و امّا قوله (ع) و اجتباكم بقدرته فقد اشار الشارح (ره) الي معني من معانيه و هو انّه انّما نسب الأجتباۤء الي القدرة مبالغة في تعظيم مقام اجتباۤئه لهم [ص 373] لأنّ اجتباهم الواقع علي اكمل وجهٍ من الاجتباۤء انّما يكون عن قدرةٍ بالغةٍ و هي قدرته الّتي لاتعجز عن شيء و ان عظم و يجوز فيه معني آخر و هو انّهم لما كانوا كما هم اهله مظهر قدرته و مصدر آثارِها و باب فَيَضانِها بمكانٍ ينحدر منه السيل و لايصعد اليه الطّير و اجتباهم بسبب ذلك و يجوز معني آخر و هو انّ قدرته لمّا كانتْ لاتتناهي عظيماً و شدة بحيث لايقدر احد من المقدورات تحمّل ظهورها عليه بلا واسطةٍ وجب في الحكمة اتّخاذ الأعضاد للخلق و لمّا كانت الحكمة تقتضي ان تكون الأعضاد اقوي و اقرب ممّا يتقوّي به الي الفاعل و لميكن في الوجود اقوي و لا اقرب منهم اختارهم عضداً لقدرته و الباۤء بمعني اللام و علي تفسير ظاهر الظاهر المراد بالقدرة القدر يعني اختارهم بان جعلهم مقدِّرِين للأشياۤء باذن اللّه كما قال الحجة (ع) في دعاۤءِ شهر رجب و مناة و اذواد اي مقدِّرون بكسر الدّال و اختارهم بقدره فيرجع التقدير الي اختياره لهم او اليهم يعني انّهم مقدَّرُون بفتحِ الدّال اي معدَّلون في احسن تقويم او بمعني انّه اقدرهم علي تحمل ما شاۤء من علمه او علي اداۤءِ ما حَمَّلَهم و علي تبليغ ما امرهم بتبليغه و ما اشبه ذلك ممّا يطول به الكلام اذا تصرّف في معناه علي قواعد الباطن و ظاهر الظاهر و التّأويل و باطن التّأويل .
قال عليه السلام : و اعزّكم بهداه و اخصّكم ببرهانه .
قال الشارح (ره) و اعزّكم بهداه اي جعلكم اعزّةً بالهداية هادياً او مهديّاً و اخصّكم ببرهانه اي بالقرءان و علومه فانّهما معجزان و هما عندهم او الأعمّ منه و من غيره من المعجزات الباهرة المتواترة الّتي روتها العاۤمّة و الخاۤصّة عنهم صلوات اللّه عليهم . اقول الهدي قد ذكرناه سابقاً و نذكر الٰان كما كان عزمنا من تكرير البيان للبيان فالهدي الارشاد للزوم [ص 374] الطريق المؤدّي الي محبّة اللّه و المبلّغ الي جنّته الصّارف عن اتّباع الهوي الموجب للعطب و الأخذ بالٰاراۤء الموجب للهلاك روي هذا المعني عن الصّادق عليه السلام و الهدي الدّلالة علي الصراط المستقيم و الهدي الكتاب و الشريعة عن ابنعبّاس في قوله تعالي فمن اتّبع هدايَ الخ ، و الهدي التعريف لطريق الخير و الشّرّ و الهدي التّبيين كما قال تعالي اولميهد للذين يرثون الأرض الٰاية ، و الهدي التّقوي كما قيل في قوله تعالي هديً للمتّقين فيكون تقوي اي باعث تقوي و محدثها او زاۤئدها و المتّقين علي معني زاۤئدها ظاهر و علي احداث التقوي يكون المعني هدي و تقوي لمن يقبل او للمستحقين المتأهّلين لها او باعتبار ما يؤل بها امرهم الي الاتّصاف بها و الهدي بمعني الامضاۤء او الاصلاح كما في قوله تعالي انّ اللّه لايهدي كيد الخاۤئنين اي لايمضيه او لايصلحه و الهدي بمعني الطّريقة قال تعالي فبهداهم اقتده اي بطريقتهم في الايمان و التوحيد و العدل و النبوّة و الامامة و المعاد و مُجْمَل الشراۤيع و اصولها و الهدي الحفظ لما لا بدّ منه للمكلّفين و منه قوله تعالي و لكلّ قوم هاد و امثال ذلك و قوله (ع) و اعزّكم بهداه يصدق الهدي هنا علي هذه المعاني مع مقارنة معاني عزّ من اصل اللّغة و التضمين و من معانيه الشّدّة و القوّة مثل قوله تعالي عزيز عليه ما عنتّم اي شديد عنتكم يغلب صبره و كذا قوله تعالي فعزّزنا بثالث اي قوّينا و شدَدنا ظهورهما بثالث فيصير المعني شدكم بهداه و ارشاده للزوم الطريق المؤدّي الي محبّته و المبلّغ الي جنّته و قوّاكم بتعريفه و تبيينه لكم و قوّاكم بالتّقوي و بما امضي لكم في محتوم قضاۤئِه من سننه و طريقته و آدابه و اصول شراۤئعه و فروعها و شدّكم و قوّاكم علي حفظ ما لا بدّ منه للمكلّفين من الايجادات و اسبابها و التّشريعات و آدابها عليهم و ايّدكم بما به تكونون غالبين لما تريدون ظاهرين علي مَن تُعادون و اذا جُعِلت [ص 375] الباۤء بمعني علي كما في قوله تعالي مَن اِن تأمنه بقنطارٍ اي علي قنطارٍ او بمعني اللّام او في او عن او غير ذلك من حروف الجرّ فانّ حروف الصّفات يقوم بعضها مقام بعضٍ اتّسعتْ وجوه المعاني و تكثّرت بما يطول ذكرها و يدّق بيانه و قوله (ع) و اخصّكم ببرهانه ممّا يراد به انه سبحانه اخصّهم بالقرءان بان انزله في حجراتهم او علّمهم مقاصده و ارادته فيه او جعلهم حفظة احكامه و قُوّاماً بما انزل فيه من اوامره و نواهيه او جعلهم محلّه لأنّهم محاۤلّ مشيّته و القرءان ظاهر مشيّته او مظهر مشيّته او عاملين بما ينطق به اذ لايمكن احد من خلق اللّه ان يعمل بما ينطق به كما ينطق الّا هم (ع) او مبلّغين به و منذرين به كما قال تعالي حكاية عن نبيّه و عنهم صلي اللّه عليه و عليهم ( و آله خل ) لأنذركم به و مَن بلغ اي و من بلغ ان يكون منذِراً منهم (ع) ينذركم به او مؤدّين عنه الي الموجودين و المكلّفين ما ظهر سبحانه به فيه لهم او ما اظهر عنه من المعجزات الخارقات للعادات المقرونات بالتحدي او ما اظهر فيه و انزل فيه من العلوم و الأسرار و الاخبار بالحادثات علي ممرّ الدّهور او بما ينال حملته و يبلغون بسببه من الشرف و المجد و العزّ الذي لايخلق جديده علي تطاول الأيّام و الدّهور او بما انزل فيه من البرهان و الحجج الّتي يقوم بها الحقّ و يبطل بها الباطل و ما اشبه ذلك او انّه سبحانه اخصّهم بالمعجزات الخارقة للعادة فانّها برهان اللّه و حجته و آياته المصدّقة لرسله و اولياۤئه و ذلك مثل احياۤء الموتي و ابراۤء الأكمه و الأبرص و الاِخبار بما يدّخرون في بيوتهم و انطاق الجمادات و الحيوانات العجم و احياۤء الجمادات باعطائها ارواحاً حيوانيّة و سلبها منها او بالاسم الاعظم الاكبر الذي به يفعلون ما شاۤؤا و يعلمون ما ارادوا او انّه اخصّهم بروح القدس المسدِّد لهم فلايخطئون و المعلّم لهم فلايجهلون و المذكّر [ص 376] لهم فلاينسون او انّه انزل في اجسادهم و اجسامهم و نفوسهم و عقولهم انوار مدده حتي كانوا آيةً للعالمين و حجج اللّه علي ساۤئر خلقه اجمعين او انّه سبحانه جعلهم مظاهر برهان ربوبيته و آيات علمه و قدرته كما تقدمتِ الاشارة اليه في رواياتهم من انّهم حجج اللّه و انهم آياته الّتي اراها خلقه في الٰافاق و في انفسهم و المراد بذلك انّ برهانه ظهر عليهم او هم اظهروه او هم ذلك البرهان و هذه الثلاثة الأحوال احوال كونهم مظاهر برهان ربوبيّته فالحال الثالث مقام المقامات في حقّهم و الأوّل مقام المعاني و الثاني مقام الأبواب و اۤثار الأحوال الثلاثة تظهر في المقام الرابع مقام الامام فافهم .
قال عليه السلام : و انتجبكم بنوره و ايّدكم بروحه .
قال الشارح (ره) و انتجبكم بنوره من الكمالات و الهداية و غيرها من الأنوار القدسيّة المعنويّة و ايدكم بروحه و هي روح القدس الّتي كانت مع نبيّنا (ص) و كانت معهم كما يظهر من الأخبار المستفيضة فمن ذلك ما رواه الكليني في الصّحيح عن ابيبصير ليث المرادي قال سألتُ اباعبداللّه (ع) عن قول اللّه تبارك و تعالي و كذلك اوحينا اليك روحاً من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان قال خلقٌ من خلق اللّهِ عزّ و جلّ اعظم من جبرئل و ميكائيل كان مع رسول اللّه (ص) يخبره و يسدّده و هو مع الأئمة من بعده و في الصّحاح عن ليث قال سألتُ اباعبداللّه (ع) عن قول اللّه عزّ و جلّ و يسئلونك عن الرّوح قل الرّوح من امر ربي قال خلق اعظم من جبرئل و ميكائيل لميكن مع احدٍ ممّن مضي غير محمّد (ص) و هو مع الائمّة يسدّدهم و ليس كلّما طُلِبَ وُجِدَ ، الي غير ذلك من الأخبار الكثيرة و الظاهر انه من الملاۤئكة الرّوحانيّين و يمكن ان يكون عبارة عن تنوّر نفوسهم و عقولهم بالأنوار القدسيّة الالهيّة ه .
[ص 377] اقول انّه سبحانه و تعالي انتجبهم اي اختارهم بنوره اي بعلمه يعني انّه اختارهم علي علم منه بهم انّهم الخيرَة و ذلك في القدم المخلوق و هو السّرمد و مبدء الفيض و المدّ و هذا العلم الذي اختارهم هو الكتاب الأوّل و يعبّر عنه بعبارات كثيرة مختلفة في الظّاهر و المدلول و المفهوم متحدّة في المعني و منها الحقّ المخلوق و الكتاب الأوّل و العلم المساوق و الربوبيّة اذْمربوب و الألوهيّة اذمألوه و الفعل و الاختراع و الابداع و المشيّة و الارادة و الرحمة الواسعة و الشجرة الكليّة و برزخ البرازخ و التعيّن الأوّل و مقام او ادني و عالم فاحْبَبْتُ ان اُعْرَف و غير ذلك و لايُراد به العلم الذي هو الذّات لأنّ الانتجاب معنيً فعليّ و الذّات لاتكون فعلاً لنفسها و لاجل انّ المراد منه العلم المخلوق بنفسه عبّر عنه بالنّور و يجوز ان يكون المراد من النّور ذواتهم (ع) بمعني انّه لميخترهم بشيء غيرهم و انّما اختارهم بهم هذا و مثله من المعاني اذا اريد بانّه سبحانه اختارهم في المقام الأوّل و ان اريد انّه اختارهم في المقام الثاني يكون المراد بالنور هو الأمر و هو الماۤء الأول كما اشار اليه سبحانه و البلد الطّيّب يخرج نباته باذن ربّه و ان اريد به في المقام الثالث يكون المراد من النّور هو الاسم الكبير و المصباح المنير الّذي اشرقتْ به السموات و الأرضون و يكون المراد به هنا هو الحجاب الأبيض و يكون المراد من الرّوح في ايّدكم بروحه الحجاب الأصفر كما يأتي ان شاۤء اللّه تعالي و ان اريد به في المقام الرابع يكون المراد من النّور الوحي و القرءان بان جعلهم مهبط وحيه و حملة كتابه و آثار هذا النور علي ايّ معني فُرض تظهر اٰثاره في المقام الرابع كلّ اثرٍ بحسبه في احوالهم و اعمالهم و اقوالهم و افعالهم كما اشرنا قبل هذا فيما قبله و لاحِظ في الباۤء من بنوره معني ما تقدّم في نظائرها و تصرّف علي سنن بياننا تظهر لك ذخاۤئر لمتزل قبل هذا الشرح [ص 378] مكنونة لمتكتب في القِرطاس و لمتجر علي خواطر الناس .
و قوله (ع) و ايّدكم بروحه يراد منه انّه سبحانه ايّدهم بروح منه و اعلي ما يراد من هذه الرّوح ان يراد بها مشيّته فانّها حيوة كلّ شيء و من المراد من تأييدهم بها جعلهم محلّاً لها و لميجعل اللّه جلّ و عزّ تأييداً بشيء ممّا خلق لشيء ( بشيء خل ) ممّا خلق مثل التّأييد بمشيّته و لميؤيّد بجميعها خلقاً من ساۤئر خلقه الّا محمداً و آله الطّيبين صلّي اللّه عليهم اجمعين ثم يراد بعده القاۤئم بجميع حيوة الموجودات و هو الماۤء الذي به حيوة كلّ شيء و كان العرش الّذي استوي عليه الرّحمن برحمانيّته عليه قبل خلق السّموات و الأرض بما لايكاد يدخل تحت الضّبط و قد تقدّم ما فيه اشارة الي ذلك كما روي عنهم (ع) انّهم كانوا انواراً يسبّحون الله قبل خلق ساۤئر المخلوقات بالف دهرٍ و في ما روي انّ عليّاً (ع) خطب في البصرة و قال سلوني قبل ان تفقدوني الي ان قال الراوي فقام ( اليه خ ) الرجل فسأله عن مساۤئل الي ان قال فكم مقدار ما لبث العرش علي الماۤء قبل خلق الأرض و السماۤء فقال (ع) اتحسن انْ تحسب فقال نعم فقال اميرالمؤمنين (ع) افرأيتَ لو صبّ علي الأرض خردل حتي سدّ الهواۤء و ملأ ما بين الأرض و السماۤء ثم اُذِنَ لك علي ضعفِك ان تنقله من المشرق الي المغرب ثم مُدَّ لك في العمر حتي تنقله و احصَيْتَهُ لكان ذلك ايسر من احصاۤءِ ما لبث العرش علي الماۤء قبل خلق الأرض و السماۤء انّما وصفت ( وصفته خل ) عَشْرَ عَشيِرٍ من مائةالف جزءٍ و استغفر اللّه من القليل ( القول خل ) في التّحديد الحديث ، و هذا المشار اليه بالماۤء الذي به حيوة كلّ شيء ثاني رتبة يصدق عليها الروح الّتي ايّدهم بها و ثالث رتبة هو الرّوح الذي اشار اليها الشارح و هو المذكور و هو تحت المرتبتين الأوّلتين و يطلق علي القلم و العقل الكلّي و علي مَلَكٍ له رؤس بعدد الخلاۤئق من وُلِدَ و من لميُوْلَد و في العلل [ص 379] للصّدوق بسنده الي عمر بن علي (ع) عن ابيه علي بن ابيطالب (ع) انّ النّبي (ص) سُئِلَ ممّ خلق اللّه عزّ و جلّ العقل قال خلقه ملكاً له رؤس بعدد الخلاۤئق مَن خُلق و مَن لميخلق الي يوم القيمة و لكل رأسٍ وجهٌ ( وجهٍ رأسٌ خل ) و لكلّ اٰدميّ رأس من رؤس العقل و اسم ذلك الانسان علي وجه ذلك الرأس مكتوب و علي كلّ وجهٍ ستر ملقيً لايُكشف ذلك الستر من ذلك الوجه حتّي يُولد هذا المولود و يبلغ حدّ الرّجال او حدّ النّساۤء فاذا بلغ كُشِف ذلك السّتر فيقع في قلب هذا الانسان نور فيفهَمُ الفريضة و السّنّة و الجيّد و الرّدي اَلَا و مثل العقل في القلب كمثل السّراج في وسط البيت و مثله روي ان اللّه عزّ و جلّ خلق ملكاً له رؤس بعدد بني آدم و لكلّ رأسٍ وجهٌ عليه اسم شخص منهم و علي ذلك الوجه ستر فاذا وُلِدَ مولود من بني آدم ارتفع من السّتر عن الوجه شيء ثم لايزال كلّما نشأ ذلك المولود يرتفع من السّتر من الوجه فيشرق نوره بكماله في القلب قليلاً حتّي يرتفع السّتر بتمامه عن الوجه فيشرق نوره بكماله في القلب ه ، و هذا الرّوح مَلَكٌ كما في هذه الأحاديث و غيرها و يسمّي ايضاً بلسان الشرع بالقلم كما تقدّم و بالعقل و بلسان اهل الحكمة بالعقل الكلّيّ و عند بعض بالعقل الأوّل و قد يعبّر عنه في الأخبار بالحجاب الأبيض و النّور الأبيض و بالحجاب الأصفر و النّور الأصفر و بالرّوح من امرِ اللّه و رووا من طرقهم اوّل ما خلق اللّه العقل و رووا عنه (ص) اوّل ما خلق اللّه عقلي و اول ما خلق اللّه روحي و من طرقنا اوّل ما خلق اللّه نور نبيّك يا جابر و انّ العقل اوّل خلق من الروحانيّين عن يمين العرش و بالجملة فالمعروف عند العلماۤء و الحكماۤء انّ اوّل ما خلق اللّه العقل و انّ المراد بالعقل و المَلَكِ و الرّوح و النور ( في الروح خل ) في الرّوايات واحدٌ و انّه يكون مع الأنبياۤء و الرسل و الائمّة يسدّدهم كما تقدّم في روايتَي ليث و في الكافي عن الصّادق (ع) انّه سُئِل عن العلم أهو شيء [ص 380] يتعلّمه العالم من افواه الرّجال ام في الكتاب عندكم تقرؤنه فتعلمون منه قال الأمر اعظم من ذلك و اوجب اَمَاسمعت قول اللّه تعالي و كذلك اوحينا اليك روحاً من امرنا ماكنتَ تدري ما الكتاب و لا الايمان ثم قال قد كان في حال لايدري ما الكتاب و لا الايمان حتّي بعثَ اللّهُ الرّوح الّتي ذكر في الكتاب فلمّا اوحي اليه علم به العلم و الفقه و هي الرّوح الّتي يعطيها اللّهُ من يشاۤء فاذا اعطاها العبد علّمه الفهم ه ، و المرادُ به هو الرّوح من امر اللّه اي الذي اظهَرَهُ امرُ اللّه و امرُ اللّه هو مشيّتُه و هو يطلق علي ملكين هما معاً عن يمين العرش و هما المعبّر عنهما في كلام زينالعابدين (ع) بالنّور الابيض و النّور الأصفر و الأبيض هو العقل و الأصفر هو الرّوح و المراد بالعقل عقل محمّد (ص) و الرّوح روحه لانّ العرش قلبه و القلب فيه العقل و الرّوح من جانب الطور الأيمن و فيه النّفس و الطّبيعة من الجانب الأيسر و لهذا لميوجد هذا الملك العالي عند احدٍ من النّاس ( الخلق خل ) الّا محمّد و آله (ص) لانّه عقله و عقلهم ينتقل من واحدٍ الي واحدٍ و في الحديث منذ انزل اللّه ذلك الرّوح علي محمّد (ص) ماصَعِدَ الي السماۤء و انّه لفينا ، اقول انّما كان ذلك لانّه عقله فهو مخصوص بهم و انّما يكون عند الأنبياۤء عليهم السلام منه وجهٌ من وجوهه لكلّ نبيّ وجه و يكون عند كلّ مؤمن اشراق من اشعّة تلك الوجوه و معني انّ اللّه ايّدهم بروحه الّذي هو عقلهم ان اللّه سبحانه اكمله فيهم و هو في حدّ ذاته نور لايُظْلم و ذكر لاينسي و لايغفل و علم لايجهل و يقين لايشكّ و معرفة لاينكر و هدَاية لايضلّ و ما اشبه ذلك و معني انّه ليس كلما طُلِبَ وُجِد لانّ العقل اذا اقبل لايحتاج الي طلبه اذ لايطلب الّا لاقباله و اذا ادبَر لايمكن طلبه اذ ليس في مشاعر العبد بعد الوجود اقوي منه فيطلب به و لانّه فانٍ في الوجود فاذا صرفه الوجود المعبّر عنه بالفؤاد [ص 381] لايقبل و اذا اقبل به فهو شاهد لايطلب و هذا الرّوح له اطلاقانِ احدهما الرّوح الذي هو من امر اللّه و هو ملكان عن يمين العرش و ثانيهما الرّوح الّذي علي ملاۤئكة الحجب اي الموكّل علي ملاۤئكة الحجب و هو ملكان عن يسار العرش و هذه الأربعة هم العالون الذين اشار سبحانه و تعالي اليهم بتأويل قوله تعالي لابليس استكبرتَ ام كنتَ من العالين لأنّهم لميسجدوا لٰادم بل انّما امر اللّه السجود ( الملاۤئكة بالسجود خل ) لاۤدم كرامة لهؤلاۤء الأربعة لانّ اللّه انزل انوارهم في آدم و هم انوار محمّد (ص) و هم حملة العرش و العرش ذواتهم او ما جعل اللّه عندهم من خزاۤئن الأشياۤء و الملاۤئكة الّذين هم جبرئل و ميكاۤئيل و اسرافيل و عزراۤئيل يستمدّون من اُولۤئك الأربعة العالين امدادات مراتب الوجود الأربعة الخلق و الرزق و الحيوة و الممات و هؤلاۤءِ الأربعة العالُون هم الحجب و هم الأنوار الأربعة الّتي خُلقَ منها العرش روي عليّ بن ابراهيم في تفسيره بسنده عن ابيالطّفيل عن ابيجعفر (ع) قال جاۤء رجل الي ابي عليّ بن الحسين (ع) فقال له انّ ابنعبّاس يزعم انه يعلم كل آية نزلت في القرءان و في ايّ يوم نزلَتْ و فيمَن نزلَتْ فقال ابي (ع) سله فيمن نزلَتْ ( فقال خ ) و مَن كان في هذه اعمي فهو في الٰاخرة اعمي و اضلّ سبيلاً و فيمَنْ نزلَتْ و لاينفعكم نصحي ان اردتُ ان انْصَحَ لكم ان كانَ اللّهُ يُريدُ ان يغويَكم و فيمَن نزلَتْ يا ايّها الّذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا فاتاه الرجل فسأله فقال وَدَدتُ ان الذي امرك بهذا واجهني به فاسأله عن العرش ممّ خلقه اللّه و كم هو و كيف هو فانصرف الرجل الي ابي (ع) فقال (ع) هل اجابك بالايٰات قال لا قال ابي (ع) لكن اجيبك بعلمٍ و نورٍ غير المدّعي و لا المنتحل اما قوله و من كان في هذه اعمي فهو في الٰاخرة اعمي و اضلّ سبيلاً ففيه نزل و في بنيه و اما قوله و لاينفعكم نصحي ان اردتُ ان [ص 382] انصح لكم ففي ابيه نزلت و امّا الأخري ففي بنيه نزلت و فينا و لميكن الرّباط الذي امرنا به و سيكون ذلك مَن يسألنا المرابط و مَن نسأله المرابط و امّا ما سأل عنه من العرش فانّ اللّه عزّ و جل خلقه ارباعاً لميخلق قبله الّا ثلاثة اشياۤء الهواۤء و القلم و النّور ثم خلقه من انوار مختلفة فمن ذلك النّور نور اخضر اخضرّت منه الخضرة و نور اصفر اصفرّت منه الصّفرة و نور احمر احمرّت منه الحمرة و نور ابيض و هو نور الأنوار و منه ضوء النّهار ثم جعله سبعينالف طبق غِلْظ كلّ طبق كأول العرش الي اسفل السّافلين ليس من ذلك طبق الا يسبّح بحمد ربّه ( بحمده خل ) و يقدّسه باصواتٍ مختلفةٍ و السنةٍ غير مشتبهة و لو اُذِن للسان منها فاسمع شيئاً مما تحته لهدم الجبال و المداۤين و الحصون و لخسف البحار و لاهلك ما دونه له ثمانية اركان علي كلّ ركن منها من الملاۤئكة ما لايحصي عددهم الّا اللّه عزّ و جلّ يسبّحون الليل و النّهار لايفترون و لو حسّ شيء مما فوقه ماقام لذلك طرفةَ عينٍ بينه و بين الاحساس الجبروت و الكبرياۤء و العظمة و القدس و الرّحمة و العلم و ليس وراۤء هذا مقال ثم قال (ع) لقد طمع الحاۤئر في غير مطمعٍ اَمَا انّ في صلبه وديعة قد ذُرِئتْ لنار جهنم فيخرجون اقواماً من دين اللّه و ستصبغ الأرض بدماۤء افراخٍ من افراخ آلمحمّد صلي اللّه عليه و آله تنهض تلك الافراخ في غير وقتٍ و تطلب غير مُدْرَك و يرابط الذين آمنوا و يصبرون و يصابرون حتّي يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين ه ، فذكر في هذا الحديث الشريف العالين الأربعة و انّهم انوار اربعة فالنّور الأبيض و النّور الأصفر هما الرّوح من امر اللّه و هما عن يمين العرش و النّور الأخضر و النّور الأحمر هما الرّوح الذي علي ملاۤئكة الحجب اي الموكلان بالكروبيّين و هما عن يسار العرش فالعرش مركّب من هذه الأنوار الأربعة و هو هنا عبارة عنهم لانّ له [ص 383] اطلاقات مختلفة عند اهل الشرع عليهم السلام فيطلق علي الملك و علي الدين و علي قلب العبد المؤمن و علي العلم الباطن و علي عالم الأمر و علي كلّ الوجود و علي محدّد الجهات و سأل حنّان بن سدير اباعبداللّه عليه السلام عن العرش و الكرسي فقال انّ للعرش صفاتٍ كثيرةً مختلفة له في كلّ سبب وضع في القرءان و صفة علي حدة فقوله ربّ العرش العظيم يقول ربّ الملك العظيم و قوله الرحمن علي العرش استوي يقول علي الملك احتوي و هذا ملك الكيفوفيّة في الأشياۤء ثم العرش في الوصل منفرد عن الكرسي لانهما بابانِ من اكبر ابواب الغيوب و هما جميعاً غيبان و هما في الغيب مقرونان لانّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الأشياۤء كلها و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحدّ و الأين و المشيّة و صفة الارادة و علم الألفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدء فهما في العلم بابانِ مقرونان لانّ ملك العرش سوي ملك الكرسي و علم ( علمه ظ ) اغيب من علم الكرسي و لذلك ( ذلك خل ) قال ربّ العرش العظيم اي صفة ( صفته خل ) اعظم من صفة الكرسي و هما في ذلك مقرونان قال جعلتُ فداۤءك فلم صار في الفضل جار الكرسي قال انّه صار جاره لأنّ علم الكيفوفيّة فيه و فيه الظاهر من ابواب البداء و اينيّتها و حدّ رتقها فهما جاران احدهما حمل صاحبه في الظّرف و تمثل صرف العلماء و استدلّوا صدق دعواهم لانّه يختص برحمته مَن يشاۤء و هو القويّ العزيز فمن اختلاف صفات العرش انّه قال تبارك و تعالي ربّ العرش ربّ الوحدانيّة عمّا يصفون الحديث ، فتدبّر هذين الحديثين و ما اشير فيهما اليه و ذلك بيان الرّوح و اسماۤئها و مراتبها و صفاتها حيث عبّر عنها بالألسنة المختلفة .
[ص 384] قال عليه السلام : و رضيَكم خلفاۤء في ارضه و حججاً علي بريّته .
قال الشارح (ره) و رضيكم خلفاۤء في ارضه كما قال اللّه تعالي وعد اللّه الذين آمنوا و عملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضي لهم و ليبدّلنّهم من بعد خوفهم امناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً و روي متواتراً انّها وردت فيهم و كمال الاستخلاف في زمان المهديّ (ع) فانّه الزّمان الذي تجتمع فيه الخلاۤئق علي الايمان و يرتفع الشرك بالكلّيّة كما رواه العاۤمّة ايضاً متواتراً و روي الخاۤصّة متواتراً انّهم خلفاۤء اللّه في ارضه و لايكون زمان خالياً من الخليفة كما يظهر من قوله تعالي اني جاعل في الأرض خليفة و يظهر ايضاً من قوله تعالي انّما انت منذر و لكل قومٍ هادٍ و روي في الأخبار المتواترة انّ المراد به الامام و انّه لو لميبق الّا اثنان لكان احدهما الامام (ع) ه .
اقول انّه سبحانه رضيهم اي جَعْلُه ايّاهم خلفاۤء في ارضه مصاحب لرضاه بان رضي بان يكونوا ( بجعلهم خل ) خلفاۤء او رضي بخلافتهم او رضيهم للخلافة او ظهر رضاه بخلافتهم او بجعلهم خلفاۤء و انّ خلافتهم هي رضاه او انها مظهرة لرضاه او ركن رضاه او سبب لرضاه و الرضا ضدّ السّخط و السّخط هو الغضب و اذا نسب الي اللّه اريد به فعل العقاب بالمسخوط عليه و المغضوب ( عليه خ ) و كذلك الرضا و يكون هنا وجهاً من معاني هذا الكلام لانّ رضا اللّه ثوابه فرضيهم اللّه خلفاۤء اثابهم بالخلافة او بالمدد و التّأييد للخلافة او جعل خلافتهم ثواب الطّائعين و هو اعظم مراتب الاثابة امّا بقبولها او بجعلهم ملوكاً بسبب القيام بمقتضاها و الانقياد لأربابها و ( او خل ) انّها سبب للاثابة بنعيم الجنان و قد يكون الرضا بمعني الاقرار [ص 385] في الشيء كما قالوا (ع) لشيعتهم في حقّ مخالفيهم ارضوا ما رضي اللّهُ لهم من ضلالٍ اي اقرّوهم علي ما اقرّهم اللّه عليه و قد يكون بمعني الاذن في التصرّف كما يقال رضي المالك بان يبيع وكيله المتاع فعلي معني الاقرار في الشيء يمكن ان يتكلّف لجريانه هنا و المراد بالتكلّف بعده عن مراد الظّاهر و الّا ففي الحقيقة لا ريب في ارادته لمن عرف المراد من مقاصد اهل العصمة (ع) و علي معني الاذن ظاهر لانّه قد اشهدهم خلقَ الأشياۤء و انهي علمهم اليهم و جعلهم اولياۤءَ علي ساۤئر خليقته و هو تأويل قوله تعالي في حق نبيّه (ص) ما اوحي الي سليمان بن داود (ع) هذا عطاۤؤنا فامنن او امسك بغير حساب و هذا ملحوظ فيه قوله تعالي لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و اذا اريد بالرضا الاختيار فهو اظهر و يرجع الاختيار الي ذواتهم اي انّه تعالي اختارهم من ساۤئر خلقه لخلافته في ساۤئر خلقه او الي خلافتهم اي انّه اختار لهم خلافته الحقّ الّتي لا خلافة مثلها لانّه اقامهم في ساۤئر عالمه مقامه و صاحب هذه الخلافة ينقاد له كل شيء من المعاني و الأعيان و الذّوات و الصّفات و السّكون و الحركات و الأفعال و الأعمال و الأحوال و الٰاجال و الكتب و الرّخص و غيرها لأنّ هذه الخلافة هي ولاية اللّهِ الحقّ لأنّ غير هذه الخلافة و ان كانتْ حقّاً ليستْ كليّةً شاملةً و لا خالصةً من جميع الهفوات و القصورات و التقصيرات بل امّا خلافة جورٍ او مشوبة بحقّ و باطل او ناقصة او ظاهرةً في البعضِ او باطنةً في البعض و لاينطق علي قوله تعالي هنالك الولاية للّه الحقّ الّا الخلافة التي رضيها لهم (ع) و قوله (ع) في ارضه التفاتٌ الي قوله تعالي و اذ قال ربك للملاۤئكة اني جاعل في الارض خليفة امّا ذكر الأرض في الآية فهو ظاهر لأنّ الأرض لما كان ابليس حاكماً علي طواۤئف الجن ثم ( لمّا خ ) طغوا و خالفوا اوامر اللّه و ارسل عليهم جنوداً من الملاۤئكة و قتلوهم و اسروا ابليس و صعِدوا [ص 386] به الي السماء اراد اللّه ان يعمر ارضه بقاۤئمٍ بالحقّ بعد ما افسد فيها الجن و الشيطان فالتفتَ (ع) الي انّ خلافتهم و ان كانت عاۤمّة لأهل الأرض و اهل السماۤء و مَن في الغيب و الشهادة و اهل الدّنيا و الٰاخرة لُوحِظ فيها مقابلة خلافة اهل الجور و الطّغيان من الشّيطان شيطان هذه الأمّة و جنوده ذرّيّة الجنّ من اهل الزّيغ و العدوان و كانت في الأرض فرضيهم اللّه تعالي خلفاء في ارضه ليقيموا العدل فيها و يملئوها قِسْطاً كما ملأها شياطين الانس و الجنّ ظلماً و جوراً و الّا فخلافتهم عاۤمّة لكلّ شيء كما اشار اليه اميرالمؤمنين (ع) في وصف النبيّ (ص) في استخلاف اللّه له قال (ع) اقامه في ساۤئر عالمه يعني في جميع خلقه و المراد بجعلهم خلفاۤء للّه في ارضه انّ اللّه تعالي يجري علي ايديهم افاعيله و اوامره و نواهيه في ساۤئر خلقه بواسطة ما سخّر لهم من ملاۤئكته و جنّه و انسِهِ و ساۤئر ما صنع لهم و يجوز ان يكون الاستخلاف في العلم و هو قول الباقر (ع) في تفسير قوله تعالي وَعَدَ اللّهُ الذين اۤمنوا و عملوا الصّالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية ، الي ان قال (ع) فقد وكلّ ولاة الأمر بعد محمّد صلّي اللّه عليه و آله بالعلم و نحن هم فاسئلونا فان صدقناكم فأقرّوا و ما انتم بفاعلين او يكون هو مطلق التمكين في الأرض لاقامة دين اللّه فيصدق في هذا الزمان اذ ليس هدي و لا دين الّا بهم او خصوص التمكين في رجعتهم خاۤصّة لا التمكين العاۤمّ و المطلق لانّ ذلك لاتعرفه عوامّ الناس و انما يعرفونه بالملك و التسلّط الظّاهري و ذلك لايكون الا عند قيام قاۤئمهم عجّل اللّه فرجه او في رجعتهم الي الدنيا و قد يفهم من قوله في ارضه ارادة التّوقيت بالزمان لذكر الأرض و ليس المراد ( به خ ) حصر الاستخلاف و لكن لمّا كان فائدة ذلك انّما هو للمكلفين و اجراۤء احكام التكليف ظاهراً انّما هو في الدّنيا او ما هو من دار التكليف كاحوال الرّجعة لانّه في مقابلة استخلاف ائمّة الجور و لهذا [ص 387] ورَدَ بلفظ وعَدَ و الا لماحسن وعد لأنّ اللّه سبحانه قد جعلهم خلفاۤء بالمعني الاوّل بل كان لهم ذلك قبل كلّ الخلق كما قال (ع) الحجّة قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق .
و قوله عليه السّلام : و حججاً علي بريّته قد تقدّم الكلام في الحجج و البريّة قيل الخليقة مشتقّة من برأ بالهمزة قيل بمعني خَلَقَ و قيل في قوله تعالي هو اللّه الخالق البارئ المصوّر الخالق المقدِّر لما يوجده و البارئ المميّز بعضهم عن بعضٍ بالأَشكال المختلفة و المصوّر المُمَثِّل و قال في مجمع البحرين قال بعض الأعلام قد يظنّ انّ الخالق و البارئ و المصوّر الفاظ مترادفة و انّ الكلّ يرجع الي الخلق و الاختراع و ليس كذلك بل كلّما يخرج من العدم الي الوجود مفتقر الي تقديره اوّلا و ايجاده علي وفق التقدير ثانياً و الي تصويرٍ بعد الايجاد ثالثاً فاللّه تعالي خالقٌ من حيث هو مقدِّر و بارئ من حيث هو مختَرِع و موجِد و مصوِّر من حيث انه مرتّب صور المخترعات احسن ترتيب .
اقول ليس واحد من هذه الأقوال بشيء فعلي الأوّل البريّة الخليقة و علي الثاني البريّة هي المميّزة بعضها عن بعضٍ بالأَشْكالِ المختلفة و علي الثالث الموجودة علي وفق التقدير هذا علي تقدير انّها من برأ و الحقّ في الاسماۤء الثلاثة انّ الخالق هو الموجِد للكون و البارئ هو الموجِد للعين و المصوّر هو الموجِد للتقدير فتكون البريّة هي ( هو خل ) المكوّنة المعيّنة قبل ان تلحق افرادها السّعادة او الشّقاوة يعني مع قطع النظر عن السّعادة و الشّقاوة و قيل من البراۤءِ بالمدِّ و القصرِ و هو التّراب و المعني المخلوقة من التّراب فعلي انّها من برأ يكون المراد بها كل ما دخل تحت الارادة و علي انّها من البراۤء اي التراب فان اريد به علي الظاهر [ص 388] اختصّت بما كوّن من العناصر فتخرج الملاۤئكة و قد تدخل الملاۤئكة العنصريّون علي قولِ من يجعل الملاۤئكة قويً جسمانيّة و علي قولِ من يجعلهم ارواحاً مجرَّدِين عن الماۤدّة العنصريّة و المدّة الزّمانيّة الّا انّهم اجسام كما هو الحقّ فيخرجون علي الظاهر و يدخلون علي الباطن بمعني انّها التّراب ينتهي الي الصّور العلميّة كما اشار اليه تعالي بقوله افلايرون انّا نأتي الارض ننقصها من اطرافها اي بموت العلماۤء كما روي عنهم (ع) و علي قولِ مَن يجعلهم مجرّدين عن مطلق الماۤدّة يخرجون مطلقاً و امّا الملاۤئكة العقليّون فيخرجون مطلقاً و الحقّ اخذها من بَرَأ فيدخل فيها كلّ من كان تحت الارادة فتدخل الملائكة العقليّة فيكون المعني انّهم حجج اللّه علي جميع خلقه و قرأ نافع و ابنذكوان البرئة بالهمزة علي الأصل لأنّها من المهموز و قرأ الأكثر بالتّخفيف للتخفيف و الظاهر انّ قراءة الهمزة من برأ لا مِنَ البراۤء و قراءة التخفيف تحتمل الوجهين و معني انّه رضيَهم حججاً علي بريّته كما تقدّم في بيان و حجج اللّه علي اهل الدنيا و خصّكم ببرهانه فلا فائدة في اعادته ( لاعادته خل ) .
قال عليه السّلام : و انصاراً لدينه و حفظةً لسِرِّه .
الأنصار جمع ناصرٍ و هو الذّابُّ فانّهم عليهم السلام يذبُّون عن دينه كلّ مخالفٍ له بان يبطلوا حُجّته بالبرهانِ الحقِّ كما قال الصّادق (ع) فانّ فينا اهل البيت في كلّ خلفٍ عُدُولاً ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ، و عنه (ع) قال قال رسول اللّه (ص) يحمل هذا الدّين في كلّ قرنٍ عُدُولٌ ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين كما ينفي الكبريت خبثَ الحديد .
اقول قوله (ع) فانّ فينا اهل البيت في كلّ خَلَفٍ عُدُولاً الخ ، [ص 389] يحتمل ان يريد بالعُدُولِ انفسهم (ع) و هذا علي الحقيقة و الأصل و يحتمل ان يريد بالعُدُول ( علماء خ ) شيعتهم الذين يقتفون اٰثارهم و يعرفون احكامهم الممتحنون المحتملون لعلومهم و هو مَن عَنَاهم علي بن الحسين عليهما السلام في تقسيم العلماء الي ان قال و لكنّ الرّجل كلّ الرّجل نعم الرجل هو الذي جعل هويٰه تبعاً لأمرِ اللّهِ و قوَاه مبذولة في رضا اللّه يري الذّل مع الحقّ اقرب الي عزّ الأبد من العزّ في الباطل و يعلم انّ قليل ما يحتمله من ضرّاۤئِها يؤدّيه الي دوام النعيم في دار لاتبيد و لاتنفَد و انّ كثيرَ ما يلحقه من ضرّاۤئِها ان اتّبع هويٰه يؤدّيه الي عذاب لا انقطاع له و لايزول فذلكم الرّجل نعم الرّجل فبه فتمسّكوا و بسنّته فاقتدوا و الي ربّكم به فتوسّلوا فانّه لاتُردّ له دعوة و لاتخيّب له طلبة و كذلك قول الصّادق (ع) فاما من كان من الفقهاۤء صاۤئناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعواۤمِّ ان يقلّدوه و ذلك لايكون الا في بعض فقهاۤء الشيعة لا جميعهم الحديث ، و من شيعتهم الأنبياۤء و المرسلون و اوصياۤؤهم كما قال الباقر (ع) في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قريً ظاهرة و قدّرنا فيها السّير الٰاية ، قال فنحن القري الّتي بارك اللّه فيها و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ فيمن اقرّ بفضلنا حيث امرهم ان يأتونا فقال و جعلنا بينهم و بين القري الّتي باركنا فيها اي و جعلنا بينهم و بين شيعتهم القري الّتي باركنا فيها قريً ظاهرة الرسل و النقلة عنّا الي شيعتنا و فقهاۤء شيعتنا فعلي الأوّل هم الأنصار لدينه الّذين ينفون عنه كلّ ما ليس منه و يتمّون منه ما نقص منه و علي الثاني فكذلك لأنّهم انما نصروا دينَ اللّه بتسديد ائمّتهم و تعليمهم و امدادهم لهم باحاديثهم و تنويرهم لقلوبهم و تعريفهم كيف يعلمون و يعملون و يعلِّمون عواۤمَّهم بل لميصدر عنهم شيء من الحقّ [ص 390] في انفسِهم و لرعاياهم الّا منهم و عنهم (ع) بل لميوجد شيء من الحقّ عند احدٍ من الخلق الّا منهم ، و عن محمد بن مسلم عن ابيجعفر (ع) اما انّه ليس عند احدٍ من الناس حقّ و لا صوابٌ الّا شيء اخذوه منّا اهل البيت و لا احد من النّاس يقضي بحقٍّ و عدلٍ و صوابٍ الّا و مفتاح ذلك القضاۤء و بابه و اوّله و سببه علي بن ابيطالب (ع) فاذا اشتبهتْ عليه الامور كان الخطأ من قِبَلِهم اذا اخطأوا و الصّواب من قبل علي بن ابيطالب (ع) ، و النّصرة منهم (ع) لدينه عاۤمّة و في كلّ مرتبة من مراتب الدّين من التّوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه بل كل جزء هم القُوَّام به و لاحِظ ماتقدم فان فيه شرح ما تريد شرحه . بقي هنا نكتةٌ و هي انّ عليّ بن الحسين (ع) قال في دعاۤءِ شهر رمضان و اجعلني ممّن تنتصر به لدينك و لاتستبدل بي غيري فاقول اذا كانَ القاۤئل به مثله (ع) هو و اۤباؤه و ابناۤؤه الطّاهرون كانت النّصرة علي الحقيقة علي نحو ما اشرنا اليه بالأصالة و اذا كانَ القاۤئل غيره من شيعتهم من الأنبياۤء مثلاً فهو حكم عاۤمّ اضافيّ علي الحقيقة بعد الحقيقة و اذا كان ( شيعتهم خ ) من غير اهل العصمة فهو خاۤصّ علي محض التّبعيّة و هذا في الجملة ظاهر و صعوبة الأمر فيه في التفصيل لكن الشيخ الأمين الشيخ ياسين بن صلاح ( الدين خ ) البحراني تغمّده اللّه برحمته روي في كشكوله قال كتب رجل الي ابيعبداللّه (ع) يسأله ان يدعوَ اللّه له ان يجعله ممّن ينتصر به لدينه فاجاب (ع) رحمكَ اللّهُ انّما ينتصر اللّه لدينه بشرّ خلقه ، اقول لعلّ الساۤئل طلبَ في نفسِهِ اعلي النّصرة لدين اللّه التي لاتكون لغير محمّد و اهل بيته (ص) و علم الامام (ع) ذلك منه فاجابه بان طلب ذلك المقام العالي لايكون الا من اهله بالحقّ او من مدّعي مقامهم و لايكون الّا شرّ خلقِ اللّهِ كما قال تعالي في شأن بختنصّر حيث انتقم به من اهل حضور او حاضور اسم قرية من اليمن حين قتلوا [ص 391] نبيّهم حنظلة بن صفوان و نقل انّهم طبخوه و اكلوه فسلّطه اللّهُ عليهم حتّي قتلهم و لميبق منهم احداً حتّي الحيوانات و هو قوله تعالي فلمّا احسّوا بأسنا اذا هم منها يركضون ، و عن ابنعبّاسٍ نادي مناد من السماۤء يا لثارات الأنبياۤء و قيل هو يهتف بثار حنظلة فسمّاه اللّه بأساً لَه و هذا كافر شقي انتصر اللّه به لدينه و ان كانَ متعدّياً مدعياً فلو ان السائل طلب ان ينصر اللّه دينه به ( به دينه خل ) تبعاً لهم (ع) لاجابَه الي سؤاله و لذا ورد النهي عن سؤال مقامات الأنبياۤء و الأئمّة (ع) لساۤئر النّاس فنصرة الحقّ بالحقّ علي كمال ما يريد اللّه لاتكون الّا من محمّد و آله (ص) دون غيرهم من جميع خلقه فقوله و رضيَكم انصاراً لدينه يريد به اعلي مراتب النّصرة علي ما اشرنا اليه و قوله عليه السلام و حفظةً لسرّه تقدّم بيانه في قوله عليه السلام و حفظة سرّ اللّه .
قال عليه السّلام : و خزنةً لعلمه و مستودعاً لحكمته .
اقول قد تقدّم معني كونهم خزنةً لعلمه في قوله (ع) و خزّان العلم و انّ العلم نفس المعلوم فهم يرون كلّ شيء في مكان وجوده و زمان شهوده و ذلك لأنّ الشيء قاۤئم بامر اللّه و لايقوم شيء بدون امر اللّه و هو قوله تعالي يذرؤكم فيه و هم ذلك الأمر الذي قامتِ الأشياءُ بنوره و كلّ شيء من خلق اللّه هو العلم به فهم خزّان العلم و ذكر هنا انه ارتضاهم خزنةً لعلمه و المراد بهذا العلم العلم الحادث الّذي هو ذواتها لأنّ العلم الأزليّ هو ذات الواجب جلّ و علا و لايكون له خازن غيره و لايحيطون بشيء من علمه و لمّا كانَ العلم نفس المعلوم لزم من قولنا انهم خزنة ( العلم انهم خزانة خ ) الأشياء من ذواتها و صفاتِها و احكامِها و مصادِرِها و مواردها و علّلنا [ص 392] ذلك بانّها قاۤئمة بامر اللّه و انّهم امر اللّه و قلنا انّها ذرِئتْ فيه اي في نوره لا في ذاته و مرادنا انّ ( انها بكل خل ) ما لها و عليها قاۤئمة بنورهم و معني هذا القيام هو تأويل قوله تعالي قل مَن بيده ملكوت كلّ شيء و هو يجير و لايجار عليه ان كنتم تعلمون فملكوت الأشياۤء و ازمّتُها نورهم فقد خزنوا كلّ شيء شاۤءه اللّه مشيّة كونٍ في ملكوته باللّه و بامره قد رضيَهم لذلك فكانوا كما رضيَ و احبَّ فقولنا تأويل قوله تعالي قل من بيده ملكوت كلّ شيء نريد به انّهم يد اللّه كما قالوا (ع) و ملكوت كلّ شيء غيبه و علّته و زمامه الّذي به قام و لذا قلنا انّ الشيء مخزون في ملكوته و لايَتَصرّف في الشيء الّا من بيده ملكوته و بيانه انّ التّصرّف الّذي لا مانع له هو المرادُ لا مطلق التّصرّف فان نور السراج تقدر ان تتصرّف فيه في الجملة و ان لمتملك ملكوته بأنْ تقرأ عليه و تضع مرءٰاة تعكس بعضه الي غير جهة المقابلة و تحجبه و لكن مَن كان بيده السّراج بنفسِهِ هو الذي يتصرّف بلا مانع لأنّك اذا اردت ان تقرأ مثلاً و هو لميرد ذلك نقل السّراج عنك و لمتقدر ان تمسك شيئاً من النّور اذ ليس في يدك ملكوته فافهم و الي هذا المعني اشار تعالي بقوله الحقّ قل مَنْ يكلؤكم باللّيل و النّهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربّهم معرضون ام لهم آلهة تمنعهم من دوننا لايستطيعون نصر انفسهم و لا هم منّا يصحبون و بيان الاستشهاد من الٰايتين في رتبة المعاني و هي الثانية لهم و بيان المراد في رتبة البيان و هي الاولي لهم و قد تقدّم كثير من هذا .
و قوله : و مستودعاً لحكمته
الاستيداع الاستيمان بان تضع ملكَكَ عند من تثق به و الحكمة العلم او العلم مع العمل به او تعديل القوة الملكيّة بالتوسّط بين الافراط المسمّي بالجربزة و بين التفريط المسمّي بالبَلَهِ و تعديلها هو [ص 393] الحكمة و هي العقل المكمّل كما قال في حقّ العقل و لااكملتك الّا فيمن اُحِبّ او هي المعرفة الّتي تقابل بالانكار لا بالجهل و الشّكّ او هي ضياۤء المعرفة في الفؤاد او هي نور الفؤاد او هي نور اللّه المعبّر عنه بالتّوسّم و الفراسة و بالجملة فمعني انّ اللّه سبحانه رضيهم مستودعاً لحكمته اختارهم اختيار محبّةٍ و رضيً مستودعاً لحكمته يعني انّه يثق بهم في حفظ الحكمة و وَضعَها موضِعها بان يبذلوها لمن يحفظها و يمنعوها مَن لميحفظها او هم الحكمة و استودعهم انفسهم و انّهم يؤدّونها الي المستحقين ليعملوا بها او يبلغونها اهلها ليعملوا عنها فحفظوا الحكمة علي سبيل ارادة المستودِع سبحانه و تعالي و وضعوها فعرفوا بالتّوسّم مَن يحفظها فبذلوها له مسدِّدِين له علي حسب ما كتبَ له من الحظّ فيها و انكروا مَن لميعرفها فيمنعونه منها و حفظوا انفسهم عليه و علي خدمتِهِ كما استودعهم في قوله تعالي خلقتُك لأجلي و خلقتُ الأشياۤءَ لأجلك و اذا ادّوها الي المستحقين اعانوهم علي العمل بمقتضاها و علي التبليغ و الأداۤء و امثال ذلك و كلّ ذلك و امثاله من ذلك الاستيداع و انّما عُبِّر عن افاضتها عليهم بالاستيداع لأنّ ما اعطاه و افاضه من خزاۤئنه علي احدٍ من خلقه لميخرج عن قبض يده بل هو المالِكُ لما ملّكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه فكلّ ما جعله عند احدٍ من خلقه فهو عارية و وديعة مهما شاۤء ان يستردَّه استردّه لأنّه مالكُهُ و مالك التّصرّف فيه ملكاً غير موقّتٍ و لا مشروط بغير ارادته جلّ و علا .
قال عليه السّلام : و تراجمةً لوحيه و اركاناً لتوحيده .
قال الشارح (ره) و تراجمةً اي مبيناً لوحيه القرءان او الأعم و اركاناً لتوحيده اي رضيهم اللّه بان يكونوا اركاناً للأرض لأن يوحِّدَه الخلق كما [ص 394] يظهر من الأخبار المتكثرة و تقدّم بعضُها او هم المبيّنُون لتوحيد اللّه تبارك و تعالي فكأنّهم اركانه ه .
اقول التّراجمة جمع تَرجُمان بفتح التّاۤءِ و ضمّ الجيم و هو الأفصح و فيه لغةٌ بضمهما معاً و فيه لغةٌ بفتحهما معاً و هو المفسِّر للّسان ( لللّسان ظ ) و المبيّن له بلغةٍ غيرِ لغةِ المتكلّم و في الحديث الامام يترجم عن اللّه عزّ و جلّ يعني بقوله عند الانصراف من الصّلوة السّلام عليكم يعني يقول لمن يصلون معه امان لكم من عذاب اللّه يوم القيمة كما رويَ عنهم (ع) و الوحي في الأصل الكلام الخفيّ الّذي يدرك بسرعة و في تفسير القمّي قال وحي مشافهةٍ و وحي الهامٍ و هو الذي يقع في القلب و يستعمل الوحي بمعني الاشارة و اوحي اليهم ان سبّحوا بكرةً و عشيّاً و قيل في هذه الٰاية بمعني اومأ و قيل كتب لهم في الأرض و يستعمل بمعني زخرف كما قال تعالي يوحي بعضهم الي بعض زخرف القول غروراً و بمعني وسوس قال تعالي و انّ الشياطين ليوحون الي اولياۤئهم ليجادلوكم يعني اولياۤئهم من الانس و الشياطين و عن ابيجعفر (ع) انّه قال انّ الشياطين يلقي بعضهم بعضاً فيُلقِي اليه ما يغوي به الخلق حتّي يتعلّم بعضهم من بعض ه ، فاوّل وحيٍ للّه سبحانه فِعْله اوحاه الي نفسه و ترجم عن نفسه ما اظهر فيه من آثار الربوبيّة اذْلامربوب الّتي هي حقاۤئق الربوبيّة اذمربوب مبلّغاً مؤدّياً الي حقيقتهم (ع) التي هي محلّ مشية اللّه فتترجم تلك الحقيقة لنفسها المعبّر عنه بالقبول و للقلم و هو الوحي الثّاني فتؤدّيه الي القلم و هو الوحي الثّالث فيترجم القلم لنفسِهِ و هو قبوله و لللّوح و يؤديه ( يؤدّي خل ) الي اللوح و هو الوحي الثالث فيترجم اللّوح لنفسه و هو قبوله و للملاۤئكة و تؤدّيه الي الأنبياۤء (ع) و هو الوحي الرّابع و هم يترجمونه لأنفسهم و هو تحمّلهم له و لأمَمِهم و في كلّ رتبة يترجم الواسطة كلام الأعلي [ص 395] لنفسِهِ بنور اللّه و للأدني بلسانه ليفهم خطاب اللّه له و ما يريد منه و انما ذكرتُ هذه الأشياۤء للتّمثيل لا للحصر فيها بل ورد انّ اللّه سبحانه خلقَ الفَالفِ عالَمٍ و الفَالفِ آدم و هي من سلسلة ( متسلسلة خل ) مترتّبةٍ بترتيبٍ طبيعيٍّ متناسق يجري فيها الأمر و الحكم يتنزّل الأمر فيها و بينها في كلّ عالَمٍ و كلّ جزئيٍّ علي نحو ما مثّلنا به هذا مثال التكوين التشريعي و امّا التكوين الوجوديّ فكذلك و لكن تمثيله في الجملة هكذا من الفعل الي الحقيقة و منها الي العقل و منه الي الرّوح و منه الي النّفس و منه الي الطّبيعة و منها الي الماۤدّة و منها الي المثال و منه الي الجسم و منه الي محدّدِ الجهات و منه الي فلك البروج و منه الي السموات و منها الي العناصر و منها الي المعادن و منها الي النباتات و منها الي الحيوانات و منها الي الملاۤئكة و منهم الي الجاۤنّ و منهم الي الانسان هذا ترجمة الوحي من جهة المفعولات بقول مطلق يعني المقيّدة و ما هو مقيدٌ باعتبار مطلق باعتبار و امّا ترجمة الوحي من جهة الأفعال فالمشيّة تترجم عن نفسها لنفسها و للارادة و القدر و القضاۤء و للأسماۤء الثّمانية و العشرين فرفيع الدّرجات يترجم للجامع عن الجامع و هو يترجم للانسان عن اللّطيف و هو يترجم للجاۤنّ عن القوي و هو يترجم للملاۤئكة عن المذلّ و هو يترجم للحيوانات عن الرّزاق و باعتبارٍ آخر بالعكس فيترجم الرّزّاق للنّبات عن المذلّ و هو يترجم للحيوانات عن القوي و هو يترجم للملاۤئكة عن اللّطيف و هو يترجم للجاۤنّ عن الجامع و هو يترجم للانسان عن رفيع الدّرجات و العزيز يترجم للجمادات عن المميت و هو يترجم للتّراب عن المحيي و هو يترجم للماۤء عن الحيّ و هو يترجم للهواۤء عن القابض و هو يترجم للنّار عن المبين و هو يترجم لفلك القمر عن المحصي و هو يترجم لفلك عُطارد عن المصوّر و هو يترجم لفلك الزّهرة عن النّور و هو يترجم لفلك الشمس [ص 396] عن القاهر و هو يترجم لفلك المرّيخ عن العليم و هو يترجم لفلك المشتري عن الرّبّ و هو يترجم لفلك زحل عن المقتدر و هو يترجم لفلك المنازل عن غني الدّهر و هو يترجم لفلك البروج عن الشكور و هو يترجم للكرسي عن المحيط و هو يترجم للعرش عن الحكيم و هو يترجم لجسم الكلّ عن الظاهر و هو يترجم لشكل الكلّ عن الٰاخر و هو يترجم لجوهر الهباۤء عن الباطن و هو يترجم لطبيعة الكلّ عن الباعث و هو يترجم لنفس الكلّ عن البديع و هو يترجم لعقل الكلّ عن فعل اللّه و ابداعه و قد تقدّم انّ الوحي قسمان وحي مشافهة و وحي الهام فامّا وحي المشافهة فهو ان يرسل اللّه اليه ملكاً رسولاً فيبلّغه عن اللّه مشافهةً و هو قوله تعالي او يرسل رسولاً يعني ملكاً فيوحي باذنه ما يشاۤء انّه عليّ حكيم او يرسل اليه بشراً رسولاً فيوحي باذنه ما يشاۤء اي يبلّغ ذلك الرسول المرسل الي الرسول الٰاخر باذن اللّه كما قال تعالي اذ جاۤءها المرسلون اِذْ اَرْسلنا اليهم اثنين فكذّبوهما فعزّزنا بثالثٍ فعلي روايةٍ ان هذه الرسل رسل عيسي ارسلهم باذن اللّه و امره و المرويّ ان الثالث شمعون بن حمون الصّفا رأس الحواريّين و الاثنان ذكر السّهيليّ في تفسيره انّ احدهما اسمه صادق و الٰاخر اسمه صدوق و قال الثالث المعزّز به اسمه شلوم و بالجملة هذه الثلاثة رسل اللّه اوحي اليهم بواسطة عيسي (ع) فالوحي اليهم وحي مشافهة و منه ما كلّم اللّه به من وراۤء حجاب كما كلّم موسي (ع) فانّه سمع الصّوت المنبعث من الشجرة فكان مشافهة و ما اشبهه و امّا وحي الالهام فما يرد علي القلب من النّور بحيث يفهم به مراد اللّه و ما يظهر من الاشارات و نطق احوال الأشياۤء من الجمادات و النباتات و الحيوانات و احوال الحركات و الهيئات و الأوضاع و ترتّب الطبيعيّات و غير ذلك كدويّ الرّيح و جريان المياه [ص 397] و تغطمط البحار و هفيف الأشجار و نباتها و اثمارها و تقلّب الطير في الهواۤء و ما تسقط من ورقة و ما تنبت و ما تنمو و تذبل و الاشارات و الايماءات و التلويحات و ما تبوّءته النّحل من الجبال و الشجر و ما يعرشون و ما اشبه ذلك كلّه من وحي الالهام و هذا في حركاتها و هيئاتها و امّا اصواتها و اصوات الحيوانات و طنينٌ مثل النّحل و الذّباب و منطوق احوال الكلام و نطق السنة الأحوال في الحسّ المشترك فهو علي ما اَلْهَمْناهُ من الوحي الشفاهي و هم صلّي اللّه عليهم مترجمون لذلك لهم و لمن اُمِروا بتبليغهم من وحي او من وراۤء حجاب او بارسالِ رسلٍ بالسنةِ قومِهم او بخطابِ مشافهة ثم انّ كونهم مترجمين انما هو بصنع اللّه و احداثه في قلوبهم و انفسهم ما شاۤءَ ان يصلَ اليهم بما شاۤء من اقلامه الجارية في الواح علومه الّتي يترجم بها سبحانه لمن شاۤء ما شاۤء قال اللّه تعالي هذا كتابنا اي مكتوبنا ينطق عليكم اي بنا بالحقّ يعني بالحق من عندنا انّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون اللهم صلّ علي محمّد و آلمحمّد كما صلّيتَ علي ابراهيم و آل ابراهيم انّك حميد مجيد . و الاركان جمع ركن و هو الجانب الأقوي و المراد بكونهم اركاناً لتوحيد اللّه عن رضيً من اللّه بذلك انّ التّوحيد الّذي هو حقّ معني لا الٰه الّا اللّه لايتحقق الّا بشهود خلوص التفرّد بالألوهيّة و ( و هو خل ) التفرّد بالألوهيّة هو التّوحيد و لايتحقق حقّ التّفرّد الّا بتحققه امّا في عالم البيان فانّ العارف اذا جرّد نفسه غاية التّجريد المعبّر عنه في الحديث بمعرفة النّفس بانّ العارف اذا جرّد نفسه عن كلّ صفةٍ و نسبةٍ و اعتبارٍ حتّي عن الاشارة و عن تجريده بحيث لايجدها عرف نفسه فانّها وصف ( نفسه خ ) الذي ليس كمثله شيء فاذا عرف الوصف عرف ربّه و ذلك المثل الذي ليس كمثله شيء اۤيتهم (ع) كما قال [ص 398] تعالي سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم فتلك الٰايات الّتي هي حقيقة التوحيد في الخلق هي آياتهم و هم ذلك المثل الأعلي الذي ليس كمثله شيء فهم ركن التّوحيد اي الجانب الأقوي منه لأنّه سبحانه تعرّف لكلّ مَن سواهم عنهم (ع) فهم (ع) في ذلك التّعرّف العضد المتقوّم به فلهذا كانوا اركانَ التّوحيد و قد رضيَهم اللّه لذلك و امّا في عالم المعاني فلانّ الصفات العليا اذا اعتبرها العارف بربّه وجدها مع كثرتها بمعني واحد لايكون لغير اللّه سبحانه فانّ السّمع و البصر و القدرة و امثال ذلك ان اردتَ بها الذّاتيّة فليستْ شيئاً غير ذاته لا واقعاً و لا فرضاً و لا اعتباراً كما قال (ع) و كمال التّوحيد نفي الصّفات عنه و ان اردتَ بها الصّفات الحادثة فليس لها معاني الّا حقاۤئقهم لأنّهم معانيه فهم علمه و قدرته و يده و عينه و اذنه و جنبه و لسانه و امره و حكمه و حقّه كما في رواية جابر بن عبداللّه و تقدّمتْ و هم قلبه كما في رواية الحسن بن عبداللّه عن الصّادق (ع) رواها في الاختصاص فاذا كانت هذه المراد بها شيء واحد و هو حقيقتهم كانت وحدة ( واحدة خل ) الصّفات انّما هي بهم بل ليستْ شيئاً غير تلك الحقيقة و هذا توحيد الصّفات و هم ركن هذا التّوحيد و تلك المعاني و ان كانت متكثرة المفاهيم لكنّها في حقيقتها لاتصدق علي متعدّد و انما تغايرت مفاهِيمها لأنّ فهمها باعتبار متعلّقاتها و معني توحيده فيها انه لايشاركه فيها هي و لا غيرها و هو قوله تعالي ليس كمثله شيء و دعوي المشاركة شرك و اليه الاشارة بقوله تعالي و يوم يناديهم فيقول اين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لمتكن فتنتهم الّا ان قالوا واللّهِ ماكنّا مشركين انظر كيف كذبوا علي انفسهم و ضلّ عنهم ما كانوا يفترون فانّهم ادّعوا انّ اللّهَ قد شرك آلهتهم في تلك الحقيقة او انّ آلهتهم شاركتْ تلك الحقيقة في اتّصاف اللّه بها او في وصفِها لِلّهِ او انّ تلك الٰالهة تولّدت [ص 399] من تلك الحقيقة او تولّدت الحقيقة منها و كلّ هذه الوجوه شرك باللّه لأنّ هذه المشاركة و تفرّد تلك الحقيقة للّه هو الجانب الأقوي من التّوحيد و اذا عاتبهم اللّه يوم القيمة اين شركاۤؤكم اي من اتّخذتموهم شركاء لي فيقولون واللّه ربّنا ماكنّا مشركين بك فقال تعالي يا محمد انظر كيف كذبوا علي انفسهم و انّما خصّه (ص) بالخطاب ليذكّره خلافهم له و ردّ وصيّته لهم يوم الغدير و غيره ليدّعي عليهم بهذا الشرك و يطلب من اللّه تعالي الشهادة عليهم فانّه (ص) قال اللّهم انت الشاهد عليهم اني قد بلّغتهم و اعلمتهم انّ الغاية و المفزع عليّ بن ابيطالب عليهما السّلام ( عليه السلام خل ) و لمّا كانوا لميتّخذوا صنماً علي ما تعرفه العواۤمّ و انّ من اطاعوهم و جعلوهم اولياۤء من دون ولي اللّه لمتعرف العواۤمّ انّهم اصنام و انّهم عبدوهم مع اللّه حيث جعلوا عليّاً رابع الخلفاء ( و خ ) اظهروا الغدر تستّراً من الناس فقالوا واللّهِ ربّنا ماكنّا مشركين فقال العليم بهم سبحانه انظر كيف كذبوا علي انفسهم لأنّ رسول اللّه (ص) اعلمهم عن اللّه تعالي انّ الشرك في ولاية عليّ (ع) و الشرك فيه كفر و شرك باللّه تعالي و علموا ذلك و وعوه و لكن بغْضهم لعليّ (ع) و عداوتهم له غطّت علي بصاۤئرهم حتّي جهلوا ما علموا و هم يعلمون و هم لايعلمون حتّي حصل لهم من تغيير فطرة اللّه فيهم ظنّ الاصابة للحقّ و الي هذا اشار الصّادق (ع) بقوله هيهات فات قوم و ماتوا قبل ان يهتدوا و ظنوا انّهم آمنوا و اشركوا من حيث لايعلمون و امّا في عالم الأنوار فبان لايري و لايجد المستدلّ مؤثّراً في الوجود الّا اللّه وحده لا شريك له فهذا التّوحيد ركنه الأيمن و جانبه الأقوي هم (ع) لأنّهم عضد لقبول الايجاد في الأسباب و المواۤدّ و القوابل و الغايات كما اشرنا اليه مراراً فلمّا كانوا هم العلل الأربع و التأثير في الوجود متوقّف عليها كانت التّأثير انّما تقوّمت [ص 400] بهم لأنّهم محلّ فعله قام فعله بهم قيام ظهور فعنهم لا غيرهم اظهر افعاله لتوقّف الفعل في التّأثير علي ظهوره المتوقّف عليهم و توقّف العلّة الفاعليّة علي ذلك الظّهور و علي العلّة الماۤدّيّة لأنّها متعلّقة و علي العلّة الصّوريّة لأنّها هيئة تأثيره و علي العلّة الغاۤئية لأنّها الباعث لها فهم متمّمات فعله في التّأثير و لاتكون هذه الأربع المتمّمات منهم لغير فعله تعالي لأنّ ما سواها اثر لها و الأثر لايكون متمّماً لمؤثّره و لايكون شيء بغيرها ليكون ذلك الغير ركناً لأنّ غيرها متقوم بها و لايكون المعلول مقوّما لعلّةٍ من عِلَلِهِ و لاتكون هي مغايرة لفعله تعالي ليكون غير اللّه مؤثراً في الوجود لأنّها ليستْ الّا متممات فعله من قابله و متعلّقه و هيئته و باعثه كما مرّ فهم (ع) اركان توحيده في فعله و هو معني انّه سبحانه اتّخذهم اعضاداً لأنّهم عضد ظهور فعله و عضد قابله و عضد متعلّقه و عضد هيئته و باعثه و عضد خلقه يعين الخلق علي قبول الايجاد و هم مع ذلك قد حفظهم بقيوميّته علي العضديّة و قدّرهم علي السّببية و كوّنهم علي السّببية و المسببيّة فمن عرفهم وجَدَ ( اي خ ) ان لا مؤثر في الوجود الّا اللّه لأنه قد عرف اللّه و هو ما قال سيّد الوصيّين (ع) نحن الأعراف الّذين لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا ، يعني الّا بمعرفتنا و هو احد معاني كلامه (ع) و المعني مَن عرفهم فقد عرف اللّه لأنّهم معانيه و ظاهره في خلقه كما نطقتْ به اخبارهم فهم الاسم و هو المسمّي و هم المعرفة و هو المعروف و هم الحجب و هو المحتجب و هم صفته و هو الواصف نفسه لعباده بهم فهم اركان توحيده و امّا في عالَم سرّ التّكليف و غايته و هو وفق امره و ارادته و اجتناب نهيه و كراهته اللّذان هما العبوديّة و العبادة فانّما توحيده فيهما بهم لأنّهم ركن ذلك الأمتثال و اصل تلك الأعمال و ذلك لأنّه سبحانه لمّا لمتحط به العباد و لاتعلم ما يريد منهم من الاطاعة و الانقياد اراهم طريق الهداية و الرّشاد فقال تعالي و لِلّهِ الأسماۤءُ [ص 401] الحسني فادعوه بها و ذروا الّذين يلحدون في اسماۤئِه فاعلمَ المكلفين انّ له الأسماۤء الحسني و امرهم ان يدعوه بها لأنّه ان لميدع بالأسماۤء الحسني ليس غيرها الّا الأسماۤء السوأي و لايليق بقدس جنابه سبحانه و تعالي ان يدعا بها و حيث لايمكن ان يدعا بذاته لعدم امكان ذلك تعيّن ان يدعا بالأسماۤء الحسني فانحصرت العبادة الّتي هي فعل ما يرضي و العبوديّة الّتي هي رضي ما يفعل فيهم و بهم (ع) لأنّ التّسبيحَ و التّقديس و التّحميد و التكبير و التّهليل و الخضوع و الخشوع و الرّكوع و السجود و جميع الطّاعات و انواع العبادات و كذلك العبوديّة كلّ ذلك اسماۤء معانيها تلك الذّوات القدسيّة و الحقاۤئق الالٰهيّة الّتي خلقها اللّه لنفسه و خلق خلقه لها و هي اسماۤؤه الحسني و امثاله العليا و نعمه الّتي لاتحصي و هي الّتي اختص بها و امر عباده ان يدعوه بها قال تعالي و لِلّهِ الأسماۤء الحسني فادعوه بها فتأمّل ما روي عنهم في تفسير الأسماۤء و ما يُرادُ مِنها ففي القمي في تفسير قوله تعالي و لِلّهِ الأسماء الحسني قال الرّحمن الرّحيم ففسّر الأسماۤء الحسني بالرّحمن الرّحيم و روي العيّاشي عن الصّادق (ع) في تفسير هذه الٰاية الي ان قال قال ابوعبداللّه (ع) نحن واللّهِ الأسماۤء الحسني الّذي لايقبل من احد الّا بمعرفتنا ففسّر الأسماۤء مرّة بالرّحمن الرحيم بقصد الأسماۤء اللّفظيّة و مرّة بهم (ع) بقصد معاني تلك اللّفظيّة لأنّ معاني هذه الألفاظ هي اسماۤئه تعالي و لهذا قال الرضا (ع) و قد سُئِل عن الأسم فقال صفة لموصوف و عنه (ع) قال قال اميرالمؤمنين (ع) في خطبته الي ان قال الّذي كنّا بكينونيّته قبل خلقِ الخلق قال الصّادق عليه السلام في تفسير كلام جدّه عليه السلام بكينونيّته في القدم و هو المكوِّن و نحن المكان و هو المشيء و نحن الشّيء و هو الخالق و نحن المخلوقون و هو الرّبّ و نحن المربوبون و هو المعني و نحن اسماۤئه و هو المحتجب و نحن حجبه الحديث ، [ص 402] و انّما قيل انّ حقاۤئقهم اسماۤؤه تعالي لأنّ الأسم في الأصل علامة علي المسمّي و العلامة كما تحصل في اللّفظ تحصل بالمعني الّذي هو الوصف بالطّريق الأولي بل الصّفة ادلّ في التّعيين و قد اشار الي ذلك الرّضا (ع) كما تقدّم و لمّا كان الأصل في الأسم و المقصود منه انّما هو علامة المسمّي ليتميّز من غيره كانَ الأصل فيما يعرف به اللّه هو وصفه نفسه للمخلوق بنفس ذلك المخلوق و لمّا كانَ الباعث الي الايجاد هو المعرفة وجب ان تكون سابقةً علي ما سواها و لايجوز ان تكونَ بدون عارفٍ فتقع لغواً و لا علي موجودٍ فلاتكون سابقةً او يكون هو غير محدث بل يجب ان تكون هي ايّاه لانّ اوّل صادرٍ يجب ان يكون اشرف ممّا دونه في كلّ شيء و لمّا كانَ لايجوز ان يقع علي اللّه شيء لا لفظ و لا معني وجب ان يكون ما يمكن ان يُعرف متضمّناً لٰاثارِ صفاته ليستدلّ به عليه فكان الأسم المعنويّ اولي من اللّفظيّ لامكان اصدار الٰاثار الدّالّة عليه عنه و لمّا كانَ الأسم المعنوي يحتاج الي معرفته لتوقّف معرفة اللّه تعالي علي معرفته و كان ممّا يمكن الاسم اللّفظيّ ان يميّزه ببعض ( بعض خل ) وجوهه جاز اطلاق الاسم اللّفظيّ عليه لما بينهما من المشاركة في نوع مطلق الخلقيّة ( الخليقة خل ) و لمّا كانَ المعنويّ واسعاً لانّه قد وسع كلّ اٰثار الصّفات الالٰهيّة وجب في الاسم الّذي يراد منه تمييزه ببعض وجوهه ان يكون اجمع الأسماۤء للدّلالة علي اۤثار الكمال المطلق و الغنا المطلق و القدس و العزّة و الوحدة الذّاتية بما له لذاته و لايكون ذلك الا في الأسماۤء الحسني الّتي اختارها لنفسه فهي بما تضمّنت من الدّلالة الذّاتيّة تدلّ علي تلك المعاني القدسيّة الّتي هي معانيه صلّي اللّه علي محمّد و آله و لمّا كانوا هم الأسماۤء الحسني الّتي امرَ ان يدعا بها و هم معانيه كما مرّ في حديث جابر و هم ذوات و معان و الأسماۤء الحسني الفاظ وجب ان تكون اسماۤء اللّه ظاهرها الفاظ [ص 403] و باطنها معانٍ و وجب لابتناۤء احدهما علي الٰاخر ان تكون الأسماۤء اللّفظيّة الظّاهرة اسماۤء للأسماۤء المعنويّة الباطنة و المعنويّة الباطنة اسماۤؤه تعالي و هو لايُعرف و لايُعبد الّا باسمائه فَتَوَحَّدَ تعالي بهم (ع) في عبادته و لايفقدهم منذ عبد بهم فهم اركان توحّده في عبادته فمن دعا غيرهم بالولاية و الخلافة فقد اشرك باللّه في عبادته و هو قول الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالي لئن اشركتَ ليحبطنّ عملك و لتكوننّ من الخاسرين بل اللّهَ فاعبُد و كن من الشّاكرين حين سئل عن هذه الآية فقال تفسيرها لئن امرت بولاية احد مع ولاية علي (ع) من بعدك ليحبطنّ عملك و لتكوننّ من الخاسرين و في الكافي عن الصادق (ع) يعني ان اشركت في الولاية غيره قال بل اللّه فاعبد و كن من الشاكرين يعني بل اللّه فاعبد ( بالطاعة خ ) و كن من الشاكرين اَن اعضدتُك باخيك و ابن عمِّك ه ، و معني قوله (ع) فاعبد بالطّاعة يعني به فاعبد اللّه بالطّاعة لأمره في ولاية عليّ (ع) دون غيره و ايضاً يعني به اذا اريد منه ايّاك اعني كما قال الصادق (ع) في هذه الٰاية ان اللّه بعث نبيه بايّاك اعني و اسمعي يا جارة يعني به فاعبد اللّه بالطّاعة لأميرالمؤمنين (ع) و هو قول اللّه عز و جل فيما اوحي الي ايّوب في علّة ابتلاۤئِه كما تقدّم قال تعالي انّي ابتليتُ آدم فوهبتُ له بالتسليم عليه بامرة المؤمنين فانت تقول خطب جليل و امر ( امير خل ) جسيم فوعزّتي لأذيقنك من عذابي او تتوبَ اليّ بالطّاعة لاميرالمؤمنين و هذه المراتب الأربع هي مراتب التّوحيد كما تقدّم توحيد الذّات و توحيد الصّفات و توحيد الأفعال و توحيد العبادة و لمثل هذا كانوا اركان توحيده و ارتضاهم اللّه سبحانه لذلك .