[ص 404] قال عليه السّلام : و شهداۤء علي خلقه و اعلاما لعباده .
قال الشارح (ره) و شهداۤء علي خلقه كما ورد في الأخبار المتواترة فمن ذلك ما رواه الكليني و غيره في الصّحيح عن بُريدٍ العجلي قال قلتُ لأبيجعفر (ع) عن قول اللّه تبارك و تعالي و كذلك جعلناكم امّةً وسطاً لتكونوا شهداۤء علي النّاس و يكون الرسول عليكم شهيداً قال نحن الأمّة الوَسَط و نحن شهداۤء اللّه تبارك و تعالي علي خلقه و حُجَجُه في ارضه قلتُ قوله هو اجتباكم قال ايّانا عني و نحن المجتبون و لميجعل اللّه تبارك و تعالي في الدّين من ضيق او حرج فالحرج اشدّ من الضّيق ملّة ابيكم ابراهيم ايّانا عني خاۤصّة و سمّيٰكم المسلمين اللّه عزّ و جلّ سمّانا المسلمين من قبل في الكُتُبِ الّتي مضت و في هذا القرءان ليكون الرسول عليكم شهيداً و تكونوا شهداۤء علي النّاس فرسول اللّه الشّهيد علينا بما بلّغنا عن اللّه تبارك و تعالي و نحن الشهداۤء علي النّاس فمن صَدَقَ يوم القيٰمة صدّقناه و من كذبَ كذّبناه يوم القيمة و روي ايضاً في الأخبار المتواترة انّه تعرض اعمال هذه الأمّة ابرارها و فجّارها كلّ صباحٍ و مساۤءٍ عليهم و تقدّم . و اعلاماً لعباده اي ائمّة يعلم بهم امور دنياهم و آخرتهم ه .
اقول انّ اللّه سبحانه خلق محمّداً و آله صلي اللّه عليه و آله لنفسه اي ليعرفوه قال تعالي كنتُ كنزاً مخفيّاً فاحببتُ ان اُعرف فخلقت الخلق لأُعرف و لا حاجة له الي ذلك و لمّا كانَ الكامل يقتضي ان يظهر اثر ( اثره خل ) كماله و الّا لميكن كاملاً مطلقاً ثمّ لمّا كان سبحانه و تعالي لايجري عليه ما يجري علي خلقه من انّ الكامل منهم يتوقّف ظهور اثر كماله علي فاعلٍ غيره بمعني انّه غير مستقلٍّ بذلك في الاظهار و في المظهر و في المحلّ بل قد تقتضي حقيقته [ص 405] او طبيعته اظهار اثرٍ لايحبّ اظهارَه و قد يكون ذلك الظّاهر لازماً له لاينفكّ عنه لانّ غيره الزمه ذلك اللّازِم و علم سبحانه حاجة ما سواه الي ابتداۤء كرمه و لايصدر عنه شيء الّا حيث يصدره بارادته دلّ علي علّةِ ايجاد خلقه بما ابان و احدث من كرمه و محبّته فقال فاحببتُ اي فاوجدتُ محبّةً و كرماً فكان ما اوجد قد اقامَه بنفسِه و اقرّه في ظلّه فكان الكرم الحاۤلّ في نفسه و المحبّة المستقرّة في ظلّها محمّداً و آلَهُ (ص) فهم محاۤلّ محبّة اللّه و احبّاۤؤه و مقرُّ كرمِه و امناۤؤه فكان سبحانه قد خلقهم علي كمال حقيقة ما هم اهله ثم لمّا ارادَ ان يخلق لهم ساۤئرَ خلقه اشهدهم خلقهم و انهي اليهم علمهم روي في الكافي عن الجواد (ع) انّ اللّه تعالي لميزل متفرداً بوحدانيّته ثم خلق محمّداً و عليّاً و فاطمة عليهم السلام فمكثوا الفَ دهرٍ ثم خلق جميع الاشياۤء فاشهدهم خلقها و اجري طاعتهم عليها و فوّض امرها اليهم الحديث ، و قد تقدّم و قد جرتْ حكمة الحكيم في خلقِ خلقه انّه يخلق كل شيء بمقتضي قابليّته و معني ذلك بلسان اهل الشرع (ع) انّه سبحانه يخلقهم بالاختيار مثلاً الأعمي انما خلقه اعمي لأنّه اختار العمي و كذلك الأصمّ و المُقْعَد و الكافر و المؤمن و لولا ذلك لكان للناس علي اللّه حجة كما اذا قال المُبْتَلي لو عافيتني لَعَمِلتُ كما يَعْمل المعافَي و كما اقامَ سبحانه عليهم الحجّة في تكاليفهم بما ( فيما خل ) فيه صلاحهم بحيث كانت للّه عليهم الحجّة البالغة كذلك اقام عليهم الحجّة في وجوداتهم علي ما اليه مردّهم بحيث كانت للّه عليهم الحجّة البالغة لكن ظهور الحجّة عليهم في امر التّكاليف الشرعية و وجوداتها ظاهر لكثرة الأدلّة و البراهين عليها قطعاً لمعذرة المكلّفين و امّا ظهور الحجّة في امر التكاليف الوجوديّة و ما تضمّنتْ من شرعيّاتها فخفيّ لايعلمه الّا الأوحدون الأقلّون عدداً و قد دلّتِ النّصوص علي ذلك و العقول المزكّاة بالعلم [ص 406] و العمل بالموجود من الأمور الواقعة تشهد بذلك و تعرفه العقول الظّاهرة اذا انصفت باللّزوم فانّها تقرّ للّه سبحانه بانّه عالم لايجهل عادل لايظلِم ذاكر لاينسي غنيّ لايحتاج و قد امرضَ الطّفل في بطن امّه و اعماه و اصمّه و قد يسلب ما اعطي من العقل و ساۤئر القوي و لايحسن من الحكيم العليم الغنيّ ان يأخذ ما اعطي بدون علّة من الذي كان اعطاه لأنّ هذا ينافي الحكمة و الغِنَي المطلق و قد ذكر هذا في كتابه المجيد فقال اللّه تعالي انّ اللّه لايُغيّر ما بقومٍ حتّي يغيّروا ما بانفسهم فيلزم من هذا انّه كانَ عن سببٍ وقع مِن المخلوق و لايصحّ ان يؤاخذ بسببٍ يقع منه بغير اختياره لانّه كَمَنْ لا سَبَبَ له فثبت انّه سبحانه اصابهم ببعض ذنوبهم و يجري هذا الحكم علي الانسان و الحيوان و النبات و الجماد و ان خفي هذا في الحيوان و النبات و الجماد لكنّه ظاهر عند اهل التحقيق لانّ الصّنع واحدٌ و الصّانع واحدٌ و يجب ان تكون المصنوعات كلّها بطريق واحد لانّها كلّها قد اشتركت في الوجود و كلّه حيوة و شعور و تمييز و اختيار ليس فيه قسْرٌ فلايجري حكم لمقتضي وصفٍ قد تحقق في جميع افراد شيء علي بعضها دون بعضٍ الّا اذا كان علي خلاف مقتضي الغني المطلق و الحكمة البالغة فاذا ظهر لك ممّا اشرنا و نبّهنا عليه انّ جميع ما في الوجود من الشرعيّات و وجوداتها و الوجودات و شرعيّاتها من مباديها الي نهاياتها كلها جارية علي التّكاليف الاختيارية كما تري في افعال الانسان كذلك هو في ساۤئر الحيوانات و النباتات و الجمادات ( و خ ) الجواهر و الأعراض عرفتَ انّ جميع الأشياۤء مكلّفة بالاختيار و انّ منهم المطيع و منهم العاصي و عرفتَ من هذا و من الكتاب و السّنّة و العقل و الٰايات في الأنفس و في الٰافاق فانّ اللّه سبحانه قد جعل علي كلّ شيء رقيباً و شاهداً و هم (ع) الشهداۤء علي ساۤئر الخلق و اللّه من وراۤئهم محيط بالكلّ شاهد علي الكلّ كما قال تعالي حكاية عن عيسي (ع) كنتَ انتَ الرقيبَ عليهم [ص 407] و انت علي كلّ شيء شهيد و لمّا كان جميع المكلّفين في كلّ شيء مختارين جاز من العاصي و المبتلي ان يحتجّ علي اللّه و ينكر البيان و الحجّة البالغة فجعل علي كلّ شيء شهيداً لئلّاتكون للناس علي اللّه حجّة فالأنبياۤء و الائمّة و الأوصياۤء و العلماۤء تشهد لهم الأشهاد بالتّبليغ و الرّعيّة بالقبول و الامتثال و عدمهما روي الطبرسي في الاحتجاج عن اميرالمؤمنين (ع) في حديث طويل في احوال اهل الموقف الي ان قال فيقام الرّسل فيسألون عن تأدية الرسالات الّتي حُمِّلوها الي اممهم فاخبروا انّهم قد ادّوا ذلك الي اممهم و تسأل الامم فيجحدون كما قال تعالي فلنسئلنّ الّذين ارسل اليهم و لنسألنّ المرسلين ، فيقولون ماجاۤءنا من بشير و لا نذير فليستشهد الرسل رسول اللّه (ص) فيشهد بصدق الرسل و بكذب من جحدها من الأمم فيقول لكلّ امّة منهم بلي قد جاۤءكم بشير و نذير و اللّه علي كلّ شيء قدير اي مقتدر علي شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل اليكم رسالاتهم و لذلك قال لنبيّه (ص) فكيف اذا جئنا من كل امّة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاۤء شهيداً فلايستطيعون ردّ شهادته خوفاً من ان يختم اللّه علي افواههم و ان تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون و يشهد علي منافِقي قومهم ( قومه خل ) و امَّته و كفّارهم باِلْحادِهم و عنادهم و نقضهم عهده و تغييرهم سُنّتَه و اعتداۤئهم علي اهل بيته و انقلابهم علي اعقابهم و ارتدادهم علي ادبارهم و احتذاۤئهم في ذاك سنّة من تقدّمهم من الأمم الظالمة الخاۤئنة لأنبياۤئها فيقولون باجمعهم ربّنا غلبت علينا شقوتنا و كنّا قوماً ضاۤلّين ه ، و في قوله تعالي و كذلك جعلناكم امّةً وسطاً الٰاية ، المراد بهم الأئمة (ع) كما رواه ابنشهراشُوب في المناقب عن الصّادق (ع) قال انّما انزل اللّه و كذلك جعلناكم ائمّةً وسطاً لتكونوا شهداۤء علي الناس و يكون الرسول شهيداً عليكم قال و لايكون شهداۤء علي النّاس الّا الائمّة و الرّسل فامّا الأمّة فانّه [ص 408] غير جائز ان يستشهد ( ها خ ) اللّه و فيهم مَن لايجوز شهادته في الدنيا علي حزْمَةِ بقلٍ و روي العيّاشي في تفسيره عن الصّادق (ع) قال ظننت ( ان خ ) اللّه عني جميع اهل القبلة من الموحّدين افتري مَن لاتجوز شهادته في الدنيا علي صاعٍ من تَمْرٍ يطلبُ اللّه شهادته يوم القيٰمة و يقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية كلّا لميعن اللّه مثل هذا من خلقه يعني الأمّة الّتي وجبت لها دعوة ابراهيم عليه السلام كنتم خير امّة اخرجتْ للناس و هم الأئمّة الوسطي و هم خير امّة اخرجت للنّاس . اقول المراد بالامّة في الٰاية بالأصالة في معني الأمّة و في جعلها شهداۤء و في كونهم خير امّة هم الائمّة عليهم السلام و بالتّبعيّة هم شيعتهم و ما تقدّم من الروايات لاينافي دخول الشّيعة في ذلك بالتّبعيّة لانّ قولهم (ع) صريح في اثباتهم من باب دلالةِ الاشارة و المفهوم لأنّ الّذين لايجوز شهادتهم علي حزمةِ بقلٍ و صاعٍ من تمرٍ انّما هم اعداۤؤهم و ان دخل في ردّ شهادتهم فسّاق شيعتهم لاتّباعهم لأولۤئك الأعداۤء في معاصي الأعمال و امّا شيعتهم الّذين تقبل شهادتهم في الدّنيا و لو علي ادني مرتبةٍ تعتبر في العدالة و يُكتَفي بها شرعاً فانّه تقبل شهادتهم في الٰاخرة بالطريق الأوْلي لأنّ اللّه سبحانه هو الذي قبل شهادتهم في الدّنيا علي ما هم عليه قبل ان يموتوا و انّه سبحانه ابداً يكفّر عنهم سيئاۤتهم بمحن الدنيا و بلاياها و عند الموت و في القبر و البرزخ و اهوال يوم القيٰمة حتّي ان اكثرهم يخرج من قبره و ليس عليه ذنب يطالب به مع ما هم عليه حينئذٍ من كونهم مع ائمّتهم و رسول اللّه (ص) يباهي بهم الأمم الماضية و اخبر اللّه عن سلامة رسول اللّه (ص) و اهل بيته (ع) من اذيهم قال تعالي و امّا ان كان من اصحاب اليمين فسلام لك من اصحاب اليمين و قد تحمّل النبيّ و اهل بيته (ص) جميع ذنوبهم و قد غفرها اللّه لنبيّه (ص) فقال ليغفر [ص 409] لك اللّه ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر و كذلك ساۤئر الائمّة (ع) و من ذلك شهادة الحسين (ع) و اي مُثْمنٍ يعدل ثمناً منه استشهاد الحسين و اهل بيته و انصاره و هتك نساۤئهم و سبيهنّ و تسييرهنّ مكشّفات علي اقتاب المطايا هدايا تساق عرايا الي ارذل البرايا و امثال ذلك ممّا جري عليهم و علي شيعتهم و محبيهم لأجلهم كلّ ذلك في مقابلة ذنوب شيعتهم و محبّيهم فكيف لايقبل شهادتهم في الٰاخرة و هم في احسن احوالهم و طهارتهم و انّما نفي (ع) عموم الأمّة لكلّ شخص منهم كما فسّره المخالفون اِصلاحاً لشأنهم و تأسيساً لمذهبهم و في الكافي في حديث ليلة القدر عن الباقر (ع) انّه قال و ايمُ اللّهِ لو ( لقد خل ) قُضي الأمر اَلّايكون بين المؤمنين اختلاف و لذلك جعلهم شهداۤءَ علي النّاس ليشهد محمّد (ص) علينا و لنشهد علي شيعتنا و لتشهد شيعتنا علي النّاس فرسول اللّه شاهد علينا و نحن شهداۤء اللّه علي خلقه و حجّته في ارضه و نحن الذين قال اللّه و كذلك جعلناكم امّةً وسطاً ه ، اقول قوله و لتشهد شيعتنا علي النّاس صريح فيما قلنا و احتمال ارادة خصوص الأنبياۤء (ع) بعيد لأنّهم و ان كانوا مرادين و احقّ بذلك لكن ساۤئر الشيعة داخلون ايضاً للأحاديث المتَكثرة الدالّة علي ذلك و خصوص قوله علي الناس فانّ الظّاهر انّهم المخالفون و شهادة هذه الشّيعة عليهم اقرب و اشفي لغيظهم و لحضورهم عقوبات اعداۤئهم يوم القيمة جزاۤءً بما اوذوهم في الدّنيا و هذا ظاهر . و الحاصل انّهم (ع) قد رضيهم اللّه شهداۤء علي خلقه لما هم عليه من الحقّ و الصّدق و الحفظ و الاحاطة بكل شيء من خلقه لأنّه تعالي انهي اليهم علم خلقه و ما هم به عاملون و اليه صاۤئرون و لانّ ذلك اعظم ( اعم خل ) اقامة للحجّة علي الخلق حيث لايجدون عليهم طعناً في شيء ثمّ لاتغفل [ص 410] عمّا ذكرناه سابقاً من انّ المراد بشهادتهم علي ساۤئر الخلق ليس علي خصوص اعمالهم الظّاهرة بل علي كل شيء كما مرّ فافهم .
قوله عليه السّلام : و اعلاماً لعباده ، الأعلام جمع عَلَمٍ بفتحِ اللّامِ و هو الجبل الّذي يعلّم فيه الطّريق او الجبل الطّويل و المراد انّهم (ع) يثبّتون العباد عن الفناۤء بفاضل وجودهم و عقول الانبياۤء و المرسلين و المؤمنين و الملۤئكة بفاضلِ عقولهم ( عقلهم خل ) فبهم يعقلون الأمر و النهي و يعرفون الجيّد و الرديّ كما قال تعالي و هديناه النّجدين اي طريق الخير ( و الشر خ ) و بفضل هديٰهم اهتدي المهتدون و بفضل اعمالهم عمل العاملون فكانوا جبالاً رواسي القي اللّه سبحانه اشباحهم و اطواد ظواهرهم في ارضي ( اراضي خل ) قلوب الخلاۤئق ان تميد بهم فلايستقرّ لها علم و لا عمل و لا يثبت لها فكر و لا ذكر بل اضرب لك مثلاً لفاضل انوارهم المشرِقة علي قلوب الخلاۤئق اجمعين من الأنبياۤء و المرسلين و المؤمنين و الملاۤئكة المقرّبين و هو انّ اشراقات انوارهم مثل ظهور الشّاخص و انوار قلوب الخلق مثل الصورة في المرءاة الّتي ليست في الواقع شيئاً الّا ظهور الشاخص بها و امّا انوار حقاۤئقهم فلاتتناهي بالنسبة الي جميع الخلق فعلي معني انّ العَلَمَ محرّكاً هو الجبلُ الّذي يعلّم فيه الطّريق يكون المراد انّ الأخذ عنهم و الاقتداۤء بهم انما يمكن لمن علّموه ما شاۤؤا كما شاۤؤا فلاينتفع احد بشيء من علومهم و ان سمعَ منهم او رأي الّا اذا علّموه ظاهراً او باطناً و ارادوا انّه ينتفع و الّا فلا و اليه الاشارة بقوله تعالي يقول عن نفسه و يحكي عن ذاته و جعلنا علي قلوبهم اكنّة ان يفقهوه و في آذانهم وقراً و هذا حكم باطن الباطن و هو معني انّ هذه الجبال لعظمها لايُسلك الطّريق فيها الّا بالعلامات الموضوعة فيها للسّالك و العلامات توضع في المواضع المنخفضة [ص 411] منها السّهلة بحسب الممكن و مع هذا و هو صعب المسلك كذلك انّهم لايعلم احد من علمهم الّا ما شاۤؤا و مع هذا فهو ( و هو خل ) صعب المسلك لايسلكه الّا الأقلّون و الي هذا اشاروا في احاديثهم كما تقدّم منها قول اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه انّ حديثنا صعب مستصعب خشن مخشوش فانبذوا الي النّاس نبذاً فمن عرف فزيدوه و مَن انكر فامسكوا لايحتمله الّا ثلاث مَلَكٌ مقرّبٌ او نبيٌّ مرسلٌ او عبد مؤمنٌ امتحن اللّه قلبه للايمان و قوله لكميل بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح منّي ، و امّا ما هم عليه من العلم فلايحتمله غيرهم من جميع الخلق و علي معني انّ العَلَم هو الجبل الطّويل يعني في الهواۤء لعلوّه فيقتدي به في الطّريق المشتبهةِ الأعلام او العلامات يكون ( المراد خ ) ان اللّه سبحانه و له الحمد قد علا قدرهم و رفع شأنهم علي ساۤئر خلقه فجعلهم بما اۤتاهم و فضّلهم علي العالمين اعلاماً لعباده يهتدون بهم في ظلمات البر و البحر اي في ظلمات الأحكام النّاشية عن مقتضيات الأجسام و الطّباۤئع و هو البرّ و مقتضيات النّفوس و العقول و هما البحر و المراد انّهم يهتدي بهم جميع العباد في طرق المعتقدات و الأحوال و الأعمال في كلّ شيء بل لا حقّ الّا منهم (ع) عند جميع الخلق و قد تقدّم في اوّل هذا الشّرح انّهم هم المعلِّمون للملاۤئِكة تسبيح اللّه و تهليله و تكبيره و تمجيده و رويَ انّ جبرئل (ع) كان جالساً عند النبيّ (ص) فاتي عليّ (ع) فقامَ له جبرئل فقال (ص) اتقوم لهذا الفتي فقال انّ له عليّ حقّ التعليم فقال النبيّ (ص) و كيف ذلك التّعليم يا جبرئل فقال لمّا خلقني اللّه تعالي سألني مَن انت و ما اسمُكَ و مَن انا و ما اسمي فتحيّرتُ في الجواب ثم حضر هذا الشّاۤبُّ في عالَم الأنوار و علّمني الجواب فقال قل انت ربّي الجليل و اسمك الجميل و انا العبد الذليل و اسمي جبرئيل و لهذا قمتُ له و عظّمته فقال النبيّ (ص) كم عمرك [ص 412] يا جبرئيل فقال يا رسول اللّه (ص) يطلع نجم من العرش في كلّ ثلاثينالفَ سنةٍ مرّة و قد شاهدتُه طالعاً ثلاثينالفَ مرّةٍ ● ه ، فتأمّل في قول جبرئل طاوس الملاۤئكة الّذي هو معلِّم الرّسل و الانبياۤء (ع) فانّه ماعرفَ ربّه و ماعرف نفسه الّا بتعليم الامام فكيف ما سواه من الملاۤئكة و اذا كانت الملاۤئكة كذلك فكيف ساۤئر الخلق و يجوز ان يُراد بالأعلام العلامات من تفسير ظاهر الظّاهر و المراد منها معالم الطّرق و كل ما يستدلّ به الماۤرّة من جبل او نصبٍ او مورد ماۤء او بناۤء او نجم لانّهم (ع) هم علامات الهداية و ادلّاۤء الطّرق الي اللّه و في قوله تعالي و علامات و بالنجم هم يهتدون عنهم (ع) نحن العلامات و النّجم رسول اللّه (ص) و في تفسير العيّاشي بسنده عن احدهما عليهما السلام في قوله و علامات و بالنّجم هم يهتدون قال هو اميرالمؤمنين فهم الأعلام الّذي بهم يهتدي الساۤئرون و بهم يثبّت الارض ان تميد باهلها و عن ابيجعفر (ع) انه قال لو انّ الامام (ع) رُفع من الأرض ساعة لماجت باهلها كما يموج البحر باهله فاللّه سبحانه وسَمَ كلّ شيء و دلّ علي كلّ شيء فهم اصحاب الميسم و الأدلّاۤء علي كل شيء و ادلّاۤء كلّ شيء علي اللّه .
قال عليه السّلام : و مناراً في بلاده و ادلّاۤء علي صراطه .
قال الشارح (ره) و مناراً في بلاده اي يُهتدي بهم و بانوار اخبارهم في جميع الأرض ه .
اقول المنار بفتح الميم الشيء المرتفع الذي يوقد في اعلاه النار لهداية الضاۤلّ و يروي في وصف الامام (ع) يرفع له في كلّ بلدةٍ منار ينظر منه الي اعمال العباد و في حديث يونس قد كثر ( في خ ) ذكر العمود فقال لي يا يونس ما تراه اتراه عموداً من حديدٍ قلتُ لاادري قال لكنّه ملك موكّل بكلّ بلدةٍ يرفع اللّه به اعمال تلك البلدة ففي الرواية الأُولي المنار الذي يري منه [ص 413] و ينظر منه الي اعمال العباد هو نور خيال الامام (ع) و هو عمود نورٍ ممتدٍّ منه الي العرش عن يساره و النظر يصدر عن عقله و عقله من الخيال الي اظلّة الأعمال و العاملين و هذا العقل عقل الكلّ و هذا الخيال خيال الكلّ و اظلّة الأعمال و العاملين قد تقوّمت بنور هذا العمود فان اريد به حقاۤئق تلك الأظلّة فيراد به النّفس الكلّيّة و الروح الذي علي ملاۤئكة الحجب و النّور الأخضر و حجاب الزبرجد و ان اريد به ادراكها فيراد به فعل ذلك العمود و تربيته ذلك الملك و تدبيره لها و ان اريد به العلم بها فيراد به ذواتها و مجموع المراتب الثلاثة هو ذلك العمود الّذي هو المنار فَبهِ اهتدت تلك الحقاۤئق الي معرفة ربّها و معرفتها بنفسها و كذلك ذواتهم و العلم بهم و انّ هذا العمود اعطاه اللّه وليَّه عموداً من نور يري فيه اعمال الخلاۤئق كما يري احدكم الشخص في المرءاۤة و المراد بكونه مناراً في البلاد هو انّهم يُنيرون لأهل البلاد و هي الدنيا او الأرض او الأجسام او الوجود كلّه فعلي الأوّل و الثاني يكون المعني انّهم منوّرون لبني آدم و الجن فان كانوا مؤمنين اي مستجيبين نوّروا قلوبهم كما نوّروا قلوب الملاۤئكة فباستجابتهم و قبولهم كانوا مؤمنين بان كتب اللّه في قلوبهم من مداد ذلك النّور الايمان و ايدهم بروح منه و هذا الرّوح ملك خلق من نورهم (ع) جعل علي الاذن اليمني من قلب المستجيب للّه و لرسوله حين دعاه لما يحييه اي دعاه الي الولاية و هذا الملك مؤيّد له في تلك الاستجابة فاذا ايّده استقام و لميتغيّر عن الايمان ما دام معه و هو قوله تعالي انّ الّذين قالوا ربّنا اللّه ثم استقاموا و هذا الملك هو الرّوح الرّابعة يحضر المؤمن في كلّ وقت يحسن فيه و يتقي و يغيب عنه في كلّ وقت يذنب فيه و يعتدي فهي تهتزّ سروراً عند احسانه و تسيخ في الثري عند اساۤئةِ ( اسائته خل ) كذا روي عن الكاظم (ع) فالملك المؤيّد من نورهم و الاستجابة و القبول من [ص 414] محبّتهم و الايمان المكتوب من صفتهم و في الكافي عن ابيخالد الكابلي قال سألتُ اباجعفر (ع) عن قول اللّه تعالي فاۤمنوا باللّه و رسوله و النور الذي انزلنا فقال يا اباخالد النور واللّهِ الأئمة (ع) يا اباخالد لَنُور ( النور خل ) الامام في قلوب المؤمنين انور من الشمس المضيۤئة بالنّهار و هم الّذين ينوِّرون قلوب المؤمنين و يحجب اللّه نورهم عمّن يشاۤء فتظلم قلوبهم و يغشاهم ( يغشيهم خل ) بها ه ، فقوله ينوِّرون قلوبَ المؤمنين هو ما ذكرتُ لك في مؤمني الانس و الجنّ و في الملاۤئكة بالاستجابة و القبول و بالكتابة و بالمدد و بالتّأييد و قوله (ع) و يحجب ( اللّه خ ) نورهم عمّن يشاۤء الخ ، يريد انّ من لميستجب للّه و رسوله حين دعاه الي ولايتهم خلق من ردّه لولايتهم و عدم قبوله لها حجاباً من ظلمةٍ اصله غضب اللّه و فرعه ذلك الرّدّ و ثمرته عداوة عليّ و اهل بيته (ع) و مأويٰه جهنّم و بئس المصير فحجب اللّه بذلك الحجاب نورهم عن قلبه و هو قوله تعالي بل طبعَ اللّهُ عليها بكفرهم و ذلك النور المحجوب هو محبّتهم و ولايتهم و قوله (ع) انور من الشمس ظاهر لانّ ذلك النّور علي ثلاثة اقسام علي حسب مراتب المؤمنين في معرفتهم و اتباعهم فالقسم الأدني انور من الشمس سبعين مرّة و القسم الثاني انور من الشمس اربعةاۤلاف مرّة و تسعمائة مرّة و القسم الأعلي انور من الشمس ثلثمائةالف مرّة و ثلاثة و اربعين الفَ مرّةٍ لأنّ الأدني من غيب فلك الزّهرة و الوسط من غيب فلك المكوكب و الأعلي من غيب فلك ( الفلك خل ) الاطلس و علي الثالث و الرابع يكون المعني انّ ما في الأجسام او الأنفس و العقول من نور الوجود فهو من شعاع نورهم فما في شيء من الموجودات من نورٍ فمنهم و ما فيه من ظلمةٍ فمن نفسه و هو تأويل قوله تعالي و ما بكم من نعمةٍ فمن اللّهِ و قوله تعالي ما اصابك من حسنةٍ فمن اللّه و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و انما قلنا انّ كلّ ما في الموجودات من [ص 415] نور الوجود فهو من شعاع نورهم لأنّ اللّه سبحانه لمّا خلق انوارهم تشعشعتِ الأنوار من انوارهم لأنّ ذلك دليل كمال نورهم اذ كلُّ كاملٍ لكماله ظهور يشابه هيئة ( هيئاة خل ) ظهوره به فكما انّ قلوب شيعتهم لمّا نوّروها ( نوّروهم خل ) بفاضل نورهم انبعثت عنها الأعمال الصالحة الّتي تكون بها الوجودات الشّرعيّة بأمرِ اللّهِ و صنعه كذلك عالم الأجسام بل الموجودات كلّها لمّا نوّروها بافاضة ذواتها من فاضل انوارهم انبعثت عنها القوابل الحُسني التي تكون بها الشرعيّات الوجوديّة بامر اللّه سبحانه فنور الذّوات بوجوداتها و تلك الوجودات من نورهم كما دلّت عليه الروايات عنهم (ع) و شهد له العقول المزكّاة السّليمة و آثار تلك الذّوات المنبعثة عنها من جهة عقولها من ( سناء خ ) نورهم فعلي الاخيرين تكون البلاد هي نفس الأشياۤء و صفاتها و انّما سمّيناها بلاداً كما سمّينا متعلّق نظر الوليّ من المكلفين لاستنباط حكمه علي حسب ما يقتضيه بيتاً كما قلنا في تأويل قوله تعالي ان اتّخذي من الجبال بُيوتاً الٰاية ، و كما قالوا (ع) في تأويل قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري الّتي باركنا فيها قري ظاهرة قال (ع) نحن القري الّتي بارك اللّه فيها و القري الظّاهرة شيعتنا و الأنبياۤء منهم كما تقدّم و كذلك قوله تعالي في بيوت اذن اللّه ان ترفع و قوله تعالي و اتوا البيوت من ابوابها و قوله تعالي و اسئل القرية الّتي كنّا فيها يعني يوسف و قوله تعالي و تلك القري اهلكناهم لما ظلموا و قوله تعالي تلك من انباۤءِ القري نقصه عليك منها قاۤئم عجّل اللّه فرجه و حصيد لعن اللّه قاتِلَهُ و ظالمه و ما اشبه ذلك مما اطلق عليه لفظ البيت و القرية و يرادا ( يراد خل ) به الرّجال في التأويل بتبيين اهل العصمة (ع) و الحاصل انّ اللّه سبحانه قد رضيهم مناراً في بلاده علي نحو ما سمعتَ و ما لمتسمع .
[ص 416] و قوله عليه السّلام و ادلّاۤء علي صراطه ، الأدلّاۤء جمع دليلٍ و الصّراط هنا هو الطريق المؤدّي الي محبّة اللّه المبلّغ الي جنّته كما قال الصّادق (ع) في تفسير قوله تعالي اهدنا الصّراط المستقيم قال يعني ارشدنا للزوم الطريق المؤدّي الي محبّتك و المبلّغ الي جنّتك و المانع من ان نتّبع اهواءنا فنعطبَ و ان نأخذ بٰارائنا فنهلك ، اقول هذا الطّريق الذي عناه (ع) الذي سأل اللّه لزومه هو طاعته في القيام باوامره و اجتناب نواهيه و التخلّق بٰادابه علي نحو ما نهج لهم من دينه و بين لعباده من معرفتِه و حدد لهم من احكامه هذا في الظاهر و في الباطن الصّراط هو النبيّ و الامام صلّي اللّه عليهما و آلهما روي في المعاني عن الصّادق انّ الصّراط هو اميرالمؤمنين و فيه عنه هو الطريق الي معرفة اللّه و هما صراطان صراط في الدنيا و صراط في الٰاخرة فامّا ( و اما خل ) الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا و اقتدي بهداه مرّ علي الصراط الذي هو جسر جهنّم في الٰاخرة و من لميعرفه في الدنيا زلّت قدمُهُ عن الصراط في الٰاخرة فتردّي في نار جهنّم و روي ايضاً نحن الصراط المستقيم ، و معني كون الامام (ع) صراطاً و طريقاً ما ذكرنا ( ذكرناه خل ) مراراً في شرحنا هذا كما سبقَ و في غيره من رساۤئلنا من انّه (ع) طريق اللّه الي جميع خلقه و طريقهم اليه امّا الأوّل فلأنّ الامام (ع) باب المدد و الفيض من اللّه الي جميع خلقه في خلقهم في الكون و العين و القدر و القضاۤء و الاذن و الأجل و الكتاب و لميجعل اللّه سبحانه و تعالي له باباً لافاضةِ الوجود في جميع مراتبه غيرهم في ادباره و لا في اقباله الي اللّه تعالي كما اشارَ اليه (ع) في هذه الزيارة الشريفة في قوله مَن اراد اللّهَ بدأ بكم و مَن وحّده قبِل عنكم و من قصده توجّه بكم يعني من اراد ان يسير الي اللّه بدأ بالسّير فيكم و هو تأويل قوله تعالي و جعلنا [ص 417] بينهم اي بين العلماۤء من الشّيعة من الأنبياۤء و المرسلين و المؤمنين و الملاۤئكة المقرّبين و هم الطّالبون لتوحيد اللّه علي الحقيقة و بين القري الّتي باركنا فيها و هي مقاماته الّتي لا فرق بينه و بينها الّا انّهم عباده و خلقه و هي من الذّات كالقاۤئم من ذات زيدٍ و هي آيةُ اللّه الّتي يريها عبده في نفسه حين يعرف نفسه و هذا في كلّ شيء بنسبة مقامه قريً ظاهرةً و هذه القري الظاهرة علي هذا التّأويل هم الائمة الظّاهرون ( الطاهرون خل ) المفترضون الطّاعة و قدّرنا فيها السّير اي اذا اردتم ان تصِلوا الي القري الّتي باركنا و هي آيتنا في انفسكم و في الٰافاق فتوصّلوا اليها بتوسّط القري الظّاهرة كما قال تعالي سيروا فيها و هذا احد التّأويلين في الٰاية و هو معني قوله مَن ارادَ اللّه بدأ بكم و قول عليّ (ع) نحن الاعراف الّذين لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا و ذلك معلوم فانّك لاتصل الي الكعبة الّا بقطع المسافة فان كنتَ شرقيّاً عن مكّة و سرتَ اليها الي جهة الغرب قربت المسافة بينك و بينها لانك سرتَ اليها من جهتك و مَن كان غربيّاً عنها ( منها خل ) كانَ بعكسكَ و لو تعاكستما في المسير الي الكعبة بان سرتَ اليها من جهة الرجل الغربيّ و سار هو من جهتك لطالت مسافة سيركما و هو قوله (ع) من عرف نفسه فقد عرف ربّه و ان كان ايضاً مَن عرف غيره فقد عرف ربّه و لكنّ المسافة طويلة فافهم الاشارة و بالجملة فلاتصل الي الكعبة الّا بالسّير اليها في طريقها المختصّ بها و مَن وحّده قبِلَ عنكم يعني انّ من وحّده و اصاب الحقّ في توحيده قبل عنكم معرفة دينه و ما وصفتم به ربّكم و مَن لميقبل منكم لميوحّد اللّه تعالي فقد توقّفت معرفة ربّه و معرفة دينه و ما يجب عليه و به نجاتُه علي القبول عنهم تلك المعارف و الحدود و من قصده توجّه بكم يعني انّهم وجه اللّه و لهم عند اللّه الجاه العظيم و المنزلة الرّفيعة فمن توجّه بهم و تشفّع الي اللّه قبل اللّهُ منه و استجاب و تجاوز [ص 418] عن تقصيره و مَن توجّه قاصداً الي اللّه مصاحِباً لولايتهم و طاعتهم او تعريفهم كيفيّة القصد اليه و الاستعداد له بما يحبّ القصد به اليه سبحانه او مستعيناً بهم في التّوصل بقصدِه وَ يأتي زيادة توجيه في هذه الفقرات في محلّها ان شاۤء اللّه تعالي فهم الطّريق الي اللّه لا غيرهم و ليس للّه طريق غيرهم و غير فروعهم من الأعمال الصّالحات من حدود اللّه و ما يريده من العباد ممّا فرضوه و سنّوه عن اللّه سبحانه الّا ما لايحبّه من طرق الضلالة هذا من جهة وجوداتها و امّا من جهة تكليفاتها فلأنّ الامام (ع) هو الباب الذي تصدر عنه اوامر اللّه و نواهيه و عزاۤئمه و تعرّفاته و اراداته و رخصه و ما اشبهه ( اشبه خل ) ذلك لأنّ جميع ذلك لايصدر الا عن مشيّتهِ ( مشيّة خل ) و هم محلّ تلك المشيّة كما قال تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، و المراد انّه سبحانه لايسعه شيء و هو وسع كلّ شيء رحمةً و علماً و قدرةً و انّما ذلك الذي لمتسعه ( ارضه خ ) و لاسماۤؤه هو اراداته و متعلّقات مشيّته من اوامره و نواهيه و جميع ما يريد من عباده و لايسع ذلك السماۤء و الأرض لأنّ السماۤء و الأرض لايسع كلّ واحدٍ منهما الّا ما يتعلّق به من الاحكام و الدّواعي الالٰهيّة و كذلك كلّ واحد من ساۤئر الخلق اذ كلّ واحد انّما يراد لنفسِهِ و امّا العبد المؤمن المراد هو محمّد ( و آله خ ) (ص) فقلبه يسع تلك الأمور كلّها الّتي متعلّقها جميع الخلاۤئق في الدنيا و الٰاخرة من الموجودات و التكليفات و انّما وَسِعَها لأنّها انما صدرتْ عنه وَ خُلِقَتْ من فاضل نوره او عكوس نوره و صُوِّرتْ علي صور هيئة عبادته و خلقت له و الشيء يسع احكام ( احكامه خل ) ما عنه و ما منه و ما لَهُ و لما لميكن لمشيّة اللّه محلٌّ غيرهم الّا عنهم بوجهٍ منها وجب ان يكونوا عليهم السلام هم ابواب اوامره و نواهيه و ما يريده من خلقه فهم صراطه الي خلقه في كلّ ما يصل منه تعالي الي خلقه من الايجادات [ص 419] و التكليفات و امّا الثاني و هو انّهم (ع) طريق الخلق الي اللّه تعالي فلأنَّ جميع العباد انّما يصلون الي اللّه تعالي الي محبّته و جنّته و قربه و الفوز لديه بما اعدَّه لمَن اطاعه بولايتهم و محبّتهم و طاعتهم و انما تصعد اعمال الخلاۤئق الي اللّه تعالي اذا كانت جاريةً علي سنّتِهم و طريقتهم و كانت مأخوذةً عنهم بالتّسليم لهم و الرّدّ اليهم و بالولاية لهم و بالبراۤءة من اعداۤئهم و هو قول اللّه تعالي انما يتقبّل اللّه من المتّقين يعني انّ اللّه لايقبل من احدٍ اعماله و لاتصعد اليه الّا اعمال المتّقين و هم الذين احبّوا اللّه و رسوله (ص) و ائتمروا بأمره و انتهوا عن نهيه و والَوا ولي اللّه و عادوا عدوَّ اللّهِ و معني المتّقين في الباطن المتّقون لولاية اعداۤء عليّ عليه السلام و المجتنبون لسنّتِهم و ضلالتهم فالمتّقي حقّاً من اتّقي سنّة اعداۤءِ عليّ و اهل بيته (ع) و سنّتهم فرعهم فمن اتّقي سنّة اعداۤء عليّ (ع) فهو المتّقي لأنّه اتّقي جميع معاصي اللّه فكانوا (ع) هم الطريق الي اللّه و ولايتهم ايضاً طريق صعود الأعمال الي اللّه تعالي و طريق قبول الدعاۤء روي ابنفهد في عدّة الداعي عن ابيالحسن الهادي عليه السلام الي ان قال الساۤئل يا سيّدي الفتحُ يقول يعلّمني الدعاۤء الذي دعا لك به فقال انّ الفتح يوالينا بظاهره دون باطنه الدعاۤء لمن دعا به بشرط ان يوالينا اهل البيت الحديث ، يعني انّ ولايتنا شرط لقبول الدعاۤء و في رواية محمّد بن مسلم عن احدهما (ع) قال قلتُ انّا نري الرجل من المخالفين عليكم له عبادة و اجتهاد و خشوع فهل ينفعه ذلك فقال يا محمّد انما مثلُنٰا اهل البيت مثل اهل بيت كانوا في بنياسراۤئيل فكان لايجتهد احد منهم اربعين ليلةً الّا فاجيب و انّ رجلاً منهم اجتهد اربعين ليله ثمّ دعا فلميستجب له فأتي عيسي (ع) يشكو اليه و يسأله الدعاۤء له فتطهّر عيسي (ع) و صلّي ثم دعا فأوحي اللّه [ص 420] اليه يا عيسي انّ عبدي اتاني من غير الباب الذي اُوتي منه انّه دعاني و في قلبه شكّ منك فلو دعاني حتّي ينقطع عنقه و تنتثِر ( تنتشر خل ) انامله مااَسْتجيبُ له فالتفتَ عيسي (ع) و قال تدعو ربّك و في قلبك شكّ من نبيّه قال يا روحَ اللّهِ و كلمته قد كانَ واللّهِ ما قلتَ فاسئل اللّه ان يَذهَبَ به عنّي فدعا له عيسي (ع) فتفضّل اللّه عليه و صار في اهل بيته كذلك نحن اهل البيت لايقبل اللّه عمل عبدٍ و هو يشكّ فينا . اقول اذا فسّرنا الصراط الذي هم ادلّاۤء عليه بانّه الأمتثال لاوامره و الاجتناب لنواهيه و العمل علي وفْقِ مراد الله او انّه ولاية عليّ و اهل بيته (ع) و هم يدلّون عليها لأنّها في الحقيقة ولاية اللّه كما قال تعالي هنالك الولاية للّه الحقّ هو خير ثواباً و خير عُقبي و متعلّقها جميع ما اراد اللّه و احبّه من الوجودات و شرعيّاتها و ما يترتّب علي ذلك و من الشرعيّات و وجوداتها و ما يترتّب علي ذلك من احوال الدنيا و الرجعة و الٰاخرة و اذا فسّرناه بذواتهم النّوريّة التي هي نور الأنوار و صفوة الجبّار و هداة الأبرار فهم يدلّون عليها كما لو كشف لك لرأيت انّ القرءان ما ينطق الّا بهذه و ما لها و ما منها ممّا تثبِتُه و تَنْفيه و هو تأويل قوله تعالي و ان من شيء الّا يسبّحُ بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم انّه كانَ حليماً غفوراً ، و قول الكاظم (ع) لمّا سأله يحيي بن اكثم عن قوله تعالي سبعة ابحرٍ مانفدَتْ كلمات اللّه ما هي فقال (ع) هي عين الكبريت و عين اليمين و عين ابرهوت و عين الطّبريّة و جمّة ماسيدان و جمّة افريقيّة و عين ناجروان و نحن الكلمات التي لاتدرك فضاۤئلنا و لاتستقصي ، اقول ( ما خ ) رواه احمد بن ابيطالب الطّبرسي في الاحتجاج و في نسخةٍ عين بلعوران بدل ناجروان و قد ملأنا هذا الشرح من بيان ما اردنا من هذا المعني و انّما يدلّون عليها لأنّ معرفتها كما يريدون توجب القيام بما يحبّ اللّه تعالي [ص 421] من معرفته و معرفة صفاته و القيام باوامره و اجتناب نواهيه و التّأدب بادابه و الحمد للّه ربّ العالمين اللّهم صلّ علي محمّد و المحمّد كما صلّيتَ علي ابراهيم و ال ابراهيم انك حميد مجيد .
تم الجزء الأول من شرح الزيارة الجامعة و يتلوه الجزء الثاني بعون اللّه و حسن توفيقه و الحمد للّه ربّ العالمين ، تمت .