بقي هنا شيء و هو انّ ظاهر الاخبار و كلام العلماۤء انّ التكليف في الذّر و انّ المراد به في الملكوت في النّفوس تحت اللّوح المحفُوظ و انّه تكليف واحد و الّذي انطوت عليه الاخبار و لوّحت به من الاسرار لاولي العقول و الابصار انّ الذر ذرّانِ الذّرّ الاوّل و الذّر الثّاني و انّ المراد بهمٰا مختلف يعرفه من عرفه بحسب مقامات الخطاب و المخاطبين فمرّةً يراد بالاوّل ذرّ [ص 50] المعاني في العُقول و الثّاني ذرّ الصّور في النُّفُوس و بينهمٰا برزخ و هو الاظلّة و ورق الٰاۤس في الارواح و التّكليف في الاوّل كلّيّ مجمل و في الثّاني شخصيّ مفصّل و في البرزخ نوعٖيّ مبيّن و مرّةً يراد بالاوّل ذرّ الصّور في النفوس و الثّاني ذرّ البشريّة في الاجسٰام و بينهمٰا برزخ و هو ذرّ الاشبٰاح في المثال و التّكليف في الاوّل نفسانيّ و الثّانٖي جسمٰانٖيّ و في البرزخ في الخيال و الحسّ المشترك و الحقّ انّ التكليف و اخذ المٖيثاق مسٰاوق للوجود لانّهمٰا متلازمان اذ التّكليف امر بقبول الخير و النّور اللّذين هما الوجود للذّوات و الصّفات الذّاتيّة و الفعليّة و نهي عن قبول الشّرّ و الظّلمة اللّذين هما العدم للذّوات و الصّفات الذّاتية و الفعليّة و الامر هو المُقتضي لوجود المقتضي فيهمٰا و النّهي هو المقتضٖي لنفي المانع منهما و يتميّز الوجودان الكونٖيّ و الشّرعٖيّ كلّ منهمٰا عن الٰاخر بقوّة القابليّة و ضعفها فان كٰانت اركان القابليّة و مشخّصٰاتها السّتّة الّتٖي هي الكمّ و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرّتبة ناقصة في القوّة و الفعل عن استكمال الاستعداد كان ذلك القابل وجوداً تكوينيّاً و هذا هو الوُجود و كشف سبحاتِهٖ حقيقة هيكل التّوحٖيد و ان كٰانت اركان القٰابليّة و مشخّصٰاتها السّتة المذكورة تامّةً في القوّة و الفعل باستكمال الاستعداد كان ذلك القابل وجوداً تشريعيّاً و هذا هو التّشريع و كشفُ سبُحٰاته حقيقة نور هيكل التّوحيد و هو نور صبح الازل فالتّكليف في الاوّل غاية للوُجود مساوق و للوجود في الثّاني غاية للتشريع مساوق فتفهّمه فانّه من غوامض الغيب المحفوظة عن الرّيب المنزّهة عن العيب .

قوله : و احكمتم عقد طاعته .

الاحكام ضبط الشّيء و اتقانه و هو في اللّغة و في الاصطلاح كما قال البعض هو ما يصحّ معنٰاه و يظهر لكل من عرف اللّغة و علي ما كان محفوظاً [ص 51] من النّسخ او التّخصيص او منهمٰا و علي مستقيم النّظم السّالم من الخلل و علي ما لايحتمل الّا وجهاً واحداً و عقد الحَبْل و البيع و العهد يعقد شَدَّهُ و عقد الحاسب باصٰابعه و العَقْد الضّمٰان و العهد و العقدة بالضّم الولاية علي البلدة و الضّيعة و العقار و البيعة و البناۤء المعقود و عقود عُقِدت كالابواب عطفت و المراد انّهم عليهم السّلٰام قد احكموا اي ضبطوا و اتقنوا عقد طاعته استمسكوا بالعروة الوثقٰي منه بطاعته في حقّهم و احكموا لشٖيعتهم ذلك الاستمسٰاك و ضبطوه بتعلٖيمهم و قودهم بازمّة وجوداتهم الّتي من اضوٰائهم الي ورود حياض الرّضوان و سَوقهم بعصيٍّ قطعوهٰا لهم من عليّين من اشجار المزن و بدلالتهم ايّاهم و سيرهم بين ايديهم و اضاۤءة انوارهم لهم في ظلمٰات العقبات التي في الصّراط في طريقهم و بَسطِهم ذلك الطّريق و توسعته حتّي كٰان لكثٖير منهم اوسع ممّا بين الارض و السّماۤء بعد ان كان ادقّ من الشعرة و احدّ من السّيف و ذلك البسط بالدّعاۤء لهم و انارة قلوبهم و طرد الشّياطين المتبرّعٖين عنهم و المتسلّطٖين عليهم بذنوبهم بالتحمّل عنهم ذنوبهم و الاستغفار لهم حتّي اضاۤءت لهم سبل الرّشاد و هو قوله تعالي و لكلّ قوم هادٍ و ضبطوا لهم عقد البيع حين باعوا اللّٰهَ انفسهم ببذلهٰا فٖي ولٰايتهم و طاعتهم بانّ لهم الجنة و رضاهم و محبّتهم و جوارهم في منازلهم و لمّا كان البائع و المشتري اذا جَهِلا العوضَيْن لعدم رؤيته او احدهمٰا لعدم معرفته وَكَّلَ الجاهلُ مَنْ كٰانَ يعرف ما قد جهله الموكّل او كٰان الشّراۤء او البيع من غير كامل كالطفل و المجنُون قام وليّه مقامه في مصلحته ليرتفع الغرر و يكون ذلك اِحْكٰاماً و ضبطاً للعقد و البيع كٰانوا هم الّذين اوجبُوا عقد بيع شٖيعتهم انفسهم علي اللّه تعٰالي ببذل انفسهم فٖي طاعة اللّه بولٰايتهم لعلمهم بما جعله اللّه عوضاً لشيعتهم و نيابتهم عليهم السلام نيابة ولايةٍ لٰا وكالةٍ فهم يبيعون و هم يشترون [ص 52] و هم يؤدّون و هم يُربّون فانْ قلت انّ الشّيعة هم المُجيبون ببلٰي في الذّر و هم المستجٖيبون في هذه الدّار بل قد اجاب المؤمنون و الانبيٰاۤء في هذه الدّار قبل وجود محمّدٍ و اهل بيته لانّهم صلّي اللّه عليه و عليهم حين اجاب المؤمنون من الأمم الماضية كانوا نطفاً في الاصلاب الزّاكية و الارحٰام المطهّرة كما ذكره العبّاس بن عبدالمطّلب في شعره في مدح النّبيّ صلّي اللّه عليه و آله و قد تقدّم و ذلك في قوله :

ثمّ هبطتَ البلادَ لا بشر انتَ و لٰا مضغة و لا عَلَق

بل نطفة تركب السّفينَ و قد الجم نسراً و اهلَهُ الغَرَقُ

تُنقل من صٰالبٍ الي رحمٍ اذا مضي عٰالم بدا طبَق

فاذا كٰانُوا قد اجابُوا في الدّنيا قبل وجودهم عليهم السّلٰام جٰاز ان يجيبُوا بدُونهم في الذّر لأنّ الترتيب في ذٰلك العٰالم طبق التّرتيب فٖي هٰذا العالم بل ما نستدلّ علي شيء ممّا هناك الّا بمثله ممّٰا هُنٰا قلتُ هذا الّذي تُشير اليه انّما يجرٖي علي الظّاهر من القول و امّٰا علي الحقيقة فقد ذكرنٰا مراراً عن الادلّة العقليّة و النّقليّة انّهم عليهم السلام علّة كلّ الخلق و انّ شيعتهم خلقوا من شعاع نورهم و انّهم يد اللّه الّتي ذكرها في كتٰابه حيث قال قل من بيده ملكوت كل شيءٍ و المعنٰي انّ تصرٖيف كلّ شيءٍ و تحرٖيكه و تسكٖينه و اقباله و ادباره و غيبته و حضرته و قيٰامه و قوامه و قعوده و نفاده بيد اللّه بمعني انّ اسبابها الّتي هي تقوم بها قيام صُدورٍ و قيام ظهورٍ و قيام تحقّقٍ و قيٰام عروضٍ بيده سبحانه و هم يده و هم امره الّذٖي به تقوم السّماۤء و الارض و به يقوم كلّ شيء فاذا عرفتَ هٰذا و نظرت الي اخبارهم عرفتَ انّ كلّ شيء لايفعل شيئاً من الخير و لٰا شيئاً من الشّرّ الّا بهم فالخير منهم و بهم و الشّرّ بهم لٰا منهم و قد تقدّم في حديث ابن‌عبّاس انّ كلّ شيء لٰايعرف شيئاً من [ص 53] التّسبيح و التّقديس و غير ذلك الّا بتعليم رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و تعليم عليّ عليه السّلٰام و امّا انّ الشّيعة هم المجيبُون فانّما تلك الاجابة صدرت بتبعيّة فعلهم عليهم السّلٰام و اجابتهم كما في قوله تعالي و تحسبهم ايقاظاً و هم رقودٌ و نقلّبهم ذات اليمين و ذات الشّمال اي الي الخير و الي الشرّ و ان كنت تحسب انّهم هم السّاۤئرون فانهم مسيّرون و لايلزم منه الجبر كما ذكرناه في رساۤئلنا في بيان المنزلة بين المنزلتين لانّ الائمة عليهم السّلٰام انّما فعلوا لهم بهم و اجابوا باستجابتهم ففعلهم في فعل شٖيعتهم كالرُّوح في الجسد و قد اشرتُ الي هذا المعني في قصيدة نظمتُها في مرثية الحسين عليه السّلٰام في بيان انّ انصاره خرج بهم للموت حين خرج بهم للحيٰوة من حيث لم‌يعلموا فكلّ واحد يريد الموت لرضا الحسين عليه السّلٰام و مارضي الّا رضي بذلك لهم صلوات اللّه عليه قلتُ :

يسعي بهم سعيَ القضاء في الاُولي حياتهم في موتهم بالرّضا

و امّا انّ الانبياء الماضين و اممهم من المؤمنين قد استجابوا للّه قبل ان يوجد محمّد و آله صلّي اللّه عليه و آله في الدّنيا فليس كذلك بل انّهم صلّي اللّه عليهم يظهرون في كلّ عالم كما شٰاؤُا لانّهم المعلّمون للخلق و لايجُوز ان يفرض انّ احداً سبقهم علي خير قطّ من الاوّلين و الٰاخرين كما سمعتَ من حديث ابن‌عبّاس عن النّبيّ صلّي اللّه عليه و آله و مثله قول عليّ عليه السّلٰام في حديث السّحابة حين سأله الحسن عليه السلام و رأينا في الهواۤء ملكاً قائماً رأسُه تحت الشّمس و رجلاه في قعر البحر و له يد في المشرق و اخري في المغرب فلمّا نظر الينا قال اشهد الّا الٰه الّا اللّه وحده لٰا شريك له و اشهد انّ محمّداً عبده و رسوله و انّك وصيّ نبيّ اللّه حقّاً حقّاً بغير شكّ و من شكّ فيك فهو كٰافر فقلنا يا اميرالمؤمنين من هذا [ص 54] الملك و ما بال هذه في المشرق و اخري في المغرب فقال عليه السّلام هذا المَلك انا اقمتُه باذن اللّه تعالي في هذا الموضع و وكّلته بظلمات اللّيل و ايضاۤء النهار فلايزال كذلك الي يوم القيٰمة و ذلك انّما اعطاني اللّه تدبير امر الدّنيا فانا ادبّرها باذن اللّه تعالي و قال عليه السّلام في بيان معرفته بالنورانيّة لسلمان و ابي‌ذرّ يا سلمان و يا جندب قالا لبّيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام انا الّذي حملتُ نوحاً في السفينة بامر ربي و انا الّذي اخرجتُ يونس من بطن الحُوت باذن ربّي و انا الّذي جاوزتُ موسي بن عمران بامر ربّي و انا الذي اخرجتُ ابرهيم من النّار باذن ربّي و انا الّذي اجريت انهارها و فجّرتُ عيونها و غرستُ اشجارها باذن ربّي و انا عذاب يوم الظُّلة و انا المنادي من مكان قريب قد سمعها الثّقلان الجنّ و الانس و فهمه قوم اِنّٖي لَأُسمع كلّ قومٍ الجبّارين و المنافقين بلغاتهم و انا الخضر عالم مُوسٰي و انا مُعلّم سليمٰان و داود و انا ذوالقرنين و انا قدرة اللّه عزّ و جلّ يا سلمٰان و يا جندب قالا لبّيك يا اميرالمؤمنين قال انا محمّد و محمّد انا و انا من محمّد و محمّد مني قال اللّه تعالي مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان يا سلمٰان و يا جندب قالا لبّيك يا اميرالمؤمنين قال انّ ميّتنا لم‌يمُت و غائبنٰا لم‌يغب و ان قتلانا لم‌يقتلوا يا سلمٰان و يا جندب قالا لبّيك يا اميرالمؤمنين قال انا امير كلّ مؤمن و مؤمنة ممّن مضٰي و من بقي و ايّدتُ بروح العظمة و انا تكلّمتُ علي لسان عيسي ابن مريم في المهد و انا آدم و انا نوح و انا ابرهيم و انا موسٰي و انا عيسي و انا محمّد انتقل في الصّور كيف اشاۤءُ من رأٰني فقد رأٰهم و من رأٰهم فقد رأٰني و لو ظهرتُ للناس في صورة واحدة لهلك فيّ الناسُ و قالُوا هو لايزول و لٰايتغير و انّما انا عبد من عباد اللّه تَعٰالي لاتسمّونا ارباباً و قولوا في فضلنا ما شئتم فانّكم لن‌تبلغوا كنه مٰا [ص 55] جعله اللّه لنٰا و لٰا معشار العُشر لانّا آياتُ اللّه و دلٰائله و حجج اللّه و خلفاۤؤه و امنٰاء اللّه و ائمّته و وجه اللّه و عين اللّه و لسان اللّه بنا يعذّب اللّه عباده و بنٰا يثيب و من بين خلقه طهّرنا و اختارنا و اصطفانا و لو قال شخصٌ لمَ و كيف و فٖيم لكفر و اشرك لانّه لايُسئل عمّا يفعل و هم يُسئلون يا سلمٰان و يا جندب قالٰا لبّيك يا اميرالمؤمنين قال مَن آمَن بما قلتُ و صدّق بمٰا بيّنتُ و فسّرتُ و شرحتُ و اوضحتُ و نوّرتُ و برهنتُ فهو مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و هو عارفٌ مستبصر قد انتهي و بلغ و كمل و من شكّ و عند و جحد و وقف و تحيّر و ارتاب فهو مقصّر و ناصب يٰا سلمان و يا جندب قالا لبّيك يٰا اميرالمؤمنين قال انا اُحٖيي و اميتُ باذن ربّي و انا انبّئكم بمٰا تأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم باذن ربّي و انا عالم بضماۤئر قلوبكم و الائمّة من اولٰادي يعلمون و يفعلون هذا اذا احبُّوا و ارادُوا لانّ كلّنا واحد اوّلنا محمّدٌ و آخرنا محمّدٌ و اوسطنا محمّدٌ و كلّنا محمّدٌ فلاتفرّقوا بيننا فانّا نظهر في كلّ زمانٍ و وقت و اوانٍ في ايّ صورة شئنٰا باذن اللّه عزّ و جلّ كنّا و نحنُ اذٰا شئنا شاۤء اللّه و اذا كرهنٰا كره اللّهُ الويل كلّ الويل لمن انكر فضلنا و خصوصيَّتنا و مٰا اعطانا اللّهُ ربّنا لانّ من انكر شيئاً ممّا اعطانا اللّه فقد انكر قدرة اللّه عزّ و جلّ و مشيّته فينٰا الحديث ، و الاستشهاد في قوله عليه السّلام في الحديث الاوّل انا اقمتُه باذن اللّه ، علي انّه الوليّ من اللّه علي ساۤئر خلقه فلايكون شيء بامر اللّه الّا عنه و كذلك قوله انّما اعطاني اللّه تدبير امر الدُّنيا فانا ادبّر بامر اللّه تعالي ، فاذا كٰان هو المدبّر لما يتعلّق بالايْجادات كان تدبٖيره لما يتعلّق بامر التكليف بالطريق الاولي بالنّظر الي من لايعرفه بامر الاٖيجادات كمٰا هو المعرُوف عند عواۤمّ الناس و انّما يعرفه في ذلك بما يتعلّق بالتّكاليف و كذلك قوله في الحديث الثاني انا حملت [ص 56] نوحاً في السّفينة الخ و قوله انا المنادٖي الخ و قوله انّٖي اسمع كلّ قوم الخ و قوله و انا الخضر عالم موسٰي و انا معلِّم مُوسٰي الخ صريح في المدّعٰي و كذا قوله و انا تكلّمتُ علي لسان عيسي ابن مريم اصرح و اصرح منه قوله انتقل في الصّور كيف اشاۤء و اظهر من الكلّ قوله فانّا نظهر في كلّ زمانٍ و وقت و اوانٍ في ايّ صورةٍ شئنا و كلّ هذا شواهد ما اَوَّلْنٰا من قوله تعالي و تحسبهم ايقاظاً كما سَبَق فان فهمتَ و قبلتَ و الّا فلاتكذب بما لم‌تحط به علماً فتكون من اهل قوله الويل كلّ الويل لمن انكر فضلنا و خصوصيّتنا و ما اعطانا اللّهُ ربّنا لانّ من انكر مٰا اعطانا اللّه فقد انكر قدرة اللّه عزّ و جلّ و مشيّته فينا ، و اذا اردتَ تحقيق مٰا اشرنا اليه من تأويل قوله تعالي و تحسبهم ايقاظاً و هم رقود و نقلّبهم ذات اليمين و ذات الشّمال فاعلم انّ الضّمير الذي في نقلّبهم المدلول عليه بالنّون في التّفسير الظاهر يعود الي اللّه تعالي و هو ضمير المتكلم و معه غيره او المعظِّمِ نفسَهُ و المعلوم انّه لايعود علي الذات البحت انّما يعود علي مبدأ النّسبة و هو مثال الذّات المعبر عنه هنا بفاعل التقليب لا الذّات البحت علي ان معوده المتصف بالتكلّم بقيد التكلّم و التعظيم غير الذّات بل هو في الحقيقة هو الذي معه غيره فهم عليهم السّلام التكلّم و هم العظمة و هم ذلك المع فافهم و امّا انّ الامم الماضية اجاب المؤمنون قبل ان يوجدُوا فليس كذلك بل قد ورد النّصوص بالعموم و الخصوص بانّهم عليهم السلام خُلقوا قبل كل شيء بالف دهرٍ و في الحديث المتّفق عليه و هو قوله صلّي اللّه عليه و آله كنتُ نبيّاً و آدم بين الماۤء و الطّين و روي ابن ابي‌جُمهور انّ عليّاً عليه السلام قال كنتُ وليّاً و آدم بين الماۤء و الطين و ما دلّ علي انّهم الحجة علي كلّ الخلق و قد دلّ اخبارهم عليهم السّلام علي انّ الحجّة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق و ما ذكرنا [ص 57] من حديث السّحابة و حديث معرفته بالنّورانيّة كما مرّ و غير ذلك ممّا لايكاد يُحصٰي كلّها دالّة علي سبقهم علي جميع الخلق و امّا الاستدلال بانّ هذا التّرتيب في ذلك العالم طبق التّرتيب في هذا العالم فهو صحيحٌ و الامر كذلك و لكن الظّهور البشري من محمّد متأخّر عن الامم الماضية و امّا الظّهور الوجودي فانّه متقدّم و هو الّذي عليه المدار و لايتوهّم انّ الكثيف المقابل للسّراج هو الّذي وجد من نور السراج و امّا مٰا بينه و بين الكثيف المقابل فليس شيئاً لانّه لو لم‌يكن شيء بينه و بين الكثيف لم‌يكن في الكثيف اشراق لعدم الواسطة و لئلّايلزم وجود الابعد من المبدأ قبل وجود الاقرب و لئلّايلزم الفصل بين المفيض و الفيض و لو قيل بانّ ما ظهر في الكثيف هو الاول و هو الاقرب و ليس بينه و بين المفيض فصل و لا وصل لزم ان يكون لو حدث بعده كثيف بينه و بين الكثيف الاوّل كٰان اقلّ نوراً من الاوّل و كان مستنداً الي الاوّل مع انّ الامر بالعكس بل يكون اقوي نُوراً من الاوّل و كان الاوّل مستنداً اليه و ليس ذلك الّا لكونه موجوداً اذ لايصحّ وجود الاضعف قبل الاقوي و امّا الظهور البشريّ فلايلزم من تقدّم وجوده عدم تقدّم الظّهور البشرٖي فافهم و امّا احكام العهد فمنه عقد قابلات و مقبولٰات و قد مرّت الاشارة و منه تعهّدٌ و التزام بالوفاۤء و ذلك في الحقيقة اقرار بالحقّ لذي الحقّ و باستحقاق الحقّ سبحانه و تعالي للحقّ كما في قوله تعالي ايّاك نعبد و ايّاك نستعين فاحكام هذا العهد و الالتزام بتبيٖين المعرفة و تحبيب الطّاعة و الحيلولة بينه و بين الشّياطين و الشّهوات حتّي يحبُّوا الطّاعة عن معرفة فتخلص نيّاتهم و تثبيت القلوب بالطّمأنينة و الاستقامة بمحو الاوهام و الشّكوك و التوقّفات و الهموم ثلث سنٖين حتي يستقرّ الحق باعتياد النّفوس به الملزوم بالتّرغيب و التّرهيب مرّةً بعد اخري فهم يعلمون الحقّ بالحقّ [ص 58] و يعملون للحقّ و يقولون للحقّ و يُقرّون للحقّ و يقرّون في الحقّ و يُقرّون علي الحقّ فاحكموه منهم عليهم و من شٖيعتهم حتّي قطعُوا ظهور الشّيٰاطين و اقامُوا للّه الحقّ و الدّين صلّي اللّه عليهم اجمعين .

قال عليه السّلام : و نصحتم له في السّرّ و العلانية و دعوتم الي سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة .

قال الشارح (ره) و نصحتم له اي لله تعالي عبادَهُ في السّر و العلانية و دعوتم ايّاهم بالحكمة و الموعظة الحسنة اي بالقرءٰان و السّنة او مقرونة بالحكمة في القول و الفعل حتّٰي بالجهٰاد و الحدُود بالنّظر الي بعضٍ و بالموعظة بالنّظر الي آخر او الجميع او مندرجاً انتهي .

اقول النّصح الخلُوص و ضدّ الغشّ و فلان ناصح اي نقيّة و النّصيحة تستعمل لمعانٍ تعدّدت بتعدّد مقٰاماتها فالنّصح لكتاب اللّه التّصديق به و الايمان بمحكمه و متشابهه و انّ متشابهه اُرٖيدَ به المحكم و تأويله بالحقّ الّذي يؤدّٖي الي محض التّوحيد و خالص العدل و صادق النبوّة و لطف الولاية و حقيّة يوم الدّٖين و الوقوف عند عدم الظّهور مع الايمان و التّسلٖيم و عدم الالتفات الي مٰا يخالف ذلك و النّصح لرسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله الايمان به و بنبوّته و رسالته و بما جاۤء به عن ربّه من احوال النّشأتين و الانقياد لما امر به و نهي عنه و قبول نصحه و الاهتداۤء بارشاده و الاتّباع له في اقواله و افعاله و اعماله و اعتقاداته بحسب طاقة المكلّف و النصح لائمّة الهدي عليهم السّلٰام الاخلاص فٖي محبّتهم و الاحتمال لعلمهم و المتابعة لهم في اقوالهم و افعالهم و اعمالهم و عدم الشّكّ فيهم و الاستقامة علي ولايتهم و التّسليم لهم و الرّد اليهم و الاخبٰات فيمٰا يرد عنهم فٖي شأنهم و فضاۤئلهم و بذل الجهد و المجهود في [ص 59] القيام بواجب حقّهم و قبول اوامرهم و اجتناب نواهيهم و الاتّباع في كلّ حال من الاقوال و الاعمال و موالاتهم و موالاة وليّهم و اِن كانَ ابعد بعيدٍ و معادات عدوّهم و ان كان اقرب قريب و لِلّه دَرُّ دِعْبِل الخُزاعٖي حيث يقول في هذا المقام :

اُحِبُّ قَصيَّ الرَّحْمِ من اجل حُبِّكم و اَهْجُرُ فيكم زَوْجَتٖي و بناتٖي

و الاحتجاب بذمّتهم و التّمسّك بحبلهم و الاعتراف بحقّهم و الاعتصام بذمامهم و التّوقّي بولايتهم و الاتّكال علي حبّهم و الانتظار لرجعتهم و الاستعداد لنصرتهم و الدّعاۤء بتعجيل فرجهم و المصابرة لايّامهم و هُويّ الافئدة اليهم و معرفة انّ الحقّ لهم و معهم و فيهم و عندهم و بهم و عنهم و اليهم و مدّ البصائر اليهم في جميع الاحوال لانّهم وجه الملك المتعال و النّصح للّه التّحقّق بتوحيده و برؤية عدله و القيام باوامره و الاجتناب لنواهيه و اخلاص النيّة في عبادته و خدمته و نصرة الحقّ فيه بمحبّة من احبّ له و بغض من ابغض له و فعل ما يرضي و رضا ما يفعل و قصر جملته من ظاهره و باطنه و سرّه و علانيته علي موافقة ارادته و طلب رضاه و محبّته و طاعة رسوله صلّي اللّه عليه و آله و طاعة اولياۤئه عليهم افضل الصّلوة و السّلٰام فيهم و في فروعهم من جميع الطاعات علي نحو ما ذكرنا في حقّه و حقّهم عليه و آله السّلٰام و ذلك كله هو التحقّق بمعرفته تعالي علي الحقيقة فهذا كلّه من النصح له سبحانه في السّرّ و العلانية امّا في السّر ففي الاعتقادات و النيّات و في الاعمال فيما بينه و بين نفسه في الخفية و الخلوة ممّا كان العلّة في اخفائه كراهة اطّلاع الغير لتقيّة او غيرهٰا اوْ لا و امّا الاعلان ففي الافعٰال و الاقوال ممّا كٰان العلّة في اظهاره محبّة اطّلاعه امّا للتّعليم و الاقتداۤء و التّعريف و امّا لجمع القلب بالاجهار او الاتّفاق او غير ذلك لانّ من تحقق بمعرفة اللّه سرت في بواطنه و ظواهره و اركانه [ص 60] و مشاعره فلاينفكّ عن تلك الحال في حال و لقد اشار عبداللّه بن قاسم السّهروردٖي في قصٖيدته التي نظمها في ذكر احوال سلوك اهل التصوّف في هذا المعنٰي قال :

مَن اتانا القي عصي السّير عنه قلتُ مَن لٖي بها و اين السّبيل

و قوله (ع) : و دعوتم الي سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة يشير به الي قوله تعالي ادع الي سبيل ربّك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالّتي هي احسن و المراد بالحكمة و اللّه اعلم الدّليل الذّوقيّ الّذي كان بعين الفؤاد و علي مقتضي الفطرة التي فطر اللّه عليها العباد و ذلك مفيد للمشاهدة و المعٰاينة و ذلك بقراءة ما كتب اللّه في الواح كتب الٰافاق و الانفس من الٰايات الدّالّات علي معرفة الاشيٰاۤء كمٰا هي لانّها هي مرايا المعٰاني و الاعيان و ليس فيها شُبَهٌ و لٰا اوهام و لا شكوك بل هي اشباح الاشياۤء و اظلّتها بالحقّ الّذي لا مرية فيه مع انّ هذا الدّليل انّما ينتفع به المؤمن الّذي امتحن اللّه قلبه للايمٰان و هو من كٰان صادقاً مع اللّه و مع رسُوله صلّي اللّه عليه و آله و اوصيٰائه عليهم السّلٰام كما قال الباقر (ع) ما من عبد حبّنا و زاد فٖي حُبّنا و اخلص في معرفتنا و سُئل مسئلةً الّا نفثنٰا في رُوعه جواباً لتلك المسئلة ، و امّا من قرع غير بابهٰا و اراد دخول بيتها من ظهره فانّه و ان عرف الدّليل و كيفيّة الاستدلٰال بها بمثل استعمال الرّياضات و الاذكار المعروفة عندهم فانّه لايوفّق لحقّها و يوفّق لكشف ما اشكل عليه في مذهبه البٰاطل بصورة الحقّ فهو بغير قصد شرعيّ يهٖيم في اودية البٰاطل الم‌تر انّهم في كلّ واد يهٖيمُون و انّهم يقولون ما لايفعلون فقد خرج من ظلمة جهل و دخل فٖي ظلمة نفاق و جحدُوا بها و استيقنتهٰا انفسهم ظلماً و علوّاً و ظلمة انكارٍ كما قال تعالي يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها ، ام لم‌يعرفوا رسولهم فهم [ص 61] له منكرون و في الحقيقة هذا ليس حكمةً بل هو استكبارٌ و شيطنةٌ و هي شبيهةٌ بالحكمة و لهذا ضلّ في دليلها كثيرُون و زلّ في سبيلها عارفون كما اشرنا اليه سابقاً من بعض مقالات اهل التصوّف و اعتقاداتهم و من قال بقولهم و اتّبَع آرَاۤءَهُم و هذا الدّليل اذا تحقّق لشخصٍ كان علمه ضروريّاً علم عيانٍ و احاطة لا علم اخبارٍ و مفهوم و معني هذا اَنّ ما تتصوّره و هو علمك ان كان بعد الرّؤية بالعين فهو علم عيان و ان كان بعد مُعايَنة اسبابه و ما يتفرّع عليها و ما تتوقّف عليه فهو علم احاطة و ان كان انّما سمعت الخطاب الملقي اليك فرأيت ببصيرتك ما دلّك اللّفظ عليه من جهة فهمك لا من جهة وضعه فهو علم اخبار و هذا الخطأ فيه اكثر من الصّواب اذ ربّما تفهم منه غير ما وضع اللّفظ له و غير ما اراد المخاطِب و انما تفهم شيئاً قد صاغَهُ لك الخيال بتلَوُّنِهٖ فينتقش فيه ما تلوَّن به و هذه الصّورة صورة العلم المفهوم و نظيره اذا رأيتَ شيئاً من بعيدٍ فظننت انّه انسانٌ فانه منتقش في مرٰاۤة خيالك صورةُ ما فهمت و هذا علم مفهوم و مظنون فلمّا قربتَ منه فاذا هو خشبةٌ و دليل الحكمة المشار اليه هو علم العيان و علم الاحاطة و دليله كتاب اللّه التّدويني و التكويني في الٰافاق و في الانفس و عينه و مبصره الفؤاد و هو نور اللّه و هو التّوسّم و هو الفراسةُ و لهذا قلنا انّ هذا لايقابله الّا الانكار لانّه قد عايَنَ فلايفقد فيقابله الجهل كما في العلم و لايتوقّف فيقابله الشّكّ كما في اليقين و اللّه سبحانه يحاكم صاحبه الي فؤاده و شرط صحته انصافُ ربّه سبحانه .

و امّا الموعظة الحسنة فهي ان يجري في الاستدلال علي حدود العقل الشّرعي و هو ما عُبد به الرّحمن و اكتُسِب به الجنان كما قال عليه السّلام و المراد انّك تقف مع خَصمك بين الاحتمالين فتدعوه الي ما فيه السّلامة [ص 62] و النّجاة و الاحتياط و الرّاحة منهما مع قطع النّظر عن الخصوص حين الدّعوة علي سبيل الفرض لتسهل معالجة الخصم و امالتُه الي الحقّ اذ لو دعوته الي الخصوص مع اعراضه عنه لم‌يقبل و لعُمّيَ عليه المنهج فاذا تحاكمتُما الي عقله كابره و انكر معروفه و اذا اعرضتَ عن الخصوص لم‌يبعد عنه فقَرِّبْه اليه علي جهة الفرض و ذلك كما قال مؤمن آل فرعون لمّا توامرُوا علي قتل مُوسٰي اتقتلون رجلاً ان يقول ربّي اللّه و هو قولٌ ان لم‌ينفعكم لم‌يضرّكم و الحال انّه قد جاۤءكم بالحقّ من ربّكم لانّ الذي اتي به لٰايشابه شيئاً من الباطل و لايكون في وسع احدٍ من البشر الاتيان بمثله و مٰا هذا شانه يكون حقّاً و لايكون الّا من عند من هو قادر علي ايجادكم و تربيتكم و لو جاز ان يكون في الاحتمال مع قطع النّظر عن كونه حقّاً للعلّة الّتي ذكرنا كاذباً فانّما كذبه علٰي نفسه لانّ ذلك لايضرّ الا من كذب و هو الّذي فرض كذبه و ان يك صادقاً كما تشهد به سنّة مَن كٰان قبلكم مثل قوم نوح و قوم هود و قوم صالح و غيرهم فانّه معكم كمثل اولۤئك مع قومهم يصبكم بعض الّذي يعدكم و انما قال بعض و لم‌يقل يصبكم الّذي يعدكم لانّ العالم باللّه لايحتم علي اللّه فيجوز ان يعدهم بشيء يعفو اللّه عنه كما وعد يونس عليه السلام قومه بالهلاك عن اللّه ثمّ بدا له سبحٰانه فعفٰا عنهم و كشف عنهم عذاب الخزي في الحيٰوة الدّنيا و متَّعَهُمْ الي حين و بالجملة فهذا و مثله هو دليل الموعظة الحسنة و هو يثمر علم اليقين لانّه راجع ( راجح ظ ) اختيار ما فيه النّجاة من الاحتمالين المتنازع فيهما و يقابله الشّك و الرّيب و التوقّف و لايقابله الانكار لانه قد يكون في شيء يقطع بحصول النّجاة فيه و ان لم‌يحصل له الاطّلاع عليه من باب الاحاطة و المعاينة و لايقابله الجهل لانّه لم‌ينظر في وجود شيء و عدمه ليكون اذا وجد تحقّق فيكون ضدّه فقدان ذلك الشّيء و انّما ينظر في شيء و ضدّه و هما [ص 63] موجودان يعتلجان في وجه العقل عند باب القلب لانّ الشّخص قبل الطّمأنينة في الشّكّ و الرّيب لتردّده بين الطّرفين او التّوقف ما دام الوقوف بين متعادلَيْن فاذا رجّح الحقّ و اطمأنّ عليه كان اليقين الّذي لٰايقابَلُ الّا بالشّكّ و الرّيب و التّوقف فاذا استعمل الاستدلال بالموعظة الحسنة افاد عند استكمال شرائطه التي من جملتها التّوفيق من اللّه تعٰالي اليقينَ و اللّه سبحانه يحاكِمُ صاحبَ هذا الدّليل يعني المستَدِلّ به و المستدَلّ عليه بفتح الدّال عند قلبه و شرطُ اِنتاجه انصافُ عَقْلِكَ اذا حَكَمَ عليك و امّا المجادلة بالّتٖي هي احسن فهو دليل ظاهر اكثر الاستدلالات به من النّاس و من المتكلّمين و الفقهاۤء لانّه يستند فيه الي ما يدلّ اللّفظ عليه بظاهره او ما يلزم ذلك من منطوق صريح او غير صريح او مفهوم او غير ذلك او الي احد القياسات الاربعة المنطقيّة و بالجملة فكتبُ العلماۤء مشحونة منه بل وجود غيره فيها قليل و القرءان و الاحٰاديث قد وردت بها ذكراً و استعمالاً لانّ عمدةَ قيام الحجج علي العوامّ به لانّ غيره من دليل الحكمة و الموعظة الحسنة لايكاد يعرف كونه دليلاً الّا عند اهلها و السّبيل هو الطّريق و المراد هنا الدّعاۤء الي اللّه سبحانه بتوحيده و عدله و بيان صفاته و اسماۤئه و الي القيام باوامره و الاجتناب عن نواهيه و الي رسُوله صلي اللّه عليه و آله و قبول امره و الانتهاۤء عند نهيه و تصديقه في كلّ مٰا اتٰي به عن اللّه تعٰالٰي من احوال النّشأتين و الي اهل بيته صلّي اللّه عليهم بمحبّتهم و محبّة محبّيهم و معاداة عدوّهم و البراءة منهم و بموالاتهم و التسليم لهم و القبول عنهم و الردّ اليهم و الاهتداۤء بهُديٰهم و الاحتمال لعلمهم و الاحتجاب بذمّتهم و الاتّكال علي ولٰايتهم و حبّهم و الاخلاص في الاعتراف بحقّهم و التّمسك بحبلهم و الايمان بانّ الحقّ لهم و معهم و فيهم و بهم و التّصديق بالتّفويض اليهم و التّعويض عليهم و انّ اِيَابَ الْخلق الَيْهِم [ص 64] وَ حِسَابُهُمْ عَلَيْهم وَ انَّ فَصْلَ الخطابِ عندهم و هذا كله من ولايتهم فيما يرجع الي الصِّفَاتِ الفعلية باعتبار متعلّقاتها و امّا ما يرجع الي الذوات فهم سبيل اللّه تعالي فيما يشاۤؤه و يريدهُ وَ يقدّرهُ و يقضيه و يمضيه و يأذن له و يُوَقِّتهُ و يكتبه و يؤجِّلُه في ساۤئر خلقه بمعني ان كل شيء من خزاۤئن غيُوبه مما جعله لخلقه فقد جعله عندهم (ع) و لم‌يجعل فيما خَصَّهُمْ به لِاَحدٍ مِنْ خَلقِهٖ نصيباً وَ لَمْ‌يجعل لاحدٍ مِنْ خلقه شيئاً الّا مما جعله عندهم و لم‌يجعل لاحدٍ مِنْ خلقه ممّا جعله عِنْدَهُمْ اِلّا بهم فهم السَّبيلُ اي سبيل اللّهِ الي عباده و هم حقيقةُ ذلك كلِّهٖ و ظاهرُهُ و هم السبيلُ اي سَبيل الخَلْق الي اللّهِ عَلَي نحو ما تقدّم من توقّف قبول الاعمال و الدّعاۤء و الاذكَار و غير ذلك عَلي محبّتِهمْ و ولايتهم و الاخذ عنهم و الرَّد اليهم و التسليم لهم و البراءة من اعداۤئهم و جميع مَا ذكر سَابقاً ممّا يثبت لهم ممّا ذكرنا سابقاً و قدْ تَقدّمَ هذا المعني مكرراً و الحاصل انّهم عليهم السلام دعوا الي سبيل اللّهِ الّذي هو الطريق الذي يحقّ ان يُسَبَّل فلايكون لاحدٍ ارادَهُ مانعٌ لانه سبحانه منذ فتح باب الخير مَا سَدَّهُ عن طالِبٍ وَ انِّما اَعْمَالهم تحجبهم عن سلوك الطريق الموصل الي الحق بدليل الحكمة المشار اليه سابقاً و بالموعظة الحسنة حتي لايكون لاحد من الخلق حجة علي اللّه .

قال عليه السلام : و بذلتم انفسكم في مرضاته و صبرتم علي ما اصابكم في جنبه .

قال الشارح (ره) و بذلتم انفسكم في مرضاته بالمداومة علي العبادات او باظهار الشريعة و ان اصابهم ما اصابهم من الشهادَةِ سرّاً او جهراً فانه روي في الاخْبار المتكثرة انهم قالوا مَا منّا الّا وَ هُوَ شَهٖيد و نقل ايضاً من سقي جَبَابِرَةِ و طواغيت ازمنتهم السُّموم و صبرتم علي ما اصابكم في جنبه اي في امره و رضاه و قربه انتهي .

[ص 65] اقول انّهم عليهم السلام بَذلُوا انفسهم في مرضاة اللّه سبحانه حتّي اضَرُّوا بانفسهم في المطعم و المأكل و الملبس كما هو مذكور في اَخْبَارِهم و لقد روي الشيخ في مجالسه بسنده عن ابي‌جعفر محمد بن علي عليهما السلام ان فاطمة بنت علي بن ابي‌طالب لما نظرت الي ما يفعل ابن اخيها علي ابن الحسين عليه السلام بنفسه من الدأب في العبادة اتت جابر بن عبداللّه بن عمرو ابن حزام الانصاري فقالت له يا صاحب رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله انّ لنا عليكم حقوقاً من حقِّنا عليكم اَن اذا رأيتم احدَنا يهلك نفسه اجتهاداً ان تذكّروه اللّهَ و تدعوه اِلي البقيا علي نفسه و هذا عليّ بن الحسين (ع) بقيّة ابيه الحسين (ع) قد انخرم انفه و ثفَنت جبهته و ركبتاه و راحتاه اذاب منه لنفسه في العبادة فاتي جابر بن عبداللّه باب علي بن الحسين عليهما السلام و بالباب ابوجعفر محمد بن علي عليهما السلام في اُغَيلمةٍ من بني‌هاشم قد اجتمعوا هناك فنظر جابر اليه مقبلاً فقال هذه مشية رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سجيّته فمن انت يا غلام قال فقال انا محمد بن علي بن الحسين فبكي جابر رضي اللّه عنه ثم قال انت واللّه الباقر عن العلم حقاً ادنُ منّي بابي انت فدنا منه فحلّ جابر ازرارَهُ و وضع يده علي صدره فقبّله و جعل عليه خدّه و وجهه و قال له اُقْرِئُكَ عن جدّك رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله السلام و قد امرني ان افعل بكَ ما فعلت و قال لي يوشك ان تعيش و تبقي حتّي تلقي من ولدي مَن اسمُه محمّد يبقر العلم بَقْراً و قال لي انّك تبقي حتي تعمَي ثم يكشفُ لك عن بصرك ثم قال ائذن لي علي ابيك فدخل ابوجعفر علي ابيه عليهما السلام فاخبره الخبر و قال انّ شيخاً بالباب و قد فعل بي كيت و كيت فقال يا بني ذلك جابر بن عبداللّه ثم قال اَمن بين ولدانِ اهلِكَ قال لك ما قال و فعل بك ما فعل قال نعم ابي اللّه انه لم‌يقصدك فيه بسوءۤ و لقد اشاط بدمك ثم اذن لجابر فدخل [ص 66] عليه فوجده في محرابه قد اَنْضته العبادة فنهض علي عليه السلام فسأَله عن حاله سؤالاً حَفيّاً ثم اجلسه بجنبه فاقبل جابر عليه يقول يا ابن رسول اللّه (ص) اما علمت انّ اللّه تعالي انما خلق الجنّة لكم و لمن احبكم و خلق النار لمن ابغضكم و عاداكم فما هذا الجهد الذٖي كلّفتَهُ نفسَكَ قال له علي بن الحسين يا صاحب رسول اللّهِ صلي اللّه عليه و آله اما علمتَ انّ جدي رسول اللّه قد غفر اللّه له ما تقدمَ من ذنبهِ و ما تأخر فلم‌يدع الاجتهاد و تعبد بابي هو و امي حتي انتفخ الساق و ورم القدم و قيل له اتفعل هذا و قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخّر قال افلااكونَ عبداً شكوراً فلما نظر جابر الي علي بن الحسين عليهما السلام و ليس يغني فيه قولُ مَنْ يستميله من الجهد و التعب الي القصد قال له يا ابن رسول اللّهِ البقيا علي نفسِك فانك لمن اُسْرَةٍ بهم يستدفع البلاۤء و يُسألُ كشف اللَّأواۤء و بهم يستمطر السماۤء فقال يا جابرُ لاازال علي منهاج ابويّ مؤتسِياً بهما صلوات اللّه عليهما حتّي القاهما فاقبل جابر علي مَن حضر فقال لهم واللّه مارُأيَ في اولاد الانبياۤء مثل علي بن الحسين الّا يوسف بن يعقوب عليهما السلام واللّهِ لذرّيّة عليّ بن الحسين افضل من ذرّيّة يوسف بن يعقوب انّ منهم لمن يملأ الارض عدلاً كما مُلِئت جوراً ه‍ ، و كذلك جميع الائمة الطاهرين صلوات اللّه عليهم اجمعين فانّهم اتعبوا انفسهم في عبادة اللّه في الصلوة و الصيام الي حدٍّ لايقوم به احد من الخلاۤئق لا ملك مقربّ و لا نبي مرسل و كانوا يقتفون اثر جدهم صلي اللّه عليه و آله و كان اذا صلّي قام حتّي تتفطّر رجلاه قالت عايشة يا رسول اللّه اتصنع و قد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخر قال يا عايشة افلااكون عبداً شكوراً و غير ذلك مما يصعب حصره و روي الشيخ في اماليه بسنده عن محمد بن مسلم قال دخلتُ علي ابي‌جعفر عليه السلام ذات يوم و هو [ص 67] يأكل متّكِئاً و قد كان يبلغُنَا انّ ذلك يكره فجعلتُ انظر اليه فدعاني الي طعامه فَلمّا فرغ قال يا محمّد لعلّك تري انّ رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله رأته عين و هو يأكل متّكئاً منذ بعثه اللّه الي ان قبضه ثم ردّ علي نفسه فقال لا واللّه مارأته عين و هو يأكل متّكئاً منذ بعثهُ اللّه الي ان قبضه ثم قال يا محمّد لعلّك تري انه شبعَ من خُبزِ بُرٍّ لا واللّه ماشبع من خبز بر ثلاثة ايام متواليةٍ الي اَن قبضه اللّهُ اَما اني لا اقول انّه لم‌يجد لقد كان يجيزُ الرجل الواحد بالمائة من الاِبل و لو اراد اَن يأكل لَاَكَلَ و لقد اتاه جبرئل عليه السلام بمفاتيح خزاۤئنِ الارض ثلاث مرّاتٍ فخيّره من غير ان ينقصه اللّهُ ممّا اعَدّ له يوم القيمة شيئاً فيختار التّواضع لربّه و ماسُئِل شيئاً قطّ فقال لا ، ان كان اعطي و ان لم‌يكن قال يكون ان شاۤء اللّهُ و مااعطي علي اللّهِ شيئاً قطّ الّا سلّم اللّهُ له ذٰلِكَ حتّي ان كان ليعطي الرجل الجنّةَ فيسلّم اللّه ذلك له ثم تناولني بيده فقال و ان كان صاحبكم عليه السلام ليجلس جلسةَ العبد و يأكل اكلة العبد و يطعم النّاس الخبز و اللّحم و يرجع الي رَحْله فيأكل الخلّ و الزَّيت و ان كان ليشتري القَمٖيصَيْنِ السنبلانيَّيْنِ ثم يخيِّر غلامه خَيْرَهما ثم يلبس الٰاخر فاذا جَاز اصَابعَهُ قطعَهُ و اِنْ جَاز كعْبَهُ حَذَفهُ و ما وَرَدَ عليه امرانِ قطّ كلاهما لِلّهِ رِضاً الَّا اخذ باشَدِّهِما علي بدَنِهٖ و لقَدْ وليَ النّاسَ خمس سنين ماوضَع اٰجُرَّةً علي آجُرَّةٍ و لا لِبنَةً علي لِبنَةٍ و لا اقطعَ قطيعةً و لا اورثَ بيضاۤء و لا حمراۤء الّا سبعمائة درهمٍ فضَلَتْ من عَطاۤئِه اراد ان يبتاع بها لاهله خادِماً و ما اطاق عمله منّا احد و ان كان علي بن الحسين عليه السلام لينظر في كتابٍ من كُتب عليٍّ عليه السلام فيضرب به الارض و يقول مَن يطيق هذا ه‍ ، و في رواية محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام الي ان قال و لقد اعتق الف مملوك من كدِّ يده و تَرِبَتْ فيه يداه و عرق فيه وجهه و مٰاطاق عمله من الناس كان يصلّي في [ص 68] اليوم و الليلة الف ركعة و ان كان اقرب الناس شبهاً به علي بن الحسينِ عَليهما السلام و مااطاق عمله احدٌ من الناس بعده ه‍ ، و بالجملة كلهم عليهم السلام في العبادة و الخشوع للّه و الزهد و الورع و الكرم و القيام بالجهاد في سبيل اللّه تعالي جهاد النفس و جهاد الكفّار و البغاة قد بذلوا انفسهم و اموالهم لم‌يبقوا فيهما بقيّة لانفسهم و لا لمن سويهم حتي اضرّوا بانفسهم في غاية الجهد و لقد كان جدّهم صلّي اللّه عليه و آله قام عشر سنين علي اطراف اصابعه حتي تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه يقوم الليل اجمع حتّي عُوتب في ذلك فقال اللّه عز و جل طه ماانزلنا عليك القرءان لتشقَي بل لتسعَدَ به و كان من ختام اجتهادهم و بذلهم انفسهم في طاعة اللّه انّ اللّه سبحانه لمّا خلق النور و خلق الظلمة و خلقهم من صفوة النور فهم زاكون طاهرون لم‌يشبهم كدر و لم‌تقع منهم معصية و خلق اعداۤءهم من صفوة الظلمة فهم خبيثون ليس لهم نور و لم‌تقع منهم طاعة خلط باقي الطينتين لما بينهما من نوع المشاكلة لانّ بقيّة النور التي هي طينة المؤمن لم‌تكن صافية بل فيها شوبٌ ما من الظلمة لقوّة المزج المقوِّم لها و كثرته زيادة علي ما يحصل به تقوّم النور و كذلِك بقيّة الظلمة التي هي طينة المنافقين التّابعين لم‌تكن صافية بل فيها شوب مَا من النور من جهة المزج المقوّم لها و كثرته زيادة علي مايحصل به تقوّم الظلمة فلمّا اخذ المؤمنين بيمينه اصابهم من لطخ المخالفين فحكم بعدله انّه لايجاوز ظلم ظالم فشفع محمد و اهل بيته الطيبين عليه و عليهم الصلوة و السَّلام عند اللّه سبحانه في شيعتهم و شرط عليهم فيما طلبوا منه و اجابهم اليه شروطاً قد عظّم بها مثوبتهم و رفع بها درجتهم الي مراتب عنده لم‌يكونوا ينالونها الا بتلك الشّروط و جعل هذه الشروط لتكميل شيعتهم لا لتكميلهم تشريفاً لهم و تنزيهاً لمقامهم عن توقفِ تكمّل ذواتهم علي [ص 69] شرطٍ لثلاثة اوجه :

الاوّل ان استحقاق ذواتهم لغايةِ الكمال الامكاني لم‌يكن مع اصل الشرط او بعده بل استحقاقها ذاتيٌّ لانّها قبل الشروط و قبل القيود لانّها ليست من الوجود المقيد من قوله تعالي يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نار .

الثاني لمّا كانت لطيفتهم منَ اللّه تعالي زاۤئدةً علي حقيقتهم و تلك الزيادة تكمّل كلّ ناقصٍ منهم بل لا تكميل لناقصٍ من الخلق الّا بها ناسب ان يُنسب اليهم الاشتراط لتكون ما كمّلوا به انّما هو لشرطٍ شُرِط عليهم لاظهار تكرّمهم علي محبّيهم و شفقتهم عليهم فلايكون ما فعلوه الّا بعوضٍ كما هو شأن غير المماليك انما يفعلون لمقابلة شيء و هم و ان كانوا مماليك له سبحانه لايخرج احد عن ملكه و لكنّه وهبهم انفسهم فنزّلهم منزلة الاحْرار تكرمةً لهم فلذا فوّض اليهم فقال تعالي هذا عطاۤؤنا فامنن او امسك بغير حساب .

الثالث التنويه بهم بين ساۤئر خلقه حيث تحمّلوا في رضاه من المشاۤقّ ما لايحتمله غيرهم مختارين اذ لو شاۤؤا لم‌يتحمّلوا ذلك و يقبل اللّه شفاعتهم فيمن شاۤؤا فمن الشروط انّهم يتحمّلون ذنوب محبيهم لانتسابهم اليهم فيرجعون اليهم بما عليهم من الذنوب و لهذا كثيراً ما يستغفرون من ذنوبهم الّتي تحمّلوها عن محبيهم فاذا كان المذنب من المؤمنين طيب الاصل كان ما وقع منه عليهم فتُعدّ مِن ساۤئر ذنوبهم و من هذا قول اللّه عز و جل لنبيه صلي اللّه عليه و آله ليغفر لك اللّه ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر ، و منها الدوام علي المجاهدات الشاۤقّة كما هو معروف بين المسلمين و منها الشهادة فانّهم عليهم السلام لم‌يمت احد منهم حتف انفه و ذلك انهم باعوا انفسهم علي الله بنجاة محبّيهم من النار حتي مضوا كلّهم علي الشّهادة فقد مات رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله بالسمّ و خرج عليّ عليه السلام مضرّجاً بالدم بضربة ابن‌ملجم لعنه اللّه لعناً وبيلاً و عذّبه عذاباً اليماً و ضربت فاطمة الزهراۤء صلي اللّه عليها علي ظهرها [ص 70] و جنبها حتي القتْ جنينها مُحَسِّناً و لُطِم خدّها و غُصِب حقّها و اوذِيت في ذرّيّتها و خُولف فيها قول ابيها صلّي اللّه عليه و آله و لقد نقل عبدالحميد بن ابي‌الحديد في شرح نهج البلاغة عن بعض الشيعة و اظنه مهيار الديلمي رحمه اللّه شعراً في هذه المعاني :

يا ابنتَ الطاهر كَم تُقرَعُ بالظّلم عصَاكِ

غضِبَ اللّهُ لخطبٍ ليلة الطفِّ عراكِ

و رَعي النارَ غداً فظّاً دعا اَمْسِ حماكِ

مَرَّ لم‌يَعْطف لشكواكِ و لااستحيي بُكاكِ

و اقتدي الناس به بعدُ فاُردي وَلدَاكِ

لهف نفسي و علي مثلِكِ فلتبكِ البواكي

فرِحوا يومَ اهانُوكِ بما ساۤء اَباكِ

و لقد اخبرهم انّ رِضاهُ في رِضَاكِ

و تعرّضتِ لامرٍ تَاقَهُ فانتهَراكِ

و ادّعيتِ النِحلةَ المشهود فيها بالصِّكاكِ

فاستَشَاطا ثمّ ما اِنْ كُذِّبا اِذْ كَذّبَاكِ

فزَوَي اللّهُ عن الرحمة زنديقاً زواكِ

و نَفَي عن بابه الواسِع شيطاناً نفَاكِ

و الحسن بن علي بن ابي‌طالب عليهما السلام اهين و خُذِل و ترك فريداً حتي جرحه الجراح لعنه اللّه بعدد ما في علم اللّه و مات بالسم كما مات جده رسول اللّه صلي اللّهُ عليه و آله سمّته جعيدة بنت الاشعث لعنها اللّه و منع من الدفن بجوار جدّه (ص) و الحسين بن علي عليهما السلام قتل بطف كربلاۤء غريباً وحيداً عطشاناً و هو يري ماۤء الفرات بعد ما قُتِّلت اولاده [ص 71] و اخوانه و بنو عمه و بنو اخيه و حماته و نهبت امواله و حرقت خيامه و سبيت نساؤه و سيّرت هدايا الي الشام علي عجف المطايا و حملت معهن رؤسهم علي الرماح يشهّروهن مع الرؤس من بلاد الي بلاد لِرضا يزيد و ابن‌زياد و علي بن الحسين عليه السلام سمَّهُ الوليدُ بن عبدالملك بن مروان لعنه اللّهُ و محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام سمَّه ابراهيم بن الوليد لعنهما اللّه تعالي و جعفر بن محمد عليهما السلام سمَّهُ ابوجعفر المنصور لعنه اللّه و موسي بن جعفر عليهما السلام سمّه هرون الرشيد بن المهدي لعنه اللّه و علي بن موسي عليهما السلام سمّه المأمون لعنه اللّه و محمد بن علي عليهما السلام سمه المعتصم لعنه اللّه و علي بن محمد الهادي عليهما السلام سمه المعتمد لعنه اللّه تعالي و الحسن العسكري سمه المعتزّ لعنه اللّه و الحجة المنتظر صلي اللّه عليه و علي آباۤئه الطاهرين غيّب اللّه شخصه فهو المضطرّ الذي يجاب اذا دَعا عجّل اللّه فرجه و سهل مخرجَهُ و رزقنا طاعته آمين رب العالمين و لو حاول شخص ان يحصي ما ترتّب علي بذلِهمْ انفسَهُم في طاعة اللّه تعالي من المشاقّ و الٰالام و الجُوع و معاداة الاعداۤء الكثيرة في اللّه و ما يَتَرتَّبُ علي ذلك لماكاد يحيط به .

و قوله عليه السلام : و صبرتم علي ما اصَابَكم في جنبه .

مُترَتِّب علي قوله و بذلتم انفسكم في مرضاته و ذلك انّهم بذلوا انفسهم في عبادته و صبروا علي ما اصابهم في جنبه من مشقّةِ العبادة من التعب الشديد و السهر في قيام الليل و التفكر في العالم و من الجوع في الصيَام له حتي انّهم ربّما بقوا ثلاثة ايام صاۤئمين لم‌يفطروا الّا بالماۤء و قد يربطون حجر المجاعة علي بطونهم و صبَرُوا علي الم ذلك و مشقتِهِ و من كلْفةِ الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و ما لقوا في ذلك فصبروا في اقامة ذلك [ص 72] علي مُعَادٰاة الاعداۤء و مجاهدة الباغين من الكافرين و المنافقين حتي جري عليهم ما ذكرنا الاشارة الي بعضه و الجَنْب جهة الشيء و يطلق علي الذاتِ مثل اوذي في جنب اللّه اي ذات اللّه اذا اريد منه في اللّهِ و ان اريد غير ذلك يكون بمعني الطاعة و قيل بمعني الامر و قيل بمعني القرب و الجوار فاذا قالوا عليهم السلام نحن جنبُ اللّه صحّ علي المعاني الاربعة و كلّها رُوِيت عنهم و قد مر ذكرُ ذلك و الصبر هو الحبس و المراد حبس النفس علي المكروه و قد روي ان كلّ شيء من الاعمال الصالحة له اجر مقدّرٌ الّا الصَّبْر فان اجره غير مقدّر قال اللّه تعالي انّما يوفي الصَّابرون اجرهم بغير حساب و هو علي ثلاثة اقسام صبر علي الطاعة و صبر عن المعصية و صبر علي المصيبة فالصبر علي الطاعة واحد بثلٰثمائة و الصبر عن المعصية واحد بستمائة و الصّبر علي المصيبة واحد بتسعمائة . اقول قد يفرق بين الصبر و البلاۤء فيكون الصّبر علي المكروه بالاختيار كالصبر علي الطاعة و الصبر عن المعصية و الصبر علي المكروه بغير الاختيار كالصبر علي المصيبة مصيبة الموت و الصبر علي الامراض هو البلاۤء كما في حديث بلال مؤذّن النبي صلي اللّه عليه و آله بسم اللّه الرحمن الرحيم اما باب الصبر فباب صغير مصراع واحد من ياقوتة حمراۤء لا حلق له و امّا باب الشكر فانه من ياقوتة بيضاۤء لها مصراعان مسيرة ما بينهما خمسمائة له ضجيج و حنين يقول اللّهمّ جئني باهلي قلتُ هل يتكلّم الباب قال نعم ينطقه اللّه ذو الجلال و الاكرام وَ امّا باب البلاۤء قلتُ اليس باب البلاۤء هو باب الصبر قال لا قلت فما البلاۤء قال المَصاۤئب و الاسقام و الامراض و الجُذام و هو باب من ياقوتة صفراۤء مصراع واحد ما اقلّ من يدخل فيه الحديث ، و الظاهر انّ الصبر من حيثُ هو واحد و انّما ذكر مخالفاً لبعضهِ كما فرق في الحديث الاخير لاجلِ متعلقّه فاذا حبس نفسه علي تحمّل مشقّةِ الطاعةِ و ترك المعصيةِ سُمِّي صبراً و اذا حبس نفسه علي تحمّل [ص 73] مشقّة مصيبة الموت و مشقّة الاوجَاعِ و البَلايَا و المحن في الدّنيا سُمِّيَ بَلاۤءً و في الحالين حبس النفس علي المشقة و هو الصّبر ثمّ اخْتِلاف مراتبه في الحديث الاول الذي نقلناه بالمعني لعَلّه لانّ الصبر علي الطاعة فيه ثواب موافقة امر اللّهِ و مخالفة هوي النفسِ و هُوَ ضَعٖيفٌ لانّ اصله عدمي و الصّبر عن المعصية فيه ثواب موافقة نهيه و مخالفة هوي النّفس و هذا و ان كان ايضاً عدميّاً لكن استمدادُها بالمعصية اقوي من استمدادِها بترك الطّاعة لانّ تركَ الطّاعة غذاۤءٌ ضعيف للنفس الامّارة لرجوعه الي ضعف الضدّ لا الي تقوية النفس بخلاف المعصية فانّها غذاۤء للنفس الامّارة قوي لرجوعه الي تقويتها مع استلزامه ضعف الضدّ و مثاله ان نفرض السير الي الغرب فعل الطاعة و السير الي الشرق فعل المعصية فاذا غرّبت لزمك انّك لم‌تشرق و اذا لم‌تغرب لم‌يلزم منه انك شرّقتَ الذي هو مثال المعصية و لكنه اسوء من التغريب و اذا شرقتَ لزمك انّك لم‌تغرّب و اذا لم‌تشرّق لم‌يلزم منه انّك غرّبتَ الذي هو مثال الطاعة و لكنه ليس اسوء من التَشريق و لا مساوياً له بل التّشريق اسوء منه فلهذا كان الصبر عن المعصية ضِعفَ الصبر علي الطاعة و امّا الصبر علي المصيبة فهو جامع للصبرين لموافقته امر اللّهِ و مخالفته الهوي فيما هو ذاتي له كما في المعصية بل هو ابلغ لانه ذاتي وجودي بخلاف ذاتي المعصية فلهذا كان الصبر علي المصيبة مثل الصبرين الاولين و اما كون باب الصبر في ابواب الجنة صغيراً فلضيقه علي السالك منه لانّ الصبر حبس النّفس علي ما تكره مع استمراره و حبسها علي ما تكره مع الاستمرار شديد الضيق عليها لعدم انبساطها معه و اما كونه مصراعاً واحداً فلانه لمّا كان حبساً مستمراً اقتضي الوحدة اذ ليس فيه انتقال ليكون فيه تعدّد فافهم و اما انه ليس له حلق لانّ حلق الباب انّما توضع للاستيذان و الصبر ليس فيه استيذان لو انّه عدم الجزع و قد كان [ص 74] عدم الجزع موجوداً قبلَ المصائب و البلايا فهو ليس بجازعٍ قبلها فاذا وقعت بقي علي الحالة الاولي و لو فُرِضَ انّه جزع بعد المصيبة ثم صبر لم‌يكن ذلك مُنَافِياً لعدم الاحتياج الي الاستيذان الذي يراد منه عدم توقف الدخول فيه علي امرٍ خاۤصّ و يعبّر عنه ظاهراً بالاستمرار علي ترك الجزع بخلاف باب الشكر فانه يحتاج الي انشاۤء عمل لا انّه استمرار علي الحالة الاولي كالصبر فلذا كان لباب الشكر مصراعانِ و انّما كان ابيض لما فيه من الرخاۤء و برد القلب المعبر عنه بالبياض بخلاف الصبر فهو احمر لما فيه من حرارة تجرّع البليات و المصاۤئب و امّا باب البلاۤء فهو باب مثل باب الصبر في كونه صغيراً و مصراعاً واحداً و امّا كونه اصفر فلان البلاۤء و ان كان حبساً علي ما تكره النفس لكنه لم‌يكن سببه اختيار الصابر لتكون تلك الحرارة مع الندم الذي منه اليبوسة المستلزمانِ للحمرة كما في الصبر و انّما تلك الحرارة التي من ذلك الحبس كان معها الرضا الذي هو الرطوبة رطوبة الحيوة المستلزمان للِصُّفْرة فلذا كان اصفر فافهم .