قال عليه السلام : فعظمتم جلاله و اكبرتم شأنه .

قال الشارح (ره) فعظمتم جلاله بالعقد و القول و العمل و لم‌يقع منهم ما يدل علي عدمه من ارتكاب مباح و اكبرتم شأنه كالسابق او افعالُهُ .

اقول العظمة هي الكبرياۤء المعنوية و استعظم تكبّر و اَعْظَمَهُ و عظّمه تعظيماً وقّرَهُ توقيراً اي خَشَع لعظمته و العظمة تظهر بصفةٍ هي كنه الكبرياۤء فيستحقر مَنْ يشاهد نور تلك الصفة نفسه و كل شيء سوي اللّهِ و منه ما روي عن النبي صلي اللّه عليه و آله ما معناه انه سمع رجلاً يقول ما شاۤءَ اللّهُ و شاۤء محمد ما شاۤء اللّه و شاۤء علي فقال صلي الله عليه و آله لاتقل هكذا و لكن قل ما شاۤء اللّه ثم شاۤء محمد ما شاۤءَ اللّه ثمّ شاۤء علي انّ مشيّة محمّدٍ [ص 27] في مشيّة اللّه كمثل الذبابة تطير في هذا العالم و انّ مشيّة عليّ في مشيّة اللّه كمثل البَعُوضة تطير في هذا العالم اقول اذا اردتَ ان تتخيّل هذه الصفة من اثر العظمة فانا امثّل لك بما تقرّب به الي فهمك فاقول انّ نسبة ظاهرك الي ظاهر العالم كنسبة باطنك و ما تتخيّل به الي باطن العالم الذي هو اثر تلك العظمة و انت اذا نسبت نفسك الي جبلٍ من الجبال التي علي وجه الارض رأيت جسْمَكَ احقر من ان يوصف او ينسب الي الجبل فانك اذا رأيتَ شخصاً تحت الجبل و انت بعيد عنه رأيته كالذرّة عند الجبل و اعظم الجبال اذا نسبته الي الارض وجدته بهذه النسبة و الارض جميعها اذا نسبتها الي هودِ بن آيسة و هو النجم الصغير عند الوسطي من الثلاث النجوم المتأخرة من بنات‌نعش و هو المعروف بالسّها كان بقدر الارض خمس‌عشرة مرّة علي ما ذكره بعض علماۤء الهيئة مع انّه من صغار النجوم لايراه البصر الضعيف لصغره و هو اذا نسبته الي جميع العالم رأيته شيئاً في غاية الصغر و الحقارة فاذا نسبتَ جسمك الي جميع العالم ظهر لك ما يكادُ يتحقق من حقارة جسمك و صغرك و نسبة غيبك الي غيب جميع العالم كنسبة شهادَتِك الي شهادته في الصِّغر و الضّعف و الحقارة و جميع العالم اَثر من صفة تلك العَظمة و ذلكَ لانّ العظمة التي هي الذّات المقدّسة لاتقدّر بقدرٍ و لاتتوهّم بالاوهام و لايعرف شيء كيفَ هو الّا بما دلَّ عليه و قد دلّ علي ذلك بما اظهر من آثار فعله و هذه العظمةُ المشارُ اليها المبحوث عن آثارها و صفاتِها هي عَظَمةُ فعلِه و مشيّتهِ و هي الدّاۤلّة علي مَا شاۤءَ من صفاتِ عَظمتِهٖ و تظهر عظمةُ فعلِه "٢-" في آثارِه "-٢" و جميع العالم آثاره "-٢" فاذا عرفتَ انّ غيب جميع العوالم آثار عظمة فعله و عرفت حقارة غيبك في غيوب جميع العوالم ظهر لك ما لاتقدر علي وَصْفِ شيء منه من العظمة و قد جعلَ اللّه سبحانه محمّداً و آلَهُ صلي اللّهُ عليه و آله خزاۤئن [ص 28] هذه الغُيوب فتعظيمُهمْ لِجَلالِ اللّهِ لايساويه تعظيم شيء من خلقِ اللّه تعالي لانّهم محاۤلّ مشيته و الكلمات التي ملأت اركانَ كلِّ شيءٍ بل بالاقتداۤء بهم و الاخذِ عن تعليمهم يعظّم اللّه تعالي و يقبل ممّن عظّمه تعظيمه اذا كان عنهم و بسبيلِ تعظيمهم و تظهر العَظَمَةُ بصِفةِ القدسِ فلاتظهرُ علي قلبٍ و فؤادٍ الّا و يرفع شأنَ اللّهِ و مقامَهُ عن كلّ ما في الامكان من الذّوات و الهيئات و الاعمال من التسبيح و التقديس فلو قال قاۤئل لا اله الّا اللّه و الحمد للّه مثلاً فهو عند مَن ظهرت عليه هذه العظمة بالاعتبار الثاني منزّه عن ذلك التهليل و التحميد فعلي الاعتبار الاوّل يأوّل قوله تعالي سبحن اللّه عما يصفون الّا عبادَ اللّه المخلصين و علي الاعتبار الثاني يأوّل قوله تعالي سبحن ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون يعني بدون استثناۤء كما وقع في الٰاية الاولي و امّا ما مجَّدَهُ بِهٖ المرسلون و عباده المخلصون بما يليق بجلاله فانّما هو مقبول لعدم قدرتهم علي ازيد منه فهو ينسب اليه تعالي بالنسبة الي حالهم و قدرتهم و امّا بالنسبة الي مقامِه تعالي فهو منزّه عنه و المرسلون ممدوحون بما فعلوا ممّا هو منزّه عنه فابان عن مدحهم علي ذلك بقوله تعالي و سلام علي المرسلين بعد ما نزّه نفسه عن وصفهم و ما اثنوا به عليه تعالي ثم حمد نفسه بنفسه بعظيم الثناۤء بانه لايليق به وصف واصفٍ الا ما وصف به نفسَهُ بنفسه لا بغيره فقال و الحمد للّه ربّ العالمين ، و الجلال العظمة او بِمَعْنَاهَا علَي الاعتبارِ الثّاني فانّه في قوله تعالي تباركَ اسْمُ ربِّكَ ذي الجلال و الاكرام كَذٰلكَ بقرينة الاكرام فاِنَّهُ بعطف الاكرام عليه المقتضي للمغايرَة يدل علي ارادَةِ مَعْنَي العِزَّةِ منه و ما وَرَد في تفسير قال اللّهُ عزّ و جلّ اي استولي علي ما دقّ و جلّ بمعني اَنّ عزّ بمعني دَقَّ و اَنَّ جَلّ بمعني عَظُمَ فهو بالاعتبار الاوّل للعظمة و اذا قلتَ يجلّ عن اَنْ تحيط به الْاَوْهَام فهو بمعني يعظم علي الاعتبار الثاني ثم انّ الجلال قد اختلف فيه في اصطلاح اهل العرفان [ص 29] هل يراد منه نور الجمال و الجمال نور الذات ام الجمال نور الجلال و الجلال نور الذات و اعْلَي الحجب مع ظهور آثار القهر عنه في الاعتبارين و الاولي ان نقول اذا لوحظ فيه معني العزّة و القدس كان اطلاقه علي نور الذاتِ اولي و الجمال ضياۤء الجلال و اِنْ لوحظ فيه معني العظمة بالْاِعتبار الاول جاز فيه اَنْ يُقَال انه نور الجمال و اَنّ الجَمال نور الجلالِ و لايُنَافٖيه ظهوره بالقهر لانّ لجماله جلال ( جلالا ظ ) و لجلاله جَمَالٌ و الفاۤء في قوله عليه السلام فعظّمتم للتَّفْريع لانّ تعظيمهم لجلاله و ما بعده متفرّع علي ما تقدّم من قوله اصطفيكم بعلمه و ارتضاكم لغيبه الي آخره فيكون تعظيمهم لجلالِهٖ بمشيته من الجهة الّتي ذكرها عليه السلام من الاصطفاۤء و الارتضاۤء و الاختيار و الاجتباۤء و الاعزاز و التخصيص و الانتجاب و التأييْد و الرّضا و اذا كان كذلك كان علي وفق محبّته كما يشاۤء و يريد فليس بعد ثَناۤئه علي نفسه بنفسه ثناۤء اخص و لا اعمّ و لا اكمل و لا اشمل مِن ثناۤئهم عليْه لانّه بكل لسانٍ و بكل لغةٍ في كلّ رتبةٍ فعظّموا جلاله بانفسهم حيث لم‌يَخْلُقِ اللّهُ غَيْرَهُم فلمّا خَلَقَ خَلْقَهُ علّمُوهُمْ الحمد و الثّناۤء فعظموا جَلالَهُ بما خَلَقَ و فيما خلق حتّي عُبِدَ اللّه في ارضه و سماۤئه بدعاۤئهم الي اللّه و بهداهم الي رضَاهُ فكان ذلك التعظيم لجلاله سبحانه بما عقدت عليه الضماۤئر و انطوت عليه السراۤئر و بما نطقت به الالسن و عبدت به الحواۤسّ و الجوارح و الاركان بحركاتها و سكنَاتِها و نُموِّها و ذُبولها و تفرّقها و افتراقها و اجتماعها و اعمالها و اقوالها و احوالها علي نحو ما اشرنا اليه سابقاً و لهم عليهم السلام علي ذلك كُلِّهٖ الولايةُ و القيّوميّة ان كلّ مَن في السموات و الارض الّا آتي الرحمن عبداً لقد احصيٰهم و عدّهم عداً و كلهم آتيه يوم القيمة فرداً و حيث كانوا اوّل الخير و آخره و معدنه و مأويٰهُ و منتهاه كانوا هم الدعاة الي اللّه و هم [ص 30] دعوة الحق و سبّاق الخلق و الهداة الي الحق و الخلق بهم يهتدون يومئذ يتّبعون الداعيَ لا عوج له و خشعت الاصوات للرحمن فلاتسمع الّا همساً اللهمّ صل علي محمد و ال‌محمد .

قوله عليه السلام : و اكبرتم شأنَهُ .

اكبر بمعني اعظم اي جعله في نفسه عظيماً و هذه العظمة علي الاعتبارين السابقَيْنِ و اكبر بمعني اعظم في اعتبارَيْه و الشأن هو الامرُ و الحال و المقام و معني انّهم اكبروا امرَهُ اي اعظموا ما يحدثه من افاعيله و احكام مقاديره و حكيم تدابيره في انفسهم بمعني انهم اذا تدبّروا في مصنوعاته و ما هي من لطيف الحكمة مع اشتمالها علي الٰايات الدّاۤلّات علي تقدّس ذاته و توحّد صفاته و اسماۤئه و تجليات اراداته مع عجيب من التعريف و بديع من التوصيف بغير تكييف و لا تحديد علي اكمل ما يمكن مع البيان في الاستدلال بما يقصر عنه المقال وجدوا فيه من الحكم و الاسرار ما لاتدركه الابصارُ و لاتقدّره غوامض الافكار و وجدوا صنعاً متقناً عن علم محكم و امر مبرم يشهد للرَّبّ بالوحدانيّة و التفرّد بالصنع الاكمل الاَتمِّ و روي عن النبي صلّي اللّه عليه و آله في قوله تعالي كلّ يوم هو في شأن و قد قيل و ما ذلك الشأن فقال من شأنه ان يغفر ذنباً و يفرّج كرباً و يرفع قوماً و يَضَعُ آخَرٖين و روي القمّي قال يحيي و يميت و يرزق و يزيد و ينقص و روي ايضاً انّ النبي صلّي اللّه عليه و آله كان اذا قرأ قوله تعالي و ماتكون في شأن و ماتتلو منه من قرءان و لاتعملون من عمل الّا كنا عليكم شهوداً اذ تفيضون فيه الاۤية يبكي بكاۤءً شديداً و ذلك من عظم ما يري من شأن اللّهِ الذي يحدثه و امّا الحال فان اللّه سبحانه لايُعْلم كيف هو في سر و لا علانية الّا بما دَلَّ عليه من آثار اَفْعاله فلما رأوا عليهم السلام الامثال التي ضربَها للخلقِ و عَقَلُوها وجدوا فيها آياتِ قدرةٍ [ص 31] لاتتناهَي و علم لايُغايَا و كرمٍ لايُحَدّ و جودٍ لاينفد و فضلٍ سرمد و فيضٍ و مددٍ و غناۤء مطلق و بقاۤءٍ محقّقٍ فمانظروا في آيةِ حالٍ من احوال صفاته الّا و وجدوا ما يهيم فيه الافكار و تنحسر دونه الابصار حتّي قال سيّدهم الافخر و نبيّهم المطهّر محمد صلي اللّه عليه و آله اللّهمّ زدني فيك تحيّراً و ذلك لما ظهر له ممّا لايَكادُ يَهْتَدٖي اليْه سبيلاً الّا بتعليم اللّه سبحانه و هُوَ قولُه تعالي و علّمَكَ ما لم‌تكن تعلم و كان فَضْلُ اللّهِ عليك عظيماً لانّه كلّما علّمه ما تَحَيّر فيه تجلّي له بما يُحيّرهُ فاذا تحيّر فيه تفضّل عليه بعظيمٍ من عطاۤئِهٖ و علّمه ايّاه و هكذا و ليس لهذا السّير نهاية و لا لهذا التحيّر غاية و ليسَ ذلك الّا لعظيمِ حال الرّبوبيّة المتقدّس عمن دخل في الامكان فيُكْبِرُونَ هذا الشان الّذي هو حال العظمة و السلطان علي الوجهين السابقين و امّا المقام فانهم عليهم السلام لمّا اشهدهم خلق انفسهم و وجدوا اَلّا حقيقة لهم و لا لاحدٍ مما سوي اللّه عز و جل الا ما تعرّف لهم به من وصفه لهم فحقيقَتُهُم ذلك الوصفُ لا غير و كان سبحانه و لا وَصفَ ثم اقامَ بفعله الوصفَ بنفسِهٖ فالوصف انّما هو شيء بما شَيَّئَهُ سبحانه و تعالي علموا انّهم هم و ساۤئر الخلق لايملكون لانفسهم ضراً و لا نفعاً و لايملكون موتاً و لا حيوةً و لا نشوراً و كما قال عليه السلام في الدعاۤء ليس لنا من الامر الّا ما قضيتَ و لا من الخير الّا ما اعطيتَ و انه يجب عليهم منه و يجب منهم له جلّ و علا انّهم لايأتون الّا ما لَهُ منهم و لايطلبون الّا ما لهم منه كما انهم ليسوا الّا عنه و به و منه و له و اليه و خافوا مقامه و اماتوا انفسهم في رضاه و محوا اعتبار انّيّتهم في امره و نهيه فاكبروا مقامه علي الاعتبارين السابقين و ذلك لانّ اللّه سبحانه عرّفهم انفسهم في كتابَيْه التدويني و التكويني فانزل عليهم في كتابه التدويني و تحسبهم ايقاظاً اي ذوي شَيئِيّةٍ و تحقُّق و شعورٍ بما يُفْعَلُ بهم و تريهم ينظرون اليك و هم لايبصرون و هم رقودٌ اي [ص 32] لا شيء الّا تَشْٖييئُنا لهم القاۤئم بفعلِنا قيام صُدور و نقلّبهم ذات اليمين و ذات الشمال اي نيسّرهم لما خلقناهم له من طاعةٍ و معصيةٍ و خيرٍ و شرّ و سَعادة و شقاوة و بقاۤء و فناۤء و غنيً و فقرٍ و صحة و سقم و علم و جهل و سرورٍ و حزنٍ و حركةٍ و سكون و نطق و سكوتٍ و رضيً و غضبٍ و حيوة و موتٍ و جنّةٍ و نارٍ و كلبهم باسطٌ ذراعَيْه بالوصيد الكلب الغضب المكالب علي دعوي الانّيّة باسط ذراع وجوده و ذراع ماهيّته اي يدي مادته و صورته بفِناۤء الكهفِ المأَوّلِ بالقلبِ او بباب فوّارة النور و في تفسير الكاشي و كلبهم باسط ذراعيه اي ناشرة قوّتيها الغضبيّة و الشهوانيّة بالوصيد اي بفناۤء البدن و لم‌يقل و كلبهم هاجع لانّها لم‌ترقد بل بسطت القوّتين في فناۤءِ البدن ملازمة له لاتبرح عنه و الذراع الايمن هو الغضب لانه اقوي و اشرف و اقبل لدَواعي القلب في تأديته و الايسر هو الشهوة لضعفِها و خسّتِها ، اقول تأويله علي خلاف تأويلنا لتقريره اليقظة في الرُّقُود و نحن نقول انّما هو بالظنّ و في بادي الرأي لو اطّلعتَ عليهم لولَّيْتَ منهم فراراً اي لو اشرفتَ ببصيرة فؤادك علي حقيقتهم لوجدتَ انك اشرفت علي غير شيء و علي غير ثباتٍ و لا ثابتٍ و لَوَلّيت ممّا ليس بشيء فِراراً الي الشيء الثابت الذي هو المفزع و الملتجي و مقوّي الضعفاۤء و مغني الفقراۤء و لَمُلِئْتَ مِنهم رعباً اي و لَمُلِئَ صدرك خوفاً لانّك اعتمدتَ علي غير شيء وَ توهّمْتَ ثباتَ غير ثابتٍ لاِنّكَ طَلبتَ الرِّيَّ من السَّرابِ و البَللَ مِنَ التّراب و التجأتَ الي غير ربّ الاَرْبَاب و انزل عليهم في الكتاب التكويني اَنْ خَلَقَ صُوْرَةَ الشَّخْص في المِرْءٰاةِ المُقَابِلة له شبحاً و مثالاً له بدناً لا روح فيه معلّقاً بظهور الشخص له به فالصورة ليست شيئا الّا ظهور الشخص بها بكينونة ظاهريّته التي هي مقابلته لها لانّ ماۤدّتها هيئة صورته و ظهورها و صورتها التي هي هيئة قابليّتها لذلِك الظهور بها بالانطباع هي هيئة المرءاة و لونها و مقدارها [ص 33] و صقالتها و تلك المادة صفته و هي له و وجودها هو ظهوره لها بها و حركتها و سكونُهَا نور حركته و سُكُونه بل ليْسَتْ شيئاً غيرَهُ و ملكوتها و ملكوت جميع صفاتها و احوالها بيد الشخص التي هي ظهوره لَهٰا بها فلمّا عرّفهم انفسهم بهذين و ما اشبههما كالنور من السّراج و الاصوات من المتكلم و الصَّدا من الصوت و الابصار بكسر الهمزة و الاسماع و السماع و الافهام و الاوهام و التخيلات و العلوم و العقول و ما اشبه ذلك عرفوه حقّ ما يمكنهم من معرفته كما نقل او نسب الي علي اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال :

اعتصامُ الوري بمغفرتِكْ عجز الواصفون عن صِفتِكْ

تُبْ علينا فانّنا بشَرٌ ماعرفناك حقّ معرفتكْ

و لم‌يعلموا ما هو و لا اين هو و لا كيف هو الّا بما عرّفهم من ذلك فاكبروا شأنه و عظموا حاله و قدره و خافوا مقامه لان الذي لايُعْرَف و لايُدْرَي ما يريد ان يفعل الّا بما شاۤء ان يعلموه لايؤمَنُ مكره و هذا اذا كان الخاۤئف منه مستقِلّاً بدونه قائماً بنفسه فكيف بمن الخاۤئف منه ليس هو الّا عبارة عن اثر فعله المتقوّم به تَقوُّمَ صدورٍ و هذا ايضاً يتحقّق علي الاعتبارَيْن السَّابِقَيْنِ في العظمة لانّها بمعني الكبرياۤء و ان كانت اكثر ما تستعمل فيما ظهر وَ العظمَة فيما بطن فافهم .

قال عليه السلام : و مجّدتم كرمه و ادْمَنتم ذكره .

قال الشارح قدس سرّهُ و مجّدتم كرمه اي عظّمتم ذاته الكريمة المشتملة علي الصفات الحميدة او كرامته اليكم او الاعم و ادمنتم ذكره اي ادَمْتم و الذكر ما يذكر اللّه به مِنَ العِبَادات و ترك المنهيّات او الذكر اللِسَّاني فانه وردَ في اخبارٍ كثيرة انهم صلوات اللّه عليهم كانوا مُداومين علي الذكر [ص 34] اللّساني حتي في الاكل و غيره و ظاهرها انها كانت من معجزاتهم كما ورد انهم يختمون القرءٰان عند الركوب انتهي .

اقول المجد الشرف الواسع و العلوّ و الكمال و الرفعة و الكرم و العزّ و روي المجد حَمل المغارم و ايتاۤء المكارم و المجد ايضاً في الرجل شرف الٰاباۤء و تمجيد اللّه الثّناۤء عليه بالمحامد التي تنبغي لكرم وجهه و عزّ جلاله و المجيد بمعني الماجد و جمعه امجاد و شريف و اشراف كاشهادٍ في شهٖيد و شاهد و الكرم ضدّ اللُّؤْم و الحُسْنُ و الرّضا و منه قوله تعالي انّه لَقُرْءٰانٌ كَرٖيمٌ اي حَسن مرضيّ في جنسه او كثير النفع و الكريم هو الموصوف بالكرم و هو الجامع لانواع الخير و الشرف و الفضاۤئل و الفواضل و وصف يوسف عليه السلام بالكرم لانه اجتمع له شرف النبوة و العلم و العدل و رياسته و رياسة الدنيا و الكرم الذي هو بذل المعروف و سخاۤء النفس بما يقتضي ايثار الغير بالخير و يطلق علي محبّة النفس للقيام باوَامر اللّه و اجتنابِ نواهٖيهِ و منه قوله تعالي ان اكرمكم عند اللّه اتقيٰكم اي لِلّهِ لسخاۤء نفسِه بمحبّة طاعة اللّه و يطلق علي العَمل بما يقتضي حفظ الدنيا و الدين من الاعمال لمداراة الاغيار كما في هذه الاۤية انّ اكرمكم عند اللّه اتْقيٰكم اي اشدّكم تَقِيّةً و مداراةً للاغيار و في حديث اكرام الضيف قال (ع) اكرموا الضيف و ذكر من اكرامه تعجيل الطّعام و طلاقة الوجه و البشاشة و حسن الحديث حال المواكلة و مشايعته الي باب الدار ، فانّ هذه و ما اشبهها من بذل المعروف و مكارم الاخلاق التي خصّ بها النبي صلي اللّه عليه و آله عشرة اليقين و القناعة و الصبر و الشكر و الحلم و حسن الخلق و السخاۤء و الغيرة و الشجاعة و المروّة و لمّا كانت العرب يُسمّون الخمر بابنة الكرم فلمّا جاء اللّه بالاسلام و حرّمها نهاهم النبي صلي اللّه عليه و آله وَ قَال لاتقولوا الكرم فان الكرم قلب [ص 35] المؤمن لانّه معدن التقوي يعني به معدن تقوي اللّهِ و تقوي النَّفْس و تقوي النّاس و امّا الكرم في حقّ الواجب جل و عَلا فقسمان ذاتي و فعليّ امّا الذاتي فهو ذاته سبحانهُ و لا مغايرة ثَمَّ انّما اللّهُ الٰهٌ واحد و مَا يعبّر عنه علي اي حالٍ كما قلتُ لك هو ذاته فهو في عنوان وصفِهٖ نفسَهُ لخلقه حين تعرَّفَ لَهُمْ بهمْ اي بذواتهم و ذلك الوصف الذي ليس كمثله شيء من خلقه هو خلقه سبحانه ليعرف به يعني بذلك الوصف لانّه انما وصف نفسه لهم به و هو حقاۤئقهم منه و لايَصِحُّ ان يكونَ لِوَصْفِهٖ الذي يُعْرَفُ به مثْلٌ و يجب ان يكون ذلك الوصف احدي المعني فلايوجد فيه رحمة و لا كرم و لا علم و كذا ساۤير الصفات يغاير الذات و انّما هو واحد من كل جهة بكلّ اعتبار و لذا كان من عرفَهُ فقد عرفَ ربّه لانّه آية معرفته و دليله في النفس و امّا الفِعلي فيظهر باثره فهو في الٰاثار ظاهِرٌ امّا ذات الكرم الفعلي فهو نفس الفعل و اوّل مظاهره في نفسه امكان الممكنات قبل اكوانها و هي العرش الاعْلَي ثم في الماۤء الاوّل فلمّا خلق منه الانوار الاربعة التي منها الخلق و الرزق و الحيوة و الممات جعلها اركان العرش فالعرش مركّب منها و عبارة عنها فكان العرش خزانة كرمه و لهذا قال تعالي ربّ العرش الكريم و هو السماۤء في قوله تعالي و في السماۤء رزقكم و مَا توعدون و فيه خزاۤئن الاشياء كما قال عز و جل و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه فتتعلق آثار كرمه من العرش بالاشياۤء علي حسب قابليتهَا و يختلف وصفه سبحانه بعبادته بها و بالثناۤء عليه بها اذ كل شيء يسبّح بحمده بلغته و بلسان ذاته فلا غاية لتسبيحها ما لم‌تفنَ فلمّا ادخلهم عليهم السلام ابوابَ حَرَمهٖ و عرّفَهُمْ مواقع كرمه و مواضع فضلِهٖ و نعمه مجّدوا كرمه بالتمجيد الذي لاينفد ابد الٰابدين تمجيدِ التعظيم و التشريف و التكريم و العزّ و العلوّ و الكمال و الرفعة في صنوف العبادات و انواع الطاعات و اجناس الاعتقادات كما [ص 36] هو اهله و كما ينبغي لكرم وجهه و عزّ جلاله ، و اَمّا ما تقدّم من معاني الكرم علي حسب استعمالات لفظ الكرم في تصاريفِ اللّغة من الحسن و الرضا و كثرة النفع و الخير و الشرف و الفضاۤئل و الفواضل و شرف النبوّة و العلم و العدل و الرياسات و بذل المعروف و سخاۤء النفس في ايثار الغير بالخير و محبّة النفس للقيام باوامر اللّه و اجتناب نواهيه و مداراة الاغيار لحفظ الدنيا و الدين و ما ذكر في اكرام الضيف كما تقدّم و ما ذكر في مكارم اخلاق النبي صلي الله عليه و آله من اليقين و القناعة و الصبر و الشكر و الحلم و حسن الخلق و السخاء و الغيرة و الشجاعة و المروّة و ما ورد انّ الكرم قلب المؤمن لانه معدن التقوي و الكرم هنا بسكون الراۤء من الكرم بفتحها فهي و مَا اشبهها من الصِّفَات الحميدة فهي آثار كرم اللّه الفِعْلي و اِنّما اختلفت لاختلافِ مَحاۤلِّها و قوَابلها و كل واحدٍ من هذه المعاني له مراتب مختلفة في القوّة و الضّعف علي حسب مراتب مَحالّها صاعدةً و نازلةً فاذا اعتبر المتوسّم حقاۤئق صاعدِها وجدَها غير متناهية في مراتب الصعود و الشرف و اذا اعتبر مراتب نازِلها وجَدَها غير متناهية في مراتب النزول و لم‌تخرج بترامي ضعفها عن اصل الشرف بل حيث ما يوجد موجود فلايفارقه شيء منه علي حسبه الي ان يفني الوجود بل لولا اصل هذا الكرم لم‌يوجد موجود لان الوجود فرع الكرم فلايوجد الوجود حيث يُفقد الكرم فالكرم اصل كل خير و لقد اشتمل ادني مراتبه علي خيراتٍ لاتتوهَّمُها الاوهام و لاتنال صفتها الافهام و اعلي ما يمكن ان يعرف من ذلك ما اوقف اللّه عليه اولياۤءه عليهم السلام من عجاۤئب مظاهر كرمه و هو حقاۤئق ما اشرتُ الي ظاهره بدقاۤئق الاشارات فلمّا عرفوا و اشرفوا من الباب الذي فتح لهم نظروا من مثل سَمّ الابرة الي ما شاۤء اللّهُ من نور الكرم [ص 37] فشكروا اللّهَ فشكر لهم ما شكروه به و اثنوا عليه بممادح ما هو اهله من الكرم و هو قوله عليه السلام و مجّدتم كرمه .

و قوله عليه السلام : و اَدْمَنْتُمْ ذكره ، اَدْمنَ بمعني اَدَامَ كما ذَكَرَهُ الشارح (ره) و بمعني لازم و واضبَ ( واظب ظ ) عليه و الذكر الحقيقي هو التوحيد الحقيقي الذي هو معرفة النفس اذ ليس للّه من عبده ذكر اعلي منه و لا اشرف منه لانّه اثبات الثابت بلا اثبات و نفي المنفي بلا نفي فهو ذكر اللّه الاكبر و دونه استغراق وجوداته في القيام باوامره و نواهيه كما امر سبحانه بان يذكره بامتثال اوامره و اجتناب نواهيه فلاتعرض طاعة الّا و يذكر اللّه و انه امره بها فيفعلها و لا معصية الّا و يذكر اللّه و انه نهي عنها فيتركها و هو الذكر الكثير كما قال تعالي و الذاكرين اللّه كثيراً و الذاكرات و سئل النبي صلي الله عليه و آله فقال ما معناه ليس هو سبحان اللّه و الحمد للّه و لا اله الا اللّه و اللّه اكبر و ان كان ذكراً و لكن ان تذكر اللّه عند الطاعة فتفعلها و عند المعصية فتتركها فاذا لم‌يكن فعل مأمور به او منهي عنه فقلبُه يذكر اللّه في وجدانه كما اختصّ به نبيّه صلي اللّه عليه و آله في قوله تعالي و اذكر ربّك في نفسِك تضرّعاً و خيفةً و دون الجهر من القول في الغدوّ و الٰاصال و لاتكن من الغافلين و في مخلوقاته بالتفكّر فيها و ما اودع من العبر و الٰايات لاولي الالباب كما قال تعالي انّ في خلق السموات و الارض الي ان قال تعالي و يتفكرون في خلق السموات و الارض ربّنا ماخلقتَ هذا باطلاً و هذا احد وجوه التفكّر فانّ العارف مرّةً ينظر في وجوه الحكمة في وجود المصنوعات فيقول ماخلقتَ هذا باطلاً و مرّةً ينظر ما فيها من العبر الدالة علي فناۤء الدنيا و بقاۤء الٰاخرة و سرعة هجوم الموت كما قال اولم‌ينظروا في ملكوت السموات و الارض و ما خلق اللّه من شيء [ص 38] و ان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم و مرّةً ينظر فيما كُتِبَ فيها من ادلّة العلوم علي كل مسئلة اصليّة او فرعيّة يعرفها اَهْل العلم عليهم السلام و مَنْ علّموه مِنْ شيعتهم ما علّموه و هو قوله تعالي و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الّا العالمون و هذا معني قوله عليه السلام المؤمن صَمْتُه فكر و كلامه ذكر و نظره اعتبار و مرّةً ينظر ما فيها من علامات الحوادث المتجدّدة و الغاۤئبة عن المشاهدة و ما اشبه ذلك فيستنبط من تلك الٰايات صحة الاعمال و الاخلاص و الزهد و التقوي و العلوم و الاعتقادات التي هي اُسُّ الديانات و العبادات و مبدأ الطاعات و نهاياتها كما قال عليه السلام و ما يضمر النبي افضل من اجتهاد المجتهدين و ذلك قوله صلي اللّه عليه و آله تفكّر ساعة خير من عبادة سنةٍ و يكون لسانه رطباً بذكر اللّهِ لانّه امّا في صلوة و هو يسبح و يذكر و يقرأ و امّا في كلام في امر معيشةٍ و هو ذكر اذا حبس كلامَهُ علي ما يَعْنٖيهِ و تَرَكَ فضُولَ الكلامِ و الّا فلسانه ذاكر الّا في حال النوم فان نيّته و سبحته اذا وضعها تحت رأسه تسبّح للسانه و الّا في فكر يشغله النّطق عنه فانّه يسبّح اي خياله و فكره للسانه فقد تقرّر انّ المؤمن لايغفل عن ذكر اللّه ابداً لانّه ينتقل من ذكر الي ذكرٍ و كل مرتبة من مراتب الخير فهم عليهم السلام اصلها و فرعها و مبدؤها و غايتها و لهم في كل مرتبةٍ من المراتب المرضية مراتب لايصل اليها خلق غيرهم و لايدانيها فهم علي الحقيقة هم المديمون ذكر اللّه و الملازمون له و المواضِبُون ( المواظبون ظ ) عليه بل ورد عنهم انّ مقامهم اعلي من مقام الذاكرين و انّما هم ابداً عند اللّه كما روي عن الصادق عليه السلام و قد ذكرناه سابقاً و نذكره هنا تخفيفاً للمؤنة عن المراجعة قال عليه السلام يا مفضّل قوله تعالي و له من في السموات و الارض و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون الي ان قال (ع) الستم [ص 39] تعلمون ان من في السماوات هم الملاۤئكة و من في الارض هم الجن و البشر و كل ذي حركة فمن الذين قال و من عنده قد خرجوا من جملة الملائكة و الجن و البشر و كل ذي حركة فنحن الذين كنّا عنده الحديث ، فقد اخبر انهم الذين عنده في الٰاية و قد ذكر تعالي فيها ان من عنده يسبّحون الليل و النهار لايفترون و لا شكّ انّهم علي الحقيقة هم الّذين لايأخذهم سهو الغفلات فهم الذين ادمنوا ذكره علي اختلاف مراتبه و علي اختلاف معاني الادمان من الادامة التي هي عدم ترك شيءٍ و الملازمة التي هي المسابقة و المبادرة الي ما يرد منه عند اوّل وجدانه و المواضبة ( المواظبة ظ ) التي هي المحافظة علي اوقاته و هم عليهم السلام السّابقون الي الخيرات و قادة السّابقين الي اعالي الدرجات .

قال عليه السلام : و وكّدتم ميثاقه و احكمتم عقد طاعته .

قال الشارح (ره) و وكّدتم ميثاقه الّذي اخذ اللّه تعالي من بنيٰ‌ادم من ظهورهم كما نطقت به الٰاية و الروايات و التذكير بالنظر الي خواۤصِّ اصحابهم الذين خلعوا جلباب الشهوات عن انفسهم بالرياضات ظاهر و بالنظر الي غيرهم فقولهم مع تأيّدهم بالمعجزاتِ مفيدٌ لليقين فكأنهم ذكروا و احكمتم عقد طاعته بالمواعظ الشافيةِ او مع اخذ البيعة عنهم او بالتبليغ مع المعجزات و النصوص او باقامة الحدود بالنظر الي بعضهم صلوات اللّه عليهم انتهي .

وكد بمعني اكد و التوكيد التقوية و التوثيق و في القاموس و التوكيد افصح من التأكيد و توكّد و تأكّد بمعني و الميثاق هو اليمين المؤكّدة لانّها يستوثق بها او العهد المؤكد باليمين او مطلق العهد و يستعمل في معانٍ متعدّدة كلها ترجع الي مطلق العهد منها العقد كما قال تعالي و اخذن منكم ميثاقاً غليظاً و منها تبليغ الرسالة قال تعالي و اذْ اخذنا من النبِيّين ميثاقهم اي تبليغ الرسالة [ص 40] و الدعاۤء الي التوحيد و المراد بالميثاق هو المأخوذ في الذر كما قال تعالي و اذ اخذ ربّك من بنيٰ‌ادم من ظهورهم ذرّيّتهم و اشهدهم علي انفسهم قالوا بلي الٰايات ، و انّما قال من ظهورهم ذرّيّتهم و لم‌يقل من ظهره لانّه سبحانه اخذ من ظهر كلّ شخصٍ اولاده كما اخذهم في هذه الدنيا حرفاً بحرفٍ لانه اخذه من صلبِ ابيه و تراۤئبِ امّه فهو اخذ بالتوالد كما في الدنيا و لمّا كلّفهم رجعهم الي اصلاب آباۤئهم و تراۤئب امّهاتهم و هو تأويل قوله تعالي يخرج من بين الصلب و التراۤئب انّه علي رجعه لقادر و امّا المسيح عليه السلام فانّه لمّا مسح علي ظهر آدم و ذريّته و اخرج من ظهورهم ذريّتهم بالمسح المعبّر عنه بالولادة المعنويّة و كلّفهم و رجعهم الي اصلاب اۤبائهم في صلب آدم لم‌يرجع عيسي عليه السلام فسمّي المسيح لبقاۤء المسح عليه وَ لم‌ينتفِ حكمه بالارجاع و الميثاق المأخوذ في الذّر هو جميع ما يريد اللّه من جميع خلقه من حيوان و نبات و جماد و من فتّش عن ذلك في القرءان و السنّة وجد ذلك اظهر من الشمس في رابعة النّهار لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و من انكر ذلك فقد اَخْطَرَ بنفسِهٖ و الواجب علي المؤمن الذي يدّعي انّه من رعيّة محمد و اهل بيته صلّي اللّه عليه و عليهم انّه اذا سمع ما لايحتمِله من اهل الحقّ ان يتفهّم و لايسارع بالانكار فان لم‌يفهم فلاينكر ما لايفهم بل كذّبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لمّايأتهم تأويله و في التوحيد باسناده الي ابي‌بصير عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال اخبرني عن اللّه عز و جل هل يراه المؤمن يوم القيمة قال نعم و قد رأوه قبل يوم القيمة فقلتُ متي قال حين قال لهم الستُ بربّكم قالوا بلي ثم سكتَ ساعةً ثم قال و انّ المؤمنين يرونه في الدنيا قبل يوم القيمة الستَ تراه في وقتك هذا قال ابوبصير فقلتُ له جعِلتُ فداك فاحدّث بها عنك فقال لا فانّك اذا حدّثتَ [ص 41] به فانكره منكِرٌ جاهلٌ بمعني ما تقول ثمّ قدّر انّ ذلك تشبيهٌ كفر و ليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالي اللّه عما يصفه المشبّهون و الملحدون ، فتأمّل في قوله عليه السلام فانكره منكر جاهل بمعني ما تقول يعني انّه يقول ان اللّه يراه المؤمن بقلبه و ذلك الجاهل يقدّر ان ذلك تشبيه فانه بهذا الانكار و التقدير يكون كافراً مع انه يريد به التنزيه علي زعمه لكنه مخالف للواقع فما ظنّك بانكار هذا المشهد العظيم الذي نطق به القرءان صريحاً و وردت به الاخبار المتواترة معني و الحاصل ان الاخبار الواردة في ذكر الميثاق المأخوذ كثيرة جدّاً و اريد ان اذكر شيئاً منها يفهم العارف المنصف ان الميثاق المأخوذ هو جميع التكاليف و ما يريد اللّه سبحانه من عباده و انّ المأخوذ عليهم هو جميع الخلق من الحيوانات و النباتات و الجمادات فمن الاخبار عن حمران عن ابي‌جعفر عليه السلام قال انّ اللّه تبارك و تعالي حيثُ خلق الخلق خلق ماۤءً عذباً و ماءً مالحاً فامتزج الماۤءان فاخذ طيناً من اديم الارض فعركه عركاً شديداً فقال لاصحاب اليمين و هم كالذّر يدبّون الي الجنّةِ بسلام و قال لاصحاب الشمال الي النار و لاابٰالي ثم قال الستُ بربّكم قالوا بلي شهدنا ان تقولوا يوم القيمة انّا كنا عن هذا غافلين ثم اخذ الميثاق علي النبيّين فقال الستُ بربكم فان هذا محمّد رسولي و انّ هذا علي اميرالمؤمنين قالوا بلي فثبت لهم النبوة و اخذ الميثاق علي اولي العزم انّي ربّكم و محمّد رسولي و علي اميرالمؤمنين و اوصياۤؤه من بعده ولاة امري و خزّان علمي عليهم السلام و ان المهديّ به انتصر لديني و اظهر به دولتي و انتقم به من اعداۤئي و اُعْبَدُ به طوعاً و كرهاً قالوا اقررنا به يا ربّ و شهدنا و لم‌يجحد آدم و لم‌يعزم فثبتت العزيمة لهؤلاۤء الخمسة و لم‌يكن لٰادم عزم علي الاقرار به و هو قوله تعالي و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنَسيَ و لم‌نجد له [ص 42] عزماً قال انّما هو فترك ثم امر ناراً فاجّجت فقال لاصحاب الشمال ادخلوها فهابوها فقال لاصحاب اليمين ادخلُوها فدخلوها فكانت عليهم برداً و سلاماً فقال اصحاب الشمال يا رب اقِلنا فقال قد اقلتْكُم اذهبوا فادخلوها فهابُوهَا فَثَّمَ ثبتت الطاعة و الولاية و المعصية ، و في التهذيب في الدعاۤء بعد صلوة الغدير عن الصادق عليه السلام و مننتَ علينا بشهادة الاخلاص لك بموالات اولياۤئك الهداة المهديين من بعد النذير المنذر و السراج المنير و اكملتَ الدين بمواۤلاتهم و البراءة من عدوهم و اتممتَ علينا النعمة التي جدّدتَ لنا عهدك و ذكّرتنا ميثاقك المأخوذ منّا في مبدءِ خلقِك ايّانا و جعلتنا من اهل الاجابة و ذكّرتنا العهدَ و الميثاق و لم‌تُنسِنا ذكرَك فانّك قلت و اذ اخذ رَبُّك من بنيٰ‌ادم من ظهورهم ذُرّيّتهم و اشهدهم علي انفسهم الستُ بربكم قالوا بلي شهدنا بمنِّكَ و لطفِك بانّك انت اللّهُ لا اله الا انت ربّنا و محمد عبدُك و رسولك نبيُّنا و علي اميرالمؤمنين و الحجة العظمي و آيتك الكبري و النّبأ العظيمُ الذي هم فيه مختلفون و عنه مسئولون و في الكافي باسناده عن عبدالرحمن الحذّا عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال كان علي بن الحسين عليه السلام لايري بالعزل بأساً اتقرأ هذه الٰاية و اذ اخذ ربك من بنيٰ‌ادم من ظهورهم ذرّيّتهم و اشهدهم علي انفسهم الستُ بربِّكم قالُوا بلي فكلّ شيء اخذ اللّه منه الميثاق فهو خارج و ان كان علي صخرة صمّاۤء .

اقول قول الصادق عليه السلام في الدعاۤء و اتممتَ علينا النعمة التي جدّدت لنا عهدك و ذكرتنا ميثاقك المأخوذ منا في مبدء خلقك ايّانا يريد به انّ ما اخذه رسول اللّه يوم الغدير هو تجديد النعمة التي هي عهدك و هو تذكيرك ايّانا ميثاقك في الذر الذي هو مبدء خلقك ايانا و اشار الي ان ذلك العهد في الذر هو هذا العهد يوم الغدير و انّ المبلغ هنا و هناك رسول اللّه صلي اللّه عليه [ص 43] و آله عن اللّه تعالي و انّه لم‌يزد عما كان هناك و لم‌ينقص و ان هذا المشهد صورة ذلك المشهد و ظاهره و ان هذا هو ذكر اللّه و انّ قبوله هنا يكون ممن لم‌ينسه اللّه ذكره و انه بهذا القبول الذي هو ظاهر ذلك القبول جعلهم من اهل الاجابة في المشهدين و ان المكذّب هنا هو المكذب هناك كما قال تعالي فماكانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من قبل يعني انّهم كذبوا هناك فكيف يؤمنون هنا و قوله عليه السلام في الحديث بعد هذا و ان كان علي صخرة صمّاۤء ، فيه تلويحان احدهما انّ المنافقين يكون منهم هنا ما كان منهم هناك و الصخرة الصماۤء قلوبهم القاسية فهي كالحجارة اوْ اشدّ قسوةً و ثانيهما ان الصّخرة الصماۤء قد اخذ عليها الميثاق و الّا لماخرجت و لم‌يحسن ايجاد ما ليس بمكلّف و قد اشرنا الي هذا الوجه في رساۤئلنا خصوصاً هذا الشرح . و فيه باسناده الي بكير بن اعين قال سألتُ اباعبداللّه عليه السلام لايّ علة وضع الحجر في الركن الذي هو فيه و لم‌يوضع في غيره و لايّ علةٍ يُقَبّل و لاي علة اخرج من الجنّة و وضع الميثاق و العهد فيه و لم‌يوضع في غيره و كيف السبب في ذلك تخبرني جعلني اللّه فداك فان تفكّري فيه لعجب قال فقال سألتَ و اعضلتَ و استقصيتَ فافهم الجواب و فرّغ قلبك و اَصْغِ سمعك اخبرك انشاۤء اللّه انّ اللّه تبارك و تعالي وضع الحجر الاسود و هو جوهرة اخرجت من الجنّة الي آدمَ صلي اللّه عليه فوضعت في ذلك الركن لعلّة الميثاق و ذلك انه لمّا اخذَ من بنيٰ‌ادم من ظهورهم ذرّيتهم حين اخذ اللّه عليهم الميثاق في ذلك المكان ترائَا لهم و في ذلك المكان يهبط الطير علي القاۤئم عليه السلام فاوّل ما يُبايعه ذلك الطير و هو واللّه جبريل عليه السلام و الي ذلك المكان يسند القاۤئم عليه السلام ظهره و هو الحجّة و الدليل علي القاۤئم عليه السلام و هو الشاهد لمن وافَي في [ص 44] ذلك المكان و الشاهد علي مَن ادّيَ اليه الميثاق و العهد الذي اخذَ اللّهُ عز و جل علي العباد و اما القُبْلَةُ و الالتماس فلعلّة العهد تجديداً لذلكَ العهد و الميثاق و تجديداً للبيعة ليؤدوا اليه العهد الذي اخذ اللّه عليهم في الميثاق فيأتوه في كلّ سنةٍ و يؤدوا اليه ذلك العهد و الامانة التي اخذ اللّه عليهم الاتري انّك تقول امانتي ادّيتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة واللّهِ مايؤدي ذلك احد غير شيعتنا و لاحفظ ذلك العَهد و الميثاق احدٌ غير شيعتنا و انهم ليأتوه فيعرفهم و يأتيه غيرهم فينكرهم و يكذّبهم و ذلك انه لم‌يحفظ ذلك غيركم فلكم واللّهِ يشهد و عليهم واللّهِ يشهد بالخفر و الجحود و الحجّة البالغة من اللّهِ عليهم يوم القيمة يجيۤء و له لسانٌ ناطق و عينان في صورته الاولي يعرفه الخلق و لاينكره يشهد لمن وافاه و جدّد العهد و الميثاق عنده بحفظ العهد و الميثاق و اداۤء الامانة و يشهد علي كل من انكر و جحدَ و نَسِيَ الميثاق بالكفر و الانكار و اما علة ما اخرجه اللّه من الجنّة فهل تدري ما كان الحجر قلتُ لا قال كان ملكاً من عظماۤء الملاۤئكة عند اللّه فلما اخذ اللّه من الملاۤئكة الميثاق كان اوّل من آمن به و اقر ذلك الملك فاتّخذه اللّه اَميناً علي جميع خلقه فالقمه الميثاق و اودعه عنده و استعبد الخلق ان يجدّدوا عنده في كل سنة الاقرار بالميثاق و العهد الذي اخذ اللّه عز و جل عليهم ثم جعله اللّه مع آدم في الجنة يذكّره الميثاق و يجدّد عنده الاقرار في كل سنة فلمّا عصي آدم و اخرج من الجنة انساه اللّه العهد و الميثاق الذي اخذ اللّهُ عليه و علي ولده لمحمّد صلي اللّه عليه و آله و لوصيه عليه السلام و جعله تاۤئها حيران فلمّا تاب اللّه علي آدم حوّل ذلك الملك في صورة درّة بيضاۤء فرماه من الجنة الي آدم و هو بارض الهند فلمّا نظر اليه اَنِسَ اليه و هو لايعرفه باكثر انه جوهرة فانطقه اللّه عز و جل فقال له يا آدم اتعرفني [ص 45] قال لا قال اجل استحوذ عليك الشيطان فانساك ذكر ربّك ثمّ تحوّل الي صورته التي كان مع آدم (ع) في الجنّة فقال لٰادم اين العهد و الميثاق فوثَب اليه آدم و ذكر الميثاقَ و بكٰي و خضع له و قبّلَهُ و جدّد الاقرار بالعهد و الميثاق ثم حوّله اللّٰهُ عز و جل الي جوهر الحجر دُرّة بيضاۤء صافيةً تضيۤء فحمله آدم عليه السلام علي عاتقه اجلالاً له و تعظيماً فكان اذا اعيي حمله عنه جبرئل (ع) حتي وافي به مكة فمازال يأنس به بمكة و يجدد الاقرار له في كلّ يوم و ليلةٍ ثم ان اللّه عز و جل لمّا بني الكعبة وضع الحجر في ذلك المكان لانه تبارك و تعالي حين اخذ الميثاق من ولد آدم اخذه في ذلك المكان و في ذلك المكان القَم الملكَ الميثاق و لذلك وضع في ذلك الركن و نحّي آدم من مكان البيت الي الصَّفا و حوّا الي المروة و وضع الحجر في ذلك الركن فلمّا نظر آدم من الصفا و قد وضع في الركن كبّر اللّٰهَ و هلّله و مجّده و لذلك جرت السنّة بالتكبير و استقبال الركن الذي فيه الحجر من الصفا فان اللّه اودعه الميثاق و العهد دون غيره من الملاۤئكة لان اللّه عز و جل لمّا اَخذ الميثاق له بالربوبيَّة و لمحمد صلّي اللّه عليه و آله بالرسالةِ و النبوّة و لعليّ عليه السلام بالوصيّة اصطكت فراۤئص الملاۤئكة فاوّل من اسرع الي الاقرار ذلك الملك و لم‌يكن فيهم اشدّ حباً لمحمّد و آل‌محمد صلي اللّه عليه و عليهم منه فلذٰلِكَ اختارَهُ اللّه من بينهم و القمه الميثاق و هو يجيئ يوم القيمة و له لسان ناطق و عين ناظرة يشهد لكلّ مَن وافاه الي ذلك المكان و حفظ الميثاق و فيه باسناده عن داود الرقّي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام انّه قال لمّا اراد ان يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم من ربكم فاول من نطق رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و اميرالمؤمنين عليه السلام و الائمة عليهم السلام فقالوا انت ربُّنَا فحمّلهم العلم و الدّين ثم قال للملاۤئِكة هؤلاء حملةُ ديني و علمي و اُمَناۤئي [ص 46] في خلقي و هم المسئولون ثم قال لبنيٰ‌ادم اقرّوا لِلّهِ بالعبوديّة و لهؤلاۤء بالولاية و الطّاعة فقالوا نعم ربَّنا اقررنا فقال اللّهُ للملاۤئِكة اشهدوا فقالت الملاۤئكة شهدنا قال علي الّا تقولوا غداً انا كنّا عن هذا غافلين او تقولوا الٰاية يا داوُد وِلايتُنَا مؤكّدة عليهم في الميثاق و روي القمّي سئل الرضا عليه السلام عمّن كلّم اللّه لا من الجنّ وَ لا من الانس فقال السموات و الارض في قوله ائتِيٰا طوعاً او كرهاً قالتا اَتينا طاۤئِعين .

و بالجملة فانّ من تتبّع الاحاديث وجد انّ اللّه قد اخذ علي جميع ما خلقَ مِنَ الانس و الجن و الملاۤئكة و الحيوانات و النباتات و الجمادات طاعتهم عليهم السلام وَ انَّ كلّ ما سواهم لايعرف شيئاً من طاعةِ اللّهِ الّا عن امرهم و بتعليمهم و هدايتهم مثل ما تقدّم من حديث جابر بن عبداللّه من قوله صلي اللّه عليه و آله الي ان قال فمكثت الملاۤئكة مائة عامٍ لاتعرف تسبيحاً و لا تقديساً و لا تمجيداً فسبّحنا فسبَّحتْ شيعتُنا فسبّحت الملاۤئكة الي ان قال (ص) و كانت الملاۤئكة لاتعرف تسبيحاً و لا تقديساً من قبل تسبيحنا و تسبيح شيعتِنا و في رواية ابن‌عباسٍ عنه صلي اللّه عليه و آله الي ان قال (ص) و كبّرنا فكبّرت الملاۤئكة و كان ذلك من تعليمي و تعليم علي عليه السلام و كان ذلك في علم اللّه السابق ان الملاۤئكة تتعلّم منّا التسبيح و التهليل و كل شيء يسبّح اللّه و يكبّره و يهلّله بتعليمي و تعليم علي عليه السلام ، فقوله (ص) و كل شيء يسبّح اللّه الخ ، هو كقوله تعالي و ان من شيء الّا يسبِّح بحمده فيدخل في الٰاية كل شيء من الحيوانات و النباتات و الجمادات و كلها تسبّح بتعليمه (ص) و تعليم علي (ع) و ليس ذلك الّا لاخذ الميثاق لهما و للائمة عليهم السلام علي جميع الخلق و مثل الاخبار المتكثرة الدّاۤلة علي ان الماۤء الاجاج لم‌يقبل ولايتهم و الارض السّبخة كذلك عرضت ولايتهم [ص 47] عليها فلم‌تقبلها فكانت سبخة و كذلك الاشياۤء المُرّة انّما كانت مُرَّةً لانّها لم‌تقبل ولايتَهُمْ و هي في اخبارنا كثيرة و قد روي هذا من طرق العاۤمّة و هو عن انس بن مالك قال دفع عليّ بن ابي‌طالب الي بلال درهماً ليشتري به بطّيخاً قال فاشتريتُ به فاخذ بطٖيّخَةً فقوَّرَها فوجدَها مُرّةً فقال يا بلال رُدّ هذا الي صاحبه و أتِني بالدرهم انّ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلّم قال لي انّ اللّهَ اخذَ حُبَّك علي البشر و الشّجر وَ الثّمَر و البَذْرِ فما اجابَ الي حُبِّك عَذُبَ و طاب و ما لم‌يُحبّك خَبُثَ و مرَّ و انّي اظنّ انّ هذا ممّا لايُحِبُّني اخرجه المُلّا في سيرته و فيه دلالة علي انَّ العَيْبَ الحادث اذا كان ممّا يطّلعُ به علي العيب القديم لايمنع من الرَّدِّ انتهي .

اقول قد قلنا لك انّ جميع الخلق قد اُخذ عليهم الميثاق بالولاية لهم في الذّر حين جمع الخلائق فدعاهم الي الاقرار بما اخذ عليهم من التّوحيد و قد ذكرنا اَنّ شرط التوحيد ولايتهم اذ لايوجد الشيء و لايتحقّق الا باركانه و هم اركان التوحيْد لان التّوحيد حقيقة هو وصف الحَقِّ لخلقه و ذلك الوصف له مقامان :

احدهما جسد التوحيد و هيكله و هو من نورهم و شعاع ضوءهم و هو قول علي عليه السلام لكميل نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد اٰثاره فاۤثاره اجساد التّوحٖيد و ابدانه و اشبٰاحه فيمن سواهم فهي تلوح و تظهر علي هيئة هياكل التوحيد و هياكل التّوحٖيد هيئاتهم و اشبٰاههم لانّها حقيقة هي هيئة ذلك الوصف المحدث الّذي ليس كمثله شيء كما قال الحجّة عليه السّلٰام في دعٰاء رجب لٰا فرق بينك و بينهٰا الّا انّهم عبادك و خلقك ، فابان بقوله لا فرق بينك و بينها بانّ ذلك الوصف و تلك الهيئة ليس كمثله شيء و ابان بقوله الّا انّهم عبادك و خلقك انّ ذلك الوصف و تلك الهيئة محدَث مخلوق لٰايشابه [ص 48] مُحدَثاً مخلوقاً و ذكّر الضمير في المستثني لبيان انّ ظهور المخلوقية المشابهة للاشياۤء انّما هي في ظواهرهم و اعاد ذكر المخلوقيّة الفارقة بين الحق و الخلق بالتّأنيث حيث قال فتقها و رتقها الخ ، لبيان انّ تلك الحقٰائق الّتي لم‌تظهر فٖيها المخلُوقيّة لعدم مشابهة الاشياۤء لها انّها في الحقيقة خلق لانها اوصٰافه المخلوقة و امثاله المحدثة ثم اَبٰان انّ تلك المقامات التي لٰا تعطٖيل لها فٖي كلّ مكٰانٍ ليست غيرهم بقوله فبهم ملأتَ سماۤءَك و ارضَك حتّي ظهر الّا اله الّا انت فكانُوا اركان التّوحيد امّا في حقّهم فالتّوحيد الّذي هو الوصف الاصليّ الاَجْلٰي و المَثَلُ الاعلٰي هو هيٰاكلُهُم و اشباحُهم الّتي هي هيئاتُ ذواتِهم و هو اوّل شبَح و اوّل مظهر و امّا فٖي حقّ من سواهم فاشبٰاحهم الّتي هٖي هيئات ذواتهم انما لاحت علي هياكلهم عليهم السّلام بمعني انّها اشعّة تلك الهيٰاكل و اظلّتها فهي انّما تقوّمَتْ بها فهم ( علي خ ) اركان التّوحيد الهيكلي في حقّهم و حقّ من سواهم .

و ثانٖيهمٰا نُور التّوحيد و ذاتُهُ و هو ولايتهُمْ و هو النّور الالهٖيّ و هو اوّل ظاهر في اوّل مظهر و هو قوله عليه السّلٰام نور اشرق من صبح الازل و صبح الازل هو فعل اللّه و مشيّتُه و ذلك الصّبح اثر شمس الازل عزّ و جلّ و هذا النور هو وصفه نفسه سبحانه لعباده بالنُّور الّذي هو رُوح هياكل التّوحيد و هو غاية ما تعرّف به لهم و مبداؤه و مُنتهاه و هو النُّور الّذي اوجده باعتقاداتهم الحقّة المطابقة للواقع عنده و باعمالهم الصّالحة الموافقة لامره و محبّته و رضاه و احوالهم الصّادقة و اقوالهم المنطبقة علي اعتقاداتهم الحقّة و اعمالهم الصّالحة و احوالهم الصّادقة و نيّاتهم الخالصة لانّ هذه جرت منهم علي مقتضي اوامره و اجتناب نواهيه الّتٖي هي هياكل ارادته و محبّته و هٰذه الهيٰاكل هيٰاكل نوعيّة فهي موادّ لهياكل اعمالهم و اقوالهم [ص 49] و احوالهم و اعتقاداتهم فخلق من هذه الموادّ الزّاكية و هذه الهياكل الطّيبّة مثلاً له اسكنه روحاً منه كان ذلك المثل بهذه الرّوح مقاماً له سبحانه ليس كمثله شيء لٰا فرق بينه و بينه الّا انّه عبدُهُ و آيتُهُ فٖي عبدِهِ و خلقِهِ ظهر اللّهُ به لمَنْ تَعرَّفَ له عنهم عليهم السّلام فهم اركان التّوحٖيد و مٰا سمعتَ ممّا ذكرنا لك و مٰا لم‌تَسْمَع كلّه من ولٰايتهم و ولايتهم كما سمعتَ في الاخبٰار و نَبّهْناكَ عليه من الاعتبٰار هي الّتي اخذ اللّه بها الميثاق عليهم بالقيٰام بها لانّها ولايةُ اللّه و الاداۤء الي المكلّفين بان يلتزمُوا عبادة اللّه و الطّاعة لهم عليهم السّلٰام فوكّدوا ميثاقه بان قٰامُوا بولٰايته حقَّ القيٰام الامكٰانٖي و بالاداۤء و التّبليغ الي المكلّفين و اعانتِهم باللّطف في التّبليغ و الدّعاۤء و الاستغفار عن هَفَواتِهِم و تقصٖيراتهم و ايراد اوليٰائهم حياضَ ولٰايتهم و ذَوْدِ اعدٰائهم عن ورودهٰا بانكارهم و عداوتهم و هذا ايضاً من الولاية لانّه حقّ و كل حقّ فمن الولٰاية كما قال تعالٰي هنالك الولاية للّه الحقّ قُرئ برفع الحقّ صفة الولاية و بالجرّ صفة للّه و الولٰاية هي تلك الصّفة الّتٖي هي الحقّ من التّوحيد و النبوّة و الامامة و العبادات و الاعتقادات و جميع ما يريد اللّهُ من عباده و يدخل فٖيه العقد و النّذر و العهد و اليمين و غيرها من الواجبات و المندوبات و الرخص و جواز المكروهات و المباحٰات و اجتناب المحرّمات و المكروهٰات و الشبهٰات و هو مٰا اخذ عليهم من الميثاق .