قال عليه السلام : و جاهدتم في اللّه حق جهاده .
هذه الفقرة من قوله تعالي و جاهدوا في اللّهِ حق جهاده فانه سبحانه خاطب المؤمنين بالعموم و عَني آلمحمد صلّي اللّه عليه و آله بالخصوص قيل في الٰاية في اللّهِ اي في عبادةِ اللّٰهِ و قيل الجهاد بمعني رتبة الاحسان و معني رتبة الاحسان هو انّك تعبد ربّك كأنّك تراه فان لمتكن تراه فانه يَراك و لذلك قال حقّ جهاده اي جهاداً حقاً كما ينبغي بجذب النفس و خلوصها عن شواۤئب الرّياۤء و السمعة مع الخُشوع و الخضوع و الجهاد مع النفْس الامّارة و اللوّامة في نصرة النفس العاقلة المطمئنّة و هو الجهاد الاكبر [ص 99] و لذلك وَرد عن النبي صلي اللّه عليه و آله انّه رجع عن بعض غزواته فقال رجعنا من الجهاد الاصغر الي الجهاد الاكبر انتهي ، و هذه الغزوة غزوة تبوك و قيل في قوله و الّذين جاهدوا فينا لنهديَنّهم سبلنا و انّ اللّه لمع المحسنين اي جاهدوا الكفار ابتغاۤء مرضاتنا و طاعةً لَنا او جاهَدُوا انفسهم في هواها خوفاً منّا و قيل معناه اجتَهَدُوا في عبادتنا رغبةً في ثوابنا و رهبةً من عقابنا لنهدينّهم سُبُلَنَا اي السبيل الموصلة الي ثوابنا و قيل لنوفّقنّهم لازدياد الطاعات ليزدادَ ثوابهم و قيل و الذين جاهَدوا في اقامة السنّة لنهدينّهم سبيل الجنّة و قيل و الّذين يعملون بما يعلمون لنهدينّهم الي ما لايعلمون و قيل معناه جاهَدُوا في حقِّنَا ليشمل جهادَ الاعادي الظاهرة و الباطنَة لنهدينّهم سُبُلَنا سُبُلَ السَّيْر الينا و الوصول الي جنابنا و في الحديث من عمل بما علم ورّثهُ اللّه علم ما لايعلم و ان اللّه لمع المحسنين بالنصر و الاعانة القميّ جاهدوا فينا اي صبروا و جاهدوا مع رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله لنهدينّهم سبلنا لَنُبَوِّئنّهم و عن مولينا الباقر عليه السلام هذه الٰاية لٰالمحمّد و اشياعهم و في المعاني عنه عليه السلام عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال اَلا و اني مخصوص في القرءان باسماۤء احذروا ان تُغْلَبُوا عليها فتضِلّوا في دينكم اَنا المحسن يقول اللّه تعالي و انّ اللّه لمع المحسنين .
اقول الجهاد عند المتشرّعة بذل النفس و المال لاعلاۤء كلمة الاسلام و اقامة شعاۤئر الايمان و هذا هو الجهاد الاصغر و هو جهاد الكفّار و المشركين و الناصبين و الباغين و العادين و الخارجين علي الامام و امثالهم و امّا الجهاد الاكبر فهو جهاد النفس فانّ اعْدَي اعداۤئك نفسك التي بين جَنْبيك كما في الخبر و جهادُها بالرّياضات و هي قسمان قسم وضعوه اصحاب السيمياۤء و الهيمياۤء و الجوكيّة و اصحاب السحر و الاعمال التي يتوقّف استعمالها [ص 100] علي تسخير الملاۤئكة و الجاۤنّ و الشياطين و الحيوانات بل الجمادات و النبات و غير ذلك مما هو معروف عند اهله ليتوصّلوا بتسخير الارواح و بقوة نفوسهم علي ساۤئر مطالبهم و منها رياضات اهل التصوّف ليجرّدوا انفسهم لتنكشف لهم الاسرار و حقاۤئق الاشياۤء امّا الاولون فعملوا تلك الرّياضات لمقاصدهم لمتكن للّه تعالي في شيء و لميقصدوا بها شيئاً ممّا للّهِ فحالهم معروف و المجاهدة للنفس بهذا النحو باطلة يضلّ اللّه بها اهلها عن سبل الرشاد و امّا الٰاخرون الذين هم الصوفيّة فاكثرهم له مقاصدُ ترجع الي نحو ما قصد الاولون و يظهرونها علي صورةِ ما للّهِ من المجاهدة و قد شيّدوا هذا الاظهار بمختلفِ اقوالهم و متناقض اعمالهم و احوالهم و كلامهم و متشابه هيْئاتهم و يفعلون المعاصي بعد ان يرتّبوا لهم قواعدَ مثل و اعبد ربّك حتي يأتيَك اليقين و يقرّرون انّ العبادةَ و الطّاعةَ انّما هي نَفَقةُ الطريق الي اللّهِ تعالي فاذا وصل لميحتج الي شيء من العبادات لانّ نفسَهُ هي ذاتُ اللّه من جهة الحقيقة و انّ مخلوقيّتها موهومة فلهُ حقيقةٌ و مجازٌ حقيقتُه هو اللّه و مجٰازُه هو كونه مخلوقاً و عبداً و ذلك موهوم ففي الطريق لا بأس بالعمل فانّه صورةٌ و صفةٌ و هي ترجع الي مثلها و هو المجاز فاذا وصل و اتّصل كان هو اللّه و لايعبد احداً و من هنا قال شاعرهم :
انا ذلك القدُّوس في قدسِ العماۤء مُحَجَّبٌ
انا قطبُ داۤئرةِ الرحَي و انا العُلَي المستوعب
انا ذلك الفردُ الذي فيه الكمالُ الاعجَبُ
و بكل صوتٍ طاۤئري في كلِّ غُصنٍ يُطْرِبُ
الي ان قالَ :
[ص 101]و اقولُ انّي خلقُه و الحقَّ ذاتي فاعجَبُوا
نفسي اُنَزِّهُ عن مقالتِيَ التي لاتكذِبُ
اللّهُ اهلٌ للعُلَي و بريقُ خلقي خُلّبُ
انا لماكُنْ هو لميزل و لايّ شيءٍ اُطْنِبُ
ضاعَ الكلامُ فلا كلامَ و لا سُكوتٌ مُعْجِبُ
جمعَتْ محاسِنيَ العلا انا غافرٌ و المذنِبُ
فتأمَّلْ سوۤء مقصدِهم من هذه و امثالِها فانهم اذا وصلوا الي هذا المقام عندهم لايعبدون لانّ الشيء لايعبُد نفسَهُ بلا فرضِ مغايرةٍ هي في مقام اليقين و لذا قال تعالي و اعبد ربك يعني في مقام المجاز و هو الطريق اليه لانه هو مقام فرض المغايرة حتي يأتيك اليقين و هو الفناۤء في اللّه و الاتّحاد به و هو مقام عدم المغايرة و مثل ميلهم الي الغنا و النَّغمَات و ضرب الطبول و يتعلّلون بان النفس خلقت من اَلْحان الافلاك في حركاتها الموسيقية فاذا اَصْغَت اليها انجذبَتْ الي ما يشاكِلُها فتذكّرت نَشْأتَها و اعرضت عن المشاغلِ الدنياويّة فادركت المعارف الالهيّة و يقولون انّا ننظر الي المُرْدَانِ الجميلَةِ لنشاهدَ فيها آثار الجَمال الالهي و كلُّ هذه تَمْوٖيهات النفس و الشيطان دعتهم اليها شهواتُ نفوسهم الخبيثة لايريدون بها شيْئاً لِلّهِ و لا لشَيْءٍ من طاعته بل للشيطانِ و لتصغي اليه اَفْئِدة الّذين لايُؤمِنونَ بالٰاخرة وَ لِيرضوه و ليقترفوا ما هُمْ مُقْتَرفون فهذه الرّياضات طرقُ الشيطانِ اِلَي النَّارِ و منهم من يرتاض برياضاتهم و يقتدي بهِمْ في اعتِقَادٰاتِهِمْ و يأوِّل من كلامهم ما يظهر له فسادُهُ لحسنِ ظنّهِ بهم و اِنْ كانوا لايعلمون من اعْمالهم مثل الغنا و اسْتعمال الملاهي و ترك العبادات و فعل المعاصي فهؤلاۤء رياضاتهم باطلةٌ كالذين من قبلهم و ان كان بعض هؤلاۤء قد يستعمل هذه الرياضات الباطلة للّه بمعني انّه يحسِب انّها [ص 102] توصل الي ما يحب اللّه و يستدلّ في نَفْسهٖ و علي خصمه بمثل عموم الحكمة ضاۤلّة المؤمن حيثما وجدَها اخذَها و بما يلفِّقُ من مأٰخِذَ عقلِيّة يطول الكلام بذكرِها بلا فائدة و هو عمل باطل لانّ المؤمن ليس له ضاۤلّة الّا طريقة الائمّة الهداة عليهم السلام و لو لميُقَرِّروا طريقة الحق لكان لقاۤئِلٍ اَنْ يقول انّهم حصل لهم بالادلّة و القراۤئن انَّ طريقة اُولٰۤئك هي طريقة الهادين او توصل الي طريقتهم و لكنهم عليهم السلام قد دلّوا علي الطريقة الحقّة في المأكل و المشرب و الملبس و النكاح و العلوم و الاعمال و لميتركوا شيئاً يوصل الي اللّه تعالي الّا دلّوا عليه و امروا به و عملوه و نهوا عن طريقة اهل الباطل و هم اهل السحر باقسامه و اهل التصوف و عن اتِّباعهم و تأوّل كلامهم و الميل اليهم و التّسمّي باسماۤئهم و امروا بالبراۤءة منهم و ممّن يأوّل كلامهم و يميل اليهم و يتسمّي باسماۤئهم الّا للتقيّةِ كما دلّت عليه احاديثهم فلاتكون طريقتهم الباطلة ضاۤلّةً للمؤمن بحالٍ و اما ادلّتهم العَقْليّة فباطلة لانّ تلك العقول مكتسبة من الباطل فتُثْمِرُ مِنْ جنسِ بزرها و بالجملة فرياضات هؤلاۤء كلّهم باطلة تُوصِل الي الباطِل و ان قصَد بها الجاهل المجاهدة في اللّه لانّها في حقيقتها مجاهدة في الشيطان و لهذا حصل لهم كشف عن طرق الباطل فكانوا يقولون انّ علم اللّه مستفاد من المعلوم و المعلومُ انت و احوالكَ و انّ اللّه سبحانه مااوجد الّا نفسَهُ و انّ حقيقة الخلْقِ عين الحقِّ سبحانه و لانّ مشية اللّهِ احديّة التّعلق و هي تنافي اختيار الحقّ سبحانه فليس له في مخلوقه الّا شيء واحد و انّ اهل النار يَؤُل امرهم الي النعيم و انّ كلام اللّه قديم ليس هو غير ذاته و غير ذلك من الاعتقادات الشنيعة و ما سمعتَ بعضَهُ من الاعمال الفظيعة لانهم انما دعاهم الي هذه الامور التكبّر عن طاعة ائمّة الهدي عليهم السلام و الاستنكاف [ص 103] عن ولايتهم فلاتَلُمْهُمْ و لُمْ مَن يدّعي من شيعتِهم و طريقَتُهُ طريقةُ اَعْداۤئِهِمْ فانّها لَاتعمي الْابصار و لكن تعمي القلوب التي في الصدور و القسم الثاني من الرياضات ما اسَّسَهُ محمد و اهل بيته الطاهرون صلي اللّهُ عليه و عليهم اجمعين و هي ما سنّهُ اللّه تعالي لهم وَ دلّهم عليه من آدابه و بيّنَهُ لهم في كتابه و مجملُهُ ان تأكل كلَّ ما تشتهي نفْسُكَ من الحلال ناظراً الي اباحةِ اللّه و اذنه اوْ ندبه اليه لتقوي به علي طاعة اللّه سبحانه مقتصِراً علي ما يُخرِجُكَ عن الجوع المشغِل و الشبع المثقِل مؤدّياً لشكر تلك النعمة بالحمدِ للّهِ علي نعمِهٖ و ملاحظة انّها منه وحدَهُ ابْتَدَأَكَ بها كرَماً و جوداً و مجتنبِاً من ذلك كلّ ما نهي اللّهُ عنه و عن كلّ شبهةٍ و كلّ مباحٍ يؤدّي اليهما و لو في الاحتمال او تميل معه نفسُك الي الشهوات الّتي تطلبها نفسك لغير طلب الاباحة و الاذن و الندب من اللّه للتقوية علي الطاعة بل لمجرّد الشهوة الحيوانيّة او العاديّة فقد قال عليه السلام اياكم و مواۤئد الملوك فان لها ضراوةً كضراوةِ الخمر حابساً نفسَك و شهوتك علي ما للّهِ اَوْ ما يؤدي الي ما للّهِ تعالي و الشراب و اللباس و النكاح كذلك و ينبغي لك الخلوة عن الناس و هي خلوة اهل البيت عليهم السلام لا خلوة الصوفيّة و الرهبانيّة بل هي اَنْ تُخْلي قلبَك عن كل ما سوي اللّه تعالي الّا ما كان للّه من صلوة و عبادة و ذكرٍ و فكرٍ و ذكرِ موتٍ و اعتبارٍ كما قال تعالي اولمينظروا في ملكوت السموات و الارض و ما خلق اللّه من شيء و اَنْ عسي ان يكون قد اقترب اجلهم ، و قوله عليه السلام المؤمن كلامه ذكر و صمتُهُ فِكرٌ و نظره اعتبارٌ بمعني انه لايتكلم الّا فيما يعنيه بان يقصر كلامه علي ما كان من امر الدين و امر الٰاخرة و ما كان من امر الدنيا علي اقل ما يكفيه من الكلام و اذا صمتَ فكّر فيما يراد منه و كيف يرضي مولاه في كلّ ما يتعلّق به من احوال العبادة و العبوديّة و في كيفية الاستعداد للقاۤء مولاه بما [ص 104] يرضي به عنه و كيفية التخلّص و الانفصال و اللحوق و الاتّصال و اذا نظر اعتبر في المصنوعات عظمة الصانع و اختلاف خفي تدبيره و سرعة حلول مقاديره من الغني و الفقر و الصحة و السقم و الهداية و الضلالة و السعادة و الشقاوة و الفرح و الحزن و الرضي و الغضب و الموت و الحيوة و في تقلّب احوال الدنيا و في الموت و ما بعد الموت و يقرأ كتاب اللّه فيري سنة الماضين علم اليقين او عين اليقين و يري من نجا بما نجا و من هلك بما هلك و بالجملة يعيش في هذه الدنيا غريباً لايعرف احداً و ان كان بين الناس و بين اهله و اقاربه و مع هذا فلايترك التكسب و طلب الرزق من الوجه "٢" الحلال و منه "-٢" انه لايلهيه طلبُ الحلال عن ذكر الملك المتعال بل يُجْمل في الطلب كما قال تعالي رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و اقام الصلوة و ايتاۤء الزكوة يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب و الابصار و يجتهد في طهارته و في صلاته لا علي جهة الهَوَس و الوسوسة بل علي جهة شدّة الاعتناء بشأن خدمة الملك الجبّار جلّ جلَالُه باخلاص النيّة له و التزام الٰاداب الالهيّة كأنه بينَ يَدَيِ اللّهِ سبحانه و بالصدق مع اللّه في كل المواطن بحيث لايفقِده حيث يحبّ و لايجده حيث يكره فاذا وقع خلاف ما وصفنا فليعلم انّ هذا شأنه لشدّة فقره و لا ملجأ للفقير الّا الغني و ليَنْدَمْ علي ما فرّط و لايشتغل بغَمِّ ما مضي عن الاهتمام بما يأتي ثم لايستحقر صغيرةً من طاعةٍ او معصيةٍ من الواجبات و المحرّمات و من المندوبات و المكروهات و من الٰاداب و السنن ممّا هو شرط في الكونين كون التشريع و كون التكوين او متمِّمٌ لشرط او مُكمّلٌ له او متردّد بينهما و لايزال كذلك حتّي يلحق بالّذين صحبوا الدنيا بابدانٍ ارواحها معلّقة بالمحل الاعلي و الي هذا الاشارة بقوله تعالي مازال العبد يتقرّب اليّ بالنوافل حتي اُحِبَّه فاذا [ص 105] احببته كنتُ سمعَهُ الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به الحديث ، و قال عليه السلام و خلق الانسان ذا نفسٍ ناطقة اِنْ زَكّاهَا بالعلم و العمل فقد شابَهتْ اوائلَ جواهِر عللِها فاذا اعْتَدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارَكَ بها السبع الشداد ه ، اقول اذا قام بكلّ الٰاداب كان ممّن عناه علي عليه السلام بقوله فاذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد الخ ، و ان قام بالبعض كان له البعض كلٌّ بنسبته و هم عليهم السلام من اهل القسم الاوّل و بمثل ما ذكرنا يجاهدُ العاقل نفسه و قد جاهدوا عليهم السلام في اللّه سبحانه الكفار و المنافقين و جاهدوا انفسهم حق الجهاد علي حدٍّ يقصر عنه جميع العباد و ذلك لان اللّه سبحانه اجتباهم من جميع الخلق و آتيهم من نعمه ما لميؤتِ احداً من العالمين فطلب منهم شكر تلك النعم فاوحي اليهم و جاهدوا في اللّه حق جهاده هو اجتباكم فقاموا بامره كما امرهم فاخبر عليه السلام عنهم بذلك الوفاۤء الذي هو غاية الشكر بقوله و جاهدتم في اللّه حق جهاده .
قال عليه السلام : حتي اعلنتم دعوته و بيّنتم فراۤئضَهُ و اقمتم حدودَهُ .
اعلن بمعني اظهر و نشر و الدعوة بمعني الدعاۤء و السؤال و منه اجيبُ دعوة "٣" الداع اذا دعان اي سؤاله "٢-" لخلقه و عليه "-٢" فهي "-٣" مضافة الي ضمير الفاعل و السؤال هو قوله تعالي الستُ بربّكم حين سألهم قبل ان يخلقهم كلّ واحدٍ في وقتِ وجوده و مكان حدوده لمّا سألوه بلسان امكانهم و هم عليهم السلام اذ ذاك هم الداعون الساۤئلون لانهم تراجمة وحيه و لسانه المعبّر عنه و هم اصل مواۤدّ الخلق الّتي باَلْسنتِها الاجابة الامكانيّةُ و التكوينيّةُ فسمع دعوةَ اللّه سبحانه من اَلْسِنَتِهم عند الاداۤء و التبليغ عنه سبحانه كلّ شيْءٍ و لانهم الاعضادُ و الاشهاد و المناة المقدِّرون و الاذوادُ و الحفظةُ و الروّاد فقد اعلنوا [ص 106] دعوةَ ايجاده حتي ظهرَتْ في كلّ شيء و انتشرَتْ في ساۤئر اقطار الاكوان و اعلنوا دعوة "٣" اِمْكانهم باَلْسنَةِ قبولهم بالارشاد و الامداد لانهم الاعضٰاد او يكون المراد سؤالهُ اي سؤالهم "٢-" له و عليه "-٢" فهي "-٣" مضافةٌ الي ضمير المفعول و ذلك حين سألوهُ بعد اَنْ اَمْكنهم قبل ان يخلقهم باَلْسِنَةِ امكاناتِهم بعباراتِ قبولهم كلٌّ في وَقْتِ وجوده و مكان حدوده فاعلَنُوا دعوته اي دعوةَ خلقِهٖ ايّاه سبحانه اي اظهروها و نشَرُوهَا بٰاثارِ هياكِل توحيدهم عليهم السلام هذا في حكم التكوين و اَمّا في التّشريع فدعوته لهم اذا اُرٖيدَ منها معني السؤال يكون المراد به انّه جَلّ و عَلا كلّفهم بالامر و النهي و ما ندب اليه و كرّهَهُ تخييراً لانّه سبحانه لميرضَ ان يطاعَ باكراه لعدم تحقّق الطاعة مع الاكراه كما انّه لميُعصَ بغلبة لعموم قدرته فكان المكلف بامره و نهيه غير مجبورٍ بل هو مختار في الامتثال بامره و الاجتناب عند نَهْيه لتتحقَّق الطاعةُ و المعصية و لهذا ورَد خطابُه لهم في التكليف بصُورة السؤال فقال الست بربّكم قالوا بلي مختارين للقبول منه و الاَئمة عليهم السلام عيبة علمه تعالي و مستودع سرِّهٖ و امناۤءُ نهيه و امْره فبَلّغوا عن اللّهِ ما امرهم بتبليغهِ حتي اعلنوا دعوته و لمّا كانوا حملة ولاية اللّهِ و القوّام بامره و نهيه كان اِتّباعهم يهدي الي الحقّ و الي طريق مستقيم و هذا لهم ليسَ غيره الّا الضّلال و هو قوله تعالي فماذا بعد الحقّ الّا الضّلال فمن اقتدي بهم اهتدي الي طاعة اللّه و الي اجابة دعوته و قد حثّوا علي ذلك و بالغوا في الدعاۤء الي اللّه حتي اعلنوا دعوته علي المعني الثاني الذي قلنا فيه انّ دعوة مضاف الي ضمير المفعول بمعني الاستجابة للّه و للرسول (ص) كما في قوله تعالي استجيبوا لِلّهِ و للرَّسول اذا دعاكم لما يحييكم و كلما يلحظ في التكوين يلحظ في التشريع و بالعكس .
و الدّعوة ايضاً من دعاه بمعني ناداه اي طَلَب اِقْبَالهُ و يصح في هذا المعني [ص 107] الوجهان السابقان اي انّ اللّه سبحانه طلب اقبالهم عليه ليقبلوا منه ظاهر فيضه و امداده الذي به كونهم و به قوامهم و الائمة صلّي اللّه عليهم هم الوساۤئط في ذلك الطلب و هم المبعوثون به و هم المترجمون له و هم المؤدّونَ الي خلقه و هم المبلِّغون فيضه اليهم و حيث كان ذلك المدد و الفيض لايكون الّا فيهم و لاتصل آثاره الي العباد الّا عنهم و بهم و طلب منهم التبليغ و بلّغوا عنه ما اراد منهم من التبليغ ظهر انّهم اعلنوا دعوته علي نحو ما اشرنا اليه ممّا تقدّم من ان المواۤدّ من شعاع انوارهم و القبول من آثار هياكلهم و ليقبلوا منه بٰاطن فيضه و امداده الذي به حيوة كونهم و به قوام ذواتهم و هم عليهم السلام اولُوا امرِ اللّهِ و نهيه و اولياۤء احكامه و حفظة شراۤئعه المبعوثون بدينه الداعون الي سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة فحَضّوا علي الرضي و بالغوا في الاداۤء و دَعوا الي طاعة اللّهِ و عبادته و امروا بالمعروف و نهوا عن المنكر حتّي اقاموا الدين في السموات و الارضين و هو قولهم الحق بنا عُرِف اللّه و لولانا ماعُبِدَ اللّهُ و قول الحجة عليه السلام في دعاۤء رجب فبِهِمْ ملَأْتَ سماۤءَك و ارضك حتي ظهر اَلَّا الٰه الّا انت فقدْ اعلنوا دَعْوَته حين دعا عبادَه الي معرفته و عبادته .
و الدعوة ايضاً العبادة و في الخبر الدعاۤء هو العبادة و يكون المعني انهم اعلنوا عبادته امّا منهم فلانهم عبدُوه حقّ عبادته و جاهدوا فيه حق جهاده و امّا مِنَ الخلق فلانّهم اسَّسُوا لهم العبادة و امروهم بها و اصطبروا عليها بل لميقبل من احَدٍ من خلقِهٖ عبادةً الّا ما وَافقَتْ مِلّتَهُمْ و سُنَّتَهُمْ كما امروا مصاحبة لِوَلايتهم و محبّتهم و في حديثِ علي بن الحسين عليهما السلام و قد سُئِلَ كيْف الدعوة الي الدين فقال تقول بسم الله الرحمن الرحيم اَدعوك الي اللّه و الي دينه ثم قال و جِمَاعُهُ امران احدهما معرفةُ اللّهِ تعالي و الٰاخَر العمل [ص 108] برضوانه و انّ معرفة اللّهِ اَنْ يُعْرفَ بالوحدانيّة و الرأفة و الرحمة و العزّة و العلم و القدرة و العلوّ علي كلّ شيء و انّه النافع الضاۤرّ القاهر لكل شيء الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبيرُ و انّ محمّداً عبده و رسوله و انّ ما جاۤء بِهٖ هو الحقُّ من عند اللّهِ تعالي و ما سواه هو الباطِل فاذا اَجابوا الي ذلك فلهم ما للمُسلمين و عليهم ما علي المسلمين اقول جماع الدعوة امْرانِ كما ذكر عليه السلام و معرفة اللّه تدور علي شيئين احدهما ما اشار اليه عليه السلام بقوله ان يُعْرَف بالوحدانية الخ ، و ثانيهما المراقبة و حفظ السّرّ و ذكر اللّه علي كلِّ حالٍ و امّا العمل برضوانه فهو القيام باوامِرِه و اجتنابُ نواهيه علي ما حدّدُوهُ من حدودِ اللّه و قِوامُ تلكَ الحدودِ وِلايتهُمْ و الاقتداۤء بهم و الأَخْذ عنهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و التفويض اليهم و محبّتهم بالقلب و اللِّسٰانِ و الاركان و الاعتصام بذِمّتهِمْ و البراءة من اعداۤئهمْ و اعتقادُ انّ الاعمالَ و المعارف لاتفيد شيئاً الّا بما ذكر بل تكون بغيرها معاصي و هباۤءً منثوراً و لايكون العمل برضوانه كما ذكرنا مقبولاً الّا بمعرفتهم و لاتقبل معرفتهم الّا بمعرفة اللّه كما وصف نفسَهُ علي اَلْسِنَتِهِمْ و لاتقبل معرفة اللّه الّا بمعرفتهم فجماع الدعوة امران كلّ واحدٍ منهما مرتبطٌ بالٰاخَر بل شرط له و ركن له كما ذكرنا ففي الحقيقةِ هم اعلنوا دعوته بكلّ معني علي كل نحو و في حقّ الحقيقة اللّهُ سبحانه اعلن بهم دعوته كذلك و الي هذا المعني اشار في دعاۤء شهر رجب بقوله فبِهِمْ مَلأْتَ سَماۤءَكَ و اَرْضَكَ حتي ظهر اَلّا اله الّا انت و لو اراد خصوص الاوّل الذي هو الحقيقة لقَال فملَئُوا سماۤءَك و ارضك .
و قوله : و بيّنتُمْ فراۤئضَهُ .
البيان فصل ما بين الاشياء و تبيانُ كلّ شيء يحتاج اليه الناس و يقال [ص 109] البيان هو المنطق الفصيح المعرِب عما في الضّمير و الفرق بين البَيان و التبيان هو ان البيان جَعْلُ الشيء مُبَيّناً بدون حجّة و التبيان جعل الشيء مبيّناً مع الحجة و في الحديث انزل اللّهُ في القرءان تبيان كلّ شيءٍ يعني كشفه و الايضاح و السلطان و البيان و البرهان و الفراۤئض جمع فريضة مِن فرَض اي اوجب و بمعني وقّت و منه قوله تعالي فمن فرض فيهن الحج اي وقّت و بمعني العقد و الميثاق و منه قوله تعالي و لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة اي لا جناح عليكم فيما تراضيتم من عقدٍ مستأنفٍ من بعد انقضاۤء مدة الاجل الاوّل فقوله من بعد الفريضة اي من بعد العقد و هو الميثاق ايضاً كما قال و اخذْنَ منكم ميثاقاً غليظاً و يقال للواجب فرض اِمّا مِنْ فرض بمعني قدر و اما من فرض القوس و هو ما يوضع فيه الوتر لانه به ينتفع به لا بدونه فمعني بَيّنتُم كشَفْتم ما ستَر من اَسْرار فراۤئضه و رُخَصِهٖ و اوضحتم ما غمض من احكامِهٖ و مَأٰخذِها و شيّدتم اركان تسلّطِهٖ علي عباده بما حمّلكم من الولاية و اودع عنكم من مقاليد الهداية و احكمتم عقد طاعته و ما اخذ علي عباده من الميثاق علي اجابة دعوته و نهجتم سبيل معرفته في واضح المنهج بما اقمتم علي ذلك من الحجج فبيّنوا فراۤئض امْره و ارادته بحدودها حتّي ظهر لمن اخذ عنهم و اقتدي بهم و اهتدي بهديهم انّ من الفراۤئض ما حُدِّدَتْ بنفي الحدود و هي معرفته فانّها اوّل الفروض و نهاية الطّاعة لانّها هيكل ظهوره لعباده فلو كانت محدودة لكان تعالي معروفاً بالحدود فيعرف بنفي كل ما يجوز و بوجوب كل ما يمتنع عن الادراك لان الشيء انما يعرف بصفته و علي انّ فَرَضَ بمعني وقّت في العبادة ظاهر لان منها ما هو موقّت في الوجوب و الاداۤء كالصلوات و الصيام و منها موقّت في الوجوب كالزكوة و منها موقّت في الاداۤء كالحجّ و منها موقّت بالعمر [ص 110] كصلوة الزلزلة و امّا في المعرفة فحيث كان حقيقتها انها صفته كان توقيتُها وجودَها و وجودُها نفس وجود العارف و فرضُها اي توقيتُهَا حين كونها معلومة اي حين يقع عليها العلم بها و اوّل وقتها هذا و آخره فناۤؤه في علّة مبدئه و كونها معلومةً هو ظهور العالم بها الَّذي هو هو لها لِانّ الظّاهر انما هو هو بظهوره و هو كلامُه بظهوره بها فهو اوّلُهَا و آخِرُها و لا اوَّلَ لها و لا اٰخر غيره فلا اوّل لها و الّا لكان لهُ آخِر و لا آخِرَ لها و الّا لكان له اوّل بل الاوّل و الٰاخِرُ له و هو خلقُه و هو بكلّ خلقٍ عليمٌ ثم لمّا كان فناۤء العارف انّما هو بكمال التجريد و كشف سبحات الجلال و كمال التجريد محو جميع الاشارات و النسب و الاعتبارات و كل ما سوي الثابت بذاته سبحانه حتي لايبقي الّا البَاقي فاذا نفيتَ كلّ راجع الي غيره و مستندٍ الي سواه حصلتَ علي آيَتِهٖ و وقعتَ علي نشأتِك من صفته و لستَ الّا ما وصَف لك من صفته و تعرّفَ لكَ باصل فطرته كان بابُ ابتداۤئك حين خرجتَ بابَ فناۤئِك حينَ دخلتَ كما قال سيّدالشهداۤء عليه السلام في آخر دعاۤء يوم عرفة في مناجاته كما روي الهي امرتَ بالرجوع الي الٰاثار فاَرْجِعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتّي اَرْجِعَ اليك منها كما دخلتُ اليك منها مصون السرّ عن النظر اليها و مرفوع الهمّة عن الاعتماد عليها انّك علي كل شيء قدير ، و لمّا كان بَدْءُ بَدْئِك حين خَرجْتَ هو بابُ فناۤئِك حين دخلتَ و كان تعدّد المكلّفين انما هو لاختلاف المشخِّصات و منها الرتبة و الجهة وجب ان يكون لكل مكلّفٍ بابٌ لِبدئه و عوده لايشاركه فيه غيره لان المشاركة انما تتحقّق في الكلِّ و ذلك يوجب الاتّحاد و امّا المشاركة في البعض فتوجب تعدّد المخرج بسبب البعض الذي لمتقع فيه الشركة فظهر مما ذكرنا ان التّوقيتَ ظهر في مراتب لاتكاد تَنْضَبِط لاختلاف المراتب الموقّتَاتِ و هذا [ص 111] التوقيت في نفسه مختلف فمنه مع السَّرمد صلي اللّه علي محمدٍ و آلمحمد و منه مع اوّل الدهر و منه مع وسطه و منه مع آخره و منه مع المثال و منه مع اوّل الاجسام او الاعراض علي اختلاف مراتبها من الوجود من حق و باطل .
و لكلٍّ رأيتُ منهم مقاماً شرحُهُ في الكتابِ ممّا يطولُ
و ذلك تأويل قوله تعالي فسالَتْ اوديَةٌ بقَدَرِها و علي انه بمعني قدّر ففي الاعمال جرت الحكمة علي طبق الموضوعات كما انه في الاعمال احْتِمال القوابل فقد بيّنوا بكلِّ معني يحتمله البيان جميعَ فراۤئضه سبحانه بكل معنيً يحتمله الفرض من الوجوبِ و العقد و الميثاق و التوقيت و التقدير و الثبوتِ و الحكم علي حدٍّ لايدانيه سواهم و لايحمِل اَعْباۤءَهُ الّا هم .
و اقَمْتُمْ حدودَهُ اِقامةُ الشّيءِ تعديلُ اركانهِ و حِفظُها من اَن يقع زيغ او نقص في شيءٍ منها او مِن مُتَمِّماتِها اَوْ مِنْ مُكَمِّلاتِها و الحدود هي الاحكام لانّها حدودُ افعالِ المكلّفين و احكامُها امّا كونُها حدود افعالِ المكلّفين فلِاَنّها تَضْبِطُهَا عن الافراط و التَّفْرٖيط و تحبسُهَا علي الاعتِدال الذي به قبولُ الخير و الحق لا بغيرهِ فالاحكام في الحقيقةِ تحديد الافعال و تعديلها علي مقتضي الحق الذي هو الحكمة الالهية باطناً و الامر بالاعمال الصالحة منها و النهي عن القبيحة منها ظاهراً و ما يترتّب علي ذلك من الثواب في الموافقة و العقاب في المخالفة فهو ما خلقه اللّه بمُقْتَضَي ما يفعلون من اعمالهم و هو سبحانه سيَجزيهم وصفهم انّه حكيم عليم و امّا كونها احكاماً فلانّها في الوجود تشريعاتٌ وجوديّة و تكليفات ذاتيّة و في الشرع ميولات فعليّة وضعيّة و دواعٍ سببيّةٌ اقتضاۤئيَّةٌ تكون بها وجوداتٌ تشريعيّة و انما قلنا ان الميولات فعلية لانّها منسوبة الي الفعل لا الي الذّات و امّا وضعية فلملاحظة قوابلها من افعال المكلّفين [ص 112] لان تمييزها و تشخصها انما هو بتلك القوابل و امّا دواعٍ فلملاحظة انها بواعث اي ميولات لاقتضاۤء الفعل و امّا سببيّةٌ فلملاحظة تضايفها لانها لاتظهر الّا بالقابل و لايتحقّق القابل الّا بها و ذلك من حيث هي هي كما هو شأنُ الاحكام الوضعيّة و امّا اقتضاۤئيّة فلملاحظة انّها منشأ قوابلها لانها من نفوسها فهي اقتضتها و ان كانت انما تتعيّن بها ففي الاول وجودات اقتضت شرعاً قد نصّت عليه و حكمت به و في الثاني تكليفات اقتضت وجوداً و حكمت به بنَصّها عليه فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه ظهر لك انّ الاحكام حدود افعال المكلّفين و حدود لوازمها و انّ الحدودَ اَحْكَامُ ميولاتِ الفعل و انّ الميولات الَّتي هي الاحكام باعتبارٍ و منشأ الاحكام باعتبارٍ آخر لها ظاهر و باطن فباطنها ما سمعتَ مما اشرنا اليه و ظاهرها الاوامر و النواهي الشرعيّة المعروفة و كلّ ذلك حدود اللّهِ اي احكامُهُ و قد اقاموا حدود اللّه في كل رتبةٍ اشرنا اليها من الاحكام و الحدود بحقّ اِقامتها من التعديل و الحفظِ اللذين بهما كمال اقامتها علي ما ينبغي علي حدٍّ لايقوم به غيرهم عليهم السلام كما بيّنّاه غير مرّة في نظاۤئرِها .
قال عليه السلام : و نشرتم شراۤئع احكامه و سننتم سنته .
قال الشارح (ره) و ان كان من الصادِقَيْن اكثر فانه كان لابيعبداللّه عليه السلام اربعةٰالافِ مُصَنِّفٍ و من غير المصنّفين ما لايحصي و كتاب الرجال لابْنعقدة في بيان احوالهم و كتبهم و الاضافة من قبيل خاتم فضّة اوْ ادلّة الاحكام من الكتاب و غيره و سننتم اي بيّنتم سُنَّتهُ مفرداً او جمعاً و اضافة السنّة بمعني الطريقة الي اللّه لكونه منه تعالي او سنّة الرسول (ص) سُنّتُه تعالي انتهي .
اقول نشر ضدّ طوَي اي بسطوا لكم للخلق شراۤئع احكامه او بمعني احيي [ص 113] كما في الدعاۤء و بها تنشر ميتَ العباد ايْ تحيي و الشرائع جمع الشريعة هو الدين مأخوذ من الشريعة التي هي مورد النّاس للاستسقاۤء سُمّيت بذلك لوضوحها و ظهورها و حاجة الخلق اليها كحاجتهم الي الماۤء بل اعظم بل هي الماۤء حقيقة و المراد انّهم عليهم السلام احيوا شراۤئع احكامه امّا بالتحمّل لها و القيام بها او بالحفظ لها و تبليغ المكلّفين ايّاها كما حدّ اللّهُ سبحانه او بالمعونة للمستجيبين من المكلّفين بالهداية و الدعاۤء و التسديد و التّوفيق و القَود اليها و الذّود عن خلافها و العمل بمقتضاها علي اكمل وجه و اشدِّ مواظَبَةٍ و محافظة بين ظهراني المكلّفين او المستجيبين فان ذلك اَدْعي لهم الي القيام و تحمّل مشاۤقّها اَوْ باستنباطِ اَحكامِها مِنْ ثمارِ مقتضيات القوابل من احوال المكلفين في بيوتها من الجبال و الشجر و مما يعرشون و ربط كلٍّ منها بما يشاكله من افعالهم و اقوالهم و اعمالهم و ما انطووا عليه من معتقداتهم و نيّاتهم حَتّي اَقَاموا تلك الحدود و شيّدوا طاعة الاله المعبود فاداروا افلاكها علي اقطابها في كلّ قرنٍ و قدّروا اقواتها بين ارضيها و سمواتها في ستّة ايّام سواۤء للسَّاۤئلين يوم الاحد في شريعة آدَمَ و يوم الاثنين في شريعة نوح و يوم الثلاثا في شريعة ابراهيم و يوم الاربعاۤء في شريعة موسي و يوم الخميس في شريعة عيسي عليهم اجمعين السلام و يوم الجمعة في شريعتهم التي شرعها لهم جدهم السيّد الاكبر صلي اللّه عليه و آله الطاهرين فالخمس الاول فروع السادسة لانّها الجامعة لجميع احكام الخمس و انّما اختلف بعض احكامها باختلاف الموضوعات كما تري اختلاف بعض احكام هذه الشريعة باختلاف موضوعاتها فان المصلّي العاجز عن القيام في الصلوة يكون فرضه الصلوة من جلوس فالصَّلوة من قيام مَع القدرة هي الصلوة من جلوسٍ مع العجز بعينها و انما اختلفت باختلاف المتعلّق كما اختلفت صورة الوجه الواحد [ص 114] في المِرْءٰاتين المختَلِفَتَيْنِ و قوله تعالي شرع لكم من الدين ما وصّي به نوحاً و الّذي اوحينا اليك الٰاية و قوله تعالي قل ماكنتُ بِدْعاً من الرسل و قوله تعالي مايُقال لَكَ الّا ما قد قيلَ للرسل من قبلك و امثال ذلك مما يوهم فرعيّة شريعة محمد صلي اللّه عليه و آله علي الشراۤئع الأُوَل و تبَعيّتها لها فانّما جري في الظاهر بهذه الصورة علي ما تفهم العوام و الاعراب من ان الانبياۤء عليهم السلام سبقوا و شراۤئعهم قبل شريعة محمد صلي اللّه عليه و آله وَ لمّا كانت الانبياۤء عليهم السلام عند عواۤم النّاس في زمَنِ محمّدٍ صلّي اللّهُ عليه و آله حقّاً و انهم همُ الداعون الي اللّه صدقاً من جهة انّهم سمعوا ذلك بالاخبار المتواترة و لميكونوا حضروهم لتحصُلَ من بعضهم النفرة عنهم لاستثقال التكليف فيقع منهم الانكار بل اعتقدوا نبوّتهم لوجود المقتضي و هو التواتر و زوال المانع حسن ان يقال في اِخْبارِهم انّ هذا النبي المرسل اليكم حاله كحال الانبياۤء و لميقل له في تكليف امته الّا ما قد قيل للرسل من قبله في تكليف اممهم و ما شرع لامّته من الدين الّا ما شرعوا لاُمَمِهِم و لميكن يأتي بامرٍ مبتدع غير ما اتوا به اممهم عن اللّه تعالي ليكون هذا اَدْعَي لهم الي القَبُولِ منه لدخوله صلي اللّه عليه و آله عندهم في جملة من اقرّوا بهم و صدّقوهم و دخولِهم في نحو من كان عندهم انّهم يجب عليهم القبول من الدّعٰاة الي اللّه تعالي بالحق فلهذا اتي التنزيل بصورة تبعيّته و فرعيّته لتأخّر دولته صلّي اللّه عليهِ و آلهِ في ظاهر الزمان لظاهر البشريّة و ذلك لايدلّ علي اصالة فرعيّته و تبعيّته ليكون صلي اللّه عليه و آله تابعاً لمن تقدّم من الانبياۤء بل هم التّابعون الساۤئرون تحت لواۤئه الذي حمله وصيّه علي عليه السلام بل لايوجد حقّ من دين او غيره عند احد من الخلق الّا ما كان عنهم و بهم لانّهم الوساۤئط بين اللّه تعالي و بين جميع الخلق في كلّ شيء صدر من فعل الحق ففي الكافي في صحيح محمد بن مسلم [ص 115] قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول ليس عندَ احَدٍ من النّاسِ حق و لا صوابٌ و لا احد من الناس يقضي بقضاۤء حقٍّ الّا ما خرج منّا اهل البيت و اذا تشعبّت بهم الامور كان الخطأ منهم و الصواب من علي عليه السلام و فيه عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلام ما بمعناه و فيما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لسلمٰن و ابيذرّ انا الخضر معلّم موسي انا معلّم داود و سليمن و امثال ذلك ممّا هو صريح في المُدّعَي فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه ظهر لك ان المراد من الشراۤيع التي نشَرُوها جميعُ الشراۤئع مع ما يدلّ عليه ظاهر اللفظ من ان الجمع المضاف الاصل في استعماله افادتُه العموم و قد تقدّمت الاشارة الي انّ الاحكام يراد منها ظاهراً الاحكام الشرعية الخمسة و باطناً جميع احكام الوجود من مقتضيات الكون الوجودي و الكون الشرعي من الاسباب الفعلية و الماديّة و الصُّوريّة و الغاۤئيّةَ و المتممات للماهيّة من الوقت و المكان و الرتبة و الجهة و الكم و الكيف و متمّماتِ كلٍّ منها و مُكمِّلاتها كما اشرنا اليه مراراً فان لكلٍ منها كوناً و شرعاً فللكون شرع و للشرع كون و قد نشروا شراۤئع تلك الاحكام التي هي احكام اللّه سبحَانه في صنعه و شرعه و اليه الاشارة بقوله و اوحي ربّك الي النحْل ان اتّخذٖي من الجبالِ بُيُوتاً و من الشجر و ممّا يعرشون ثم كلي من كلّ الثمرات فاسلكي سبُل ربِّكِ ذللاً يخرج من بطونِها شراب مختلف الوانه فيه شِفاۤء للنَّاسِ فَاَوْحَي اليهم سبحانه ان يفتحوا تلك الابواب و يسكنوا تلك القباب و يستخرجوا منها الاسباب و يسلكوا بها طريق ربّ الارباب و يَثجُّوا من افواههم طيّب الشّراب فيه شفاۤء من جميع الاوصاب لكل ذرّة في الوجود من الماۤء الاول الي التّراب .
و قوله : و سننتم سُنَّتَهُ .
السُّنَّة الطّريقة و السّيرة و هي في الحقيقة مجاز الْخالق الي خلقه اَيْ طريق [ص 116] ايجاده ايّاهُمْ وَ اِرْشَادِهٖ لهم علي ما تقتضيه الحكمة الالهيّة و العناية الربّانيّة و مجاز الخلق الي خالقِهِمْ اي طريق قبولهم منه الايجاد و الارشاد كذلك و لهذا سمّيت الطريقة المخصوصة سُنة اذا كانت علي المقتضي الطبيعي المتناسق من حق و باطلٍ و انّما تنسب اليه تعالي دونهم لانها منه قصدها و به جورُهَا لا منه فالجاۤئر منها ليست سنّته و القصدُ منها منه و به و له و اليه دونهم و ان كانت بهم هي سنّته تعالي المستقيمة في مستقيم قبولهم منه تعالي و معوّج عدم قبولهم منه قال تعالي فمن يرد اللّه ان يهديَهُ يشرح صدره للاسلام و من يرد اَن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنما يصّعّد في السماۤء كذلك يجعل اللّه الرجس علي الذين لايؤمنون و هذا صراطُ ربّك مستقيماً يعني في الجَعْلين انّ ربّي علي صراطٍ مستقيم فيجري الجعلَ المستقيم باستقامته علي ما تقتضيه قوابل الاعمال و اعمال القوابل من الحق وَ الباطل و كان الجعل الواحد جعلين لتعلق الاوّل بالمجعول المحبوب المرضي و الثاني بالمجعول المكروه المغضوب و كلا الجعلين محبوب و موافقة المجعولين للجعلين محبوبٌ و في الدعاۤء لايخالف شيء منها محبّتك و سَنَّ سُنّةً اي وضع طريقةً متناسقةً و لاتكون سنة الّا كانت تدور علي اصل هو قطب واحدٌ يجمعها فلو كان لها اصلان قطبان لها لمتدر في حق او باطل و المثال في ذلك ان الرحي لاتدور علي قطبين و انّما تدور علي واحد فان كان في وسطها الحقيقي دارت مستقيمة كالحق و ان خرج عن الوسط الحقيقي اعوجّت استدارتها كالباطل و كلما بعد القطب عن الوسط الحقيقي اشتد اعوجاجها و بالعكس و يقال سنّ الماۤء علي وجهه ارسله اِرْسٰالاً فقوله (ع) و سننتم سنّته يعني وضعتم طريقته و جعلتموها كذلك لانهم محاۤل مشيته لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون بل هو الفاعل عنهم او بهم كما اشار اليه قوله تعالي و مارميتَ [ص 117] اذ رميتَ و لكنّ اللّهَ رَمٰي و مثله سَنَّ بمعني ارسل فيكون علي هذا سننتم سنّته اي ارسلتم شريعته التي هي الماۤء الذي جعل اللّه منه كل شيء حيّ و هو العِلْمُ علي وجوه القوابل فقابل بالاستجابة و قابل بعدم الاستجابة و يفيد هذا المعني انّهم شرعوا لكل مكلّفٍ من جميع ذرّات الوجود ما تقتضيه قابليته من الاحكام لميحبسوا عن شيء ما اقتضاه من الاحكام بل ارسلوا جميع الشراۤئع و السُّنن و اطلقوا قيودها حتي حامت اطيارُها و وقعت علي افنانها و غرّدت في اغصانها التي في اوطانها لميقع منها شيء في غير موضعه و لا بغير اختياره بل ارسلوها في التقدير باكمل تدبير علي صراط مستقيم ذلك تقدير العزيز العليم .
قال عليه السلام : و صرتم في ذلك منه الي الرضا و سلمتم له القضاۤء و صدّقتم من رسله من مضي .
قال الشارح (ره) و صرتم في ذلك المذكورات منه تعالي الي الرضا اي صار و وقع ذلك منكم بحيث رضي اللّه عنكم او كنتم راضين عن اللّه تعالي و ان لميكن اظهارها كما تحبّون و يؤيده قوله و سلّمتم له القضاۤء في منعكم الطواغيت من اظهار شعاۤئر اللّه كما ينبغي او في جميع الامور و الرضا متعلق بالمظلومية لا بالظلم او بما قدّره اللّه تعالي من ان لايكون التكليف بالالْجاۤء بل يكون بالاختيار ليجزي الّذينَ اساۤؤا بما عملوا و يجزي الّذين احسنوا بالحُسْنَي و صدّقتم من رسله مَن مضي اي جميعهم مفصّلاً باخبار اللّهِ ايّاكم اعدادَهم و احوالهم و ان وجب علينا التصديق مُجْملاً انتهي .
اقول قد بيّن الشارح (ره) كثيراً من المقصود من هذا الكلام و انا ابيّن بعض ما لميشر اليه من اسباب ما ذكر انشاۤء اللّه فقوله و صرتم في ذلك من [ص 118] القيام بما اراد منكم و هو فعظمتم جلاله و اكبرتم شأنه و مجّدتم كرمه و ادمنتم ذكره و وكّدتم ميثاقه و احكمتم عقد طاعته و نصحتم له في السر و العلانية و دعوتم الي سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة و بذلتم انفسكم في مرضاته و صبرتم علي ما اصابكم في جنْبه و اقمتم الصلوة و آتيتم الزكوة و امرتم بالمعروف و نهيتم عن المنكر و جاهدتم في اللّه حقّ جهاده حتّي اعلنتم دعوته و بيّنتم فراۤئضَهُ و اقمتم حدوده و نشرتم شراۤئع احكامه و سننتم سنّته الي هذه الفقرة فالاشارة بذلك الي هذه الاحرف ان اعتبر ما منهم و هي قوابلهم و ان اعتبر ما منه تعالي و هو امدادهم من كرمه فالاشارة الي قوله اصطفاكم بعلمه و ارتضاكم لغيبه الي قوله وَ طهّركم تطهيراً و يجوز ان تكون الاشارة الي المجموع .
فعلي الاول يكون المعني علي ان اللّه تعالي رضي عنهم انّهم بشدّة قيامهم باوامره و اجتهادهم و حسن قبولهم عنه حتي بلغوا فيه الغاية بل تجاوزوا النهاية كانوا اهل ان يرضي اللّه عنهم لانّهم اتوا بكلّ ما يمكن مما يدخل تحت استطاعتهم لانه امرهم بذلك بقوله فاتقوا اللّه ما استطعتم عالمين بما اتوا و بمفصولِه و بموصوله و علي انّهم رَضُوا عن اللّهِ لمَا اراهم اللّه سرّ ما اراد منهم ظهر اَلّا مطلب لهم افضل و لا اكمل و لا اجمل و لا اجلّ منه استبشروا بذلك عن علم و رضوا عن اللّه تعالي و الي هذا اشار الحجة عليه السلام في دعاۤء شهر رجب بقوله المستبشرونَ بامرِك الدعاۤء .
و علي الثاني و هو اعتبار ما منه يكون المعني علي انّ اللّه تعالي رضي عنهم انّه سبحانه كانت غاية رضاه لهم فيما اجري عليهم من فضله و رحمته و سابغ نعمه و كرمه حيث لايمكن في المشية وجود خيرٍ يرضاه و يحبّه الا اجراه لهم فبيّن ذلك بقوله اصطفاكم بعلمه و ارتضاكم لغيبه و اختاركم لسرّه و اجتباكم [ص 119] بقدرته و اعزكم بهداه و اخصّكم ببرهانه و انتجبكم بنوره و ايّدكم بروحه و رضيكم خلفاۤء في ارضه و حججاً علي بريّته و انصاراً لدينه و حفظةً لسرّه و خزنةً لعلمه و مستودعاً لحكمته و تراجمةً لوحيه و اركاناً لتوحيده و شهداۤء علي خلقه و اَعلاماً لعباده و مناراً في بلاده و ادِلّاۤءَ علي صراطه عصمكم اللّه من الزلل و امنكم من الفتن و طهركم من الدنس و اذهب عنكم الرجس و طهّركم تطهيراً فتأمّل رحمك اللّه في هذه الكلمات الشريفة كيف تضمّنت من الفضاۤئل و الفواضل ما لاتدركه الافهام و لاتحيط به الاوهام مما خصّهم به مما يدل علي انّه لو بقي مقام عند اللّه تعالي من مقامات الرضا الامكانية لمينزلهم فيه لميحسن من الحكيم العليم ان يخصّهم بهذه الخواۤصّ التي لمتبقِ شرفاً و لا مجداً و لا تكريماً الّا تضمّنَتْه و احاطت به و علي انهم رضوا عن اللّه تعالي انّهم عليهم السلام لميكن في انفسهم من طلب الفضاۤئل و القرب و التشريف و التكريم شيء يجدون بفقده نقصاً في رضاهم او توقّفاً حيث اعلمهم اسرار ما اصطنع اليهم و حقاۤئق ما اسدي اليهم فشاهدوا من ذلك ما يزيد علي رضاهم من قربٍ لايتناهي و تشريفٍ لايحصي و تكرمةٍ لاتُستقصَي ينقلهم في رضوانه من مقام الي مقام اعلي و من اجمال الي تفصيل و من تفصيل الي تحصيل و من تحصيل الي تحصيل فكل مقام حصلوا فيه حصل لهم به فوق الرضا و هكذا في سير لا غاية له و لا منتهي . فان قلت الراضي بشيء اذا لميكن حابساً نفسه بقيد القناعة لايطلب غيره و انما يطلب غيره اذا لميرض به او رضي به قانعاً و رضي القانع رضي فقدان لا رضا وجدان هذا و قد قال سيدهم رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله بارشاد اللّه رب زدني علماً و هذا يدل علي عدم حصول الرضا لعدم حصول المطلوب الذي فيه كمال الرضا كما هو المدّعي لان الطلبَ تعب و الرضي راحة [ص 120] قلتُ انّ الذي به كمال الرضا كما هو المدّعي هو ما حصل لهم و لكن لمّا كان ذلك ملأ الامكان ظاهره و باطنه و غيبه و شهادته فانّ الذي لهم كلّما سوي اللّه تعالي حتي انفسهم من قوله تعالي و لقد آتيناك سبعاً من المثاني و القرءان العظيم و كان ذلك لايتناهي في الامكان ابداً و لايسعه ظاهر الامكان وجب في الحكمة ان يصل اليهم بالتدريج لان المتشخّص من حيث حدوده المشخّصة له لايسع ما لاتكتنِفه الحدود الا بالتدريج الذي لايتناهي و لما كان كلّما سوي اللّه تعالي قائماً بفعل اللّه قيام صدور و كل شيء بيده وجب ان يسئلوه ما لهم عنده لانّه انّما ينزل علي حسب القابل و ليس قابل لذلك الّا السؤال منه سبحانه فسئل صلي اللّه عليه و آله ما له عند اللّه و لو لميكن لهم غير ما وصل اليهم و العياذ بالله لميكن ما وصل اليهم موجباً لكمال الرضا الّا مع اعتبار القناعة او العلم بانه ليس شيء غيره و هذا الطلب راحة لانّه طلب محبوب فيه كمال الراحة و اليه الاشارة بقوله صلي اللّه عليه و آله و جُعِلَتْ قرّة عيني في الصلوة و انّما يكون مثل هذا الطلب تعباً عند مَنْ لميعرفه و لميذقه و اَمّا مَنْ علم عِلْم مُعَايَنةٍ فانّه انّما يستريح به كما اشار الي هذا اميرالمؤمنين عليه السلام و اسْتَلانوا ما استوعرَه المُتْرَفُونَ .
و علي الثّالث و هو اعتبار المجموع و هو ما منهم من القوابل وَ ما منه و هو امدادهم من كرمه علي ان اللّه تعالي رضي عنهم يكون المعني انه سبحانه لمّا خلق ذلك النور و جعل تلك الصفة جاۤء المجموعُ نورِيّاً بشريّاً واسعاً كريماً وسِع الغيب بغيبه و شهادته و الشهادة بشهادته و غيبه لايحسن في الحكمة و الامكان ان يكون للّه رضاً اِلّا فيهم و لهم فرضي عنهم لانهم محل رضاه و مستودع محبّته و لايسع رضاه و محبّته الغير متناهِيَيْن غيرهم عليهم السلام لانّ حقاۤئقهم في الامكان غير متناهية و علي انّهم رضوا عن اللّه تعالي [ص 121] يكون المعني انهم رضوا عن اللّه تعالي ما اقامهم فيه حين اشهدهم خلق السّموات و الارض و خلقَ انفسِهم و اتخذهم اعضاداً لخلقِهٖ و اشهاداً عليهم و مناة لذواتهم و اعمالهم و آجالهم و ارْزاقهم و جميع احوالهم و حياتهم و مماتهم و مبتلون لهم و بهم و اذواداً لشيعتهم عن المعاصي و الرذاۤئل و لاعداۤئهم عن الطاعات و الفضاۤئل علي نحو ما ذكرناه مرَاراً و حفظة لهم و عليهم و رُوَّاداً لخلقه يقدمون شيعتهم الي الجَنّة ينْزِلُون كُلّاً مَنْزِلَهُ و يسوقون اعداۤءهم الي جهنم ينزلون كلّاً منزلَهُ فلميبق كمال في الامكان الّا جعله لهم ممّا كان او يكون فقد رضوا عن اللّه سبحانه رضي وجدان .
و قول الشارح و ان لميكن اظهارها كما تُحِبُّونَ جارٍ علي الظاهر من احوال البشرية و كذلك ما استشهد به من قوله (ع) و سلّمتم له القضاۤء و الّا فلو شاۤء و اجري علي ما يحبّون ظاهراً كما جري علي ما يحبّون باطناً بل جعل ذلك اليهم فهم اجروا باذن اللّه ما جري من محبوب و مكروه راضين بكلا الحالَيْنِ و ما يظهر منهم عليهم السلام مِن التّألّم و الشكوي عند جميل البلاۤء و عظيم الخطب فشيء لاحق للبشريّة و لازم فهم في هذا المقام يجري عليهم كما يجري علي غيرهم و يتألّمون كما يتألّم غيرهم و حيث كانوا عالمين بما لقوا و صاروا اليه يرجح عندهم ذلك الجانب حتّي يتنعّمون بذلك التّألم في جنب اللّه لانغماسهم في ما يرضيه و لايجري عليهم من مكاره الدنيا الّا بما يرضيه سبحانه كما سمعتَ مما رُوي عنهم عليهم السلام انّ الحسين عليه السلام و انصاره عليهم السلام لميجدوا اَلم الحديد و انهم في شدّة عطشهم قلوبهم ثلجةٌ باردة و ذلك لانصراف جميع حواسّهم و مداركهم الي المحل الاعلي فجرت عليهم الٰالام و القتل الذي ازهق انفسهم و هم متنعمون بنعيم اليقين و المعاينة يا ليتني كنتُ معهم فافوز فوزاً عظيماً [ص 122] فاذا عرفت ما بيّنّا لك ظهر لك انّ رضاهم بكل ما جري عليهم من محبوب و مكروه رضي وجدان لا رضي فقدان و كذلك في منع الطواغيت لهم من اظهار شعاۤئر اللّه تعالي كما ينبغي و انا اضرب لك مثلاً بياناً لو ارادوا منع الطواغيت عن التسلّط بل قتلهم جميعاً حتي لايبقي منهم احد علي وجه الارض اكانوا متمكّنين من ذلك ام لا فان قلتَ لميتمكنوا قلتُ لك انّي اتكلّم مع مَن يعرفهم و انت لمتعرفهم و ان قلتَ انهم متمكنون من ذلك قلتُ يجوز لهم ان يتمكنوا من منع الظالمين و لايمنعونهم فيكونون قد اعانوهم علي الظلم فان قلتَ لو منعوهم لميحصل التمكين من المعصية و اذا لميحصل لميتمكن المكلف من الطاعة و ايضاً يرتفع حكم قوله تعالي ليَميز اللّه الخبيث من الطيّب و قوله تعالي ليهلك من هلك عن بيّنَةٍ و يحيي مَن حيّ عن بيّنة و قوله تعالي الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا و هم لايفتنون و ما اشبه ذلك قلتُ هذا حقّ و لكن يلزم من ذلك انّهم راضون بما يكرهون كما يرضي المريض بالكي طلباً للعافية و يلزم من هذا ان الرضا كما يتعلّق بالمظلوميّة كما قال الشارح يتعلّق بالظلم من باب فعل الضرر لدفع الاضرّ و وجوب القبيح لدفع الاقبح كوجوب الكذب لنجاة المؤمن و لايريد ان الرضا يتعلّق بالظلم اَوّلاً و بالذات لان الرضا به لذاته رضا فُقدانٍ و قوله (ره) او بما قدّره اللّه تعالي من ان لايكون التكليف بالالجاۤء بل يكون بالاختيار الخ ، صحيح كما اشرنا اليه قبل هذا الّا انه لاينحصر التعلق فيه كما هو ظاهر اَوْ و قوله (ره) و صدّقتم من رسله من مضي اي جميعهم مفصّلاً الخ ، هذا بيان ظاهري قشري لان تصديقهم للانبياۤء ليس بمجرّد معرفة عددهم و اسماۤئهم و الاقرار بانّهم اَنْبِيَاۤء كما هو ظاهر كلام الشارح بل بالادلّة القاطعة و الحجج الواضحة و اظهارِ المعجزات لهم اي للانبياۤء الدالة [ص 123] علي صدقهم او للمنكرين لهم الداۤلّة علي صدق المصدّقين للانبياۤء في نبوتهم و ما اشبه ذلك و منها معرفة اسماۤئهم و احوالهم و اعدادهم و بيان ما اوتوا من الوحي و المعجزات فافهم .