قال عليه السلام : كما شهد اللّه لنفسه .
انه ( اللّه خ ) سبحانه لميجد غيره في ازليّته كما قال تعالي قل اتنبئونه بما لايعلم في السموات و لا في الأرض فانّه لايعلم انّ معه غيره لا في ذاته و لا في صفاته و لا في افعاله و لا في استحقاقه لما سواه فهو يجد نفسه بنفسه فوجدانه وجوده و ذاته وجدانه لذاته و ذاته وجوده و قد يعبّرون عن هذا الوجود بالوجه الباقي و لايذهب عليك مع تكثّر العبارات حصول الكثرة و انما هو شيء بحقيقة الشيئيّة واحدة بحقيقة الوحدة اي احدي المعني فاذا قيل من حيث هو عالم بذاته علم و عالم و من حيث هو يشهد نفسه بصرٌ و بصير لايراد منه الّا التّفهيم و التبيين توصّلاً الي اثبات الثابت في القلوب و الأوهام اي اثبات وصفه [ص 296] ليبين عند عبده بوصفه عمّا سواه لا انّ هناك مغايرةً و لا كثرةً و لا حيثاً و لا اعتباراً لا عقلاً و لا فرضاً لا في الأزل و لا في ظهوره بوصفه لعبده اذْ لا حقيقة للعبد الّا ذلك الوصف الذي ظهر له به اي ظهر بعبده له فاذا عرفه بوصفه عرفه كما عرّفه ( عرف خل ) نفسه لعبده فاذا قلتَ اشهد اَلَّا اله الّا هو كما شهد اللّه لنفسِهِ تريد انّي اشهدُ له باحديّةٍ لايعرفها غيره و هي احديّة الوجوب احديّة هي ذاته لأنّي لاادرك الّا احديّةً هي آية احديّته و جميع الخلق من نبيٍّ مرسلٍ و ملكٍ مقرّبٍ انما يدركون الأحديّة التي هي آية احديّته و ان تفاوتت مراتب المدركين و المدركات من الأحديّات التي هي آيات احديّته الّتي هي ذاته و هي الّتي تشهد ( شهد خل ) بها لنفسه تفاوتاً غير متناهٍ في الامكان لأنّ ما يعرفه غيره آية و الٰاية تدلّ بكونها آيةً علي ذي آيةٍ و لايلزم من هذه الدلالة بيان كنه المدلول عليه و لا الاحاطة لأنّها انّما تدل بفقرها و حاجة استنادها الي غنيّ مطلق لايستند الي غيره و الّا لتحوّل دليلاً بعد ما كان مدلولاً عليه فما عرفتَ من الوحدة الحقيقية ( الحقيقة خل ) الّتي شهدتَ بها له دَلَّكَ علي الوحدة الّتي شهد بها لنفسه لاستناده اليها و فقره و ظهورها به لَهُ فانتَ تشهد بما عرفتَ و تَعْنٖي به ما لمتعرف مما شهد به لنفسِهِ و هذا هو المراد من المعرفة الصّحيحة التي اراد سبحانه من العباد و كذلك في خطابه و دعاۤئه لأنّ الخطاب خلق تتوصّل به الي الحقّ علي نحو ما قلنا في المعرفة فصحّ علي ما قلنا انّك تشهد اَلَّا الٰه الّا اللّه كما شهد اللّه لنفسه و يحتمل فيه معني آخر و هو انّ الكاف لمتكن هنا للتشبيه بل هي للتّعليل و المعني انّي اشهد اَلَّا اله الّا اللّه لأنّه شهدَ اَلَّا اِله اِلَّا هو و هو العالمُ فلو وَجَدَ معه غيره لماوحّد نفسه و يكون قولك لانّه شهد لنفسه و لايحتاج الي توحيد نفسه و انّما عَلَّمَنٰا ذلك ليَدُلَّنا علي ما فيه هدايتنا الي ما اعدّ من الخيرات في الدّنيا و الٰاخرة لموحّديه و نجاتنا ممّا اعدّ [ص 297] من العقوبات في الدنيا و الٰاخرة لمنكري توحيده اَوْ انّ توحيده نفسه لنا مادة لجميع اكواننا في جميع مراتب الايجادات و المثوبات و توحيدنا له قبولنا لجميع تلك الاكوان و يحتمل ان يكون كما شهد لنفسه لنا اي كما وصف نفسه لنا بأنّه واحدٌ لا شريك له و هو ما عَرَّفَنا من نفسه اي الذي اشرنا اليه سابقاً من قول اميرالمؤمنين (ع) تجلّي لها بها و من قولنا ان تعرّفه لك هو ظهوره لك بك و يدلّ علي هذا ظاهر العطف في قوله و شهدتْ له ملاۤئكته و اولوا العلم من خلقه المقتضي للتشريك و تدخل انت علي اعتبارٍ في التشريك و ينطبق علي ما قرّره بعض العلماۤء من محقّقي العارفين من انّ المشبّه في القرءان و السّنّة المنقولة باللّفظ نفس المشبّه به و انّ الكاف اتي به آلةً للاتحاد و يدلّ عليه انّ كلّ ما وجد في القرءان من المشبّه و المشبّه به ان اريد به الاتحاد لميؤت بلفظ مَثَل محركاً مثل قوله تعالي انما مثل الحيوة الدنيا كماۤءٍ انزلناه من السماۤء و لميقل كمثل ماۤءٍ و ذلك للاتّحاد فانّ مثل الحيوة الدّنيا هو ماۤء يعني لمّا اراد جلّ و علا ان يبيّن للعباد مثل الدنيا انزل المطر و هو بعينه نفسُ مثل الدنيا و اهلها فانّه يقع علي الأرض فينبت به النّبات و الأزهار الّتي تعجب الناظرين ثم يصفرّ ثم يكون حطاماً ثم يقع في العامِ القابل فينبتُ ذلك النبات كذلك النّشور و الدنيا كذلك قال تعالي و اللّهُ انبتَكم من الأرضِ نباتاً ثم يعيدُكم فيها و يخرجُكم اخراجاً فقد حييتم فيها كالنّبات و الزهر ثم تفنون كالنّبات لميبق من النّبات الّا بذره قد اختلط بتراب الأرض لميتبيّن منه ثم ينبت في العام القابل كذلك انتم تفنون لميبق منكم الّا طينتكم الأصليّة التي خلقتم منها كالبذر قد اختلطتْ بالتّراب كسحالةِ الذّهب لمتتبيّن ( لايتبين خل ) من التّراب فيقع المطر من بحر صاۤد علي الأرض فتنبتون و تخرجون للحساب يوم القيمة فالماۤء هو نفس مثل الدنيا و ان لميرد به الاتّحاد في الذات فلا بدّ [ص 298] من الاتيان بلفظ مثل كما قال تعالي مَثَلُ الّذين حمّلوا التورٰية ثم لميحملوها كمثل الحمار لمّا كان الحمار في هذا المقام لميكن مَثَلاً لهم الّا اذا حمل كُتُباً لميكن نفسه مَثَلاً بل كانَ مثله مَثَلاً فكانَ مثل حمل الحمار الكتب عين مثلهم في حمل التورٰية و كذلك قوله مَثَلُهم كَمَثَلِ الّذي استوقدَ ناراً نفس مثلِهم نفس مثل المستوقد ( فمثل المستوقد ناراً نفس مثلهم خل ) لا نفس المستوقِد ثم قال او كصيّبٍ من السماۤءِ فنفس الصيّب نفس مثلهم لا مثله فافهم فيكون قوله كما شهد لنفسِهِ علي هذا المعني عين شهادتك له و المعني اَنَا اَشْهَدُ اَلَّا اِلٰۤه اِلّا اللّه و هي شهادته لنفسه اَلَّا اِله اِلّا هو لي علي معني تعرّفه بذلك لي و هو ظهوره لي بي كما ذكرنا مكرراً .
قال عليه السلام : و شهدتْ له ملاۤئكته و اولوا العلم من خلقه .
المراد بالملاۤئكة جميع الملاۤئكة الكليّة و الجزئيّة من ملاۤئكة الماۤء الاول و ملاۤئكة البلد الميت و الملاۤئكة الزارعين في تلك البلد و الغارسين الأشجار و المجرين للأنهار و الملاۤئكة العقلانيّة و الروحانيّة و النفسانيّة و الطبعانيّة و الماۤدّية و المثاليّة و الجسمانيّة و العرضانيّة و ملاۤئكة البرازخ بين تلك و البساۤئط و المركبات و الملاۤئكة الموكَّلة بالأضواۤء و الأجزاۤء و الذّرات و الالوان و الحركات و الامساكات و الالزامات ( الالتزامات خل ) و غير ذلك من جميع ذرّات الوجود الكوني و الامكاني و هي الموكّلة بانحاۤءِ الخلق و الرزق و الحيوة و الممات بالفعل و القوّة و شهادتها بالْسِنَةِ اجنحتها فيما وُكِلتْ بطيرانها فيه و كذلك الملاۤئكة المخلوقة بالتركيب و التكسير و التبديل و الأعمال و التّصحيف و الضّرب و التأليف و التّعفين و التّوليد و الضّم و ما اشبه ذلك فانّ تسبيحهم و شهادتهم بالوحدانيّة بما هم قاۤئمون به من [ص 299] هذه الأحوال المذكورة و ما اشبهها فان كانت صالحة نظم الله سبحانه به الحق و ان كانت طالحة انتظم بها باطل المبطل فكانت سبب جريان العدل علي ذلك المبطل و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون و المراد باولي العلم بالحقيقة و الأصالة محمد و آله المعصومون صلّي اللّه عليه و آله الطاهرين و بالحقيقة الفرعيّة اهل العصمة ( من المرسلين خ ) و الأنبياۤء (ع) و بالفرعيّة المؤمنون من بني آدم و بالتّبعيّة المؤمنون من الجنّ و هذا كما قيل في تفسير ربّ العالمين و قد ورد عن ابيعبداللّه (ع) كما في الخصال قال (ع) الجنّ علي ثلاثة اجزاۤء فجزء مع الملاۤئكة و جزء يطيرون في الهواۤء و جزء كلاب و حيّات و الانس علي ثلاثة اجزاۤء فجزء تحت ظل العرش يوم لا ظلّ الّا ظلّه و جزء عليه الحساب و العقاب و جزء وجوههم وجوه الٰادميّين و قلوبهم قلوب الشياطين ه ، فالمؤمنون من الانس و هم الذين تحت ظلّ العرش الشيعة و هم اولوا العلم باللّه و يحتمل ان يراد بالمذكورين هنا اهل العصمة (ع) و ان دخل الشيعة فيهم ( فهم خل ) بالتّبعيّة و المؤمنون من الجنّ هم الذين مع الملاۤئكة هذا اذا اريد بالعلم ما هو المعروف فانّ اولي العلم هم الذين يعرفون الله بالدّليل او يعرفون خصوص التّوحيد او يعرفون ما يراد منهم و يفعلونه او يخشون اللّه فانّ خشيته هي العلم كما قال تعالي انما يخشي اللّهَ من عباده العلماۤءُ ، و في الدعاۤء لا علم الّا خشيتك و لا حكم الّا الايمان بك ليس لمن لميخشك علم و لا لمن لميؤمن بك حكم و مراتب العلماۤء في العلم علي هذا الوجه المعروف تتفاوت بتفاوت حسن العمل و الاخلاص و صدق الشهادة بالتوحيد علي حسب ذلك قال (ع) العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الّا ارتحل عنه ، و ان اريد بالعلم ما هو اعم من المعروف بل يرادف الوجود بل الامكان فكلّ شيء يشهد بتوحيده كما روي عن الصادق (ع) :
[ص 300]فيا عجباً كيف يعصي الالۤه ام كيف يجحده الجاحد
و في كلّ شيء له آية تدلّ علي انّه واحد
و ان من شيء الّا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم فالجزء الثاني من الانس و هم الذين عليهم الحساب و العقاب هم الذين خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيّئاً من المؤمنين و المرجَون لأمر اللّه اما يعذّبهم و امّا يتوب عليهم من المخالفين الذين لميتبيّن لهم الهدي و ( ما خ ) كان ( من خ ) ذواتهم و احوالهم و اعمالهم و اقوالهم و افعالهم ممّا تحلّه الحيوة حيوة الوجود فتوحيده حقّ كلّ مرتبته و ما لمتحلّه الحيوة فتوحيده سبب جريان العدل عليه و الجزء الثالث هم شياطين الانس اقرّوا بالسنتهم فالبسوا صورة استعيرت لهم من الانسان فهي توحّد من دونهم و هم امواتٌ غير احياۤءٍ اعمالهم صورٌ هي محاۤلّ عدل اللّه سبحانه فيهم ان سخط ( اللّه خ ) عليهم و في العذاب هم خالدون و امّا الجزء الثاني من الجنّ فلايبعد لحوقهم بالثالث من جهة العلم يدلّ عليه ما روي في الخصال عن النبيّ (ص) قال خلق اللّه الجنّ خمسة اصنافٍ صنف حيّات و صنف عقارب و صنف حشرات الأرض و صنف كالريح في الهواۤء و صنف كبني آدم عليهم الحساب و العقاب ه ، فقوله و صنف كالريح في الهواۤء يريد بهم الذين يطيرون في الهواۤء علي الظاهر و هم ليسوا ممن عليهم الحساب و العقاب كما ذكر في هذا الحديث ففي الحديث الأوّل قسّمهم باعتبار حقاۤئقهم و في الثاني باعتبار حكم التكليف الذي يشاركون فيه الانسان ظاهراً و الّذين مع الملاۤئكة منهم يجوز ان يكونوا ممّن عليهم الحساب و العقاب فاحسنوا العمل و حاسبوا انفسهم فلحقوا بالملاۤئكة و يحتمل انهم لميذكروا في الحديث الثاني و الأوّل اظهر عندي و باقي الأصناف منهم حال توحيدهم ما اشرنا اليه فيما تحلّه الحيوة و ما لاتحلّه الحيوة . [ص 301] ثم اعلم انه قد ذكر الملاۤئكة قبل اولي العلم في الٰاية و في الزيارة و في الأحاديث ايضاً امّا لانّ الذكر باعتبار لحاظ الترقّي فيبتدأ بالأدني و ذكر توحيده نفسه سبحانه قبل لأنّه المعلّم و الدّاعي و امّا لما تعرفه العواۤمّ من انّ الملاۤئكة هم الوساۤئط في الوحي بين اللّه و بين البشر كما هو ظواهر الأدلّة و امّا لأنّ الاستغراق في التوحيد في البساۤئط و المجرّدات ادوم لأنّهم لايشتغلون بغير ذكره تعالي كما قال عليّ بن الحسين (ع) في الدعاۤء للملاۤئكة في الصّحيفة اللّهم و حملة عرشِك الّذين لايفترون من تسبيحك و لايسأمون من تقديسِك و لايستحسرون عن عبادتك و لايؤثرون التقصير علي الجدّ في امرك و لايغفلون عن الوَلَهِ اليك الي ان قال (ع) و الّذين لاتدخلهم سَأٰمة من دؤبٍ و لا اعياۤءٌ من لغوبٍ و لا فتورٌ و لاتشغلهم عن تسبيحك الشّهوات و لايقطعهم عن تعظيمك سهو الغفلات الدعاء ، بخلاف الماديّات و المركّبات لكثرة الموانع و لهذا كان صالح البشر افضل من الملاۤئكة لما في البشر من الموانع و طالحهم شرّ من الأنعام و في العلل عن الصادق (ع) حين سأله عبداللّه بن سنان الملاۤئكة افضل ام بنوااٰدم فقال قال اميرالمؤمنين (ع) اعلموا انّ اللّه ركّب في الملاۤئكة عقلاً بلا شهوةٍ و ركّب في البهاۤئِم شهوةً بلا عقل و ركّب في بني اۤدم كلتيهما فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملاۤئكة و مَن غَلَبَتْ شهوته عقله فهو شر من البهاۤئم ه ، و امّا لأنّ التّعليم بالوحي انما يكون بواسطتهم باعتبار ظاهر الأمر و التكليف فحَسُنَ لأجل ذلك التقديم و ان كان في نفس الأمر انهم متأخرون ( يتأخّرون خل ) ايجاداً و شهادةً و قوله (ع) من خلقه علي احتمال ارادة المعني الأوّل من العلم يراد منه التبعيض يعني انّ غير اولي العلم من باقي المخلوقات و ان حصلت منهم الشّهادة بالتوحيد لكن توحيدهم عند اولي العلم كفر كما روي في الذّرة انّها تزعم انّ لِلّهِ زبانَيْن اي قرَنين لانّ كمال نوعها [ص 302] في وجودهما فتصفه بما هو كمال عندها و هذا و ان قبل منها لضعف عقلها لكنّه عند اولي العلم و في نفس الأمر ليس بصحيح فلميعتدّ بتوحيدها سوي اولي العلم في مقام الثناۤء علي اللّه تعالي اذْ لايحسن في هذا المقام انّ الذّرة توحّده و ان كان في مقامٍ آخر و هو عموم انقياد الخلق يكون حسناً و لهذا قال سبحانه في مثل هذا المعني الذي اشرنا اليه سبحان اللّه عما يصفون الا عباد اللّه المخلصين يعني ( ان عباد اللّه المخلصين خ ) يصفونه بما يليق بجلاله و عظمته و لاينافي هذا تقدّسه عن وصف العباد المخلصين ايضاً كما قال تعالي سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون لانّه سبحانه في شهادته لنفسه بوحدته لتعليم خلقه ليعرفوه بما وصف به نفسه و هذا لايكون في الامكان فيكون وَصْف ملاۤئكته و اولي العلم من خلقه لائقاً بامتثال امره و حصول مراده من انّهم يعرفونه و امّا قوله تعالي سبحان ربّك ربّ العزة عمّا يصفون فهو ما يكون بالنسبة الي ذاته المقدسّة البحت فانّ الوجوب مقدّس عن كلّ ما سواه فتعالي عن كلّ شيء علوّاً كبيراً و علي احتمال ارادة المعني الثاني من العلم يراد منه البيان و ان اختلف و تفاوت في مراتب التشكيك و ذلك لانّ الوجود كلّه عالم و كلّ فردٍ من افرادِهِ من جوهرٍ و عرضٍ في غيبٍ او شهادةٍ له علم بل هو علم بل هو عالم و لاينفكّ العلم عن الوجود فاذا وُجِدَ وُجدَ و اذا فُقِدَ فُقِد و يترتّب حال هذه الارادة للمعني الثاني علي ما اُشِيرَ اليه فيه سابقاً و شرح ما ينبغي في هذا المقام يطول به الكلام .
قال عليه السلام : لا اله الّا هو العزيز الحكيم .
قال الشارح قُدِّسَ سرّه كُرّر للتأكيد و التّوصيف .
اقول انّ الزاۤئر اتي بالتّهليل بعد الشهادة به اوّلاً بعد ان رجع الي نفسه فانشأ التّهليل عند معاينة الوحدة [ص 303] بتنبيه المزور (ع) و ذلك انّه (ع) بعد ان نبّه الزاۤئر فيما عاين من مقامهم عليهم السلام علي ان لا اله الّا اللّه فهلّل الزاۤئر كما تقدّم رجع (ع) الي نفسه عند ظهور الوحدة الحقيّة عليه بالوحدة الحقيقيّة فاشرق سَنَاهَا علي فؤاد الزاۤئر و قلبه فرجع الي نفسه فنطق بما وَجد فيه من ذلك السّناء لا اله الّا هو و ان اردتَ ظاهر الأمر قلتَ بعد ان شهد بالتّهليل ظهر اثره عليه فذكر بقلبه ما شهد به فقال لا اله الّا هو و لو لميرجع الي نفسه و لميذكر شيئا و قالَهٰا فهو من الغافلين و معني لا اِلٰه الّا اللّه علي ( المعني خ ) المعروف لغةً انّ اوهام المتوهّمين مما انِسَتْ به من كثرة الفاعلين و المالكين و المتكبّرين و المستعبدين تجوز كثرة الٰالهة الالٰه الحق سبحانه و آلهة ( الهته خل ) غيره فيطلقون لفظ الالٰه عليه و علي سائر ما يتوهّمون اطلاقاً حقيقياً عندهم و ان كان علي سبيل التّشكيك لانّ المشركين لاتطيعهم نفوسُهم علي الاطلاق بالتواطي لما اركز في فطرتها من التّوحيد فنزلت الرحمة بالهداية منه جلّ و علا لنجاتهم بكلمة التّوحيد و هو نفي الٰالِهة المدّعي ثبوتها علي ما يفهمون و اثبات الوحدة الالٰه الحق سبحانه في اذهانهم فحَسُنَ استثناۤء الحق من الباطل ممّا يدّعون من التشريك ففي الواقع لميدخل في التشريك و الاطلاق فكان معناها اللّه كما قال سبحانه قل اللّه ثم ذرهم في خوضهم يلعبون و فٖي اوهامهم كان معناها نفي الٰالهة الباطلة من اوهامهم باداةِ لا و اثبات الثابت سبحانه باداةِ اِلّا و لهذا قال بعض العارفين انّما اُتِيَ بلا مكْنَسَةً لغبار الأوهام و توصّلاً الي اثبات الثابت ذي الجلال و الاكرام . و قوله العزيز يريد به القاهر لما اراد و العالِم بما عزّ و صغر و الملك المتسلّط علي مَن دونه و الغالب علي امره ( امرٍ خل ) و المتفرّد بالعزّة و القدرة قال الصدوق (ره) في التوحيد العزيز معناه انّه لايعجزه شيء و لايمتنع عليه شيء اراده فهو قاهر للأشياۤء [ص 304] غالب غير مغلوب و قد يقال في مَثَل من عَزَّ بَزَّ اي من غَلَبَ سَلَبَ و قوله عزّ و جلّ حكايةً عن الخصمين و عزّني في الخطاب اي غلبني في محاورة الكلام و معني ثانٍ انه الملك و يقال للملِك عزيز كما قال اخوة يوسف ليوسف (ع) يا ايّها العزيز و المراد به يا ايّها الملِك ه ، اقول و من معانيه التكرم عن النقاۤئص و التنزّه عن الرذاۤئل و الأضداد و الأنداد و الشركاۤء و الذي لايطاول و لايحاول و الشديد و له معانٍ من الاشتقاقات اللّغوية كثيرة و الأليق بمعناه اذا الحق بكلمة التوحيد المتنزّه عن الشركاۤء و الأنداد و الأضداد . و الحكيم قال في التّوحيد الحكيم معناه انّه عالِم و الحكمة في اللّغة العلم و منه قوله عزّ و جلّ يؤتي الحكمة مَن يشاۤء و معني ثانٍ انّه محكم و افعاله محكمة متقنة من الفساد و قد حكمته و احكمته لغتان و حكمة اللّجام سمّيت بذلك لانها تمنعه من الجري الشديد و هي ما احاطَتْ بِحَنَكهِ ه ، اقول قال في الكشّاف في تفسير يؤتي الحكمة من يشاۤء قال يوفّق للعلم و العمل به و الحكيم عند اللّه هو العالم العامل و قال في تفسير قوله تعالي لا الۤه الّا هو العزيز الحكيم صفتان مقرّرتان لما وصف به ذاته من الوحدانيّة و العدل يعني انّه العزيز الذي لايغالبه الٰهٌ آخر الحكيم الذي لايعدِلُ عن العدل في افعاله ، و قال في الوافي في حديث العقل و جنده في و الحكمة و ضدّها الهوي قال هي يعني الحكمة الأخذ باليقينيّات الحقّة في القول و العمل و قال الصّادق (ع) ( في حديث هشام خ ) في قوله تعالي و لقد آتينا لقمان الحكمة قال الفهم و العقل و قال في الوافي في بيان قول اميرالمؤمنين (ع) بالعقل استُخْرِج غور الحكمة و بالحكمة استخرج غور العقل قال غور الحكمة اي غوامض المعارف الحكميّة و العلوم الالهيّة و قال في غور العقل اي بادراك الحقاۤئق العقليّة و تحصيل المعارف الحكميّة استخرج النفس من حدّ القوّة الي الفعل و من حدّ النقص [ص 305] الي الكمال في باب العقل و المعقول و في التأدّب ( التأديب خل ) بالٰادٰاب الصالحة و التخلّق بالاخلاق الحميدة فيصير عقلاً كاملاً بالفعل و هو المراد من غور العقل يعني غايته و كماله الأقصي و الحاصل انّ كلّ مرتبة من العقل تقتضي استعداد الوصول الي مرتبة من الحكمة اذا حصلت للنفس تجعلها مستعدة لفيضان مرتبة اخري فوقها من العقل و بالعكس و هكذا يتدرّجان في ( الاشتداد و خ ) الازدياد الي ان يبلغا الي الغاية القصوي و الدرجة العليا فبكل منهما يقع الوصول الي غور الٰاخر و غايته ( عليته خل ) ه ، و بالجملة فالحكيم في حق الواجب هو العالم المطلق الذي لايغايا علمه و لايكتنه حقيقته و يجري افعاله علي مقتضي الحكمة من الصلاح و العدل في جميع انحاۤء مشيّته .
قال عليه السلام : و اشهد انّ محمّداً عبده المنتجب و رسوله المرتضي .
الشهادة هنا لها مستندانِ احدهما الشهادة المعروفة الثابتة عن التواتر بانه (ص) رسول اللّه كما هو مذكور في كتب الكلام من انّه ادّعي النبوّة و صدّق دعواه بالمعجزات المقرونة بالتحدّي و قد ثبت كثير منها بالتواتر و من اعظمها و اشدها تحقّقاً و تحقيقاً لدعواه صلي اللّه عليه و آله القرءانُ الباقي الي انقضاۤء عالم التكليف يشهد له بالنبوّة و الرسالة لايقدر احد من الخلاۤئق ان يطعن في شهادته له و تصديقه ايّاه و هذا القرءان المثبت لدعواه (ص) غير ثبوتها بالتواتر لانّه معجز مستقلّ في الأثبات شاهد حاضر علي جميع المكلّفين ما دام التكليف و ثانيهما يكون مستنداً لشهادة اصحاب الشهود خاۤصّة و الاشارة اليه هي انّ من عرف اللّه و عرف صفاته و افعاله و آثار افعاله ظهر له بالضرورة انّ محمداً رسول اللّه (ص) و ذلك يظهر لمن عرف اسرار هذا المذهب ظاهراً و باطناً من جهة سيرته و اوامره و نواهيه و اۤدابه و اخلاقه [ص 306] و شرعه الذي عليه اهل بيته و اتباعهم فانّه يحصل له القطع بانّ هذه صدرت عن حكمة ربّانيّة لايمكن مثلها من الخلق لا من جهة عقولهم و لا خيالاتهم لا نوماً و لا يقظةً و لا بسحرٍ و لا بكهانةٍ و لا برياضةٍ و لا بشيء غير الوحي الخاۤصّ لأنّ جميع هذه الأمور لاتجري في جميع احوالها علي مقتضي الحكمة الّا اذا كانت عن اللّه تعالي لانّ الخلق معرض للخطاء و الغفلة و السّهو و النسيان و المعصية و مخالفة الحق ( الخلق خل ) اِنْ وقعتْ من غير معصومٍ و لو ( فرض خ ) انها وقعت من معصوم عن هذه الرذاۤئل و النقاۤئص بغير وحي من اللّه تعالي خاۤصّ علي تقدير الفرض لانه لايقع من معصوم شيء بغير امرٍ خاۤصّ او عاۤمّ صريح الّا نادراً لغرضٍ صحيح في نفسِ الأمر بانْ يأمر اللّه المحدِّث ان يغيب عن المعصوم ليقع ما لاينبغي بالنّسبة اليه و الي افعاله امّا لتقصيره في مرتبة مثله كما كان من يونس (ع) حيث قال كَذَبَني الوحي فلايرون وجهي لانّ الملَك اخفي عليه حرفاً من الوحي بامر اللّه لمّا سأل ربَّه ان ينزل عليهم العذاب ليهلكهم فاتاه الوحي انه ينزل عليهم العذاب و لميرد انّه يهلكهم لعلمه تعالي بانّهم يؤمنون و يونس (ع) يظنّ انّ اللّه تعالي يريد اهلاكهم لوعدِه انّه ينزل عليهم ( العذاب خ ) فقال كَذَبني الوحي بتخفيف الذال المعجمة اي اخلفني و انما قال (ع) ذلك لمّا غاب عنه الملَك المحدِّث و انما كان ذلك منه لأنّه تردّد في ولاية اميرالمؤمنين (ع) كما روي عن علي بن الحسين (ع) و تردُّدُهُ اَنّه لما طلب منه روبيل العالِم ان يسئل اللّه ان يتوب علي قومه و يرحمَهم اَبَي و راجعه فاَبي لما لحقه من عنادهم و كفرهم من الغضب عليهم و مقتضي ولاية اميرالمؤمنين (ع) ان يقبل شفاعة العالم روبيل و يكظم غيظه للّه فلمّا لميصبر قال اللّه اِذْ ذهب مغاضباً يعني لقومه و هو معني التردّد في ولاية اميرالمؤمنين (ع) و هو تقصير في حقّ مثله لانّه نقص في المسابقة الي الدّرجات العاليات [ص 307] لا اَنّه ذنبٌ او تقصير في حقِّ مثلنا اوْ يكون ذلك آية لحقٍّ يريد اللّه اظهاره كما وقع اختيار موسي (ع) لسبعين رجلاً من قومه فوقع اختياره علي اشرار قومه ليكون هذا آية للنّصّ علي ولاية اميرالمؤمنين (ع) و بطلان ولاية مَن تقدّم عليه لدعواهم انّه يكون باختيار المسلمين و لو صحّ اختيار المسلمين لصحّ اختيار موسي (ع) و هو من الأنبياۤء اولي العزم و لو صحّ فرض العصمة و تأسيس الأحكام بدون الوحي الخاۤصّ لوقع فيها ما يخالف الحكمة لأنّ العصمة لاتستلزم الاحاطة بجميع اسرار الوجود ( الوجوب خل ) فلا بدّ من حصول ما يخالف الحكمة الّا اذا اقترنتْ بالوحي الخاۤصّ من علّام الغيوب فلما رأينا ما اسّس و شرع علي كمال الحكمة و الصّواب ظاهراً و باطناً بمقامٍ تعجز الخلق عن الوصول اليه علمنا انّه كان عن الوحي الخاۤصّ فيكون رسول اللّه (ص) هذا الظاهر و امّا الباطن فلانّ من عرف في الجملة نمط انتظام الوجود و ارتباط بعضه ببعضٍ و انّ الفرجة و الطفرة لاتقع فيه بين بعض افراده و ذرّاته ما دام فعل اللّه فيه جارياً بالأسباب و الحِكَم مع احتياج بعضها الي بعضٍ في تتميمات القابليات لجريان الفعل فيها عرف بانّ محمّداً رسول اللّه (ص) لانّ غيره ماادُّعِيَ له صحّة الوساطة المطلقة بين اللّه و بين الخلق علي جهة العموم لا من الأوّلين و لا من الٰاخرين بان لايكون قبله مخلوق اقرب منه الي المبدأ الفيّاض و هذا الشخص الربّاني المتفرّد الوحداني قد ادّعي هذه الوساطة الكليّة و الرتبة العليّة بحيث لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و انّه اقرب الي المبدء الفيّاض من جميع الخلق و ادّعاه له الصادقون المعصومون من الأوّلين و الٰاخرين و اتي من افعاله و اقواله و اعماله و احواله و اوامره و نواهيه و آدابه و اخلاقه بما تشهد له به الخرس و الجمادات بتصديق تلك الأحوال لما [ص 308] يدّعيه و يُدّعي له فاذا ثبت نظم الوجود و ارتباطه و كانت جميع الأنبياۤء و الرسل و غيره و الملاۤئكة لميكن فيها ما يصلح لهذه الوساطة لنقصهم عنها لعظم الشّأن الذي لايدخل تحت الحدّ وجب ان يكون في الوجود الممكن ذات من الخلق قبل كلّ الخلق تشتمل علي جميع اسرار الخليقة و اسرار القدر الالهي فيها لتكون صالحة للوساطة المشار اليها و يجب في دليل الحكمة ان تكون تلك الذات تتلقّي جميع الافاضات عن الحقّ تعالي و توصلها الي مواقعها ( موافقها خل ) من الخلق و هو الرسالة و النبوّة و تكون تلك الذات حاملة الولاية المطلقة من الحقّ سبحانه علي جميع الخلق و هو قوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، و لا بدّ ان تكون تلك الذات من نوع الانسان لانّه اشرف الخلق و اقرب الي الحق و ليس احد يصلح ان يكون تلك الذات ذاته غيره (ص) لاستجماعه لجميع الشراۤئط كما ذكرنا فقد دلّ الدليل القطعيّ الضروري كما برهنه دليل الحكمة علي انّه رسول اللّه (ص) و انه عبد اللّه للعقل و النقل امّا العقل فما دلّ علي حدوثه انه عبد داخر للّه لايملك لنفسه نفعاً و لا ضرّاً الّا باللّه و امّا النقل فكما في القرءان قال تعالي تبارك الذي نزّل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيراً ، سبحان الذي اسري بعبده ، لمّا قام عبد اللّه يدعوه و هذا ظاهر و امّا تقديمه علي الرسول في الذكر في كل موضع ذكرٰا معاً فلانّ العبوديّة اخصّ من الرّسالة و اقرب لأنّ الرسالة ايصال امر المرسل الي آخر و العبوديّة الاستغراق في خدمة المولي و لهذا قال الصادق (ع) في تفسير قوله تعالي و ان كنتم في ريبٍ ممّا نزّلنا علي عبدنا قال العين علمه باللّه و الباۤء بَوْنه من الخلق و الدّال دنوّه من الخالق بلا اشارة و لا كيف و انما قدّمتُ بيان الرسالة علي العبوديّة مع انّه خلاف الترتيب للاهتمام ببيان الرسالة لخفائها من جهة دليل الحكمة و ظهور العبوديّة [ص 309] ثم انّ قوله (ع) عبده المنتجب و رسوله المرتضي بجعل المنتجب صفة للعبد و المرتضي صفة للرسول فيه نكتة و هي انّ الانتجاب اخصّ من الارتضاۤء اذ قد يرتضي الشخص شيئاً لأمرٍ خاۤصٍّ و ان لميكن ذلك المرتضي خيرة الموجود لصلوحه لذلك الأمر الخاۤصّ و المرتضي و ان كان هو منتجباً ممن لايرتضي لهذا الأمر لكنّه لايلزم ان يكون منتجباً مطلقاً بخلاف المنتجب فانّه مرتضي فكلّ منتجب مرتضي و لا كلّ مرتضي منتجب فلمّا كان المنتجب اخصّ وصف به العبد الاخصَّ من الرسول هذا المناسب مع اجتماعها و عدم ملاحظةِ اعتبارٍ اٰخر لمقام آخر فيمكن مع اختلاف المقام و الاعتبار تغييره ( تتغير خل ) المناسبة فيكونان مترادفَيْن كما قال تعالي و ماكان اللّه ليطلعكم علي الغيب و لكنّ اللّهَ يجتبي من رسله مَن يشاۤء و قال تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الّا مَن ارتضي مِن رسول فالمجتبي و المرتضي هنا بمعني المنتجب ( المجتبي خل ) الذي هو خيرة الوجود و الموجود كما اشار اليه اميرالمؤمنين (ع) في خُطبةِ يوم الغدير و الجمعة و اشهد انّ محمداً عبده و رسوله استخلصه في القدم علي ساۤئر الأمم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناۤء الجنس و انتجبه آمراً و ناهياً عنه اقامَه في ساۤئر عالمه في الأداۤء مَقامه اِذْ كان لاتدركه الأبصار و لاتحويه خواطر الأفكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الأسرار الخ ، و الحاصل انّ البيان لمثل هذه الأمور حتّي يكونَ كالعيان ممّا يضيق به الزمان و العاقل يكتفي بالتلويح عن ( من خل ) التصريح .
قال عليه السلام : ارسله بالهدي و دين الحقّ ليظهره علي الدّين كلّه و لو كره المشركون .
ارسله بالهدي و هو ما يدلّ علي ما يوصل الي المطلوب كما قال تعالي و امّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمي علي الهدي و قيل هو ما يوصل الي المطلوب [ص 310] و له قوله تعالي انّك لاتهدي مَن احببتَ و هو يتعدّي بنفسه و باللّام و بالٰي قيل يراد بالأوّل الأيصال و بالأخيرَيْن اراۤءَةَ الطريق و قيل يستعمل الأوّل لهداية الحقّ تعالي قال تعالي اولۤئك الذين هدي اللّه ، و الثاني لهداية القرءان قال تعالي انّ هذا القرءان يهدي للّتي هي اقوم ، و الثالث لهداية محمّد (ص) قال تعالي و انّك لتهدي الي صراطٍ مستقيم و الحقّ انه يستعمل في حقّ اللّه تعالي و في حقّ محمد (ص) و القرءان في الأحوال الثلاثة قال تعالي و انّ اللّه لهاد الذين آمنوا الي صراطٍ مستقيم و قال تعالي يهدي اللّه لنوره مَن يشاۤء و كذلك في هداية محمّد (ص) و هداية القرءان كما ذكر في القرءان و السّنّة و يشهد به الذّوق السليم و انما اختلاف التعدّي بنفسه و باللّام و بالٰي انما هو لاختلاف المقام فانّ الهادي قد يوصل بالعناية و التوفيق و المعونة بالقاۤءِ النّور في المهدي حتّي يستنير به و يكون ذلك مقتضياً لميل طبيعته الي ما يريد اللّه منه فيُتعدَّي ( فيعدي خل ) بنفسه و يكون باراءة الطريق الأقرب و رفع الموانع المقتضية للضِدِّ باللّطف و التوفيق فيتعدي ( فيُعدّي خل ) باللّام اشعاراً بقرب المسافة و تسهيل السّير الي المطلوب و يكون باِراۤءة الطريق و تخلية السَرْب و يقف اللّطف و العناية علي ميله و يُعدّي بِالٰي اشعاراً ببعد "٢" المسافة المعبّر عنه "-٢" بتوقف اللّطف علي ميل العبد و في هذا سرّ اشرنا اليه في الفواۤئد مِن انّ النّور كهيئة مخروطٍ قاعدته عند المنير و نقطته الي حيث ينتهي النّور و الظلمة كهيئة مخروطٍ قاعدته عند منتهي النور و نقطته مع قاعدة النور هذا في كمهما ( كمّها خل ) و اما في حجمهما ( حَجْمها خل ) فهما سواۤء فما بين القاعدتين له ثلاثة احوال امّا مَن كان مِن قاعدة النّور الي ما قبل تساويهما في الكمّ فتجري الحكمة فيهم بالهداية علي الأوّل علي اختلاف مراتبهم و هم من اهل قوله تعالي اللّه ولي الذين اۤمنوا يخرجهم من الظلمات الي النّور ، و امّا مَن كان من قاعدة [ص 311] الظلمة الي ما قبل تساويهما في الكمّ فتجري الحكمة فيهم بالهداية علي الثالث علي اختلاف مراتبهم و اريد بما قبل التساوي في الحالين ما كان التفاوت في الحقيقة كثيراً بان يكون النّور في الأوّل زاۤئداً علي ظلمته بما اقلّه اَلَّايكون في رتبته كما لايقع العشرات في رتبة الٰاحاد و تكونَ الظلمة في الأخير زاۤئدةً علي نوره كذلك و هم من اهل قوله تعالي و الّذين كفرُوا اولياۤؤهم الطّاغوت يخرجونهم من النّور الي الظّلمات ، و امّا من كان من غير الطرفين فثلاثة اقسام الأول الذي يلي اولياۤءَ النّور تجري الحكمة فيهم بالهداية علي الثاني بتبعيّة الاوّل و اكثرهم خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيّئاً عسي اللّه ان يتوب عليهم و الثالث الذي يلي اولياۤء الظلمة تجري الحكمة فيهم بالهداية علي الثاني بتبعيّة الثالث و اكثرهم مرجون لأمر اللّه امّا يعذبهم و اما يتوب عليهم و الثاني و هو الوَسط مَن كان منه فتجري الحكمة فيهم يوم القيمة فيكون مَن آمن منهم تابعاً لمن آمن ممّن خلطوا عملاً صالحاً داخلاً معهم حيث ما دخلوا و مَن كفر منهم كان تابعاً لمن كفر من المرجين ( المرجون خل ) لأمر اللّه داخلاً معهم حيث ما دخلوا و الهدي ايضاً هو نور الحكمة و هو نور اللّه و هو التوسّم و منشأه العلم او العمل بنظر العقل الي ان يستقر امره علي نظر الفؤاد و هو النور الذي يؤيّده العقل بمدده و في الكافي قال قال ابوعبداللّه (ع) دعامةُ الانسان العقل و العقل منه الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم و بالعقل يكمل و هو دليله و مبصره و مفتاح امره فاذا كان تأييد عقله من النّور كان عالماً حافظاً ذاكراً فطناً فَهِماً فعلم بذلك كيف و لم و حيث و عرف مَن نصحه و مَن غشّه فاذا عرف ذلك عرف مجراه و موصُوله و مفصُولَه و اخلص الوحدانيّة للّه و الاقرار بالطّاعة فاذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فاتَ و وارداً علي ما هو آتٍ و يعرف ما هو فيه و لأيّ شيء هو هٰهنا و من [ص 312] اين يأتيه و الي ما هو صاۤئر و ذلك كلّه من تأييد العقل ه ، اقول قوله فعلم بذلك كيف الخ ، اي كيف صفة ما يعمل و ما يؤدّي من الأعمال الي السعادة و الشقاوة وَ لِمَ خُلِقَ و ما مقامه عند ربّه و ما مسلكه اليه و ما يُراد منه فعله او تركه و يَتَلَافي تقصيره فيما مضي من عمره و يستعدّ لما يقدم عليه و يعرف حقيقة بدئِهِ و علّة ايجاده و مِن اين هَبَطَ الي الدنيا بأي صورة من علّيّين فيلازم في اصلاحها ام من سجّين فيعالج في تغييرها فانّه ممكن له و يعرف الي اين يصير امرُهُ و الهُدي هو ولاية عليّ اميرالمؤمنين (ع) و ولايته (ع) هي المعرفة الحقّة و الاعتقاد الصحيح و العلم و العمل به و محبّتهم (ع) و معاداة اعداۤئهم و بغض مبغضهم كما في الدعاۤء عنهم (ع) اُوَالي مَن والَوا و اُجَانب مَن جانَبُوا و هذا هو دين الحقّ الذي وعد اللّه سبحانه نبيه (ص) ان يظهر عليه بالقاۤئم (ع) و ذلك لانّ الدّين الذي ارسله به لميظهره كلّه بل اخفي اسراره و جواهره و اكثر ظاهره للتّقيّة من اعداۤء الدّين و لجهل اكثر اتباعه و اتباع آله الطّاهرين صلّي اللّه عليه و آله الطّاهرين و التّقيّة من الصّنفين اعداۤئهم و جهّال شيعتهم هي السّدّ المذكور في الٰاية الشريفة سدّ ذيالقرنين و في تفسير العيّاشي عن المفضّل قال سألتُ الصادق (ع) عن قوله عزّ و جلّ اجعل بينهم رَدْماً قال التقيّة فمااسطاعوا ان يظهروه و مااستطاعوا له نقبا اذا عَمِلتَ بالتقيّة لميقدروا لك علي حيلةٍ و هو الحِصْن الحصين و صار بينك و بين اعداۤءِ اللّهِ سدّاً لايستطيعون لَهُ نقباً و عن المفضّل قال سألتُ الصّادق (ع) عن قوله فاذا جاۤء وعد ربي جعله دَكّاۤءَ قال رفع التقيّة عند الكشف فانتقم من اعداۤءِ اللّهِ .
اقول امّا الأعداۤء فلايقبلون ذلك حسداً و تكبّراً فيتّقي منهم و امّا جهّال الشيعة فلايقدرون علي احتمال تلك الأسرار فينكرونها بل ربّما قتلوا من [ص 313] اٰمن بها فيتّقي منهم لئلّايكفروا فاذا قام قاۤئمهم عجّل اللّه فرجه حمل الخلق علي قَراح الحقّ و اظهر جميع دين جدّه (ص) فمن انكره عجّل بروحه الي النار بسيفه ذي الفَقَارِ و ضُعفاۤءُ الشيعة الذين لميمنعهم عن الاقرار الّا القصور اذا خرج كَمُلَ ايمانهم بنوره و تَمَّ نقصهم بضياۤء ظهوره فيقبلون و تبقي حُثَالةٌ من معدنِ الضّلالة مستضعفون في الأرض حتّي انّهم يحرمون من الزكوة و تمنعهم التجارةُ ربحَهَا و الارضُ نباتَها فيأكلون العذرات روي القمي عن مولانا الصادق (ع) انّ له معيشةً ضنكاً قال هي واللّهِ للنُّصَابِ قيل له رأيناهم في دهرهم الأطول في الكفاية حتّي ماتوا قال ذلك واللّه في الرجعة يأكلون العذرة . اقول قوله (ع) في الرجعة يحتمل انّ المراد به قيام القاۤئم (ع) و ان لميكن من الرجعة الّا انه جعله منها لرجوعه الي الدّنيا بعد غيبته و لرجوع امواتٍ عند ظهوره و يحتمل انّ المراد به اوّل الرجعة لأنّ الحسين (ع) في الرجعة بعد قتل ابليس و جنوده و حكم رسول اللّه (ص) و اهل بيته (ع) يبعثه جدّه (ع) في اقطار الأرض حتي يُطَهِّر الأرض فلايبقي فيها الا المؤمن من بني آدم و حلال اللّحم من الحيوانات كما رواه في الخراۤئج و الجراۤئح و لقد روي انّ العلم سبعة و عشرون حرفاً و ليس في ايدي الناس الّا حرفان و خمسة و عشرون عند القاۤئم (ع) فاذا ظهر ضمّ الخمسة و العشرين الي الاثنين حتي اَنّ الرجل ليستغني عن علم غيره قال هنا عليّ (ع) و هو تأويل قوله تعالي يغن اللّه كلّاً من سعته فاذا كان كذلك جاۤء تأويل قوله تعالي ليظهره علي الدّين كلّه كما قال عليّ بن الحسين (ع) في دعاۤء شهر رمضان حتي لايستخفي بشيء من الحقّ مخافة احدٍ من الخلق و في الاكمال عن ابيبصير قال قال ابوعبداللّه (ع) في قوله تعالي ليظهره علي الدين كلّه فقال [ص 314] واللّهِ مانزل تاويلها بعد و لاينزل حتّي يخرج القاۤئم (ع) فاذا خرج القاۤئم (ع) لميبق كافرٌ باللّه العظيم و لا مشرك بالامام الّا كره خروجه حتّي لو كان كافر او مشرك في بطن صخرة لَقَالَتْ يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني و اقتله ه ، فقوله تعالي في آيةٍ و لو كره الكافرون يعني باللّه العظيم و في اخري و لو كره المشركون يعني بالامام الكريم و يستعمل بالعكس لانّ المأٰل واحدٌ و في الكافي عن ابيالحسن الماضي (ع) قال قلتُ هو الذي ارسل رسوله بالهدي و دين الحقّ قال هو الذي امر رسوله بالولاية لوصيّه و الولاية هي دين الحق قلتُ ليظهره علي الدين كلّه قال يظهره علي جميع الأديان عند قيام القاۤئم عليه السلام قال يقول اللّه و اللّه مُتمّ ولاية القاۤئم عليه السلام و لو كره الكافرون بولاية علي (ع) قلتُ هذا تنزيل قال نعم امّا هذا الحرف فتنزيلٌ و امّا غيره فتأويلٌ الحديث ، و عن ابيجعفرٍ عليه السلام في هذه الٰاية يكون الّايبقي احدٌ الا اقرّ بمحمدٍ (ص) و في مجمع البيان قال المقداد بن الأسود سمعتُ رسول اللّه (ص) يقول لايبقي علي وجه الارض بيت مَدَرٍ و لا وَبَرٍ الا ادخله اللّه كلمة الاسلام اِمّا بعزّ عزيز او بذلِّ ذليلٍ امّا يعزّهم فيجعلهم اللّه من اهلِهِ فيَعزُّوا به و امّا يذلّهم فيدينون له ه ، و قال الشارح (ره) ارسله مقروناً بالهدي و دين الحق اي اللّه او القاۤئم الي قيام القيٰمة لايعتريه النّسخ و التّبديل ليظهره و يغلبه ( علي الدين اي خ ) علي الاديان كلّه ه .
قال عليه السلام : و اَشْهَدُ انّكم الائمّة الراشدون .
قال الشارح (ره) الذين قال رسول اللّه (ص) عليكم بسنّتي و سنة الخلفاۤء الراشدين من بعدي لو صحّ الخبر و رواه العاۤمّة ايضاً متواتراً سيّما البخاري و مسلم عنه (ص) انّه قال لايزال الدين قائماً او عزيزاً ما وليهم اثناعشر خليفة [ص 315] او اميراً كلّهم من قريش و الرُشد الهدي .
اقول الشهادة هنا علي نحو ما ذكر في الشهادة للنبيّ حرفاً بحرفٍ الّا القرءان باعتبار جهة المعجز و امّا في شهادته لهم بالامامة و الخلافة فكشهادته له (ص) بالنّبوّة و الرسالة و التّصريح في النبوّة و الرسالة يشهد بالامامة و الخلافة علي انّ عدم التّصريح الخاۤصّ لفظاً في هذَين انمّا هو من تغيير المبطلين من ذلك ما رواه الشيخ سعد بن ابرهيم الأردبيلي من علماۤء العامّة في اربعين حديثه باسناده الي المقداد بن الأسود الكندي قال كنتُ مع رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و سلم و هو متعلّق باستار الكعبة و يقول اللّهم اعضدني و اشدد ازري و اشرح صدري و ارفع ذكري فنزل جبرئل (ع) و قال له اقرأ المنشرح لك صدرك و وضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك و رفعنا لك ذكرك بعليّ صهرك فقرأها النبي صلي اللّه عليه و آله و سلّم علي ابنمسعودٍ فالحقها في تأليفه و اسقطها عثمان و امّا المشهود به من كونهم ائمّة فلا شكّ فيه باجماع المسلمين انّهم (ع) ممّن يُقْتَدي بهم في كلّ شيء لاتّفاق الألْسُنِ و القلوب علي انّهم لايساويهم من سواهم في العلم و العمل و الكرم و الشجاعة و التّقوي و الزهد و التجافي عن دار الغرور و الاقبال علي اللّه سبحانه و القيام باوامره و الانتهاء عن نواهيه ( مناهيه خل ) و الاخلاص و الصّدق و غير ذلك من صفات الكمال و التخلص من النقاۤئص و ذماۤئم الأحوال الذي هو مقتضي العصمة و انّهم في رتبةٍ من كلّ امرٍ حَسَنٍ محمود عند اللّه و عند جميع خلقه لايدانيْهم فيها خلق و لايحوم حولها حائمة الأفكار و لاتدرك ادني مقاماتها البصاۤئر و الأبصار فيجب في جميع الطباع بما فطرتْ عليه من ( الميل خ ) المستقيم الرضا بهم ائمّة لايَرُدّ هذا احد من الخلق من البشر و غيرهم الا حسداً و عناداً و يجب التسليم لهم و الرّدّ اليهم و الاقتداۤء بهم و القبول منهم و الاخذ عنهم فيما عُلِمَ [ص 316] و فيما لايُعلَم هذا مع ما امر به النبيّ (ص) و نطق به القرءان ممّا لايُحصي و لايُستقصي ما بين تصريح و تبيين ( تبين خل ) و تلويح و تعيين و اشارة و عبارة و من انّهم الراشدون اي المهتدون و الرّشد الهدي و بعد هذه اللّفظة انّهم المهديّون اي الذين هديٰهم اللّه و هنا الذين اهتدوا فهم مهتدون مهديّون فالأول باعتبار استقامة قوابلهم كما قال تعالي في حق نبيّه (ص) و انّك لعلي خلق عظيم و في جميع النبيّين اللّه اعلم حيث يجعل رسالته و قول الصادق (ع) و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله و الثاني باعتبار عظيم الفضل و جزيل النّعم عليهم حتّي وفّقهم لكل ما يحبّ و يرضي بما امدّهم من النّور فالاهتداۤء من اقتضاۤء قوابلهم و الهداية من مدد النّور .
قال عليه السلام : المهديّون المعصومون .
المهديّون الذين دلّهم اللّه علي طريق محبّته و علي محبّته بما وهب لهم من القوّة علي طاعته و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم اهله فما وهبهم فمنه بهم و طاعتهم له منهم به اَمّا انّ ما وهبهم فمنه فلانّه سبحانه اخترع لهم ذلك النّور بفعله لا من شيء فهو منه و اَمّا انه بهم فلانّ ذلك النّور ليس غيراً منهم ليظهر بدونهم و انما يظهر فيهم و اَمّا انّ طاعتهم له منه لانّهم بقوّته اطاعوه و امتثلوا اوامره و اجتنبوا نواهيه فالطاعة منهم و اَمّا انها به فلأنّهم انما يطيعون اذا كانوا شيئاً و ليسوا شيئاً الّا به فهو الحافظ لهم بامره و الحافظ لطاعتهم بهم فبقوّته اطاعوه و ما وضع عنهم من ثقل العمل فهو منه بحقيقة قبولهم و حقيقة قبولهم انّما هو لفضله تفضّلَ بالعناية فكوّنهم بنوره فكانوا بكينونتِهِ كاۤئنين فكوّنهم مهديّين فكانوا مهتدين ( مهتدين فكانوا مهديين خل ) و العصمة لغةً المنع و في اصطلاح اهل العدل لطف يمنع المكلَّف من ترك شيء [ص 317] من الواجبات و فعل شيء من المحرمات يفعله اللّه تعالي به غير مانعٍ لسببِ القدرةِ علي ترك الواجبات و فعل المحرمات و الّا لميستحقّ مدحاً و لا ثواباً بل لميكن مكلّفاً هذا معناها ظاهراً و امّا باطناً فاعلم انّ النفس الناطقة اذا انبعث منها قبولها لايجادها فان استغرق قبولها ( قبولهم خل ) للايجاد في الايجاد حتّي شابَهَ الوجودَ كانت تلك الماهيّة بما استولي عليها من النّور الذي قَبِلَتْهُ لاتشتهي الّا الخير و الطاعات لأنّ ميلَ طبيعتها و داعيها قد هَجَرَتْه عند القبول و عند الاستعمال فلمتنبت له شجرة و لمتورق في شيء من اغصانه ورقةً فنسيتْه و استبدلَتْ به الميل التَّطَبُّعيّ ( الطبيعي خل ) فاغناها اللّه بفضله عن سؤال المحتاجين فهي تفرّ من المعاصي و من مذاۤمّ الأفعال و اهلها و ذلك لسبق العناية من الوهّاب الجواد بها لحقيقة ما هي اهله لانّه لمّا نبّهها علي ما سواه و نظرتْ الي السِّوي بعينه الّتي اعارها ( اراها خل ) رأتْ ما ليس بشيءٍ يلجأ اليه و لايطلب منه ففرّت منه الي الشّيء الذي لا شيء سِواه و لايطلب الّا اليه سبحانه و تعالي و هو تأويل قوله تعالي لو اطّلعتَ عليهم لولّيتَ منهم فراراً و لملئتَ منهم رُعْباً اذا طلبتَ حاجتك من لا شيء فهذا هو حقيقةُ ما هي اهله و مقتضاهُ هو الميل التّطبُّعي الذي اشرنا اليه و هو ما تطبّعتْ عليه من ميل النّور حتي كانتْ داخلةً معه حيثما دخل و خارجةً معه حيثما خرج و لاتفارقه فانقلبتْ شهوتها من طبعها الي شهوة النّور فقد خلقها خلقاً ثانياً خلقاً تشريعيّاً فلهذا تفرّ مما يكره اللّه و ان كانت تعلمه الّا انّها لاتعرفه و لاتستطيعه بالاستطاعة الّتي لها و ان كانت تقدر عليه فهذا الخلق التشريعي هو العصمة و هي الفطرة و تقتضي اموراً اربعةً : الأوّل صدق الأقوال الثاني حسن الأفعال الثالث حفظ الحقوق عن التعطيل الرابع حفظ نظام المعاش و المعاد عن التقريرات علي الباطل الموجب لاختلالهما بحسب الأمور [ص 318] العقليّة و الشرعيّة و قال جمهور العاۤمّة انّ متعلّقها التبليغ و الأداۤء فلاتقتضي هذه الأمور الأربعة الّا في التبليغ و الأداۤء فيخصون ذلك بتبليغ الوحي و يجوز عليه في غير هذا بعض النقاۤئص و المعاصي و الحقّ انّ متعلّقها ( ما اقتضاه خ ) استعدادُه لقبول الفيض من الحقّ سبحانه عليه مطلقاً لانّه مرتبة الولاية المطلقة السابقة عليهما فهما من جملة ما اقتضاه ذلك الاستعداد نعم قد يختلف ذلك الاستعداد باختلاف حقاۤئق المستعدّين فيتبين نقص الأدني بالنّسبة الي الأعْلَي و بالنّسبة الي حالَتَي مستعدٍّ واحدٍ و لمّا كان ذلك النقص انما هو نقصٌ بالنّسبة لميكن نقصاً مطلقاً و لهذا قيل انّ ماينسب الي الأنبياۤء المعصومين (ع) من المعاصي انمّا هو من بابِ ترك الأَوْلَي و انّما سمّيتْ معاصي بالنّسبة اليهم و لهذا ورد حسناتُ الأبرار سيّئَاۤت المقرّبين ثم لمّا كانت الولاية هي في الحقيقة ولاية اللّه سبحانه كما قال تعالي هنالك الوَلاية للّه الحق هو خير ثواباً و خير عقباً و معناها التملّك و التّسلّط و التّصرف المطلق و التّربية و التّدبير و هذا علي الحقيقة لايكون لغير اللّه تعالي و هو يتعالي في عزّ جلاله عن احوال الخلق فوجب في الحكمة ان يجعل له وليّاً علي مملكته قال تعالي و لميكن له شريك في الملك اذْ لا مالك غيره الّا مَن ملّكه ما لايخرج عن ملكه و لميكن له وليّ من الذلّ لانّه علي كلّ شيء قدير نعم له وليّ من العزّ و التكرّم و جهات تلك المملكة لاتتناهي فوجب في الحكمة في القاۤئم بها من جهةٍ امور : الاول ان يكون اعلي مظاهر الحقّ سبحانه من الخلق لانّه لو كان فوقه مظهر لماكان وليّاً مطلقاً لانّ مَن فوقه من المظاهرِ وليّ عليه لانّه الواسطة بينه و بين اللّه الثاني ان يكون اوسعها و اكبرها و لو كان غيره اوسع منه و اكبر لميحط بما هو اكبر منه و لهذا قال تعالي : ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، يعني انّ الشّئون [ص 319] الّتي يريد ان يُوصلها الي عباده لاتسعها الارض و لا السماۤء و انما يسعها قلب الوليّ الذي هو اوسع من كلّ الموجودات الثالث ان يكون محل سر البداۤء و الامدادات المتجددة التي بها التكوين التشريعي و الايجادي و التشريع الايجادي و التكليفي و بها القيومية لكلّ شيء الرابع انّه لما كان مدار الولاية المطلقة علي الفضل و العدل وجب ان يكون هذا الوليّ هو باب اللّه فيهما فلايجري شيء منهما علي غير يد هذا الوليّ و الّا لميكن ولياً مطلقاً الخامس ان يكون محلّ مشيّة اللّه و لسان ارادته و ان ليس لأرادة ( لمشية خل ) اللّه محلّ غيره الّا به و لا لسان ينطق غيره الا عنه السادس ان يشهده اللّه سبحانه خلقَ السموات و الأرض و ما في الوجود كلّه و خلق نفسه فلو لميشهده خلقَ السموات و الأرض و ما في الوجود لَمَاجازَ ان يكونَ وليّاً علي ما لايشهده و يشهد مبدأه و منتهاه و مجراه و موصوله و مفصوله و رزقه و اجله و كتابه و جميع تقديرات وجوداته و لتَخَصَّصَتْ ولايته و وجب ان يكون غيره وليّاً علي ما لميشهده السابع ان يكون عضداً للخلق في الكَونِ و المواۤدّ و الصّور و الغاية لأنّ الخلق لا بدّ له من عضدٍ و لايجوز ان يكون قديماً اَبعد اللّهُ مَن قال بانّ الخلق قاۤئمون باللّه قيام عروض او قيام ظهور او ان الخلق مركّب من الحادث و القديم او انّ الخلق مشخّصات الحقّ او انّها عينه و ذاته بل لا بدّ ان يكون من الخلق لينتهي الي مثله كما قال عليّ (ع) انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، و المراد به ان يخلق اللّه من شعاع نور وليّه و نفس شعاعه ماۤدّة الخلق و من هيئات تقلّباته في خدمة ربّه و شئون اوامره و نواهيه صورهم و به اخترعهم و له خلقهم فلو لميكن الوليّ معصوماً في غاية العدالة و الاستقامة بحدٍّ لا غاية له و لا نهاية لبطل النظام اذا وقع خللٌ في علّته فاهل العصمة هم القُوَّامُ بامر اللّه تعالي في قوله فاستقم كما امرتَ فقام بهذه رسول اللّه (ص) في استقامةٍ لميصل اليها احدٌ من الخلق [ص 320] و من دونه اهل بيته (ع) و لهذا افرده بالذكر و الحقهم به في قوله و من تابَ معكَ و في قوله تعالي و لايلتفت منكم احد فقام بها الأربعةعشر المعصومون (ع) متشاركين كما شرّكهم اللّه سبحانه فالعصمة نور منه ذاتي و منه عرضي فالذّاتي عصمة محمد و اهل بيته صلّي اللّه عليه و عليهم خاۤصّة كالشمس قال تعالي انّا ارسلناك شاهداً و مبشّراً و نذيراً و داعياً الي اللّه باذنه و سراجاً منيراً ، و جعلنا سِراجاً وهّاجاً تأويلها فيه (ص) و هو الشمس الوهّاجة و هو السّراج الوهّاج اي الوقّاد و انزلنا من المعصرات ماۤءً ثجّاجاً المعصرات الأئمّة (ع) و ماۤءً ثجّاجاً اي منصبّاً بكثرةٍ و هو العلم يثجونه ثجّاً و العرضي عصمة جميع الأنبياۤء و المرسلين (ع) علي اختلاف مراتبهم لأنّها شعاع عصمة الأئمّة عليهم السلام فالقيام بامر اللّه علي حسب نور القاۤئم به من الذّاتي و العرضي فاذا طَرَقَ سمعك انّ الأنبياۤء (ع) معصومون و انّ محمداً و اهل بيته معصومون صلّي اللّه عليه و آله فلاتتوهّم اتحاد العصمتَيْن و لا انّهما من باب المشكِّك لأنّ افراد المشكِّكِ تجمعها حقيقة واحدة في جنسٍ او نوعٍ لأنّهما علّة و معلول و مؤثر و اثر فلايصدق عليهما ذلك الّا باعتبار دخولهما في مطلق الوجود فاشْهَدْ بما اشهدناك انهم الأئمّة المعصومون علي معني ما لَوَّحْنا لك .