[ص 1]

شرح الزيارة الجامعة الكبيرة الجزء الثاني

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد الامجد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحٖيمِ

و به نستعين .

قال العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحسائي :

قال عليه السلام : عصَمكم اللّٰه من الزلل و آمنَكم من الفِتَن .

العصمة لغةً المنع و في الاصطلاح عند العدليّة هي اللطف المانع للمكلّف من ترك الواجبات و فعل المحرمات يفعله اللّهُ تعالي به غير مانع من القدرة و هو مانع من الداعي و هذا يتمشي علي قول مَنْ يري انّ الاِرادة غير داخلةٍ في مفهوم القدرة و اَمَّا مَنْ قال بدخولها فيلزم من سلبها سَلْب القُدْرَةِ فيرتفع التكليف و لايَسْتَحِقُّ ثواباً و لا عقاباً و هي عندهم كيفيّة تَسْتلزِم اموراً اربعةً : الاول صدق الاقوال لمنعِها من ارَادة الكَذب معَ القدرة عليه الثّاني حسن الافعال لمنعِها من ارادة قبحها كذلك الثّالث حفظ الحقوق عن التعطيل لاقتضاۤئها الصلاح الرابع حفظ نظام المعاش و المعاد عن التقريرات علي الباطل الموجب لفسادهِما او اختلالهما بحسب الامور العقليّة و النقليّة و قد تقدّمَ لها بيان فراجعه و هي مجمع الكمالات لاجتماع اٰثار الصفات و الافعال فيها لانّها مظهر تلك الٰاثار و محلّها و هي عدالة الوجود و ترتيبه الطّبيعي كما هو صفة الحقّ جل و علا قال (ص) بالعدل قامت السموات و الارض و حيث تقرّر انّ الاثر يشابه صفة مؤثّره في تاثيره [ص 3] فيه وجب ان تكون العصمة مستلزمة لقصر ميلها الي الخير و الحق مع القدرة علي الشرّ و الباطل و الّا لم‌تشابه صفة المؤثر فيها فقصر ميلها الي الخيرات بالاختيار و الشوق الذاتي الي المجانس و اذا اراد الله عصمة عبده غمسه في انوار صفاته بحقيقة ما هو اهله في بدء شانه في علم الغيب علي ما هو عليه فانكشفت عنه الظلمات فكان بمحبة نفسه و شهوتها يميل حيث مالت محبّة اللّه لايفارق رضا اللّه و لايفارقه بل يكون محلّ اِرَادَتِهٖ وَ خزانة محبّته و متعلّق رِضاهُ كما روي عنهم عليهم السلام اذا شِئنا شاۤء اللّه و الزّلل هو الخطأ و الذنب و يصدق الخطأ الّذي هو عدم الصّواب علي الكذب في القول كالاخبار عن نفسه بما ليس بحقّ في الواقع سواۤء جهل المخالفة امْ علمها ام علم الموافقة بالفطرة و جهلها بالتّغيير لخلق اللّه و هو التطبع علي خلاف الفطرة كما اخبر تعالي عن المنافقين قالوا نشهد اِنّك لرَسول اللّه هذه شهادة بالفطرة و الله يعلم انّك لرسوله هذا هو الواقع و اللّه يشهَدُ انَّ المنافقين لكاذبون كذّبهم في شهادتهم بما هو المطابق للواقع لانّهم من جهة تغييرهم الفطرة و ملاحظة الاغراض الدنياويّة لانّهم يعلمون انّه رسولهُ و الّا لماقامت عليهم الحجّة لقوله تعالي ذلك بانّهم آمنوا ثم كفروا فلمّا اخبروا بما هو مخالف لما ركّبوا عليه انفسهم كذّبهم اللّه و الذي ركّبوا عليه انفسهم هو التغيير لخلقِ اللّهِ بالاعمال المخالفة للحقّ حتي كان ذلك التبديل و التغيير فطرةً ثانيةً خُلِقَتْ من هَيْئَاتِ اَعْمالِهِمْ بل خُلِقَتْ باعمالهم كما قال الله تعالي و قالوا قلوبُنا غلف يعني انّا لانفهم ما تقول و لانعرف حقيّته لانّ قلوبُنا غلف فقال اللّه تعالي ان قلوبهم لم‌نخلقها في الاصل غُلْفاً و لكن لمّا لم‌يقبلوا الحقَّ من عندنا و انكروا جعلنا قلوبهم باِنكارهم الحقّ بعد البيان غُلفاً قال تعالي بل طَبَعَ اللّٰهُ عليها بكفرهِمْ فلايؤمنون الّا قليلاً يعني به القليلَ الذين لم‌يطبع علي قلوبهم لاجل قبولهم [ص 4] الايمان او قليلاً من مساۤئل الايمان و احكامه ممّا لم‌يظهر لهم انه منافٍ لغرضهم ستره اللّه عن بصاۤئرهم ليكون انساً للمؤمنين فبفطرتهم الاولي عرفوا رسالة محمد صلي اللّه عليه و آله و استيقنتها انفسهم و بفطرتهم الثانية الخبيثة انكروا رسالته فحكم عليهم بحكم الفطرة الثانية لانّها هي التي مضوا عليها في اعمالهم و اقوالهم و الفطرة الاولي عَطّلُوهَا و لم‌يجعلوا لها اثراً و لا حكماً و لاعوّلوا علي مقتضاها فلم‌يجر عليهم شيء من احكامها الّا ما تَقُومُ به الحجّة عليهم و ذلك لبقاۤئها في نفسها محصورة في حصنِها قد احاطت بها الاعداۤء من كل جانبٍ و مكان و انّما ابقاها اللّه تعالي لانّ بقاۤءَهُ بها لا بالفطرة الثانية و انّما طلب سبحانه بقاۤءهُ الي اجلٍ هو بالغه لتبلغ عليه الحجة و تتم الكلمة علي ما سبق له في علمه حين كان منه ما كان و يصدق الخطأ في الاعتقادات بان يكون منه اعتقادٌ يخالف ما الواقع عليه فاذا اعتقد ما يخالف الوجود كان عدماً و هو باطل سواۤء كان بعد الاعتقاد المطابق ام بعد العلم بالمطابق فاعتقد خلافه تكبّراً او حسداً او لشيء من غرض الدّنيا ام قبل الاعتقاد اما لعدم التّوفيق او لتقصيرِهٖ في الطلب او لاتّباع الاهواۤء او لعدم المبالاة و امثال ذلك فاذا وقع منه ما يخالف الواقع فقد افتري علي اللّه الكذب لان المعني يكون هكذا اذا اعتقد قيام زيد او قال بانّه قام فان معني ذلك انه اعتقد او قال انّ اللّهَ قد احدثَ قيامَ زيد بفعل زيدٍ و في الواقع لم‌يحدثه اللّه بفعل زيد و لم‌يقم زيد و ذلك كقوله تعالي الم‌تر الي الذين يزكّون انفسهم بل اللّه يزكّي مَن يشاۤءُ و لايظلمون فَتيلاً انظر كيف يفترون علي اللّهِ الكَذِبَ و كفي به اثماً مبٖيناً يعني اذا زكّي نفسه و لم‌يجعلْهُ اللّه زكيّاً فقد افتري عَلي اللّه كذِباً بان ادَّعي اَنَّ اللّهَ جعله زكيّاً و اللّه سبحانه لم‌يجعله زكياً و يصدق الخطأ في كلّ موضع يُثْبِتُ شيئاً بذاته اي قائماً بذاته [ص 5] و لو في النّسبة اليه و الاِسناد كما لو قلتَ انا افعل و لم‌تقل باللّه او انشاۤء اللّهُ لانّ كلّ ما سوي اللّه انما هو شيء باللّهِ و اَمّا بذاتِهٖ فليسَ شيئاً و يصدق الخطأ في الاعمال بان يفعل شيئاً مِن الاعمال ليْس ممّا امَر اللّهُ به علي اَلْسِنةِ اولياۤئه بالحدود الّتي حَدَّدَهَا لَهُمْ فَاِنْ كَانَ عالِماً بالمخالفةِ فهو خطأ و ذَنْبٌ و اِنْ كَان في الاخذ كما لو كان مُقَلِّداً مَنْ لم‌يصحّ تقليده اَوْ كان مُسْتَقِلّاً و لم‌يكن مجتهِداً و ان كان جاهِلاً بالمُخَالفة ظاۤنّاً للاصابة بالظن المعتبر شرعاً فلايصدق الخطأ هنا و ان لم‌يكن بالظن المعتبر شرعاً فيصدق عليه الخطأ و ان كان جاهلاً بالتكليف ففي ما تعمّ به البلوي لايعذر في الخطأ و في المساۤئل النّادرة الوقوع و فيما يدقّ دليله من المعتقدات فلايبعد العذر و يصدق الخطأ في الاحوال علي نحوٍ يطول ذكر بعضه و منه عدم الاستقامَةِ فيما اُمِرَ كما اُمِرَ و عَدم الخشية في مقام الرهبَةِ و منه الالتفات الي غير ما اُمِر بالمضيّ فيه و منه استعمال فضول الكلام و الطعام و الافكار و الانظار و الحركات بل فضول الاشياۤء كلّها و التقصير في التبليغ و الاداۤء و في احتذاۤءِ كلّ ما جري عليه نظام الايجاد و الوجود و انتظام الموجود و الحاصل كل ما اشرنا اليه و مثله ممّا ليس مراداً له سبحانه و تعالي بالذاتِ اوْ بالعرض عن قصد و علم او بلا علم او بلا قصد علي ما فصِّل في مَحاۤلِّها فهو من الزلل بقولٍ مطلقٍ و قد عصم اللّهُ سبحانه و له الحمد محمداً و آله صلي اللّه عليه و آله من جميع ما اشرنا اليه و نحوه من الزلَلِ الظاهر و الباطن في الاحوال و الاعمال و الاقوال و الاضمارات بحقيقة ما هم اهله بانْ افَاض عليهم من الامدادات النّوريّة لسعة قابليّتهم و قوّتها ما كشف به عنهم ظلمات الانكار و الشكوك و الجهل و الغفلة و السّهو و التّكلّف و الدَعوي بغير الحقّ و النِّسْيَان و الفَواحش ما ظهر منها و ما بطن و المعاصي كبيرها و صغيرها [ص 6] و التساهل فيما يراد منهم و التماهل فيما يراد تعجيله و بالجملة بحيث يكون عملهم فيما يراد منهم طبق ارادة الله و وفق مشيّته و عين محبّته لانهم محاۤلّ فعله و لا فعل لهم غير فعله الّا بفعله و مارميتَ اذ رميتَ و لكن اللّهَ رمَي فهم في جميع افعالهم كالحديدة المحميّة في النار حتّي احمرّت فانها لاتحرق الّا بما ظهر فيها من آثار النار و فعلها بل المحرق انّما هو النّار بفعلها الظاهر علي الحديدة و هو قوله و مارَميتَ الٰاية ، و انّما اسنده اليه ظاهراً كما تقول احرقته الحديدة و المحرق حرارة النار في فعلها فبذاك لحقيقة ما هم اهله كانوا معصومين من الزّلل و كلّما يتفرع منه و عليه و يلزمه اصولاً و فروعاً .

و قوله : و آمنكم من الفتن .

الامان ضد الخوف و الفِتَن جمع فتنة و لها معان متعدّدة باختلاف المقامات منها الضلال و الهداية قال تعالي ان هي الّا فتنتك تضلّ بها من تشاۤء و تهدي من تشاۤء ، و منها الاختبار و قيل التخليص من الغشّ قال تعالي و فتنّاك فتوناً ، و منها الاختبار قال تعالي الم احَسِبَ النّاس اَنْ يتركوا ان يقولوا آمنّا و هم لايفتنُونَ يعني لايختبرونَ و منها الحجة قال تعالي ثم لم‌تكن فتنتهم الّا اَن قالوا واللّهِ رَبّنا مَاكنّا مشركين يعني حجّتهم و منها الاحراق و التعذيب قال تعالي انّ الّذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات اي احرقوهم و عذّبوهم و منها الكفر قال تعالي الا في الفتنةِ سقطوا اي في الكفر و منها الشرك قال تعالي و الفتنة اَشَدُّ من القتل اي وَ الشِّركُ و منها الجنون قال تعالي بايّكم المفتون اي المجنون و منها الايقاع في الاثم قال تعالي و منهم مَنْ يَقُول ائذن لي و لاتفتِنّٖي اي لاتوقعني في الاثم و منها العذاب قال تعالي يوم هم علي النار يفتنون اي يعذّبون و منها الافساد قال تعالي ما انتم عليه بفاتنين اي لستم عليه اي علي اللّهِ بمفسدين احداً باغواۤئكم و استهزاۤئكم الّا مَن هو صال الجحيم [ص 7] اي الّا من في علم اللّهِ انه يستوجب الجحيم بسوۤء اعماله و منها الابتلاۤء قال تعالي و جعلنا بعضكم لبعضٍ فتنةً اي ابتلاۤءً و منها المحنة قال عليه السلام المؤمن خلق مفتّناً اي ممتحناً بالذنب فيتوب و يذنب فيتوب و عنه (ع) ان اللّه يحبّ المفتّن التّواب اي الممتحن بالذَّنْبِ و عنه (ع) من دخل علي السلطان فُتِن اي امْتُحِنَ ان وافقه خاطَرَ بدينه و ان خالفه خَاطر بروحه و منها القتل قال تعالي ان خفتم ان يفتنكم الذين كفروا اي يقتلكم و منها الصدّ قال تعالي و ان كادوا ليفتنونك عن الذي اوحينا اليك اي ليصدّونك و منها المحبّة قال تعالي انما اموالكم و اولادكم فِتنةٌ اي محبّة او بمعني مِحْنة بالنون و هذه المعاني كلها في الحقيقة ترجع الي الاختبار و الابتلاۤء و ان كان بنوع من التأويل في بعضها و قد آمنكم اللّه سبحانه من جميع انواعها ممّا لايكون به بلوغ الدرجات العاليات و التفصيل تطويل يستغني عنه لظهوره و هذا الامان لازم للعصمة و هو حكم كلّي في عموم التزكية لهم مطلقاً و انّما تجري عليهم بعض هذه الانواع لرفع درجتهم كما قلنا و هم بذلك عالمون و هذا البعض في الحقيقة ليس في حقهم بل و لا في حق من هو من شيعتهم و محبّيهم من الفتنة و انّما هو من الفضل و الهديّة من اللّه سبحانه الي عبده المؤمن و لو كشف لك لرأيت ان هذه الفتنة المخصوصة ليس لك مطلوب في اعمالك خير منها و في الحديث لو كشف لكم الغطاۤء لمااخترتم الّا الواقع ، فيعود الكلام الي ان اللّه سبحانه آمنهم من فتنة الضلالة و الشرك و الكفر و التخلص من الغشّ و الجنون و الايقاع في الاثم و العذاب و الافساد و الامتحان بالذنوب و الصد و المحبّة لغير ما يحب اللّه و الفتنة بمعني الحجة لانها حجة داحضة عند اللّه و امّا حجتهم فهي حجة اللّه لاتكون بمعني الفتنة الا بمعني فتنة غيرهم من متمّمات القابليات بحكم الذَّوْد و الايراد و فائدة الفتنة اظهارُ ما بالقوّة بالفعل و المراد بهذه القوّة الامكان لانّه هو المتقدّم علي ما بالفعل في الممكن بخلاف [ص 8] ما بالقوّة المتعارفة حيث يطلقونها علي موجود في الغيب و يزعُمونَ انّها متقدّمة علي ما بالفعل و ليس كَذلك بل ما بالفِعل في الوجود قبل ما بالقوّة في الغيب و بعْدَه في الشهادةِ فاذا كان بعده في الشهادة كان قبله في الغيب بل هو عينُ الكونِ الْاوّل و انّما كٰانَ ما بالفعلِ قبل ما بالقوة في الغيب لانه اوّل كون الشيء و هو اقرب الي المبدأ و لا جاۤئز اَنْ يكون الاقرب الي المَبْدأ ما بالقوة و الّا لكان الاقرب الي المبدأ اضعف لانّ ما بالقوة اضعف فيلزم اَنْ يكون كلّما بعد عن المبدأ اقوي هذا خلف و انّما كان ما بالقوة مُتَقَدَّماً علي ما بالفعل في الزمان لانّ اوّل الفيض ما بالفعل و كلّما بعد عن المبدأ ضعف و خفيت رُوحانِيّاته و كمنت في باطنه لانّه في قوس النزول يقرب من الزمان و ما يلي المبدأ في الدّهرِ و ما بالفعل دهري لا زماني فكلّما نزل كمنت الدّهريات و اخذت الزمانِيات في القرب من الظهور حتي يصل الموجود الي الزمان فتكمن الدهريات التي هي بالفعل في الزمانيات فتكون بالنسبة الي ظهورها بالفعل في قوس الصعود بالقوة لعدم وجودِها بالفعل فالعقل الذي هو بالفعل منذ برَز هو بالفعل فلمّا تنزَّلَ اَخذ في البُطونِ الي اَنْ وصل الي النطفة فكان فيها بالقوّة و هي اوّل درجةٍ له في الصّعود وَ الاخذ في القرب من الظهور الي فعليّته و في العلقة اقرب و في المضغة و العِظَام فاذا كسي لحماً و تمت الخلقة كانت النفس الفلكية الحيوانية التي هي آخر يقظة العقل بالفعل فاذا نشا المولود و عقل كان عقله الٰان بالفعل و هو عين كونه بالفعل قبل نزوله الي النفس في قوس النزول و هذا معني قولنا انّ ما بالفعل قبل ما بالقوة في الدهر و بعده في الزمان فاذا كان بعده في الشهادة اي في الزمان كان قبله في الغيب اي الدهر بل هو عين الكون الاوّل و مرادنا بقولنا بخلاف ما بالقوة المتعارفة الخ ، هذا لاِنّهم يتكلمون علي حكم القوس الصُّعودي في الزَّمان و مرادي بقولي و فائدة الفتنة اظهار [ص 9] ما بالقوة بالفعل و فسّرت هذه القوة بالامكان انَّ الامكانَ الّذي مفهومه تساوي طرفيه بالنسبة الي الممكن لانّ اللّه تعالي امْكنه بفعله هكذَا فَلَهُ لِحاظانِ احدهما في نفسه و هو تساوي الطرفين و الٰاخر بالنسبة الي الممكن و هو هنا يترجح فيه احد الطرفين لان الممكن قبل كونه ليس شيئاً و يكون حين يكون مرجِّحاً لاحدِ مَيْليهِ اذ ميله الي طرف دون الٰاخر انما هو بالاختيار لان الٰاخر له كما ان ما مال اليه له ايضاً و لكنّه يقدِّر للتّرجيح مُرَجّحاً فيرجّح هذا الطرف الذي مال اليه بما يقدّره و يتخيّل راجحيّته و ان كان عنده مرجوحاً في نفس الامر مثل ان يتخيّل قربَ نفع ما رجّحه و ان كان فيه ضرر و يغمض بملاحظة هذا النفع الحاضر عما فيه من الضرر مع علمه بذلك و بحسن ما لم‌يرجّحه و بسلامَتِهٖ من الضرر و ذلك لِسُوء نظره لنفسه و قد يحسن النّظر لنفسه فيرجّح ما فيه السلامة و الظّفر و هذا هو الاختيار بدون الاضطرار لانه انّما هو لغَرضه و لو شاۤء ترك و كل ما سمعتَ من الترجيح ممّن احسن اوْ اساۤء انّما هو مع تكوّنه حين كوّنه اللّه تعالي لا قبله اِذْ هو قبل التّكوين لَيْس شيئاً فلايُسْند اليه شيء فكما انّه جاۤئز الطَّرَفَيْنِ ليَصحّ اخْتِيَاره لايرجّح اِلّا بِاَحَدِ جاۤئزَيْنِ و لايُكَلّف اِلّا بِاَحَدِ جاۤئزَيْنِ و لايخاطب الّا بِاَحَدِ جاۤئزَيْنِ وَ كُلّ ذٰلِكَ بالتّخيير ليصح الاختيار فاذا صدر من الفعلِ اختراع التكوين ظهر به المكوَّن عَلَي ما اخْتارَهُ حين كُوِّنَ فالفِتنة لهذا المكوّن ليخرج مَا في امكانِهٖ حين التكوين الي الفِعْلِ اَنْ يرد عليه الخطاب بما يُطْلَبُ منه كمثل ما لايطلبُ منه وَ لايمنعه عن مَيْلهٖ الي شهوة نفسِهٖ حين وُجِدَ ما قُدِّمَ اِلَيْه من انواع التّرغيب و التَّرهٖيب لعَرْضِها عليه بالتخيير كما قال تعالي اَلَسْتُ بربّكم بل يكون ذلك باعثاً علي ما يتخيّل ترجيحه في مَيْلهٖ مُحِقّاً اوْ مُبْطِلاً لتكليفه باحد جاۤئزين و خطابه باحد جاۤئزَيْن بغير منعٍ للٰاخر و لانّ ما مال اليه هو مختار في تركه لو شاۤء لتمكّنه من ضدّه كتمكّنه منه بل التكوين [ص 10] انّما هو ماۤدّته و صورته انما هي ما مَال اليه اذ ذلك صورة اجابته فافهم فقد فضحتُ لك من سرّ القدر فهذه الفتنة ممّا آمنهم اللّه منها بالعصمة التي هي حقيقة ما هم اهله فَلما كان زيتهم الذي هو قابليتهم يكاد يضيۤء قبل الايجاد اي يكادُ يقول بَلي قبل اَنْ يقال لَهُ الَسْتُ بربِّك كان الَسْتُ بربِّك خطاباً له بما احَبَّ فقد اتّفقَتْ محبّة الفاعل و محبّة القابل فيكون الفاعل في سُؤَالِهٖ لَهُمْ اِنّما هُوَ لرَفْعِ درجاتهم بتكليف الايجاد لٰا لِلاختبار .

قال عليه السلام : و طهّركم منَ الدّنس و اذهب عنكم الرجس و طهّركم تطهيراً .

الطهارة نقيض النجاسة و تطلق علي الاعم من ازالة الخبث و تستعمل في ازالة الخبث و الوسخ و رفع الحدث و القراۤئن تُميِّز بينها و في قوله تعالي و ثيابك فَطهِّر قيل معناه اصلح عملكَ فهي بمعني الاصلاح و العمل صفة المكلف فهو ثوبه الذي يستره او يكشف عورته و منه قوله تعالي فاكَلَا منها فبدت لهما سوءاتهما ، او بمعني التقصير اي و ثيابك فقصّر او لاتلبسها علي فخر و كبر فالثياب هنا القلب لان التكبر في القلب قال تعالي كذلك يطبعُ اللّهُ علي كلِّ قلبٍ متكبرٍ جبارٍ و الثّياب يطلق علي القلبِ كما قال امرء القَيْس : فسُلِّي ثيابي من ثيابِكِ تنسلي ، اي فسُلِّي قلبي من قلبكِ و قول الشاعر : فشككتُ بالرمح الاصم ثِيابَهُ ، اي قلبَهُ او بمعني اغسل ثيابَك بالماۤء و قيل علي هذا كنّي بالثياب عن القلب او بمعني لاتكن غادراً فانّ الغادر دنس الثياب يعني القلب و في قوله تعالي فيه رجال يحبّون اَنْ يتطهّروا و اللّهُ يُحِبُّ المطّهّرين و قيل هنا المراد بها الطّهارة من الذنوب و الاكثر علي انها الطهارة من النّجاسة لقول الباقر و الصّادق عليهما السلام انّها نزلت في اهل قبا و روي عن النبي صلي اللّه عليه و آله انه قال لهم ماذا تفعلون في طهركم فان اللّه قد احسن عليكم الثناۤء فقالوا نغسل اثر [ص 11] الغاۤئط و لا منافاة بينهما و في قوله تعالي انهم اناس يتطهرون اي ينزّهون اَدْيانَهُمْ و اَعْراضهم عن اَدْبارِ الرجال و النساۤء و ذلك تَهكّم منهم بٰال لُوطٍ عليه السلام و في قوله تعالي و لاتقربوهنّ حتّي يطهرن اي ينقطع دمهن يعني يَنْقَيْنَ و هذا علي قراۤءة التخفيف و امّا علي قراۤءة التشدٖيد فالطهارة بمَعْني الغسل و في قوله تعالي و ازواج مطهرة اي من الحيض و الحدث و الدنس و سوۤء الخُلق و من مَدِّ نظرهن الي غير ازواجهِنَّ و من مسّ غير ازواجهن و في قوله تعالي يتلو صحفاً مطهّرة اي عن ان يمسّها الا الملاۤئكة المطهّرون او عن التغيير و التحريف و التبديل و الباطل او عن درك غير المؤمن اَوْ عن تأويل المبطلين بمعني انّهم اذا احتملوا في آيةٍ منه باطلاً ابطلت احتمالهم آيةٌ منه اخري فلايقدر احد علي تغييره و في قوله تعالي و انزلنا من السّماۤء ماۤءً طهُوراً يعني نظيفاً يزيل الخبث و يرفع الحدث الاكبر و الاصغر و في قوله تعالي و سقاهم ربّهم شراباً طهوراً و المراد بالشراب الخمر و هو في الدنيا رجسٌ كما قال تعالي انّما الخمر و الميسر و الانصاب و الازلام رجس من عمل الشّيطان و الرجس هو النجس لانّه يصدّ عن ذكر اللّه و عن الصلوة و يوقع البغضاۤء و العداوة بين الناس و هذه نجاسات خبيثة من عمل الشيطان فاخبر سبحانه انّ الخمر في الاخرة طهور لانّه اذا شرِبَهُ المؤمن احدث له الصحو الذي لايكاد يوصف فيعلم بسببه ما لم‌يكن يعلم و يجد من محبّة اخوانه و ازواجه و ولدانه في نفسه ما لايوصف و يتّصل بشربه ذلك بمراتب من المعارف و التّلذّذ بمناجاة اللّه و انغماس في مراضيه ما يحتقر عندها جميع لذّات الجنّة لانه يحصل له صحو يكاد يتّصل به بالوجود المطلق فلهذا قال تعالي شراباً طهوراً كما اَنَّ خمر الدنيا يوصله الي تلك النجاسات فهو بعكسه .

و الدنس لغةً الوسخ و هو يستعمل في دنس النسب مِنَ الزِّنا و النكاح بغير [ص 12] طيب النفس و بالمهر الحرام و بالشبهةِ بل و من الدنس ما يلحق ام الزوجة و اباها و اخواتها و خالاتها و عمّاتها و من الدنس الزنا الي سبعة آباۤء فورد ولد الزنا لايطهر الي سبعة آباۤء و معناه انه اذا كان الاب الاول ولد زنية و الاولاد الستّة ولد رشدة فالاخير منهم ليس بطاهر بمعني انّ نطفته التي توَلّد منها لَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ و بيانه انّ وَلَدَهُ الاوّل الذي هو اوّلُ السِّتّة طَهُرَ بالعقد الصحيح عقلهُ و الثاني طهر بالعقد الصحيح عقله و نفسه و الثالث بالعقد الصحيح طهر عقْله و نفسه و لحمُه و الرابع بالعقد الصحيح طهر عقله و نفسه و لحمُه و عظمه و الخامس بالعقد الصحيح طهر عقله و نفسه و لحمُه و عظمُه و مضغته و السادس بالعقد الصَّحيح طهر عقله و نفسه و لحمه و عظمه و مضغته و علقُته و هذا الولد السادس لابن الزّنا آخر نجاسَتِه لِاَنَّ نطفته الَّتٖي توَلَّد منها ليست بطاهرةٍ و السابع بالعقد الصحيح طهر كلّه عقله و نفسُه و لحمُه و عظمُه و مُضْغَته و عَلقَتُه و نطفتُه و بيان آخر ان الولد الاوّل تطهر نفسه و الثاني نفسه و لحمه و الثالث نفسه و لحمه و عظمه و الرابع نفسه و لحمه و عظمه و مضغته و الخامس نفسه و لحمه و عظمُه و مضغته و علَقتُه و السَّادس نفسه و لحمه و عظمه و مضغته و علقته و نطفته و السّابع طهر كُلّهُ لِاَنَّهُ في نفسه طاهر و قد تَولَّدَ من طاهِرٍ فهو نجيب فقوله لايطهر الي سبعةِ آباۤء يحتمل ان يكون السَّابع خارجاً عنهم لانّه الغاية فان قلنا بخروجها كان نجيباً وَ اِنْ قلنا بِدُخولِها فاِنْ اُرِيدَ دُخول الاوّل الذي تولّد من الزنا في هذه السبعة فلا شك في عدمِ طهارَته وَ اِلّا فهذا السَّابع يكون نجيباً و يعرف ذلك بخروجه من دليلٍ آخر و ان قلنا بدخول الغاية مع الجهل بالقرينة . و مِنَ الدَّنَس ما قد يلحق العقل و النفس و الجسم في امور المعارف و المعتقدات و الاحْوال و الاعمال و الاقوال من الريب و الشك في العقل الذي هو مقرّ اليقين و الاستقامة و الثَّبات و الطُّمأنينة و من الجهل و الغفلة و السهو و النسيان في [ص 13] النفس التي هي مقر العلم و الحفظ و التذكر و التخيّل و من مباشرة الشهوات و ترك الاعمال و استثقالها و طلب الرّاحات في الجسم الذي هو محلّ الاعمال علي اختلاف احوالها ، و من الدّنس الريب و هو اول الشكّ و الميل الي التردد و قد ينشأ عن الفرض ثم الاحتمال و التجويز فاذا حصل ذلك للقلب غير ماقتٍ لهُ و لا مستوحش منه انقلب شكّاً و هو علي الاصح التردد بين الطرفين بين الحق و الباطل فيميل الي الحقّ بوجوده و يعرف حقيته بفطرته و يميل الي الباطل بماهيته و لاينكر بطلانه بفطرته التي ارتدّ اليها لما غيّر فطرته الاولي و بدّل خلق اللّه لانه حين عصي و عمل بخلاف ما علم حدثت له الفطرة الثانية المخلوقة بمعصيته و هو قول الصّادق عليه السلام و اذا لم‌يرد اللّهُ بعبده خيراً وكَلَهُ الي نفسِه فكان صدره ضيّقاً حرجاً فان جري علي لسانه حق لم‌يعقد قلبه عليه و اذا لم‌يعقد قلبه عليه لم‌يعطه اللّه العمل به فاذا اجتمع ذلك عليه حتّي يموت و هو علي تلك الحال كان عند اللّه من المنافقين و صار ما جري علي لسانه من الحقّ الذي لم‌يعطه اللّهُ ان يعقد قلبه عليه و لم‌يعطه العمل به حجةً عليه و قول الرضا عليه السلام في قوله تعالي و من يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً قال و من يرد ان يضلّه عن جنّته و دار كرامته في الٰاخرة لكفره به و عصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيّقاً حرجاً حتّي يشكّ في كفره و يضطرب من اعتقاده قلبه حتي يصير كانما يصّعّد في السماۤء كذلك يجعل اللّه الرجس علي الذِين لايؤمنون و هذا مٰال الشك لانّه يؤدي الي الكفر و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام لاترتابوا فتشكّوا و لاتشكّوا فتكفروا ه‍ ، لان الرّيب مبدأ الشكّ و الشك مبدأ الكفر . و من الدنس النفاق و هو اظهار الاسلام او الايمان و ابطان الكفر لا بمعني انهم لايعلمون ما الايمان بل بمعني انّهم يعلمونه و يجحدونه يعلمونه بالفطرة [ص 14] الاولي فطرة اللّه و يجحدونه بالفطرة الثانية فطرة الشيطان التي حدثت من تغييرهم فطرة اللّه بامر الشيطان كما حكي اللّه عنهم و لٰامرنّهم فليغيّرنّ خلق اللّه و ذلك قول اللّه تعالي و جحدوا بها اي بولاية محمد و علي و آلهما صلي اللّه عليهما و آلهما الطاهرين و استيقنتها انفسهم ظلماً لٰال‌محمّدٍ حقهم و علوّاً عليهم اي طلباً للعلوّ عليهم و قال ابوالحسن عليه السلام في المنافقين ليسوا من الكافرين و ليسوا من المؤمنين و ليسوا من المسلمين يظهرون الايمان و يصيرون الي الكفر و التكذيب لعنهم الله تعالي اقول قوله (ع) ليسوا من الكافرين يعني ظاهراً لاظهار كلمة الاسلام و الا فهم كفار كما قال (ع) و ليسوا من المؤمنين و ليسوا من المسلمين فاذا لم‌يكونوا مؤمنين و لا مسلمين كانوا كافرين و لذا قال و يصيرون الي الكفر بل هم اشد و اسوء حالاً من الكفار و لهذا قدّمهم اللّه تعالي في ذكره ادخالهم النار قال تعالي انّ اللّه جامع المنافقين و الكافرين في جهنم جميعاً و قدّمهم علي المشركين قال تعالي ليُعذِّبَ المنافقين و المنافقات و المشركين و المشركات الاۤية . و من الدنس وقف القلب فقد تمر عليه ساعة في ليل او نهار يكون فيها واقفاً و هو سهوه و يكون من الملَالِ اذا كان ذكره للّه تعالي لغرض دنيوي اَوْ اُخْرَوِيّ و قد يكون من اشتغاله بما لايعنيه و امثال ذلك من كل ما ليس للّه فان كانت علّة وقفه لطخَ اهلِ الباطل فمن فضل اللّهِ سبحانه ان ينكت فيه ما شاۤء من الايمان بعد ذلك ان شاۤء و ان كانت علّة وقفِه ذاتيّةً فمِنْ عَدْلِهٖ عزّ و جل ان ينكت فيه ما شاۤء من الكفر بعد ذلك ان شاۤء و في الكافي عن الشحّام قال زاملتُ اباعبداللّه عليه السلام قال فقال لي اقرأ فافتتحتُ سورة من القرءان فقرأتها فرَقّ و بكي ثم قال يا ابااسامة ارعوا قلوبكم بذكر اللّه تعالي و احذروا النكتَ فانه يأتي علي القلب تارات او ساعات [ص 15] الشك من صباح ليس فيه ايمان و لا كفر شبه الخرقة البالية او العظم النّخِر يا ابااسامة اليس رُبَّما تفقّدت قلبك فلاتذكر به خيراً و لا شرّاً و لاتدري اين هو قال قلتُ له بلي انه ليُصيبني و اراه يصيب الناس قال اجل ليس يعري منه احد قال فاذا كان ذلك فاذكروا اللّه تعالي و احذروا النكت فانه اذا اراد بعبدٍ خيراً نكتَ ايماناً و اذا اراد به غير ذلك فنكت غير ذلك قال قلتُ و ما غير ذلك جعلتُ فداۤءك ما هو قال اذا اراد كفراً نكتَ كفراً ه‍ ، اقول النكث بالمثلثة اخيراً نقض العهد و في بعض النسخ بالمثنّاة و علي المشهورة يكون المعني ان اللّه قد اخذ عليكم ان تذكروه في الضمير و العمل و القول و لاتكونوا من الغافلين فاعطيتموه العهد من انفسكم و اشهد عليكم اولياۤءه و ملاۤئكته فلاتنقضوا ما عاهدتم عليه فينكث في قلوبكم بنقضِكم ميثاقكم كفراً و علي النسخة الاخري يكون المعني احذروا ان ينكتَ في قلوبكم بغفلتكم كفراً و قولنا ان كانت علة وقفه من لطخ اهل الباطل فمن فضل اللّه سبحانه ان ينكت فيه ما شاۤء من الايمان الخ ، لانريد به اَنّه ينكت في قلبه حين وقفه و انّما نريد انّه حين النكت تميل ذاته اي وجوده الي الايمان فينكت بذلك ما اقتضاه وجوده بميله من مراتب الايمان و يلزم ميل وجوده الي الايمان ميل ماهيّته الي الكفر فبترجيحه ميله الي الايمان مع تساويهما بالنسبة الي ذاته المركبة منهما نكتَ اللّهُ في قلبِهٖ ما شاۤءَ من الايمان و بالعكس في نكت الكفر فالمراد بهذا الوقف عدم الترجيح لاحد الطرفَيْن و يسمّي سهو القلوب فاذا استقل كلّ ميلٍ الي ما يناسبه و لم‌يستقر عليه بل ينتقل النظر الي ضده مستقلاً و ينتقل عنه الي الٰاخر قبل استقراره و هكذا فهو الشكّ و الفرق بين الشك و بين الوقف عدم الاستقلال هذا ما يجري عليه الصنع من لدن العقل و النفس الامّارة لان ميل الوجود بالعقل و الماهية بالنفس الامّارة و لهذا قال عليه السلام [ص 16] فانه ياتي علي القلب تارات اَوْ ساعات الشكّ و كون القلب في تلك الحال لايذكرُ به خيراً و لا شرّاً وَ لايَدْري اَيْنَ هُوَ لٰايَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ مَيْلِهٖ الي شيءٍ مِن الطرفين لاِنّ ذلك لايمكن في حقِّ المُحْدَثِ لانّه لايَسْتغني عن المَددِ في بقاۤئه و لايَنتَفِعُ بالمدد حال الوقف المفروض لو اريد به عدم الميل بالكليّة لانّ هذا المَيْلَ هُوَ القابليّةُ للمَددِ فلا بُدَّ للقلب من اَحد اربعةِ اَحْوَالٍ امّا حال الثبات و المحض علي الايمان او الكفر و امّا حال الاستقلال في الميل بدون استقرَارٍ بان يتوجّه الي طرفٍ بكلّ ميله و لايستقرّ عليه حتي ينتقل الي ضدِّهٖ و لايستقر علي الضّد حتّي ينتقل الي الاوّل و هكذا و هو الشكُّ و امّا حال ميله بصفة ذاتِه لا بها مع صفة فعلِها بل بصفة وجوده الي الخير و بصفة ماهيته الي الشرّ و هذا الميل بدون صفة الفعل الذي هو الانبعاث لايذكر به خيراً و لا شرّاً و لايدري اين هو و هو وقف في الظاهر لا في الحقيقة بل هو ميل ذاتي خالٍ عن الانبعاث الفعلي اي الباعث علي الفعل من الجوارح او من الجنان اي خالٍ عن انبعاثٍ الي اعتقادٍ اَوْ الي شكٍّ او قولٍ او عملٍ و اما حال السجود الحقيقي و هو سجود القلب بين يدي اللّه تعالي تحت العرش و هذه الحال اقوي احوال وقف المخلوق فانّه لايشعر بنفسه و مثاله كحال دخول الشخص في النوم و حال انتباهه من النوم فانه لايشعر بنفسه في الحالين ابداً و هذا اقوي احوال الوقف و هو في الحقيقة اسرع احواله سيراً الي اللّهِ تعالي . و من الدنس الطبع علي القلب بسبب المعاصي التي ياتيها العبد بعد العلم و القلب غير منكر لها و هذا قلب المنافق و هو قول الباقر عليه السلام ما من عبد مؤمن الا و في قلبه نكتة بيضاۤء فاذا اذنب ذنباً خرج في تلك النكتة نكتةٌ سوداۤء فان تاب ذهب ذلك السواد و ان تمادَي في الذُّنوب زاد ذلك السواد حتّي يغَطّي ذلك البياض فاذا غطّي البياض لم‌يرجع صاحبه [ص 17] الي خيرٍ ابداً و هو قول اللّه عز و جل كلّا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبُونَ اقول المراد انه كلّما اذنبَ ذنباً جراۤءة علي معصية اللّه او عدم مبالاةٍ بالذنب او بالوعيد عليه خلق اللّه سواداً بذلك الذنب علي الوجه الخاۤصّ بذلك الذنب من القلب و هكذا حتّي لايبقي بياض في ذلك القلب و هو الرين المذكور في الٰاية الشريفة و هو الطبع في قوله تعالي بل طبع اللّه عليها بكفرهم فقوله عليه السلام ما من عبد مؤمن لاينافي قولنا و هذا قلب المنافق لانّ المنافق يسمّي مؤمناً بسبب اقراره بالشهادتين ظاهراً و قوله تعالي يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون كبر مقتاً عند اللّه ان تقولوا ما لاتفعلون نزل في رجلٍ من المنافقين و في الكافي عن جميل بن درّاج عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال انَّ الطَّيّار دَخل عليه فسأله و انا عنده فقال له جعلتُ فداۤءَك ارأيتَ قوله تعالي يا ايّها الّذينَ آمَنُوا في غير مكانٍ فهي مخاطبة المؤمنين ايدخل في هذا المنافقون قال نعم يدخل في هذا المنافقون و الضُّلَّال و كلّ مَن اقرّ بالدعوة الظاهرة اقول هذه الٰاية و سبب نزولها منافقٌ ثالثٌ و هذه الرواية صريحتانِ في المُدّعي فقوله تعالي بل طبع اللّه عليها بكفرهم صريح في ما قلنا من ان اللّه خلق الطبع علي قلوبهم بكفرهم و ذلك لما قلنا مراراً مكرراً انَّ اللّه خالق كُلِّ شيء و كلّ مخلوق فيخلق من مادة و صورة فماۤدة الطبع من نهيه سبحانه و صورته من مخالفة نَهْيِهٖ كما انه عز و جل يخلق نور القلوب و هداها من مادة امره و نهيه و الصورة من موافقة امره و نهيه فقال بل طبع اللّه عليها بكفرهم الذي هو مخالفة امره و نهيه فافهم ، و من الدنس نكس القلب و ذلك ان اللّه سبحانه لمّا خلق العقل الكلّي و هو اول خلق من الروحانيين يعني الاربعة عن يمين العرش خلق ضدّه و هو الجهل الكلي من البحر الاجاج ظلمانياً فكان في اسفل السافلين تحتَ الثري لانّه في [ص 18] مقابلة اَعْلَي عليّين مكانَ العقل و جعل في العقل رؤساً بعدد الخلاۤئق مَن وُلِد وَ مَنْ لم‌يولد الي يوم القيمة و لكل رأسٍ وجهٌ مكتوب عليه اسم صاحبه و كان في الجهل الذي هو ضده رؤسٌ كذلك وَ لمَّا خلقَ الانسانَ جامعاً خلقه من العقل و الجهل فكان الانسان مجمع العالمين فكان فيه لجامعيّته مِرْءٰاتانِ احدهما عن يمين قلبه وجهها الي السماۤء مقابلة للرأس المختص بذلك الشخص من العقل و علي ذلك الوجه غشاوة تكشف قليلاً قليلاً و كلّما انكشف بعض من ذلك الوجه اشرق نوره علي تلك المرءاة الي اَن يبلغ فينكشف كله علي مرءاة قلبه و يعرف الجيّد و الردي و يكلّف و هذا النور المشرق هو صورة ذلك الوجه و شبَحُهُ و هو عقل ذلك الشخص و الثانية عن شمال قلبه وجهها منكوس عكس الاولي الي جهة الثري مقابلة للرأس المختص بذلك الشخص من الجهل الاول الكلّي و علي وجه هذا الرأس غشاوة علي نحو ما في رأس العقل الكلّي و الصورة المنطبعة منه في مرءاة الشمال هي قلب الكافر المنكوس و هو في الحقيقة ميت لانّه لم‌يقبل الحيوة من مولاه و هو نور الاجابة فان قبل نور الاجابة قلبَتْه ملاۤئكة الرحمة المكتوبة و جعلت وجهه الي السماۤء فذهبَتْ عنه صورة الجهل و انطبعت فيه صورة رأس العقل و اليه الاشارة بقوله تعالي او من كان ميتاً فاحييناهُ و جعلنا له نوراً يمشي به في النّاس فحياته بالعمل فيكون العمل روحاً لتلك الصورة فان لم‌يكن فهو ميت و هذا القلب المنكوس قلب المشرِك لانه لم‌يقبل نور الاجابة فبقي علي اصل خلقته لانكاره حين اجاب العقل و انّما كان في الاصل منكوساً لانّ العقل ناظر الي الجهة العليا يتَلقّي المدد من ربّه و الجهل ضدّه فهو ناظر الي نفسه و الي مكانه تحت الثري ناكِسوا رؤسهم عِنْدَ رَبِّهم لانه انكر فانكبّ و العقل سبق فاصاب فضرب الله مثلهما فقال افمن يمشي مُكِبّاً علي وجهه اهدي ام من يمشي سوياً [ص 19] علي صراط مستقيم . و من الدنس قلب فيه نفاق و ايمان لان فيه نكتة سوداۤء فالخير و الشرّ فيه يعتلجان فايّهما كانت منه غلب عليه يعني حين مال الي ايّهما غلب فان ادركه اجله علي نفاقه هلك و ان ادركه علي ايمانِه نجَي لانّ الاجل يأتي بما الشيء عليه كما قال تعالي و جاۤءَتْ سَكْرَةُ الموتِ بالحقّ ذلك ماكنتَ منه تحيد ، و من هؤلاء معارون و هم مَنْ كانَتْ طينتهم خبيثة و اصَابهم لطخ من المؤمنين و هؤلاۤء ينزع منهم اللَّطْخ يوماً ما فيرجعون الي اصل طينتهم روي يونس عن بعض اصحابه عن ابي‌الحسن عليه السلام قال انّ اللّه تعالي خلق النبيين علي النبوّة فلايكونون الّا انبياۤء و خلق المؤمنين علي الايمان فلايكونون الّا مؤمنين و اعار اقواماً اِيْمٰاناً فان شاۤء تمّمه لهم و ان شاۤءَ سَلبَهُمْ اِيَّاهُ قال و فيهم جَرَتْ فمستقرّ و مستودع و قال لي انّ فلاناً كان مستودعاً ايمانه فلمّا كذبَ علينا سُلِب ايمانه ذلك اقول اراد عليه السلام بقوله فلاناً محمد بن مقلاص المكني بابي‌الخطّاب الغالي لعنه الصادق عليه السلام و من كانت طينته طيّبة من هؤلاۤء و انّما اصابه لطخ من الكافرين او المنافقين فذلك الذي في مشيّة اللّهِ ان يتمّم له ايمانه و قولي في المقامين اصابَهُ لطخ ، مبنيٌّ علي المتعارف لا علي الحقيقة لانّ الحَقيقةَ في هذه المَسْئَلَة خَفِيَّةٌ و لكنّي اُشٖيرُ الٰي وَجْهِ المسئلة لاهلها و هو انَّ هؤلاۤء خلقهم اللّه بين المؤمنين و الكافرين و هو ما رواه محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال سمعته يَقُول اِنَّ اللّهَ تعالي خلق خلقاً للايمان لا زوالَ لَهُ وَ خَلَقَ خلقاً للكفر لا زوال له و خلق خَلقاً بين ذلك و استودع بعضهم الايمانَ فاِنْ شاۤء ان يتمه لهم اتمّه و ان شاۤء ان يسلبهم ايّاه سلبهم و كان فلانٌ منهم مُعَاراً اقول قوله عليه السلام و خلق خلقاً بين ذلك اي بين الايمان الثابت و الكفر الثّابت و ليس ذلك لانهم [ص 20] مركّبون من الاثنين بل المراد انهم موقوفون عن الحكم عليهم و لهم حتي يقع منهم المقتضي من ايمان او كفرٍ فيلحقون بحكم اهل ذلك المقتضي و الذي يسلبه عنهم الصلوح للشقّ الٰاخر في الحكمة لا في الامكان لانّه لايسلب عنه ابداً و معني قوله اتمّه لهم انه اذا كان منهم المقتضي لاحدِ الشّقين لايكون مستقلاً لايجاد متعلقه و سلب خلافه بل ذلك شيء للّه يقف علي ارادته فان اراد اتمّه و ان لم‌يرد لم‌يتمّه فالمستعار بهذا المعني و قد يعبّر عنه بالقلب الّذي فيه نفاق و فيه ايمان ، و من الدنس حديث النفس و الوسوسة و ذلك لمّا كانت النفس في ذاتها مفتقرة لايمكنها ان تسكن عن طلب المدد اِمّا بجهة وجودِها من الخيرات و الامور المطابقة للواقع و ممّا ينبغي كما ينبغي و امّا بجهة ماهيّتها من الشرور و الامور المجتثّة و الموهومة و البَاطِلة التي ليس لها قرار و لم‌تتعلّق بما امرَ اللّهُ من طاعته و ذكره و معرفة صفاته وجب ان تدور علي شهواتِها من المعاصي في بعض احوالها و في حال عدم اشغالها تدور علي نفسِها و علي عوالمِها من جهة الماهيّة و دعاواها فتعرض حدوث القديم تعالي و قدم الحادث و فسق الانبياۤء و انكار الضروريات و انواع السّفسطة و امثال ذلك و اصل ذلك و منشأهُ الغفلة عن ذكر اللّه و عدم الاشتغال بالطاعات و التكاسل عنها و طلب راحة النّفس و التَّوْسِعة عليها و ربّما يكثر علي النفس حتي يكون عادةً لها بحيث يحصل لها في حالة الطاعة و ربّما تجري علي المؤمن فيتألّم منها و يتوهّم انّها تضر باعتقاده و علاجُها الاعراض عنها اذا عرضت و الالتفات الي ذكر اللّهِ ففي الكافي عن جميل بن درّاج عن ابي‌عبداللّهِ عليه السلام قال قلتُ له انّه يقع في قلبي امر عظيم فقال قل لا اله الّا اللّهُ قال جميل فكلّما وقع في قلبي شيء قلتُ لا اله الّا اللّه [ص 21] فذهب عني ، اقول و من العلاج العلم بانّها لاتضرّ فانّه اذا علم ذلك لم‌يخف منها و اذا لم‌يخف منها لم‌يشتغل بالاحتراز عنها و يقل ذكرها فتذهب ففيه عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال جاۤء رجل الي النبي صلي الله عليه و آله فقال يا رسول اللّه هلكتُ فقال له هل اتاك الخبيثُ فقال لك مَن خلقك فقلتَ اللّهُ تعالي فقال لك اللّه مَن خلقَهُ فقال له اي و الذي بعثك بالحقّ لكان كذا فقال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ذلِكَ واللّهِ محض الايمان قال ابن ابي‌عمير فحدّثتُ بذلك عبدالرحمن بن الحجاج فقال حدّثني ابوعبداللّه عليه السلام ان رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله انما عني بقوله هذا واللّه محض الايمان خوفَهُ ان يكون قد هلك حيثُ عرض ذلك في قلبه اقول و اذا علم انه لايضرّه و استعمل له الاعراض عنه الي الذكر مثل لا اله الّا اللّه كما مر و مثل ما في رواية ابن‌مهزيار عن الجواد عليه السلام الي ان قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله انّ ذلك لصريح الايمان فاذا وجدتموه فقولوا آمنا بالله و رسوله و لا حول و لا قوّة الا باللّهِ و المراد انه اذا وجد شيئا من ذلك ذكر الله و اعرض فانه يذهب لانّ الخبيث انما يريد ان يطاع و هذه هي النجوي من الشيطان ليحزن الّذين امنوا و ليس بضاۤرهم شيئاً الّا باللّه لان كيده ضعيف و انما مثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ، وَ مِنَ الدَّنَس ايضاً ما يعرض في العبادات و الاقوال و الاحوال من الغفلات و المناجاةِ و الدَّعاوي و غير ذلك و قد تقدّمت الاشارة الي بعضها اجمالاً لانّ ذكرها مفصّلاً لايكاد يسعه كتاب و الحاصل انّ كلّ ما اشرنا اليه و ما لم‌نشر اليه من اشباهه من النّقاۤئص التي تعرض للعقول و الارواح و النفوس و الطباۤئع بل و المواۤدّ و الصور فانّ اللّه سبحانه من عظيم فضله عليهم قد [ص 22] طهّرهم من جميع هذه الادناس و غيرها بحقيقة ما هم اهله من النور و الاخلاص و الاقبال علي اللّهِ في كلّ حالٍ حتي انّه ورد عنهم عليهم السلام كما تقدم في قوله تعالي وَ من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون اَنَّهُم هم الّذين عنده و انّهم هم الذين لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون الليل و النّهار لايفترون و لهذا قال و سراجاً منيراً و سِرَاجاً وَهّاجاً اي ليس فيه شيء من الظلمة و قال تعالي و انّكَ لعَلَٰي خلقٍ عظيم فاختصّهم بما هم اهله كما قال تعالي اللّهُ اعلم حيث يجعل رسالته .

و قوله عليه السلام : و اذهب عنكم الرجس فطهّركم تطهيراً ، الرِجس في قوله تعالي كذلك يجعل اللّه الرِّجس علي الذين لايعقلون هو اللعنة في الدنيا و العذاب في الٰاخرة و في قوله فزادتهم رجساً الي رجسهم اي نَتْناً الي نتنِهِمْ و المراد من النّتن الكفر اي كفراً الي كفرهم و الرِّجز و الرجس واحد و هو العذاب و الرجس هنا هو ما في الٰاية انّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس لانه اقتباس من الٰاية و استعير الرجس للذنوب كما استعير الطهر للتقوي لان المقترف للذنوب و القباۤئح يتلوّث قلبه و روحه و نفسه و حواۤسه و جوارحه و كل جسده و عِرْضه بالذّنوب و القباۤئح كما يتلوّث بَدَنُهُ و ثيابُهُ بالاَرْجاس الَّتٖي هي النجاسات و المجتنب لها تبقي تلك منه نقيّةً طاهرةً مصونةً من الاكدارِ كالثوب الطَّاهر النّقي مِنَ النّجاسات و الاَوْسَاخ و الطهارة تقدّم مَعْناهَا و هذه الفقرة اقتباس من الٰاية و المراد منهما واحد و هو انّ اللّه سبحانه قد اذهب عنهم الرجس الذي هو النجاسة الظاهرة و الباطنة في كل رتبةٍ من مراتب وجوداتهم و في كل حالٍ من احوال تكليفاتهم من جميع النجاسات و من الكباۤئر و الصغاۤئر و المكروهات الظاهرة و الباطنة و منها ترك الاولي و كل ذلك لحقيقةِ ما هم اهْلهُ ، [ص 23] فاِنْ قلتَ انهم عليهم السلام كثيراً ما يفعلون المكروهات و يتركون الاَوْلَي فكيف يكونون مطهّرين من كل دنسٍ لان المكروهات و ترك الاَوْلَي معاصٍ في حق مثلهم و القرءان مشحون بمثل هذا كما يصدر من الانبياۤء المعصومين عليهم السلام و يحكم اللّه عليهم بالمعصية بذلك و قد وَرد حسنات الابرار سيّئات المقرّبين قلتُ ما ورد انّهم يفعلون ذلك فانّه واجب عليهم لانّهم المعلّمون للبشر و يحتاج كمال الاداۤء عن اللّه سبحانه ان يفعلوا ذلك لبيان الجواز فقد يكون القول غير كافٍ و مَن كان عارفاً بمقامهم عند اللّه و بما هم عليه في نفس الامر يعرف اَنّ اعمالهم و اقوالهم منحصرة في واجب و حرام و الواجب منه بالاصالة في التكوين و واجب بالطبع المستقيم للتكميل كساۤئر المندوبات اذا لم‌يقتض الاداۤء تركها لبيان الجواز و الحرام منه حرام بالاصالة لنفي المانع في التكوين و حرام بالطبع السليم للتكميل كساۤئر المكروهاتِ اذا لم‌يقتض الاداۤء فعلها لبيان الجواز ثم ما اقتضاهُ الاداۤء في الصورتين منه ما لايكون الاداۤء الّا به فيلحق بالواجب او الحرام الاصليّين في العمل او القول مع وجوب بيان جواز خلافه ايضاً في العمل او القول و منه ما يكون اكمل في الاداۤء و قد لايتوقّف عليه و هذا يلحق بالواجب او الحرام في التكميل او اللطف بالمكلّفين فيقتضي الطبع المستقيم ايقاعه لطفاً بالرعيّة مع وجوب بيان جواز خلافه في القول او العمل و هذا كما يجري في الشرعيات يجري في الوجوديات و لكن اكثر النّاس لايعلمون فلايعملون الّا الراجح عندهم عليهم السلام و لايتركون الّا المرجوح عندهم عليهم السّلام لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و انما قلنا انه واجب عليهم او حرام علي ما اشرنا اليه من التفصيل لانّهم عليهم السلام ما ترك اللّه سبحانه حين اشهدهم خلق ما خلق و انهي اليهم علمه و جعلهم اولياۤء ذلك [ص 24] شيئاً الّا اعلمهم علمه و لايتجاوز العقل الكامل راجحاً عرف رجحانه الّا عمله و لا مرجوحاً عرف راجِحيّتهُ الّا تركه و انّما اكّد الفعل في الٰاية و في هذه الفقرة لرفع ما عسي ان يتوهّم من انّ طهَّر الّذي هو الفعل قد يكون رافعاً للنجاسة الظاهرة الخبثيّة دون الحدثيّة و قد يزيل صورة الخبثيّة دون حقيقتها اوْ حُكمها دون لونها او جرمها و لونها دُونَ رَاۤئِحتها و كذلك الحدثيّة قد تَكُونُ الطهارة مبيحة غير رافعة للحَدَثِ و قد تكون رافعة للحدث غير كاملةٍ كما لو توَضّأ و لم‌يقرأ الادعية المخصوصة فقد ورد انه لايطهر منه الّا الاعضاۤء المغسولة و قد تكون كاملة و لم‌تكن مزيلةً لبعض الاوساخ الغير المانعة فاذا قال طهّر تطهيراً و اكّده بالمصدر افاد حصول التّطهير علي اكمل وجهٍ و اَصَحِّهٖ في كل ما ينبغي فلمّا قال انّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهّركم تطهيراً بتقديم الارادة الدّالة علي كمال الاعتناۤء و لم‌يكتف بمعناها الذي يدل عليه يذهب و يطهّر دلّ ذلك علي التّطهير من كلّ ما يحتمل و يفرض من حدث او خبث او دنس او وسخ او نقص او ما لاينبغي او غير كمال ما ينبغي ظاهراً و باطناً كبيراً و صغيراً مما يكون عن القصد او النسيان او الغفلة او السهو او التقصير او القصور او عدم الرضا او الجهل او التردد او الالتفات او الشكّ او الانكار و في هذه الٰاية غاية الغاية في الطهارة و التطهير و كمال النهاية و قال عليه السلام ذلك عن قول اللّه و هو سبحانه طهرهم بعلمه و كفي به خبيراً بصيراً و عن مولينا الباقر عليه السلام نزلت هذه الٰاية في رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و علي بن ابي‌طالب و فاطمة و الحسن و الحسين صلواتُ اللّه و سلامُه عليهم و ذلك في بيت ام‌سلمة زوج النبي صلي اللّه عليه و آله فدعا رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله اميرَالمؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهم ثم البسهم كساۤء له خيبرياً و دخل معهم فيه ثم قال اللهم هؤلاۤء اهل بيتي الّذين [ص 25] وعدتني فيهم ما وعدتني اللهم اذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً فقالت ام‌سلمة و انا معهم يا رسول اللّه قال ابشري يا ام‌سلمة فانّك الي خير و عنه عليه السلام عن النبي صلي اللّه عليه و آله الي ان قال فقالت ام‌سلمة الستُ من اهلك فقال انك الي خير و لكن هؤلاۤء اهلي و ثَقَلي و قال في آخر الحديث الرجس هو الشّكّ واللّه لانشك في ربّنا ابداً و في آخر حديث العيّاشي و يطهّركم تطهيراً من ميلاد الجاهليّة و في العلل عن الصادق عليه السلام نزلت هذه الٰاية في النبي صلي اللّه عليه و آله و اميرالمؤمنين و الحسن و الحسين و فاطمة فلمّا قبض اللّه عز و جل نبيه صلي اللّه عليه و آله كان اميرالمؤمنين ثم الحسن ثم الحسين ثم وقع تأويل هذه الٰاية و اولوا الارحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله و كان علي بن الحسين ثم جرت في الائمة من ولده الاوصياۤء فطاعتهم طاعة اللّه و معصيتهم معصية اللّه ، اقول قد ذكر عليه السلام في هذه الفقرة جميع الائمة عليهم السلام كما جري عليه تأويل هذه الٰاية بنحو ما ذكر جده الصادق عليه السلام في هذا الحديث و الاشارة الي بيان ارادة العموم من هذه الٰاية هو انّه لما كان فعل اللّه سبحانه جارياً علي مقتضي القابليّة في كلّ شيءٍ كان التطهير المشار اليه بكمال المبالغة و التطهير و التنزيه و التزكية علي غاية ما يمكن اَنْ ينبغي صادِراً من فَوّارة القَدرِ لما يحقّ له و يقتضيه من القابلية فكان ذلك رسول اللّهِ صلي اللّهُ عليه و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و لم‌يكن غيرهم ممّن يصلح ان يكون قابلاً لذلك التطهير الخاۤصّ فلمّا وجد علي بن الحسين و كان صالحاً انبسط عليه فلما وجد الباقر محمد بن علي و كان صالحاً انبسط عليه و هكذا الي الحجة المنتظر عَجّل اللّه فرجَهُ و سَهّل مخرجَهُ و انتهي ذلك التّطهير بانتهاۤء ما يصلح ان يكون قابلاً من الامكان اذ لايحتمل الامكان ازيد من هذا العَدَدِ الّا بقلب [ص 26] الحقاۤئق و تغيير الذوات و لو فُرِضَ قلبُ ما نزَلَ الي هذا المقام لكان هو ذلك المعدود بذلك العدد فلايكون الّا ما كان و انّما قلنا هنا في حقهم عليهم السلام فلايكون الّا ما كان مع انّا نقول انّ كل ما في الامكان ممّا سواهم يصح ان يكونَ معَهُ غيره لخلوّ بعض من الامكانات عمّا سواهم لانّهم عليهم السلام مَلَئُوا اَرْكانَ كلّ شيء فعلي كلّ فرضٍ لايكون الّا ما كان فافهم و ما يوجد في الاوهام الباطلة فلكَ فيه لحاظانِ احدهما هو في نفسه و قد ملئُوا اركانه بنسبة ما يستحق من الوجود و الشيئِيّة و ثانيهما ما يريده المبطل منه و ذلك ليس موجوداً و ليس بشيء مثاله كالسراب فانّه في نفسه موجود و شيء و من جهةِ ما يريد منه الظمأن من الرِّيِّ و انه ماۤءٌ ليس موجوداً و ليس بشيء و هو قوله تعالي و الذين كفروا اعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسَبُهُ الظمأٰنُ ماۤءً حتي اذا جاۤءه لم‌يجده شيئاً و وجد اللّه عنده فوفّاه حسابه و اللّهُ سريع الحساب .