قال الشارح (ره) المعصومون من الصغاۤئر و الكباۤئر و السهو و النّسيان في مدّة العمر لٰاية التطهير و الاخبار المتواترة و الدلائل العقليّة معناها التي ذكرها علّامة المحققين في كتاب الألفين الّتي تزيد علي الف حجّة .
اقول امّا العصمة من الكباۤئر و الصّغاۤئر ( من الصغائر و الكبائر خل ) فظاهر ( معناها خ ) في الظاهر و في الباطن قد اشرنا اليه فراجع و امّا العصمة من السهو و النّسيان فمن عرف ما اشرنا اليه ظهر له انّ السّهو الذي هو الغفلة عن الصّورة مع بقاۤء انتقاشها في لوح النّفس و النّسيان الّذي هو محو الصّورة عنه انّما [ص 321] يكون ذلك في حقّ مَن كانَت الصّورة الّتي عنده منتزعة من الوجود الخارجيّ فهو ان شاهده في مكانه و زمانه وَجَدَ مثاله و ان غفل عنه لميجده مع بقاۤئه في صفحة اللّوح المحفوظ و امّا مَن كان الخارجي معلولاً للصّورة التي عنده و هي وجهه من الوجود فلايجوز عليه السهو و النّسيان اِذْ لو وَقَعَا منه فقَد الخارجي كالصّورة في المِرْءاۤةِ لو اعرض المقابِل فُقِدَتْ نعم لو اعرض المقابِل الي مِرءاۤةٍ اخري تُقابِل المرءاۤة الأولي لمتفقد الصّورة منها لأنّ تلك المِرءاۤة تحفظ عليها بواسطة مقابلتها للشّخص و قد تكون المِرءاۤة العُلْيا اوسع من السُّفْلي فاذا قابلها بجهة انعكاسها ( علي السفلي سلمت لها الصورة و تمت فيها و ان كان بغير جهة انعكاسها خ ) قد لاتتمّ و لاتسلم و قد لاتتمّ و تسلم و الوليّ المطلق فيما ولّي عليه بهذا المثال فلو نسي شيئاً او سهي عنه و لميُقْبِلْ علي ما يحفظ ذلك المنسي فُقِدَ من الوجود كالصورة ( المفقودة خ ) من المِرءاۤة كما مثّلنا و اذا اقبل علي الحافظ قد يبقي و قد يختلف و قد يعبّرون عليهم السلام عن هذا الاِعْراض و الاِقْبال الي الحافظ بانّ المحدِّث قد غابَ عنه او لأنّ اللّه انساه ليجري عليه القضاۤء فافهم .
قال عليه السلام : المكرّمون المقرّبون .
قال الشارح (ره) المكرّمون الّذين كرمهم اللّه تعالي ذاتاً و صفاتاً و افعالاً و اكرمهم بالكرامات الصّوريّة و المعنويّة المقرّبون الّذين قربهم اللّه تعالي اليه بنهاية مراتب القُرب ه .
قال المفسّرون في قوله تعالي و لقد كرّمنا بني آدم بحسن الصّورة و المزاج الأعْدَل و اعتدال القامة و التمييز ( التميز خل ) بالعقل و الأفهام بالنطق و الاشارة و الخَطّ و الهداية الي اسباب المعاش و المعاد و التّسلّط علي ما في الأرض و التّمكّن من الصّناعات و انسياق الاسباب و المسبّبات [ص 322] العلويّة و السفليّة الي ما يعود اليه عملهم بالمنافع الي غير ذلك ممّا يقف الحَصْر دونَ احصاۤئه و في امالي الشيخ باسناده الي زيد بن عليّ (ع) عن ابيعبداللّه (ع) في قوله تعالي و لقد كرّمنا بني آدم يقول فضّلنا بني آدم علي ساۤئر الخلق و حملناهم في البرّ و البحر يقول علي الرَّطْب و اليابِس و رزقناهم من الطّيبات يقول من طيّبات الثّمار كلّها و فضّلناهم يقول ليس من داۤبّة و لا طاۤئرٍ الّا و هي تأكل و ( تشرب خ ) بفيها و لاترفع بيدها الي فيها طعاماً و لا شراباً غير ابن آدم فانّه يرفع الي فيه بيده طعامه و هذا من التّفضيل و روي القميّ عن ابيحمزة الثّمالي عن ابيجعفر (ع) قال انّ اللّه لايُكَرِّم روح الكافر و لكن كرّم ارواح المؤمنين و انّما كرامة النّفس و الدّم بالرّوح و الرّزق الطيّب هو العلم و فيه عن الأصْبَغ انّ عليّاً (ع) سُئِل عن قول اللّه تبارك و تعالي وسع كرسيّه السموات و الارض قال السموات و الارض و ما بينهما من مخلوقٍ في جوف الكرسيّ و له اربعة املاك يحملونه باذن اللّه فامّا ملك منهم ففي صورة الٰادميّين و هي اكرم الصور ( علي اللّه خ ) الحديث ، و كان عليّ اميرالمؤمنين (ع) بعد الأكل اذا فرغ قال الحمد للّه الذي كفانا و اكرمنا و حملنا في البرّ و البحر الخ ، و في دعاۤء النظر في المِرءاۤة الي ان قال و اكرمني بالاسلام و عن جابر عن ابيجعفر (ع) و فضّلناهم علي كثير ممّن خلقنا تفضيلا قال خلق كلّ شيء منكبّاً غير الانسان خُلِق منتصِباً و في حديث العلل عنه (ع) الي ان قال انّ اللّه تبارك و تعالي خلق آدم و اودعنا صلبَه و امر الملاۤئكة بالسّجود تعظيماً لنا و اكراماً و كان سجودهم للّه عزّ و جلّ عبوديّة و لٰادم اكراماً و طاعةً لكوننا في صلبه الحديث ، و في الكافي ماخلق اللّه عزّ و جلّ خلقاً اكرم علي اللّهِ عزّ و جلّ من مؤمن لأنّ الملاۤئكة خدّام المؤمنين و انّ جوار اللّه للمؤمنين و انّ الجنّة للمؤمنين و انّ الحورالعين للمؤمنين الحديث ، و الاشارة الي بيان ما اليه من التّكريمات الّتي [ص 323] كرّم اللّه تعالي بها الانسان و هي علي الحقيقة لمحمّدٍ و اهل بيته صلّي اللّه عليه و عليهم بمحلٍّ من الامكان في مكانةٍ و مكانٍ لايحوم حول حماها انسان و كلّ ما سواهم فبالتّبعيّة و المعلوليّة كلّ شخصٍ بنسبتِه و اَذْكُرُهَا علي ترتيب عدّها الذي ذكرناه فتكريمه سبحانه ذات الانسان بان خلَقَها من ظلّ كينونته اي نور مشيّته و البسها صورة ربوبيّته و هيكل توحيده و اتّخذها ذاتاً له نسبها اليه كما قال عليّ (ع) في حديث كميل للأعرابي قال و ما النّفس اللّاهوتيّة الملكوتيّة فقال (ع) قوّة لاهوتيّة و جوهرة بسيطة حيّة بالذّات اصلها العقل منه بدئَتْ و عنه وعَتْ و اليه دلَّتْ و اشارتْ و عودها اليه اذا كملتْ و شابهتْه و منها بدئت الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذات اللّه العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنّة المأوي من عرفها لميشق و مَن جهلها ضلّ سعيه و غوي ه ، فقال (ع) فهي ذات اللّه العُلْيا اي ذاتٌ للّه اصطفاها و كرّمها و نسبها اليه و جعلها صفته الدّالّة عليه و آيته المبيّنة انّه الحقّ و كتابه المبين و صراطه المستقيم فهي اقرب الذّوات اليه و اكرمها عليه و احبّها اليه و امّا تكريمه صفاتاً فانّه قد ادّب الانسان بٰادابه الكريمة و كمّله بتكميلاته الجليلة و البسه حلل صفاته الجميلة من العقل و الحياۤء و العلم و الفقه و التّقوي و الرأفة و الرّحمة و الجود و الكرم و الحلم و الحكمة و البيان و التّبيين و القدرة و غير ذلك من ملابس صفات الربوبيّة و امّا تكرمة افعاله فانّه ارسل اليه رسله ليعرّفوه كرم الأفعال و حسن الأعمال حتّي انّه دلّه علي حصر جميع افعاله في صرفها في خدمته و طاعته و كفي بهذا تَكْرِمةً له و امّا اكرامه ايّاه بالكرامة الصّوريّة و المعنويّة فالمراد به ما نفصّله فالصّوريّة حسن صورة الجسم كما نذكره و المعنويّة حسن صورة الرّوح و النّفس و منها ما ذكرناه في تكرمة الصّفات و نذكره بعد هذا و امّا تكرمته بحسن الصّورة كما قال تعالي [ص 324] لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم فهي انتصاب قامته وَ صَفاۤءُ لَوْنِه و بضاضة جلده و اعتدال اعضاۤئه و كثرة الانتفاع بها و صلوحها لأكثر الأعمال حتّي اذا قيس كلّ واحدٍ منها الي نظيره في ساۤئر الحيوانات رأيتَ فيه صفات الربوبيّة و التّدبير و القيام علي ذلك النظير و رأيتَ في ذلك النظير هَيَآت العبوديّة و الاحتياج الي ذلك العضو الانساني الذي هو وجهه من ربّه و به قيامه و قيّوميّته و ( ايضاً خ ) منه انتصاب وجهه فيُقَابِلُ باجْمعِه و لا كذلك شيء من الحيوانات فانّه انّما يقابل ببعضه او ببعضٍ بعد بعضٍ و ما اشبه ذلك و لهم (ع) صورة حسنة لايكون في الامكان ما يدانيها و لو ظهروا للناس ببعضها لمارٰاهم احد من الخلق الّا مات علي الفور و انّ من ( احسن خل ) الملائكة رضوان و انما البسوه من شعاع صورهم و مثله ملك الموت عند قبض روح المؤمن و لكنّهم ستروها بالصّور البشريّة و امّا تكرمته بالمزاج الأعدل فلأنّ اعتدال المزاج هو الصّورة التّاۤمّة تستوجب الحيوة الذّاتيّة و البقاۤء الداۤئم و لهذا كان في مزاج الانسان في الدنيا اخلاط و اعراض من كثافاتِ الطّعام و الشّراب و الهواۤء و المكان و الزّمان الغير ( غير خل ) الصّافية قد مازج تركيب قواه جعل اللّه ذلك ليترتّب عليه عدم بقاۤئه في هذه الدّار لانّها دار تكليفٍ و اللّطيف بعباده لايحبّ بقاۤءَهم في المشقّة و ليكون منه فراق الرّوح البدن ليموت و يدفن في الأرض فتأكل ما فيه فاذا تخلّص من جميع الغراۤئب الّتي فيه بعثه صافياً خالصاً و ركّبه تركيباً صالحاً للبقاۤء ابداً و انما صلح للبقاۤء ابداً لاعتدال طباۤئعه بميزانٍ مستقيمٍ به تتساوي تلك الطباۤئع علي اكملِ اعتدالٍ يلزم منه ان يكون واحداً بسيطاً لايعرض له التّضاۤدّ و لا الكثرة و لولا هذا الخلط و الاعراض الغريبة لماعرض له الموت و البقاۤء في دارِ المشقّة ينافي الرّأفة و اللّطف فجعل الخلط سبباً لانتقاله الي دار البقاۤء [ص 325] من دارِ الفناۤء فاقتضي المزاج الأعْدَل النطق و الانسانيّة الّتي هي صراط اللّه و العلم و الحلم و العقل و الحياۤء و جميع الصفات الكاملة الّتي هي ظلّ التوحيد و مقتضي التّجريد فكان هذا الاعتدال في مزاجهم (ع) لشدّة كمال الحَلّ و العقد الالۤهيّين بحرارة العناية الأوّليّة و رطوبة الماۤء الأوّليّ الرّاجح الوجود قد بلغ بلطافة الماۤدّة و جمال الصّورة الي حدٍّ كانت قلوب شيعتهم من شعاعه و فاضله فنور قلوب الشيعة من شعاع اجسامهم (ع) كشعاع الشمس من الشمس و هو واحد من سبعين و ما سمعتَ من هذه الأوصاف العظيمة لاتحصي قلوب شيعتهم و لاتقع علي حقيقتها و لا علي حقيقة تكرمة اللّه سبحانه لها و امّا تكرمة اللّه باعتدال القامة فلانها اذا لمتكن معتدِلَةً مستقيمةً كانت ماۤئلةً او منكبّةً و تكون بغير هيئة ما شانُ سيره في السّلسلة الطّوليّة غير ( الغير خل ) المتناهية كالجمادات فانّ سيرها في السّلسلة العرضيّة كالمعادن و كالنباتات و ساۤئر الحيوانات فانّها و ان كان لها سيراً في السّلسلة الطّوليّة لانتقال المعادن من الجمادات الي رتبة المعادن ثم لاتتجاوز ( لايتجاوز خل ) رتبتها و انتقال النباتات من الجمادات الي المعادن و من المعادن الي رتبة النباتات ثم لاتتجاوز ( لايتجاوز خل ) رتبتها و انتقال الحيوانات من الجمادات الي المعادن و منها ( و من المعادن خل ) الي النباتات و منها ( من النباتات خل ) الي الحيوانات ثم لاتتجاوز ( لايتجاوز خل ) رتبتها و امّا الانسان فانه ينتقل من الجمادات الي المعادن و منها الي النباتات و منها الي الحيوانات و منها الي الملكيّة و منها الي الانسان و منه الي الحضرة الالٰهيّة و لايزال يسير من مقامٍ الي مقامٍ اعلي منه حتي يصل الي مقامِ الرّضوان و المحبّة و يبقي يسير فيه صاعداً لا الي غاية و لا نهاية و استقامةُ قامة الانسان صورة سيره الي اللّه و قبول اللّه له و اقباله علي اللّه حين دعاهُ و انكبابُ صورة ماعدا الانسان او انعطافها صورة سيره الي [ص 326] اللّه تعالي لان نظره الي ما في ( فيه خل ) الأرض و ما ورد من نظير ذلك في بعض الملاۤئكة لاينافي ما قلناه لانّ مَن كانَ منهم بغير صورة الانسان انزل رتبة و اقلّ كمالاً و ان كان لايغفل عن خدمة اللّه تعالي طرفة عينٍ الّا انّه يخدم اللّه في الجهة السّفلي من مركزه و ما ورد انّ في بعض الحيوانات انّه يدخل الجنة كحمار النبيّ (ص) اليعفور و ناقته العضباۤء ( الغضباء خل ) و حمار عزير ( عزيز خل ) و حمارة بَلْعام بن باعورا و كلب اهل الكهف و ما اشبه ذلك بل وردَ انّ كلَّ صنفٍ من اصناف الحيوانات يدخل منها شيء في الجنّة الّا ثلاثة المسوخ و السِّباع و النّواصب فالوجه في ذلك انّ لذلك الداخل سيراً في السلسلة الطولية حتي تجاوزَ رتبة نوعه انّ مَن يدخلها من هذه الأصناف فله نفس برزخيّة مركبة من الحيوان و الانسان و لهذا يدرك بعض المعقولات الكليّة و لهذا يصدر منه ايمان و اقرار بالحقّ كما يصدر من ساۤئر المؤمنين و لكنّه لايكون انساناً و ان دخل الجنّة لأنّ الانسان اذا دخل الجنة كان ملِكاً مالِكاً كما قال تعالي و اذا رأيتَ ثَمَّ رأيتَ نعيماً وَ مُلْكاً كبيراً و الحيوان اذا دخل الجنّة هو حيوان و لايكون ملِكاً و الي هذا اشرتُ بقولي في السّلسلة الطوليّة غير ( الغير خل ) المتناهية و سلسلة هذا الحيوان متناهية لانّه لميخلع الصّورة الحيوانيّة و يلبس الانسانية و ان كان باقياً فيها لما فيه من النفس المركّبة البرزخيّة الّتي تعقل صالح النيّة في العبوديّة و امّا تكرمته بالتمييز بالعقل فلانّه سبب محبّة اللّه لعبده اِذْ به يفرق بين الحق و الباطل و الخير و الشّرّ و طريق النجاة و الهلاك و هو حجّة اللّه الباطنة علي عبده كما قال تعالي و اسبغ عليكم نِعَمه ظاهرة و باطنة و هو النّور و الحيوة كما قال تعالي افمن كان ميتاً فاحييناه و جعلنا له نوراً يمشي به في النّاس و الكلام في بيان بعض هذا الحرف يطول [ص 327] و امّا تكرمته بالاِفهام بالنّطق و الاشارة و الخطّ فلأنّه لمّا اجزل نِعمه عليه خلقه جامعاً فاقتضت هذه البنية ان يكون مملّكاً و مالِكاً و اَن تكونَ شئونه كثيرة لاتكاد تُحصي فاسبغ عليه نِعَمه المترادفة فعلّمه النطق ليؤدي به في مطالبه الي مٰاربه و وسّع عليه في ذلك بالاشارة و الخطّ ليتوسّع في التأدية في شئونه عطفاً عليه و رأفةً به و رحمةً له و لميفعل ذلك بشيء من غيره و جعل لأصفياۤئِهِ من هذه التكرمة ما افهموا به الجماد و انطقوا به الصّمّ الصّلاد و انقاد الي اجابة كتابتهم و اشارتهم جميع من في البلاد فهم الّذين فهِموا عن اللّه ما اراد و فَهَّمُوا بفاضل فهمهم كلّ مَن فهم و استفاد فلايفهم شيء من جميع الخلق شيئاً الّا فهّمه اللّه بفاضل ما فهموا و انطقهم اللّه و انطق ما سواهم من نطقهم فكلّ لسانٍ حاليٍّ او مقاليٍّ ينطق بالثناۤء عليهم يسبّح اللّهَ باسماۤئِه جميع خلقه و ان من شيءٍ الّا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و هم صلّي اللّه عليهم النّاطقون علي كلّ لسان بكل لغةٍ و هي سبعونالفَ لغةٍ و في رواية اخري سبعونالفَالف لغةٍ لا تشبه لغةٌ اختها و هو قول سيّد الوصيّين اميرالمؤمنين (ع) بعد كلامٍ طويل الي ان قال انا كما قال لي رسول اللّه (ص) انت يا علي ذو قرنيها و كلا طرفَيها و لكن لك الٰاخرة و الأولي يا سلمان انّ ميّتنا اذا مات لميمت و مقتولنا اذا قتل لميقتل و غايبنا اذا غاب لميغب و لايقاس بنا احدٌ من الناس انا تكلّمتُ علي لسان عيسي في المَهْدِ انا نوح انا ابراهيم انا صاحبُ الناقة انا صاحبُ الرجعة انا الزلزلة انا اللوح المحفوظ اليّ انتهي علم ما فيه انا اتقلّب في الصُّوَرِ كيف ما شاۤء اللّه مَن رٰاهم فقد رٰاني و من رٰاني فقد رٰاهم و نحن في الحقيقة نورُ اللّه الذي لايزول و لايتغيّر يا سلمان بنا شرّف كل مبعوث لاتدعونا ( فلاتدعونا خل ) ارباباً و قولوا فينا ما شئتم ففينا هلَكَ من هلكَ و نجا مَن نجا الحديث ، و جعل سبحانه لهم في الاشارة [ص 328] و الكتابة علي نحو ما سمعتَ في الفهم و النطق لما خصّهم به من التكرمة و امّا تكرمته بالهداية الي اسباب المعاش و المعاد فقد دلّ الانسان علي تربية الغرس و الزرع و تنمية المال بالتجارة و استخراج المعادن من البرّ و البحر و كيفيّة عملها لما يريدون منها من الأواني في استعمالاتهم و آلاتهم و من انواع الحليّ لزينتهم و استخراج ما ينسجونه لسترهم و رياشهم و كيفيّة عمل مطاعمهم و مشاربهم و تمييز صالحها من طالحها و نافعها من ضاۤرّها و بناۤء مساكنهم و القيام علي مواشيهم بما فيه صلاحها و حفظها و تعليمهم و الهامهم معرفة صناۤئعهم وَ اِحْكامِها و امثال ذلك ممّا هو معلوم و كلّ ذلك بهدايته و لهذا تري بعض الحيوانات يهتدون الي اشياۤء في مصالح معاشهم لايقدر الانسان عليه لانّه ليس من امر معاشه كما في النّمل و النّحل من اعمالها ممّا تعدّه لقوتها و تتخذه لسكناها و غيرهما لأنّ اللّه سبحانه لميهده لذلك لعدم احتياجه اليه و اذا نظرت الي ما يعمله الانسان من النتاۤئج و التدابير الّتي يعرف منها العارف انّها ليس في قوة نفس ( نفس قوة خل ) البشر الاهتداۤء اليها الّا بهداية اللّه عرفتَ انّ ذلك بهداية الذي هدي المولود من الانسان و الحيوان حين وضعه الي التقام الثّدي الذي فيه رزقه و امتصاصه علي وضعٍ لايكاد الكبير العاقل يتمكّن من فعله الّا بعد المعالجة و التردّد و قد جعل سبحانه لمحمد و آله (ص) من هذه التكرمة ما دلّهم عليه من خدمته و الاستغراق في طاعته بحيث لايلتفتون الي ما سواه دلّهم عليه حين امرهم و قال لهم و لايلتفتْ منكم احد و امضوا حيث تؤمرون فلمّا غابوا فيما امرهم عن احوالهم و امر معاشِهم دارتْ لهم الأفلاك بما يصلحهم و جري لهم الماۤء و انبتت لهم الأرض و نبت لهم النّبات و تسبّبت لهم الأسباب من كلّ باب و جرت لهم الأشياۤء علي طبق ارادتهم حتي كانَ جميع ما في عالم الوجود الممكن [ص 329] انما اهتدي الي امر معاشه بفاضل ما جرتْ به لهم الاسباب من كلّ شيء فببركة استغراقهم في خدمة خالقهم اهتدي مَن سواهم الي امور معاشهم كلّها و العلّة فيما اشرنا اليه انّ هداية الخلق لأمورِ معاشهم لايكون الّا من اللّه سبحانه و هم في ذلك بهذه الهداية مُقْبِلونَ علي شئونهم و في ذلك قطع العلاقة من الفيض فلمّا دَلَّ سبحانه عباده المخلصين علي وصل العلاقة بالمدد و هو اقبالهم علي خدمته فلمّا استغرقوا في حضرة قدسِهِ و ذكره وصل فاضل وصلهم بالفيض قطع اقبال العباد علي شؤنهم لوَصْل المدد بغفلتهم و لهذا ادّبَ نبيّه (ص) بقوله و اذكر ربَّك في نفسك تضرّعاً وَ خِيفةً و دون الجهر من القول بالغدوّ و الٰاصال و لاتكن من الغافلين ثم بيّن له وجه الدليل فقال و أمر اهلَكَ بالصّلوة و اصطبر عليها لانسئلك رزقاً نحن نرزقك و العاقبة للتقوي فافهم الحكمة من دليل الحكمة و الهداية الي اسباب المعاد ما امر به من وحيه المنزل علي نبيّه المرسل (ص) الّذي فيه نجاتهم من عقابه و فوزهم بثوابه و ما دلّهم عليه من الأخلاق الحميدة و الأعمال المرضيّة السّديدة الّتي هي طريق محبّته الّتي هي طريق كفايته و القرب اليه و تلك الٰاداب هي النّوافل المشار اليها في الحديث القدسيّ مازال العبد يتقرّب اليّ بالنّوافل حتّي احبّهُ فهذا التقرّب طريق المحبّة قال تعالي فاذا احببتُه كنتُ سمعه الذي يسمعُ به الخ ، و هذه المحبّة هي طريق الكفاية في امر المعاش كما مرّ و في امر المعاد كما قال تعالي رضي اللّه عنهم و رضوا عنه و المراد بهذه النوافل ما دلّ علي رجحان فعله من صلوةٍ و غيرها مثل تقديم الرجل اليمني عند دخول المسجد و لبس النّعال و اليسري عند دخول الخلاۤء و خلع النّعال و التختم باليمين لغير تقيّةٍ و التّعمّم قائماً و التسرول قاعداً و تجنّب التّمشّط بمشط مكسور و كنس البيت في اللّيل و ترك الدّعاۤء بعد الصلوة للوالدَيْنِ و حرق قشر البصل [ص 330] و ترك بيت العنكبوت في البيت و ازالة المرأة له بل يزيله الرجل و امثال ذلك و هي كثيرة و منها في رواية جابر الأنصاري عن اميرالمؤمنين (ع) في حديث انّه قال و الّذي فلق الحبّة و برأ النَسَمَةَ ماقطعتُ غنماً و لالبستُ سراويلي قائماً و لاقعدتُ علي عَتَبَةٍ و لابُلْتُ علي حافة نهرٍ و لا بين بابَيْن و لا قاۤئماً و لاقلّمتُ اظفاري بفمي و لاانتثرت في يوم الأربعاء و لااكلتُ قُبَّراً و لا سَمَكاً زماريّاً و لاقطعْتُ رَحِماً و لارددتُ ساۤئلاً و لاقلتُ كِذباً و لاشهدتُ زوراً و لانمْتُ علي وجهي و لاعلي يدي اليسري و لاتختّمتُ بخاتمين و لاجلستُ علي زبالة و لابيّتها في منزلي و لارايتُ بُرّاً مطروحاً فتجاوزته و لالبستُ نعل يساري قبل يميني و لانمتُ في خراب و لااطّلعتُ في فرجٍ و لامسحتُ وجهي بذيلي و ما من شيء من هذه يفعله احد منكم الّا اورثه غمّاً لا اصل له فتجنّبوه الحديث ، و قوله ( قول خل ) انتثرت اي ادهنتُ و الحاصل انّ ترك هذه الأمور المكروهة و فعل الأمور المستحبّة من كلّ شيء في الأعمال و الأحوال و الأقوال و الاعتقادات و الحركات و السكنات و المٰاكِل و المشارب و الملابس و المناكح و غير ذلك كلّها من النّوافل و انّما مثّل بهذه الأشياۤء لئلّايُتَوَهّم انّ المراد من النوافل العبادات المعروفة عند العواۤمّ بل المراد بها النوافل من العبادات المعروفة عند الخواۤصّ و هذه و امثالها هي مشخصات للوجودات الشرعيّة او متمّمات للمشخّصات و لقد نقل انّ رجلاً من قوم لوط (ع) كان يلبس ما يشابه لباس لوط (ع) فلمّا نزل بهم العذاب نجا ذلك الرجل منه في الدّنيا مع انّه يعمل عملهم فَسَلِمَ بمجرّد تشبهه بلوط (ع) في اللّباس و ذلك كان مؤثّراً في دفع العذاب عنه و لمّا كان مثل هذه الامور متمّماً للقابليّات و مكمِّلاً لها بها تكون مُوصِلةً الي اعلي الدرجات جعلها في خزاۤينه عليهم السلام ( عليه السلام خل ) لنفاستها فنشروها للعباد و قد ارشد [ص 331] اللّه عباده الي ما فيه كمالهم و بلوغ محبّته المستلزمة لكفايته لينالوا اَعْلي مراتب القرب فسبق السابقون و ذلك علي حسب اجابتهم للدّعاة الي سبيل الرشاد صلّي اللّه علي محمّد و آله فكانوا في ذلك هم السَّابقين و السّاۤئقين و القاۤئدين و في هذه الزّيارة الشريفة كما يأتي ان شاء اللّه مَن ارادَ اللّهَ بدَءَ بكم و من وحّدَه قَبِلَ عنكم و مَن قصدَه توجّه بكم ، و امّا تكرمته بالتّسلّط علي ما في الأرض فلأنّه سبحانه ركّب فيه العقل و الفهم و الفِطنَة و الأطّلاع علي دقاۤئق اسرار الموجودات فقهر بما فيه من الموهبة و التّكرمة بالفهم جميع ما في الأرض حتي انقادَ لَه الحيوانات و النباتات و المعادن و الجمادات من البَرِّ و البحر لأنّه يدبّر في كلّ شيء بالفهم و التمييز و جعل اللّه سبحانه لمحمد و آله (ع) جميع الأشياۤء منقادةً لهم بالطّبع و تابعةً لارادتهم كتبعيّة الأظِلّة و الأشعّة للمنير لانه كرّمهم باصطناعهم له و اختصاصهم به فاستغنوا في التّسلّط علي جميع الأشياۤء بالاقبال عليه سبحانه حتّي ملّكهم ملكوتَ كلّ شيءٍ و امّا تكرمته بالتمكن من الصناعات فلانّه من تمام قدرتِهِ علي ما يحتاج اليه بحيث لايحتاج في شئونه الي شيء الّا و هو متمكّن من صنعه لِمٰا اُلْهِمَ من التمييز لتدبير امر معاشه و امّا محمد و آله صلي اللّه عليه و عليهم فانّهم لمّا اعتدلَتْ امزجة نفوسهم غاية الاعتدال في الاستعداد و فارقتِ الأضداد بالاستغراق في الاقبال الي ربّ العباد شاركوا بها السّبع الشّداد فكانَ مقتضي نفوسهم و طبيعتها اِنْشاۤء اسباب الأشياۤء علي مقتضي الحكمة في اسرار الخليقة بل اسرار الخليقة في الحقيقة انّما كانَتْ اسراراً محكمةً مطابقةً لمقتضي الحكمة بحيث يكون ما عمل علي هيئتها و ملاحظة نظمها علي اكملِ وجهٍ في الصّنعةِ لانّها هيئاۤت نفوسهم و امثال صورهم سبحانَ من جعلهم خزاۤئن غيبه [ص 332] و مصادِر فيضه و سيبه و امّا تكرمته بانسياق الأسباب و المسبّبات العلويّة و السفليّة الخ ، فانه جلّ و عزّ دلّ عباده علي علم الصّنْعِ في الأشياۤء علي حسب قابليّتهم فَبِهِ يزرعون و يصنعون و يأكلون و يلبسون و يبيعون و يشترون و يعملون الأعمال من ساۤئر الصّناعات و يطّلعون علي ما غاب عنهم و ما سيكون من علم الجفر و النّجوم و الرّمل و زجر الطّير و الأوضاع الكَونيّة من العلوم و من اعجبها العلوم الخمسة المكتومة الكيمياۤء و الليمياۤء و الريمياۤء و الهيمياۤء و السيمياۤء التي اخفاها الحكماۤء اشدّ الاخفاۤء حتّي انّهم استعملوا في ذكرها الاشارات و الرّموز باللّوازم البعيدة فعلم الكيمياۤء زراعة الذّهب و الفضّة و الجواهر النّفيسة من الألماس و الياقوت و اللّعل و الزمرد و الفيروزج و اللّؤلؤ و غير ذلك علي وجهٍ اعلي من المعدن و اصحّ و علم الليمياۤء علم الطّلسمات و منه ما يعمل بطباۤئع العقاقير و علم الرّيمياۤء علم الشّعبذات و علم الهيمياۤء علم التّسخيرات و علم السّيمياۤء علم التخيّلات و هو من التّسخيرات و من الطّلسمات و العقاقير فيعملون بها الأمور العجيبة الخارقة للعادة منها الجاۤئز و منها المحرّم و كلّها مما اوقفهم عليها لمصالح العباد المتّقين و استنطاق طباۤئع العاصين و كلّها من سوق الأسباب الي مسبّباتها و كلّها مباحها و حرامها و واجبها و راجحها و مرجوحها من التكرمة فالجاۤئز لمنافعهم و الحرام ليتجنبوه كما قال تعالي و مايعلّمانِ من احدٍ حتّي يقولا انّما نحن فتنةٌ فلاتكفر و كلّها آثار ( من خ ) تكرمته لمحمد و آله صلّي اللّه عليه و عليهم لانّها صُور اسماۤئِهم و اسماۤء افعالهم و افعال ذواتهم و ليس فيها عليهم محرّم لأنّ المحرّم انّما حرّم لمخالفته ( لهم خ ) في الصُّوَرِ او الأسماۤء او الأفعال مثلاً منها ما يحرم لأنّه يعمل لهلاك العدوّ و قد يكون هذا العدوّ المعادي للعامل من المؤمنين المتّقين بخلاف عدوّ [ص 333] آلمحمد (ص) فانه اذا تحقّق عداوته كان مهدور الدَّمِ فليس عليهم بحرام و غيرهم قد يكون من صُوَرِ اسماۤئِهم او من اسماۤءِ افعالهم فهم خزاۤئن حلاله و حرامه و امّا تكرمته بان حمله في البرّ و البحر فانّه جعل لهم ما يسلكون عليه طريق البحر لقضاء مٰاربهم و هي السّفن و طريق البر كذلك و هي الاِبِل و الخيل و البغال و الحمير و لولا السّفن لغرقوا و لولا الركوبات لما استطاعوا ان يقطعوا ارضاً و لا بحراً و قد جعل آلمحمّدٍ صلّي اللّه عليهم في الحقيقة سفينة النجاة لكلّ شيء و انّما نجا راكب السفينة من الغرق لأنّها مثالهم (ع) و اتباعهم هو ركوب السّفينة و انّما كانتْ منجيةً لأنّها مثال طريقتهم من ولايتهم و انّما كانت الابل تحمل الأثقال الي بلدٍ لمتكونوا بالغيه الّا بشقّ الأنفس لأنّها مثال النفس كما في تأويل الٰاية فكانت الخلاۤئق من جميع بني آدم انّما كُرِّموا لانّهم مثالهم و ( كرّموا بمثال ما خ ) كُرِّموا به صلّي اللّه عليهم اجمعين و من تكرمته بانّ الأنسان يرفع ( الي فيه خ ) بيده طعامه لِئَلّايُطَأطي رأسه للطّعام اجلالاً له لما البسه اللّه من صورته صورة الانسان و صورته التي نسبها اليه هي صورتهم (ع) الّتي خلقها اللّه علي صورة محبّته في قوله تعالي كنتُ كنزاً مخفياً فاحببتُ ان اعرف ، فصُورَتُهم صورة هذه المحبّة فنسبها اليه لأنّها صورة محبّته و علي صورتهم التي هي صورته خلق آدم (ع) كما قال (ع) انّ اللّهَ خلق آدم علي صورته ، فان جُعِلَ الضمير يعود الي اللّه او الي آدم فالمعني واحد كما ذكرنا و هي الصّورة الانسانية و انما لميخضع لأجل هذه الصورة لانّ كنهها الربوبية بخلاف ساۤئر الحيوانات لتغيّر صُورِها باختلاف مشخّصاتها كمّاً و كيفاً و جهةً و مكاناً و رتبةً و وقتاً و غير ذلك [ص 334] و امّا تكرمته لأرواح المؤمنين ( الانسان خل ) بالعلم الذي هو الرّزق الطيّب فلانّ ذلك مقتضي طاعتهم للّه و اتّقائِهم معاصي اللّه فانّ مَن اتّقي اللّه علّمه ما لميعلم كما قال تعالي و اتّقوا اللّه و يعلّمكم اللّه و قال تعالي و لمّا بلغ اشدّه و استوي اۤتيناه حكماً و علماً و كذلك نجزي المحسنين ، و قال عليّ عليه السلام ليس العلم في السماۤء فينزل اليكم و لا في الأرض فيصعد اليكم و لكنّ العلم مجبولٌ في قلوبكم تخلّقوا باخلاق الرّوحانيّين يظهر لكم و في روايةٍ تأدّبوا بادٰاب الرّوحانيّين يظهر لكم ، و لمّا كانَ الكافرُ ميتاً ليس له نور من العمل لميُكَرَّم بالعلم و جعل لمحمّدٍ و آله صلّي اللّه عليه و عليهم من هذه التكرمة ما جعلهم به خزاۤئن غيبه و عيبة علمِهِ بحقيقة ما هم اهله و امّا ما ذكر في حملة الكرسي بانّ منهم ملكاً في صورة الٰادميّين و انها اكرم الصّور علي اللّه فقد اشير اليه في التكرمة بحسن الصّورة و امّا التكرمة بالاسلام فلانّ المكلَّفين لا قِوام لهم الّا بالتكليف لانّه هو طريق العبد الي المدد الذي به قوامه و التكليف مختلف بحسب الأزمنة و ان كان في الحقيقة واحداً عند اللّه و هو الاسلام و انما اختلف باختلاف احوال الموضوعات كما يجب المسح علي الرجلين في الوضوء مع الأمنِ و يجب الغَسْل مع التقيّة و كلّ صورة من التكاليف اذا عَمِلَ بها المكلَّف كما اُمِرَ توصّل الي رضا اللّه سبحانه الّا انّ التكليف يرد من الحكيم علي حسب قابليّة المكلف و وقت التكليف و مكانه فاذا كانت اقتضاءات المحالّ و القبول اعلي كان وصف التكليف اشرف و كان العمل به افضل ثم لمّا كانتْ هذه الامّة المرحومة افضل الأمم في القوابل و المحالّ و الاوقات كان المطابق للحكمة ان يكون دينهم الاسلام الذي هو افضل الأديان قال تعالي انّ الدّين عند اللّه الاسلام و انّما سمّي هذا بالاسلام مع انّ كل دين [ص 335] للّه هو الاسلام لشرفه عنده اشتَقَّ له اسماً من التّسليم و الانقياد لأهل الحق (ع) و من السلامة بان لايؤذوا رسول اللّه (ص) في اهل بيته و لا في دينه بكثرة المعاصي فاشار الي الأوّل بقوله ادخلوا في السِّلم كاۤفّة و الي الثاني بقوله فسلام لك من اصحاب اليمين فكرّم اللّه عباده المؤمنين بافضل الأديان عنده . فان قلتَ اذا كان انّما شرع كلّ دينٍ علي حسب قابليّة المكلّفين كانَ الاسلام لهذه الأمّة باستحقاقٍ منهم لكونهم اهلاً لذلك و غيرهم لمّا نقصوا لميستحقّوا فاذا كان بالاستحقاق لميكن تكريماً قلتُ ان اعطاءه سبحانه المستحقّين ما اعطاهم فضلٌ و منّة و ليس لخلقٍ عليه دلالة الّا بما دلّهم عليه من كرمه لأنّ الخير كلّه له سبحانه و المكلّفون كلّهم له فان اعطي فمن كرمه و ان منع فملكه علي انّ نفس الاستحقاق الذي هو من مقتضي قوابلهم من فضله اعطاهم ذلك الاستحقاق حين حصل لهم فقد اعطاهم ما حصل لهم حين حصل لهم من انفسهم كما اعطاهم شيئيتهم حين كانوا بتلك الشيئيّة شيئاً فافهم فانّه من خفي الأقدار و كان من تكرمة اللّه سبحانه لمحمّد و آله (ص) ان جعل الاسلام الذي هو دينه فرعاً لهم و غصناً من شجرة ولايتهم و ثمرة لشجرة دعوتهم و امّا تكرمته الانسان بسجود ملاۤئكته المقرّبين له فلا شك فيه و انّه من افضل تكرمةٍ كرّم بها سيّد مالكٌ جبّار عظيم عبيدَه الضعفاۤء بان اسجد لهم المقرّبين لديه المستغرقين في خدمته و السجود اعظم مراتب الخضوع و الذّلّة و لهذا ورد اقرب ما يكون العبد الي اللّه اذا كان ساجداً و كان حقيقة هذه التكرمة و الباعث عليها اظهار آثار ما كرّم اللّه محمداً و آله (ص) و في عيون الأخبار عن الرضا (ع) في حديثٍ فيه ان اللّه تبارك و تعالي خلق اٰدم و اودعنا صلبه و امر الملاۤئكة بالسجود له تعظيماً لنا و اكراماً و كان [ص 336] سجودهم للّه عبوديّة و لٰادم اكراماً و طاعة لكوننا في صلبه الحديث ، فقوله (ع) اكراماً و طاعةً لكوننا في صلبه اشارة الي ما قلنا من انّ ذلك اظهار ما كرم اللّه محمداً و آله صلي اللّه عليه و عليهم و هو وصلهم به و مزجهم بما نسبه اليه حتي جعل طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته و رضاهم رضاه و سخطهم سخطه كما روي في التوحيد و الكافي عن الصادق (ع) في تفسير قوله تعالي فلمّا آسفونا انتقمنا منهم قال ان اللّه تعالي لايأسَف كأسَفِنَا و لكنّه خلق اولياۤء لنفسِهِ يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسه و سخطهم سخط نفسه و ذلك لأنّه جعلهم الدّعاة اليه و الأدلّاۤء عليه فلذلك صاروا كذلك الحديث ، و تعبّد الخلق بعبوديّة ذلك الوصل مترجماً عنه بالصّلوة علي محمّد و آله (ص) كما اشار اليه في بيان تلك التكرمة بهذه التّرجمة بما رواه في الاحتجاج عن الكاظم (ع) عن اۤبائِه عن الحسين بن علي عليهم السلام في جواب سؤال اليهودي انّ آدم اسجد اللّه له ملاۤئكته الخ ، قال الي ان قال و محمّد (ص) قد اعطي ما هو افضل من هذا انّ اللّه عزّ و جلّ صلّي عليه في جبروته و الملاۤئكة باجمعها و تعبّد المؤمنين بالصلوة عليه فهذه زيادة له يا يهوديّ الحديث ، و معلوم انّ الصلوة من اللّه الرّحمة و هي مشتقّة من الصِّلةِ اي العطيّة و الوصل اي الأتّصال و من الوصْلة اي السّبب الممدود المتّصل هذا ما اشرنا اليه مع الاقتصار علي ذكرِ معني المكرّمين اي الممدودين بالتكرمات هذا ظاهر و المعني الباطن انّ المراد بالمكرّمين المطهّرون المنزّهون عن ما تقع عليه عبارات الناس كما قال عليّ (ع) في خُطبته ظاهري امامة و باطني غيب لايدرك ، و في خُطبته ايضاً انا الذي لايقع عليه اسم و لا صفة و قال عبدالحميد بن ابيالحديد في قصيدته الراۤئيّة في مدحه عليه السلام :
[ص 337]صفاتك اسماء و ذاتك جوهر بريء المعاني من صفات الجواهر
يجلّ عن الأعراض و الأين و المتي و يكبر عن تشبيهه بالعناصر
و يكون الثناۤء علي اللّه تعالي باسماۤئه و هم اسماۤؤه و كلّ شيء يسبّح اللّه باسماۤئه و ذلك ممكن في حقّ كلّ مسبّح علي قدر ما يعرف و يحيط به من الأسماۤء و لايُسَبِّح بالحقيقة الّا هم (ع) و امّا المقرّبون فهم المخصوصون بالقرب و الزّلفي لديه و اعلي مراتب القرب المقام الأوّل من مقاماتهم الأربعة المذكورة سابقاً في بيان قوله و موضعَ الرّسالةِ و هو ظهوره لهم بهم و هو الذي اشار اليه الصادق عليه السلام بقوله لنا مع اللّه حالاتٌ نحن فيها هُوَ و هُوَ نحنُ و نحنُ نحنُ و هُوَ هُوَ و في روايةٍ الّا انّه هو هو و نحن نحن و هذا الحديث نقله بعض العلماۤء في بعض كُتُبه و ممّا نقله شيخنا الشيخ حسين بن الشيخ محمّد بن الشيخ احمد بن عصفور الدّرازي البحراني في رسالته في جواب الشيخ عبداللّه بن يحيي في سؤاله عن الروح و هذا المقام هو المسمّي بالتوحيد و هو الذي اشار اليه الحجّة (ع) في دعاۤء شهر رجب في قوله و مقاماتك الّتي لا تعطيلَ لها في كلّ مكانٍ يعرفُكَ بها مَن عَرَفَك لا فرقَ بينك و بينها الّا انّهم عبادك و خلقك الدعاۤء ، و مثال هذا القرب و للّه المَثَل الأعلي الاستضاۤءة المدرَكة بالبصر من السّراج فانّها في الظاهر هي النّار و النَّارُ هي و النّار النّار و هي العنصر الحاۤرّ اليابس و هو غيب لايدركه البصر بل بينه و بين الاستضاۤءة ثلاث مراتب و الاستضاءة الاستضاءة و هي انفعال الدّخان المستحيل من الدّهن بالاستضاءة عن فعل النّار فالاستضاءة كالصّبغ و الدّخان كالثوب و مثالٌ آخر المِرءٰاة في [ص 338] استضاۤءتها من الشمس فانّها اقرب الي الشمس من الأرض و ان كان الاشراق واحداً و ذلك لشدّة ( بشدة خل ) قابليّتها اذا نظرت اليها كالشمس لا فرق بينها و بينها الّا انّ المِرءٰاة من شعاع الشمس كالأرض بل لمتشرق عليها اكثر من اشراقها علي الأرض و لكن لشدّة قربها من الشمس كانت كالشمس و ان كانت علي الأرض و مثالٌ آخر الحديدة المحماة من النّار كالنّار في فعلها لا فرق بينها و بينها في الاحراق الّا انّ النّار تحرق بفعلها و الحديدة تحرق بفعل النار الظاهر عليها لمجاورتها و قربها منها بحيث اذا نظرت الي الحديدة لمتر الّا جمرة النار فهم (ع) لشدة قربهم من ربّهم بخالص طاعته و انقطاعهم اليه حتّي غابوا في حضوره عن انفسهم قد ظهر عليهم فعله فكان فعلهم فعل اللّه و مارميتَ اذ رميت و لكنّ اللّه رمي و الاقبال اليهم عين الاقبال الي اللّه تعالي من اطاعهم فقد اطاع اللّه و من عصاهم فقد عصي اللّه من يطع الرسول فقد اطاع اللّه و رضاهم رضي اللّه و سخطهم سخط اللّه و الٰاخذ عنهم آخذ عن اللّه و الرّاۤدّ عليهم راۤدّ علي اللّه و هكذا فهم المقرّبون بمعني الأقربين الذين لميكن اقربَ منهم و ليس المراد مطلق القرب لصدقه علي الأنبياء و المرسلين و الشهداۤء و الصّالحين و الملاۤئكة لأنّ القربَ الذي يوصف به محمد و آله (ص) يكون في مقامٍ عند اللّه لاتقتضي الحكمة الالهيّة ان يكون فيه ازيد من اربعةَعشرَ مقرّباً فالقرب الحقيقي لهم لا غير و قرب غيرهم اضافيّ فافهم .
قال عليه السلام : المتّقون الصّادقون المصطفون .
قال الشارح (ره) المتقون في اعلي مراتب التّقوي فانّ تقوي المقربين من غفلة لمحة عن القرب مع اللّه تعالي الصادقون الذين قال اللّه تعالي يا ايّها الذين آمنوا اتقوا اللّه و كونوا مع الصّادقين و رُويَ في الأخبار ( المتواترة خ ) انّهم هم [ص 339] و لقُبْح الأمر لمتابعة غير المعصوم عقلاً و نقلاً مع انّ الصّدق اعمّ من ان يكون في الأقوال و الأفعال و الأطوار و لايوجد في غير المعصوم كما ذكره الكتّاني في كتاب الصّدق و هو كتاب حسنٌ لا بدّ للسالك الي اللّه منه المصطفون الذين قال اللّه تبارك و تقدّس ان اللّه اصطفي آدم و نوحاً ( و آل ابراهيم خ ) و آلمحمد علي العالمين في قراءة اهل البيت في اخبارٍ كثيرة و علي القراءة المشهورة فهم (ع) مصطفي آل ابراهيم بالأخبار المتواترة ه ، اقول قد تقدم بعض الاشارة الي معني التقوي التي هم اهلها و يأمرون بها في بيان ( باب خل ) و اعلام التّقي و قد ذكر في مصباح الشريعة عن الصّادق (ع) التقوي علي ثلاثة اوجه تقوي في اللّه و هي ( و في خل ) ترك الحلال فضلاً عن الشبهة و هي تقوي خاۤصّ الخاۤصّ و تقوي من اللّه و هي ترك الشبهات فضلاً عن الحرام و هي تقوي الخاۤصّ و تقوي من خوف النار و العقاب و هي ترك الحرام و هي تقوي العواۤمّ و مثل التقوي كماۤءٍ يجري في نهرٍ و مثل الطبقات الثلاثة كاشجارٍ مغروسات علي حافة ذلك النهر كلّ لون و جنس و كلّ شجرة منها تستمصّ الماۤء من ذلك النهر علي قدر جوهره و طبعه و لطافته و كثافته ثم منافع الخلق من تلك الاشجار و الثمار علي قدرها و قيمتها قال اللّه تعالي صنوان و غير صنوان يسقي بماۤءٍ واحدٍ و نفضّل بعضَها علي بعضٍ في الأُكلِ و التّقوي للطّاعات كالماۤء للأشجار و مثل طباۤئع الأشجار في لونها و طعمها مثل مقادير الايمان فمَن كان اعلي ( علي خل ) درجة في الايمان و اصفي جوهراً بالرّوح كان اتقي و من كان اتقي كانت عبادته اخلص و اطهر و مَن كان كذلك كان من اللّه اقرب و كل عبادة غير مؤسَّسَة علي التّقوي فهي هباۤء منثور قال اللّه افمن اسَّسَ بنيانه علي تقوي من اللّه و رضوان خيرٌ ام مَن اسّسَ بنيانه علي شفا جُرُف هارٍ فانهار به في نار جهنّم ه ، و هذه المراتب الثلاث [ص 340] ( من خ ) التقوي المذكورة في هذا الحديث هي الثلاث المذكورة في قوله تعالي ليس علي الّذين اۤمنوا و عملوا الصالحات جناحٌ فيما طعموا اذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتّقوا و اۤمنوا ثم اتّقوا و احسنوا و اللّه يحبّ المحسنين فالتقوي الأولي في الحديث هي الأولي في الٰاية و الثانية هي الثانية و الثالثة هي الثالثة و يجوز بالعكس و علي التقديرين فالمحسنون الذين جمعوا المراتب الثلاث و قاموا بما يراد فيها هم اهل محبّة اللّه و هم علي مراتبَ يتفاضلون فيها علي قدر معرفتهم و علمِهم و اخلاصِهم و صدقِهم الي ان تنتهي بهم المراتب الي مقام الولاية المطلقة في الامكان فيَنْفَرِدُ عن الخلق اجمعين محمّد و آله الطيبون صلّي اللّه عليهم اجمعين و ينحطّ ما سواهم كما قال سيّدالساجدين علي بن الحسين عليه السلام :
لايُحرِز السَّبْقَ الردايا و ان جرتْ و لايُدرِكُ الغايات الّا سبُوقُها
هم العُرْوة الوثقي و هم معدِنُ التّقي و خير حِبال العالمين وثيقُها
فهم المتّقون علي الحقيقة و ما سِواهم فهم في التّقي ( التقوي خل ) اتباعهم و الصّدق هو ان يُطابق القول ما في الواقع و هو قول مَن يقول باللّه و عن اللّه سَواۤء عرف انّ ذلك باللّه و عن اللّه ام لا فان عرف فقد فازَ بالحُسنَييْن ( بالحسنين خل ) و الّا فله عمله و في مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام الصّدق نورٌ غير متشعشع الّا في عالمه كالشمس يستضيء بها كلّ شيء بمعناه من غير نقصانٍ يقع في معناها و الصّادق حقّاً هو الذي يُصدّق كل كاذبٍ بحقيقة صدق ما لديه و هو المعني الذي لايسع معه سواه او ضدّه مثل آدم (ع) صدّق ابليس في كذبه حين اقسم له كاذباً لعدم ماهيّة الكذب في آدم (ع) قال اللّه عز و جل و لمنجد له عزماً و لأنّ ابليس ابدع شيئاً كان اوّل مَن ابدعَهُ و هو غير معهود ظاهراً و باطناً فخسر هو بكذبه [ص 341] علي معني لمينتفع به من صدق آدم (ع) علي بقاۤء الأبد و افاد آدم (ع) بتصديقه "-٤" كذبه "-٢" بشهادة اللّه بنفي عزمه عمّا يضاۤدّ عهده في الحقيقة علي معني لمينتقص ( لمينتقض خل ) من اصطفاۤئه "-٤" بكذبه "-٢" شيئاً فالصّدق صفة الصّادقين ( الصادق خل ) و حقيقة الصّدق يقتضي تزكية اللّه تعالي لعبده كما ذكر عن صدق عيسي (ع) في القيامة بسبب ما اشار اليه من صدقه براءةً للصّادقين من امّة محمّد (ص) فقال عزّ و جلّ يوم ينفع الصّادقين صدقهم الٰاية ، و قال عليّ (ع) الصّدق سيف اللّه في ارضه و سماۤئِه اينما هوي ( هو خل ) به يَقُدُّ فاذا اردتَ ان تعلم صادق ( أصادق خل ) انت ام كاذب فانظر في قصد معناك و غور دعواك و عيّرها بقسطاس من اللّه عزّ و جلّ كأنك في القيٰمة قال اللّه عزّ و جلّ و الوزن يومئذ الحقّ فاذا اعتدل معناك بدعواك ثبت لك الصّدق و اقل ( و ادني خل ) حدّ الصدق اَلَّايخالف اللسانُ القلبَ و لا القلبُ اللّسانَ و مَثَلُ الصّادق الموصوف بما ذكرنا كَمَثلِ النازع روحه ان لمينزع فماذا يصنع ه ، قوله (ع) الصّدق نور غير متشعشعٍ الّا في عالمه يعني به انه لميلزم منه ان ( انه خل ) لايقع الّا علي الصّدق اي لايُصَدِّقُ الصّادقَ الّا الصّٰادِقُ ليشرق في غير محلّه بل يجوز ان يُصَدِّق الكاذبَ لأنّ الصّدق ينير في قلب الصّادق لا غير الّا انّه ينتفع به الصّادقُ و الكاذبُ بنَيلِ مطلوبهما و لمّا كانَ الصّادق ليس عنده كذب لميعرف الكذب في نفسه فاذا سمع القول صدّقه و ان كان كذباً لحقيقة ( بحقيقة خل ) ما عنده لأنّه لايظنّ كذب المخبر و قوله و افاد اي الصّدق آدم (ع) بتصديقه كذبَ ابليس بشهادة اللّه بنفي عزمه اي بانّه لميدّع ما ليس في وسعه حتّي اخبر اللّه بانه لميَفْهم و لميدّع ما لايفْهَم فلهذا لمينقص عدمُ فهمه و تصديقُهُ الكاذب من اصطفائه شيئاً بل هو صفيّ اللّه و ذلك قوله و مثل الصّادق الموصوف بما [ص 342] ذكرنا كمثل النّازع روحه ان لمينزع فما ذا يصنع ، يريد به انّ الصّادق ليس له التفاتٌ مّا كما انّ الذي في حال النّزع ليس له التفاتٌ الي غير نزع الرّوح و المراد انّ الصّدق له مراتب متعدّدة يطلق عليها من باب التشكيك فادناه اَلَّايخالف اللّسانُ القلبَ و لا القلبُ اللّسانَ و اعلاه كمثل مَن هو في النّزع لان من هو في النزع قد تجمعت جميع شئونه في شأنٍ واحدٍ فلميبق له التفاتٌ الي غير النزع لعظم الخطب النازل فكذلك اعلي الصّدق فانّ صاحبه محترق في نار المحبّة قد اشغلته حرارة نارها بالطّلب عن كل شأنٍ حتّي عن نفسه فهو في فناۤءِ محبوبه غائب عن نفسه و شئونها كمثل النازع روحَهُ و هذه علي كمال ما ينبغي لاينالها الّا محمّد و اهل بيته صلّي اللّه عليه و آله و اما غيرهم فمنهم المدّعي لها الكاذب في دعواه و منهم الجاهل بها و منهم الصّادق العالم و لكنّه يعرف انّ مقامه منها ليس علي كمال ما ينبغي فالمدعون لها كثيرون و اكثرهم الصوفيّة يزخرفون الكلام بما يتوهّم الطغام انّ كلّاً منهم امام و لهذا نظم عبداللّه بن القاسم السهروردي في قصيدته طريقة الواصلين عندهم الي هذا المقام الي ان قال :
فحططنا الي منازلِ قومٍ صرعَتْهم قبل المذاق الشّمولُ
دَرَس الوجدُ منهم كلّ رسمٍ فهو رسمٌ و القوم فيه حُلُولٌ
منهم مَن عفي و لميبق للشكوي و لا للدموع فيه مقيلٌ
ليس الّا الأنفاس تخبر عنه و هو عنها مبرّءٌ معزولٌ
و اشار الي مَن دون هؤلاۤء بقوله :
و منَ الناس من يشير الي وجدٍ تبقي عليه منه القليلُ
الخ ، و الجاهلون بها اذا حصل لهم ادني توجّهٍ و اقبال بحيث قلّ اشتغالهم بالدنيا بالنّسبة الي غيرهم توهّموا اَلَّا مقام وراۤء مقامهم ( و هم في الحضيض مقيمون و لكن لايعلمون خ ) و العالمون ( كالأنبياء و المرسلين خ ) فانوار قلوبهم [ص 343] و اضواۤء افئدتهم و صفاۤء اجسامهم و اعتدال امزجتهم و معارفهم و علومهم بالنّسبة الي نهاية المراتب ناقصة متسافلة و هم مع قربهم يعلمون نقصهم الي محمّد و آله ( و آلمحمّد ص خل ) كما هو حال الشعاع من الشمس المنيرة و ذلك لقصور مشاعرهم و قوابلهم عن الاحاطة بذلك فخاص بالذّات لمحمّد و اۤله السّادات صلّي اللّه عليهم اجمعين فهم الصّادقون حقّاً و عن الرضا عليه السلام الصّادقون هم الائمّة و الصّديقون بطاعتهم و الاصطفاۤء اخْذ الصّفو من الشيء يعني جيّده طالباً و المأخوذ مصطفي و المعني انّ اللّه سبحانه اختارهم من جميع خلقه لأنّه سبحانه نظر الي خلقه في الامكان فاختار منهم محمّداً و اهل بيته صلّي اللّه عليهم فالبسهم حلّة الوجود فبقوا يوحّدونه و يعبدونه الفَ دهرٍ لميخلق شيئاً غيرهم فالاصطفاۤء هنا لحقيقة ( الحقيقة خل ) يكاد زيتها يضيۤء و لو لمتمسسه نار ثم لمّا خلق الدهر و خلق اوّلاً الصّفوة من خلقه من ( عن خل ) عرق انوارهم عليهم السلام كانوا معهم فاختارهم لأنّه نظَر الي الجميع في الأكوان فاختارهم من المصطفَين الأخيار و لمّا خلق الزمان و خلق من خلقه ما شاۤء كانوا فيهم فاختارهم من ساۤئر خلقه فالاصطفاۤء الاوّل في السّرمد و بعده قبل الدهر و الاصطفاۤء الثّاني مع الدهر و في الدهر و بعده قبل الزّمان و الاصطفاۤء الثّالث مع الزمان و في الزمان و ما بعد الزمان ما قبله و ما بعد الدهر ( ما قبله خل ) و ما بعد السرمد ما به فهذا الاصطفاۤء في هذه المراتب كلّها كان لمحمّد صلّي اللّه عليه و آله و هو قول علي (ع) في خطبته يوم الغدير و الجمعة قال (ع) و اشهد انّ محمّداً عبده و رسوله استخلصه في القدم علي سائر الأمم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناۤء الجنس الي ان قال (ع) قرن الاعتراف بنبوّته بالاعتراف بلاهوتيّتِهِ و اختصّه من تكرمته بما لميلحقه [ص 344] احد من بريّته فهو اهل ذلك بخاصّته و خلّته ، اقول و اراد بقوله في القدم ما قلنا في السرمد و بعد ان اصطفاه (ص) اصطفي آله الطيّبين فيما اصطفاه فيه و له السّبق و به الشّرف و هو قول علي (ع) في هذه الخطبة بعد ذلك الكلام و انّ اللّه تعالي اختصّ لنفسه بعد نبيّه (ص) من بريّته خاۤصّة علّاهم بتعليته و سما بهم الي رتبته و جعلهم الدعاة بالحقّ اليه و الأدِلّاۤء بالارشاد اليه لقرنٍ قرنٍ و زمنٍ زمنٍ انشأهم في القدم قبل كل مذروءٍ و مبروءٍ ، و قوله انشأهم في القدم يريد به الوقت الذي استخلص فيه نبيّه (ص) و هو قولنا فيما اصطفاه فيه و انما سمّي (ع) السّرمد قِدَماً لانّ السّرمد خُلِقَ بنفسه فليس له اوّلٌ مخلوقٌ و لا اٰخرٌ ملحوقٌ لأنّ الأوليّة و الٰاخريّة مخلوقان بالسّرمد و نعني بالسرمد وقت الابداع و الاختراع و المشيّة و الارادة و هذه الأربعة يُراد بها فعل اللّه و لايتوهم انه سبحانه اصطفاهم في القدم الذي هو الأزل الذّاتي و ازل الٰازال و غيب الغيوب لأنّ ذلك هو الذات البحت و ليس في الذّات البحت شيء غيرها فلا معني للاصطفاۤء فيها و لا بها لأنّ الاصطفاۤء من آثار الفعل فهم علي الحقيقة المصطفون لميصطف اللّه سبحانه احداً كما اصطفاهم و لميصطف احداً من خلقه الّا لاجل متابعتهم و الائتمام بهم و الوفاۤء لهم بما عاهد عليه اللّه من ولايتهم و هو قول ابيمحمد العسكري (ع) في تاريخه قال (ع) و الكليم البس حلّة الاصطفاۤء لمّا عهدنا منه الوفاۤء فابان (ع) انّ موسي الكليم (ع) لمّا شهدوا له بالوفاۤء بالعهد الذي اخذ عليه في التكليف الأوّل البس حلّة الاصطفاۤء اي البسوه حلّة اصطفاۤء اللّه له لانّ اللّه تعالي بهم اصطفاۤهم و اصطفي بهم و لهم ما شاۤء و هو قول علي (ع) نحن صنائعُ اللّه و الخلقُ بعدُ صنائع لنا ، اقول يريد ان اللّه اصطنع الخلق لنا فافهم .