و الحاصل انّ كل شيء فبيانه بكلّ ارادة في القرءان قال اللّه تعالي ماكان حديثا يفتري و لكن تصديق الذي بين يديه و تفصيل كل شيءٍ و هدي و رحمة لقوم يؤمنون فقول الشارح (ره) فكلّ آية بما فيها من الحقاۤئق الكثيرة الخ ، يراد منه ما اشرنا اليه و كلّ ذلك عندهم او المراد بالٰايات ما اودعه اللّه سبحانه في ساۤئر خلقه من الامثال التي ضربها للخلق ممّا فيه اعتبارهم و تعليمهم و تعريفهم و جميع ما يراد منهم ممّا نصبها آية مبيّنةً مبصرةً في الٰافاقِ و في انفسِ الخلق كما قال تعالي و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الّا العالِمُون و كأيّن من آية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و ضربنا لكم الامثال سنرٖيهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انّه الحقّ و كل ذلك لديهم امّا بمعني انهم العالمون الذين يعقلونها او انّها ضُرِبَتْ لهم او انها صدرَتْ عنهم او انها آياتهم اوْ انّها آيات محامدهم و الثناۤء عليهم او انها من صفاتهم و آياتهم او انّهم المُعَرِّفون بها او الدّاۤلُّون عليها اَو المُورِدُون حياض الانتفاع بها و الذاۤئدون عَنْها اوْ انّها هُمْ و كونهم لديهم لان الشيء عند نفسه ما دام هو ايّاه و يتقوّم بنفسه و يمسكه اللّه به فهو لدي نفسه ما شهدها و اذا فقدها لم‌يكن لدي نفسه و لو في الوجدان .

[ص 175] و قول الشارح (ره) في و عزائمه فيكم صحيح مليح و لكن في بعضه اجمال يحتاج الي تفصيل و في بعضه تسامح و اقتصار و الكلام في كل كلمة يطول به المسلك زيادة عمّا سلكناه فنقتصر في ما ذكر علي ما ذكر بقي حرف اغفله كما هي عادته او مَبلغهُ و هو انه من معاني العزاۤئم هُنَا اَحْتامُهُ في الاكوان بماضي مشيّته و نافذ حكمه فيما كان و ما يكون مما انطوت عليه خزاۤئن عرشه من الخلق و الرّزقِ و الموتِ و الحيوة بمقتضي اعمالهم الشرعيّة و الكونيّة وَ اِلْزامُهُ في الاحكام التشريعيّة و هي ما توعّد علي تركها بالعقابِ لا انّها ما قابل الرخص كما يظهر من عبارة الشارح علي بعض وجوهه اذ من الرخص ما يكون عزيمة كالقصر للمسافر بل كلّ رخصةٍ نصّ اللّه عليها فقد عزم بها الّا ما اخرجَها بدليل من نصّ في كتابٍ او سُنّةٍ او دليل عقلي قطعي اوْ اجماع و لذا روي عن النبي صلي اللّه عليه و آله انّ اللّه يحبّ ان يُؤخَذَ برُخَصِهٖ كما يحبّ ان يؤخذ بعزاۤئمه اوْ قال بفراۤئضه فخذوا برُخصِ اللّه و لاتشدّدُوا علي انفسكم ان بني‌اسراۤئيل لمّا شدّدوا علي انفسهم شدّد اللّه عليهم اقول و التشديد منهم ترك الرخص و منه تعالي ايجاب الاخذ بها او دليل لايجاب الاخذ بها فالعزيمة الالزام بالحكم سواء كان للاقتضاۤء او الوضع او بالرخص و سواۤء كان مطابقاً للواقعي الوجودي المتحد او الواقعي التشريعي المتعدّد .

و امّا ما كان مطابقاً للاعتقاد مطلقاً او الرّاجح او الظَّنّ او الشك او الوهم او المرجوح او الريب او الوسوسة او النجوي او السفسطة فعلي الظاهر انّ العزيمة لاتنزل لاقتضاۤء شيء منها لانّها علي الظّاهر لا حقائق لما تَعلَّقَتْ به في الواقع و ان دارَت بين ثابت و غيره امّا الاعتقاد فان كان عن علمٍ كانَ علماً و الا فهو دعوي علم و ان طابق الواقع عن غير علم او لم‌يطابق و هو معني الاطلاق في عبارتنا فلا متعلّق لها ظاهراً و امّا الراجح و الظن فان كانا ممن له الاستيضاح فهما علم [ص 176] لا انهما ظاهر او ظنّ قاۤئمان مقام العلم عَلَي ما حقّقناه في الفواۤئد التي كتبناها في اصول الفقه و الّا فلم‌يتحقّق متعلقهما تحقّقاً متعيّناً يصلح لانزال العزيمة و الفرق بينهما مع اشتراكهما في الرجحان ان الراجح هو ما تظهر امارات تحقّقه في نفسه بنفسه و انتفاۤء الطرف المقابل له و الظنّ تظهر امارات تحقّقه و انتفاۤء الطرف المقابل له في نفس الظاۤنّ او من خارج غير جهة المظنون و امّا الشك فهو تردّد النظر في الطرفين و انتقاله من واحد الي الٰاخر قبل استقراره و ان قوي ميله الي احدهما دون الٰاخر ما لم‌يكن ذلك الميل سبباً لزهده في ذلك لان مجرّد الميل لايخرجه عن التساوي في الجملة و ما هذا شأنه لم‌يستقرّ له متعلّق يستقرّ فيه فلاتقتضي الحكمة انزال العزيمة في مثل ذلك و لو فسّرناه بقول من جعل الشك عدم تحقّق شيء او نفيه لكان عدم التحقق اولي و امّا الوهم و هو الطرف المرجوح من الظنّ و المرجوح و هو الطرف المرجوح من الراجح فاولي بعدم التحقق المقتضي لعدم تعلّق العزيمة و امّا الريب و هو احتمال الطرف المقابل للطرف المتحقّق باستقرار النظر القلبي و اطمئنانه عليه و لا تحقّق في متعلّقه اذا كان الطرف المتحقق عن علمٍ او لاحِقاً بالعلم كظن المستوضح بادلّة الحق و ترجيحه و لو كان الطرف المتحقّق عن اعتقاد بغير علم او عن علم و انس نظره بذلكَ الريب فهو اوّل مبادي الشّك و لايزيد في كل احواله عن الشك و في الحديث النبوي عنه صلي اللّه عليه و آله لاترتابوا فتشكّوا و لاتشكّوا فتكفروا .

و امّا الوسوسة فهو ان يلتفت النظر الي الطرف المقابل للحقّ او الي ما نُهي عن الالتفات اليه غير مريدٍ للالتفات و لا مُحِبّاً له و انّما ذلك لانه عوَّد نفسَهُ بالالتفات الي مثل ذلك من خدع الشّيطان بواسطة الغفلة عن ذكر اللّه تعالي فتبعثُ النفس نظرها الي ذلك بما تعوّدته مما علّمها الشيطان و علامة [ص 177] هذا انه اذا وقع ذلك منه تضجّر و تأوّهَ و تألّم لانه لايحبّ وقوعه منه و لهذا قال صلي اللّه عليه و آله لمن وقع منه ذلك التأوّه لاجل ما وقع منه ذلك محض الايمان و متعلّق هذا ايضاً كذلك لايعزم علي المكلّف به لعدم تحقّقه بل قد يعزم عليه باعتقاد عدم تحقّقه و عدم ضرره و لهذا قال صلي اللّه عليه و آله رُفع عن امّتي تسعة الخطأ و النسيان و ما اُكرِهوا عليه و ما لايعلمون و ما لايطيقون و ما اضطُرّوا اليه و الحسد و الطيَرَة و التفكّر في الوسوسة و في الخلق ما لم‌ينطق بشفةٍ اقول قوله صلي اللّه عليه و آله و التفكّر في الوسوسة يريد به ما كان في اللّه تعالي اذا تفكر فيما لايجوز عليه تعالي كما تفكّر الرجل الذي اتاه (ص) فقال يا رسول اللّه هلكتُ فقال له هل اتاك الخبيثُ فقال لك من خلَقك فقلتَ اللّه تعالي فقال لك اللّهُ من خلقه فقال له اي و الذي بعثك بالحق لكان كذا فقال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ذاك واللّهِ محض الايمان قال ابن ابي‌عمير فحدّثتُ بذلك عبدالرحمن بن الحجّاج فقال حدّثني ابي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام ان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله انما عني بقوله هذا واللّه محض الايمان خوفه ان يكون قد هلك حيثُ عرض ذلك في قلبه انتهي ، و قوله و في الخلق اذا ظَنّ خلاف مقتضي الشرع في احدٍ اذا لم‌يتكلّم به و كان ذلك ايضاً وسوسةً بغير تعمّد و قصدٍ .

و امّا النّجوي فهو ان يذكّره الشيطان شيئاً ينافي الحق او المحبّة في اليقظة او في النوم و ربّما استجرّه الي ما يناسبه فيذكّره القاۤئل به و ربّما قادَهُ الي انه لو كان القاۤئل كيف كان يكون فيدخل همّاً من ذلك عليه و ربّما يكون ذلك الهمّ شاغلاً عن حظّه من ذكر اللّه و ربّما يكون منشأ للوسوسة فمثال ما ينافي الحقّ كأن يذكّره ولاية الغير و يستجرّه الي ان تلك ولاية تدعو الي النار لمناسبتها لدخول النار ثم يذكّره فلاناً الذي تولي ذلك الامام [ص 178] الضاۤلّ المضلّ و يقوده الي ان يفرض نفسه لو كان هو المتولّي فيدخل عليه من ذلك همّاً يشغله عن ذكر اللّه و ممّا ينافي المحبّة مثلاً انه اذا كان يقرأ في قوله تعالي و لكن تعمي القلوب الّتي في الصدور يسبّب له سبباً حتي يمسّ صدره عند قرائة هذه الٰاية فيذكّره انّ ذلك المس قد يكون سبباً لان يدخل قلبه في اطلاق هذه الٰاية فيدخل عليه من ذلك حزناً يشغله عن ذكر اللّه و في النوم كما يصوّر له ما ينافي الحق او محبّته بحيث يحزنه كذلك قال اللّه تعالي انّما النجوي من الشيطان ليحزن الّذين آمنوا و ليس بضاۤرّهم شيئاً اِلّا باذن اللّٰهِ و علي اللّٰهِ فليتوكّل المؤمنون يعني بان يذكر اللّه كما تقدّم سابقاً و يعتقد انّ ذلك لايضرّه الّا اَن يشاۤء اللّه فيستريح من ذلك الهم و الحزن فيذهب عنه طاۤئف الشيطان و هذه النجوي بجميع انواعها لاتحقق لمتعلقها فلا عزيمة فيها و الفرق بين النجوي و الوسوسة ان النجوي يقدر المكلّف علي الخروج عنها ما لم‌تعتد نفسه بها فتكون من الوسوسة لانّ الوسوسة بسبب اعتياد النفس بها لايكاد يتمكّن من تركها لظهور الشيطان في النفس التي تعوّدَتْ بذلك حتّي ملكَ قيادَها فهو يأمرها و ينهاها فهي تطيعه كارهة لهُ و لطاعتِهٖ .

وَ امَّا السّفسطة فهو اعتقاد انّ كلّ ما يمكن موجود او يجوز ان يوجد في عالم الاَجْسَام علي جهة التمايز و لا تزاحم بين شيء منها بحيث يكون الف جَبلٍ مَثلاً كلّ واحدٍ منها طوله خمسة فَراسخ و عَرْضُهُ فرسخ قد حلّت كلّها في بيت حيوانٍ اصغر من النملة فلمّا كانت تلك الجبال الجسمانية في هذه المحلّ الصغير الجسماني بقي منه مكان يسع اجرام السموات و الارض و يدخل ذلك الحيوان في بيته و لايحسّ بشيء من تلك و هي اجسام محسوسة في مكان محسوس وَ لَا شَكَّ اَنَّ هذه لاتَحقُّقَ لشيءٍ مِنْهَا فلايَعْزِمُ فيها فهذا الكلام و مثله في هذه الاشياۤءِ المذكورة عَلَي الظّاهِرِ

[ص 179] و امّا علي جهة البَاطِنِ فَكُلُّ شيءٍ من هذِهٖ الاُمورِ فلَهٰا تحقّقاتٌ لكلٍّ بنسبته فكما انّ المعلوم متحقّق كذلك المعتقَد بفتح القافِ و الرّاجح و المظنون و المشكوك و الموهوم و المرجوح و المستراب فيه او به و الموسوس فيه و المناجَي فيه او به و المسفسط فيه فانّ لكلٍّ تحقّقاً في محلّه و كذلك فعل فاعله و كذلك حكم فاعلها معها و حكم فعله لها و حكم ما يترتّب فيها من التكوينات بحسب ملاۤئكتها او شياطينها و حكم ثوابها او عقابها او عدم المؤاخذة بها و التأثر بها و عدمه كمّاً و كيفاً في الوجود و شرعه و في الشرع و وجوده فَتَجري عزاۤئمه سبحانه فيما توفّرت قوابله و اسبابه منها بما احبَّ منها و كرِهَ في تمكينها و تكوينها و كلّ ذلك عندهم كما دلت عليه رواية محمد بن سنان و غيرها كما تقدم عن ابي‌جعفر عليه السلام في قوله ثم خلق محمداً و علياً و فاطمة فمكثوا الف دهر ثم خلق الاشياۤء و اشهدهم خلقها و اجري عليها طاعتهم و جَعَل فيهم ما شاۤء و فوّض امر الاشياۤء اليهم في الحكم و التصرف و الارشاد و الامر و النهي في الخلق لانهم الولاة فلهم الامر و الولاية و الهداية فهم ابوابهُ و نوّابه و حُجّابه الحديث .

قال عليه السلام : و نوره و برهانه عندكم و امره اليكم .

قال الشارح (ره) و نوره من العلوم و الحقاۤئق و الهدايات و برهانه من الدلاۤئل و المعجزات عندكم و امره من الامامة و اظهار العلوم اليكم كما روي في الاخبار ان الواجب عليكم ان تسئلوا و لم‌يجب علينا ان نجيبَكم كما قال اللّه تعالي هذا عطاۤؤنا فامنن اوْ امسك بغير حسابٍ و الظاهر انه في غير الواجبات او التقيّة التي خصّهم اللّٰهُ و شيعتهم بها او يكون من خصاۤئِصهم و لذلك يسمّون باولي الامر او يكون المراد بالامر الفعْل بان [ص 180] يكونوا ناۤئبين عن اللّه تبارك و تعالي في الشريعة بحسب ما تقتضيه عقولهم المقدّسة كما يظهر من الاخبار الكثيرة الواردة في التفويض الي النبي و الائمّة صلوات اللّهِ عليهم او يعم الفعل بالدعوات او بالتفويض كما يكون للملاۤئكة و يظهر من الاخبار الكثيرة لكن منع الاصحاب من روايتها و العمل بها لئلّايؤدي الي القول بالُوهيّتهم كما وَقَع لبعض الناقصين من الغلاة كما ورد النّهي عن النجوم لذلك كما سيجيۤئ انتهي .

اقول النور قيل هو كيفيّة ظاهرة بنفسها مظهرة لغيرِها و تلك امّا من ذات الشيء كالشمس اَو من غيره كالجدار المستنير بنور الشمس و الظلمة قال محقّقوا المتكلمين و المشّاۤؤن من الفلاسفة انها عدم الضوء عمّا من شأنه ان يكون مضيئاً فهي تقابل النور تقابل العدم للملكة و قال قوم انها كيفيّة وجوديّة فهي تقابل النور تقابل التضاۤدّ و قال ابن ابي‌جمهور في المجلي و امّا اهل الباطن و الاشارات فقالوا ان كان في الوجود ما لايحتاج الي تعريف و شرح فهو الظاهر الجلي في نفسه المظهر لغيره و لا شيء في الوجود اظهر من النور فلا شيء اغني منه عن التعريف فالنور هو الظهور و ذلك امّا لذوات قائمة بنفسها كالعقول و النفوس او هيئات نورانيّة قائمة بالغير روحانياً و لمّا كان الوجود بالنسبة الي العدم كنسبة الظهور الي الخفاۤء و النور الي الظلمة كانت الموجودات من حيث خروجها من العدم الي الوجود كالخروج من الخفاۤء الي الظهور و الظلمة الي النور فيكون الوجود كله نوراً و العدم كلّه ظلمة و النور و الضوء عندهم واحد و ينقسم الي ما هو نورٌ و ضوء في نفسه و الي ما ليس بنورٍ في حقيقة نفسِهٖ و الاول ينقسم الي ما هو ليس بهيئةٍ لغيره بل قائماً بنفسِه و تسمّي بالانوار المجرّدة و النور المحض و الانوار الالهيّة كالعقول و النفوس و الي ما يقوم بغيره و يكون [ص 181] هيئةً عارضةً له و يُسمّي الانوار العرضيّة و هي ما لاتقوم بذاتها بل يفتقر الي محلّ تقوم به سواء كان محلها الانوار المجرّدة او الاجسام و تسمّي بالهيئة و النور العارض و الثاني و هو ما ليس بنور في حقيقة نفسه ينقسم الي مستغن عن المحل و هو الغاسق اعني الجوهر الجسماني المظلم في ذاته من حيث جسميّته فانه مظلم لا نور فيه و الي ما هو محتاج الي المحلِّ فهو هيئة لغيره و هو الهيئة الظلمانيّة و هي المقولات التسع العرضيّة فليست الظلمة الّا عدم الضوء و النور حسب علي ما هو رأي الاشراقيين من الحكماۤء و ليست الظلمة من الاعدام التي يشترط فيها امكان الاتّصاف بالضوء كما هو رأي المشاۤئين و محقّقي المتكلمين فانّهم قالوا انّها عدم الضوء عن محلٍّ يمكن اتّصافه بالنّور و لهذا لم‌يكن الهواۤء عندهم مظلِماً لامتناع قبوله النور لشفيفه و عند الاشراقيّين هو مظلم لانّه ليس بمضيء و تمسّك الاوّلون بالعرف و يكذّب ادّعاۤء العرف انّ من كان سليم البَصر و فتح عينيه في الليلة الظّلماۤء و لم‌ير شيئاً سمّي ما عنده ظلمةً جداراً كان او هواۤءً او غيرهما انتهي .

اقول ما ذكره الفريقان في حقيقة النور و الظلمة مدخول يرد عليهم المنع في كثير ممّا قالوا نعم يمكن تصحيح ذلك او بعضه بالبناۤء علي الظاهر و امّا اذا بني الامر علي ما هو الواقع كما يحكم دليل الحكمة به فيتبيّن الخلل العظيم كقول الاوّلين الظلمة عدم الضوء بزعمهم انها ليست شيئاً لانّها عدم و كيف ذلك و اللّه سبحانه خلقها و امّا الٰاخرون القاۤئلون بانها كيفيّة وجوديّة فاصابوا في كونها وجوديّة و هي كيفيّةٌ علي بعض الوجوه لا في كلّ حالٍ و قول اهل الباطن و لا شيء في الوجود اظهر من النور فيه انّ الوجود اظهر منه و اذا لم‌تلحظ الظهور الظاهري الذي عند العوام و انّما تنظر بعين الحقيقة رأيتَ جميع افراد الوجود متساوية في الظهور فان النور كما يظهر بنفسه فالظلمة [ص 182] تظهر بنفسها و كما يظهر النور غيره كذلك تحجبه الظلمة فالفعلان في نفسيهما سواۤء و المظهر و المحجوب كان الوجود فيهما علي السواۤء و الاظهار و الحجب من غيرهما و ليس الاظهار اظهر من الحجب فافهم هذه الدقيقة التي اشرنا اليها علي انّ الظهور ان ارادوا به كالمنسوب الي النور عندهم لزمهم ان يكون هذا النور اظهر من خالقه تعالي و تقدّس ان يكون شيء اظهر منه حيث قالوا لا شيء في الوجود اظهر من النور فان قالوا هو سبحانه نور بهذا المعني قيل لهم هو ليس ظاهراً لغيرِه بنفسه لانّا لانريد بقولنا ظاهر بنفسه عند نفسه و لا عند من فوقه لان كلّ شيء بهذا المعني ظاهر بنفسه يعني عند نفسه و عند من فوقه وَ اِنّما نريد بالظاهر بنفسه عند مَن يساويه او من هو دونه فان قيدوا الوجود ايضاً بالممكن قيل العقول ممكنة و ليست ظاهرة بنفسها فان قالوا المراد تحقّقه في نفسه قلنا الغاسق المحجوب متحقّق في نفسه فان قيل المراد ظهوره باثره قلنا يصدق علي مَن تكلّم في ظلمة تحجبه عن الرؤية و ليس النور و الضوء واحداً بل الضوء اقوي و لهذا قال تعالي جعل الشمس ضياۤء و القمر نوراً ، و المروي عنهم (ع) ان النور شعاع الضياۤء و الضياۤء هو المنير و هو البهاۤء و النور سناۤء و قولهم امّا لذوات قاۤئمة بنفسها كالعقول و النفوس فهو ايضاً جارٍ علي الظاهر و امّا علي الحقيقة فليس شيء قاۤئم بنفسه الّا اللّه سبحانه و ما سواه فقاۤئم به قيام صدورٍ و قولهم او هيئات نورانيّة الخ ، فيه انّ كلّ حادثٍ علي الحقيقة ذات لما دونه هيئة لما فوقه فهي ذوات اضافية و هيئات اضافيّة لاشتراكها في افتقارها الي ما فوقها و افتقار ما تحتها اليها فكل محدث عرض بالنسبة الي ما فوقه جوهر بالنسبة الي ما دونه نعم هذا صحيح علي الظاهر و قولهم فالوجود كله نور و العدم كُلّه ظلمة انما يتمشي علي الظاهر ايضاً و الا ففي الحقيقة ان ارادوا بالعدم الّا شيء فليس ظلمةً بل [ص 183] لا عبارة عنه حقيقةً و الظلمة شيء مخلوق و الّا فالعدم محدثٌ فهو من الوجود فالظلمة وجود لا عدم فالاولي لهم اَنْ يعرّفوا الظلمة بغير العدم و بغير الخفاۤء ان ارادوا التعريف علي الحقيقة و انّما هي تعرّف بالنّقص و ذلك انّ الاشياۤء علي ثلاثة اقسام قسم تزيد لطيفته من الفيض و خصوصيّته من عناية ربّه تعالي علي نفس وجوده و هو الكامل كالسراج فانه بتماميّته لايحتاج في ظهوره الي ما يعينه و بكمالِه يتمّم نقصَ الغاسق عن الظهور بنفسه كالحجر مثلاً و قسم خصوصيّته من العناية بقدر وجوده و هو التّام كالجمرة مثلاً فانّها بتماميّتها لاتحتاج في ظهورها بنفسها الي ما يعينها و لكنها لاتتمّم غيرها لعدم فاضل خصوصيّتها عن نفس وجودِها و قسم خصوصيته من العناية انقص من وجودِه كالحجر و هذا القسم يحتاج في ظهوره بنفسه الي ما يعينه و المظلم من هذا القسم و المنير من القسم الاول و النور و الظلمة من القسم الثاني لانّ هذا القسم وجهه الاعلي الي المنير فهو منه و هو النور و وجهه الاسفل الي المظلم فهو منه و هو الظّلمة فكمال النور من المنير و نقص الظلمة من المظلم و كمال المنير لكونه واجداً و نقص المظلم لكونه فاقداً و النور هو ظهور المنير به يعني ان ظهور المنير هو النور لا انّ الظهور مغاير للنور لانه ليس شيئاً الّا ظهور المنير للغير لكن المنير لم‌يظهر بذاته و قيام تلك الصفة بموصوفها قيام صدور لا قيام عروض كما يدل كلامُهم في قولهم وَ اِلٰي ما يقوم بغيره و يكون هيئةً عارضةً له فنور الشمس مثلاً كلمتُها المتّصلة المتتابعة فهو الفقير المطلق اللائذ بجناب المنير و الساۤئل الواقف ببابه و وجهه هو المرئيّ من المنير و الظلمة نفسه و ماهيته من حيث هو هو و خلفه المقابل لوجهه فان قلتَ قولكم لاتعرّف بالعدم و انّما تعرّف بالنقص متناقض لان النقص هو عدم شيء و يدل عليه قولكم و نقص [ص 184] المظلم لكونه فاقدا فيصير المعني تعرّف بالعدم لاتُعرّفُ بالعدم قلتُ ان اردتم بالعدم المعني الوجودي قلتُ به و انّما منعته لانكم تريدون به معني عدم لا شيء فغيّرتُ العبارة لاثبات الشيئية و لمّا كان هذا الشيء المشار اليه لا عبارة له الّا عدم او نقص او فقدان مثلاً و نفينا العدم الذي هو اظهر في لاشيء بقي انّ المراد بالنّقص شيء وجودي لانا لانريد بالظلمة الّا انّيّة النور و هي موجودة و ان كان وجودها مترتّباً علي وجود النور فهي شيء و لو لم‌تكن شيئاً لم‌يكن النور شيئاً فجعلناها نقصاً لِانّ تحقّقها اِنّما هو بالنور و تمامها و شرط وجودها و تَمام قابليّتها للوُجودِ هو النّور فهي نقص النور و هو تمامُها و اَثرُ كَمالِ المنير و لمّا كان النور اثر المنير و صفته و فعله و من فعله و منسوباً اليه اطلق علي فعل اللّه تعالي و فضله و نعمه و جميع ما منه تعالي و الظلمة و ان كانت وجوديّة فهي ايضاً عن فعله و بفعله الّا انها ليست من فعله و لا منسوبةً اليه لانّها ماهيّة اثر فعله و اِنّيَّتُهُ فلاتطلق علي فعل اللّه تعالي و فضله و نعمه و جميع ما منه و انما تنسب الي ما مِنه بُدئت و هو نفسُهَا قالَ اللّهُ تعالي وَ عَلَي اللّهِ قصدُ السبيل و منها جاۤئر فيقال نورُ اللّهِ و يراد منه فعله و هدايته و فضله و نعمه و عبده المطيع له الداعي اليه و لايقال ظلمة اللّه و ان كانت تنسب الي فعله ايضاً لكن لمّا كان تأثير فعله علي مقتضي القوابل و كانت قوابل النور و الخيرات موافقةً لامره و رضاه لانّها اشباح امره و رضاه و هياكله نسبت الي فعله فيقال من فعله و قوابل الظلمة و الشرور لمّا كانت مخالفة لامره و رضاه لانها اشباح عكوس اوامره و مضاۤدّاته و هياكلها و خلاف محبّته لم‌يَجُزْ نسبتها الي فعله فلايقال من فعله و انّما يقال بفعله لا منه و لا اليه الّا انّها لاتكون الّا عن نفسه ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً و اذا عرفتَ هذا لم‌تعترض علي ما قدّمناه من ان الظلمة موجودة كالنور [ص 185] و انّ الوجود خير كلّه او انّها تنسب الي الفعل كما ينسب النور اليه و لمّا كان النور موافقاً لامر اللّه و محبّته و رضاه و ارادته اطلق علي كل خير فقيل في قوله تعالي اللّه نور السموات و الارض يعني مدبّر امرها بحكمة بالغةٍ او منوّرهُما بمعني ان كلّ شيء استضاۤء به و المروي عن الرضا عليه السلام هادٍ لاهل السموات و هادٍ لاهل الارض و روي البرقي هُدَي من في السموات و هُدَي من في الارض و في قوله تعالي و من لم‌يجعل اللّه له نوراً فما له من نور قيل من لم‌يجعل اللّه له نوراً بتوفيقه و لطفه فهو في ظلمة الباطل لا نور له و عن الصادق عليه السلام اماماً من ولدِ فاطمة عليها السلام فما له من نور و في التوحيد في آية النور عن مولينا الصادق عليه السلام هو مثل ضربهُ اللّٰهُ لنا و عنه عليه السلام اللّهُ نور السّموات و الارض قال كذلك اللّه عز و جلّ مثل نوره قال محمد صلي اللّه عليه و آله كمشكوةٍ قال صدر محمد صلي اللّه عليه و آله فيها مصباح قال فيه نور العلم يعني النبوة المصباح في زجاجة قال علم رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله صدر الي قلبِ علي عليه السلام الزجاجة كأنها قال كأنه كوكب درّي يوقد من شجرة مباركة زيتونةٍ لا شرقيّةٍ و لا غربيّة قال ذاك اميرالمؤمنين علي بن ابي‌طالب عليه السلام لا يهودي و لا نصراني يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نار قال يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل‌محمد (ص) من قبل ان ينطق به نور علي نور قال الامام في اثر الامام و في الكافي عن الباقر عليه السلام يقول انا هادي السموات و الارض مثل العلم الذي اعطَيتُهُ و هو نوري الذي يهتدَي به مثل المشكوة فيها المصباح فالمشكوة قلبُ محمد (ص) و المصباح نوره الذي فيه العلم و قوله المصباح في زجاجة يقول انّي اريد ان اقبضَكَ فاجعل الذي عندك عند الوصيّ كما يجعل المصباح في الزجاجة كأنها كوكب دري [ص 186] فاُعْلِمُهم فضل الوصي يوقد من شجرة مباركةٍ فأصل الشجرة المباركة ابراهيم عليه السلام و هو قول اللّه عز و جل رحمت اللّه و بركاته عليكم اهل البيت انه حميد مجيد و هو قولُ اللّه عز و جل ان اللّه اصطفي آدم و نوحاً و آل ابراهيم و آل عمران علي العالمين ذرّيّة بعضها من بعض و اللّه سميع عليم ، لا شرقيّة و لا غربيّة يقول لستم بيهود فتصلّوا قبل المغرب و لا نصَاري فتُصَلّوا قِبَل المَشرِقِ و انتم علي ملّة ابراهيم و قد قال اللّهُ عز و جلّ ماكان ابراهيم يهوديّاً و لا نصرانياً و لكن كان حنيفاً مسلماً و ماكانَ من المشركين و قوله يكادُ زيتها يضيۤء مثل اولادكم الذين يولدون منكم مثل الزيت الذي يعصر من الزيتون يكادون ان يتكلّموا بالنبوة و لو لم‌ينزل عليهم مَلك و روي القمّي عن الصادق عليه السلام عن ابيه عليه السلام في هذه الٰاية اللّه نور السموات و الارض قال بدء بنور نفسه مثل نوره مثل هداه في قلب المؤمن كمشكوةٍ فيها مصباح المشكوة جوف المؤمن و القنديل قلبه و المصباح النور الذي جعله اللّه فيه يوقد من شجرة مباركة قال الشجرة المؤمن زيتونةٍ لا شرقيّةٍ و لا غربيّة قال علي سواۤء الجبل لا غربيّة لا شرق لها و لا شرقية لا غربَ لها اذا طلعت الشمس طلعت عليها و اذا غربت غربَت عليها يكاد زيتها يعني يكاد النور الذي جعله اللّه في قلبه يضيۤء و ان لم‌يتكلم نور علي نور فريضة علي فريضة و سنّة علي سنّةٍ يهدي اللّه لنوره من يشاۤء قال يهدي اللّه لفراۤئضه و سُننِه من يشاۤء و يضرب اللّه الامثال للناس قال فهذا مثل ضربه اللّه للمؤمن قال فالمؤمن مَن يتقلّب في خمسةٍ من النور مدخله نور و مخرجه نور و علمه نور و كلامه نور و مصيره يوم القيمة الي الجنّة نور قال الراوي قلتُ لمولينا جعفر الصادق عليه السلام انهم يقولون مثل نور الربّ قال سبحان اللّه ليس للّهِ مَثَلٌ اماقال فلاتضربوا للّه الأمثٰال في بيوتٍ [ص 187] اي كمشكوة في بعض بيُوتٍ او يوقد في بيوتٍ يعني ذلك النور المضروب له المثل المذكور في الٰاية في بيوتٍ اذن اللّه ان ترفع و تعظّم كما قال تعالي لتؤمنوا باللّه و رسوله و تعزّروه و توقِّروهُ فانه سبحانه اخبر انّ تلك البيوت رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و اقام الصلوة و ايتاۤء الزكوة اي قاۤئمون بفرائض اللّه الّتي هي ولايتهم و فروعها و سُننه التي هي الموالاة في اللّه و المعاداة في اللّه و المراد بها هنا غير ما هو من الفراۤئض كموالاة وليّهم و معاداة ولي عدوّهم و كونها سُنَناً لكونها تابعة لموالاتهم و معاداة عدوهم فلاتلهيهم ولاية الاول و الثاني و لَا شَيء من فروعهما عن النبي صلي اللّه عليه و آله و متابعته في كل ما جاۤء به عن اللّه و هذا ذكر اللّه و لا عن الوصيّ عليه السلام و لا عن شيء من فروعه و هذا هو اقام الصلوة و لا عن احد من شيعتهم فيما عرفوا من الحق و قاموا بموجبه بشكر ما اَتَوا و هو ايتاۤء الزكوة و لا عن ظواهر هذه البواطن لانّ الظواهر فروع هذه البوَاطِنِ كما ذكرنا و هذا علي قراءة مَن لم‌يقف علي اسمه و يقف علي الٰاصال كما هو قراءة اهل البيت و قرأ به بعض القرّاۤء السبعة فاذا كان هذا النور الممثل به في هذه الٰاية في بيوت و هم الائمة عليهم السلام كما سمعت كان معني الظرفيّة علي نحو ما ذكرنا في قوله عليه السلام ان الحق معهم و فيهم بجميع الاعتبارات فراجع

و البرهان هو الحجّة علي نحو ما تقدّم ذكره و يجوز الاتّحاد كما هو في الاصل في الايجاد و التعدد بالاعتبار و يحتمل بينهما العموم و الخصوص المطلق او من وجهٍ فاذا عرفتَ ما ذكرناه في جميع حروفه ظهر لك ان نور اللّه و برهانه علي كل معني تقدمت الاشارة اليه عندهم فاذا عرفتَ هذا فَاعْلَمْ اَنَّ بَيْنَ النور و البرهان المشار اليهما و بينهم عليهم السلام النِّسَب المشار اليها اي الاتِّحاد [ص 188] باعتبار و التعدد باعتبار آخر و يحتمل باعتبار ان يكون بينهما العموم المطلق او من وجه و العند المذكور ان اريد منه معني الظرفية لزمه حكم المتقدم في ان الحقّ فيهم و ان اريد به معني القرب المعنوي الذي بمعني لدي اعتبر في المذكور حكم لدي اي الموافق له من النور و البرهان و ان اريد به الظاهري اعتبر فيه منهما ما يوافق مقامه فالاتحاد في الاول ذاتي و التعدّد و العموم بمعنييه اعتباري و في الثاني الاتحاد و العموم بمعنييه اعتباري و التعدد ذاتي و في الثالث الاتّحاد و العموم و التعدد كالثاني في الجملة لانَّ هذِهِ الاعتباراتِ المذكورةَ فيها تَسٰامُحٌ و اِجْمالٌ لئلّايؤدي الي الملال .

و قوله عليه السلام : وَ اَمْرُهُ اِليكم يُرادُ مِنه عند الاطلاق الشأن و الشأن يستعمل في اَشياۤء مُتَعدِّدَةٍ اَعْظمُهَا قدراً و سعةً و قُرْباً و شمولاً الولاية وَ ليْسَ ورَاۤءَ عَبّٰادَانِ قَرْيَةٌ لاِشْتِمَالِهَا عَلَي جميع جهات مشية اللّهِ وَ ما ترتَبِطُ به ممّا دخل في الامكان مما قضي و امضي او قضي و لم‌يمض و اختُرِم او قدِّر و لم‌يُقضَ اوْ اُرٖيدَ و لم‌يُقَدّر اَوْ كُوِّنَ وَ لم‌يُرَدْ اوْ اَمْكَنَهُ سُبْحَانه و لم‌يُكَوِّنْهُ وَ هُوَ مجموع شئون المعبود جلّ و عَلَا فيما سِوَاهُ قال تعالي هُنالِكَ الولاية للّهِ الحقّ هو خير ثواباً و خير عُقْباً و هذه الولاية المذكورة في هذه الٰاية الشريفة علي تفسير الظاهر صعبة الادراك لايعرف المراد الّا المؤمن الممتحن الذي هو اقلّ من الغراب الاعصم و اَعَزُّ من الكبريت الاَحْمر و ذلك لانّ الافهام انّما تتوجَّهُ الي حقٍّ بَحْتٍ و علي هذا لايحسن هنالك لِاقتضاۤئها المغايرة بين الولي و الولاية و المغايرة مُنْتَفِيَةٌ في رتبة الذّاتِ البحتِ وَ عَلَي التّفسير الباطن يهون الخطب علي الافهام لاجل تقدير المضاف اي لوليِّ اللّهِ الحقّ فان جعل الحق صفة للولي اريد منه الحقّ المخلوق علي الوجوه المتقدمة في شرح قوله عليه السلام و الحقّ مَعَكم و فيكم الخ ، [ص 189] و ان جعل صفةً للّهِ كان ظاهراً علي الحقيقة اِلّا انّ فيه اشْعاراً انّ ولاية الوليّ من الحقّ الذي هو اعلم حيثُ يجعل وَلايته فانّه تعالي لايجعلُها عند من يقع منه باطل قطّ لا قليل و لا كثيرٌ و انّما هُوَ الحَقُّ مِنَ اللّٰهِ الحقِّ و هو قوله تعالي و هو الحقّ من ربّهم اَيْ انّ الولاية هي ظهور الولي الحق سبحانه و تعالي لخلقه بما لهم و عليهم في كل شيء و هو قوله تعالي الرحمن علي العرش استوي و محلّها الذي يسعها قلبُ محمّدٍ صلي اللّه عليه و آله كما قال تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلبُ عبدي المؤمن و قلب الولي من قلب النّبي (ص) كالضوء من الضّوء و الي هذا اشار صلي اللّه عليه و آله بقوله اُعطٖيتُ لواۤءَ الحمد و عليٌّ حامله و قلبه هو العرش الذي تجلّي عليه و اسْتَوي برَحْمٰانِيّته .

و اما علي تفسير باطن الباطن فهو سهل جدا بعد ما يعرف ذلك لان الولاية معني اضافي فلايعقل الّا في الخلق و ذلك كله في قوله تعالي و اليه يرجع الامر كله فاعبده و توكّل عليه اي فاعبد اللّه باقامة ولاية الولي عليه السلام و هي القيام بجميع ما يريد اللّه سبحانه من المكلّف و توكّل علي ولاية الولي عليه السلام بمعني الاعتماد علي وعدِ اللّه لمن قام بولاية الوليّ عليه السلام بالنجاحِ و الفلاح لانّها كما قال صلي اللّه عليه و آله حبّ علي حسنة لاتضرّ معها سيّئة و بغض علي سيّئة لاتنفع معها حسنةٌ و قال تعالي اقسم بعزّتي و جلالي انّي اُدْخِل الجنّة مَن اَحَبَّ عَلِيّاً و ان عصاني و انّي اُدخِل النار مَن ابغض عليّاً و ان اطاعني و معني الحديث الاول انّ مَن ماتَ علي حبّه دخل الجنّة لانه مات شهيداً كما قال سيدنا الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالي و لئن قتلتم في سبيل اللّه او متّم لمغفرة من اللّهِ و رحمة خير ممّا يجمعون ، و لئن متّم او قتلتم لالي اللّه تحشرون و الشّهادة [ص 190] تكفّر كلّ ما سبقها من السّيئات و معني الثاني انّ مَن احبّ علياً فقد اتي اللّه تعالي باكبر طاعاته عنده فاذا عصاه كان عاصياً فيما لايعدل تلك الطاعة فهو من ثقلت موازينه فاولٰۤئك هم المفلحون و مَن ابغض علياً فقد اتي اللّهَ تعالي باكبر معاصيه عنده فاذا اطاعه فيما سواها لم‌تعدل تلك المعصية و هو حينئذ ممن قال اللّه تعالي و من خفت موازينه فاولٰۤئك الذين خسروا انفسهم فاذا عرفتَ هذا ظهر لك معني رجوع الامر كلّه الي اللّه سبحانه فمن احبَّ علياً للّه تعالي نجي و من احبّه لغير اللّهِ و لو لعليٍّ نفسه من غير ما يرجعُهَا للّه هلك كما في محبّة الغلاة و ان جعلتَ ضمير اليه يعود الي الوليّ صحّ ذلك بشرط التقييد فانّ اللّه سبحانه حيث خلق الاشياۤء فوّض امر خلقه الي وليّه علي خلقه و حيث فوّض ذلك الي وليّه لم‌يرفع يده سبحانه عن شيء من ذلك بل هي و وليّه عليها في قبضته يتصرّف فيها كيف شاۤء و يتصرّف فيها الوليّ كيف شاۤء اللّه سبحانه لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون الٰايات ، فاللّهُ هو الوَليُّ ثُمَّ مِنْ دُونِهٖ باِذنه وليّه عليه السلام فالوليّ و وَلايته قاۤئمان بمددِ اللّهِ كقيام الصورة في المِرْءٰاةِ بالشّاخص و هَذٰا هُو سرّ قوله عليه السلام و اَمرهُ اليكم اي امرهُ الذي لايشاركهُ فيه غيره في كلّ حال اليكم اي تعملونَ فيه بامره و لو جاز استقلالهم به و لو كان قيامهم به باذن اللّه جاز استغناۤؤه عن الامرِ الحق سبحانه و هو باطل لان الخلق لايستغني عن الحق و لانّه لو كان كذلك لم‌يكن امراً لَهُ بل هو امرهم و تسقط ح فاۤئدة اليكم هذا كله و امثاله اذا اريد بالامر الولاية و لو اريد به شيء ممّا يتفرع عنها كالامر الذي هو ضدّ النهي دخل في المعني الاوّل الكلّي بالطريق الاوْلَي و كذلك كل معني حقٍّ يطلق عليه لفظ الامر فانّه من فروع الولاية و هو راجع اليهم باذن اللّهِ رجوع الصفة الي الموصوف و الفعل الي الفاعل [ص 191] بل انّهم العضد في ايجاده و اللّه سبحانه انما اقامه بهم و هذا حكم جار في كل شيء من الحقّ و امّا الامر الباطل فكلّ شيء منه ليس منهم و لا اليهم و ان كان انّما يوجد بخلاف ما هم عليه و اليه الاشارة بقوله تعالي باطنه فيه الرحمة و هو الامر الحق و ظاهره من قبله العذاب وَ هو الامر الباطل و قول الشارح (ره) او يكون المراد بالامر الفعل بان يكونوا ناۤئبين عن اللّه تبارك و تعالي في الشريعة بحسب ما تقتضيه عقولهم المقدسة الخ ، قول ليس بمستقيم علي ظاهره لان من تدبّر كلامهم وَ وُفِّقَ لفهمه عرف بعقله و بالكتاب و السّنة انّ المراد بالامر الفعل و انه ليس المراد منه الفعل الخاۤصّ بالشريعة بل بها و بساۤئر الافاعيل و انّهم ليسوا ناۤئبين عنه لان النيابة تقتضي عزله عن ملكه تعالي عن ذلك علواً كبيراً و انّما المراد بذلك انه سبحانه يفعل بهم ما شاۤء لا انّهم نوّابه في الفعل بل هو الفاعل وحده لا شريك له في فعله و انما هم محاۤلّ فعله و اعضاد خلقه لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون علي حدّ ما ذكر في حكم الاماتة فانه قال تعالي الذين تتوفّيٰهم الملاۤئكة و قال تعالي قل يتوفّيٰكم ملك الموت الذي وكل بكم فظهر ان الملاۤئكة يفعلون باذن ملك الموت و له القيوميّة عليهم في جميع افعالهم و قال تعالي اللّه يتوفّي الانفس حين موتها فحين اخبر تعالي بانّ ملك الموت موكّل دلّ ذلك عَلَي اَنَّ مَنْ دونَهُ من الملاۤئكة اعوانه و اتباعه و انّه سُبْحانَهُ هو الفاعِل لايُشرِكهُ في فعلِهٖ احَدٌ كما يشعر به قوله اللّه يتوفي الانفس اذ لم‌يقلْ يتوفَّي اللّهُ الانفسَ لانه لمّا كان ملك الموت موكّلاً من اللّه علي تَوَفِّي الانفس و اللّه هو الذي يتوفي الانفس دلّ علي نفي النيابة و تفرّده بتوفِّي الانفس اذ لو ثبت ناۤئب عنه في ذلك لم‌يكن يفْعل شيئاً لان الفاعل هو الناۤئب و الّا لم‌يكن ناۤئباً فتفسير الفعل عنه بان يكونوا ناۤئبين ليس بصحيح الّا ان يريد المجاز و هو لايقتضي الالوهيّة و قولهُ [ص 192] بحسب عقولهم فيه انّ الظاهر من مراده انّهم فوّض اليهم الامر فوضعوا الاحكام علي حسب ما تدركه عقولهم و هذا ليس بصحيح لا لأنّ عقولهم لاتبلغ مدارك الاحكام و مقتضيات موضوعاتها لان مدارك الاحكام و تلك المقتضيات انّما هي شؤن عقولهم و صفات افعالهم و احكامها بل لانّ ذلك يستلزم عزل الحقّ عن الخلق المقتضي للالوهيّة و انّما جُعِلَ اليهم ما فعلوه باذن اللّه تعالي لوجوه : الاوّل انّهم مَحاۤلّ مشيّة اللّهِ فَمٰا صَدَر عنهم فهو عن اللّه و بمشيّةِ اللّهِ قال تعالي و مارميتَ اذْ رَمَيْتَ و لكنّ اللّهَ رمَي ، الثّاني انّهم بعد ان غمسهم في انوار فيوضاته القدسيّة استولت الانوار علي ذواتهم فمحقَتْ انّيّاتهم فلم‌يصدر عنهم شيء الّا ما صَدَر عن اللّهِ لانّهم في كلّ حالٍ من احوالهم لم‌يكن لهم اعتبار من انفسهم الّا بقدر ما بقي من صافي انّيّاتهم مما يمسك وجوداتهم عن التلاشي فهم الذين لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون الليل و النّهار لايفترون كما تقدّم فليس يصدر عنهم شيء الّا بما شاۤء او بمشيّة ما شاۤء يعني في الحقيقة بما شاۤء و في الصورة بمشيّة ما شاۤء الثالث انّ اللّه سبحانه خلقهم علي هيئة ارادته و هيكل وحدته و صورة كينونته و لهذا قال عليّ عليه السلام انا الذي لايقع عليه اسم و لا صفة و قال عليه السلام ظاهري امامةٌ و باطني غيبٌ لايدرك و الهيئة و الهيكل و الصّورة المراد منها واحد و هو المعبّر عنه في لسان الشارع عليه السلام بالطّينة الّتي تجْري الاَفْعَال و تقع الاعمال علي وفق مقتضاها فاذا كانت ماهيّتهم هيئة الارادة وَ وُجُودهم نور المشيّة جرَتْ افعالهم و اقوالهم علي ما يوافق مراد اللّهِ و هو يقول سبحانه اللّه اعلمُ حَيْثُ يجعل رسالته ، الرّابع انَّ حَقَاۤئِقَهُمْ هي تراجمة مشيّة اللّه فافعالهم معنَي مشيّتِه امّا في الوجود التشريعي فظاهر و اما في الوُجُودِ التّكويني فلما تقرّر من انّ العلّة الفاعلية يتوقّف ظهور تأثيرها علي العلّة الماۤدّية و الصوريّة [ص 193] و الغاۤئيّة و قد تقدّم انّهم عليهم السلام هم العلل الثلاث لجميع الخلق بل الرابعة باعتبار توقّف الظهور عليهم اوْ انّهم بهم التمكين الذي هو علّة القابليات و هو وجه العلة الفاعليّةِ فلهذا قال علي عليه السلام في خطبته يوم الغدير و الجمعة في ذكر خلقهم عليهم السلام قال فجعلهم اَلْسُنَ اِرَادَته ففعلهم فعل اللّه اظهره عنهم و كلامهم كلام اللّهِ تكلّم بهم و هكذا ، الخامس انه سبحانه فرّغهم له عز و جل فاخلا افئدتهم و جميع مشاعرهم ممّا سواه ثُمّ ملأ ما فرّغ له من افعاله و اوامره و نواهيه فجعلهم خزاۤئن علمه و غيبه و حكمه و اقتداره و حفظهم له و سدّدهم و عصمهم عما ليس له فامرهم ففعلوا بامره و هم بامره يعملون و هو قوله لنبيّه صلي اللّٰه عليه و آله لتحكم بين الناس بما اريٰك اللّه و لاتكن للخاۤئنين خصيماً فقوله بما اراك اللّهُ يريد به بما اعطاه من الفهم في كتابه و هو و ان كان رأيه (ص) الّا انّه الرأي الذي اوحي به اليه فانّه مجمل كلّي محفوف بالعصمة و التسديد من اللّه تعالي و لهذا قال تعالي بما اراك اللّه و لم‌يقل بما تري و ان كان المقصود منه هذا لكن لمّا كان رأيه صلي اللّه عليه و آله ليس منه و لا مستنِداً الي خصوص نفسه بل هو من اللّه مستند الي نفسه باذن اللّه قال بما ارَاك اللّٰهُ و في الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الٰاية واللّهِ مافوَّض اللّهُ الي احدٍ من خلقه الّا الي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و الي الائمة عليهم السلام قال اللّه تعالي انّا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك اللّه و هي جارية في الاوصياۤء عليهم السلام و في الاحتجاج عنه عليه السلام انه قال لابي‌حنيفة و تزعم انّك صاحب رأي و كان الرأي من رسول اللّه (ص) صواباً و من دونه خطاۤءً لانّ اللّه قال فاحكم بينهم بما اراك اللّه و لم‌يقل ذلك لغيره ، اقول انّما كان رأيه صلي اللّه عليه و آله و رأي اوصياۤئه عليهم السلام صواباً لمَا قلنا من انهم اذا فعلوا انّما فعل اللّه تعالي عنهم [ص 194] او بهم و لا فعل لهم من نحو ذاتهم الّا علي نحو ما قررنا فافهم و امّا مَن ردّ الاخبار الواردة بهذا التفويض مع كثرتها و عدم قبول اكثرها للتّأويل الّا علي نحو ما قرّرنا حذراً من ان يلزم القول بالُوهيّتهم عليهم السلام فدعواه صحيحة علي ما فهم من التفويض المستلزم لعزل الحق تعالي عن ملكه و فهمه للاخبار ليس بصحيح فالذي عليه ان يقف و ينفي عنهم الربوبيّة و لايردّ الاخبار مع كثرتها و شهرتها و صراحتها بل يقول هم اعلم بما قالوا لئلّايكون من اهل هذه الٰاية بل كذّبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه مع انّ كلامَنا هذا اذا فهِمتَه فتح لك الابواب المقفلة و كشف لك عن الاسْرارِ المعضلة فافهمه راشداً .

قال عليه السلام : مَنْ وَالاكم فقَدْ وَالي اللّٰهَ و مَنْ عادَاكم فقد عادي اللّٰه و مَن احبّكم فقد احبَّ اللّٰهَ و من ابْغضَكم فقد ابْغَضَ اللّٰهَ و من اعتصم بكم فقد اعتصم باللّه .

قال الشارح (ره) مَنْ والاكم فقد والَي اللّه لأنّ اللّه تعالي امر بموالاتكم و محبّتكم و قرنكم بنفسه في آيات كثيرة اوْ انّهم لمّا اتّصفوا بصفات اللّهِ و تخلّقوا باخلاق اللّهِ صارُوا كأنّهم هو كما قال اللّه تعالي انّ الّذين يُبَايعونك انّما يبايعون اللّهَ فماظلمونا اي اولياۤءَنا و لكن انفسهم يظلمون و لقوله صلي اللّه عليه و آله من رءاني فقد رأي الحق و لقوله (ص) متواتراً حربُ عليٍّ حرب اللّهِ و لقوله صلي اللّه عليه و آله فاطمةُ بضعة مني من آذاها فقد آذاني و مَن آذاني فقد آذي اللّهَ الي غير ذلك من الٰايات و الاخبار و كذلك البواقي من العَداوة و المحبّة و الاعتصام انتهي .

اقول قوله لان اللّه تعالي امر بموالاتكم و محبّتكم و قرنكم بنفسه اما في [ص 195] امر فلأنّ مَن والاهم فقد امتثل امر اللّه و من امتثل امر اللّه فقد والاه لانّه اذا لم‌يمتثل امره فقد عاداه و امّا في قرَنَ فلانه تعالي ساوَي بينهم و بينه في تكليف خلقه بالطّاعة له و لهم كما اشار اليه الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك و من المراد من ذلك مَن والاهم فقدْ وَالي اللّه و من عاداهم فقد عادي اللّه و مَن اطاعهم فقد اطاع اللّهَ و مَنْ عصاهم فقد عصي اللّه فلا فرق بينهم و بينه في هذا و نحوه لا في الذات و لا في الصفات و لا في الافعال و لا في العبادة و لهذا قال الّا انّهم عِبَادُك و خلقك و في الكافي و التوحيد عن الصّادق عليه السلام في قوله تعالي فلمّا آسفونا انتقمنا منهم قال انّ اللّه تبارك و تعالي لايأسف كاسَفِنَا و لكنه خلق اولياۤء لنفسه يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مربوبون فجَعَلَ رضاهم رضا نفسه و سخطهم سخط نفسه و ذلك لانّه جعلهم الدعاةَ اليه و الادِلّاۤء عليه فلذلك صاروا كذلك و ليس انّ ذلك يصل الي اللّه كما يصل الي خلقه و لكن هذا معني ما قال من ذلك و قال من اهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة و دعاني اليها و قال ايضاً من يطع الرسول فقد اطاع اللّه و قال ايضاً انّ الّذين يُبايعونك انّما يبايعون اللّه ، و كل هذا و شبهه علي ما ذكرتُ لك و كذا الرضا و الغضب و غيرهما من الاشياۤء ممّا يشاكل ذلكَ و لو كان يصل الي المكوّن الاسف و الضجر و هو الذي انشأهما و احدثهما لجازَ لقاۤئلٍ ان يقول انّ المكوّن يبيدُ يَوْماً ما لانه اذا دخله الضّجر و الغضب دخله التغيير فاذا دخله التغيير لم‌تؤمن عليه الاِبادة و لو كان ذلك كذلك لم‌يعرف المكوِّن من المكوَّن و لا القادر من المقدور و لا الخالق من المخلوق تعالي اللّه عن هذا القول علوّاً كبيراً هو الخالق للاشياۤء لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه فافهم ذلك انشاۤء اللّه .

[ص 196] اقول قوله او انهم اتّصَفُوا بصفاتِ اللّهِ و تخلّقوا باخلاق اللّه صاروا كأنّهم هو الخ ، فيه شيئان احدهما انّ المراد منه هو معني قرنكم بنفسه فجعلهُ مُغاۤئراً له لا معني له الثاني قوله صاروا كأنّهم هُوَ لايصحّ لان تشبيههم به باطل ممنوع من اسْتعماله و اعتقاده حرام باطل و ذلك لانّه ان ارادَ منه انّهم عليهم السلام كأنهم ذاتُه البَحْت وقع التشبيهُ الممنوع منه وَ اِنْ اراد منه كأنهم معاني افعاله و مُثله بضمّ الميم و الثاۤء مثل قاۤئم و قاعد من زيد اَو معانيه المغايرة لذاته البحت كالعلم و الحكم و القدرة و الامر و ما اشبه ذلك فهم ذلك المراد و لا مغايرة كما هو ظاهر مراده فالاَولي ان يقول و لانّهم لمّا اتّصفوا الخ ، ليكون من قوله و قرنكم بنفسه لا قسيماً و لايقول كانهم هو بل يقول فهم هو و هم غيره كما قال الصادق عليه السلام لنا مع اللّه حالات نحن فيها هو و هو نحن و نحن نحن و هو هو و قول الحجة عليه السلام في دُعَاۤء شهر رجب لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك الخ ، فان اراد بقوله كأنهم هو هذا المعني صحّ المعني لكنه غير مستعمل عند اهل الشّرع لما يظهر من فساد ظاهره المتضمّن للتشبيه .

و امّا توهم حصول المغايَرة من قوله قرنكم و قوله لمّا اتّصفوا بصفات اللّهِ الخ ، فمردود لِانّه سبحانه انما قرنهم لجهةِ الجامعية التي هي علة الاقتران و هو اتّصافهم بصِفات اللّه فانّهم لمّا اتّصفوا بصفات اللّه كما اتّصفت الحديدة المحمية في النار فانّها لما قاربت النار ظهرت صفتها فيها حتي كانت تفعل فعلها و لا فعل للحديدة و انّما الفِعل للنّار فان تأثيرها بصفتها ظهر علي الحديدة و الحديدة حافظة للصفة و محلّ لها فاثرت بواسطة الحديدة الحافظة ظهر فعل اللّه فيهم بواسطة الصفة ففعل اللّه بفعله بواسطتهم لانّهم محالّ المشيّة وَ لا فِعْلَ لَهُمْ و انّما الفِعْلُ للّهِ تعالي بفعله و هم حافظون للفعلِ [ص 197] المؤثر كما حَفِظت الحديدة لحرارة النار التي هي فعلها و الصفة ظهرت فيهم كما ظهرت صفة النّار في الحديدة و لهذا نسَب فعلهم اليه علي الحقيقة قال تعالي و مَارَمَيْتَ اِذْ رَمَيْتَ و لٰكنَّ اللّهَ رَمَي فهذا علّةُ قَرْنِه ايّاهم بنفسه و هذا بدعوة رسولِ اللّهِ صَلّي اللّهُ عليه و آلِهٖ يَوْمَ الغديرِ و غيره في هذا العَالم و في كلِّ عالَمٍ مِنْ مَراتبِ الوُجُود فاِنّه صَلّي اللّهُ عليه و آله قال يوم الغدير الستُ اَوْلَي بكم من انفسكم قالوا بَلي يا رَسُولَ اللّهِ قال مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فعليّ مَوْليٰهُ اللهمّ وال مَنْ والاه و عَادِ مَنْ عَادَاهُ و انْصُرْ مَنْ نَصَرهُ و اخذل مَنْ خَذَلهُ و قد تواتر هذا الحديث معنيً عند جميع المسلمين اما عندنا معاشر الشيعة فهو اشهر من ان يذكر و اظهر من ان يسطر اذ لايختلف فيه اثنان بل لايجهله واحدٌ و امّا عند غيرنا من العامة فقد نقله علماۤؤهم نقلاً متواتراً و اعترفوا بتواتره و صحّته و ممن ذكر ذلك منهم محمد بن يحيي بن بهران في شرحه للقصيدة الموسومة بالقصص الحقّ في مدح خير الخلق صلي اللّه عليه و آله لشرف‌الدين يحيي بن شمس‌الدين قال في شرح قوله :