الدنيا و الٰاخرة لانهم للّهِ تعالي فلايتقوّلون عن اللّه و لايَتَكلّفون ما لميرده اللّه سبحانه .