اخافُ عليك من غيري و منّي و منك و من مكانك و الزمانِ

و لو انّي جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفانٖي

و يجوز ان يكون انهم الٰاية التي يجب ان تكون مخزونة عنده سبحانه لانّها لو ظهرت انمحق من نورها كلّ من انتهي اليه شيء من نورها فيجب خزْنها و سَتْرُهَا لاجل ذلك او لانّها لايسَعُهَا مكان من دون ما هي مخزونة فيه [ص 222] لاحاطتها بكل ممكن فلايسَعُهَا ممكن او لانّ رتبة وجودها لايمكن ان يوجد قبلها شيء و لا فيها و لا معها ليكشِفَها و لايدانيها شيء ليعرفها فاقتضي حالها في الحكمة ان تكون مخزونة او لانّ صلاح نظام العالم لايتوقّف علي اظهارها فاقتضت الحكمة سترهَا و قول الشارح رحمه اللّه المخزونة لخلّص عباده و هم العارفون ببعض رتبهم ظاهره انّها مدَّخرةٌ لهم فان اراد اَنّ اِثابتهم و تقريبَهم و رفعَهُمْ لدرجات الخلّص مدّخرة امكن صحته علي بعدٍ لمخالفته للظاهر و اشتماله علي المجاز و الحذف و الّا فلا معني له و انّما المراد ما سمعتَ ممّا ذكرنا و ما اشبهه .

قال عليه السلام : و الامانة المحفوظة و الباب المبتلي به الناس .

قال الشارح (ره) و الامانة المحفوظة الواجب حفظها علي العالمين ببَذْل انفسهم دون نفوسهم و اموالهم دون اموالهم و اَعراضهم او اِمامتهم تجوّزاً لقوله تعالي انّا عرضنا الامانة الخ ، و قوله تعالي ان اللّه يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و روي في الاخبار الصحيحة انّ المراد بها الامامة و ان المخاطب بها في الاخيرة الائمة عليهم السَّلام بان يؤدوها الي الامام الذي بعده من اللّه تعالي و الباب المبتلَي به الناس كباب حطّة ابتلِي به بنوااسراۤئيل بدخولها سجّداً و قولهم حطّة فدخله جماعة فقالوا حطّة اي حُطّ ذنوبنا و نجوا و بعضهم قالوا حنطة و هلكوا كذلك من دخل في باب متابعتهم نجي و من لم‌يدخل هلك كما ورد في الاخبار الكثيرة و قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله انا مدينة العلم و عليّ بابها و قال اللّه تعالي و اتوا البيوت من ابوابها انتهي كلامه .

اقول الامانة هم عليهم السلام انزلهم اللّه سبحانه من غيب قدسه الي عباده [ص 223] نوراً يستضيئون به روي القمّي في قوله تعالي فٰامنوا باللّه و رسوله و النور الذي انزلنا قال النور اميرالمؤمنين عليه السلام و في الكافي عن الكاظم عليه السلام الامامة هي النور و ذلك قوله تعالي آمنوا باللّه و رسوله و النور الذي انزلنا قال النور هو الامام و عن الباقر عليه السلام في هذه الٰاية فقال النور واللّه الائمة عليهم السلام لنور الامام في قلوب المؤمنين انور من الشمس المضيۤئة بالنهار و هم الذين ينوّرون قلوب المؤمنين و يحجب اللّه نورهم عمّن يشاۤء فتظلم قلوبهم و يغشيهم بها ه‍ ، فحيث انزلهم الي الخلق الزم خلقه الوفاۤء بما عاهدوهُ من الوفاۤء بحفظ ما انزل اليهم حين قال لهم الستُ بربّكم قالوا بلي و قد ترجم هذا العهد لهم رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يوم الغدير للنّاس بلسانهم ليبيّن لهم فقال الستُ اولي بكم من انفسكم قالوا بلي فقال من كنتُ موليٰهُ فعليّ موليٰهُ اللهم والِ مَن والاه و عادِ من عاداه و انصر من نصرَهُ و اخذل مَنْ خذله و في مختصر بصاۤئر سعد الاشعري عن موسي بن جعفر (ع) قال قال الصادق عليه السلام مَن صلّي علي النبي صلي اللّه عليه و آله فمعناه اني علي الميثاق و الوفاۤء الذي قبلتُ حين قوله الستُ بربّكم فانزل عليه شاهد الترجمة قرءاناً ناطقاً بلسانٍ عربيّ مبين يفهم مرادَهُ مَنْ سبقت له العناية بفهمه قال تعالي و قوله الحقّ انّما وليّكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا الّذين يقيمون الصَّلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون فلمّا كلّفهم سبحانه و ترجم ذلك التكليف محمد صلّي اللّه عليه و آله لهم بقوله الستُ اولي بكم من انفسكم و شهد اللّه لترجمته بقوله انّما وليكم اللّه الٰاية ، و اكمل لهم الدين بالمراد من تبيين نبيه صلي اللّه عليه و آله انزل في عباده اية الجزاۤء فقال تعالي فمن نكث فانّما ينكثُ علي نفسه و من اَوفي بما عاهَد عليه اللّه فسيؤتيه اجراً و الوفاۤء بما عاهدهم عليه من حفظ الامانة المنزلة اليهم و هو النور و هو [ص 224] الائمة عليهم السلام و هو ولايتهم و هو الدين الخالصُ للّهِ و حفظهم الواجب من اللّه علي خلقه ان يحفظوا انفسهم عليهم السلام و ما لَهم و عرضَهم و دينَهم و معرفتهم و حبّهم و الولاية بهم و البراۤءة من اعداۤئهم و الردّ اليهم و التّسليم لهم في كلّ حالٍ و التزام حدودهم و القيام باوامرهم و اجتناب نواهيهم علي حسبِ ما حَدّدوا ببذلِ انفسهم دونَهُمْ و مالهم و اهليهم بالسنتهم و ايديهم و قلوبهم و جميع جوارحهم لايعصونهم في شيء يمتثلون اوامرهم و يجتنبون نواهيهم و يؤثرونهم علي انفسهم في كلّ شيء فمعني المحفوظة التي امر اللّه بحفظها علي هذا الوجه و نحوه و معني المحفوظة ايضاً انّه سبحانه حفِظها و سترها علي نحو ما ذكرنا في المخزونة و معني المحفوظة ايْضاً انّه سبحانه جعلها في حفظِه و رِعايتهٖ فلايقدر احد من الخلق ان يخفض قدرهم او يغيّرهم عن مراتبهم التي رَتَّبَهُم اللّٰهُ فيها و هو معني قوله تعالي يريدون ليطفِئوا نور اللّه بافواههم و اللّه متم نوره و لو كره المشركون ، و في الكافي عن الكاظم عليه السلام يريدون ليطفِئوا ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام بافواههم و اللّه متم الامامة لقوله الّذين آمنوا باللّه و رسوله و النّور الّذي انزلنا فالنور هو الامام (ع) و القمي و اللّهُ متم نوره بالقاۤئم من آل‌محمد عليهم السلام اذا خرج يظهره اللّه علي الدين كله حتي لايعبد غير اللّه ه‍ ، و معني المحفوظة ايضاً انه سبحانه حفظها بالعصمة و التأييد و التّسديد و الامدادِ بالنّور الحقِّ الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و معني قولنا انّهم الامانة لِانَّ اللّه سبحانه انْزلهم من غيب قدسِهٖ الَي عبادِه نوراً يستضيئوۤن به اَنّهم اِنّما صنعهم لاجله و صنع من سواهم لهُمْ فَلمّٰا كان من سواهم لاينتفعون به الّا مع بقاۤئه و صلاحه و بقاۤؤه و صلاحه لايمكن الّا بالاستمداد من النور و الاستمداد من النور لايكون الّا منهم عليهم السلام [ص 225] و بواسطتهم و لايمكن وصول من سواهم الي مقامهم انزلهم تراجمةً عنه نوراً يستضيء به مَنْ سواهم فكانوا عليهم السلام امانتهُ عند عباده لانهم له وحده كما قال تعالي في الحديث القدسي خلقتُ الاشياۤء لاجلك و خلقتُكَ لاجلي و قربي ه‍ ، و لك ان تفسّر الامانة بولايتهم و كل ما ذكر فيهم يذكر في ولايتهم بلا فرق الّا انّ الكلام يكون فيه مجاز علي الظّاهر لانهم غير الولاية و لك ان تجعلهم اصل الولاية فتكون هي صفة لهم و هو معني التفويض الصحيح الذي ذكروه في اخبارهم كما اشرنا اليه سابقاً لا التفويض الباطل المستلزم رفع سلطان الحق تعالي عن ملكه بل معني التفويض الحقّ هُوَ مَا فوّض سبحانه الرميَ الي محمد صلي اللّه عليه و آله و بيّن حقيقة هذا التّفويض الحق بقوله الحقّ و مارَمَيْتَ اِذْ رَميْتَ و لكن اللّهَ رَمَي فحاصل هذا التّفويض و معناهُ جَعلهم اولياۤء علي جميع خلقه يتصرّفون فيهم بامر اللّه كما شاۤءَ اللّهُ اَنْ يفعلوا فهم اِذا شاۤؤا شاۤء اللّهُ و لايشاۤؤن الّا ان يشاۤء اللّه و هو قوله تعالي هذا عطاۤؤنا فامنن اَوْ اَمْسك بغير حساب فالسر الجامع لانهم يفعلون ما شاۤؤا و لا يشاؤن اِلّا اَنْ يَشاۤء اللّه هو قوله هٰذا عطاۤؤنا اي بمشيتنا و قوله فامنن اوْ اَمْسِكْ اي بمشيّتك فهذا ولايتهم التي هم اصلها و لك ان تجعل الولاية اصلاً لهم و ذلك لانّ الولاية هي ولاية اللّه الازليّة قال تعالي هنالك الولاية للّه الحق هو خير ثواباً و خير عقباً و هُم مَظَاهِرُ تلك الولاية و ذواتُهُمْ صِفَتُها و مثلها و دليلها فما هم اِلّا آيتُها قال عليّ عليه السلام انا صاحب الازَلِيّة الاوّليّة فعلي اعْتِبارِ اَنَّها الاصْل قال تعالي وَ مٰارَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمَي و علي اعتبارِ اَنَّها الفرع قال تعالي اذْ رَميْتَ فعلي الفرعيّة هي المجاز و علي الاصلية هم المجاز و هو قول الباقر عليه السلام في قوله تعالي و لئن قتلتم في سبيل اللّه او متّم فقال يا جابر اتدري ما سبيل اللّهِ قلتُ لا واللّه الّا اذا سمعتُ منك فقال القتل في سبيل علي عليه السلام [ص 226] و ذرّيّتهِ فمن قتل في ولايته قتل في سبيل اللّهِ الحديث ، و هذا الحديث جار علي فرعية الولاية فعلي فرعيّتها هي الامانة المحفوظة بما قلنا و فيهم اعتبارانِ حينئذ فباعتبار انّهم المقامات العُليا هم المودِعون و المستحفِظون بالبناء للفاعل و باعتبار اَنّهم الْمَعاني او الابواب هم ايضاً الامانة المُسْتَحْفَظَةُ بالبناء للمفعول و علي اصليّتها هم الامانة المستحفَظَةُ بالبناء للمفعول و هي المستحفِظة بالبناء للفاعل و الامانة المحفوظة هي الامانة المعروضة في قوله تعالي انّا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابَيْنَ ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انّه كان ظلوماً جهولاً و قال الرضا عليه السلام الامانة هي الولاية من ادّعاها بغير حقٍّ كفر و في البَصاۤئر عن الباقر عليه السلام هي الولاية ابين ان يحملنها كفراً و حملها الانسان و الانسان ابوفلان و في المعاني عن الصادق عليه السلام الامانة الولاية و الانسان ابوالشرور المنافق فهذه الروايات تدلّ علي انّ الامانة هي الولاية و يجوز ان يكون المعروض هم الائمة عليهم السلام فعن الصادق عليه السلام ما معناه ان اللّهَ عرض ارواح الائمة علي السموات و الارض و الجبال فغشِيَها نورهم و قال في فضلهم ما قال ثم قال فولايتهم امانة عند خلقي فايّكم يحملها باثقالها و يدّعيها لنفسه فابت من ادّعاۤء منزِلتها و تمنّي محلّها من عظمة ربهم فلمّا اسكن اللّهُ آدَم و زوجته الجنّة و قال لهما ما قال حملَهُما الشيطان علي تمنّي منزلتهم فنظَرا اليهم بعين الحسد فخُذِلا حتّي اَكَلا من شجرة الحنطة الي ان قال فلم‌تزل انبياۤء الله بعد ذلك يحفظون هذه الامانة و يخبرون بها اوصياۤءهم و المخلصين من اُمَّتِهِمْ فيأبون حملها و يشفقون من ادّعاۤئِها و حملها الانسان الذي قد عرف باصل كل ظلمٍ منه الي يوم القيمة و ذلك قول اللّه تعالي انّا عرضنا الامانة الٰاية ، فدلّ علي ان المعروض الائمة و الامانة ولايتهم و الٰاية تدل علي انّ [ص 227] المعروض هو الامانة و المراد واحد لانّ عرضهم لقبول ولايتهم وَ التكليف بها فعرضهم لعرضِها و عَرضُها بعرضهِمْ .

قوله عليه السلام : و الباب المبتلي به الناس .

المراد بالباب باب حطة قيل هو باب القرية التي امروا بدخولها و هي اَرِيحا قرية من قري الشام و قيل باب القبة التي كانوا يصلون اليها و قيل باب حطّة من بيت المقدس و هو الباب الثامن و ذلك بعد التّٖيه و في تفسير العسكري عليه السلام و كان خلافهم انّهم لما بلغوا الباب رأوا باباً مرتفِعاً قالوا ما بالُنا نحتاج ان نركع عند الدخول هيهنا ظننّا انه باب متطامِن لا بد من الركوع فيه و هذا باب مرتفع و الي متي يسخر بنا هؤلاۤء يعنون موسي ثم يوشع بن نون و يسجدُونَنا في الاَباطيل و جعلوا اَسْتاههم نحو الباب و قالوا بدل قولهم حطّة ما معناه حنطة حمراۤء فذلك تبديلهم اقول قالوا حِطاسُمْقَاثا اي حنطة حمراۤء بلغة القبط و قيل طُوطِئَ لهم الباب اي خُفِضَ ليخفضوا رؤسهم فلم‌يخفضوها و دخلوا مُتَزَحِّفٖينَ علي اَوْراكِهم و علّة ذلك ان اللّه سبحانه مثّل علي الباب مثال محمد و علي صلي اللّه عليهما و امرهم ان يسجدوا تعظيماً لِذلك و يجدّدوا علي انفسهم بيعتهما و ذكر موالاتهما و يذكروا العهد و الميثاق المأخوذَيْنِ عليهم لهما لان اللّه تعالي امر نبيّه عليه السلام ان يأخذ العهد و الميثاق لمحمد و عليٍ صلي اللّه عليهما علي بني‌اسراۤئيل في اصل اسلامهم و بيّن لهم انّ النصر علي الجبّارين و الفتح انما يحصل من اللّه تعالي بالتوجّه اليه تعالي بهما و الاخلاص لهما و القيام بولايتهما فلمّا فتح بهما عليهم و دخلوا القرية مثّل صورتهما علي باب القرية و امرهم بالسجود للّه تعظيماً لَهُمَا و شكراً لنعمته عليهم بهما ثمّ ان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله لوّحَ بالسر لاهله بقوله لتركبُنَّ سنَنَ من كان قبلكم حذْوَ النعل بالنعل و القذّة [ص 228] و القُذّة ( بالقُذّة ظ ) حتّي لو سلكوا جُحْرَ ضَبٍّ لسلكتمُوه و اظهر هذا المعني للخاۤصّة و العاۤمّة ليكون حجّة علي الجاحِدٖين و في عيون الاخبار عن علي بن ابي‌طالبٍ عليه السلام قال قال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله لكل امّةٍ صدّيق و فاروق و صدّيق هذه الامّة و فاروقها علي ابن ابي‌طالبٍ ان عليّاً سفينة نجاتها و باب حطّتها و في الخصال قال علي عليه السلام و امّا العشرون فانّي سمعتُ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يقول مثلك في امّتي مثل باب حطّة في بني‌اسراۤئيل فمن دخل ولايتك فقد دخل الباب كما امر اللّه عز و جل و فيه يقول اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث طويل و نحن باب حطّة و في كتاب التوحيد عنه عليه السلام قال انا باب حطّة و في روضة الكافي قال عليه السلام الا و انّي فيكم ايها الناس كهٰرون في آل فرعون و كباب حطّة في بني‌اسراۤئيل و عن الباقر عليه السلام عنه عليه السلام انه قال نحن باب حطّتكم و الاحاديث في هذا المعني كثيرة و المراد بالباب المبتلي به الناس كما ذكرنا باب حطّة و هم باب حطّة هذه الامة كما قال عليه السلام نحن باب حطّتكم بل باب حطّة كلّ الخلق من الحيوانات و النباتات و الجمادات لانهم هم ذمام اللّه المنيع الذي لايطاول و لايحاول الّذي ذلّ لهُ كلّ شيء و قد اخذ اللّه سبحانه الميثاق علي جميع خلقه الصامت منهم و الناطق بقبول ولايتهم فمن قبلها صلح و من لم‌يقبلها فسد و باب حطّة الذي في بني‌اسراۤئيل مثلهم لبني‌اسراۤئيل و لهذا مثّلَ سبحانه عليه مثال محمد و عليّ صلي اللّه عليهما و آلهما هذا ما يظهر للنّاس و الذي يشاهده الخواص انّ مثال محمد و علي و آلهما صلّي اللّه عليهما و آلهما القيٰه اللّه سبحانه في هويّةِ كلّ مخلوق من الصامت و الناطق و اليه الاشارة بقول جعفر بن محمد عليهما السلام :

[ص 229]

فيا عجَبا كيف يعصي الاله ام كيف يجحده الجاحدُ

و في كلّ شيء له ايةٌ تدلّ علي انه واحد

و ذلك من قوله تعالي سنُريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انّه الحقّ فقال الصادق عليه السلام نحن الٰايات التي اراكم اللّه ايّاها لانه عليه السلام قال لعبداللّه ابن بكر الارجاۤئي و هو يقول سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم فاي آيةٍ في الٰافاق غيرنا اراها اللّه اهل الٰافاق و قال مانريهم من آية الّا هي اكبر من اختها فايّ آية اكبر منّا فنفي كلّ آية في الٰافاق غيرهم مع نصّ القرءان علي اثباتها فليس المراد بالٰايات غيرهم فاذا كان في الحجر اٰية تدل علي انّه تعالي واحد ثبت انّ تلك الٰاية مثالهم لانّهم عليهم السلام هم هياكل التوحيد و آثار النور من الوجود تلوح علي هيئة تلك الهياكل اي تظهر علي تلك الهيئة و تلك الهيئة هي مثالهم الذي القيٰهُ اللّه سبحانه في هويّات الاشياء ثم لمّا كان التكليف علي حسب مقتضي ذوات المكلفين و افعالهم لانه سبحانه انّما كلّفهم بطاعته لما هم عليه في ذواتهم و في انبعاثِ اَفْعالهم عنهم و ذلك تأويل قوله تعالي و لو اتّبع الحق اهواۤئهم لفسدت السموات و الارض و مَن فيهن بل اَتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون اي انّا مااتيناهم من الايجاد و التكليف الّا بما هم عليه من مقتضي ذواتهم و افعالهم وجب ان تكون تلك المقتضيات التي هي كينونات ذواتهم و افعالهم مرتبطةً بوجوهها من صفاتهم عليهم السلام التي هي مبادي هيئات اولۤئك المكلفين و تلك المبادي هي ابواب حطّتهم اي المكلِّفين بكسرِ اللام و امثال هذه الابواب معارِفُ و آدابٌ و اوامرُ و نواهي و ارشاداتٌ و دلاۤئل و هي ابواب حطتهم اي حطة المكلَّفين بفتح اللام و اشباحُ الابواب الاولي ممثّلةٌ علي ابواب حطّة المكلفين بفتح اللام التي [ص 230] هي المعارف و الٰادابُ و الاوامرُ و النواهي و الارشاداتُ و الدلاۤئلُ فامر اللّه عز و جل عباده اجمعين بالدخول في هذا الباب سُجّداً خاضعين للّه تعالي و تعظيماً لتلك الامثال التي هي معلقة علي ابواب حطتهم التي هي تكاليفهم و شكراً لتلك النعمة العظمي التي هي الهداية و التبصرة و التمكين و التوفيق و الدلالة علي تلك الابواب الموصلة الي بيوته التي اذن اللّه ان ترفع شأناً و قدراً عن النظاۤئر و الاشباه و يذكر فيها اسمه بان ينزّل مقامها عن مقام الاله الذي لايعبد سواه و اعتقاداً لولايتهم عليهم السلام و ان يقولوا حطّةٌ لذنوبنا و محو لسيّئاتِنا فمن قام بحكم هذه الولاية فله خير منها كما قال تعالي من جاۤء بالحسنة فله خير منها و هم المحسنون الذين لهم الزيادة من اللّه علي قدر احسانهم و من ظلمهم حقّهم و بدّل قولاً اي امام جورٍ و ضلالةٍ غير الذي قيل له اي امر به من اتّباع امام الهُدَي و الحقّ فقد هلك فجرت سنّة اللّه في هذه الامة كما جرت في الذين خلوا من قبل و لن‌تجد لسنة اللّه تبديلاً و انّما ابتُلي النّاس بدخول هذا الباب مع انّه باب السّعادة في الدنيا و الٰاخرة لايشكُّ فيه احد منهم لانّ التكليف جري عليهم بالاختيار ليهلكَ من هلك عن بيّنةٍ و يَحْيَي مَنْ حَيَّ عن بَيّنةٍ و هو مخالفٌ لهوي النفس و شهوتها و خُلِّي بينهم وَ بين الشيطان فزيّنَ لهم ما بين ايديهم و ما خلفهم لانه فتح عليهم باب هوي انفسهم فطابقَتْ دعوته هوي انفسهم فتسلّط عليهم فصدّهم عن السبيل و ماكان له عليهم من سلطان الا لنعلم مَن يؤمن بالٰاخرة اي ولاية اميرالمؤمنين (ع) ممن هو منها في شكٍ و قول النبي صلي اللّه عليه و آله لعلي عليه السلام مثلك في امّتي مثل باب حطّة في بني‌اسراۤئيل مع ان مقتضي ما قرّرنا ان يقال مثل باب حطة في بني‌اسراۤئيل مثلك في امّتي يريد به انّهم لمّا كانوا عالمين بقصّة باب حطة و كانوا مُصوِّبين رأي مَن دخل في ذلك ساجداً [ص 231] للّه تعالي ممتثلاً لما امر به من قول حطّة مقرّين بنجاته منكرين علي من لم‌يسجد مخطّئين لرأيه معتقدين لهلاكه و ذلك لانّهم لم‌يُبْتَلوا به و انّما ابتُلِي به غيرهم كانت الحكمة في ان يدعوهم الي ما جهلوا امرَهُ بان يشبِّهَهُ بما اقروا به و اعتقدوه بعد ما بيّن اللّه لهم من الامثال و الادلّة فيما رأوا باعينهم و سمعوا باذانهم و فهموا بقلوبهم من جريان افعال من تأخّر من الامم علي سننِ مَن مضي و طباعهم و اخلاقهم حتي عرفوا في انفسهم انّ الطبيعة تقتضي وجود مثل باب حطّة في هذه الامة اوْ اذا وُجد في هذه الامّة نظيره لم‌يكن مستغرباً بل هو جارٍ علي ما ينبغي لتشابه الطباع بين ساۤئر الامم فخاطبهم بالتنظير بما عرفوه لتلزمهم الحجة فان قلتَ من اين قلتَ انّهم فهموا ذلك مع انّهم اعراب و جهّال لايعرفون مثل هذا الذي لايعرفه الّا آحاد العلماۤء قلتُ انّما قلتُ ذلك و حكمتُ به لمّا ثبت عند كلّ احد انّ من لم‌يقبل ما دعاهم اليه رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله فقد ضَلّ عن طريق الحقّ و قد قال اللّه تعالي و ماكان اللّه ليضلّ قوماً بعد اذ هداهم حتي يبيّن لهم ما يتقون فلو لم‌يبيّن لهم ذلك لمَاحكم عليهم بالضّلالة حين ردّوا تنظير رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله لهم لانّهم لايعلمون و ليس علي العباد اَنْ يعلموا حتّي يعلّمهم اللّه .

قال عليه السلام : من اَتيٰكم نَجي و مَن لم‌يأتكم هَلك .

المراد باتيانهم معرفتهم و الرّد اليهم و معرفة فرض طاعَتِهم و وجوب النصيحة لهم و اللزوم لجماعتهم و موالاتهم و الاقتداۤء بهم و الكون معهم و التسليم لهم في كل حال و ذلك لما ذكرنا سابقاً انّهم باب وجود الخلاۤئق و باب التكليف لهم بالشراۤئع و الطراۤئق و الحقاۤئق و هم في ذلك كلّه وجه الاله الخالق سبحانه من توجّهَ الي اللّه بهم فقد توجّه الي اللّه تعالي و مَنْ توجّهَ [ص 232] الي اللّه تعالي بدونهم فقد خرّ من السماۤء سماۤء الحقّ و الهداية و هوي في سُبُل الباطل و الضلالة فتخطفه الطير اي الشياطين او تهوي به الرّيح اي هوي النَّفْس الاَمّارَة بالسُّوء في مكان من الضلالة سحيق بعيد لا غاية له من الخذلان كما قال تعالي قل من كانَ في الضلالة فليمدُدْ له الرحمن مدّاً و انّما قال تعالي الرحمن و لم‌يَقل اللّه مع انّ الفاعل في الحقيقة واحد لانه سبحانه يفعل ذلك بهم بوليّه عليه السلام لانه يذودهم بانكارهم له و لاهل بيته عليه و عليهم السلام عن الكوثر و يوردهم الحميم و هو قوله تعالي و اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم داۤبّةً من الارض تكلّمهم انّ النّاس يعني المنكرين للائمة عليهم السلام كانوا بٰاياتنا لايوقنون يعني يشكون في امامة الائمة عليهم السلام من بعد ما تبيّن لهم الهدي و ممّا ورد عنهم في وجوب معرفتهم علي جميع الخلق في الكافي عن زرارة قال قلت لابي‌جعفر عليه السلام اخبرني عن معرفة الامام منكم واجبة علي جميع الخلق فقال انّ اللّه تعالي بعث محمّداً صلّي اللّه عليه و آله و سلم الي النّاسِ اجمعين رسولاً و حجّة للّه علي جميع خلقه في ارضه فمن آمن باللّه و بمحمد رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و اتّبعه و صدّقه فانّ معرفة الامام منا واجبة عليه و من لم‌يؤمن باللّهِ و برسوله و لم‌يصدّقْه و يعرف حَقّهُمٰا فكيف تجب عليه معرفة الامام و هو لايؤمن باللّه و رسوله و يعرف حقّهما قال قلتُ فما تقول فيمن يؤمن باللّه و رسوله و يصدّق رسوله في جميع ما انزل اللّهُ يجب علي اولۤئك حقّ معرفتكم قال نعم اليس هؤلاۤء يعرفون فلاناً و فلاناً قلتُ بلي قال اتري انّ اللّه هو الذي اوقع في قلوبهم معرفة هؤلاۤء واللّهِ مااوقع ذلك في قلوبهم الّا الشيطان لا واللّهِ ما الهمَ المؤمنين حقّنا الّا اللّه اقول قد دلّ هذا الحديث و امثاله علي وجوب معرفتهم و قوله (ع) فكيف تجب عليه معرفة الامام الخ ، لايلزم منه انّ معرفة الامام لاتجب الّا علي المسلمين [ص 233] خاۤصّة كما توهّمه بعضهم مثل الملّامحسن في الوافي حيث استدلّ به علي ان الكفار ليسوا مكلّفين بشراۤئع الاسلام قال كما هو الحق خلافاً لما اشتهر بين متأخري اصحابنا انتهي ، و الحق وجوب ذلك علي الكفار و قد ادّعي كثير منهم الاجماع علي انهم مكلفون بشراۤئع الاسلام و هذا الحديث ليس المراد منه هذا الظّاهر بل المراد بيان التلازم لانه من لم‌يؤمن باللّه و رسوله كيف يؤمن بهم اي لايثبت له ايمان بهم و لايقبل منه و من لم‌يؤمن بهم و انكرهم كيف يؤمن باللّه و رسوله اي لايثبت له ايمان بهما و لايقبل منه و يؤيده ما رواه جابر قال سمعتُ اباجعفر عليه السلام يقول انما يعرف اللّه و يعبده من عرف اللّه و عرف امامه منا اهل البيت و من لايعرف اللّه تعالي و يعرف الامام منا اهل البيت فانما يعرف و يعبد غير اللّه هكذا واللّه ضُلّالاً فقولي بيان التلازم ان المراد انه لايعرف اللّه من لايعرفهم و لايعرفهم من لايعرف اللّه و هذا واضح و شرط الايمان المعرفة فاذا توقف الايمان بهم علي الايمان باللّه و الايمان باللّه علي الايمان بهم لزم انه لايجب الايمان بهم حتي يؤمن باللّه و لايجب الايمان باللّه حتي يؤمن بهم و الّا لماكان الايمان بهم شرطاً في الايمان باللّهِ و احاديثهم كما سمعتَ و تسمع ان شاء اللّه ناصّةٌ علي الشرطيّة بلا خلافٍ بينهم عليهم السلام في ذلك مع ما روي عنهم عليهم السلام ما معناه و عن علي عليه السلام و عن النبي صلي اللّه عليه و آله مثل مااختلفوا في اللّه و لا فيّ و انّما اختلفوا فيك يا عليّ و انّ جميع الامم الماضية الذين اهلكوا بالعذاب انّما اهلكوا لانكارهم ولاية الائمة عليهم السلام فلو قيل بانه لايجب الايمان بهم الّا علي مَن آمَن باللّهِ لماجاز اهلاك الكفار بانكارهم الولاية مع انهم لم‌يؤمنوا باللّه و هذا معني احاديثهم و ليس هذا محلّ هذه المسئلة لننقل الاحاديث و كلام العلماۤء و نبيّن كيفيّة الاستدلال و انما نبّهْتُ علي هذا استطراداً في الجملة [ص 234] حين ذكرتُ الحديث في الاستدلال علي وجوب معرفتهم و الرّد اليهم و فرض طاعتهم و كان مشتملاً علي ما يوهم هذه الشبهة و فيه ايضاً عن مقرن قال سمعتُ اباعبداللّه عليه السلام يقول جاء ابن‌الكوّا الي اميرالمؤمنين عليه السلام فقال يا اميرالمؤمنين و علي الاعراف رجال يعرفون كُلّاً بسيمٰيهم فقال نحن علي الاعراف نعرف انصارنا بسيمٰيهم و نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا و نحن الاعراف يُعَرِّفنا اللّه تعالي يوم القيمة علي الصراط فلايدخل الجنّة الّا من عرفنا و عرفنَاه و لايدخل النار الّا من انكرنا و انكرناه انّ اللّه تعالي لو شاۤء لعرَّف العباد نفسه و لكن جعلنا ابوابه و صراطه و سبيله و الوجه الّذي يُؤتي منه فمن عدل عن ولايتِنا او فضّل علينا غيرنا فانّهم عن الصراط لناكبون فلا سواۤء من اعتصمَ النّاسُ به و لا سواۤء حيثُ ذهب الناسُ الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض و ذهب مَن ذهبَ الينا الي عيون صافيةٍ تجري بامر ربّها لا نفاد لها و لا انقطاع و فيه عن عبدالحميد بن ابي‌العلا قال دخلتُ المسجد الحرام فرأيتُ مولي لابي‌عبداللّه عليه السلام فملتُ اليه لاسأله عن ابي‌عبداللّه عليه السلام فاذا انا بابي‌عبداللّه عليه السلام ساجداً فانتظرته طويلاً فطال سجوده علي فقمتُ و صلّيتُ ركعاتٍ و انصرفتُ و هو بعدُ ساجد فسألتُ موليه متي سجد فقال من قبل ان تأتينا فلمّا سمع كلامي رفع رأسه ثم قال يا ابامحمد ادنُ مني فدنوتُ منه فسلّمتُ عليه فسمع صوتاً خلفه فقال ما هذه الاصوات المرتفعة فقلتُ هؤلاۤء قوم من المرجئة و القدريّة و المعتزلة فقال ان القوم يريدونني فقم بنا فقمتُ معه فلمّا رأوه نهضوا نحوه فقال لهم كفّوا انفسكم عني و لاتؤذوني و تعرّضوني للسلطان فانّي لستُ بمُفْتٍ لكم ثم اخذ بيدي و تركهم و مضي فلمّا خرج من المسجد قال لي يا ابامحمّد واللّه لو ان ابليس سجد للّه تعالي بعد المعصية و التكبّر عمر الدّنيا مانفعه ذلكَ [ص 235] و لاقبله اللّه تعالي ما لم‌يسجد لٰادَم (ع) كما امره اللّه تعالي ان يسجد له و كذلك هذه الامّة العاصية المفتونة بعد نبيّها صلي اللّه عليه و آله و بعد تركهم الامام الذي نصبه نبيّهم (ص) فلن‌يقبل اللّه لهم عملاً و لن‌يرفع لهم حسنة حتي يأتوا اللّٰهَ من حيث امرهم و يتولَّوُا الامام الذي اُمِروا بولايته و يدخلوا في الباب الذي فتحه اللّٰهُ و رسوله لهم يا ابامحمد انّ اللّه افترض علي امّةِ محمّد صلّي اللّه عليه و آله خمس فراۤئض الصلوة و الزكوة و الصيام و الحج و ولايتنا فرخص لهم في اشياۤء من الاربعة و لم‌يرخّص لاحدٍ من المسلمين في ترك ولايتِنا لا واللّهِ ما فيها رخصةٌ و فيه عن ابن ابي‌يعفور عن ابي‌عبداللّه عليه السلام انّ رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و سلم خطب الناس في مسجد الخيف فقال نَضَّر اللّه عبداً سمِع مقالتي فَوَعاها و حفِظها و بلّغَها مَن لم‌يسمعها فرُبَّ حامل فقهٍ غير فقٖيهٍ و رب حامل فقهٍ الي من هو افقه منه ثَلٰثٌ لايغلّ عليهنّ قلبُ امرءٍ مسلمٍ اخلاص العمل للّهِ و النّصيحة لائمةِ المسلمين و اللزوم لجماعتهم فانّ دعوتهم محيطة من وراۤئهم المسلمون اخوة تتكافَي دماۤؤهم و يسعَي بذمّتهم ادناهم هذا برواية البزنطي و برواية حماد بن عثمن عن ابان عن ابن ابي‌يعفور مثله و زاد فيه و هم يد علي من سواهم الحديث .

و قوله صلّي اللّه عليه و آله لايغلّ من الغلول او الاغلال يعني لايخون او من الغِلِّ بمعني الحقد وَ الشحناۤء اي لايدخله حِقْدٌ يُزيله عن الحقِّ و بالجملة انّ الاحاديث في وجوب معرفتهم و الردّ اليهم و فرض طاعتهم و وجوب النّصيحة لهم و اللزوم لجماعتهم و موالاتهم و الاقتداۤء بهم و الكون معهم و التّسليم في كل حالٍ و انّ من كان معهم نجي و كان من المفلحين و انّ مَنْ لم‌يأتهم او ردَّ عليهم او اعترض عليهم او عدل بهم سواهم او تقدّمهم او تأخّر عنهم [ص 236] او قدّم عليهم غيرهم او شكّ فيهم او في شيء من فضاۤئلهم اوْ مال بقلبه الي مَن فعل شيئاً من ذلك و كان ذلك منه بعد ان تبيّن له الهدي فهو هالك و هو من الخاسرين .

قال عليه السلام : الي الله تدعون و عليه تدلّون و به تؤمنون و له تسلّمون و بامره تعملون و الي سبيله ترشدون و بقوله تحكمون .

قال الشارح (ره) الي اللّه تدعون بالحكمة العمليّة و عليه تدلّون بالحكمة العلمية من المعارف و الحقاۤئق و له تسَلِّمُون بالتخفيف و التشديد و الي سَبيلِهٖ ترشدون الخلقَ باتمّ الارشاد و الحمل لبيان احوال حياتهم او مع اخبارهم المنقولة المُتَواترة عنهم انتهي .

اقول انّهم عليهم السلام يدعون الَي اللّٰهِ بما دعا به رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله دعا الي اللّه بما امره به ربّه سبحانه و تعالي قال عز و جلّ ادع الي سبيل ربّك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فالحكمة هي الهدي و هو العلمي الذوقي فمنه ما يتعلق بالعمل و هو الحكمة العملية و منه ما هو معقول و هو الحكمة العلميّة فهم يدعون الي اللّه تعالي بالحكمة علي المعنييْنِ العلمي و العَملي امّا العلمي فمدركه بالفؤاد و هو يستند الي الكتاب و السنة و هو طريق التوسم كما قال عليه السلام اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللّهِ و ذلك هو الذي خلق منه كما قال الصادق عليه السلام انّ اللّٰهَ خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و اخذ ميثاقهم لنا بالولاية و لعليّ اميرالمؤمنين عليه السلام فالمؤمن اخو المؤمن لأبيه و اُمِّهِ ابوه النور و امّه الرحمة و انّ المؤمن ينظر بنور اللّه قال الصادق عليه السلام انما ينظر بذلك النور الذي خلق منه ، اقول قد تقدّم هذا الحديث و بهذا العلم يحصل الهدي الي المعارف [ص 237] الحقّة و امّا العملي فهو ايقاع الافعال و الاقوال و الاعمال علي حسب ما يريد اللّه تعالي بحدوده المشفوعة بالاخلاص لوجه اللّه الكريم بالتّولّي لهم و التّبرّي مِنْ اعْداۤئهم و التسليم لهم و الرّدّ اليهم و الاقتداۤءِ بهم و الانتظار لفرجهم و بهذا يحصل الهدي الي ثمرات تلك المعارف و بهذا العملي يزكو العلمي و ينمو و بالعلمي يمحض العملي للّه سبحانه فالعلمي هو دليل الحكمة ظاهراً و العملي هو دليل الحكمة باطِناً و ان شئت بالعكس و احدهما يكون منشأ للٰاخر او مُصْلِحاً او يزيد فيه و الي هذا المعني اشار الصادق عليه السلام بقوله بالحكمة يُسْتَخْرَجُ غورُ العقل و بالعقل يُسْتَخْرَجُ غورُ الحكمة و الموعظة الحسنة هو الكتابُ المنير و هو نور اليقين و مدركه العقل و هو يستند الي الكتاب و السُّنة و منه قوله تعالي قل ارأيتم ان كان من عند اللّه ثم كفرتم به مَن اضلّ ممّن هو في شقاق بعيد و قوله تعالي افمن يهدي الي الحقّ احقّ ان يتّبع ام من لايهدّي الّا اَنْ يهدي فما لكم كيف تحكمونَ وَ فاۤئدة دليله تحصل بالتوفيق و حجّيته ملزمة للمكلّفين و هو اجْلي الاَدلّة عند المنصفين الطالبين للحقّ المبين و هو الدليل المنبّه للغافلين علي آيات ربّ العالمين فهو حاكم من اللّهِ لايردّ حكمه الّا القوم الضّاۤلّون و المجادلة بالّتي هي احسن هو العلم و هو ما يتركّب من المقدّمات سواۤء كانت قطعيّة كما في البرهان الذي قد يطلق عليه الحكمة في اللغة و الظاهر ام مقبولة ام ظنيّة مع الترتيب الصحيح كما في الخطابة لينجذب العامي بالتدريج الي البرهان القاطع كما استجرّ سبحانه المنكرين للبعث حين قالوا ائذا كنا عظاماً و رفاتاً ائنا لمبعوثون خلقاً جديداً قال اللّه تعالي لنبيّه صلّي اللّه عليه و آله قل لهم كونوا حجارة او حديداً او خلقاً مما يكبر في صدوركم فقرّر لهم دعويٰهم علي اعظم ممّا فرضوه فاطمأنّوا بهذا الفرض لانّ الحديد و الحجارة و ما اشبه ذلك ابعد [ص 238] في الاعادة من العظام و الرّفات اي الحطام فلم‌يحيلوا الاعادة و انّما طلبوا معرفة المعيد سبحانه فقرّر لهم انّه المبتدئ اوّلاً فجوّزوا ذلك لانه في اذهانهم اصعب من الاعادة و هم معترفون بالمبدئ سبحانه و لكنّهم مارأوا الاعادة فقالوا هذا الوعد لم‌نره فمتي يكون فنقلهم من استبعاد ما جوّزوه الي تجويز استقرابه بقوله قل لهم عسي ان يكون قريباً حين فرض لهم امكان قربه و هو يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده فروّعَهم بحالة الطاعة بعد الانكار الموجبة للاستيصال و حلول النكال لانها ليست عن اختيارٍ و رِضيً بل لقوّة الدعوة و عظم الخطب ثم اردفه بما يدلّهم علي تحقّق الوقوع في صورة شدّة القرب و ان كان في نفس الامر بعيداً لانّه آتٍ فانّهم يظنّون انهم مالبثوا الّا يوماً او بعض يوم فانظر بعين البصيرة كيف نقلهم مع عظيم انكارهم من حال الي اخري الي ملزوم اقراره و هذا شأن المعجز الذي هو تنزيل من حكيم حميدٍ و فاۤئدة هذا نافعة جدّاً لانّ من الناس مَن لايحتمل البرهان ابتداۤءً ام مسلّمة ام مشهورة مع الترتيب الصحيح كما في مقام الجدَل و منه قوله تعالي و جادلهم بالتي هي احسن و ان لم‌يكن المجادلة مختصّة بهذا الصنف لانّه معني اصطلاحي بل هو لغةً و اصطلاحاً خاصاً يشمل الاقسام كلّها لانّها قسيمة لدليل الحكمة و دليل الموعظة الحسنة في الاصطلاح الخاۤصّ و فائدة هذا الصنف قطع اهل العناد في الدّٖين و الخلاف فيه و ابطال شبههم او الاحتراس عن سوۤء اِضْلالهم و فيه حفظ الدّين عن تغيير المنتحلين و تأويل المبطلين كما فعل الرضا عليه السلام بالنّصراني حيث قال له و ماننقم علي عيساكم الا ضعفه و قلّة صيامه و صلاته قال الجاثليق افسدتَ واللّهِ عليك و ضعّفتَ امرك و ماكنتُ ظننتُ الّا انّك اعلم اهل الاسلام قال الرضا عليه السلام و كيف ذلك قال الجاثليق من قولك انّ عيسي كان قليل [ص 239] الصيام و قليل الصلوة و ماافطر عيسي يوماً قطّ و لانام ليلاً قطّ و مازال صاۤئمَ الدهر و قاۤئم الليل قال الرضا عليه السلام فلمن كان يصوم و يصلّي قال فخرس الجاثليق و انقطع ام مخيّلةً كما في مقام الشعر و فاۤئدته انبساط النفس بالمَدْح او انقباضها بالذمّ و ذلك في انحاۤء شتي و منه ما قال علي عليه السلام في ذم الجماع عورات تجتمع و حياۤء يرتفع و قال فيه ايضاً مبَالٌ في مَبٰالٍ و ربّما يترتّب علي الصنف منافع كثيرة وَ رُبّما يُحْدِث اخلاقاً حميدةً كالكرم و الشجاعة و الديانة و قد يؤثر الحزن و البكاۤء و اضدادهما و النوم و السهر و غير ذلك خصوصاً اذا حسن الترتيب متوافق الكلم و موزونه و كان بالحانٍ موافقةٍ للحال فانه يؤثّر تأثيراً بليغاً جِدّاً و هذا هو العِلْم و مُدْركه النّفْس و مستنده الكتاب و السُّنَّة و قد يراد من المجادلة بالتي هي اَحسن الهدي و بالعلم الحكمة و قد يراد من المجادلة الكتاب المنير يعني قد يطلق احدها و يراد به واحد من تلك الثلاثة التي هي العلم و الهدي و الكتاب المنير و الفارق بينها الاعتبار و الحاصل انّهم عليهم السلام الي اللّه يدعون بالحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن و هذه الثلاثة الطرق مجملة هي الهدي و الكتاب المنير و العلم التي اشار سبحانه اليها في حق اعداۤئهم الذين يجادلون بالباطل و يصدّون عن سبيل اللّه قال تعالي و من الناس من يجادل في اللّهِ بغير علم و لا هديً و لا كتاب منيرٍ ، فان قلتَ اذا اريد من هذه الثلاثةِ الثلاثةُ الاول لم‌يجر علي طبق ما ذكر سبحانه لانه ذكر انّ بعض المنافقين يجادل في اللّه بغير واحدٍ من هذه الثلاثة فجعل هذه الثلاثة آلةً للمجادلة و انتَ جعلت آلة المجادلة العلم خاۤصة قلتُ اراد سبحانه و هو العالم انّ من لم‌يستعمل واحداً من هذه الثلاثة في الاستدلال علي دعواهُ فهو المجادل بالباطل و امّا اذا استعمل واحداً منها فان [ص 240] كان دليل الحكمة فهو حكيم عليم و ان كان دليل الموعظة الحسنة فهو نذير و ان كان دليل المجادلة بالتي هي احسن فهو عالم و ليس واحدٌ منهم يجادل بغير علم و لا هديً و لا كتاب منير بل الاول يجادل بالهدي كما مر و الثاني بالكتاب المنير و الثالث بالعِلْمِ و المجادِل بواحدٍ منها في الحقيقة داعٍ الي اللّهِ و انّما قال الي اللّه تَدْعُون و لم‌يقل تدعون الي اللّه ليدلّ علي الحصر بمعني انهم لايدعون الي غيره في حالٍ من الاحوال و هذه خاۤصّة لهم اذ كلّ من سواهم فله حال من احواله يَدْعو اِلَي غيره و ان ندرت فان قلتَ فالانبياۤء غيرهم و هم معصومون فكيف تكون لهم حالة غير الدعاۤء الي اللّه تعالي قلتُ ان غير محمد و اهل بيته الطاهرين صلي اللّه عليهم اجمعين من جميع الخلق قد تجري عليهم الغفلة و السهو و هو في هذه الحال من جهة الكون داع الي اللّه اذ لايقوم احد من الخلق و لا بقاۤء له الّا بهذه الدعوة و هذه الحال لاتغفل عن اللّه تعالي طرفة عين و هي في الحقيقة حال من احوال محمد و اهل بيته عليه و عليهم السلام و هي لهم و امّا من جهة الشرع فهو في حال غفلته داع الي نفسه او الي طبيعته و جبلّته فلاتنحصر احوال غيرهم في اللّه تعالي ابداً يعني في رضاه و محبّته لا فيما يصير اليه اذ كلّ شيء صاۤئر اليه اَلا الي اللّه تصير الامور فعنهم عليهم السلام كانت دعوة الوجودي الكوني و مَا يلزمه من الاحكام الشرعيّة الخمسة لجميع من سواهم و كانت دعوة الشرع لهم ايضاً و ما يترتّب عليه من الوجودات الدّهرية وَ مَا فوقَها من السرمدية و ما دونها من الزمانيّة و الشارح (ره) جعل دعاۤءهم الي اللّه بالحكمة العمليّة و الدلالة عليه تعالي بالحكمة العلميّة و هو كذلك في الظاهر لا غير و امّا في الحقيقة فكلّ من الحكمتين صالح لكلّ من المقامَيْن و يكون الدّعاۤء الي اللّه تعالي بالحكمة العلميّة و تكون الدلالة علي اللّهِ بالحكمة العمليّة كما في العكس [ص 241] الّا انه باطن و ذلك ظاهر .

فقوله عليه السلام و عليه تدلّون يجوز فيه انّهم يدلّون عليه بالحكمة العلمية الشاملة لدليل الحكمة و دليل الموعظة الحسنة و دليل المجادلة بالتي هي احسن بطرقه المتقدّمة و انهم يدلّون عليه بالحكمة العملية الشاملة عند العارفين باللّه للاكوان الوجوديّة و شرعيّاتها و للاكوان الشرعيّة وَ وُجوداتها و تفصيل هذه تقدّم مكرّراً و كذلك و عليه تدلّون انّما قدّم الظرف ليدلّ علي الحصر لانّهم لايدلّون علي غيره بل انّما يدلّون عليه او علي ما يدلّ عليه .

و قوله عليه السلام و به تؤمنون يعني انّهم يؤمنون بوجوده و احديّته و ساۤئِر صفاته في افعاله و بافعاله في مفعولاته و انّ كل ما سواه فمنه و به و لَهُ و اليه و بما تعرّف لهم به من وصفِه و تعرّض لهم به من رحمته و لطفه و بما وصف به نفسه و بوعده و وعيده و بكتبه و رسله و ملاۤئكته و ان الدين كما وصف و انّ الاسلام كما شرع و ان القول كما قال و انّ القرءان كما انزل و انه هو الحق المبين و ان محمّداً صلّي اللّه عليه و آله عبده و رسوله و انهم حجج اللّه علي خلقه و معانيه في بلاده و ظاهره في عباده و ابوابه في افعاله و بُيوته في ملكوته و خزاۤئن عِلْمه و حفظة سرّه و تراجمة وحيه و اركان توحيده و اصل الايمان به و اساس التسليم له و وداۤئعه عند خلقه و ما اشبه ذلك من انحاۤء الايمان و كل ذلك في الحقيقة هو الايمان باللّه فكلّ موضعٍ ذكر المؤمنون فهم المعنيّون بذلك او الايمان فلهم و كل من سواهم تابع في الاصل و الفرع و في تفسير العيّاشي عن سلام عن ابي‌جعفر عليه السلام في قوله آمنّا باللّهِ وَ ما انزل الينا قالَ عني بذلك علياً و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام و جرت بعدهم في الائمّةِ عليهم السلام ثم رجع القول عن اللّهِ في النّاسِ فقال فان آمَنُوا يعني الناس بمثل ما آمنتم به يعني علياً و فاطمة و الحسن و الحسين [ص 242] و الائمة من بعدهم عليهم السلام فقد اهتدوا و اِنْ تولّوا فانّما هم في شقاقٍ ، و فيه عن المفضل بن صالح عن بعض اصحابه في قوله قولوا آمنّا باللّه و ما انزل الينا و ما انزل الي ابراهيم و اسمعيل و اسحق و يعقوب و الاسباط اما قوله قولوا فهم آل‌محمد عليهم السلام لقوله فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ه‍ ، و لما كان حقيقة الايمان العُليا التصديق بكلّ حقٍ و القيام به و النفي لكلّ باطلٍ و التجنُّب له كان اكمل الايمان باللّهِ الايمان بكلّ حق و القيام به و النفي لكلّ باطل و التجنّب له لانه ايمان لاتكون معه حالة منافية فكان اللّه اولي بالحق الخالص لانّه سبحانه استخلصه لنفسه فقال اَلا للّه الدينُ الخالص و لايقوم كما ينبغي لوجهه الكريم مَنْ يشوبه التغيير او يلحقه التظنين لان من يأخذه سهو الغفلة يتغيّر حين اخذته الغفلة عن الاذعان الي عدمه و هذا قد نفاه عليه السلام عنهم بقوله و به تؤمنون فافهم .

و قوله عليه السلام و له تسلّمون بالتشديد و التخفيف بمعني الانقياد و الاذعان و تفويض الامور كلها اليه سبحانه و الاسلام الذي هو الاقرار بالشهادتين من المخفّف و علي ما بيّن صلي اللّه عليه و آله من صفة مقتضاه من قوله (ص) المسلّم من سلم النّاس من يده و لسانه انه من السلامة الّا ان يكون من باب ظاهر الظاهر و علي ما نسبه اميرالمؤمنين عليه السلام من قوله لانسبن الاسلام نسبة لم‌ينسبه احد قبلي و لاينسبه احد بعدي الا بمثل ذلك الاسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين و اليقين هو التصديق و التصديق هو الاقرار و الاقرار هو العمل و العمل هو الاداۤء الحديث ، هو الدين الخالص في قوله تعالي اَلا لِلّه الدّين الخالص و هو العبادة العاۤمّة لاشتمالها علي كل ما يريد اللّه الخاۤصّةُ لخلوصها عن شاۤئبة الشرك بما سوي اللّه و هو قوله تعالي اِنَّ الدّينَ عندَ اللّهِ الاسلام و هذا الاسلام في الحقيقة هو معني الايمان المراد في قوله و به تؤمنُونَ بالمعني الّذي ذكرنا [ص 243] و اشرنا اليه و علي المشدّد يراد به منهم خلعُ اِنّيّٰاتِهِمْ عن التّحقّق و محق ذواتهم عن التذوُّتِ عند ذكره تعالي في ظهوره و مناجاته و دعاۤئهم و اجابتهم و امره و نهيه و بعثه في جميع اكوانهم به في كونهم اُذنَهُ و عينه و لسانَهُ و يَدهُ و قلبه و حكمه و علمه و امره و معانيه كلها و ابوابه و بيُوتَهُ و مساجده و غير ذلك كما هم حَيْثُ اقامَهُمْ لَهُ و اصطَنَعَهم لنفسه لم‌يبق منهم الّا فعلُهُ و صفتُهُ و اسمُهُ و آيَتهُ و لذا قال تعالي و هم بامره يعملون و قال تعالي فلم‌تقتلوهم و لكنَّ اللّه قتلَهُمْ و مَارميتَ اِذْ رميتَ و لكنّ اللّهَ رمَي و هذانِ المعنيان من المخفّف و المشدّد علي ما اشرنا اليه يجتمعان بالاتّحادِ و يفترقان بالتَّرادُفِ .

و قوله عليه السلام و بامره تعمَلُون يرادُ منه نفي جميع اعمالهم الجَنَانيّة و الاركانيّة و اللِّسٰانية بما لهم و لغيرهم لمن سِوَاه سبحانَهُ و هو قوله تعالي لايسبقونَهُ بالقولِ و هم بامره يعملُونَ ، و القول يُرَادُ مِنْهُ كلّ ما يقومُ باَمْرِ اللّهِ ممّا يصدر عن فعله فَاِنَّ كُلَّ شيء كلمةٌ له سبحانه فالمشيّة كَلِمتُه الّتي انزجَر لها الْعُمُق الاكبر و العقل كلمته و اللوح كلمته و عيسي كلمة منه اي من كَلمتِه و هم عليهم السلام الكلمات التاۤمات التي لايتجاوزهن بَرٌّ و لا فَاجرٌ و بالجملة انّ الالفاظ قسمان ظاهرة و هي المشتملة علي الحروف التي هي الاصوات المخْصوصة و باطنة و هي الذوات و الصفات و الاعمال و الحركات المشتملة علي الحُروف الكونيّة الكليّة و الجزئيّة مما جاۤءَتْ لمعنيً بنفسها اَوْ مع انضمامِ غيرها اليها من جميع ذرّات الوجود في كلّ شيءٍ بحَسَبِه من الجواهر و الاعراض و آجٰالُها مقدّرة بنسبة بقاۤء الكلمات الّتي تركّبت منها فتفني بفناۤئها فاذا فنِيَتْ فنِيَتْ عن وقتِها الذي قامَتْ فيه و لم‌تفنَ مِن الذي قبله و قد يَبْقَي شيء منها في وقته و يكون فناۤؤُه باعتبار تجاوُزِ مَنْ فَنِيَ عنه كامثال الاشخاص و احوالهم و اعمالهم و ازمنتهم فانّ اَمْسِ انّما فنِيَ عنّا اليومَ [ص 244] مثلاً لانّا سرنا عنه الي اليوم و امسِ باقٍ في مكانه بما فيه من الامثال و الاحوال و الاعمال اَلاتري انّك اذا الْتَفَت اليه خيالُكَ رأيته بما فيه من الامثال و الاحوال و الاعمال و لو كانت معدومة لم‌تجدْها لان المعدومَ لايُوْجد و ذلك لان خيالك و نفسك مِرْءٰاةٌ تنطبع فيها صورة المقابل لها و لو كانت تلك فانيةً لماانطبعَ في خيالك صُوَرها كما انّ المِرْءٰاة لاينطبع فيها صورة بدون مقابلٍ لها مع القطع بانّ ما في الخيال و المِرْءاة ليس ذاتاً و انّما هو صفة و الصفة لاتتحقّق بغير موصوف علي انّك لاتقدر ان تذكر انّ زيداً رأيتَهُ يصلّي في المسجد في العام الماضي حتّي يلتفِتَ خيالك الي ذلك المكان في ذلك الوقت المخصوص فكلّ مرّة ذكرته انّما تذكره بعد الالتفاتِ الي الزمان و المكان المخصوصَيْن و المثال المعيّن فان شككتَ فيما بيّنتُ لكَ فاذكره بغير ذلك الالتفات فانك لاتقدر ابداً لان ذكراك انما هي انتقاش تلك الصُّوَر في مرءٰاتِك فالاشياء باقية في رتبتها التي رتّبها اللّه تعالي فيها لانها حين دخلت في ملكه بايجاده لها كانت عنده في كتابه الحفيظ فكيف تخرج عن ملكه و هو قوله تعالي قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربّي في كتاب لايضلّ ربي و لاينسي و قوله تعالي قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قد تقدم من هذا كثير و الحاصل الذوات كلماتُه بفعله و الكلمات اللفظيّة خلقه و عباده و ان من شيءٍ الّا يسبّح بحمده فالحروف اللفظية في جميع اللغات عالم برأسه و ابوهم آدم عليه السلام و هو في اللفظ الالف الليّنة طوله ثلاثة و ثلاثون ذراعاً بذراع الشارع عليه السلام و في اولاده مثل ما في اولاد ابينا آدم عليه السلام من التناكح و التناسل و التحابب و التباغض و التواخي و التشابه و النّموّ و الانس و الوحشة و غير ذلك لانها عالم تامّ مماثل لعالَمِنا الّا انه مثالنا و ظاهرنا كما قال الرضا عليه السلام الاسم صفة موصوف [ص 245] و كما اشار اميرالمؤمنين عليه السلام الروح في الجسد كالمعني في اللفظ و لقد تَلطّف في الاشارة نفسي فداۤؤه فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه فاعلم انّ قوله لايسبقونه بالقول يراد ما يشتمل اللفظي و المعنوي علي نحو ما ذكرنا و قوله و هم بامره يعملون اي للقولين ثم اعلم ان قوله تعالي لايسبقونه بالقول علي حدّ قوله تعالي فلم‌تقتلوهم و لكن اللّه قتلهم الٰاية و قوله و هم بامره يعملون علي حدِّ و مارميتَ اِذْ رَميتَ و لكن اللّه رَمي قال تعالي اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات و قال تعالي هذا خلقُ اللّه فاروني ماذا خلقَ الذينَ من دونه فابان في هاتين الٰايتين و فيما اشبههما من آيات كتابه المجيد تفرّدَهُ بالصّنع وحده لا شريك له الا له الخلق و الامر فلم‌يكن لاحدٍ سواه شيء من الخلق الّا باذنه يعني هو المتفرّد بالخلق الحق الّا باذنه و الذين من دونه اي من دون اذنه انّما يخلقون افكاً باطلاً ثم لوّحَ لاهل الاشارة بان من كان يعمل باذنه يعمل الحق قال في حق عيسي عليه السلام و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني و لكن عيسي عليه السلام و ان كان خلق باذن اللّه ما هو حقّ لكنّه من الطّين الذي لم‌يخلقه و نفخ فيه من الروح التي لم‌يخلقها فالماۤدّة خلقها اللّهُ و الصورة التي احدثها عيسي بحركات يديه و ضميره خلقها اللّه بيدي عيسي و ضميره و يدا عيسي و ضميره خلقها اللّه و حركاتهما خلقهما اللّه و عيسي خلقه اللّه و كلّما قلنا فيه و في ضميره و يديه و حركاته فهي قائمة بامر اللّه سبحانه قيامَ صُدورٍ فاللّه يخلق بما شاۤء ما شاۤء كيف شاۤء قل اللّه خالقُ كل شيء و هو الواحد القهّار فاذا سمعت منّا انّا نقول بانّهم عليهم السلام بامره يعملون كل شيء فمرادنا به انّ ذلك علي حدِّ ما ذكرنا هنا في حقّ عيسي عليه السلام فاذا عرفتَ فقل ما شئت ان قدَرْتَ و هو قولهم الحق اجعلوا لنا ربّاً نَؤُبُ اليه و قولوا فينا ما شِئتم و لن‌تبلغوا فقال الساۤئل نقول ما شئنا فقال و ما عسي ان تقولوا [ص 246] واللّهِ ماخرج اليكم من علمنا الّا اَلِفٌ غيرُ معْطوفَةٍ ه‍ ، هذا معني قول الصَّادق عليه السلام .