[ص 345] قال عليه السلام : المطيعون للّه القوّامون بامره .

قال الشارح (ره) المطيعون للّه بالاطاعة التّاۤمّة حتّي بذلوا انفسهم و اموالهم في سبيله و قاتلوا و قُتِلوا بالجهاد الصّوري و المعنوي لاعلاۤء كلمة اللّه و دينه كما هو ظاهر لمن تتبّع كتب الأخبار و السير القوّامون في امر الامامة او الأعمّ .

اقول الطاعة للّه تعالي لها مراتب اعلاها من كلّ مخلوقٍ قابليّته للصّنع و القابليات تختلف بكثرة المتمّمات لها و قلّتها و كلّما قلّت المتمّمات و الشروط و الأسباب شرّفت القابليةُ و كملت و قويَتْ و كلما كثرت الشروط و المتمّمات نقصت و ضعفت و قابليّات محمد و آله (ص) لم‌يكن لها متمّم و ( لا خ ) شرط و لهذا قد نَسْتَثْنٖيها من الوجود المقيّد و نلحقها بالمطلق لعدم الشرط و اذا الحقناها بالمقيّد فانما هو لانّا نطلق المطلق علي الفعل و المقيد علي المفعول و لصدق القيد ( المقيد خ‌ل ) علي التوقّف علي الفعل فلانلحقها بالمطلق و الي عدم الشرط فيها الاشارة بقوله تعالي يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نار فلمّا كانت تلك القابليّة الجليلة المقدار هي قابليّة محمّد و آله الأطهار صلي اللّه عليه و عليهم كانت طاعتهم للّه قبل كلّ شيء و اعلي من كلّ شيء و لم‌تتوقف علي شرط و لاتكون لعلّةٍ الا لمحض اجابةِ ربّهم دعاهم فاجابوه طوعاً لأمْرِهِ فكانوا في كل رتبةٍ من مراتبِ وجوداتهم لايخرجون عن طاعته لأنّهم ليس فيهم مقتضٍ للمعصية لأنّ القابليّة هي منشأ المعاصي و امّا الوجود فهو خير كلّه فاذا صلحت القابلية حتي كادت تضيۤء و تطيع قبل الوجود بحيث شابهت الوجود في عدم نظرها الي نفسها كانت مع انضمام الوجود لا ظلمة فيها و لا معصية لها فهم المطيعون للّه علي الحقيقة بمعني سبْقهم الي الطّاعة [ص 346] و عدم التّأخر عنها في حالٍ و الصّدق فيها و الاخلاص و الاستخلاص لها حتّي لايشغلهم عنها شاغل كما اثني سبحانه عليهم في كتابه المجيد فقال عزّ من قاۤئلٍ رجالٌ لاتلهيهم تجارةٌ و لا بيعٌ عن ذكر اللّه و اقام الصّلوة و ايتاۤء الزّكوة و ذلك لما ادّبهم بوحيه في كتابه مثل قوله و امر اهلك بالصّلوة و اصطبر عليها و قوله و اذكر ربّك في نفسك تضرعاً و خيفةً و دونَ الجهرِ من القول بالغدوِّ و الٰاصال و لاتكن من الغافلين انّ الذين عند ربّك لايستكبرون عن عبادته و الذين عنده هم محمّد و آله صلّي اللّه عليه و عليهم كما تقدّم عن الصّادق (ع) في قوله تعالي و له مَن في السموات و الأرض و مَن عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون اللّيل و النهار لايفترون الي قوله و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون قال (ع) ويحك يا مفضّل الستم تعلمون انّ مَن في السّموات هم الملاۤئكة و مَن في الأرض هم الجن و البشر و كلّ ذي حركة فمن الذين ( الذي خ‌ل ) قال و مَن عنده قد خرجوا من جملة الملاۤئكة و البشر و كلّ ذي حركة فنحن الذين كنّا عنده و لا كون قبلنا و لا حدوث سماۤء و لا ارض و لا ملك و لا نبيّ الحديث ، و من دون هذه الرتبة هم في عالم الأنوار و في الحجب و في الذر و في عالم الزمان سابقون لأهل كل مقام الي طاعة الملك العلّام بحيث لايلحقهم لاحق و لايسبقهم سابق و لايطمع في ادراكهم و لا مُداناتهم طامع من جميع الخلاۤئق فهم في الحقيقة متفرّدون عن كلّ الخلق و ما ورد عنهم ممّا يدلّ بظاهره علي مساواة غيرهم لهم او مشاركتهم ايّاهم فهو جارٍ علي ما تعرفه عاۤمّة الناس و شرحُ بعض هذا يطول به الكلام و المعني المقصود ظاهر و القوّامون جمع قوّام و هو للمبالغة في قاۤئم اِمّا علي معني انّهم كثير القيام بامر اللّه و اِمّا علي معني انّهم شديدوا القيام ( بامر اللّه خ ) و المعنيان مُرادان [ص 347] معاً و المراد من الأوّل انّهم لم‌يتجاوزوا امر اللّه في قليل او كثير في واجبٍ او مندوبٍ و لا نهياً في حرامٍ او مكروهٍ الّا قاموا به كما امرهم اللّه علي اكمل ما ينبغي و ما ورد عنهم انّهم يفعلون بعض المكروهات او يتركون بعض المندوبات فانّ ذلك من اقسام الواجب لانّهم يؤمَرُون علي سبيل الحتم لبيان الجواز و لايجوز لهم ترك الامر المحتوم لانّه لو لم‌يكن ( محتوماً خ ) لجاز تركه و اذا كان في نفسه مرجوحاً كان تركه راجحاً و اذا لم‌يكن محتوماً لم‌يكن فعله راجحاً الّا انّه انما يفعله فاعله لراحة نفسه او تهاوُناً بالحدود او للرّخصة ففي الأوّلَين و ما انضمّ متركباً من الثلاثة لايجوز عليهم و امّا الثالث "٢" اذا كان خالصاً و هو لايكون الّا في بعض احواله "-٢" فانّه من الراجح فهو امّا واجب او مندوب لأنّه اذا اريد لمرجّح كما لو انفتِ النّفس عن الجاۤئز او سبقه نَهْي في الجواز او جواز في التَّرك فالأوّل ( كما خ ) لو لم‌يجوّز فيما اجاز اللّه مثل ترك نافلةٍ و الثاني كما لو لم‌يجوز فعل ما نهي اللّه عنه بعد ما اباحه و الثالث مثل الجمع بين الظهرين و العشاۤئين بغير ضرورة بعد ثبوت استحباب التفريق اذا لم‌يعتقد مشروعيّة الجمع فانّ تلك الرخصة تكون واجبة لمن لم‌يجوّز الأخذ بها و مستحبّة لمن جوّز اذا صغر عنده الجواز و قد نبّه رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله علي هذه الشقوق لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد بقوله (ص) انّ اللّه يُحبّ ان يؤخذ بِرُخَصِه كما يحبّ ان يؤخذ بفراۤئضه فخذوا برخص اللّه و لاتشدّدوا علي انفسكم انّ بني‌اسرائيل لمّا شدّدوا علي انفسهم شدّد اللّه عليهم ه‍ . فاذا فهمتَ ما اشرنا اليه من هذه التنبيهات ظهر لك انّهم (ع) لم‌يتجاوزوا واجباً و لا مندوباً قطّ و لم‌يفعلوا حراماً و لا مكروهاً قطّ و المراد من المعني الثاني انّهم يقومون بامر اللّه علي اكملِ وجهٍ يمكن وقوعه في الامكان [ص 348] في حقِّ كلّ واحدٍ منهم و هم في هذه الرتبة و المقام سواۤء بمعني انّ كلّ واحدٍ يقوم بامر اللّه علي اكملِ وجهٍ فان قلتَ انّ عليّاً عليه السلام لايقدر علي ما يقدر عليه رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و الحسن لايقدر علي عمل عليّ (ع) و هكذا كما هو ظاهر قد صرّحوا به في احاديثهم فكيف يكون الأدني منهم يأتي بالامر علي اكمل وجهٍ يمكن وقوعه في الامكان و في الامكان من هو اكمل منه و هو عملُ الأعلَي قلتُ انّ عمل الأعلي لايمكن للأدني الّا اذا تَسَاهل الأعلي في حالٍ مّا و اذا كان كذلك لم‌يكن اعلي بل هو ادني و المفروض انّه اعلي فان قلتَ اي فرقٍ بينهم و بين غيرهم فانّك اذا فرضتَ هذا جري في حقّ غيرهم قلتُ لو فرضنا عدم وقوع تقصيرٍ مّا من غيرهم لكان منهم و لاحقنَاه بهم في هذا المقام و لكنّ الواقع انّ كلّ من سواهم يقع منهم تقصير في واجبٍ او مندوبٍ او مباحٍ تركه اولي لنفسِهِ او لغيره و لو في الاحتمال كما اشار النبيّ (ص) اليه بقوله ما معناه لايكون الرجل من المتّقين حتي يدع ما لا بأس به خوفاً ممّا فيه بأس ه‍ ، و هذا الجواب يشمل جميع الخلق حتي الأنبياۤء و المرسلين علي حسب مراتبهم و روي ما معناه انّ في الصراط عقباتٍ كؤداً لايقطعها بسهولة الّا محمد و آله (ص) و هم لايقع منهم تقصير في شيء مّا فصحّ انّ كلّ واحدٍ منهم قاۤئم بامر اللّه علي اكمل وجهٍ لايمكن في حقّه اكمل منه في الامكان بخلاف مَن سواهم فان قلتَ انّ اخبارهم تدلّ علي وقوع تقصيرٍ مّا منهم ايضاً و لهذا يتضرّعون و يستغفرون و يتوبون و ليس في مقامِ تعليمٍ بل علي حدٍّ من الخوف لايجري علي غيرهم حتّي انّ احدهم ليقع مغشيّاً عليه و ممّن ذكر التقصير [ص 349] سيّدالسّاجدين (ع) في سجود صلوة اللّيل كما تقدم من قوله لكنتُ مقصّراً في بلوغ اَداۤء شكرِ خفيِّ نعمةٍ من نعمك عَلَيّ ، قلتُ هذا التّقصير الذي نسبوه الي انفسهم و ما نشأ عنه من الخوف منشأه من امورٍ ثلاثةٍ الاوّل انّهم تحمّلوا ذنوب شيعتهم و تقصيراتهم فكانوا يستقيلون منها و يخافون منها ( بسببها خ‌ل ) و الثاني انهم عرفوا اللّه فاذا نظروا الي مقامه صغر عندهم كلّ شيء في حقّه و عرفوا انّ كلّ عاملٍ لايقوم بحقّه سبحانه لأنّ توفيقه عبده لخدمته نعمة توجب شكراً و هكذا و الثالث انه لمّا كان العمل طريق الخلق الي الحقّ سبحانه و هو يتوقّف ( متوقف خ‌ل ) علي وجود العامل و وجود العامل حجاب بينه و بين ربّه و هذا لاينفك المخلوق حال وجوده فهو محجوب بوجوده و المحجوب مقصّر و المقصّر مذنب و المذنب خاۤئف من ذنبه و قد قال شاعرهم في هذا المعني :

اقول و مااذنبتُ قالتْ مجيبةً وجودُك ذنبٌ لايُقاسُ به ذنبٌ

و هم (ع) و ان لم‌يلحظوا انفسهم في وجدانهم بين يديه لكنّهم موجودون بل اذا تعمّقنا في تحرير هذا الحرف وجدنا انّ مَن "٢" جرّد نفسه عن كلّ اعتبارٍ عَرَف ربّه و ذلك اذا فقد نفسه "-٢" مِن وِجْدَانِه "-٢" ظهر له ربّه بوجوده "-٢" و هذا الوجود الذي ظهر له به ربّه هو آية ربّه و دليله عليه و صفته الّتي عرفه بها و هو وجوده و نفسه الّتي اذا عرفها عرف ربّه فلايدرك الّا حقيقته الّتي هي وصفُ ربه نفسه له فتلك النفس مفقودة من الوجدان بمعني انّه يجد وصف ربّه و هذا الوصف و ان كان هو نفسه الّا انّه لايعرف ربه بلحاظ نفسه من حيث هي نفسه و يعرف ربه بمعرفتها من حيث هي وصفه و هذا يدلّ علي انّ لها وجوداً مّا و ان لحظها وصفاً للّه و اليه الاشارة بقول الصّادق (ع) في وصفه لمعراج النبيّ (ص) [ص 350] قال فكان بينهما حجاب يتلألأ بخَفْقٍ و لااعلمه الّا و قد قال زبرجد ، اقول اراد بقوله يتلألأ شدّة شفّافيّته حتي يكاد يضمحل و قوله بخَفْقٍ اي باضطرابٍ يعني يكاد ان يفني كذلك النفس حين لحاظ الوصف تكاد تفني و ما نحن فيه كذلك فاذا ثبت لهم وجودٌ ما كان ذلك الوجود حجاباً بنسبتِه فلاجل ذلك يبكون و يخافون و يستغفرون و هذا في الحقيقة تقصير في الخليقة الّا انّه لا بدّ منه لانّه من العَجْز الذي وَسَمَ اللّه تعالي به الخلق فاذا لم‌يكن لهم تخلّف عن كمال ما ينبغي من القيام بامره تعالي في حالٍ من الأحوالِ لايتخلّف شخص عمّا يمكن في حقِّه صَدَقَ عَلَيْهِم اجمعين بانّ كلّ واحدٍ منهم قوّام بامر اللّه تعالي علي اكمل وجهٍ يمكن وقوعه في الامكان بالنّسبة اليه و لايكون ذلك من احدٍ غيرهم كما فصّلنا سابقاً فراجع و المراد من الامر ظاهراً هو المعروف الذي هو الحكم و هو طلب الشارع من المكلّف الفعل مع استحقاق الذّم بتركه و يدخل فيه النهي كما قال تعالي فليحذرِ الّذين يخالفون عن امره اذ لاتختصّ مخالفة الأمر بالتحذير دون مخالفة النهي اجماعاً فانه مطابق لقوله تعالي و ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا فيكون طلب الشارع من المكلّف الفعل او تركه الخ ما ذكره البهاۤئي في زبدته و امّا باطناً فمنه ما ينزل علي وليّ الأمر ليلة القدر و ليلة الجمعة و كلّ يوم و ليلة و كل ساعة مما يتجدّد في الوجود ممّا يظهر من فوّارة القدر باثبات ما لم‌يكن و محو ما كان روي القميّ و العيّاشي عن الصّادق (ع) اذا كان ليلة القدر نزلت الملاۤئكة و الروح و الكتَبَة الي سماۤء الدنيا فكتبوا ما يكون من قضاۤء اللّه تعالي تلك السّنَة فاذا اراد اللّه ان يقدّم شيئاً او يؤخّره او ينقص شيئاً امر الملك ان يمحوَ ما يشاۤء ثم اثبت الّذي اراد و سئل عليه السلام عن قوله تعالي ادخلوا الارض المقدسة الّتي كتبَ اللّه لكم قال كتبها لهم ثم محاها [ص 351] ثم كتبها لأبناۤئِهم فدخلوها و اللّه يمحو ما يشاۤء و يثبت و عنده امّ الكتاب و عنه عن ابيه عليهما السلام قال قال رسول اللّه (ص) انّ المرء لَيَصِلُ رَحِمَهُ و مابقي من عمره الّا ثلاث سنين فيمدّها ( الي خ ) ثلاث و ثلاثين سنة و انّ المرء ليقطع رَحِمَهُ و قد بقي من عمره ثلاث و ثلاثون سنة فينقصها اللّه الي ثلاث سنين او ادني قال و كان الصّادق (ع) يتلو هذه الٰاية و عنه (ع) انّه سُئِل عن قول اللّه عزّ و جلّ يمحو اللّه ما يشاۤء و يثبت و عنده ( ام الكتاب قال ان ذلك الكتاب كتاب يمحو ما يشاء و يثبت خ ) فمن ذلك الذي يردّ الدعاۤءُ القضاۤءَ و ذلك الدعاۤء مكتوب عليه الذي يرد به القضاۤء حتّي اذا صار الي امّ الكتاب لم‌يغن الدعاۤء فيه شيئاً و في المجمع عن النبيّ (ص) هما كتابان كتاب سوي امّ الكتاب يمحو اللّه منه ما يشاۤء و يثبت و امّ الكتاب لايغيّر منه شيء و عن الصّادق (ع) هما امران موقوف و محتوم فما كان من محتوم امضاه و ما كان من موقوف فله فيه المشيّة يقضي فيه ما يشاۤء و في الكافي عن الصّادق (ع) ما من ليلة جمعة الّا و لأولياۤء اللّه فيها سُرور قلت كيف ذلك جعلتُ فداءك قال اذا كان ليلة الجمعة وافي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله العرش و وافي الائمة و وافيتُ معهم فماارجع الا بعلم مستفاد و لولا ذلك لنفد ما عندي و في تفسير علي بن ابراهيم في تفسير قوله تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الا مَن ارتضي من رسول يعني عليّ المرتضي من الرسول (ص) و هو منه قال اللّه فانّه يسلك من بين يديه و من خلفه رصداً قال في قلبه العلم و من خلفه الرصد يعلّمه علمه و يزقّه العلم زقّاً و يعلّمه اللّه اِلْهَاماً و الرصد التعليم من النبي (ص) ليعلم النبي (ص) اَن قد ابلغ رسالاتِ ربّه و احاط عليّ (ع) بما لدي الرسول من العلم و احصي كلّ شيء عدداً ما كان و ما يكون منذ يوم خلق اللّه اٰدم الي ان تقوم السّاعة من فتنَةٍ او زلزلةٍ او خسفٍ او قذفٍ او امّةٍ هلكتْ [ص 352] فيما مضي او تهلك فيما بقي و كم من امامٍ جاۤئرٍ او عادلٍ يعرفه باسمه و نسبه و مَن يموت موتاً او يقتل قتلاً و كم من امامٍ مخذولٍ لايضرّه خذلان مَن خذله و كم من امام منصورٍ لاينفعه نصر مَن نصره ه‍ ، و في الكافي عن ابي‌الحسن الأوّل موسي (ع) قال قال مبلغ عِلْمنا علي ثلاثة وجوه ماضٍ و غابر و حادث فامّا الماضي فمفسّر و امّا الغابر فمزبور و امّا الحادث فَقَذْفٌ في القلوب و نقر في الأسماع و هو افضل علمنا و لا نبيّ بعد نبيّنا (ص) و فيه عن المفضّل بن عمر قال قلتُ لأبي‌الحسن (ع) روينا عن ابي‌عبداللّه (ع) انّه قال علمنا غابرٌ و مزبورٌ و نكْتٌ في القلوب و نقر في الأسماع فقال امّا الغابر فما تقدّم من علمنا و امّا المزبور فما يأتينا و امّا النكْت في القلوب فالهام و امّا النقر في الأسماع فامر الملك ، اقول ما اشارَتْ اليه الاخبار المذكورة و ما في معناها من الأخبار المتكثرة ممّا ينزل عليهم في ليالي القدر و في ليالي الجُمَع و كلّ يوم و ليلة و كل ساعة من علوم الشريعة و الخليقة و الحوادث و الملاحم فانّه من الأمر كما قال تعالي تنزّل الملئكة و الروح فيها باذن ربّهم من كلّ امر يعني تنزّل به علي جدهم (ص) و عليهم و هم القُوّامُ به من اداۤءٍ و تبليغ و اعلم انّ ما اشارَتْ اليه هذه الأخبار من المحتوم و الموقوف ممّا يطول بيانه و لكن ( لمّا خ ) اَحْبَبْتُ اَلّااخلي هذا الشرح في بيان اكثر ما وقفتُ عليه من الأسرار اذا مررت بموضعه الّا ما كان ممّا يحرم اثباته في الدّفاتر و ان وجب اثباته في الضماۤئر فلا بدّ من ذكر شيء علي جهة الاقتصار ليَفْهَم السّرّ من وُفِّقَ له فاقول ان اللّوح المحفوظ له ثلاث صفحاتٍ احديها فيها المحتوم المستحيل تغييره و ثانيتها فيها المحتوم الممكن تغييره و لكنّه سبحانه لايغيّره تفضّلاً منه و عدلاً لما في ذلك من اللّطف في التكليف لئلّايقنط المؤمنون من رحمته و يتهاون الكافرون [ص 353] بسنّته و زاد الفريقَين من لطفه بهم اَلّايتّكِل العاملون بطاعته علي اعمالهم فانّ له ان يغيّر ما شاۤء كما شاۤء و لايقْنَط العاصون من رحمته فانّ له ان يرحمهم ان شاۤء كما شاۤء و لايظلم ربّك احداً و ثالثتها فيها الموقوف في لوحه لوح المحو و الاثبات حتي يستقرّ الشيء فيكتب في الصّفحتين و الواح المحو و الاثبات بما فيها في اللّوح المحفوظ و المحو في ذلك لا في المحفوظ فامّا الأولي الّتي يستحيل تغييرها فهو انّ الشيء اذا كتب محتوماً او موقوفاً فلايمكن الّايكتب و انما يمكن في المحتوم ان يغيّره لكنّه وعد سبحانه الّايغيّره كَرَما منه و صدقاً فان غيّره كان التغيير في لوح المحو و الاثبات فامكان الأُولي في الثانية و وقوعه في الثالثة و اما الثانية المحتوم ما فيها و يمكن تغييره فهو انّ ما حقّتْ عليه الكلمة من ايجادٍ و اعدامٍ و سعادةٍ و شقاوةٍ لايغيّره لصدق قوله و وعده كرماً و عدلاً و لو شاۤء غيّره لعلمه و قدرته علي ما يشاۤء فما تجد في كلامهم (ع) من انّ امّ الكتاب و اللّوح المحفوظ و القضاۤء الذي لايبدَّلُ و لايغيّر فانّ المراد به انّ ماكُتِبَ فقد كُتِبَ و هذا مستحيل اَلّايكتبَ لا اَنّه لايمكن تغييره و لا تبديله بل اذا شاۤء ان يبدّله بدّله كما شاۤء لانّ الممكن لايخرج بوجوده عن الامكان فان قلتَ ان المعلول يستحيل اَلّايوجد عند وجود العلّة التاۤمّة اذا كملت قابليّته بوجود متمّماتها و هذا يدلّ علي خروج الممكن في حالٍ عن الامكان لانّه واجب و هو قسيم الممكن فيجوز ان يكون ما في الصّفحة الثانية من المستحيل تغييره لانّ وَعْدَ اللّه ببقاۤئِه اخرجه عن امكان فناۤئِه قلتُ انّ الشّيء الواجب بالذّات يستحيل تغيّره لأنّ التّغير لاحق متأخّر عن الوجوب الذّاتي و الّا لم‌يكن الذّاتي ذاتيّاً فيجب ان يكون التغيّر محدثاً به و لايجري عليه ما هو اجراه و اما الواجب بالغير فانّه قبل الغير لم‌يكن و بذلك [ص 354] الغير كان و لم‌يكن بذلك الغير الّا بعد تغيّره عن حاله الاوّل فكان التغيّر فيه سابقاً علي وجوبه فيجري عليه علي انّ ذلك الغير يجب ان يكون غير واجبٍ بذاتِه و الّا لم‌يلزم وجوده به اذ لا ربط بينهما و الّا لم‌يتخلّف عنه شيء تعالي اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً و اذا كان ذلك الغير ممكناً كان تأثيره تحت ارادة الواجب بالذّات فلاتؤثّر العلّة التّاۤمّة بكلّ فرض الّا باذن اللّه و لهذا بين ذلك في كتابه قال تعالي الم‌تر الي ربّك كيف مدّ الظل و لو شاۤء لجعله ساكناً يعني و ان حصل موجب التّحريك ثم بيّن ذلك ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً يعني انّ الشمس الّتي تحرّكه علي جهة الايجاب عندكم قد جعلناها دليلاً عليه فانّه لايظهر للحسّ حتّي تطلع و يقع ضوءها علي كثيف فينعكس من خلف ضوءها و لم‌يجعلها موجدة له كما تعرفون و لا انّه يجب وجوده عند وجودها بل قال تعالي و لو شاۤء لجعله ساكناً في كلّ حالٍ و ابين من هذا انّ الاحراق يجب عند وجود النار و قربها و اتّصالها بما يحترق و لمّا اُلقيَ ابراهيم (ع) في النّار لم‌يأذن لها سبحانه في احراقه فكانت عليه برداً و سلاماً و هو فيها قد نبت حوله شجر اخضر و في هذه الحال اذا مرّ عليها الطّاۤئر في الهواۤء يحترق لشدّة حرارتها فكلّ ممكن له ان يغيّره لانّه في حال كونه واجباً بالغير انّما هو شيء به سبحانه لايستغني عن مدده اِذْ به تقوّمه لا بعلّته لأنّه سبحانه قال و من آياته ان تقوم السّماۤءُ و الأرض بأمره لا بأسبابها فوقوع الشيء في الثانية حكمه في الأولي و بقاۤؤه في الثانية و امكان تغيّره في الثالثة و امّا الثالثة الموقوف ما فيها فهو في الواح المحو و الاثبات و تلك الألواح بما فيها في اللّوح المحفوظ كما مرّ فوقوع الموقوف في الصّفحة الأولي و بقاؤه في الصّفحة الثانية و محوه و اثباته وقوعهما في الأُولي و بقاۤؤهما في الثّانية و نفسهما في الثالثة يعني انّ التغيير و التبديل نفسهما في الثّالثة فلاتتحقق الثالثة الّا [ص 355] في الأوّلتين فالأولي يستحيل فيها البداۤء و الثانية يجري فيها البداۤء بتغيير البقاۤء ان شاۤء تعالي و لكنّه اجري فضله علي الاستحقاق و لايخلف الميعاد و لن‌يخلف اللّه وعده و الثالثة محلّ الدّواعي و الموانع و في قعر هذا القدر شمس تضيۤء لاينبغي ان يطّلع عليها الّا الواحد الفرد فمن تطّلع عليها فقد ضاۤدّ اللّه في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن ستره و سرّه و باۤء بغضبٍ من اللّه و ماويٰه جهنّم و بئس المصير .

قال عليه السّلام : العاملون بارادته الفائزون بكرامته .

قال الشارح (ره) العاملون بارادته اي للّه او باللّه و هو اظهر فانّهم كانوا في اعلي مراتب القرب و قد تقدم في مراتب القرب النوافلي انه يسمع باللّه و يبصر به و يبطش به و يمشي به الفائزون بكرامته في الدنيا و الٰاخرة .

اقول يريد بقوله للّه اَنّ معني انّهم عاملون بارادته اي بما يطابق ارادته و محبّته كما هو الظاهر عند عاۤمّة الناس و اراد بقوله او باللّه و هو اظهر يعني انه يحتمل الوجهين و الثاني اظهر اي انّهم عاملون باللّه و انّ المراد منه ما في الحديث القدسي مازال العبد يتقرّب اليّ بالنّوافل حتّي احبّه فاذا احببتُهُ كنتُ سمعَهُ الذي يسمع به و بصرَهُ الذي يبصر به و يده الذي يبطش به الخ ، و معني كون اللّه سمعه و بصره قد اختلف ( العلماء خ ) فيه اختلافاً قيل هو كناية عن شدّة القرب و استيلاۤء سلطان المحبّة علي ظاهر العبد و باطنه حتي غيّبه عن نفسه و عن كلّ الخلق و قيل كنتُ له في سرعة الاجابة كسمعه له في ادراك مسموعاته الخ ، و قيل هو ان يشغله بامتثال اوامره و نواهيه حتّي يكون بمنزلة مَن لايسمع الّا ما اُمِرَ ( اومر خ‌ل ) بسماعه و لايري الّا ما امر برؤيته الخ ، و قيل غير ذلك و الذي افهم انه يحتمل وجهين احدهما ما ذكره الشارح اوّلاً [ص 356] و هو جعله غير الأظهر و الثاني انّهم (ع) كانوا محلّ مشيّة اللّه و الْسنَة ارادته كما دلّت عليه احاديثهم فليس لهم مشية لأنفسهم و لا ارادة لأنّهم اماتوا انفسهم و تَرَكُوا ملاحظتها و اعتبارها و انما مشيّتهم مشيّة اللّه و ارادتهم ارادة اللّه فاذا فعلوا فانّ اللّه هو الفاعل بهم ما شاۤء قال تعالي و مارميتَ اِذْ رَميتَ و لكنّ اللّه رمي و كما قال عليّ عليه السلام في شأن الملاۤئكة و القي في هويّتها مثالَهُ فاظهر عنها افعاله و الملاۤئكة مثلٌ لهم فهم يتكلّم اللّه بهم و يفعل بهم ما يشاۤءُ فعلي الظاهر يعملون بما يحبّ و يريد لايصدر منهم ما يخالف ما يريد منهم و علي الحقيقة ليس لهم ارادة و انّما الارادة ارادته او انهم يصدرون عن ارادته و ارادتهم تابعة لارادته بل مضمحلةٌ في ارادته و ذلك انّهم لمّا ارادوا السَّفَر اليه اعلمهم علي لسان نبيّهم صلي اللّه عليه و آله او نكت في قلوبهم انّ النجائب الميتَةِ لاتحملكم اليَّ و انّما تحملكم اليّ النجائب الحيّة و نجائبكم الّتي تحملكم الي بلدٍ من مدائن الزلفي اليَّ لم‌تكونوا بالغيه الّا بشقِّ الأنفس هي نفوسكم و القوها اي اميتوها فانّها تحيي و تحملكم الي كمال القرب منّي فالقوها فاذا هي حيّة تسعي لأنّ حياتها من فيضه و لاتقبل فيضه الّا اذا حييتْ و لاتحيي الّا بموتها في طاعته و قتلها في سبيله فلمّا اماتوها و قتلوها لانّ كلّ مؤمن له ميتة و قتلة لم‌تكن لها ارادة فحييتْ بارادة ربّها و مشيّته فهم عاملون بارادته فلهم حالتانِ حالةٌ علي المعني الأوّل و حالة علي المعني الثّاني فاذا عرفت هذا فاعلم انّ عملهم بارادته جارٍ لهم في جميع الوجودات و شرعيّاتها و الشرعيّات و وجوداتها من خلقٍ و رزقٍ و موتٍ و حيوةٍ لايكون شيء الّا عنهم و لكنّهم ليسوا شيئاً في كلّ شيء و علي كلّ حالٍ الّا باللّه و ما هم (ع) في فعله الّا كصورةٍ في مرءاۤةٍ بالنّسبة الي شاخِصِها و تحسبهم ايقاظاً و هم رُقود و نقلّبهم ذات اليمين و ذات الشمال [ص 357] و لاحظ هذا الحرف في كلّ شيء تسمعه منّا لانريده الّا علي هذا المعني . و امّا انّهم الفاۤئزون بكرامته فلأنّ اللّه اكرمهم بما لم‌يكرم به خلقاً من خلقه لحقيقة ما هم اهله ففازوا بما لم‌يفز به احد من الخلق و ظفروا بما طلبوا من الكرامة لديه علي نحو ما اشرنا اليه عند ذكر قوله (ع) المكرّمون فلاحِظ هنا .

قال عليه السّلام : اصطفيٰكم بعلمه و ارتضيكم لغيبه .

قال الشارح (ره) اصطفاكم بعلمه اي عالماً بانّكم اهل الاصطفاۤء او بسبب ان يجعلكم مخزن العلوم و يؤيّده ما في بعض النّسخ من اللّام و ارتضاكم لغيبه قال اللّه تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الّا مَن ارتضي من رسولٍ و ورد في الأخبار الكثيرة انّ رسول اللّه (ص) ممّن ارتضاه لغيبه و كلّ علمٍ كان لرسولِ اللّه (ص) فانّه وصل الينا مع انّه يمكن التّعميم في الرسول بحيث يشملهم كما يظهر من اخبارٍ اُخَر و اِخْبارهم بالمغيبات اظهر من الشمس و يمكن ان يكون المراد بالغيب الأسرار الالهيّة او الاعمّ فحينئذٍ يكون قوله و اختاركم لسرّه للتّأكيد او التّخصيص بعد التّعميم ه‍ .

اقول الظاهر انّ المعني في اصطفاكم بعلمه انّ الباۤء هي الّتي تستعمل للاستعانة في مثل هذا الكلام و انّ المراد انّه اطّلع علي جميع خلقه علي معني ما تقدّم في بيان قوله المصطفون و هو بكلّ شيءٍ عليم فاحاط بكلّ شيء علماً فاختار منهم الصّفوة بعد تمييزهم ( تميزهم خ‌ل ) فقد اصطفي محمّداً و آله صلّي اللّه عليهم اجمعين عن علم منه بهم حيث انفردوا عن التماثل و التشاكل يجمع ذلك كلّه قولنا اصطفاهم بحقيقة ما هم اهله و علي نسخة اللّام انه اختارهم حملةً لعلمه ليؤدوا عنه احكامه الي خلقه او حفظةً لعلمه لأنّ غيرهم لايقدرون علي حفظه و المراد من [ص 358] العلم ما تضمّنه فعلُه و مشيّتُه لأنّ ( ما خ ) لايدخل تحت المشيّة لايحيطون به فلم‌يصطفهم له قال تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الّا بما شاۤء ( وسع كرسيه السماوات خ ) و هنا خفية قد اشرنا اليها ( اليه خ‌ل ) سابقاً تخفي هنا فننبّه عليها و ان لزم التكرير توفيةً للبيان و هي انّ علمه الذّاتي هو ذاته فلايتبادر ذكره هنا و ( لايراد و خ ) ما سواه سبحانه فكلّه قد دخل تحت المشيّة في الامكان او في الأكوان و المراد هنا الثاني و كذا في الٰاية الشريفة و امّا الأوّل فقد يدخل في الاكوان فيما لايزال و قد لايدخل و ذلك لأنّ الممكنات و ان كانت يطلق عليها الامكان لذاته عندهم في تقسيمهم كالمتكلّمين و المشاۤئين حيث قالوا انّ المعقولات خمسةٌ واجبٌ لذاته و هو اللّه سبحانه و واجبٌ لغيره و هو المعلول عند وجود علّته التّاۤمّة و ممتنع الوجود لذاته و هو شريك الباري و ممتنع الوجود لغيره و هو المعلول عند عدم علّته و ممكن الوجود لذاته و لم‌يقولوا ممكن الوجود لغيره لأنّهم لو قالوا ذلك لكان يلزمهم عندهم علي ما يفهمون انّه لو كان ممكناً ( لغيره خ ) لكان قبل فعل ذلك الغير امّا واجباً فجعله الغير ممكناً و امّا ممتنعاً فجعله ذلك ( الغير خ ) ممكناً فلايكون الواجب واجباً و الممتنع ممتنعاً فلايطلقون علي الممكنات الّا الامكان الذّاتي لئلّايلزمهم امكان الواجب و الممتنع و لكن يلزمهم مثله ايضاً و هو انّه اذا كان الممكن ممكناً لذاته لايخلو امّا ان يكون قبل ايجاده شيئاً او ليس بشيءٍ فان كان قبل ايجاده شيئاً فهو قديمٌ و لايمكن ايجاده لأنّه بالايجاد يتغيّر و القديمُ لايتغيّر و ان لم‌يكن شيئاً فهو بايجاده ممكن الوجود لغيره اذ ليس له ذكر قبل الايجاد في جميع مراتب الوجود فيجب ان يقال ان التقسيم الحقّ انّ ما يطلق عليه الشيئيّة مطلقاً اي بالذات و بالغير شيئان واجب لذاته و هو اللّه تعالي و ممكن لغيره و هو ما سواه و امّا الواجب بغيره و الممتنع لغيره فهما من اقسام الممكن و قد ذكرناه مراراً فراجعه و امّا [ص 359] ما يسمّونه بممتنع الوجود لذاته فليس شيئاً اصلاً فلايدخل في التقسيم و الّا لكان اذا كان عندك خمسة دراهم لا غير لايصحّ ان تقول انّ الّذي عندي خمسة لانّ الذي عندك لايتناهي لكنّه ليس بموجود عندك الّا خمسة و هذا مضحكة في القول و الاعتقاد و ان كان شيئاً فهو من اقسام الممكن و لو كان الممكن ممكناً لذاته لماكان شيئاً باللّه بل هو شيءٌ بذاته فان قلتَ انّه شيء بالله حين وجد قلتُ و قبل وجوده ان كان شيئاً باللّه لزم ما قلنا من انّه ممكن بغيره و ان كان شيئاً بنفسه فهو قديم كما قلنا سابقاً و ان لم‌يكن شيئاً اصلاً فذلك ما قلنا لكنّا نقول انّه ليس بشيء اصلاً فامكنه في الامكان الراجح فهو ممكن بغيره امكاناً راجحاً ثم كساه حلّة الوجود و هي في قبضته تعالي فابقاؤها عليه و سلبها عنه متساويان و هذا الامكان المتساوي الذي نسمّيه الجائز فأن سَلبَها عنه لم‌يخرج عن الامكان الراجح فما في الامكان الراجح لم‌يحيطوا به و ما شاۤء وجوده دخل في الامكان الجائز و هم يحيطون به فاذا قال و لايحيطون بشيء من علمه يراد به العلم الممكن الراجح ( الوجود خ ) و قوله الّا بما شاۤء يراد به ما اوجده فانّه يدخل في الجائز و بيان دليله من الحكمة انّ اللّه سبحانه امر نبيّه (ص) ان يسأله زيادة العلم فقال و قل ربّ زدني علماً و لا ريب انه لايسئله الّا ما ليس عنده و ذلك الذي ليس عنده (ص) ليس هو العلم الحقّ الواجب الذي هو ذاته تعالي بل هو ممكن و ليس مشاۤء ايضاً لانّ المشاۤء يحيطون به و ايضاً هم (ع) ابداً محتاجون الي مدده ( مدد خ‌ل ) في علومهم و في بقاۤئهم فلايستغنون عن المدد و هو دايماً يمدهم بما لا نهاية له و لايمدّهم بما عندهم بل يمدهم بما ليس عندهم و الحاصل انّه جلّ و علا اصطفاهم لما شاۤء من علمه و هو ظاهر ان شاۤء اللّه تعالي هذا علي نسخة لعلمه باللّام و اما علي نسخة بعلمه بالباۤء هنا فيجوز ان يكون ( المراد خ ) [ص 360] بالعلم الذي في الراجح و الذي في الجاۤئز و امّا الذي هو هو تعالي فليس في ذاته اصطفاۤءٌ "٢" و لا مصطفيً لأنّ هذا "٢" مقام في الخلق و هو معني فِعليٌّ و امّا الذّات البحت الواجب فانما هو هو لا غير و يأتي بيان بعض ما وصل اليهم في بيان قوله و ارتضاكم لغيبه ، فاقول انّ الارتضاۤء اختيار خاۤصّ يعني انّ الشيء قد يكون مختاراً لأمرٍ و ان لم‌يرتض لذاته و لايكون مرتضيً الّا مختاراً فهو بمعني الاصطفاۤء و بمعني الاختيار و في هذه الفقرة الشريفة اشارة الي قوله تعالي عالم الغيبِ فلايظهر علي غيبه احداً الّا من ارتضي من رسول الٰاية ، فعلي ظاهر التفسير انّ مِن بيانيّة و يكون المعني انّ اللّه سبحانه يرتضي من رسله من يشاۤء لِتَحمُّلِ ما يشاۤء من غيبه بان رٰاه اهلاً لذلك و مارٰاه الّا لحقيقة ما هو اهله و لايكون كذلك الّا لمحبّة اللّه له و كان محمّد رسول اللّه (ص) اولي بهذا المقام من جميع الخلق و لذا استعظم اللّه ما هو عليه في ذاته فقال تعالي و انّك لعلي خلق عظيم فلمّا ارتضاه لعبوديّته لصدقه و ارتضاه لرسالته لصدق عبوديّته ارتضاه لتحمّل ما يشاۤء من غيبه و ما علّمه اللّه فقد علّمه عليّاً و الطّيّبين من ذرّيّته صلي اللّه عليه و عليهم و علي التّأويل انّ المرتضي من الرّسول هو عليّ عليه السلام و كذلك في قوله تعالي و ماكان اللّه ليطلعكم علي الغيب و لكنّ اللّه يجتبي من رسله مَن يشاۤء و المجتبي من الرّسول هو عليّ (ع) و في الخراۤئج و الجرائح عن الرضا (ع) قال فرسول اللّه عند اللّه مرتضي و نحن ورثة ذلك الرسول الذي اطّلعه علي ما يشاۤء من غيبه فعلّمنا ما كان و ما يكون الي يوم القيٰمة و في الكافي عن الباقر (ع) قال و كان محمّد ممّن ارتضاه ، اقول علي التفسيرين دلّت الٰايتان و الرّوايات علي انّهم ممّن ارتضاهم لغيبه و لا شكّ في هذا عند من عرف الّا انّ هذا يحتاج الي بيان و قد اشرنا في خلال هذا الشرح في مواضع كثيرة [ص 361] الي ذلك فيما سبق و نذكر هنا منه ما يسنح بالخاطر الحاضر كما هي عادتنا فيما نكتبه لأجل البيان و ان لزم منه التكرار و التّطويل فاقول اوّلاً تعلم انّ ما ذكره العلماء رضوان اللّه عليهم من انهم لايعلمون الغيب لاينافي ما نذكره و ان اختلفت المقاصد لأنّهم لاينكرون انهم (ع) اخبروا باشياۤء كثيرة من الغيب الّا انّهم يقولون كان ذلك من الوحي الذي نزل علي محمّد (ص) في خصوص اشياۤء و قد علّمهم ذلك عن امرٍ من اللّه تعالي و نحن نقول بموجب ذلك و انّ ما كان عندهم فانّما هو وراثة عن جدهم رسول اللّه (ص) كما روي عنهم (ع) و لانّ عندهم علم القرءان كلّه و فيه تبيان كلّ شيء و تفصيل كلّ شيء الّا انّه مستور عن الاغيار و قد كشف سبحانه لمحمّد و آله الاطهار عليهم السّلام جميع الاستار و ما اخبروا به من ذلك المستور عن غيرهم و ايضاً عندهم الاسم الاكبر و به يعلمون ما شاۤؤا كما ذكروا في احاديثهم ثم اعلم انّهم علي كلّ تقدير لايعلمون من ذلك كلّه الّا بتعليم اللّه سبحانه في كلّ جزئي جزئيّ فاذا قيل لايعلمون الغيب بمعني من ذاتهم فهو حقّ و اذا قيل علّمهم رسول اللّه (ص) عن اللّه كثيراً من الغيب فهو حقّ و اذا قيل علّمهم اللّه فهو حق و اذا قيل علمهم الاسم الأكبر و اقدرهم به علي ما يشاؤن من العلوم الّتي لايطّلع عليها غيرهم فهو حقّ و اذا قيل قد سخّر لهم الملاۤئكة و الجاۤنّ تخدمهم في كلّ ما شاۤؤا و تحمل اليهم علوم ما غاب عنهم و ما لم‌يكن مشاهداً فهو حقّ و اذا قيل قد كتب لهم في القرءان و في مصحف فاطمة و في الجامعة و في الجفر و في الغابر و في المزبور بل في جميع افراد الأشياۤء و في العالم و في الأنفس ما شاۤء من علمه فهو حقّ و كلّ هذه وردت بها اخبارهم و دلّت عليها ادلّة العقول المنيرة و هذه العلوم الغاۤئبة هي و امثالها هي المعنيّة بقوله الا بما شاۤء و الّا من ارتضي من رسول و لكنّ اللّه يجتبي من رسله مَن يشاۤء ، [ص 362] و بقوله (ع) ارتضاكم لغيبه و قد تقدّم في مواضع متعددةٍ و قول اللّه سبحانه فانّه يسلك من بين يديه و من خلفه رصداً اي يجعل اللّه تعالي لوليّه المرتضي مؤيداتٍ من الملاۤئكة و من امداداته و من ذكره تحفظ عليه ما اطّلعه عليه من الغيب له معقّبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر اللّه و تلك الحفظة من المَلَكِ المحدّث و يحرسونه من اختطاف الشياطين المسترقين للسّمع و المقيّضين لِاِنْساۤءِ ما تذكره الذّاكرات و لمحو ما نقش في الواح النّفوس ليعلم اللّه ان قد ابلغ النبيّ (ص) عليّاً و الطّيبين من ذرّيّته ما علّمه من غيبه و ان قد ابلغوا شيعتهم و ما اُمِروا بابلاغه من العلوم و الأحكام الوجوديّة و الشرعيّة او ليعلم الرسول انّهم قد ابلغوا عنه و قوله تعالي و احاط بما لديهم و احصي كلّ شيء عدداً فيه تنبيه و تصريح انّ ما اظهرهم عليه من غيبه في يده و في تصريفه لم‌يخرج عن ملكه و يصدق عليه حقيقة انّه لايعلمه غيره كما قال تعالي قل لايعلم من في السموات و الأرض الغيب الّا اللّه و انّه لايعلمه احد الّا باذنه بل كونهم عالمين به حين علّمهم ايّاه قاۤئم به قيام صدور هو المالك لما ملّكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه . ثم اعلم انّ المراد بالغيب ما غاب عن الحسّ فاذا قيل غيب اللّه يراد به ما غاب عن بعض خلقه او عن كلِّهم لانّ اللّه سبحانه لم‌يغب عنه غائبة فلايكون عنده غيب و امّا خلقه فلهم غيبٌ و شهادة و قد يكون غيب في مكان عند بعضٍ شهادة عند بعض آخر و قد يكون غيب عند الكلّ فالاوّل هو المراد هنا فالغيب الذي ارتضاهم له انما هو غيب عند غيرهم و امّا عندهم فشهادة فعلمهم به علم احاطةٍ و عيانٍ لا علم اخبارٍ و ان كان علم الاخبار ايضاً يصْدق عليه الشهادة عند العالم به و ان كان غيباً عند من لايعلمه و الثاني الغيب الذي هو عند كلّ الخلق هو ما دخل في الامكان و احاطت به المشيّة الّا انّه لم‌تتعلّق [ص 363] به تعلّقَ التّكوين و هذا لايتناهي و لاينفد ابد الٰابدين و ذلك هو خزاۤئنه الّتي لاتفني و لايتصوّر فيها نقص بكَثْرة الانفاق فهو عزّ و جلّ ينفق منها كيف يشاۤء فالذي ينفق منه في اوقات الانفاق و امكنتها ينزل من الغيب الي البيوت الّتي ارتضاهم لغيبه و ينزل من ابوابها ما يشاۤء و ذلك المخزون منه محتوم و منه موقوف فالمحتوم منه ما لايمكن تغييره و هو كونُ ما كانَ فانّه لايمكن بعد ان كان اَلّايكون و قد تقدم ذكره من قريبٍ و منه ما يمكن تغييره و لكنّه وَعَدَ اَلّايُغيره و هو لايخلف الميعاد قال تعالي في محتوم الخير فلا كفران لسعيه و انّا له كاتبون و في محتوم الشّرّ و لكن حقّ القول مني لأملئنّ جهنّم من الجنّة و الناس اجمعين و هذا المحتوم لو شاۤء غيّره و محاه و الموقوف مشروط فيكون كذا ان حصلَ كذا و ان لم‌يحصل كذا كان كذا و كذا و الشرط هو السَبَبُ و امّا المانع فقد يكون في الغيب و الشهادة و قد يكون في الغيب و لايكون في الشهادة لانّه اذا وُجد في الشهادة وجد في الغيب و لايلزم العكس فاذا وُجد المقتضي فان وُجد المانع منه فان اعتدلا فهو الموقوف كما ذكر و ان رُجّح احدهما فالحكم له فاذا وُجد المقتضي و فُقِد المانع فان فُقِد في الغيب و الشهادة حتم وجوده فان تمّت قوابلُه وجد و وصل اليهم علمه لانّه ممّا شاۤء و ان انتظرت جاز في الحكمة الاخبار به فيخبر به علي جهة الحتم و لا بدّ ان يكون الّا انّه قبل كونه في الصّفحة الثانية من اللّوح و هذا عندهم (ع) و منه ما كان و منه ما يكون و الي هذا القسم اشاروا في اخبارهم انّ عندنا ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و ان فقد المانع في الغيب خاۤصّة جاز في الحكمة الاخبارُ به فيخبر به من غير حتم و هذا قد يكون و قد لايكون و الفائدة في الاخبار به مع انّه سبحانه لايكذِّب نفسه و لايكذِّب انبياۤءه و رسله و حججه هي اظهار التّوحُّد بالخلق و الأمر و الاستقلال بالملك و ارشاد الخلق الي [ص 364] اعتقاد البداۤء لانّ ماعُبِد اللّه بشيءٍ افضل من البداۤء اي اثبات البداۤء للّه تعالي و هذا يجوز للحجج الاخبار به لا علي سبيل الحتم بل عليهم ان يعرّفوا مَن لايعرف انّ اللّه يفعل ما يشاۤء و انّه يمحو ما يشاۤء و يثبت و عنده امّ الكتاب و لهذا قالوا عليهم السلام ما معناه اذا اخبرناكم بامر فكان كما قلنا فقولوا صدق اللّه و رسوله و ان كان بخلاف ذلك فقولوا صدق اللّه و رسوله تُوجَروا مرتين ، و ليس عليهم ان يُعرّفوا من لايعرف هذا في خصوص الواقعة لان ذلك يوجب الشك في تصديقهم عند اكثر الناس و قد يلزمهم عليهم السلام من ذلك التقوّل علي اللّه لأنّه سبحانه لم‌يأمر بذلك في كلّ واقعةٍ و ان كان قد يأمر بذلك كما في وَعْدِ موسي (ع) بين ثلاثين و اربعين في معرض التقرير و الهداية و البيان و قد يلزم من البيان خلاف المقصود مِن الاِخبار و هذا القسم قد يكون يوجد مانعه في الشهادة كالصّدقة في دفع البلاء المبرم يعني الذي ابرم في الغيب لعدم المانع هناك و الدّعاۤء في ردّ البلاۤء و قد اُبرِمَ اِبْرَاماً كذلك و كبعض الافعال بل كلّ الطّاعات و تفصيل ذلك يطول .

قال عليه السلام : و اختاركم لسرّه و اجتباكم بقدرته .

قال الشارح (ره) و اختاركم لسرّه للتأكيد او التخصيص بعد التّعميم و اجتباكم بقدرته اشارة الي علوّ رتبة اجتبائِهم بانه لايمكن الّا من قدرة اللّه و ان كان الكلّ من قدرته او لاظهار قدرته .

اقول في مجمع البحرين و السّرّ الذي يكتم و منه هذا من سرّ آل‌محمّد (ص) اي من مكتوم آل‌محمّد الذي لايظهر لكلّ احدٍ قال بعض شرّاح الحديث اعلم انّ سرّ آل‌محمد صعب مستصعب فمنه ما يعلمه الملاۤئكة و النبيّون و هو ما وصل اليهم بالوحي و منه ما يعلمه هم و لم‌يجر علي لسان مخلوق غيرهم و هو ما وصل اليهم بغير واسطة و هو [ص 365] السّرّ الذي ظهرت به اۤثار الرّبوبية عنهم فارتاب لذلك المبطلون و فاز العارفون فكفر به فيهم من انكر و فرّط و من غلا فيهم و افرط و فاز مَن ابصر و اتّبع النّمط الأوسط ه‍ ، و المراد بالسّرّ الذي يُعلم هو انهم (ع) حجج اللّه علي جميع خلقه من الانس و الجن و الملاۤئكة و ساۤئر الحيوانات بل و النباتات و المعادن و سائر الجمادات بمعني اَنَّ اللّهَ احتجّ بهم علي خلقه فيما ( فما خ‌ل ) يريد منهم ممّا كلّفهم به من احكام التّشريعات و الوجودات و تسبيح الأسباب بافعالها و المسبّبات بانفعالاتها و الرّياح بهفيفها و المياه بجريانها و المطر بودقه و البرق بلمعانه و الرعد بزجلِه و لقد روي المفيد (ره) في الاختصاص باسناده الي سماعة قال كنت عند ابي‌عبداللّه (ع) فارعدتِ السماۤء و ابرقت فقال ابوعبداللّه (ع) اَمٰا انّه ما كان من هذا الرعد و من هذا البرق ( فانه خ ) من امرِ صاحِبِكُم قلتُ مَن صاحبُنا قال اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه ه‍ ، و امثال ذلك و كانَ ممّا اوحي الي حججه من الأنبياۤء و المرسلين و اوصياۤئهم المستحفظين و من الملاۤئكة المقرّبين و علّم كثيراً من شيعتهم كثيراً من ذلك انّ محمّداً و آله صلي اللّه عليهم اجمعين قد جعلهم حججه علي جميع خلقه علي نحو ما اشرنا اليه هنا و سابقاً في اثناۤءِ ما تقدّم و جعلهم ابوابه الي الخلق و ابواب الخلق اليه في جميع احوال مراتب الخلق و الرزق و الممات و الحيوة و هو سرّ اللّه عند مَن اطْلَعَهُ عليه قد اخذ عليهم العهد ان يكتموه عن غير اهله و مَن كانَ من اهله ان يلقوا اليه علي قدر ما يعرفون من احتماله و هذا القسم هو الذي اشاروا (ع) اليه بقولهم انّ حديثنا صعبٌ مستصعبٌ كما في البصاۤئر و في حديث ابي‌الطفيل الي ان قال عليٌ (ع) انّ امرنا صعبٌ مستصعبٌ لايعرفه و لايقرّ بِه الّا ثلاثةٌ ملكٌ مقرّبٌ او نبيٌّ مرسلٌ او مؤمنٌ نجيبٌ امتحنَ اللّه قلبه للايمان و عنه (ع) انّ حديثَنا صعبٌ مستصعبٌ [ص 366] خشن مخشوش فانبذوا الي الناس نبذا فمن عرف فزيدوه و من انكر فامسكوا لايحتمله الّا ثلاثة ملك مقرب او نبيّ مرسل او عبد مؤمن امتحنَ اللّه قلبه للايمان ، و امثال ذلك ممّا دلّوا عليه في احاديثهم و هذا القسم لايُعلّمه اللّه تعالي احداً من خلقه الّا اذا علم صدقَه في ولايتهم (ع) و علي قدر معرفته في ولايتهم يعلّمه اللّه و ممّا يدلّ علي ذلك كثير منه ما رواه المفيد (ره) في الاختصاص باسناده الي المفضّل بن عمر عن الصّادق (ع) انه قال لمفضّل بن عمر انّ اللّه تبارك و تعالي توحّد بملكه فعرّف عباده نفسه ثم فوّض اليهم امره و اباح لهم جنّته فمن اراد اللّه ان يطهّر قلبه من الجنّ و الأنس عرّفه ولايتَنَا و مَن اراد ان يطمس علي قلبه امسك عنه معرفتَنَا ثم قال يا مفضّل واللّهِ مااستوجب اٰدم ان يخلقه اللّه بيده و ينفخ فيه من روحه الّا بولاية عليّ (ع) و ماكلّم اللّه موسي تكليماً الّا بولاية علي (ع) و لااقام اللّه عيسي بن مريم آية الّا بالخضوع لعليّ (ع) ثم قال (ع) اُجمِلُ الأمر مااستأهل خلق من خلق اللّه النظر اليه الّا بالعبوديّة لنا ه‍ ، و هذا القسم علي قسمين قسم يعلمونه الأنبياۤء و المرسلون و الأوصياۤء و الملائكة عليهم اجمعين السّلام و شيعتهم و يحتملونه بتعليم آل‌محمّد (ص) لهم بالاقبال عليهم علي جهة الانبساط و العموم فتستضيۤء بذلك قلوبهم فيعلمون من الاسرار ما جرت به ( بهم خ‌ل ) لهم الأقدار فهم كالشمس تشرق علي الأرض و ينبسط ضوءها و تستنير البقاع علي قدر قوابلها و قسم لايعلمه احد منهم الّا باقبالٍ خاۤصّ و تعليمٍ خاۤصّ غير ما هو بالاشراق و الانبساط الاَوَّلي او غير ما هو عن الوجود التّشريعي بل بعنايةٍ سبقت و خاتمةٍ لحقت و ذلك مثل اطّلاع شخص منهم علي معرفة المنزلة بين المنزلتين في القدر فان ذلك ممّا نصّوا (ع) عليه بانّه لايعلمها الّا العالم او مَن علّمها ايّاه العالم و لقد رأيتُ في ايّام اقبالي و توجّهي رؤياً عجيبةً ملخّصها اني رأيتُ في المنام [ص 367] كأني في صحراۤء واسعة مدّ البصر و فيها ضياۤءٌ شديد اشدّ من نور الشمس بحيث لايكاد البصر يدرك شيئاً لشدّة النور و سمعتُ صوتاً اُخاطَبُ به ينبعث اليّ من كلّ جهة من الجهات السّتّ بلسانٍ واحدٍ و اَحِسُّ انّ كلّي سامع لاتختصّ الاذن بسماعه و لم‌افهمه حال انبعاثه لاستدارة كلّ حرفٍ منه عليّ كالكرة و اَنَا له كالقطب فلما انقطع فهمتُ معناه و استعظمته علي نفسي لانّي فيما اعرف من نفسي لستُ اهلاً لذلك ثم رأيتُ المتكلّم شخصاً نورانيّاً قائماً في الهواۤءِ ارتفاع مكانه تقريباً من ثلاثين قامةً و لشدّة صفاۤئه كاد يخفي عن بصري و هو رامق اليّ بطرفه و كتمتُ امري مدّة قدر ستة اشهر لم‌اتكلّم به ثمّ رأيتُ ليلةً النبيّ (ص) و سألتُه عن المتكلّم فقال ذلك انا فقلتُ يا سيّدي انا اعلم بنفسي و انت تعلم بي انّي لااستحقّ ذلك الخطاب بذلك المعني و لست اهلاً له فأي ( فبأي خ‌ل ) شيء استحققتُ به ذلك فقال بغير سببٍ و انما امرتُ ان اقول هكذا قلتُ امرتَ ان تقول هكذا في شأني قال نعم و اُمِرتُ ان اقولَ انّ فلاناً من اهل الجنّة و كان المشار اليه شيعيّاً الّا انّه جاهل لا معرفة له قال و اُمِرتُ انّ اقول انّ عبدَاللّهِ الغُوَيدِري يكون من اهل الجنّة و كان ذلك الرجل من اهل السّنّة و هو عشّار و حاكم علي محلّة و لم‌يظهر لاحدٍ منه شيء من الخير قطّ الّا انّ في تلك المحلّة جماعة من السّادة الاعزّاۤء و كان يعظّمهم و يوقّرهم كثيراً و يخدمهم و يسمع كلامهم و يصدِّق قولهم فقلتُ يا سيّدي عبداللّه الغُويدِري يكون من اهل الجنة فقال (ص) لاتغترّ في انّ ظاهره خبيثٌ فانه يرجع الينا و لو عند خروج روحه فكان من القدر طاۤئفة من الشيعة من اهل القطيف اقتتلوا مع طاۤئفة من غير الشّيعة من البوادي فخرج هذا الرجل مع اناس من اهل محلّته ممّن هو حاكم عليهم لنصرة الذين من اهل القطيف و قُتِل و اخبَرتُ بهذا الكلام اناساً فقال رجل من الشّيعة قد كان بينه و بين عبداللّه المذكور [ص 368] صداقة و اختصاص انّ عبداللّه الغُوَيدِري شيعيّ قلنا معاذ اللّه قال اي واللّهِ لايعلم بتشيّعه الا اللّه و انا ، اثبتّ الرؤيا ملخّصة فتدبر هذا المعني حيث قال لي (ص) اني قلتُ ذلك بلا سببٍ و انما امرتُ ان اقول هكذا فلمّا تعجّبتُ كيف يكون بلا سببٍ اخبرني بامر الرجلين و هذا معني ما اشرتُ اليه من انّ بعض الأسرار يعلّمونها من شاؤا تعليماً خاصّاً و يؤيّد هذا المعني ما رواه في البصاۤئر عن الصّادق (ع) انّه قال ان حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكيّ وعرٌ لايحتمله ملك مقرب و لا نبيّ مرسل و لا مؤمن ممتحن قيل فمن يحتمله قال من شئنا و في رواية نحن نحتمله . اقول علي الرواية الاولي يكون صريحاً انّ من اسرارهم ما لايحتمله الملاۤئكة المقربون و لا الأنبياء المرسلون و لا المؤمنون الممتحنون فيحتمل انّ قوله عليه السلام مَن شئنا يراد به من شئنا من هؤلاۤءِ المذكورين اذ ليس غيرهم الّا مَن هو دونهم و ذلك لايحتمل الّا بالطريق الأولي او مَن هو فوقهم و ليس الّا هم عليهم السلام اي من شئنا يعني انفسنا الّا انه خلاف الظاهر و الرواية الثانية صريحة في حقّهم و هي غير هذه فتكون هذه في حق غيرهم ممّن شاۤؤا تعليمهم و يؤيّد هذا ما تقدّم في معرفة المنزلة بين المنزلتين في القدر المرويّة عن علي بن الحسين عليهما السلام و الدليل العقلي يشهد لهذا التّقسيم لانّ خصوص مشيّتهم مكمّلة لما نقص من قابليّة من ارادوا تعليمه و امّا السّرّ الذي لايعلمه الّا هم فهو ما كان من معرفة حقيقة مقامات اللّه الّتي لا تعطيل لها في كلّ مكان و حقيقةِ معانيه سبحانه و ظاهرِهِ جلّ و علا و وجهِهٖ و بابِهٖ و جنابِهٖ و حكمِهِ الذي اليه يصير كلّ شيء و امرِه الذي قام به كلّ شيء و كلمتِهِ الّتي انزجر لها العمق الاكبر و هو قولهم (ع) في الرواية المتقدّمة المشار اليها بقولنا و في رواية نحن نحتمله ، فانّ سرّهم هذا لو احتمله احد [ص 369] غيرهم لكان اعلم منهم لما روي انّ اباجعفر (ع) قال انّ حديثنا صعب مستصعب ذكوان اجرد لايحتمله ملك مقرب و لا نبيّ مرسل و لا عبد امتحن اللّه قلبه للايمان امّا الصعب فهو الذي لم‌يركب بعد و امّا المستصعب فهو الذي يُهرب منه اذا رُأي و امّا الذكوان فهو ذكاۤء المؤمنين و امّا الأجرد فهو الذي لايتعلّق به شيء من بين يديه و لا من خلفه و هو قول اللّه تعالي اللّه نزّل احسن الحديث فاحسنُ الحديث حديثنا لايحتمل احد من الخلاۤئق امره بكماله حتي يحدّه لانّ مَن حدّ شيئاً فهو اكبر منه و ذكر في البصاۤئر انّه وجد في بعض الكتب و لم‌يروه بخط آدم بن عليّ بن اۤدم قال عمير الكوفي معني حديثنا صعب مستصعب لايحتمله ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل فهو ما رويتم انّ اللّه تبارك و تعالي لايوصف و رسوله لايوصف و المؤمن لايوصف فمن احتمل حديثهم فقد حدّهم و من حدّهم فقد وصفهم و مَن وصفهم بكمالهم فقد احاط بهم و هو اعلم منهم و قال نقطع الحديث عمّن دونه فنكتفي به لانّه قال صعب فقد صعُب علي كلّ احد منهم حيث قال صعب فالصّعب لايركب و لايحمل عليه لانّه اذا ركب و حمل عليه فليس بصعب ه‍ ، فان قلتَ اذا كانَ ذلك السّرّ المشار اليه معرفة المقامات و المعاني و الظاهر و الوجه فكيف قلتَ لايعلمه غيرهم و انت تخبر عنها و الاخبار عنها دليل علي العلم بها فلايكون مختصّاً بهم اذ لايمكن ان يسمّي الشخص شيئاً باسمه و يعدّه و يعرف انّه قبل كذا و بعد كذا و هو لايعلمه الّا ان يقال انّ غيرهم يعرفها مجملة و هم يعرفونها مفصلة و علي هذا ينبغي ان يقال انها يعرفها غيرهم من وجه و هم يعرفونها من وجه و مع هذا لايصدق انه لايعرفها غيرهم قلتُ بيان جواب هذا طويل الذيل لتوقّفه علي تقديم مقدمات و معرفة [ص 370] مسائل كثيرة الّا اني اجمله في الاشارة فاقول انّ تلك الأشياۤء المشار اليها لاتخرج عنهم الي غيرهم و الشيء لايعرف الشيء حتّي يصل اليه و امّا ما سمعتَ من ذكرها فانما نَصِفُ آثارها مجملةً و تلك الٰاثار هي صورها في نفوس من عرف ذلك من غيرهم كما نعرف اللّه و نصِفه بصفاته و نعوت ذاته و هي صُوَرُ تعرُّفِه لعباده و هي ذواتهم الّتي ظهر لهم بها و لكنّه سبحانه ظهر لنا بذواتنا عن تلك الأشياۤء المشار اليها بمعني انّه جلّ و علا اظهر وصفه لنفسه الذي هو تعرُّفه لهم عليهم السلام و هو حقيقتهم و ظهر لنا بصورة تلك الحقيقة بما فيها من وصفه فنعرف تلك الأشياۤء بما انتقش في ذواتنا من صورها كما توجد صورة النجم في الماۤء و لما كانت تلك الأشياۤء كبيرة واسعة لايسعُها شيء ممّن هو دونها ( ما خ ) لم‌يحط ذلك الشيء بكلّ صورها بحيث تظهر فيه كلّ حدود اشباح هياكلها و انما يسع بقدره فلمّا صغر في ذاته لم‌يحط بتفاصيل اشباحِها و انما فيه انّ المعني غير الظاهر و انّ الباب غير الوجه و انّ الحكم غير الامر فالعارفون بهم عرفوا العدد او بعضه و من نفس الشبح بقدر وسعه و ذلك حقيقته و قيمته عند ربّه و قيمة كل امريءٍ ما يحسنه و هذا القدر من الظهور هو المراد من الاجمال فاذا كان كلّ من سواهم لايصل اليه الّا بعضُ اشباحِها صحّ انّ مَن سواهم لايعلمها لأنّ الشبح ظلّ النور و امّا النور فهو مقامات ربّهم و معانيه و ظاهره و وجوه صفاته و لايعلمها غيرهم كما ذكر و هذا هو السّرّ الذي اصطفاهم له و امّا القسمان الاوّلان منه فمعني انّه سبحانه اصطفاهم لهما انّهم الحافظون و المبلّغون و المؤدّون و خزائن مباديهما و نهاياتهما و ما يتوقّف ذلك من الكتب و الٰاجال و غيرهما و ممّا يدلّ علي انّ ما وصل اليهم منه ما لايحتمله غيرهم ابداً و منه ما يحتمله غيرهم بواسطة تعليمهم و انّ مَن ليس منهم و لا اليهم لايحتمل من سرّهم سرّاً لما فيهم من [ص 371] حقيقة الانكار للحقّ ما رواه في الكافي باسناده الي محمد بن عبدالخالق و ابي‌بصير قال قال ابوعبداللّه (ع) يا ابامحمّد انّ عندنا واللّهِ سرّاً من سرّ اللّه و علماً من علم اللّه واللّهِ مايحتمله ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان واللّهِ ماكلّف اللّه ذلك احداً غيرنا و لااستعبد بذلك احداً غيرنا و انّ عندنا سرّاً من سرّ اللّه و علماً من علم اللّه امرنا اللّه بتبليغه فبلّغنا عن اللّه عزّ و جلّ ما امرنا بتبليغه فلم‌نجد له موضعاً و لا اهلاً و لا حمالةً يحتملونه حتّي خلق اللّه لذلك اقواماً خلقوا من طينة خلق منها محمّد و آله و ذرّيّته (ع) و من نور خلق اللّه محمّداً و ذرّيّته و صنعهم بفضل صنع رحمته الّتي صنع منها محمّداً و ذرّيّته فبلّغنا عن اللّه ما امرنا بتبليغه فقبلوه و احتملوا ذلك فبلغهم ذلك عنّا فقبلوه و احتملوه و بلغهم ذكرنا فمالتْ قلوبهم الي معرفتنا و حديثنا فلولا انّهم خُلِقوا من هذا لماكانوا كذلك لا واللّهِ مااحتملوه ، اقول الاوّل هو الذي اختصّوا به و لايجوز في حكمة اللّه ان يكلّفَ به غيرهم و لايجوز لغيرهم ان يطلبوه و من طلبه فقد عصي الله و استوجب عقوبة طلبِهِ و انّ آدم (ع) بعد ما عَلِمَ سبق عِلْمِ اللّه بانّه سيأكل من تلك الشجرة شجرة الخلد الّتي منها القلم الأعلي حين اكل هو و حوّاء حبة من ثمارها طُرِدا من الجنّة و طلبها ايّوب فابتلي بالبلاۤء العظيم و رغب عن الخضوع لها يونس فالتقمه الحوت فلمّا تابوا و انابوا و سألوا اللّه بمحمّد و آله تحت قبّة سيّدالشهداۤء ابي‌عبداللّه الحسين (ع) قَبِلَ اللّهُ توبتهم و اثابهم علي عظيم البلاۤء جزيل الرضا و كذلك قد تناوَلَ ملكانِ من الملاۤئكة من ورقها وَ هَمَّ طاۤئفة من الملائكة بان يتناولوا من ورقها فطردهم من جوار عرشه فطافوا بالعرش سبعَةٰ‌الاف سنةٍ فلمّا طردهم لاذوا بالبيت المعمور سبع سنين و تاب عليهم حين لاذوا بقبر الحسين (ع) في العالم الذي قبل هذه الدّنيا و السّرّ الثاني هو الذي يحتمله [ص 372] الملاۤئكة المقربون و الأنبياۤءُ المرسلون و المؤمنون الممتحنون لانّ طينتهم من فاضل طينة محمّد و آله الطيّبين صلي اللّه عليه و آله الطّاهرين فلهذا قَبِلوه و احتملوه لما حمّلوهم ايّاه و لمّا كان مثل هذا العلم لايحتمله الأغيار من اعداۤء الدين و لا الجّهال من المستضعفين امرَ اللّهُ بكتمانه و لذا سمّي سِرّاً اَمّا الاغْيٰار فلأنّهم خلقوا من خلاف الحقّ و خلاف الطّينة الطّيّبة و خلاف الحقّ هو الباطل و خلاف الطينة الطيّبة الطينة الخبيثة طينة خبال فلم‌يقبلوا الحقّ الخالص و قد يقبلون منه المشوب اقامَة للحجّة عليهم و امّا المؤمنون الجّهال و المستضعفون فَلِمَا في طينتهم من لطخ الطّينة الخبيثة فاذا تزيّلت الطّينتان قَبِلَ الحَق اهله و الباطل لحقَ باهله و قد اشار عليه السلام في الحديث الّذي تقدم بعضه قال (ع) بعد ذلك ثم قال انّ اللّه خلق اقواماً لجهنّم و النّار فامرنا ان نبلّغهم كما بلّغناهم و اشمأزّوا من ذلك و نفرت قلوبهم و ردّوا علينا و لم‌يحتملوه و كذبوا به و قال ساحر كذّاب فطبع اللّه علي قلوبهم و انساهم ذلك ثم اطلق اللّه لسانهم ببعض الحقّ فهم ينطقون به و قلوبهم منكرة ليكونَ ذلك دفعاً عن اولياۤئه و اهل طاعته و لولا ذلك ماعُبِدَ اللّه في ارضه فامرنا بالكفّ عنهم و السّتر و الكتمان قال ثم رفعَ يده و بكي و قال اللّهم انّ هؤلاۤء لشرذمة قليلون فاجعل محيانا محياهم و مَمَاتنا مماتهم و لاتسلّط عليهم عدواً لك فتفجعنا بهم فانك ان فجعتنا بهم لم‌تُعبَد ابداً في ارضك و صلّي اللّه علي محمّد و آله و سلَّم تسليماً ، فانّه (ع) ذكر المنكرين من المخالفين و لم‌يصرّح بالمنكرين من المؤمنين لأنّ انكارهم ليس ذاتيّاً و ذلك لانّ من شأنهم الردّ الي ائمّتهم (ع) الّا انّه اهملهم و ذكر البالغين القابلين منهم المحتملين لسرّهم و دَعَا لَهُم .