لاسيّما عند قرب الحادثِ الجَللِ المُرٖيع للدين و الاسلام بادٖيهٖ

من مثل ما كان في حج الوداع و في يوم الغدير الذي امسي يُنبّيهٖ

ابانَ في نصِّهٖ مَن كان خالِقُنَا له يوالي و من هذا يُعٰادٖيهِ

و هو الحديث اليقينُ الكونِ قد قطعت بكونه فرقةٌ كانت تُوَهّٖيهِ

قال و اما حديث يوم الغدير فهو من الاحاديث المتَواترة عن النبي صلّي اللّه عليه و آله و قد روي من طرق كثيرة عن خلق كثير من الصحابة رضي اللّه عنهم بعضها روايات اهل البيت عليهم السلام و بعضها رواياتُ غيرهم من علماۤء الحديث و في بعض الروايات زياداتٌ و ماينكره الا مكابر مباهِتٌ [ص 198] فمن روايات اهل البيت و شيعتهم ما رووه بالاسناد عن البراۤء بن عازب قال اقبلت مع النبي صلي اللّه عليه و آله في حجة الوداع فكنّا بغدير خم فنُودِي فينا انّ الصلوة جامعة و كُسِحَ للنبيّ صلي اللّه عليه و آله تحت شجرتين فاخذ بيد علي بن ابي‌طالب رضي اللّه عنه و قال الستُ اوْلَي بالمؤمنين من انفسهم قالوا بلي يا رسول اللّه قال هذا مولي مَن انا موليٰهُ اللهم والِ مَن والاه و عادِ من عاداه فلقيه عُمر فقال هنيۤئاً لك يا ابنَ ابي‌طالبٍ اصبحت و امسيت مولي كلّ مؤمن و مؤمنة و رووا بالاسناد الي زيد بن ارقم قال نزل رسولُ اللّه صلي اللّه عليه و آله بين مكةَ و المدينة عند سمراتٍ خمس دوحَاتٍ عظام فقام تحتهنّ و اناخ (ص) عشيّة فصلّي ثم قام خطيباً فحمد اللّهَ و اثني عليه ثم قال ما شاۤء اللّهُ اَنْ يقول ثم قال ايّها الناس اني تارك فيكم امرين لن‌تضلّوا ما اتّبعتموهما القرءان و اهل بيتي عترتي ثم قال تعلمون انّي اولي بالمؤمنين من انفسهم قالوا نعم فقال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله من كنتُ موليٰهُ فانّ عليّاً موليه فقال رجل من القوم مايألوا ان يرفع ابن عمه و روي بعضهم من طريق الحاكم ابي‌سعد المحسّن بن كرامة فقام رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله خطيباً بغدير خم و اخذ بيد عليّ فرفعها حتي رأي بعضهم بياض ابطه ثم قال الست اولي بكم من انفسكم قالوا اللهمّ نعم فقال من كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه اللهم والِ مَن والاهُ و عاد من عاداه و انصر من نَصره و اخذُل من خذله فقام عمر فقال بخ‌بخ يا ابن ابي‌طالب اصبحتَ مولاي و مولي كل مؤمن و مؤمنة قال الحاكم ابوسعد و حديث الموالاة و غدير خم قد رواه جماعة من الصحابة و تواتر النقل به حتي دخل في حد التواتر فرواه زيد بن ارقم و ابوسعيد الخدري و ابوايوب الانصاري و جابر بن عبداللّه الانصاري ثم ذكر رواية بعضهم و هي تتضمّن ما تقدم مع زيادات و روي بالاسنادِ الي عبدخير قال [ص 199] حضرنا علياً ينشد الناس في الرحبة فقال انشدُ مَنْ سَمع النبي صلي اللّه عليه و آله يقول من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهم وال مَنْ والاه و عادِ من عاداه فقام اثناعشر رجلاً كلّهم من اهل بدرٍ فيهم زيد بن ارقم فشهدوا انّهم سمعوا رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله يقول ذلك لعليّ بن ابي‌طالب عليه السلام و اما روايات غير اهل البيت و شيعتهم فقد روي عن الرسالة النافعة للامام المنصور باللّه عن مسند الامام احمد بن حنبل هذا الحديث المذكور من طرق كثيرة بنحو ما سبق و حكاه ايضاً عن جامع رزين و عن مناقب ابن‌المغازلي الشافعي و ذكر انّه رفع الحديث المذكور الي مائة من اصحاب رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال و قد ذكر محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ خبر يوم الغدير و طرقه من خمسة و اربعين طريقاً و افرد له كتاباً سمّاه كتاب الولاية و ذكر ابوالعباس احمد بن عقدة خبر يوم الغدير و افرد له كتاباً و طرقه من مائة طريق و خمس طرق و لا شك في بلوغه حدّ التواتر و حصول العلم به و لم‌نعلم خلافاً ممّن يعتدّ به من الامّة و هم بين محتجّ به و متأوّلٍ له الّا من ارتكب طريقة البهت و مكابرة العيار تَمّ كلامُه و في المستدرك بالاسناد الي زيد بن ارقم قال لمّا رجع رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله من حجّة الوداع و نزل غدير خم اَمر بدَوْحاتٍ فَقُمَّنَّ قال كأني دُعيتُ فاجبتُ اني تركتُ فيكم الثقلين احدهما اكبر من الٰاخر كتاب اللّه و عترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانهما لن‌يفترقا حتي يردَا عَلَيّ الحوض ثم قال انّ اللّه جل و عزّ مولاي و انا وليّ كلّ مؤمنٍ و مؤمنةٍ ثم اخذ بيد علي فقال مَن كنتُ وليَّهُ فهذا وليّه اللهمّ والِ و ذكر الحديث بطوله هذا حديثٌ صحيح علي شرط الشيخين و لم‌يخرجاه بطوله و فيه عن زيد بن ارقم نزلَ رَسُول اللّه (ص) بين مكة و المدينةِ عند سمراتٍ خمس دوحاتٍ عظامٍ فكنس الناس ما تحت السمرات [ص 200] ثم راح رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله عشيّة فصلي ثم قام خطيباً فحمد اللّه و اثني عليه و وعظ فقال ما شاۤء اللّه ان يقول ثم قال ايّها الناس انّي تارك فيكم امرين لن‌تضلوا ان اتبعتموه ( اتبعتموهما ظ ) و هما كتاب اللّه و اهل بيتي عترتي ثم قال اتعلمون انّي اولي بالمؤمنين من انفسهم ثلث مرات قالوا نعم فقال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله من كنتُ مولاه فعلي مولاه انتهي ، و لفظ انتهي من قول محمد بن يحيي ابن بهران و انّما نقلتُ كلامه كلّه عند ذكر دعوة النبي صلي اللّه عليه و آله مع انّ ثبوتها لاتحتاج الي استشهادٍ فانه اظهر من الاستشهاد عليه لان كلامه هذا حجة علي من انكر النص علي علي عليه السلام يوم الغدير و احببتُ ان انقله في كل رسالة و كتاب من كتبنا حتي لايعزّ تحصيله علي طالبه و الحاصل ان اللّه سبحانه خلق الف‌الفِ عالم و الف‌الفِ آدم كلّ عالم منها اقام فيه رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله عليّاً عليه السلام في هذا المشهد و دعا بهذه الدعوة التي هي علّة قرن اللّهِ تعالي اياهم بنفسه او من جملة علل ذلك و هي قد تكون علة سابقة باعتبارٍ او مساوقةً باعتبارٍ آخر اوْ لاحقة كما ان من العلل ما هو كذلك .

بقي شيء هو انّ ما في حديث الكافي و التوحيد المتقدّم من انّ المراد من قوله تعالي فلما آسفونا و ماظلمونا و امثال ذلك هو هم عليهم السلام لان الأسف و الظلم و غير ذلك لايجري عليه يدلّ علي انّه يجري عليهم و فيه اشكال و هو انّهم اذا جري عليهم كيف يحسن في هذه الحال ان يقرنهم بنفسه التي لايجري عليها ذلك و الجواب انهم عليهم السلام لهم جهتان جهة بشريّة و جهة الٰهيّة فمن حيث الجهة البشريّة تجري عليهم هذه الامور و الحوادث و تستفزّهم الامور و من حيث الجهة الالهيّة قرنهم بنفسه لانّهم في هذه الحال لاتجري عليهم هذه الامور و الحوادث و كيف تجري عليهم و هم [ص 201] الذين اجروها علي من شاۤؤا كما شاۤؤا و لمّا جاز نسبة ما لحق الجهة البشريّة بالحقيقة الي الجهة الالهيّة بالمجاز جاز نسبة ما لحق الجهة الالهية بالمجاز اليه سبحانه بمجاز المجاز لانه سبحانه و تعالي كما ان الجهة الالهيّة له كذلك الجهة البشريّة له لانّها للّذي له فهي له فيجوز نسبة ما لحق التّابع الي متبوع المتبوع كما ينسب الي المتبوع لان التابع تابع بما لحقه و المتبوع تابع كذلك و معني مجاز المجاز انّ المتبوع تابع لمتبوعه .

قال عليه السلام : انتم السبيل الاعظم و الصراط الاقوم و شهداۤءُ دارِ الفناۤءِ و شفعاۤءُ دار البقاۤء .

قال الشارح (ره) فانّ طريق متابعتهم في العقاۤئد و الاعمال اقوم الطرق و امْتَنُهُ ( اَمْتَنُهٰا ظ ) بل هو الطريق او طرقهم في مراتب القرب الي اللّهِ و ان كان لغيرهم من اهل الحقّ طرقٌ اُخر و شهداۤءُ دار الفناۤء كما تقدّمَ و شفعاۤء دار البقاۤء للاخبار المتواترة بشفاعتهم لاصحاب الكباۤئر كما هي لرسول اللّه صلي اللّه عليه و آله انتهي .

اقول قوله عليه السلام انتم السبيل الاعظم يريد انهم عليهم السلام سبيل اللّه الي خلقه في كل ايجاد او تكليفٍ فلايُوجِد شيئاً و لايمدّ شيئاً "٢" بما لهُ اوْ بما به لمنْ دونَهُ "-٢" الّا بواسطتهم فهم سبيل الايجاد و الفيض من فعل اللّه سبحانه فلايستمدّ شيء من الخلق في صدورٍ او بَقاۤءٍ الّا بهم و منهم و لهم كَما لَايستمدّ شيء من اشعّة السّراج من فعل النار في صدورٍ او بقاۤءٍ الّا بالشعلة المرئيّة و منها وَ لها كذلك هم عليهم السلام فانّ آية اللّه تعالي هي النار الغاۤئبة اعني الحرارة و اليبوسة الجوهرين و حرارة النار الغاۤئبة هي فعلها و هي آية مشيّة اللّه تعالي و الشّعلة المرئيّة التي الدخان المستحيل من الدهن بحرارة النار [ص 202] المنفعل بالاضاۤءَةِ عن حرارة النار هي آية الحقيقة المحمّديّة فالشعلةُ هي سبيل النار الي ايجاد جميع الاشعّة و اضاۤءَتها بها وَ منها و لها كذلك لايستمدّ شيء من جميع الخلق من الذوات و الصفات الجواهر و الاعراض الاجسام و غيرها من فعل اللّه تعالي الّا بواسطة الحقيقة المحمديّة التي هي الماۤء الذي جعل اللّه منه كل شيء حيّ و منها و لها و هي حقيقتهم عليهم السلام و هي السبيل الاعظم و وصف هذا السبيل بخصوص العِظَم دون الكِبَر لاختصاص الكبر بالظاهر و عموم العِظَم للظاهر و الباطن و علي جهة التفضيل لانه في مقامٍ من العِظَم يقصر عنه ادراك كلّ مخلوقٍ سواهم كما قال تعالي و انك لعلي خلق عظيم استعظمه اللّه سبحانه في الكون بل و الامكان و صورة التفضيل لبيان ان سُبُلَ اللّه الي خلقه متعدّدة متفاوتة بعدد انفاس الخلاۤئق و كل واحد منها عظيم بالنسبة الي ما يتوقّف عليه و فيها الكلي و الجزئي و الاضافي و ليس فيها ما يسَعُ جميع شؤن الالوهيّة الّا حقيقتهم عليهم السلام و قد لوّح سبحانه بذلك في تأويل قوله تعالي يا اهل الكتاب لاتغلوا في دينكم و لاتقولوا علي اللّه الّا الحقّ انما المسيح عيسي بن مريم رسول اللّه و كلمته الٰاية فلاتنسبوه الي الالوهيّة و لا الي جامعيّة شؤنها و انما جامع شؤنها الحق المخلوق و صرّح سبحانه به في الحديث القدسي قال تعالي ماوسعني ارضي و لاسماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن فهم السبيل الاعظم في كلّ خير نازلٍ من خزاۤئنه تعالي و في كل خيرٍ صاعدٍ من اعمال الخلاۤئق و ذلك لان السبيل هو الطريق و اعلم اني نسيتُ شرح هذه الكلمة حين شرحت هذه الزيارة فذكّرني بها بعض المشاۤئخ ذكره اللّه برحمته في الدنيا و الٰاخرة فرحم اللّهُ مَن وقفَ علي هذه الكلمات و الحقها باصل الشرح في محلّها لاني جعلت هذه الكلمات من الشرح بعد ما تعددت نسخه .

[ص 203] و تفسير الشارح لكلام الامام عليه السلام في قوله و الصراط الاقوم بان طريق متابعتهم اقْوم الطرق و هو تعريف بالمجاز المستلزم للحذف و التقدير و هو خلاف الاصل بل الحق انّهم في كنه حقيقتهم صراط اللّه المستقيم بمعني انه لايصل من اللّه سبحانه شيء الي احد من خلقه الّا بواسطتهم من عطاۤءٍ و منع و تعرّفٍ و تعريف و ارشاد و تكليف و لايصل الي اللّه سبحانه من احد من خلقه شيء من عمل او دعاۤء او غير ذلك مِنْ حالٍ او مقالٍ الّا بهم فهم عليهم السلام طريق اللّه الي ساۤئر خلقه و طريق الكلم الطيب و الصفات الحميدة و الاعمال الصالحة من الخلق الي اللّه و قد تقدّم من هذا كثير فلا فاۤئدة في الاطناب فيه و معني الاقوم انّ الخطّ المستقيم الذي هو اقصر الخطوط الواصلة بين نقطتين قد تختلف باختلاف تحقّق القصر عند المعتبر و في نفس الامر و في حالٍ دون حال فيصحّ التفضيل بينها في هذه الاعتبارات و بانّ ما به استقامة ساۤئر الخلق اقوم و بانّ الاستقامة علي ما يوافق جميع متعلقاته في الماۤدة و الصورة و في جميع الاحوال لمراد اللّهِ و محبّته اقوم منها علَي ما يخالف مراد اللّه و محبّته في جميع الاحوال او في بعضها و الي هذا المعني اشار عليه السلام في خلق ادم فاغترف جل جلاله من الماۤء العذب الفرات غرفة بيمينِهٖ و كلتا يديه يمين فصلصلها فجمدت و قال اللّه تعالي منك اخلق النّبيّين و المرسلين و عبادي الصالحين و الائمة المهديّين الدعاة الي الجنّة و اتباعهم الي يوم القيمة و لااسئل عمّا افعل و هم يُسْئلون ثم اغترف من الماۤء المالح الاجاج غرفةً فصَلْصَلها فجمدت فقال تعالي و منك اخلق الفراعنةَ و الجبابرة و اخوان الشّياطين و العُتاة و الدعاة الي النار و اشياعهم الي يوم القيمة و لااُسْئَل عما افعل و هم يسئلون الحديث ، فجعل غرفة اليمين الي الجنّة و غرفة الشمال الي النّار مع انّه قال و كلتا يَدَيْهِ يمين .

[ص 204] و قوله عليه السلام و شهداۤء دار الفناۤء .

تقدّم في بيانِ قوله و اياب الخلق اليكم و حسابهم عليكم ما يدلّ علي حقيقة هذا و الاحاديث عنهم عليهم السلام كما مضي و ما لم‌نذكره في ذلك اكثر من اَنْ تُحْصي و اشهر من ان تخفي و من ذلك ما رواه في الكافي قال قال ابوعبداللّه عليه السلام في قوله تعالي فكيف اذا جئنا من كلّ امةٍ بشهيد و جئنا بك علي هؤلاۤء شهيداً قال نزلت في امّة محمّد صلّي اللّهُ عليه و آله خاۤصّة في كل قرن منهم امامٌ منّا شاهد عليهم و محمد صلي اللّه عليه و آله شاهدٌ عليْنا يعني انهم عليهم السلام يشهدون علي الانبياۤء انّ اللّه تعالي ارسلهم و يشهدون للانبياۤء (ع) انهم ابلغوا رسالاتِ ربهم و يشهدون لمن اجابهم و اطاعهم باجابته و اطاعته و علي من اعرض و عصي باعراضه و عصيانه و يشهدون علي محمّد صلّي اللّه عليه و آله ان اللّه ارسله و يشهدون له صلّي اللّه عليه و آله انه بلّغ ما امر بتبليغه و علي امّته و لهم كذلك و رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله بما حمّلهم اللّه من امر الخلافة و لهم بما ادّوا ما حُمِّلوا و بلّغوا و لمن اجاب بما اجاب و علي من اعرض باِعْراضه و منه ما تقدّم في رواية عبداللّه بن بكر الارجاني الطويلة عن الصادق (ع) و فيها و ما من ليلة تأتي علينا الّا و اخبار كل ارض عندنا و ما يحدث فيها و اخبار الجنّ و اخبار اهل الهواۤء من الملاۤئكة و ما من ملك يموت في الارض و يقوم غيره الّا اُتِينا بخبره و كيف سيرته في الذين قبلَهُ و ما من ارض من ستّ اَرضين الي السابعة الّا و نحن نؤتي بخبرهم .

اقول ظاهر كلامه عليه السلام هذا و ما اشبهه انّ ما شهدوا به من احوال الخلاۤئق ممن سبَقهم او كانَ في زمانهم او من بعدهم انّه من اخبار الملاۤئكة و الجنّ ايّاهم و المعروف من الٰاية الشريفة و قل اعملوا فسيري اللّه عملكم و رسوله و المؤمنون و الاحاديث الاخر انّ جميع اهل الارض لايخفي عليهم [ص 205] شيء من احوالهم و يرونهم بنور اللّه و ذلك لانّ اللّه سبحانه اعطي الامام عليه السلام عموداً من نور يري فيه اعمال الخلاۤئق كرؤية الشخص في المرءاة و ان الدنيا باسرها و جميع ما فيها بل و العالم العلوي و ما فيه عند الامام عليه السلام كالدرهم في يد احدكم يقلّبه كيف شاۤء فهم يعاينون جميع ما في العالم و هو تأويل قوله تعالي و كل شيء احصيناه في امامٍ مبين و قوله تعالي و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الّا هو و يعلم ما في البرّ و البحر و ماتسقط من ورقة الّا يعلمها و لا حبّة في ظلماتِ الارض و لا رطبٍ و لا يابسٍ الّا في كتابٍ مبين ، و قول الصّادق (ع) في رواية عبداللّه بن بكر الارجاني المتقدم ذكرها قال عبداللّه قلتُ جعلتُ فداءك فهل يري الامامُ ما بين المشرق و المغرب قال يا بن بكر فكيف يكون حجّةً علي ما بين قطريها و هو لايراهم و لايحكُمُ فيهم و كيف يكون حُجّةً علي قوم غُيّبٍ لايقدر عليهم و لايقدِرون عليهم ( عليه ظ ) و كيف يكون مؤدِّياً عن اللّه و شاهداً علي الْخلق و هو لايريٰهم و كيف يكون حجّة عليهم و هو محجوب عنهم و قد حيل بينهم و بينه ان يقوم بامر ربّه فيهم و اللّه يقول و ماارسلناك الّا كاۤفّة للنّاس يعني به من علي الارض و الحجّة من بعد النبي صلي اللّه عليه و آله يقوم مقام النبي صلي اللّه عليه و آله و هو الدليل علي ما تشاجرَتْ عليه الامة و الٰاخِذُ بحقوق الناسِ و القاۤئم بامر اللّه و المنصِف لبعضهم من بعضٍ فاذا لم‌يكن معهم مَنْ يُنْفِذُ قوله و هو يقول سنريهم آياتِنا في الٰافاق و في انفسهم فأيّ آيةٍ في الٰافاق غيرنا اراها اللّه اهلَ الٰافاقِ و قال مَانريهم من آيةٍ الّا هي اكبر من اختها فايّ آيةٍ اكبر منا الحديث ، و قد تقدّم و هذا صريح في المعاينة بغير اخبار الملاۤئكة و توجيه اخبار الملاۤئكة لهم و الجمع بين الاخبار من وجهينِ :

[ص 206] الاوّل انّ الشخص اذا نظر شيئاً و ادركه فانّ حقيقة ذلك انّ اللّهَ سبحانه لمّا خلق المشاعر المدركة و جعلها مقتضية لذلك قيّض لذلك الاقتضاۤء ملاۤئِكةً من جنس ذلك المشعر ينقلون صُور المدركات و اَشْبٰاحَهَا و معانيها اليها فالملاۤئكة العقليون ينقلون معاني المدركات الي العقول باقتضاۤئها لذلك و النّفسانيّون ينقلون صورها الي النفوس و المثالِيُّونَ يَنْقلون اشباحها الي الحسّ المشترك و الخيال اوْ اِلَي مٰا بينهما فلايظهر شيء من المدركات في شيءٍ من المشاعر اِلّا في وقتِه الذي قدّره اللّه تعالي له فاذا جاۤء وقته و تمّت مقتضياته انزلَتْهُ الملاۤئكة الموكّلون به باذن اللّه تعالي من خزاۤئنه الي محلّه الذي يظهر فيه كما قال تعالي و ان من شيء الا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الّا بقدرٍ معلوم .

الثاني انّ الملاۤئكة الذين يأتونهم بما يرونه و يطّلِعُونَ عليه لهم بمنزلة الخواطر للانسان فانّ الخاطر و الوارد من الانسان هو الذي يأتي الانسان بمَا يتوجّه اليه قلبه و مع ذلك فهو من قلبه كالالتفاتة من الانسان فانّه لايري مَن خلفه مثلاً الّا اذا التفت اليه فالتفاتَتُهُ هي الّتي ارَتْهُ مَن خلفه و ان كان في الحقيقة انّما رءاه الانسان لكن الالتفاتة تتوقّف عليها المقابلة التي هي سبب الرؤية كذلك الخاطر و لذا تقول خَطر علي قلبي او خيالي كذا و انما الخاطر مِن قلبه فافهم العبارة المكرّرة المردّدة للتفهيم فاذا عرفت هذا ظهر لك انّهم يشاهدون كلّ شيءٍ معاينَةً و اَنَّ البُعْدَ و الحجب لاتحجب ابصارهم و انّ ابصارهم تدرك ما لاتدركه عقول مَنْ سِوَاهم و قوله شهداۤء دار الفناۤء يراد منه انّهم الشهداۤء في دار التكليف لانّهم محاۤلّ امرِ اللّه في قوله افمن هو قاۤئم علي كُلِّ نفسٍ بما كسبَتْ و القاۤئم الولي عليه السلام باذن اللّه تعالي و قوله و عندنا كتاب حفيظ و الكتاب الحفيظ نفس الولي عليه السلام و قوله [ص 207] ان كل نفس لمّا عليها حافظ و الحافظ الولي عليه السلام فما دام التكليف فهم يشهدون لمن وَفَي بما وفَي و علي من نكث بما نكث و المراد من دار التكليف هذه الدنيا و قيام القاۤئم عليه السلام و الرجعة و ما سبق هذا من التكليف الاول في الذرّ الاوّل و الذّرّ الثاني و ذلك قوله تعالي شهدنا ان تقولوا يوم القيمة انّا كنا عن هذا غافلين و ان اختلفت احوالها فانّها يجمعُهَا الفناۤء و التكليف و اما في الٰاخرة فليس فيها فناۤء و ليس فيها ظاهِراً تَكْلٖيفٌ ليحتاجَ الي الشهداۤء نعم فيها الجزاۤء فيحتاج الي الشفاعة لبعضِ مَنْ يَسْتَحِقُّهٰا مِمّن ارتضَي دينَهُ فلهذا فرق (ع) بين العبارتين و قولي ليس فيها تكليف ظاهراً اشٖيرُ فيه اِلي اَنَّ فيها تكْلٖيفاً و لكنه للمؤمنين بكل ما يشتهون و للكافرين بكل ما يكرهونَ وَ التكليف في الدنيا بما فيه مَشَقَّةٌ مِمَّا تُحِبُّهُ النفوس و تكرهه و لكن العقول تحبّ جميع تكاليف الدُّنيا فمن قام بحكم الدنيا صفت له الٰاخرة فيكون تكليفه بكلّ ما يشتهيه و من خالف الامر في الدنيا و اتبع شهوة نفسه كان حكم التكليف عليه بكل ما يكره قال تعالي اذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا و استمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون و الاصل في ذلك كله انّ الانسان لمّا خُلِق مركّباً ممّا من اللّه و ممّا من نفسه جري عليه حكم الحكمة بالتكليف الشاۤقّ علي ما من نفسه ليخلص عن هذه الانّيّة و يكون بقبوله الامر عاملاً بعقله فيطيب له العمل و يلتذ بالمشاۤق كما هو محبة العقل قال اميرالمؤمنين عليه السلام و استلانوا ما استوعره المترفون و انسوا بما استوحش منه الجاهلون فجاۤء يوم القيمة بحسنه من ربّه و احسانه من نفسه راضياً مرضياً فلمّا كان هكذا الّا انّه لايخرج بهذا عن الامكان و الحاجة المقتضيين لدوام المدد المقتضي للتكليف لانه تمكين من اللّه و قبول منه جري عليه حكم الحكمة بالتكليف بكل ما يشهيه لانه انما هو حسن و احسان [ص 208] و ليس عند اللّه في دار ثوابه الّا ما يلايم هذا و يوافقه و الٰاخر العاصي يكون بمخالفته الامر جاهلاً عاملاً بجهله و شهوة نفسه فيتصَعّب عليه العمل و يتألم بالمشاۤق كما هو محبّة النفس فجاۤء يوم القيمة باساۤءته من نفسه منسيّاً من رحمة اللّه تعالي لانّ جهته من ربه اضعفها و محقها حتّي لايبقي منها الّا ما يحفظ بقاۤءه لانّها حادثة لا بقاۤء لها الّا بالمدد و لا مدد لها الّا بالاعمال الصالحة و لمّا لم‌يمدّها اضمحلّت امّا ما بقي منها فقد استخبَثَ لغلبة الظلمة لانّه لها فساوَرها و اغتذي بغذاۤئها فحقّ عليه القول في اُمَمٍ قد خلت من قبله من الجنّ المستولين عليه و الانس هي قد تشوّهت من صورته بمساورتها و اغتذاۤئها بغِذاۤئها فقال اللّهُ تعالي القيا في جهنّم كلّ كفّارٍ عنيد منّاع للخير معتد مريب الّذي جعل مع الله الهاً آخر فالقياه في العذاب الشديد و قال تعالي احشروا الذين ظلموا و ازواجهم و ما كانوا يعبدون من دون اللّه فاهدوهم الي صراط الجحيم و قال تعالي و لن‌ينفعكم اليوم اذ ظلمتم انكم في العذاب مشتركون فكان في الجنّة تكليف للمؤمنين بكل ما يشتهون و يُحبّون و في النّار تكليف للمنافقين و الكافرين بكلّ ما يكرهون يعني انه ليس لاهل الجنّة شهوة و محبّة غير ما يجري لهم و ليس لاهل النار كراهة و منافرة غير ما يجري عليهم و محمد و اهل بيته الطيبون صلي اللّه عليه و عليهم يقدِّرونَ ذلك كله و يوصلون استحقاقَ كلٍّ الي مستحقه و هو قوله تعالي و انا لموفّوهم نصيبهم غير منقوص و هم شهداۤء ذلك كله فهم شهداۤء دار الفناۤء و دار البقاۤء و لكن عبّر عليه السلام في كلامه بما يظهر لانهم لايخاطبون النّاس الّا بما يعرفون .

قوله عليه السلام : و شفعاۤء دار البقاۤء .

و ذلك انّ محمداً صلي اللّهُ عليه و آله قد اعطاه اللّه تعالي الشفاعة باذنه لمن رضي اللّه دينه فيشفع في اهل بيته عليهم السلام [ص 209] للأذن لهم في الشفاعة لشيعتهم الّذين يشهدون بالحق اي بانّ الحق لهم و فيهم و معهم و بهم و هم يعلمون ذلك بالعلم و الهدي و الكتاب المنير لانّهم مستحقّون لان يشفع لهم كما قال تعالي و لايملك الذين يدعون مِن دونه الشفاعة الّا من شهد بالحق و هم يعلمون و هذه الٰاية لعلي و اهل بيته عليه و عليهم السلام و من دونهم لشيعتهم بشفاعتهم فيشفعون لهم ليشفعوا فيمن شاۤؤا من اهاليهم و اقاربهم و جيرانهم و اخوانهم ممّن ارتضي اللّه دينه في قوله تعالي و لايشفعون الّا لمن ارتضي و ذلك من قوله تعالي و الذين آمنوا و اتّبعَتْهم ذريّتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم و ما التناهم من عملهم من شيء فعَلي الاصالة و الحقيقة قال الصادق عليه السلام في هذه الٰاية الّذين آمنوا النبي و اميرالمؤمنين و ذريّته الائمّة و الاوصياۤء الحقنا بهم و لم‌تنقص ذريّتهم الحجة التي جاۤء بها محمد في علي (ع) و حجّتهم واحدة و طاعتهم واحدة و علي التبع عن النبي صلي اللّه عليه و آله ان اللّهَ يرفع ذرّيّة المؤمن في درجته و ان كانوا دُونَهُ لِتقرّ بهم عينه ثم تلا هذه الٰاية و عن الصادق عليه السلام في هذه الٰاية قصرت الابناۤء عن عمل الٰاباۤء فالحقوا الابناۤء بالٰاباۤء لتقرّ بذلك اعينهم و عنه عليه السلام قال اطفال المؤمنين يهدون الٰي آباۤئهم يوم القيمة .

و امّا انّهم لايشفعون الّا لمن ارتضي دينه فلانّ الشفاعة لَيْسَتْ في الحقيقةِ اِمْداد من لايحسن له الامداد و لا في ترك حَقٍّ يقبحُ تركه و انّما هي لمن يحسن اعطاۤؤه او في ترك حقّ لايقبح و لا لمن تحسن الشفاعة في حقِّهٖ و يستحقّها لما في امكان قابليته مع المعينِ لها من الشفيع او في تمكينها فالاوّل من العدل و ان كان ما من المعين من الفضل و الثاني من الفضل و كذا في ترك حقّ لايقبح تركه لوقوع مقتضي ذلك الحقّ في طرفٍ من تلك الحقيقة مرجوحٍ فتحسن المطالبة به و يحسن تركه فاذا توجّهت الشفاعة المقبولة يعني باذن اللّه لمن ارتضي دينه [ص 210] الذي به ذلك للترجيح حسن في الحكمة ترك ذلك الحق و قبح في الحكمة المطالبة به فالشفاعة في تركه من الفضل لانّ راجحيّة ما كان مرجوحاً من الفضل و من العدل باعتبار استحقاق القابل كما في الدعاۤء و جعل ما امتنّ به علي عباده كفاۤء لتأدية حقّه وَ يحمل عليه قوله تعالي و ان ليس للانسان الّا ما سَعَي و اذا لم‌يرتض دينه بان كان منكراً لولايتهم قبحت الشفاعة له في الحكمة لانّها حينئذ امّا اِمْدادٌ و معونة بما يقبح في الحكمة او ترك حق يقبح فيها تركه ثم هي جائزة لاهل الكباۤير من المحبّين و في الخصال عن الصادق عليه السلام و اصحاب الحدود فساق لا مؤمنون و لا كافرون و لا يُخلّدون في النار و يخرجون منها يوماً و الشفاعة جٰاۤئِزة لهم و للمستضعَفين اذا ارتضي اللّه دينهم و في التوحيد عن الكاظم عليه السلام عن ابيه عن آباۤئه عن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال انّما شفاعتي لاهل الكباۤئر من امّتي و امّا المحسنون منهم فما عليهم سبيل قيل يا ابن رسول اللّهِ (ص) كيف تكون الشفاعة لاهل الكباۤئر و اللّه تعالي يقول و لايشفعون الّا لمن ارتضي و من يرتكب الكبيرة لايكون مرتضي فقال ما من مؤمن يرتكب ذنباً الا ساۤءه ذلك و ندم عليه و قال النبي صلّي اللّه عليه و آله كفي بالندم توبة و قال صلي اللّه عليه و آله من سرّته حسنةٌ و ساۤءته سيئة فهو مؤمن فمن لم‌يندم علي ذنب يرتكبه فليس بمؤمن و لاتجب له الشفاعة و كان ظالماً و اللّه تعالي ذكره يقول ما للظالمين من حميم و لا شفيع يطاع فقيل له يا ابن رسول اللّه (ص) و كيف لايكون مؤمناً من لم‌يندم علي ذنب يرتكبه فقال ما من احد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم ان سيعاقب عليها الّا ندم علي ما ارتكب و متي ندم كان تاۤئباً مستحقاً للشفاعة و متي لم‌يندم عليها كان مصِرّاً و المصر لايغفر له لانه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب و لو كان مؤمناً بالعقوبة لندم و قد قال النبي صلي اللّه عليه و آله لا كبيرة مع الاستغفار [ص 211] و لا صغيرة مع الاصرار و اما قول اللّه تعالي و لايشفعون الّا لمن ارتضي فانهم لايشفعون الا لمن ارتضي دينه و الدين الاقرار بالجزاۤء علي الحسنات و السّيئات فمن ارْتضي اللّه دينه ندم علي ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيمة .

فقوله عليه السلام و شفعاۤء دار البقاۤء يشعر بالحصر لمكان الثناۤء عليهم و هو كذلك و من سواهم من ملك الشفاعة فعنهم شفع و عن الصادق عليه السلام في قوله تعالي فما لنا من شافعين و لا صديق حميم قال الشافعون الائمّة و الصديق من المؤمنين و عن الباقر و الصادق عليهما السلام واللّه لنشفعنّ في المذنبين من شيعتنا حتي يقول اعداۤؤنا اذا رأوا ذلك فما لنا من شافعين و لا صديق حميم و عن الباقِر عليه السلام و ان الشفاعة لمقبولة و لاتقبل في ناصبٍ و انّ المؤمن ليشفع في جاره و ما له حسنة فيقول يا ربّ جاري كان يكف عني الاذي فيشفع فيه فيقول اللّه تعالي انا ربّك و انا احقّ من كافي عنك فيدخله اللّه تعالي الجنّة و ما له من حسنةٍ و ان ادني المؤمنين شفاعة ليشفع في ثلاثين انساناً فعند ذلك يقول اهل النّار فما لَنٰا مِن شافعين و لا صديقٍ حميم و عن النبي صَلّي اللّه عليه و آله انّ الرجل يقول في الجنة ما فعل صديقي فلان و صديقه في الجحٖيم فيقول اللّه تعالي اَخْرِجوا له صديقه في الجنة فيقول من بقي في النار فما لنا من شافعين و لا صديق حَمٖيم فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه ظهر لك انّ الشفاعة كلّها من اللّه تعالي لهم بواسطة محمد صلّي اللّه عليه و آله و هم يشفعون لمن يشاۤؤن من شيعتهم ليشفعوا فيمن شاۤؤا فكلّ شافعٍ من دونهم فشفاعته بشفاعتهم فهم شفعاۤء دار البقاۤء لا غيرهم .

[ص 212] قال عليه السلام : و الرحمة الموصولة و الٰاية المخزونة .

قال الشارح (ره) و الرحمة الموصولة من اللّه الي الخلق كما كان لرسول اللّه صلي اللّه عليه و آله في قوله و ما ارسلناك الّا رحمة للعالمين فهم رحمة لهم في الدنيا و الٰاخرة و بهم تصل رحمة اللّه تعالي الي العباد و تشعر به الصلوة عليه و آله صلوات اللّه عليهم و الٰاية المخزونة لخلّص عباده و هم العارفون ببعض رُتبهِم انتهي .

اقول الرحمة الموصولة يعني باللّهِ اي بفعله و فعله الخير و هو النور الذي تنوّرت منه الانوار كما تقدّم و هو نور محمد صلي اللّه عليه و آله و انوار اهل بيته عليهم السلام من نوره كالضوء من الضوء و هو اسمه المكنون الاكبر الاعز الاجَل الاكرم الذي يحبّه و يهواه و يرضي به عن مَن دعاه و استجاب له دعاۤءَه و حق عليه اَلّايردّ ساۤئله به فوصل ذلك النور الذي هو الرحمة به تعالي فجعل طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته و رضاهم رضاه و سخطهم سخطه و هكذا في جميع ما ينسب اليه تعالي فمن وصلهم وصله اللّه و من قطعهم قطعه اللّه و قال ابومحمد الحسن العسكري عليه و علي آباۤئه و ابنه الحجة السلام في تفسيره لقوله عز و جل الرحمن ان الرحمن مشتق من الرحمة و قال قال اميرالمؤمنين صلوات اللّهِ عليه سمعت رسول اللّهِ صلي اللّه عليه و آله يقول قال اللّه تعالي انا الرحمن و هي من الرحم شققتُ لها اسماً من اسمي مَن وصلها وصلتهُ و من قطعها بَتَتُّهُ ثم قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان الرحم التي اشتقّها اللّه تعالي من اسمه بقوله انا الرحمن هي رحم محمد صلي اللّه عليه و آله و انّ من اعظامِ اللّه اعظامَ محمد و انّ من اعظام محمدٍ اعظامَ رحم محمّدٍ و ان كلّ مؤمنٍ و مؤمنةٍ منْ شيعتِنا هو من رحم محمد صلّي اللّه عليه و آله و ان اِعْظامَهُمْ من اِعْظامِ [ص 213] محمد (ص) فالويل لمن استَخفَّ بشيء من رحم محمّد صلي اللّه عليه و آله و طوبي لمن عظّم حرمته و اكرم رحمه و وصلها ه‍ .

اقول قد مضي بعض البيان في معني الرحمة و ذكر في هذا الحديث انّ الرحم قد اشتقّها من اسمه يعني الرحمن و الاشتقاق يحتمل اللفظي و المعنوي اما اللفظي فلاتّحاد ماۤدّتيهما ظاهراً و امّا في الحقيقة فراۤء رحم صفة راۤء رحمن و حاۤء رحم صفة حاۤء رحمن و ميم رحم صفة ميم رحمن كما نقول في اخذ حروف ضرباً المصدر من حروف ضربَ الفعل علي ما نختاره من انّ الاسم مشتق من الفعل و لو عَكَسْنا عكَسْنا فالاشتقاق علي ما قلنا في الحقيقة في اللفظ و في المعني كاشتقاق نور الشمس من جرم الشمس او كاشتقاق القمر من الشمس او كالاشتقاق الاوّل في اللفظي و الثاني في المعنوي او بالعكس و امّا المعنوي فلان الرحمن استوي برحمانيّته علي العرش و الرحم حملة العرش و العرش قلب العبد المؤمن صلّي اللّه عليه و آله فالرحم مظهر رحمانيّة الرحمن و متعلّقها فالرحم صفة الرحمن او حملة الصفة او مظهر الصفة فعلي الاوّل هي الصفة و علي الثاني هي المؤدّية لٰاثارها الي القوابل و علي الثالث ان فتحتَ الميم و الهاۤء هي محلّ ظهورها فالرحمانية قاۤئمة بالرحم قيام ظهور و الرحم قائمة بالرحمانيّة قيام تحقّقٍ و ان ضممتَ الميم و كسرتَ الهاۤء هي مثل الرحمنِ الاعلي و الذي لا فرق بينه و بينها الّا انّها عباده و خلقه و معانيه اركانها فهي مظهرة الرحمانية و آثارها علي الواح القابليات و اعيان الموجودات فاشتقاقها من اسمه علي الاول انها صفة الرحمن يعني صفة فعله اي اسمه الاكبر و علي الثاني انها اولياۤء افاعيل ذلك الاسم و مَحَاۤلّهُ و علي الثالث انّها عضد اسمِه في اظهاره اَوْ في ظُهُوره فامّا اشتقاق الصِّفةِ من الموصوف كما في الاول فظاهر و امّا اشتقاق اولياۤء افاعيل الشيء [ص 214] منه فلانّ اولياۤءَهُ ان كانوا مشتقين منه اي صدروا عنه و ولّاهم ما دونهم من افعاله صحّ انّ ذلك الشيء فاعل لتلك الافاعيل حقيقة بواسطة اَولياۤئه و لو لم‌يكونوا مشتقّين منه لماجاز ان يكون فاعلاً لِمٰا فَعَل اولياۤؤُهُ و ان كان فعلهم باذنه و من المعلوم انّ الرحمن فاعل لافاعيله حقيقةً و لا فاعل سواه و لا شيء الّا ما كان عنه فاولياۤؤه انّما هم شيءٌ بهٖ وَ المفعول انّما يكونُ مَفْعُولاً للفاعِل حقيقةً اذا كانَتْ حقيقته تأكيداً لفعلِهٖ و غايةً مِنْ غَايٰاتِهٖ فانّ ضرباً حقيقة مفعول لزيدٍ لانه تأكيدٌ لفعله و غاية مِنْ غَايٰاته في قولك ضربَ زيدٌ ضَرْباً بخلاف عمرواً في قولك ضَرَبَ زيدٌ عمرواً فانّه ليس مفعولاً له و انّما وقع ضربه عليه فليس تأكيداً لضربه و لا غايةً من غاياته و امّا اشتقاق المحلّ من الحاۤلّ فلانّ المحَلّ من مشخِّصات الحاۤل الخاۤصّة و المشخصات الخاۤصة لاتوجد قبل ما شخّصته و الّا لماكانت خَاۤصة لان الخصوص فرع المختص فصحّ اشتقاق المحلّ و امّا اشتقاق عضد الشيء منه فلانّ المراد به ما يتوقّف عليه الشيء في ظهوره او فعله في اظهاره امّا توقّفه في ظهوره علي العضد فكما في المحل الذي يتوقّف ظهور الحال عليه مثل المتساوقين كالكسر و الانكسار فانّ الكسر الحاۤلّ يتوقّف ظهوره علي المحل الذي هو الانكسار و يقال انّه قاۤئم بالانكسار قيام ظهور و الانكسار قاۤئم بالكسر قيام تحقّقٍ فهو مشتق من الكسر و عضد للكسر لتوقّف الكسر عليه في ظهوره و المراد انّ الرحمن الذي هو الاسم انّما تظهر التسمية به للمعبود جل و علا الذي احدث الرحمة اذا تحقّقت الصفة التي هي منه كالقاۤئم لايسمي به زيد الذي صدر من فعله القيام الّا اذا تحقّق القيام اذ بدونه لايسمي قاۤئماً كذلك بدون الرحم التي هي الرحمة او محل الرحمة او مظهر الرحمة لايطلق اسم الرحمن الذي هو اسم الصفة في التعريف و التعرّف علي المعبود الحقّ تعالي من حيث هو مصدر الرّحمة لانّ الرحمٰن اسم له [ص 215] تعالي من حيث هو مصدر الرحمة و المعبود و المعروف تعالي يعبد و يعرف ليس من هذه الحيثية و ان كان طلب الرحمة منه من تلك الجهة و طلب الرزق من جهته و المغفرة من جهتها فالجهة وجه الطالب و المعني تعالي بالجهة و غيرها غير ذلك كله كمال توحيده نفي الصفات عنه كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديدٌ لما سواه .

و امّا توقّف اظهاره علي العضد فلانّ ما يريد اظهاره الذي هو متعلق الاظهار يتوقّف علي العلّة الماديّة و الصُّوريّة و الغاۤئيّة و العلل الثلاث لكلّ محدثٍ من كل ما سواهم عليهم السلام منهم فالماۤدّة من فاضل نورهم و الصورة مثال هياكلهم و الغاية في كل شيْء لهم و حاجتهم قال تعالي في الحديث القدسي خلقتكَ لاجلي و خلقتُ الاشياۤء لاجْلِك فلو لم‌تكن العضد في الظهور و الاظهار مشتقاً منه صادراً عنه لكان فعل الفاعل متوقّفاً علي ما ليس منه و لا به و يكون ناقِصاً محتاجاً الي الغير تعالي اللّه ان يكون مفتقراً الي غيره و تعالي فعله ان يكون متوقفاً علي ما ليس منه و لا به فمحصّل كلام اميرالمؤمنين عليه السلام اَنَّ الرحم التي اشتقّها من اسمه الرحمن الخ ، انّ الرحم هي الصّفة العاۤمّة و هي صفة الرحمن التي قال تعالي فيها و رحمتي وسعت كلّ شيء و هي خاۤصّة بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين و التّسعة الاطهار من ذريّة الحسين صلّي اللّه عليهم اجمعين و من ساۤئر الخلق ممن سبقت له العناية باتّباعهم فله من تلك الرحمة و من تلك الرّحم الماۤسّة بنسبةِ قبوله من ذلك المقام اعْني مقام المتابعة و المشايعة و هو رتبة الشعاع من ذلك كمّاً و كيفاً و هو السر في قوله عليه السلام و ان كلّ مؤمنٍ و مؤمنةٍ من شيعتِنا هو من رحم محمدٍ صلي اللّه عليه و آله و اعلم ان الاحاديث الداۤلة علي انّ المراد بالرحمة هم عليهم السلام بكل معني و انّ ما ظهر من الرحمة و آثارها [ص 216] فمنهم و من آثارهم لاتكاد تحصي فلا حاجة الي ذِكْر شيء منها لشهرتها و عدم الخلاف بين المؤمنين في دلالتها علي ذلك المعني و قوله عليه السلام الموصولة اي موصول بعضها ببعض باللّه تعالي فالشيعة موصولون بائمّتهم عليهم السلام و الائمة موصولون بمحمد صلّي اللّٰهُ عليه و آله و محمّد (ص) موصولٌ باللّٰهِ و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام حين قال اتّقوا فراسة المؤمن فانه ينظُر بنور اللّه فسأله ابن‌عباس كيف ينظر بنور اللّه قال عليه السلام انّا خُلِقنا من نور اللّه و خلق شيعتنا من شعاع نورِنا و قول الصّادق عليه السلام حين سأله المفضل ما كنتم قبل ان يخلق اللّه السموات و الارضين قال كنّا انواراً حول العرش نسبّح اللّه تعالي و نقدِّسه حتي خلق اللّه سبحانه الملاۤئكة فقال لهم سبّحوا فقالوا يا ربّنا لا علم لنا فقال لنا سبِّحوا فسبّحنا فسبّحت الملاۤئكة بتسبيحِنا الا انّا خلِقنا من نورِ اللّه و خلق شيعتنا من ذلك النور فاذا كان يوم القيمة التحقتِ السفلي بالعليا ثم قرن (ع) بين اصبعيه الوسطي و السّبّابة و قال كهاتين ثم قال يا مفضّل اتدري لم سمّيت الشيعة شيعة يا مفضّل شيعتُنَا منَّا و نحْنُ من شيعتِنا اماتري هذه الشمس اين تبدو قلتُ من مشرق قال و الي ايْن تعود قلت مغرب قال عليه السلام هكذا شيعتنا منّا بُدِءوا و الَيْنا يَعُودون و قال الصّادق عليه السلام لسليمن يا سُلَيْمٰن اِنّ اللّهَ تعالي خلَقَ المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و اخذ ميثاقهم لنا بالولاية و لعليّ اميرالمؤمنين فالمؤمن اخو المؤمن لابِيهٖ و امه ابوهُ النور و امّه الرحمة و انّ المؤمن ينظر بنور اللّه قال الصّادق عليه السلام انما ينظر بذلك النور الذي خلق منه .

اقول الاحاديث في هذه المعاني كثيرة و هو انّ المؤمن خلق من نورهم و انما سُمّي شيعيّاً لانه خلق من شعاع نورهم و انّهم متّصلون بهم كما اتّصل الشعاع بالشمس و قد تقدّم انّهم عليهم السلام هم الرحمة و هي الرحم اي [ص 217] انّهم الرحم المشتق من اسم الرحمن و هي الرحمة و ان شيعتهم تبع لهم في ذلك الاشتقاق فكلّ مؤمن و مؤمنة من رحم محمّد صلي اللّه عليه و آله بهذا المعني فهم من الرحمة الخاۤصّة المكتوبة التي هي صفة الرحيم و كان بالمؤمنين رحيماً و الرحيم صفة الرحمن و مشتق منه علي الاصح فهم و شيعتهم الرحمة الموصولَةُ باللّهِ اي بمشيّته و محبّتهِ و ارادته يعني ان شيعتهم منهم و هم من محمد صلّي اللّه عليه و آله و هو (ص) محلّ فاحببتُ اَن اُعْرَف و معنيً اٰخر مَنْ وصلهم وصله اللّه برحمته و رضوانه و محبّته و مَن قطعَهم قطعَهُ اللّه من رحمته و وصله بغضبه و قطعَهُ من رضوانه و وصله بسَخَطِه و قطعَهُ من محبّتِه و وصله بمقتِهٖ و معني آخر انّ وَصْلهم طاعتهم و التولّي بهم و التبرّي من اعداۤئهم و التسليم لهم و الرّد اليهم و الاعتراف بحقّهم و انّ ذلك من حقهم و ان تدعو اللّه بهم و ان تعبده بحبّهم و بطاعتهم مخلصاً للّهِ وحْدَهُ في عبادته بطاعتهم و بما ذكرنا كلِّهٖ فكل ما يكون للّه فهو عنهم و منهم و هو موصول بالرّحمة و الرّضا و المحبّة و كل ما ليس للّهِ فهو قطعهم و قطعهم موصول بالغضب و السخط و المقت فان قلتَ هذا الكلام يدل علي انّ كل ما كان عن الرحمة فهو موصول كالرحمة لاحق بها و هو ظاهر قوله تعالي و رحمتي وسعت كل شيء و من المعلوم الذي لا شبهة فيه انّ ما لم‌تتناوله الرحمة ليس بموجود فلايكون مقطوعاً لانه ليس شيئاً يقطع و ما تناولته الرحمة فهو موصول فمن قطعهم موجود فيلزم ان يكون موصولاً قلتُ ان الرحمة الواسعة منها الفضل و منها العدل و الكلّ داخل في الوجود هو و ما تناوَله فالموصول من الفضل و المقطوع من العدل و المراد من الوصل ما كان من الفضل الذي هو صفة الرحيم و هي [ص 218] الرحمة المكتوبة الخاۤصّة بالمؤمنين لاتّصاله بالثواب الذي هو المدد الثابت الاصل النوراني لاتّصاله بالظهور السرمدي الذي لا غاية له و لا نهاية في البقاۤء الامكاني الراجح و لا في الحسن و الجمال و اللّذة و الملايمة و المطابقة في آثاره من حيث ربّه تعالي و المراد من القطع ما كان من العدل الذي هو قسيم صفة الرحيم من صفة الرحمن لما يترتّب عليه من القصاص و المجازاة الذي هو الخذلان و الترك و هو المجتثّ الاصل الظلماني لتوجّهه الي نفس النوراني الذي هو ضدّه من حيث نفسه فكان ما من الرحمة الخاۤصّة موصولاً لاتّصاله بما للّه و ما من اللّه تعالي و كان القطع مَفْصُولاً لاقتصاره علي نفسه فقوله عليه السلام و الرحمة الموصولة يحتمل وجهين احدهما انّ ما كان عقاباً و عذاباً و ما لايلاۤئم النفس لايسمي رحمةً لان المفهوم منها المحبوب و الملايم فيجوز ان تكون الصفة لبيان ما هو الواقع بحسب العرف و ثانيهما ان الصفة ليست لبيان ما هو الواقع و انما هي للتخصيص لان المنافر و المنافي ايضاً من الرحمة الواسعة لانه مقتضي العدل الّا انه رحمة مقطوعة عن الخير و المحبّة بسبب سوۤء الاعمال و اليه الاشارة بما في رواية ايّاكَ اثيبُ و ايّاك اعاقِب في شأن العقل اذا لم‌يقبل فلمّا كان للرحمة الواسعة جهتان جهة موصولة باللّه تعالي لما تشتمل علي آثارِها من الامور المحبوباتِ التي لا غايَة لها و جهة مفصولة عن الخير لما تشتمل عليه آثارها من الامورِ المكروهات الّتي لٰا غَايَةَ لَهٰا وَصَفَهُمْ عليهم السلام بِانَّهُم الرّحْمة المَوْصُولة يَعْني اِيّاهُمْ وَ شِيعَتَهُمْ خٰاۤصّةً .

و قوله عليه السلام : و الٰاية ٱلمخزونة .

الٰاية بمعني العبرة و العَلامة و العجيبة و الشّخْص و الامٰارة و من القرءان كلام متّصل الي انقطاعه و يختلف المراد منها باختِلاف الاطلاقات بسبب [ص 219] اختِلَافِ المقامات مثل قوله تعالي لقد كان في يُوسُفَ و اخوته آياتٌ للسّاۤئِلينَ اي دلاۤئل قدرة اللّه تعالي و حكمته و علامات لنبوّتِك يا محمد و قوله تعالي ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الٰايات ليسجنُنَّه حتّي حينٍ يعني الدلالات علي براءته من شهادة الصبي و قَدّ القميص منْ دُبُرٍ و استباقها الباب حتي سُمِع مجاذبتها اِيّاهُ علي البابِ و قوله تعالي لنريَهُ من آياتِنا انّه هو السميع البصير اي من عجاۤئب قدرتِنا كذهابه الي بيت‌المقدس في برهة من الليل مسيرة شهرٍ و مشاهدته بيت‌المقدس و تمثيل الانبياء و وقوفه علي مقاماتهم و قوله تعالي فيه آيات بيّنات مقام ابراهيم اي علامات واضحات كأثرِ قدَمَيْ ابراهيم عليه السلام و الحجرالاسود و منزل اسمعيل و قوله تعالي سنريهم آياتنا في الٰافاق اي العبر و العلامات كالكسوف و الخسوف و الزلازل و ما يعرض في السَّماۤءِ و في انفسهم كالجوع و الشبع و العطش و الرِّيّ و المرض و الصحة و الغني و الفقر و قوله تعالي و جعلنا ابن مريم و امه آيةً اي عجيبة و انّما لم‌يقل آيتين لان قصّتهما واحدة و قيل لان الٰاية فيهما واحدة و هي الولادة من غير فحل و قال في سفينة نوح (ع) و لقد تركناها آية فهل من مدّكِر نُقِل انّه ابقي اللّهُ سفينة نوح حتّي ادركها اواۤئل هذه الامة اي شيئاً من اجزاۤئها الي زمان بعثة النبي (ص) و في الحديث عنه صلّي اللّٰهُ عليه و آله بلّغوا عنّي و لو آيةً و المراد بالٰاية هنا الكلام المفيد و ان كان قليلاً و قوله تعالي في تسع آيات اي المعجزات و هي العصا و اليد و الطوفان و الجراد و القمّل و الضفادع و الدم و الطمس علي اموالهم و السنين اي الجدب و قيل التّسع غير اليد و العصي و هي السبع المذكورة و فلق البحر و نقص من الاموال و الانفس و الثمرات و الٰايات المشتركة بين آل فرعون و بني‌اسراۤئيل الٰايات المذكورات و فلق البحر و الحجر و رفع الطور و غيرها مختصة و الحاصل انّ هذه المعاني في [ص 220] الحقيقة متقاربة يرجع بعضها الي بعض و علي اي فرض كان فليس للّه آية اظهرها لعباده الّا هم او منهم او لهم او عنهم كما دلّت عليه اخبارهم منها ما في الكافي عن اسباط بن سالم قال سألت اباعبداللّه عليه السلام و انا عنده عن قول اللّهِ تعالي و علامات و بالنجم هم يهتدون فقال رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله النجم و العلامات الائمة عليهم السلام و فيه عن داود الرقي قال سألتُ اباعبداللّه عليه السلام عن قوله تبارك و تعالي و ماتغني الٰايات و النذر عن قوم لايؤمنون قال الٰايات الائمة و النذر الانبياۤء صلوات اللّه عليهم اجمعين و فيه عن يونس بن يعقوب رفعه عن ابي‌جعفر عليه السلام في قول اللّه كذّبوا بٰاياتِنا كلها يعني الاوصياۤء كلّهم و قول علي عليه السلام انا عصي موسي انا ناقة صالح و اذا اردت ان تقف علي حقيقة ما اشرت لك فانظر الي خطب عليّ عليه السلام كالخطبة المشتملة علي معرفته بالنورانية و غيرها و لاسيما خطبة البيان فانها قد اشتملت علي كثير من ذلك و هي و ان كانت نسخها مختلفة الّا انّها مشهورة لاتكاد تخفي حتي انه نقل عن العلّامة الفاخر محمدباقر المجلسي (ره) انه قال انّ اهل الخلاف نقلوا خطبة البيان و بالجملة هذه الدعوي التي ندّعيها عليهم مسلّمة عند العارفين المؤمنين فجميع العجاۤئب و المعاجز و الدلاۤئل و العلامات و العبر و الٰايات فالمراد بها هم و آياتهم كما قال السجاد عليه السلام في قوله تعالي و كانوا بٰاياتنا يجحدون و هي واللّه آياتنا و هذه احدها و هي واللّه ولايتنا و اعلي كل آية و اعظمها هم عليهم السلام و هو ما رواه ابوحمزة عن ابي‌جعفر عليه السلام قال قلتُ له جعلتُ فداءك ان الشيعة يسئلونك عن تفسير هذه الٰاية عمّ يتساۤءلون عن النبأ العظيم قال ذلك اليّ ان شئت اخبرتهم و ان شئتُ لم‌اخبرهم ثم قال لكني اخبرُكَ بتفسيرها قلتُ عمّ يتساۤءلونَ قال هي في اميرالمؤمنين عليه السلام [ص 221] كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول ما للّهِ تعالي آية اكبر مني و لا للّهِ نبَأٌ اعظم مني ه‍ ، و يجري لٰاخر الائمة ما يجري لاوَّلِهِمْ فهم الٰاية الكُبري كما قال تعالي لقد رأي من آيات ربّه الكبري اذا جعَلْنا الكبري مفعول رأي لا صفة لِآيٰاتٍ و ذلك حين خاطبه اللّهُ سبحانه ليلة المعراج بلسان علي عليه السلام فانّه صلي اللّه عليه و آله رأي ح انه ليس للّهِ آية اكبر من علي عليه السلام لانّه صلي اللّه عليه و آله رأي عليّاً عليه السلام لِسَاناً علِيّاً في المقام الاَعْلي ينطق بما اوحَي سبحانه علي عبده الذي يؤمن باللّهِ و كلماته صلي اللّه عليه و آله و ذلك وراۤء ما سمع ايّوب من الانبعاث عند المنطق فشكّ و بكي ، و قوله عليه السلام المخزونة يعني التي لايعلمها الّا اللّهُ و هم لانهم ذلك الاسم المخزون المكنون الذي استقر في ظل اللّهِ فلايخرج منه الي غيره و ذلك الظل هو الولي كما قال عليه السلام السّلطان ظلّ اللّهِ في ارضه و المراد بعدم خروجه منه الي غيره انّه لايعرفه غيره و انه لايكون الّا له تعالي لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون الليل و النهار لايفترون و انّه لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه اي لايكون لغير اللّه فيما مضي منه و من جميع احواله و لا فيما يأتي منه و لا من احواله و يجوز ان يكون المراد به الكناية عن عزّتها فان الشيء العزيز عند الشخص يخزنه و يصونه عن غيره و لقد قال شاعر في هذا المعني في محبوبه يبالغ في ستره عن غيره قال :