قوله عليه السلام : فالراغب عنكم مارق و اللازم لكم لاحق و المقصّر في حقكم زاهق .

قال الشارح (ره) فالراغب عنكم مع ظهور ذلك عنكم مارق عن الدين و ان لم‌يكن معتقداً لمذهب الخوارج لان من لم‌يقل بامامتهم فهو كافر كما ورد به الاخبار المتواترة عن العاۤمة و الخاۤصّة و اللازم لكم بالقول بامامتكم او مع متابعتكم لاحق بكم بل هو مسلم كما روي ان سلمٰن منا اهل البيت او لاحق بالحقّ و المقصّر في حقكم و امامتكم او رتبتكم العالية او متابعتكم او الجميع زاهق باطل انتهي .

اقول رغب المتعدّي بعن بمعني زهد و المارق هو الذي مرق من دين اللّه كما يمرق السهم من القوس اي تجاوز بغير مهلة اي من زهد فيكم و لم‌يطلبكم بفؤاده و حقيقته مارق عن دين اللّه بمجرّد عدم الرغبة بعد ما تبيّن له الحقّ و هو المعرفة بهم و هو معني قوله تعالي و من يشاقق الرسول اي يعاديه بسبب نصبه لعلي و الائمة من ولده عليهم السلام خلفاۤء من بعده و يخالفه في نصّه و يخالفهم و ينصب لهم العَداوة بان يقاتلهم او يردّ قولهم او يصغّر قدرهم او ينكر فضاۤئلهم الظاهرة او يصرف وجوه الناس عنهم او يقدّم عليهم غيرهم اوْ يُعادي محبّهم لاجلهم او يوالي عدوّهم لاجلهم اَوْ يحكم بخلاف حكمهم متعمِّداً كل ذلك عن علمٍ منه بما فعل انّه خلاف الحقّ من بعد ما تبيّن له الهدي و يتّبع غير سبيلِ المؤمنين عليهم السلام و هو سبيل اللّه و هو الحق من اللّه نولِّه ما تولّي من سلوك سبل الضلالة و الغيّ و موالاة اعداۤء اللّه و معاداة [ص 124] اولياۤء اللّه اي نخلّي بينه و بين نفسه و شيطانه المقيّض له حين عَشا عن ذكر الرحمن و نصلِهٖ جهنم و ساۤءت مصيراً فانّ هؤلاۤء من حيث انهم عالمون بالحقّ كان خروجهم منه ليس لشبهة ليتوقّفوا في الخروج و مروقهم من دين اللّه الّذي هو ولايتهم عليهم السلام كما يمرق السّهم من القوس لسرعةِ انْتِقالهم من الحقّ لانّهم من نوع الباطل و قد اشربوا في قلوبهم اتّباعه و الميل في عالم الاظلة و انكروا هناك الحقّ و اهله فَمٰاكَانُوا ليؤمِنُوا بما كذّبوا به من قبل .

و اللازم لكم الخ ، يعني انّ من لزمهم بالائتمام بهم و الرّد اليهم و الايمان بظاهرهم و باطنهم و سرهم و علانيتهم و حيّهم و ميّتهم و اولهم و آخرهم و التسليم لهم فيما يعلمون و ما لايعلمون بحيث لايجدون منهم و من كل ما صدر عنهم حرجاً كما قال سبحانه في شأن محمّد صلي اللّه عليه و آله ظاهراً و في شأن علي بن ابي‌طالب عليه السلام باطناً فلا و ربّكَ لايؤمنون اي لايكمل ايمانهم ان اريد بهذا الايمان ايمان الخصيصين و لايتمّ ايمانهم ان اريد به ايمان الخواۤصّ و لايؤمنون مطلق الايمان الخاۤصّ ان اريد به ايمان المحبّين و لايسلمون ان اريد به مطلق الايمان لغةً اي اريد به مطلق الخروج عن الكفر كما قال سبحانه يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون كبر مقتاً عند اللّه ان تقولوا ما لَاتفعلون فاِنها نزلت في شخص من المنافقين الذين اظهروا الاسلام و ابْطنوا الكفر و هو ابوالملاهي حتّي يحكّموك فيما شجر بينهم مما يختلفون فيه و اختلط عليهم امره ثم لايجدوا في انفسهم حرجاً مما قضيتَ و يسلموا تسليماً و ينقادوا بظاهرهم او بظاهرهم و عدم انكار باطنهم او بظاهرهم و بباطنهم فالتسليم شرط في الايمان الاول اذا اختلفوا في اسرار الاعتقادات و في الخطرات وَ الواردات بل قد يحصل هذا التسليم لاهلِ هذا الايمان بمجرّد حضورهم عِند الامام عليه السلام لاستنارة [ص 125] قلوبهم بمقابلته او بحديثه او بتعريفه او بارادته اَوْ بذكرِه عِنْدَ غيبته بَلْ قَد يكون ذلك لهم برؤيته في المنام اَوْ بذكرِهٖ كذلك و هذا هو الذي اشار اليه الصادق عليه السلام في قوله انكم لاتكونون صالحين حتي تعرفوا و لاتعرفون حتّي تصدّقوا و لاتصدّقون حتّي تسلّموا ابواباً اربعة لايصلح اَوَّلُها الّا بٰاخرها ضلّ اصحاب الثلاثة و تاهوا تيهاً بعيداً و خسروا خسراناً مُبيناً فجعل هذا التسليم نهاية الايمان من الابواب و روحها و به قوامُها فانّ الثٰالث الذي هو الصلاح بلا معرفة يكون خايناً و الثاني الذي هو المعرفة بلا تصديق يكون انكاراً و منكراً و الاول الذي هو التصديق بلا تسليم يكون نفاقاً و من الشواهد علي ذلك اعدادها فالاول عدده اي عدد نفاق مائتان و احد و ثلاثون و الثاني ثلاثمائة و عشرة و الثالث ستّمائة و احد و ستّون .

و في الثاني و هو ايمان الخواۤص شرطه التسليم في الاعتقادات و في الاحكام الشرعية فيما يتعلق بالمقاصد النفس و العقل و النسب و المال و الدين و تشير الي هذا حسنة الكاهلي قال قال ابوعبداللّه عليه السلام لو ان قوماً عبدوا اللّه وحده لا شريك له و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة و حجّوا البيت و صاموا شهر رمضان ثم قالوا لشيءٍ صنعه اللّه او صنعه النبي صلي اللّه عليه و آله الَا صنع خلاف الذي صنع او وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين ثم تلا هذه الٰاية ثم قال ابوعبداللّه عليه السلام فعليك بالتسليم و رواية الشحّام عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال قلتُ له ان عندنا رجلاً يقال له كليبٌ فلايجيۤئ عنكم شيء الا قال انا اسلّم فسميناه كليبَ تسليم قال فترحّم عليه ثم قال اتدرون ما التسليم فسَكتنا فقال هو واللّهِ الاخباتُ قول اللّهِ عز و جلّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات و اخبتوا الي ربّهم ه‍ ، و عن جابرٍ الجعفي عن ابي‌جعفر عليه السلام في حديث طويل فيه و لايسئل عما [ص 126] يفعل و هم يسئلون قال جابر فقلت له يا ابن رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و كيف لايسئل عما يفعل قال لانه لايفعل الّا ما كان حكمةً و صواباً و هو المتكبر الجبار و الواحد القهار فمن وجد في نفسه حَرجاً في شيء مما قضي كفر و من انكر شيئاً من افعاله جحد ه‍ .

و في الثالث و هو مطلق الايمان الخاص و هو ايمان المحبّين من هذه الفرقة و هم علي ظواهر الخواص كما ان الخواۤص علي ظاهر الخصيصين و هؤلاۤء علي ظواهر ائمتهم عليهم السلام كما قال علي عليه السلام لكميل حين قال له اولستُ صاحب سرّك قال بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح منّي ، و هؤلاۤء اذا اختلفوا شرط ايمانهم التسليم اذا كان الامام عليه السلام حاضراً او كان من الضروريات بين المسلمين لان ما فيه نوع دقّةٍ او شبهة لو كلّفوا بمحض التسليم لكانوا غير مستطيعين لذلك لان احدهم انّما يكون مسلماً اذا لم‌تنبِّهه علي ما كان يجهل فهو مسلم حين غفلته و سكوته لانّه اذا التفت تصوّر الكفر و لقد سمعت من شخص من صلحاۤئهم و نحن نعلّمهم معرفة اللّه فسبقني الي الكلام فبادرته و قلت له اسكت لاتتكلم لما فهمت من سوۤء كلامه فسبقني و قال البارحة رأيتُ ربّي و عنده جروانِ جبريل و ميكاۤئيل و يريد بالجروَين كلبَيْن صغيرين و لقد حضرتُ شخصاً من كبارهم فذكروا الحسين عليه السلام و العرش فقال ابنه الحسين افضل من العرش فقال استغفر اللّه العرش موضع الربّ و حج واحد منهم فقال لشخص و هو يطوف بالكعبة نحن نطوف بقبر ربّنا و امثال ذلك مما لايحصي لكثرته فهؤلاۤء علي ظاهر الايمان و المحبّة لاهل البيت عليهم السلام و هم في غفلتهم و سكوتهم مؤمنون بل ورد في الحديث ما معناه حين قال رجل للصادق عليه السلام كيف يقبل من هؤلاۤء مع ما هم عليه من الجهل قال عليه السلام ما معناه ان لم‌يقبل منهم [ص 127] حتي يكونوا مثلكم لايقبل منكم حتي تكونوا مثلنا مِما يدل علي انه يقبل منهم و ان اللّه تعالي يدخل محبي عليّ عليه السلام و محبي محبّيه الجنة فاذا اختلفوا لايشترط في ايمانهم التسليم الّا مع حضور الامام عليه السلام او في الضروريّات المجمع عليها بين المسلمين لان غير ذلك لاتقوم الحجة عليهم به و كثير من هؤلاۤء يرجي امرهم الي يوم القيمة و منهم المعار الايمان نعوذ باللّه فان قلتَ كيف تجعلون المستعار من الشّيعة و هو بادني شيء ينقلب قلتُ انّه لايخرج من الايمان الّا اذا انقلب و قبل ان ينقلب يجوز ان يثبت ايمانه اذا جرَتْ له العناية بخاتمة الخير فهو من المؤمنين و في الكافي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال انّ اللّهَ جَبلَ النّبيّين علي نبوّتهم فلايرتدّون ابداً و جبل الاوصياۤء علي وصاياهم فلايرتدون ابداً و جبلَ بعض المؤمنين علي الايمان فلايرتدّون ابداً و منهم مَن اُعِير الايمان عارية فاذا هو دعا و الحّ في الدعاۤء مات علي الايمان فقوله و جبل بعض المؤمنين و قوله منهم صريح في انَ مِنَ المعارين من المؤمنين مَنْ هُو اِذا لم‌يرتد و الحّ في الدعاۤء مات علي الايمان بل هو اصرح في المدّعا لانهم اذا جاز دخولهم في المؤمنين حال كونهم معارين ما لم‌يصدر عنهم ما يسلبه منهم ففي لحاظ ثبوته بالالحاح في الدعاۤء جاز بطريق اولي .

و في الرابع و هو مطلق الايمان لغةً يعني مطلق الخروج عن الكفر و هو ايمان المنافقين و شرطه التسليم في الحكم عليهم من الامام عليه السلام فانهم اذا سلّموا بظاهر اقوالهم و اعمالهم حصل لهم هذا الايمان و هو الاسلام المغاير للايمان و ان سلموا بظاهرهم و باطِنهِمْ كانوا من اهل الثالث و في الكافي عن ابي‌جعفرٍ عليه السلام قال لقد خاطب اللّه اميرالمؤمنين عليه السلام في كتابه قال قلتُ في اي موضع قال في قوله و لو انهم و تلا الي [ص 128] قوله حتّي يحكّموك فيما شجر بينهم فيما تعاقدوا عليه لئن امات اللّه محمّداً صلي اللّه عليه و آله لايردّوا هذا الامر في بني‌هاشم ثم لايَجِدُوا في انفسهم حرجاً ممّا قضيت عليهم من القتل او العفو و يسلموا تسليماً و بالجملة فاللازم لهم بالتسليم لهم علي اختلاف مراتبه لاختلاف مراتبهم و بالاخذ بقولهم و الردّ اليهم و المحبّة لهم ظاهراً و باطناً و سلوك رضاهم بالجنان و الاركان و اللسان لاحق بهم و معهم حيثما كانوا الّا انهم في اللحوق بهم و الكون معهم و المجاورَةِ لهم في مراتبهم عندهم عليهم السلام علي حسب مراتبهم في الايمان بهم و الاخلاص لهم و فيهم و لكلٍّ درجات ممّا عملوا و ليوفّيَهُمْ اعمالهم و هم لايظلمون و هو قوله تعالي فاولۤئك مع النبيين و الصّدّيقين و الشهداۤء و الصالحين و حسن اولٰۤئك رفيقاً فاللزوم لهم مختلف علي مراتب لاتكاد تحصي و اللحوق بهم علي حسب اللزوم و شرط اللزوم للشيء ان يكون اللازم مع الملزوم سواۤء كان لزوم مساوقةٍ كلزوم بعضهم لبعض او متابعةٍ و نسبةٍ و اضافة و لحوق و اختصاص و ما اشبه ذلك كساۤئر شيعتهم ممّا سواهم من دون الدُّرَّةِ الي الذّرّة فان تقدّم عليهم فهو زاهق و ان تقدّم بهم فهو مارق فالمفرط فيهم حتّي يتجاوز بهم الي مقام الازل بان لايجعل لهم ربّاً يؤبُون اليه زاهق اي هالك و هو قوله عليه السلام هلكَ فيَّ اثنان محبٌّ غال و مبغض قال و هو المُقَصِّر في حقّهم بان يعدل بهم غيرهم من سَاۤئر الخلق او يتقدّم عليهم في قول او فعلٍ و هو هالك و هو المقصّر في حقهم فان حقّهم علي جميع الخلق ان يرفعوا مقامهم عن جميع الخلاۤئق و يضعوا مقامهم عن مقام الخالق جل و علا فمن ازالهم عن مقامهم الذي اقامهم اللّه فيه بوضعٍ او برفعٍ فهو هالك و الي هذا المقام اشار علي عليه السلام بقوله نحنُ صناۤئع اللّه و الخلق بعدُ صناۤئع لنا ، اي نحن الذين اصطنعنا [ص 129] اللّه سبحانه لنفسه و اختصّنا و جعلنا مَحاۤلّ مشيّته و خزنة علمه و حفظة حكمه و الخلق بعد اَنْ خلقَنا سبحانه لذلك و لندعو اليه بالحق خلقهم سبحانه لنا اي ان الخلق صنعهم اللّه لنا و جعلنا اوليَاۤءَهُ فيهم و هذا في بيان مقامهم و ابانتِه من مقام الخالق بالوضع لانهم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و من مقام الخلاۤئق بالرفع لانّ اللّه خلق الخلق لهم فكيف يعدل بهم غيرهم من الخلق الذين انّما خُلِقوا كرامة لهم و هذا هو المقصّر في حقهم و هو زاهق اي هالك و دينه بذلك باطل زاهق اي زاۤئل و باطل و جاۤء فيهم تأويل قوله تعالي اخباراً عن حالهم يوم القيمة فكُبكِبُوا فيها هم و الغاون يعني الذين اغووهم حتّي صدّوهم عن علي و اهل بيته عليهم السلام و جنود ابليس اجمعون يعني جنوده شياطين الانس و الجنّ شياطين الانس اهل النفاق و شياطين الجن اهل المنكر لانهم ذريّة ابليس قالوا و هم فيها يختصمون اي يلعن بعضهم بعضاً و يقول الاتباع لائمتهم تاللّه ان كنا لفي ضلالٍ مبين في دار الدنيا حيث اتانا الداعي من اللّه النذير المحذّر من عذاب اللّه فدلنا علي سبيل اللّه الذي في سلوكه النجاة فتركناه و اتّبعناكم عالمين بان اتّباعكم لاينجي من عذاب اللّه تاللّهِ ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسوّيكم بربّ العالمين اي انّ النذير اوضح لَنَا انّ طاعة ولي اللّهِ هي طاعة اللّه فمن اطاعه فقد اطاع اللّه و من عصاه فقد عصي اللّه و خالفناه و اطعناكم و هو قد اخبرنا انّ طاعتكم معصية اللّه و معصيتكم طاعة اللّه تعالي فسوّيناكم باللّهِ حين اطعناكم في معصية وليّ اللّه و خذلانه و هو الذي طاعته طاعة اللّه و معصيته معصية اللّه و وليه ولي اللّه و عدوّه عدوّ اللّه و هؤلاۤء يهود هذه الامة و نصاراها و من الدليل علي ذلك قوله صلي اللّه عليه و آله المجمع عليه بين العامة و الخاصة لتركبن سنَن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذّة بالقُذّة [ص 130] حتي لو سلكوا جُحر ضبٍّ لسلكتموه فقد كان من الامم الماضية يهود و كان بعدهم نصاري و بيانه في الكافي عن الباقر عليه السلام يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء فاتّبعوهم علي شركهم و هم قوم محمد صلي اللّه عليه و آله ليس فيهم من اليهود و النصاري احد و تصديق ذلك قول اللّه عز و جل كذّبت قبلهم قوم نوح ، كذّب اصحاب الايكة ، كذّبت قوم لوط ليس هم اليهود الذين قالوا عزير بن اللّه و لا النّصارَي الذين قالوا المسيح ابن اللّه سيدخل اللّه اليهود و النّصاري النار و يدخل كل قوم باعمالهم و قولهم و مااضلّنا الا المجرمون اذ دعونا الي سبيلهم ذلك قول الله عزّ و جل فيهم حين جمعهم الي النار قالت اخريهم لاوليهم ربّنا هؤلاۤء اضلّونا فٰاتهم عذاباً ضعفاً من النار و قوله كلّما دخلت امة لعنَتْ اختها حتي اذا ادّارَكوا فيها جميعاً تبرّأ بعضهم من بعض و لعن بعضهم بعضاً يريد بعضهم ان يحج بعضاً رجاۤء الفلج فيفلتوا لعظم ما نزل بهم و ليس باوان بلوي و لا اختِبار و لا قبول معذرة و لا حين نجاة .

قال عليه السلام : و الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و انتم اهله و معدنه .

قال الشارح (ره) كما قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله الحق مع علي و هو مع الحق اينما دار و قال (ص) اللهم ادر الحقّ معه حيثما دار كما رواه العامة في صحاحهم و من طرق الخاۤصّة متواتراً عن النبي (ص) و الائمة عليهم السلام عنه صلي اللّه عليه و آله انه قال الحق مع الائمة الاثني‌عشر و فيكم اي في متابعتِكم و منكم كما رُوي متواتراً انَّ كلّ حقّ بايدي الناس فهو منّا و كل باطلٍ فهو منهم و ذكر جماعة من العلماۤء انتساب جميع العلماۤء الي اميرالمؤمنين عليه السلام حتي الخوارج و مرادهم انّ كلّ حق [ص 131] يوجد في كلامهم فهو منه عليه السلام و اليكم اي ان ذكر الحق غيرهم فهو يرجع اليهم اوْ انِ استنبطوا شيئاً من الحقّ فهو يرجع الي استنباطهم مثله حتي اهتدوا الي استنباطه و يظهر ذلك كلّه من تَتبّعِ آثارهم فانّ الكلمات الحقّة التي تذكرها الصوفيّة في كتبهم فالكلّ منهم امّا تقيّةً من شيعتهم و امّا سرقة من مخالفيهم كما يظهر من كلمات الحسن البصري و غيره فان جميعها منقولة من اميرالمؤمنين عليه السلام و انتم اهله لان جميع علوم الانبياۤء الي نبيّنا صلي اللّه عليه و آله و منه (ص) اليهم مع امامتهم و عصمتهم و معدنه كما ذكر انتهي .

اقول في القاموس الحق من اسماۤئه تعالي او من صفاته او ضد الباطل و الامر المقضي و العدل و الاسلام و المال و الملك و الواجب و الموجود الثابت و الصدق و الموت و الحزم و واحد الحقوق انتهي .

فعلي الاوّل في المسمي انّ اللّه معهم بالاصطناع و الاختيار و الرحمة و العناية و اللطف و غير ذلك من جهات الفضل لا مطلق المعيّة فان ذلك لايختصّ بهم بل اللّه سبحانه مع كل شيءٍ و انما المراد بهذا المع انّهم لمّا جاهدوا في اللّه في جميع ما اراد منهم مجاهدة لايقوم بها احدٌ من الخلق غيرهم شكر اللّه مجاهدتهم و هداهم سبيل رضاه اي رضاهم عنه و رضاه عنهم فلايغفلون عنه طرفة عين لانهم هم الذين عنده في قوله تعالي و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون الليل و النهار لايفترون كما تقدّم عن الصادق عليه السلام انهم هم من عنده و حيث كانوا كذلك كان معهم في كل حالٍ حيث يحبّ و يرضي و شهد لهم بانهم محسنون فقال و ان اللّه لمع المحسنين فهذا المع لا نهاية له و لا غاية لانه ظاهر ربوبيّةٍ لاتُثَنَّي و عبوديّة بها لاتُمنَي و ذلك كالقاۤئم فان ربوبيّته لاتثنّي بالقيام بل توحّد باحداثه و القيام لايقدّر بالقاۤئم و انما يقدّر بنفسه لا غيره و هو غير مقدّر في الامكان [ص 132] يعني انه غير مقدّر الّا بانّه غير مقدّر و هذا هو المع الخاص العام بخلاف المع العام الخاصّ فانه ظاهر رُبوبيّة مقدّرة التعلّق و عبوديّة مقدرة التحقّق و الي الاول اشار الصادق عليه السلام بقوله لنا مع اللّه حالات نحن فيها هو و هُوَ نحن الّا انّه هو هو و نحن نحن و بالاستثناۤء الي بعض الثاني و هو حالهم الثاني و امّا فيكم فلايصح علي المعني الاوّل الّا علي تأويل مشيّة اللّه فيهم لانهم محاۤل مشيّته و علمه و حكمه و اوامره و نواهيه و امثال ذلك بمعني عندهم و فيهم علي حدّ معني قوله تعالي في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن اي وسع امري و نهيي و احكامي علي خلقي و ظهوري علي عرشي برحمانيّتي و اما منكم و اليكم فيمكن تصحيحه كالذي قبله علي معني ان اللّهَ منكم اي من نوركم بدأ خلقه و اليكم ايابهم او من انواركم قدّر الاعمال الصالحات و اليكم تعود و من ظاهركم و خلافكم و خلفِكم قدر الاعمال الطالحات و الي جهات ظهورها من خلفكم و خلافكم و ما اشبه ذلك مما يصح ان ينسب اليه و اما و انتم اهله فلا بأس به فانهم اهل اللّه علي المعني المجازي لانّهم عليهم السلام مجاز الحقّ الي الخلق و مجاز الخلق الي الحق و امّا معدنه فلايجوز و ان صحّ تأويله يعني معدن علمه و حكمه و ما اشبه ذلك لان اطلاق ذلك عليه ظاهراً ممنوع منه فلايجوز التأويل الصحيح فيه هذا اذا اريد به الواجب الوجود سبحانه و امّا اذا اريد به الاسم الحق المخلوق فيصح المعني في الستة الوجوه فانّ ذلك الاسم الحق المخلوق الذي هو ذو الجلال و الاكرام معهم لايفارقهم و لايفارقونه لانهم امر اللّه اماتسمع قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون و لانهم شرط ظهوره كما انه شرط تحققهم مبني احدهما علي صاحبه و هو ايضاً فيهم لانهم محاۤلّه [ص 133] و القوّام باحكامه و منهم تظهر آثاره في متعلّقاتها و اليهم يرجع بٰاثاره و هم اهله لانّهم ظاهره في جميع الاشياۤء و معدنه لانّهم قابليات ظهوره و هم زيت مصباح نوره و هذا الاسم هو الصّفة و الفرق بينهما اذا نسبا اليه تعالي انما هو بالاعتبار لانه ان لوحظ فيه معني الاسميّة و هو جهة القصد و التعيين فهو اسم و ان لوحِظ فيه معني الفعليّة و هو جهة الكيف و الاحداث فهم ( فهو ظ ) صفةٌ و هذا الاسم اسم للظاهر بكلّ شيء و هذه الصفة صفة للاظهار لكلّ شيء و لايقصد منهما ما يقع علي الذّات و انّما يعيّن جهة الذات الي الخلق و تلك الجهة نفس ذلك الاسم لا غير لان الذات البحت غيب مستور عن غير ذاته البحت و ليس هناك اسم و مسمي و انّما هو الهٌ واحِدٌ و لا كلام لاحد من خلقه فيه بصوابٍ بل مَن تكلم فيه فانما يقول بالباطل و ذلك لانه المجهول المطلق لايعرفه احد الّا من حيث يجهله و اذا قيل اسمه فليس الّا فعله المخلوق بنفسه و ليس له صفة لذاته غير نفس ذاته بلا اعتبار تعدّد و لا كثرة و لا مغايرة بكل فرضٍ و اعتبارٍ فانّ التعدّد و الكثرة و المغايرة و الفرض و الاعتبار و الامكان و الحيث و اللِّمّ و الاين و المتي و الوقوع و ما اشبه ذلك خلقه محدثة بفعله و لايجري عليه ما هو اجراه و ما بيّنَهُ بالحدود لايبيّنُهُ تعالي اللّه سبحان ربّك ربّ العزة عما يصفون و اذا قيل صفته فليس الّا فعله لان الفعل صفة نفسه و الّا صفة فعله من الوحدة و السرعة و ما امرنا الّا واحدة كلمح بالبصر و انقياد كل شيء لفعله ما شاۤء اللّه كان و ما لم‌يشأ لم‌يكن و ما اشبه ذلك و علي اعتبار هذا الاسم و هذه الصفة يصح المعني في الاحوال الستة بمعني انّ الاسم الذي هو الحق المخلوق و صفته ايضاً معهم و فيهم و منهم و اليهم و هم اهله و معدنُه فمعهم كونه و فيهم وقوعه و منهم بدؤ آثاره و تعلّقاته و اليهم مَرَدّ آثارِهٖ و احكامها و هم علي هذا اهله لانهم [ص 134] محلّه و علّة ظهوره و عضد تعلّقاته و متعلقاته و هم معدنه اي معدن ظهوره او مدد ظهوره .

و علي الثاني و هو ان المراد بالحق ضدّ الباطل انّ الولاية في قوله تعالي هنالك الولايةُ للّهِ الحقّ علي قراۤءة رفع الحق هي ولايتهم و هي الحق من ربهم كما قال تعالي و آمنوا بما نزّل علي محمد و هو الحقّ من ربّهم كفّر عنهم سيّئاتهم و اصلح بالهم ذلك بان الّذين كفروا اتّبعوا الباطل و انّ الَّذين آمنوا اتّبعوا الحق من ربّهم كذلك يضرب اللّه للنّاس امثالهم فالحق المنزّل علي محمّد صلي اللّه عليه و آله هو ولاية علي عليه السلام علي الباطن و علي باطن التأويل الحقّ عليّ عليه السلام او مع لحاظ ظاهر الظاهر المنزّل علي محمّد صلي اللّه عليه و آله و هو الٰاية الكبري آية نبوته او آية توحيد اللّه الكبري كما قال تعالي لقد رأي من آيات ربه الكبري علي انّ الكبري مفعول رأي لا صفة آيات قال علي عليه السلام ليس للّهِ آية اكبر منّي و لا نبأ اعظم مني و قوله (ع) هذا يتوجّه علي احد معنيين امّا ان يراد ليس للّه آية علي نبوة محمّد صلي اللّه عليه و آله و اختياره من ساۤئر خلقه اكبر مني او ليس للّه آية علي توحيده و وجوده بعد محمد صلي اللّه عليه و آله اكبر مني لان محمداً صلي اللّه عليه و آله آية اكبر منه و علي الوجهين و هما باطن التأويل او مع لحاظ ظاهر الظاهر في قوله تعالي و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و آمنوا بما نزل علي محمد و هو الحقّ من ربّهم روي القمي انها نزلت في ابي‌ذر و سلمٰن و عمّار و المقداد لم‌ينقضوا العهد قال و آمنوا بما نزّل علي محمّد اي ثبتوا علي الولاية التي انزلها اللّه و هو الحق يعني اميرالمؤمنين عليه السلام فعلي الوجه الاوّل يكون الباطل ولاية من تقدّم عليه و علي الثاني يكون الباطل من تقدّم عليه و يجوز ان يراد بالحق الذي هو ضد الباطل [ص 135] ما هو اعم من الوجهين و هو قوله صلي اللّه عليه و آله علي مع الحق و الحق مع عليّ يدور معه حيثما دار فاذا قلنا الحق معهم يكون المعني ان الولاية معهم او انّ عليّاً عليه السلام مع اهل بيته و مع نفسه الطاهرة و اهل بيته معه لايفارقهم و لايفارقونه و علي العموم كما هو ظاهر الكلام كذلك كما تقدّم من رواية الشارح (ره) ان كلّ حق بايدي الناس فهو منا و كل باطل فهو منهم فهذا الحق علي المعاني الثلاثة معهم و فيهم يكون علي المعني الاوّل فيهم اي عندهم و ان قلنا الولاية هي النور كان الكلام علي ظاهره و علي المعني الثاني انه عليه السلام واحد منهم او ملازم لهم و ملازمون له علي هَدْيٍ واحدٍ و علي المعني الثالث ظاهر و منهم علي المعني الاول انّ الولاية منهم انّ آثارها و احكامها و ما يترتّب عليها في الحقيقة صفتهم لانّ الولاية التي عندهم من ولاية اللّه و هو قوله تعالي و هو الحق من ربّهم اي انّ ولايتهم هي الحق منَ اللّه يعني من ولاية اللّه تعالي لان اللّه سبحانه هو الولي و لم‌يكن له ولي من الذلّ فاختار له اولياۤء من العزّ و التكرم و اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار فجعلهم حملة لواۤء ولايته و اقامَهم في ساۤئر عالمه فالولاية الحق ذات اللّه تعالي و مظهر هذه الولاية يعني فعلها و محلّ فعلها و اثر فعلها ذواتهم عليهم السلام و هو قول عليّ عليه السلام ظاهري ولاية و باطني غيب لايدرك اي و باطني ولي و ما ظهروا به من الولاية من الحق تعالي علي الخلق هو صفتهم و شأنهم و فعلهم و قولهم و عملهم و هي اثر ربُوبيّة العالم اذمربوب و هي الامانة التي عرضت علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها الٰاية ، علي بعض الوجوه فيها فما ظهروا به من الولاية منهم و اليهم مصير امورها و هم اهله و معدنه و هو ظاهر و علي المعني الثاني انهم نور واحد و طينتهم واحدة فكلّ من كُلٍّ و فيهم و مِنهم و اليهم و هم [ص 136] اهله و معدنه كما تقدّم علي التأويلات المذكورة و علي المعني الثالث اظهر .

و علي الثالث و هو اذا اريد بالحق الامر المقضي و هو الاكوان الوجوديّة المقضيّة في كل مرتبةٍ من مراتب الفعل من الكون و العين و القدر و القضاۤء و الاذن و الاجل و الكتاب سواۤء تحقّق شيء منها في مرتبة او اكثر و الاكوان التشريعيّة المقضيّة في كل مقام من مقام التكليفِ الالهي كذلك سواۤء كان مطابقاً للواقعي الوجودي الشرعي المتحدّ ام الواقعي التكليفي المتعدّد و سواۤء كانت الاكوان الاولي فيها ام في شرعها و الثانية فيها ام في وجودها كل ذلك معهم اي عندهم او مصاحب لهم قاۤئم بهم كقيام النور بالمنير و فيهم و هم محلّه و عيبة ملكوته و خزنة سرّه و منهم بدا او بُدِئَ لانّهم علته و اصله لانه صفتهم و نورهم و فرعهم و اليهم مردّه او ينتهي امده او هم غايته لانّهم علّته الغاۤئيّة و هم اهله الذين لهم خُلِق و شُرِع او بهم خلق و شرع او فيهم كذلك او اليهم ينتهي او هم اسّسوه او قاموا به او اظهروه او نشروه او قرّروه او ثبّتوه بالحجج او حفظوه و هم معدنه اي اصله الذي بُنِيَ عليه او منه استخرج او به تقوَّم او علّته الفاعلية باذن اللّه او الماۤدّية او الصورية او الغاۤئيّة .

و علي الرابع وَ هُوَ العَدْل انّه معهم اي انّه صفتهم و ظاهرهم وَ ظَاهِرُه مِنْ قبله العذاب او شمالهم و كلتا يديه يمين او مصاحبهم لايفارقهم وَ لٰايفارِقونه او سيرتهم و طريقتهم و ممّن خلقنا امّة يهدون بالحقِّ و به يعدلون او هم خزّانه القوّام به او حملة مباديه و اسبابه و منشأ احكامه و فيهم انهم مطارح اسباب احكامه من اللّه تعالي و مظاهر اسباب مقبولاته و اواۤئلها و جعل قابليّاتها او عندهم اوْ بهم او عنهم كذلك و منهم بدا لانهم مظاهر علله او بُدئ لانّه صفتهم اَوْ اُبْدِئ لانه فعلهم او انهم خزنته او حملته او القوّام به و اليهم تنتهي [ص 137] ثمرته او لهم اُقيمَ و لاَجْلِهمْ شُرِعَ و هم اهله الّذين شيّدوا اركانه و عَلَّوْا بُنْيانه في سبيلَي اللّه التكويني و التشريعي و هم معدنه اي ليس عندهم ظلم و لا فسق فهم معدن العدل و الصلاح .

و علي الخامس و هو الاسلام و للاسلام اطلاقات يطلق علي الاقرار بالشهادتين و هو مغاير للايمان اذا كان الاقرار باللسان خاۤصّة علي ما هو المعروف قال تعالي قالَت الاعراب آمنا قل لم‌تؤمنوا و لكن قولوا اسلمنا و لمّايدخل الايمان في قلوبكم و لو وافقه الاعتقاد بالشهادتين صدق عليه الايمان لهذا الاعتقاد و لو كان مع عدم اعتقادهما بمعني عدم نفيهما و اثباتِهٖ صدق عليه الاسلام و هل يصدق عليه الايمان لاجل الصورة احتمل العدم لظاهر الٰاية المذكورة و احتمل الجواز لانه مع اعتقاد عدمهما سمي في القرءان فاعل ذلك مؤمناً و هو اسوء حالاً ممن لم‌يعتقد العدم كما قال يا ايها الّذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون كبر مقتاً عند اللّه ان تقولوا ما لاتفعلون فانها نزلت في منافقين اظهروا الشهادتين فسمّاهم اللّه مؤمنين بذلك مع انّه قد ورد فيهم انهم مااٰمنوا بالله طرفة عين و في تفسير القمّي مخاطبة لاصحاب رسول اللّهِ صلي اللّه عليه و آله الذين وعدوه ان ينصروه و لايخالفوا امره و لاينقضوا عهده في اميرالمؤمنين عليه السلام فعلم اللّه انهم لايفون بما يقولون و قد سمّاهم اللّه المؤمنين باقرارهم و ان لم‌يصدِّقوا انتهي ، و الاحتمال الثاني اقوي عندي و الاخبار ظاهرها ان الاسلام مغاير للايمان و تدلّ ايضاً علي اتّحادهما في مادّة و افتراقهما في اخري امّا الافتراق فظاهر و امّا الاتحاد ففي قوله تعالي ان الدّين عند اللّهِ الاسلام و هو الايمان او الكامل منه و في الكافي قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام لانسبنّ الاسلام نسبةً لم‌ينسبه احد قبلي و لاينسبه ( ينسبها في الموضعين خ ) احد بعدي الّا بمثل ذلك انّ الاسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين و اليقين [ص 138] هو التصديق و التصديق هو الاقرار و الاقرار هو العمل و العمل هو الاداۤء انّ المؤمن ( مَن خ ) لم‌يأخذ دينه عن رأيه و لكن اتاه من ربّه فاخذه انّ المؤمن يُرَي يقينه في عمله و الكافر يُرَي انكارُه في عمله فو الذي نفسي بيده ماعرفوا امرهم فاعتبِروا انكار الكافرين و المنافقين باعمالهم الخبيثة ه‍ ، فالايمان الكامل هو الاسلام الكامل الحقيقي و اوّل ما يخرج الكافر من دار الكفر يدخل دار الاسلام و بين هذه المرتبة و المرتبة الكاملة منه مراتب متعددة يجتمعان في بعضها في الجملة و يفترقان في بعضٍ علي ما هو المعروف و اذا اطلق الحقّ علي الاسلام فيراد به الخالصُ سواۤء كان كل احوال الشخص ام بعضها كما لو اعتقد و عرف و اقرّ و عمل ام كان منه بعضها من اَبْعٰاضها و كلّ خالصٍ منه معهم عليهم السلام سواۤء كان تمام الاعتقاد الحق و المعرفة و الاقرار و العمل الحقّة او بعضها او ابعاضها او بعض بعضها علي نحو المعيّات السابقة و سواۤء كان ذلك كله اصل الاصول كالذي هم قاۤئمون به و يراد منهم ام فروعه كما قامت به الانبياۤء و المرسلون و الملاۤئكة المقربون و الصديقون و فروع فروعه كما يكون من الخصيصين و الخواۤصّ من المؤمنين ام من تبعية ذلك كما كان من ساۤئر المؤمنين ام من تبعيّة الاتباع و هكذا كما يكون من الحقِّ من ساۤئر الخلق الي الجمادات المجيبةِ و كون الاسلام الذي هو الحق انه صفتهم و لازمهم او احدهما لازم الٰاخر الحق مع علي و علي مع الحق يدور معه حيثما دارَ و فرعهم لكونهم علة او موصوفين به او انه فعلهم اوْ اثر فعلهم او انّ احدهما مبنيّ علي صاحبه و فيهم علي نحو ما تقدّم من نظاۤئر هذه الظرفية او بمعني انحصاره فيهم و دخول اتباعهم معهم فيه بالتبعيّة حال الاتّباع و روي القمّي عن الصادق عليه السلام ان الصراط ادقّ من الشعر و احدّ من السيف فمنهم من يمرّ عليه مثل البرق و منهم من يمرّ عليه مثل عدو الفرس [ص 139] و منهم من يمرّ عليه ماشياً و منهم من يمرّ عليه حبْواً و منهم من يمرّ عليه متعلقاً فتأخذ النار منه شيئاً فتترك شيئاً ه‍ ، و هذا الاخير هو من يدخل معهم عليهم السلام في هذا الحق في حال الاتّباع دون حال المعصية فانّ المعصية هي متاع النّار و ما تتعلق به من الشخص و تصدر عنه هو البعض الذي تأخذه و هو حكمه تعالي في قدره قال تعالي معاذ اللّه ان نأخذ الّا من وجدنا متاعنا عنده ، و منهم بدؤه لانّ اوّل التّسليم علي نحو ما تقدّم في حديث اميرالمؤمنين عليه السلام ما صدر عنهم قبل خلق جميع الخلق حين كوّنهم قبل الخلق و التكوين و قبل مواقع صفات تمكين التكوين تكوَّنوا بتمكينِهٖ مسلمين بتَسْلٖيمهم له سبحانه و المعني انّه جل و عزّ خلقهم بكينونته فهم غير مكوّنين كتكوين مَن سواهم لانّ تكوين مَن سواهم لايكون الّا بعد وقوع رؤس المشِيّة علي تقديراتِ الهيئات لتمكينات تكوينات الاشيٰاۤء فالتقديرات هي مواقع نجوم المشيّة و بهذه المواقع تتمكن تلك النجوم من التكوينات و هذه هي سُبُل العلّةِ الفاعليّة و سبل العلة القابليّة علي طبق كل رتبة من سبل العلة الفاعلية ففي التقدير تَقَدُّرٌ و في الهيئة تهيُّأ و في التمكين تمكّن و في التكوين تكوّن و لمّا كان التقدير انّما يكون في تعدّد جهات الاجزاۤء و الهيئة تكون عند تغاير الصفات و التمكين يكون في ربط المختلفات و التكوين يكون في احداث المسبوق المماثل و المركب و لو بجهتين كالوجود و الماهية مثلاً كان جميع الخلاۤئق ممّن سواهم داخلين في هذه القيود فيشملهم الوجود المقيّد و هم عليهم السلام في اصل حقيقتهم قد سبقوا تعدّد جهات الاجزاۤء اذ لا تركيب في تلك الحقيقة الّا بالاعتبار فهي قبل التقدير و لا صفات لها متغايرة لعدم التركيب فهي قبل التغاير و قبل الاختلاف و قبل المسبوقية المتماثلة فلايصدق عليهم التكوين المعروف و يصدق عليهم [ص 140] انهم كانوا بكينونته قبل التكوين و ان كانوا حادثين اقامهم بمشيّته و فتقهم و رتقهم بيده و هذا قول الصادق (ع) في استشهاده علي هذا المعني بقول اميرالمؤمنين عليه السلام الحمد للّه مدهّر الدهور و قاضي الامور و مالكِ نواصي حكم المقادير الذي كنّا بكينونيّته قبل الخلق و التمكين و قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكوّنين موجودين ازليّين منه بدأنا و اليه نعود لان الدهر فينا قسمت حدوده و لنا اُخِذت عهوده و الينا برزت شهوده الخطبة .

فقوله عليه السلام غير مكوّنين يعني به غير مكوّنين بالتكوين المقيّد ذي الحدود و الاجزاۤء و الكثرة بل مكونين بالتكوين المطلق و هو خلق النفس الواحدة في باطن قوله تعالي ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفسٍ واحدة ، و قوله ازليّين يعني به الازل الاضافي فانه يصدق علي كل سابق كالقدم كما تقدم و اذا قيل ازل الٰازال اختصّ بالواجب الحق جل و علا ثم اَبان حدوثهم و فقرهم اليه تعالي بقوله منه بدأنا اي بفعله اخترع وجودنا لَا من شيء و اليه نعود اي نستند اليه في كل حالٍ من احوالنا و الحاصل منهم الاسلام لانه التسليم و اول تسليم خلقه اللّه هو تسليمهم له و رضاهم بكل ما يرد عليهم منه تعالي خلقه عنهم بل بهم اذ هو قابليّتهم الطاهرة الزاهرة و هي الزيت الذي يكاد يضيء و يسلّم الي اللّه تعالي في كل شيء و لو لم‌تمسسه نار اي يكاد يسلّم قبل ان يخلق و هذا مرادنا من قولنا تكوّنوا بتمكينه مسلمين بتسليمهم له اوْ انّه صفتهم او فعلهم او اثرهم او انه في كلّ احكامه في الدنيا و الٰاخرة عبارة عن التسليم لهم او الثناۤء عليهم او الثناۤء علي اللّه تعالي بهم او بفعلهم او بكلِّ ما لهم او عنهم و هو قوله و اليهم و هم اهله اي القوّام به او المستحقّون له او لاَنّه لهم شُرِع او لانه اثرهم او صفتهم او طاعتهم او الطّاعة لهم او طريقهم و ما اشبه ذلك و معدنه لانه فرعهم و هم [ص 141] اصله او بيّنات جدهم صلي اللّه عليه و آله و هو زبره او كما مر من صفة غيره .

و علي السَّادسِ و السَّابع يكون المعني انّ المالَ و الملك معهم لانهم يد اللّه في قوله تعالي قُلْ مَنْ بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ اَوْ اَنّهُمٰا خُلِقٰا لهُمْ و ان كان غيرهم قد شاركهم في شيء فان كان الغير من اعداۤئهم فهو غاصب معتدٍ يدخل في قوله تعالي و سيعلم الذين ظلموا اي منقلبٍ ينقلبون اي ظلموا آل‌محمد حقَّهم و روي لوْ اَنَّ غير وليّ عليّ عليه السلام اتي الفُرات و قد اشرفَ ماۤؤه علي جنبيه و يزُخُّ زخٖيخاً فتناوَل بكفّهٖ و قال بسم اللّه فلمّا فرغ قال الحمدُ لِلّهِ كان دماً مسفوحاً و لحم خنزيرٍ ه‍ ، و ان كان من مواليهم فلهم ان يتناولوا منهما ما شاؤا بشرط موالاةِ المالكينَ لهما و متابعتهم في احوالهم فحينئذٍ يلحقون بهم عليهم السلام في التملّك التّبَعي و ان كانوا في الحقيقة انّما خُلِقوا و خُلِقَا لهم صلّي اللّه عليهم و قد صرّح سبحانه في كتابه بالاشتراط و كنّي عن الشرط بالتقوي و الايمان و العمل ثم بالتقوي و الايمان ثم بالتقوي و الاحسان قال تعالي ليس علي الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتّقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتّقوا و آمنوا ثم اتّقوا و احسنوا و اللّه يحبّ المحسنين و قد اشرنا فيما تقدّم الي بيان التقوي و الايمان و الاحسان اوْ انهم عليهم السلام في مقام الابواب هم المانون فيهما باذن اللّه و هم بامره يعملون اوْ انهم الذادة القادة فيهما بتسبيب الاسباب وَ الموانع ذلك تقدير العزيز العَليم و فيهم علي معني معهم و منهم لانّهم هم حقائق النعم و اصول الكرم او علي معني القادة الذادة و اليهم بمعني العلة الغاۤئيّة لانه سبحانه خلق الخلق لهم و خلق المال و الملك وَ ما يتعلّق بهما لهم و لتتمّ حاجات الخلق فاذا تم نظامهم انتفعوا بهم فيما يريدون من اقامةِ دين اللّهِ و اعلاۤء [ص 142] كلمته و قد لوّح سبحانه لمن اغترف من بحر تعريفهم الي انتِفاعِهمْ بساۤئر الخلق و بما خلق لهم من كلّ شيء في قوله تعالي و اللّه جعل لكم من بيوتكم سَكناً و جعل لكم من جلود الانعامِ بيوتاً تستخفّونها يوم ظعنكم و يوم اقامتكم و من اصوافها و اوبارِها و اشعارِها اَثاثاً و متاعاً الي حين فانّ من سواهم انعامهم و جلودهم ظواهِرُهم من الاعمال و الاحوال و الاقوال من افعال ذواتهم و عقولهم و ارواحهم و نفوسهم و اشباحهم و اجسامهم و بيوتهم مقتضيات ما ذكرنا من تلك الجبال و الشجر و ممّا يعرِشون و هي بيوتُ افكارِهمْ لِتجمعَ اليها ما تلتقطه من متعلقات تلكَ المقتضيات و ترتّبه انظارهم و يترجمونه علوماً و احكاماً و هذه البيوت هي بواطن هذه الانعام من نفوسهم و اشباحهم و اجسامهم و هذه الجلود الّتي هي ظواهِرُهُمْ من الاعمال و الاحوال و الاقوال افعالهم و هي صفاتهم و هي الاصواف و الاوبار و الاشعار و لهم عليهم السلام في ذلك متاع يتوصّلون به الي متعلّقات احكام شرعيّة تترتب عليها قوابلُ لايجاداتٍ بها تتمّ اشعّة انوارهم و نهاياتُها علي ما به يستقيم النظام عنهم لهم فيمجّدون كرمَهُ و يعظّمون شأنه و يُدمنُون ذكره و يؤكّدون ميثاقه كما يحبّ ان يكون ذلك و هذا هو المتاع الي حين اي الي انّهم يملئون السموات و الارض حتّي يظهر اَلّا الٰهَ الّا هو و هم اصله و معدنه لانّ المال و الملك انّما يتكوّنان مِن ماۤدّةٍ و صورة فالماۤدّة وُجودهُما من اشعّة انوارهم و الصورة ماهيّتهما من اشعّة صفاتهم كما مر .

و علي الثامن و هو الواجب اذا اريد به المعبود بالحقّ فكما مرّ و اِنْ اُرِيدَ به الامر اللازم فكونه معهم انّما هو لانهم هم الذين يعرفون مواقعه او يحكمون به او هم الملزمون به باذن اللّه تعالي لانه تعالي هو المالك اوْ لانّهم هم المملّكون و ان اريد به مطلق الثبوت فكذلك لان كلّ شيء من الخلق سواهم [ص 143] ليس ثابتاً و لا ثبوت معه ما لم‌يكن عنهم او بهم قال تعالي كل شيء هالك الّا وجهه ، و في الدعاۤء و ان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضك السابعة السفلي باطل مضمحلّ ماعدا وجهك الكريم الخ ، و لايجوز استعمال معناه الضدي هنا يعني بمعني السقوط الّا علي تأويل الاسقاط كما اشار اليه سبحانه و تعالي و ماتسقط من ورقة الّا يعلمها و لا حبّة في ظلمات الارض و لا رطب و لا يابس الّا في كتابٍ مبين فالساقط معهم اي بمعني انّهم يُسْقِطونه بمُوجبِ اسقاطِه او برفع ما قام به و التخلية من الاخير و الاذن في السقوط من الأخير ايضاً و في تسبيح شهر رمضان وَ يُسْقِطُ الورقَ بعلمه برفع الورق و فتحها فالنسختان مبنيّانِ علي هذين المعنيين و فيهم اذا اريد به المعبود بالحق سبحانه يعرف مما تقدّم و ان اُريد به الامر اللازم كان المعني انه عندهم او لاجلهم او بمعني انّه منحصر فيهم اذ كل حكم وجودي او شرعي لم‌يكن لهم لم‌يكن و ان كان فهو باطل مع انّه بهم ايضاً لانه لايكون شيء الّا باللّه فان كان حقاً فمن اللّه و باللّه و ان كان باطِلاً فباللّه لا منه و لايكون شيء باللّه الّا بهم و عنهم لانّه سبحانه جعلهم اعضاداً لخلقه فلايتقوّم شيء من ساۤئر الخلق بدونهم كما مرّ مكرراً و في الزيارة بكم يمحو اللّه ما يشاۤء و بكم يثبت او استقراره او في شأنهم او لهم ملكه او منهم منشأوه و مثله مطلق الواجب بمعني الثابت و بمعني الساقط علي التأويل المذكور و منهم و اليهم اذا اريد به المعبود بالحق قدّر السبيل اي سبيل اللّه منهم و اليهم بمعني انّ ما اظهر لخلقه و اعطاهم من كل شيء فهو منهم كما مر و اليهم كذلك لانه سبحانه خلق خلقه و ما اعطاهم من كلّ شيء لهم عليهم السلام فهم الصّراط الاعظم للّه سبحانه ثم من دونهم ساۤئر ما خلق منهم اليهم اي خلقهم من فاضل انوارهم و اليهم يعودون كما بَدَأهم فالخلق سبيل اللّه من السبيل الاعظم اليه انّ الينا ايابهم وَ اذا اريد به الامر اللّازم [ص 144] فالمعني انه باللّه يعني ما منهم باللّهِ اوْ مِنَ اللّهِ عنهم او بهم و يجوز مِنَ اللّٰهِ ثم منهم او من اللّهِ و منهم اما بمعني اَنَّ ما مِنَ اللّه فهُو هُمْ و هم اصل كلّ خير و كل خير منهم و ما منهم فهو ما سواهم و امّا بمعني انّ ما منهم هو ما مِنَ اللّهِ او باللّه و امّا بمعني ما من اللّهِ سبحانه فهو ما مِنهم لانهم خزاۤئن جميع امداداته و ان كانت الامداداتُ تدريجيّة الظهور و قبل الظهور ليست شيئاً الّا ان اسباب ايجاداتها و علل اكوانها صفات ذواتهم و صفات اَفعالِهمْ و لم‌تتعلّق المشيَّة بشيء الّا بهم و عنهم فصح انهم خزاۤئن جميع اِمْدٰادٰاتِهٖ فاذا ظهر لك هذا ظهر لك انّ ما لزم وجوده لتمام مقتضياته و انتفاۤء موانعِهٖ من الكونينِ الوجودي و الشّرعي انّما لزم بهم او عنهم او بالزامهم باذن اللّهِ و انّ ما اريد به الثابت فهو فرع ثبوتهم و ما اريدَ به السّاقط فعلي نحو التوجيه المتقدّم و هم اصلُه و مَعْدِنُه علي معني ما تقدّم في امثاله و نظاۤئره .

و علي العاشر و هو الموجود الثابت ان اريد به المعبود سبحانه كان كما مر في كلّ الصُّوَر و كانَ وصفه بالثابت لبيان ما هو الواقع او ان الموجود بالوصف يختصّ به تعالي و ان اريد به غير اللّه تعالي كان احقّ ما يطلق علي الحق المخلوق لاسيّما مع الوصف المذكور لانّه بالنسبة الي جميع الخلق احق بالموجود الثابت لعدم تغيره فانه بالنسبة الي جميع الخلق ساكن و جميع الخلق تدور عليه لاتقف ابداً و هو قد يراد به المشيّة و هو الحق الّذي خلق به السّموات و الارض و قد يراد به المقام الاول و هو الشاۤئي و هو قول الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب لا فرقَ بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقُك و قد يراد به محلّه و هو الحقيقة المحمدية و هي الزيت باعتبارٍ كما قال تعالي يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نارٌ او الماۤء باعتبارٍ آخر كما قال تعالي و جعلنا مِنَ الماۤءِ كلّ شيءٍ حيٍّ او قابليّة المشيّة نفسها بنفسِها [ص 145] علي اعتبار آخر ففي الاعتبار الاخير هو المشية و هو الحق المخلوق و هو الحق الذي خلق به السموات و الارض و علي هذه الوجوه فلا منافاةَ في كونه معهم لانّ الشيء يكون مع محلّه و مع معلوله و مع مفعوله و مع نفسه و قد يطلق الحق المخلوق علي الماۤء الثاني و المصباح الذي استنار به الكون و هو العقل الاوّل و الروح الّذي هو من امرنا و كونه معهم ظاهر و فيهم و منهم و اليهم و هم اصله و معدنه كذلك ايضاً لان العقل هو القلم و ورد عنهم عليهم السلام انّه اوّل غصنٍ اُخِذ او نبت من شجرة الخُلْدِ و هي شجرتهم فهو معهم و فيهم و منهم و اليهم و هم اصله و معدنه و قد يطلق و يراد بالموجود الثابت ما يغاير الموجود بعد فناۤئه و الثابت قبل ان يوجد علي رأي من يري انّ الثّابت اعم من الموجود مثل من يقول انّ الاعيان ثابتة في العين غير موجودة كما يقوله اهل التصوف مثل قول الملّامحسن في الكلمات المكنونة فان الكونَ كانَ كامناً فيه معدومَ العين و لكنه مستعدّ لذلك الكون بالامر و لمّا امر تعلّقت ارادة الموجد بذلك و اتّصل في راي العين امْرُهُ به ظهر الكون الكامن فيه بالقوّة الي الفعل انتهي ، فهي عنده في عين ذاته بالقوة موجودة لكنها معدومة يعني غير متميّزة كقطرة الماۤء في البحر و لايصح ان يريد بها انها معدومة ليست شيئاً بل يري انّها ثابتة ثبوتاً مخالفاً للعدم و انّما لم‌يقل موجودةً لانه يريد بالوجود و الايجاد هذه التشخّصات و الحدود لانه في موضع آخر منها قال ان هذه الاعيان الثابتة ليسَتْ اموراً خارجة عن الحق بل هي نسب و شئون ذاتيّة فلايمكن ان تتغيّر عن حقاۤئقها فانها حقاۤئق ذاتيّات و ذاتيّات الحقّ سبحانه لاتقبل الجعل و التغيير و التبديل و المزيد و النقصان انتهي كلامه ، و لو اراد انها ليست شيئاً لماجعلها ذاتيات الحق اللاتي لاتتغيّر لان ذاتيات الحق ليسَتْ معدومات و لا عجب ممّا يعتقده فانه مذهب امامِهٖ مميت الدين ابن‌عربي [ص 146] و مثل من يقول انّ الاعيان ثابتة في العلم غير موجودة و يجعلها صوراً علميّةً معلّقة بالقديم تعالي و مثل من يقول انها ثابتة في الامكان لم‌تلبس حلة الوجود فهي كالاواني الموضوعة في المكان المظلم فان الناظر اليها لايري شيئاً و ان كانت في نفس الامر متحققةً فاذا اشعلتَ سراجاً و اشرق عليها ظهرت و اهل هذه الاقوال الثلاثة كلّهم اخطأوا الحق و قالوا بما ليس موجوداً في نفس الامر و لا ثابتاً ان هم الّا يخرصون و من قال بان الممكن لايمكن ان يكون ممكناً لغيره و انما هو ممكن لذاته يلزمه القول باحد القولين الاوّلين البتّة و امّا اهل القول الثالث فان ارادوا انّها ثابتة بنفسها في الامكان فهم كالاوّلين و ان ارادوا انّها لم‌تكن شيئاً اصلاً لا موجودة و لا ممكنة بل كان اللّه سبحانه واحداً متفرداً في وجوده ليس معه غيره ثم انّه جعلها ممكنة فاذا اراد ايجاد ما شاۤء اوجده كما شاۤء فهو حق و لكنهم لايقولون به لانهم يخبطون في القول و المعني و يقولون المعقولات خمسة واجب لذاته و هو اللّه تعالي و واجب لغيره و هو المعلول عند وجود علته التاۤمّة و ممتنع لذاته و هو شريك الباري و ممتنع لغيره و هو المعلول عند عدم علته و ممكن لذاته و لم‌يقولوا و ممكن لغيره لئلايلزمهم انّه قبل فعل ذلك الغير اما واجب او ممتنع و لم‌يهتدوا الي الحق سبيلاً فانّ الحق انّ المعقول لايكون الّا مخلوقاً و انه ليس الّا اللّه وحده لا شريكَ له ثم احدث فعله و احدث به مفعوله لانه سبحانه امكنه في مشيّته و لم‌يكن قبل ذلك ممكناً اذ ليس قبله الّا الوجوب الحق فاذا ارادَ اَحْدَث مَا اراد كيفَ اراد و لكن اكثر النّاس لايعلمون فاذا اريد بالحقِّ الموجود الثابت مط و هو ما يغاير الموجودَ بعد فناۤئه و الثابتَ قبل اَنْ يوجد فيتناول الابداع و المبدَع الاول و هو الماۤء الاوّل و العقل الذي هو المصباح و قد مرّت الاشارة اليها و الرُّوح و النفس و الطبيعة و جوهر [ص 147] الهبا و هذه معهم و فيهم و منهم و اليهم اما انّها معهم فلانّها متقوّمة بهم فلاتفارقهم و امّا انها فيهم فلانّها ارواحهم القاۤئمون باركان الوجود الموكّلون بحمل العرش وَ ما دونه و امّا انّها منْهم فَلانّها اَغْصٰانٌ مِنْ شَجَرةٍ هي حقيقتهم و امّا انّها اليهم فلانَّ ثمرتها ممّا هي قاۤئمة به و موكّلة عليه من خدمة اللّهِ في اقامة تسبيحه و تقديسه و اظهار توحيده و عبادته في خلقه و ما الامر عليه من عذرٍ اوْ نذرٍ انّما هي عنهم كما اشار اليه الحسن العسكري عليه السلام في شأن العقل الذي هو اوّلها قال و رُوح القدس في جنانِ الصّاقورة ذاقَ مِنْ حداۤئِقنا الباكورة يَعْني انّا عمرنا ارضنا ارض الامكان و غرسنا في تلك الجنان باسِقات الاغصان و سقيناهُ بماۤء الوُجودِ الذي هُوَ حياتنا فاوّل مَنْ قَبِلَ النموّ من تلك الاغصان روح القدس و ذلك القبول هو اكل اوّل ثمرة الوجود فهم اصلها و معدنها كذلك و انّما حصرنا الموجود الثابت في هذه بناۤء علي معتقد القوم و مصطلحهم من انّ المجردات الدّهريّة قاۤرةُ الذّات باۤتّةُ الثّباتِ و التحقيق ان المخلوق ليس له ثبات الّا بالاضافة الي ما دونه و الّا فحاجة المجرّد الي علّته و مبدئه اشدّ من حاجة مَن دونه و كلّما قربَ من المبدأ كان اشدّ حاجةً و فقراً و اسرع حركةً حول مركز علته حتي يكاد يفني عن نفسه فلذا كان اشدّ تحقّقاً مِمّن هو دونه و كلّما كان كذلك كان اشدّ تقلّباً في ثباته و تغيّراً في بقاۤئه و كلّما بعد كان اضعف حاجةً و فقراً عند نفسه فلذا كان اضعف تحقّقاً ممّن هو فوقه و اليه الاشارة بقوله تعالي ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارَةِ اوْ اشدّ قسوةً الٰاية ، هذا حكمه في نفسه و عند مثله و الّا ففي الحقيقة جميع الخلق في الحاجة و الفقر و التغيّر سواۤء و انّما تختلف الاشياۤء باختلاف اوقاتها و آجٰالها في الطول و القِصَر فاذا نظر الناظر الي المجرّد وجدَهُ في بادي الرأي ساكناً ثابتاً لطول اجله الذي يضمحل عند انقضاۤئه و اذا نظر الي الماۤدي وجدَهُ [ص 148] متغيّراً متبدِّلاً لقصر مدّته فيري ان المجرد ثابتٌ و المادي متغيّر و ليْسَ ذٰلِكَ اِلّا لاختِلَاف مدّة البقاۤء .