قال عليه السلام : و خيرته .

قد انعقد الاجماع من الفرقة المحِقّة انّهم عليهم السلام خيرة اللّه من خلقه اجمعين من الأنبياۤء و المرسلين و الملاۤئكة و الجنّ و الانس و الحيوانات [ص 269] و النّباتات و المعادن و الجمادات لم‌يخالف في ذلك من هذه الفرقة الّا افراد لايعبأ بهم لضعف معرفتهم و دليلهم و قد دلّ الدليل القطعيّ العقليّ و النقلي علي بطلانِ معتقدهم و انّه لايجوز ان يكون احدهم الامام (ع) فقام الاجماع علي هذا المدّعي بقي شيء في مطلق هذا المعني و هو انّهم انما يكونون خيرة اذا كانوا في وقتٍ كان فيه جميع الخلاۤئق من الحيواناتِ و النباتاتِ و المعادن و الجمادات ان قيل انّهم المختارون من الكلّ او مَن هم مختارون منه ان اريد البعض ليكونوا مختارين ممّن كانوا في جملتهم و الّا فلا معني للاختيار هُنا لأنّه بمعني الانتخاب و الأنتقاۤء للشيء من بين اَمْثالِه و هذا المعني مذكور في القرءان في مواضع مثل قوله تعالي و اختار موسي قومه سبعينَ رجلاً لميقاتنا اي من قومه و قوله تعالي ماكان لمؤمنٍ و لا مؤمنةٍ اذا قضي اللّه و رسوله امراً ان يكون لهم الخِيرَةُ من امرهم و مثل ظاهر قوله تعالي و ربّك يخلق ما يشاۤء و يختار فقدّم الخلق علي الاختيار اشعاراً بانّه يختار ممّا خلق و قد دلّ الدليل علي انهم قبل الخلق بل روي انّهم قبل الخلق بالفِ دهرٍ فكيف يصحّ الاختيار في حقّهم و لم‌يوجد شيء يختارهم منه و الجواب من وجهين :

الأوّل انّه سبحانه عَلِمَ خلقه كلهم و هم في علمه في جامعٍ واحدٍ لا تقدّم في علمه و لا تأخّر لأنّهم في مشيّته اي في الامكان الراجح كلّ في المكان الذي امكنه فيه كما اشار اليه سيّدالساجدين عليه السّلام في دعاۤء الصحيفة ثم سَلَكَ بهم طريقَ ارادته و بعثَهم في سبيل محبّتِه لايملكون تأخيراً عمّا قدّمهم اليه و لايستطيعون تقدُّماً الي ما اخّرهم عنه ه‍ ، فوقع الاختيار منه سبحانه عليهم في ذلك المجمع فكانت الخيرة صفوة خلقه فوجب في الحكمة ان يلبسهم حلّة الوجود قبل ما سواهم لأنّهم علة الايجاد فاشرفوا ( فاشرقوا خ‌ل ) بكسوة الحقيقة و تأخّر من سواهم لتوقّف لبسه لحلّة الوجود علي وجودهم لانّ حلل [ص 270] ما سواهم اشباح حللهم و امثالها و فاضلها و شعاعها فظهر جميع الموجودات كلّ في مكانه من الجواز و هو الذي امكنه فيه في الراجح فغيرهم و ان تأخّرتْ مراتبهم عنهم (ع) لانتظار قوابلهم و متمّماتها من المشخّصات و المنوّعات و المجنّسات فانهم في علمه الراجح في وادٍ واحدٍ فصدق الاختيار في عالم الأسرار علي نحوِ ما يظهر من الاعتبار في الاختيار من الٰاثار .

الثاني انّ المراد من الاختيار اخذُ ما هو خير و يدور صدقه علي اخذِ كثير الخير و اولي تلك الأفراد ما هو خير بَحْت و من دونه ماكان الغالب عليه الخير و هكذا فاذا وجد الخير البحت كان اخذه اختياراً اذ لاينتظر فوق ذلك رتبةً و الّا لما كان خيراً بَحْتاً لانّ المفروض انّ ما فوقه بحتٌ فبالنّسبة الي الأعلي يكون الأدني مشوباً فلايكون بَحْتاً فلايكون خيرةً الّا بالأضافة و ليس في الوجود الامكاني خيرٌ بَحْتٌ خالصٌ غيرهم (ع) فاخذهم له سبحانه و لم‌يوجد احدٌ سِواهم لِيَصْدُقَ علي هذا المشار اليه من الاختيار الاختيار المعروف و هو الانتقاۤءُ للشيء من بين اشباهِهِ في جهةٍ مّا و انّما كانوا بكينونةِ اللّهِ و تكوينهِ وحدهم يعبدونه و يوحّدونه قبل ان يخلق شيئاً من خلقه بالفِ دهرٍ و هم اذْ ذاكَ خيرته من خلقهِ و انْ لم‌يكن خلق سواهم و لاتظنّ انّهم ماكانوا خيرته من خلقه الّا بعد ان خلق الخلق و اِلّا يلزمك انّهم مابلغوا هذه الرتبة الّتي رتّبهم اللّه فيها الّا بعد ان خلق خلقه فاختارهم من بينهم لانّ هذه الرتبة العالية فرع اختياره لهم في القدم الذي نعبّر عنه بالوجود الراجح المشار اليه في قوله تعالي يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تَمْسَسْه نار و هذا الاختيار هو الاختيار عن علم كما قال تعالي في حقّهم صلّي اللّه عليهم و لقد اخترناهم علي علمٍ علي العالمين فاستحقّوا الاختيار من اللّه قبل العالمين و هذا تأويلها و قبل هذه و لقد نجّينا بني‌اسراۤئيل و اسراۤئيل هو عبد اللّه محمّد [ص 271] بن عبداللّه صلي اللّه عليه و آله الطاهرين و انه لمّا قام عبد اللّه يدعوه ، و في العيّاشي عن الصادق (ع) انه سُئِل عن قول اللّه تعالي يا بني‌اسراۤئيل قال هم نحن خاۤصّة و عن النبيّ (ص) انه سُمع يقول انا عبدك اسمي احمد انا عبد اللّه اسمي اسراۤئيل فما امره فقد امرني و ما عناه فقد عناني ه‍ ، ثم قال تعالي من العذاب المهين من فرعون انّه كان عالياً من المسرفين يعني نجّينا آل‌محمّد صلي اللّه عليه و عليهم من العذاب المهين يعني فتنة من تقدم علي وصيّه و شيعتهم و كلّ مَن سواهم و شيعتهم فقد ضلّوا بتلك الفتنة و اضلّوا كثيراً يعني كلّ الخلق الّا آل‌محمّد صلّي اللّه عليه و عليهم و شيعتهم و ضلّوا اولۤئك هم و اتباعهم من اهل الضلالة عن سواۤء السبيل و قوله تعالي و لقد اخترناهم يعني في القدم كما ذكرنا و معني هذا الاختيار الابانة و الاستخلاص و الاختصاص و لهذا قال اميرالمؤمنين (ع) في خُطبته يوم الغدير و الجمعة و اشهد انّ محمّداً عبده و رسوله استخلصَه في القدم علي ساۤئر الأمم علي علمٍ منه انفرد عن التشاكل و التماثُل مِن ابناۤء الجنس انتجبه آمراً و ناهياً عنه اقامه في ساۤئر عالَمِهِ في الأداۤء مقامه الي ان قال (ع) و اختصّه من تكرمته بما لم‌يلحقه احدٌ من بريّته فهو اهل ذلك بخاۤصّته و خلّتِهِ اِذْ لايختصّ من يشوبه التغيير و لايختار من يلحقه التّظنين ، اقول فيه بيان ما اشرنا لك اليه اوّلاً بقولنا اذا ( اذ خ‌ل ) وجد الخير البَحْت كان اخذه اختياراً كما اشار اليه (ع) بقوله اِذْ لايختصّ من يشوبه التّغيير و لايختار من يلحقه التظنين و هذا هو ما لوّحنا لك به انّ هذا لايوجد الّا قبل وجود الخلق فراجع ثم انّه عليه السلام قال بعد ذلك في هذه الخُطبة و انّ اللّه تعالي اختصّ لنفسه بعد نبيّه (ص) من بريّته خاۤصّة عَلَّاهم بتعلِيَتِهِ و سَمَا بهم الي رتبتِه الي ان قال (ع) انشأهم في القدم قبل كلّ مَذْرُوۤءٍ وَ مَبْرُوۤءٍ انواراً انطقها الي ان قال (ع) و اشهدهم خلقَه وَ وَلّاهم ما شاۤءَ من امره [ص 272] و جعلهم تراجم مشيّته و السُنَ ارادته ه‍ ، اقول تدبّر هذه الكلمات الشريفة تُبَيّن لك ما اشرنا اليه و فيها اسرار عجيبة و علوم مستوحشة متصعّبة ( مستصعبة خ‌ل ) غريبة لو فسحَ لي و اُذِنَ لي لاسمعتك منها سجع تلك الأطيار علي ناضرات تلك الأشجار بشكر النعم التي لاتحصي و الٰالاۤء الّتي لاتجزي قال الشاعر :

اين مَهْلُ الزمان حتي اُؤدّي شكر احسانِك الذي لايُؤَدَّي

ثم اعلم ان مرادنا بمعني اختيار اللّه سبحانه ايّاهم جعلهم خاۤصّته فهم ابداً عنده و له لايفقدهم حيث يريد لانّه جل و علا اصطنعهم لنفسه و من فاضل ذلك الاختصاص و الاصطناع كرّم موسي (ع) فقال و اصطنعتك لنفسي ، و في الحديث القدسي خلقتُك لأجلي و خلقت الأشياۤء لأجلك و قال عليّ (ع) نحنُ صناۤئع ربّنا و الخلق بعدُ صناۤئعُ لنا ، اي اصطنعنا لنفسه و اصطنع الخلاۤئق لنا و هذا الاصطناع هو ما اردنا بقولنا فهم ابداً عنده و الي هذا المعني ما اشار الصادق (ع) اليه في حديث طويل رواه المفضّل بن عمر عنه (ع) حين ذكر بعض ما خصّهم اللّه تعالي قال له المفضّل هل بذلك شاهد من كتاب اللّه تعالي قال نعم يا مفضّل قوله تعالي و له ما في السموات و الأرض و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبّحون الليل و النهار لايفترون الي قوله لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون ويحك يا مفضّل اتعلمون انّ ما في السموات هم الملاۤئكة و مَن في الأرض هم الجنّ و البشر و كلّ ذي حركة فَمَنِ الذين قال و مَن عنده قد خرجوا من جملة الملاۤئكة و البشر و كلّ ذي حركة فنحن الذين كنا عنده و لا كونَ قبلنا و لا حدوث سماۤء و لا ارض و لا مَلَكٍ و لا نبيّ و لا رسول الحديث ، فهذا معني كونهم خيرة لأنّ الاختصاص و الاصطناع هو الغاية و الفائدة في الاختيار .

[ص 273] قال عليه السلام : و حزبِهِ .

اي جنده و انصار دينه فيه اشارة الي انّ هذا الحزب و الجند بتوَلّي اللّه و التفويض اليه و الاعتصام به و القيام بواجب حقّه يهزم الأعداۤء و يغلبهم اِذْ باللّه يطول و به يصول متبرياً من الحول و القوة الّا باللّه العلي العظيم من قوله تعالي و من يتولّ اللّه و رسوله و الذين اۤمنوا فانّ حزب اللّه هم الغالبون و انما جعلهم اللّه حزبه و جنده الأغلب لأنّ اللّه سبحانه لمّا كان صنعه و افعاله جاريةً بالحكمة علي مقتضي النظم الطبيعي لأنّ ذاك من شراۤيط الايجاد و من المشخّصات و المتمّمات للقابليّات و كان قد خلقهم صلّي اللّه عليهم قبل الخلق لما قلنا فانّ من النظم الطبيعي بل كلّه انّ العلّة قبل المعلول و ان السبب قبل المسبَّبْ سواۤء في القابل و المقبول و انما خَلَقَ جميع خلقه من فاضل اشعّة انوارهم و من عكوس تلك الأشعة و جميع امدادات الخلاۤئق من فاضل اشعتِهم بهم فهم في الحقيقة قاۤئمون بهم في اظلّتهم قيام صدور و قيام تحقّق و لهذا كانوا هم يد اللّه التي في قبضتها ملكوت كلّ شيءٍ كانوا لأجل ذلك هم جند اللّه الأغلب لأنّ جميع الخلاۤئق في قبضتهم و لهذا قال الحسين (ع) في الحديث المتقدم لعبداللّه بن شدّاد واللّهِ ماخلق اللّه شيئاً الّا و قد امره بالطاعةِ لنا و كذا نداۤؤه للحمّي و تلبيتُها له و خطابه اياها و في دعاۤء الصّباح و المساۤء اصبحت اللّهم معتصماً بذمامك المنيع الذي لايطاول و لايحاول و ذمامه هو ولايتهم كما بيّنه ( بيناه خ‌ل ) في هذا الدّعاۤء و العلّة في ذلك ما ذكرنا من انّ بقاۤء وجودات جميع الخلاۤئق متوقّف علي امداداتهم و اشعة انوارهم كما قال سيّد الوصيين (ع) فيما رواه صاحب انيس السمراۤء كما تقدّم قال (ع) لم‌تكن الدّعاۤئم من اطراف الأكناف و لا من اَعْمِدةِ فساطِيطِ السّجاف [ص 274] الا علي كواهل انوارنا الحديث ، و قبل هذه الكلمات بكلماتٍ قال (ع) لأنّ الدّهر فينا قُسِّمَتْ حُدُودُه و لنا اُخِذَتْ عُهُودُهُ و الينا برزَتْ شهودُه الخ ، و الدّعاۤئم جمع دِعَامة بكسر الدالِ عماد البيت و الخُشُب المنصوبة للتعريش و الاكناف جمع كنفٍ و هو الظلّ للشيء و كَنَفَ غنمه عمل لها حظيرةً تأوي اليها و الفساطيط جمع فُسطاط بضمّ الفاۤء و هو مجتمع اهل الكُورة اي المدينة و الصّقع و السُّرادقُ الممدود فوق البيت من سقفٍ و غيره و السّجاف جمع سجوف و السّجوف جمع سِجْف و هو سترانِ مقرونانِ بينهما فُرْجَة او كلُّ بابٍ سُتِر بسترين مقرونَيْن و المعني لم‌تقم دعاۤئم بيوت الموجودات في ساۤئر الامكانات و سقوفها و لا اعمدة استارِها من اكوانها و اعيانها و هياكلها و احوالها و افعالها و اقوالها و اعمالها و حركاتها و سكناتها و ارتباطات بعضها ببعضٍ و نسبها الّا علي كواهل انوارنا و الكواهل جمع كاهل و هو مقدم اصل الظهر او الحارك و هو منبت شعر العُرف المتصل بظهر الحيوان الذي يأخذ به من يركبه يعني لايقوم شيء من خلق اللّه الّا بقَيُّوميّةِ انوارنا علي نحوِ ما اَشَرْنا اليه و نبّهناك عليه فهؤلاۤء صلّي اللّه عليهم لاجل ذلك هم حزب اللّه علي الحقيقة و جنده الذي لايغالَبُ و لايُطاولُ فانّ اللّه سبحانه غلب بهم كُلَّ شيءٍ و استعبد لهم كلّ شيء فهم سرّ الحيّ القيُّومِ في كلّ شيء بمعني انّ حيوة كلّ شيء تحملها كواهل انوارهم و القيّوميّة في كلّ شيء بمدد افاضاتهم ( اضافاتهم خ‌ل ) قال اللّه سبحانه و تعالي و ماقدروا اللّه حق قدره و الارض جميعاً قبضته يوم القيٰمة و السمواتُ مطويّاتٌ بيمينه سبحانه و تعالي عمّا يشركون فبعث جلّ و علا جنده الغالب علي جميع مَنْ بَرَأ و ذَرَأ عذراً او نذراً فٰامَن بهم من آمن و كفر مَن كفر و اسْلَمَ مَن اسلمَ و نجا مَن نجا و هلك من هلك و رزق بهم و احرم و اسعد بهم و اشقي و اضل بهم و هدي و لهم الجنّة و لهم النّار و بهم الثواب و بهم العقاب [ص 275] قال علي (ع) في الحديث المشار اليه سابقاً الذي في انيس السمراۤء قال و نحن العمل و محبّتنا الثواب و ولايتنا فصل الخطاب و نحن حجبَةُ ( حجته خ‌ل ) الحجاب الحديث ، و ذلك تأويل قوله تعالي و ننزّل من القرءان ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الّا خساراً و كذا قوله تعالي و ليزيدنّ كثيراً منهم ما انزل اليك من ربّك طغياناً و كفراً و هو من تفسير ظاهر الظاهر و الاشارة الي هذا التأويل في الٰاية الاولي انّ المنزّل اليه من السحاب المتراكم ماۤء هو بالقبول ماۤدّة الهدي و الايمان و التقوي و يزيد مَن لم‌يقبل بانكاره طغياناً و كفراً لأنّه بالأنكار كذلك كما قال تعالي باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و ذلك لانّ المنزّل عليه الٰايات الكبري و في الٰاية الثانية انّ القرءان هو المنزّل عليه (ص) و المنزّل منه ماۤء قد جعل اللّه منه كلّ شيء حيّ فيه شفاۤء و رحمة للمؤمنين بباطنه الذي هو الجنّة و هو قول عليّ (ع) كما تقدّم و نحن العمل و محبّتنا الثواب و لايزيد الظالمين ال‌محمّد حقّهم من الاوّلين و الٰاخرين بظاهره الذي من قبله العذاب الّا خساراً فبظلمٍ من اعداۤئِهم زادوهم خُسْراناً مبيناً لانّ الماۤء هو قاۤئد المؤمنين بطاعتهم الي الجنّة و ذاۤئد المعاندين بمعصيتهم الي النار و لايخالف شيء محبّته فلهذا فسّرنا الجند باليد الّتي بها ملكوت كلّ شيء فافهم .

قال عليه السلام : و عَيبَة علمه .

العيبة وعاۤء من اُدْمٍ و ما يجعل فيه الثياب و من الرجل موضع سرّه و منه العياب الصّدور او القلوب يقال صدره عيبة العلم و قلبه عيبة السرّ و كونهم (ع) عَيبة علم اللّه بمعني انّ علم اللّه الحادث الذي تطوَّر في انحاۤء الامكان في الرجحان و التّساوي بالأطوار المختلفة علي وصفٍ لايمكن حصر اطواره [ص 276] حيث كانَ العلم نفس المعلوم في رتبته و غيره قبله او بعده و سنشير الي بعض هذه الرموز هنا و بعده كان عندهم صلّي اللّه عليهم بجميع تلك كلّ حرفٍ منه في محلّ وجوده و وقت حدوده فمنه هم (ع) و منه منهم و منه اليهم و منه فيهم و منه بهم و منه عنهم فالأوّل قول عليّ (ع) و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه الحديث ، و قد دلّت اخبارهم علي هذه المذكورات و هي انّ العلم منهم صَدَر و اليهم يعود و فيهم يستقرّ و بهم تعلّم مَن تعلّم منهم فيما يحبّه اللّه من الحقّ و من الخلق المتغيّر بتغيّر المبدّلين الذين غيّروا خلق اللّه فيما يكرهه اللّه من الباطل و عنهم اخذ مَن اخذ مِن باطنهم او من ظاهرهم و خلافهم امّا ما في الرجحان فهم محاۤلُّه و عيبته لايخرج منهم الي غيرهم و الي هذا الاشارة بقوله (ع) الذي استقرّ في ظِلّك فلايخرج منك الي غيرك فذلك الاسم الأكبر المشار اليه علمه تعالي فيهم و هم ظلُّه الممدود الذي جعل شمسَ مشيّته عليه دليلاً ثم قبضه اليه قبضاً يسيراً و ضمير المخاطب هو ذلك و معوده ذلك بما فيه من ذلك الاسم الاكبر و الرجحان المطلق و يُعْني بذاك المعودِ الواجب الحقّ الظاهر بالوجود المطلق الطاۤئش في داۤئرة ظهوره حتي كان ( كأنّ خ‌ل ) الموجود الطاۤئش مفقوداً في الموجود و المفقود المخفي موجوداً في المفقود و امّا التّساوي ففيه الاعتبارات الثلاثة الاتّحاد و القبليّة و البعديّة و هذا في ساۤئر المراتب في كل شيء بحسبه فالأوّل فيه يكون العلم عين المعلوم مثلاً الصّورة الذّهنيّة الّتي في الخيال المنتزعة من المعني الخارجي هي العلم و هي بعينها المعلوم امّا انها المعلوم فلأنّها شيء فهو معلوم و هذا ظاهر و امّا انّها العلم فلأنّ الصّورة اذا كانت معلومة امّا ان تكون معلومة بنفسِها او بصورة اخري و من الثاني يلزم الدور او التسلسل فوجب الأوّل فتكون هي العلم فهي العلم بها و هي المعلوم و امّا المعني الخارجي [ص 277] فهو معلوم فعلي الظاهر المتعارف عند الناس انّ العلم به هو الصّورة الذّهنيّة المنتزعة منه و امّا في الحقيقة فهو العلم به و هو المعلوم و امّا دلالة الصّورة عليه فلأنها مثاله و تدلّ عليه لا اَنها العلم و اذا اردت تصوّر ذلك فكما ظهر لك في الصّورة اتّحادُ العلم مع المعلوم فاعلم بذلك في المعني الخارجي لعدم الفرق بين افراد الوجود لتساويها في نسبة العلميّة و المعلوميّة ماتري في خلق الرحمنِ من تفاوتٍ فالعالم يعلم الشيء به علي حدّ تأويل قول الشاعر :

رأتْ بدر السماۤء فذكّرتني ليالي وصلِنا بالرقمتين

كلانا ناظرٌ قمراً و لكن رأيتُ بعينها و رَأتْ بعيني

و امّا القبليّة فالحقيقيّةُ مثل ما يقال انّ الصّورة الذهنيّة علم بما انتزعت منه او القبليّة الدّهريّة و الاعتباريّة في صورة الاتِحاد انّ العلم في الاعتبار قبل المعلوم هذا في صورة غير العلّة و امّا في صورة العلّة للمعلوم فالعلم قبل المعلوم لأنه اصلُ المعلوم و علّته كما اذا نقشتَ ما تصوّرتَه فانّ ما تصَوّرته علّة و اصل لما نقشته لأنّك علّةٌ لهذا النقش و امّا البعديّة فهو المسمّي بالمطابق فانّه بعد المعلوم و ان قيل بانّه قبله في الدهر و ان كان بعده في الزمان و منه العكوسات في المرايا الظاهرة و الباطنة و منه ايضاً وقوع العلم علي المعلوم بعد وجود المعلوم لا قبله لانه قبله لم‌يكن معلوماً فلم‌يوجَد علم به و قد قال تعالي و ماكان له عليهم من سلطان الّا لنعلم من يؤمن بالٰاخرة ممّن هو منها في شكٍّ و هذا من المطابق اللّاحق و امّا السابق فهو العالِم و لا ربط بين العالم و المعلوم و انما الربط و الاتّحاد بين العلم و المعلوم لأنّه ليس قبل المعلوم الّا العالِم لا غير فلا علمَ قبل المعلوم غير العالم و وقوع العلم علي المعلوم عند وجودِه هو وجودُهُ لا غير فالعقل علم بالعقل نفسه في الاتحاد [ص 278] و بالروح في القبليّة و كذا بالنفس و بالجسم و الروح علم بنفسها في الاتّحاد و بالعقل في البعدية ( البعيدية خ‌ل ) و بالنفس و الجسم في القبليّة و النفس علم بنفسها في الاتّحاد و بالروح و بالعقل في البعدية ( البعيديّة خ‌ل ) و بالجسم ( في القبلية و الجسم خ ) علم بنفسه في الاتّحاد و بالنفس و بالروح و بالعقل في البعدية ( البعيديّة خ‌ل ) و بالعرض في القبليّة و العرض علم بنفسه في الاتّحاد و بالجسم و بالنفس و بالروح و بالعقل في البعدية ( البعيديّة خ‌ل ) و هكذا ما قبل المذكورات و ما بعدها و ما بينها بهذه النّسبة و كذا الأمثال المتعددة للشّخص الواحد فانّ المثال الواحد منها علم بنفسه في الاتحاد و بما فوقه الي جهة الشخص في البعدية ( البعيديّة خ‌ل ) و بما تحته الي جهة اَعْراضه و اعراض اعراضه و صفاته و صفات صفاته في القبليّة و بيان الأمثال انك اذا رأيت زيداً يوم السبت مثلاً يصلّي في المسجد الفلاني و رأيته يوم الأحد يزني في المكان الفلاني فانك بعد ذلك كلّما التفتَّ بوجه خيالك الي تلك الحالة رأيتَ مثاله في المسجد يومَ السبت يصلي ابداً لايفارق مثاله تلك الحالة الأولي الّتي رأيته عليها في المسجِد يومَ السبت و اذا التفتَّ بوجه خيالك الي الحالة الأخري رأيته يزني يوم الأحد في ذلك المكان ابداً و هكذا جميع الأمثال لجميع الأشياۤء الي يوم القيمة فاذا غفر اللّه ذلك الذنب يوم القيمة محا مثاله فلاتجده مشاعر الملاۤئكة و لا البشر اذ ليس شيء ثَمَّ ينطبع في مراياها يا مَن اظهر الجميل و ستر القبيح و ان لم‌يغفر وجدوه لازماً له الي يوم القيمة و بعده يلبَس صاحبه ملابس العذاب من صور ذلك المثال اللّازم له بلا نهاية و ماتجزون الّا ما كنتم تعملون ، سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و كلما اشرنا اليه و امثاله كُتُبٌ مملوءة من علم الله تجمعها العياب الكليّة العلّية كلماتها و حروفها و قِرْطاسها و بُيُوتها و مُدُنها في خزاۤئن تلك العياب الشريفة و هو قلوب محمّد [ص 279] و آله الطيّبين و صدورهم و افئدتهم و حواۤسّهم صلّي اللّه عليه و آله الطيّبين و اردتُ بقِرطاسِها ما هي فيه من الأنوار الوجوديّة مثلاً زيد في انوار جعلِ اللّه تعالي من اشعة مشيّته و ارادته و قدره و قضاۤئِه و اذنِه و كتابه و اجله و جعله لصفاتِه و افعاله و اقواله و اعماله و امثالِهِ و ما ينتظم علي ذلك من الروابط و النسب و غير ذلك و اردتُ ببيوتها مشخصات الذّوات و الصّفات و الأفعال و الأقوال و الأعمال و الأمثال و اردتُ بمدنها ما يخصّ كلّ شخص من المتخيّلات و المتصوّرات و المعاني و ما علي تلك المُدن من الأقفال و المفاتح و الخُزَّان من الملاۤئكة و ما علي البيوت منها كلّ تابع لما وُكِّلَ به لاتأخذهم السِّنات و لايقطعهم سهو الغفلات عن القيام بما وُكِّلوا به يسبّحون اللّيل و النّهار لايفترون و الاشارة الي نوع ذلك التسبيح و القيام الصحيح هو انّ زيداً مثلاً يتصوّر المكان الفلاني و البلد الفلانية و مساۤئل النحو و الفقه و سائر علومه و كلّ صنفٍ منها في مدينة و في كلّ مدينة فيها قصورٌ و في كلّ قصرٍ دورٌ و في كلّ دارٍ بيوتٌ ( و في خ‌ل ) كلّ بيتٍ صنف من المساۤئل مثلاً علم النحو في مدينة بابُها مقفل و مفتاحها بيد المَلَك الموكّل بها و باب المبتدأ و الخبر في قصرٍ من تلك المدينة بابُه مقفل مفتاحه بيد الملك الموكَّل به و حكم رفعهما في دارٍ بابُها مقفل مفتاحه بيد الملك الموكّل بها و حكم ما رفع منه في اللفظ في بيت بابه مقفل مفتاحه بيد الملك الموكّل به و حكم ما رفع منه في التقدير في بيت آخر بابه مقفل مفتاحه بيد الملك الموكَل به فاذا اراد زيدٌ معرفة ما كان علم من حكم رفع المبتدأ تقديراً مثلاً توجّه بوجه قلبه و هو خياله الي مدينة النحو و قرع بابها القرع المختصّ بها عرفه صاحب المفتاح و هو الملك الموكّل ببابها ففتح له الباب فيتوجّه الي قصر المبتدأ و الخبر فيقرع بابه كذلك فيفتح له بابَهُ الملك الموكّل به فيدخله و يتوجّه الي دارِ [ص 280] رفعهما لفظاً و تقديراً فيقرع بابها كذلك فيفتح له الملك الموكّل به بابَها فيدخله و يتوجّه الي بيت رفعهما تقديراً فيقرع بابه كذلك فيفتح له الملك بابَهُ فيدخله و يأخذ مسئلته منه و يخرج منه فيغلق بابه الملك و هكذا الي ان يخرج من المدينة فيغلق بابها الملك و ليس ملك من هذه الملاۤئكة يفتح باب ما وُكِّلَ به حتي يأتيه الاذن من اللّه سبحانه علي لسان وليّهِ من ال‌محمد (ص) و هو امام ذلك الزمان زمان طلب زيد لتلك المسئلة و كذلك لايغلق ملك باباً الا بأذنٍ خاصٍّ في كلِّ مرة فان كان زيد كثير المعاهدة لتلك المسئلة انِسَتْ به تلك الملاۤئكة فكلّما طلب فتحوا له لأنسِهم به و اتاهم الاذن من اللّه تعالي لِسؤاله منه تعالي بلسان استعداده الصادق في دعاۤئه بدوام العمل و ان لم‌يكن كثير المعاهدة فقد يفتح له عند طلبه مع موافقة القدر و قد تتوحش الملاۤئكة منه فلاتفتح له لتوحشهم ( لوحشتهم خ‌ل ) منه و لعدم استعداده و عدم موافقة القدر فينسي تلك المسئلة فأرْشَدَ اهل العصمة (ع) شيعتهم بان يصلوا علي محمد و آله (ص) فتفتح له الملاۤئكة لأنّ الصلوة علي محمّد و ال‌محمّد (ص) تفتح له الحجب فيما بَيْنَ العبد و بَيْنَ اللّه فيأمر الملاۤئكة بقضاۤء حاجته و هذه المُدُن اوراقٌ من ذلك الكتاب الذي هو علم اللّه الذي هم عيبته لأنّ كل ما اشرنا اليه من اوّل مراتب الوجود الي ما لا نهاية له من الامكان كتبٌ و اوراقٌ و كلماتٌ و حروفٌ و نقطٌ من علم اللّه سبحانه الذي هم عليهم السلام عيبته و اليه الاشارة بقوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سماۤئي و وسعني قلب عبدي المؤمن و في هذه الفقَرَات ابحاثٌ و نكَات لاتسعها الدفاتر و انما يسعها التلويح و الاشارة اللهم صل علي محمّد و ال‌محمّد كما صلّيت علي ابراهيم و آل ابراهيم انك حميد مجيد .

[ص 281] قال عليه السلام : و حجّته .

الحجّة بضمّ الحاۤء هي البرهان و الدليل و انما كانوا هم (ع) الحجّة لانهم الأدلّاۤء علي اللّه و لأنّ اللّه تعالي يحتجّ بهم علي خلقه فتقوم بهم الحجّة علي الخلق لأنّهم علماۤء لايجهلون كُرَمَاۤء لايبخلون قد جَمَع فيهم جميع صفات الكمال بحيث لايدانيهم احد من خلقه في صفةٍ من صفاتِ الكمال من علمٍ و حلْمٍ و حكمٍ و كرمٍ و شجاعةٍ و زهدٍ و عبادةٍ و ورع و يقينٍ و عفةٍ و غير ذلك فاذا امروا كان ما امروا حقّاً لا شكّ فيه و اذا دلّوا علي شيء كان صواباً و هكذا لأنّهم معصومون عن الخطاۤء و الجهل و الغفلة و الخيانة و الطمع و جميع ما ينافي الركون اليهم في الأفعال و الأحوال و الأعمال و الأقوال و الحركات و السكون فلأجل ذلك احتجّ بهم علي العباد فيما يريد منهم بحيث لايجد احدٌ من الخلق اعتراضاً و لايجد احد من الخلق من حيوانٍ و نباتٍ و جمادٍ في نفسه او حاله او قابليّة ذاته ما يميل اليه لم‌يكن عندهم و لا انهم الوسيلة فيه و لا ان يحصل بدونهم بل او يوجد بدونهم فوقع الاضطرار الي كونهم حجة ( اللّه خ ) علي جميع ما خلق و برأ لانّهم (ع) الْعِند المشار اليه في قوله تعالي مَن كانَ يريد ثواب الدّنيا فعند اللّه ثواب الدّنيا و الٰاخرة فافهم ما اتحفناك به و كن به ضنيناً و في الكافي عن ابي‌عبداللّهِ (ع) انّه قال للزّنديق الذي سأله من اين اثبتَّ الأنبياء و الرُسل قال انّا لمّا اثبتنا انّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا و عن جميع ما خلق و كانَ ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم‌يجز ان يُشاهده خلقه و لايُلامسوه فيباشرهم و يباشروه و يُحاۤجّهم و يُحاۤجّوه ثبتَ انّ له سُفَراۤءَ في خلقه يعبّرون عنه الي خلقه و عباده و يدلّوهم علي مصالحهم و منافعهم و ما به بقاۤؤهم و في تركه فناۤؤهم فثبتَ الٰامرون و النّاهون عن [ص 282] الحكيم العليم في خلقه و المعبّرون عنه جلّ و عزّ و هم الأنبياۤء و صفوته من خلقه حكماۤء مؤدّبين في الحكمة مَبْعوثين بها غير مشاركين للنّاسِ علي مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب في شيء من احوالهم مؤيّدون عند الحكيم العليم بالحكمة ثم ثبت ذلك في كلّ دهرٍ و زمانٍ ممّا اتت به الرسل و الأنبياۤء من الدلاۤئل و البراهين لكيلاتخلو ارض اللّه من حجّةٍ يكون معه عَلَمٌ يدلّ علي صدق مقالتِهِ و جواز عدالِتِه ه‍ .

ثم اعلم انّ ما احتجّ اللّه تعالي به لنفسِهِ و لانبياۤئه و رسله و اَوْلياۤئه ممّا ايّدهم به من الٰايات البيّنات و المعجزات الظاهرات الباهرات الّتي جعلها حججاً لما اراد تشييده من معالم دينه و تكاليف عباده و هي ما اظهرها لخلقه في الٰافاق و في انفسهم الّتي اشار اليها في قوله تعالي و كأيّن من آية في السموات و الأرض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و في قوله تعالي و تلك الأمثال نضربها للناس و مايَعْقِلها الّا العٰالِمُون و غير ذلك و ما اظهرها علي ايدي حججه (ع) من الٰايات الخارقة للعادات كلّها حجج اللّه سبحانه علي خلقه احتجّ بها عليهم فيما اراد منهم و هي كلّها آيات محمّدٍ و آله الطّاهرين صلي اللّه عليه و آله اجمعين و حُجَجُهمْ فهي حجج اللّه اظهرها بحججه عليهم السلام لمن شاۤء كيف شاۤء و الي هذا الاشارة بقول الصادق (ع) كما في انيس السمراۤء عن المفضّل بن عمر في قوله تعالي و كانوا باياتنا يجحدون قال (ع) و هي واللّهِ آياتنا و هي لهم مظاهر منها مظاهر ذاتٍ و منها مظاهر صفات ذاتٍ و منها مظاهر صفات افعالٍ و منها مظاهر آثارٍ و كلها حجج اللّه و آياته فهم حجج اللّه العليا و آياته الكبري كما اشار اليه سيّد الوصيين (ع) في الملأ الأعلي قال (ع) و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، هذا في الظاهر و في الحقيقة و الباطن هم الملأ الأعلي الذين يختصمون فيهم فهلك [ص 283] فيهم مَن رفعهم عن مقامهم الذي اقامهم فيه فلم‌يجعل لهم ربّاً يؤبون اليه و هلك فيهم مَن وضعهم و حطّهم عن مقامهم و نجي بهم من وضعهم حيث وضعهم اللّه و ربّك علي كلّ شيء حفيظ .

قال عليه السلام : و صراطه .

قال الشارح محمدتقي (ره) الذي قال اللّه تبارك و تقدّس و انّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه و ورد في الأخبار المتواترة انّهم الصراط المستقيم ه‍ .

اقول الصراط لغة الطريق و الجسر الممدود علي جهنم يسمّي به لأنّه طريق الجنة و في الحديث ما معناه انّه مسير الف سنة صعود و الف سنة حُدَال و الف سنة نزول و حُدَال كغراب مِن قولِهم قوسٌ محدلة اي تطامَنَتْ احدي سِيَتِها و السِّيَة بالكسر مخفّفة ما عطف من طرفَيْها و المراد من حُدَال بالمهملتين المَيْلُ اي الانعطاف و قال الأميرزا محمّد المشهدي بن محمدرضا بن اسمعيل بن جمال الدين القمي صاحب التفسير في حاشيةٍ منه الأظهر انه بالذال المعجمة و كاف الخطاب و المعني حِذاۤء وجهك و هو ما ليس بصعودٍ و لا هبوطٍ انتهي ، و جعل المشهور في النسخ و هو حُدَال احتمالاً .

اقول و هذا هو الأظهر كما هو الموجود في اكثر النسخ و يحتمل بالحاۤء المهملة و الذّال المعجمة بمعني الماۤئل فيفيد معني حُدَال بالدّال المهملة لانّه يقال حَذْلُكَ مَعَ فلانٍ اي مَيْلُك و الحاصل انّ حُذَاك بكاف الخطاب لايدلّ علي انعطافه بخلاف حُدَال باللّام فأنه يدلّ علي الانعطاف لأنّ هذا الجسر الممدود علي جهنم هو طريق الصّعود بالتكاليف و هو قوس الصّعود فيكون وسطه الذي هو ثلث القوس الأوسط منعطفاً و انما ذكر صفة الوسط الذي هو معترك التكاليف و فيه خمسون موقفاً يمكثون في [ص 284] كلّ موقفٍ للحساب الف سنة و انّ يوماً عند ربّك كألفِ سنةٍ ممّا تعدّون فيكون مكث الخلاۤئق في الحُدَال خمسين‌الف سنةٍ في يوم كان مقداره خمسين‌الف سنة فاصبر صبراً جميلاً و انما ذكر و نبّه عليه بانّه حُدَال لئلايتوهّم من قوله الف سنة صعود و الف سنة نزول انّ الوسط كان مستقيماً بالمعني المصطلح عليه عند اهل الهندسة و هو اقصر الخطوط الواصلة بين نقطتين و نبّه ببيان الوسط بانه معطف ( منعطف خ‌ل ) علي انعطاف الطرفين لكونه في نفسه خطاً واحداً و الا لكان ثلاثة و امّا انّه مستقيم في نفسه علي المعني الحقيقي من اللّغة العربيّة الالهيّة فلانّه لا حيف فيه و لا اعوجاج بالنسبة الي مَن يمر عليه كالبرق الخاطف و الجواد السابق و من دونهما و الي من يحبو حبوا و الي من تأخذ النار بعضه و الي من يسقط فيها علي اختلاف المراتب من الطرفين شدّةً و ضعفاً و انما يسير عليه الخلاۤئق باعمالهم فهو بعمل العامل العارف كما بين الأرض و السماۤء و بجهل الجاهل و عدم عمله ادقّ من الشعر و احدّ من السيف يعني يضطرب كالشعر و يشقّ الأقدام كالسيف فهو ( و هو خ‌ل ) في نفسِهِ لايتغيّر و انّما يتّسع و يضيق بالاعمال مثاله في دار التّكليف مسئلة دقيقة المأخذ محفوفة بالشُّبَهِ فمن عرفها كما هي و تكرّر فيها بالعمل كالتعريف و التبيين و التمثيل كان سيره فيها مع دقّتها كالبرق الخاطف فهي له كما بين الأرض و السماۤء و مَن لم‌يعرفها سقط في الظلمة الّتي لايهتدي فيها الي مدخل و مخرج و مثوي فهي له ادقّ من الشعر و احدّ من السيف فافهم الاشارة فانّ هذا الخبر اذا وصَلْتَ الي اصله وجدته عياناً فاذا عرفتَ هذا فقول الشارح (ره) الذي قال اللّه و انّ هذا صراطي مستقيماً يشير به الي انّ الصراط المستقيم حيثما ذكر في القرءان الكريم فالمراد به هم (ع) لا خصوص هذه الٰاية و انّما اتي بها تمثيلاً و اشار الي الدليل علي ذلك بأخْبَارهم صلّي اللّه عليهم [ص 285] و هذا الكلام في نفسِهِ حقّ لا مِرْيَةَ فيه الّا انّه مبهم مجمل و رفع الابهام و الاجمال عن هذا الكلام للخواۤصّ و العواۤمّ ممّا لايسعه المقام و امّا للخواۤصّ خاۤصّة فهو سهل التناول لطيّ ما بَعُدَ منه بالاشارة و التلويح و لولا خوف انغلاقه حتّي علي الخواۤصّ لكتبته في سطرٍ واحدٍ فاقول الصراط هو الطريق و هم (ع) صراط اللّه اي طريق اللّه الي خلقه في الخلق و الرزق و الحيوة و الممات و هم طريق الخلق الي اللّه في جميع مطالبهم في ذرات الأمور الأربعة المذكورة الّتي هي اركان ما في الامكان فجميع الخلاۤئق يسعون الي اللّه تعالي اي الي ما منه بدؤا في مطالبهم باعمالهم و اقوالهم و احوالهم و وجوداتِهم و قوابلهم و جميع استعداداتهم فالجعل الذي ذرأ فيه جميع الخلاۤئق بما هم عليه لِمٰا هم له عنهم (ع) صَدَرَ و بهم ظهر و فيهم بطن و استتر فالخلاۤئق قاۤئمون بظلِّهم الذي مدّه اللّه سبحانه و جعل الدليل عليه شمس حقيقتهم فبهم خلَقَ سبحانه و تعالي ما خلقَ و رَزَق ما قدّر و احيي و امات و لو شاۤء لاعطي كلّ واحدٍ من خلقه ما شاۤء كما شاۤء لكمال غناه عمّا سواه و لكنّه للطفه و رحمته و عطفه علي ضعفاۤء خلقه اجري حكمته انّه يفعل بالأسباب الّتي هي العلل الأربع الفاعليّة و الماۤدّية و الصّورية و الغائيّة لعجز الأكثر عن القبول لايجاداتهم علي ما هم عليه الّا بالأسباب و المتمّمات للقوابل فبحكم مقتضي الحكمة جعل محمّداً و اهل بيته المعصومين خزاۤئن تلك الأسباب بحقيقة ما هم اهله فوجب في الحكمة الربانيّة المشار اليها ان يكونوا صلّي اللّه عليهم خزاۤئن محبّته و نوّاب افاضته و بوّاب فيضه و مدده و حفظة اۤلۤائِه و نعمه و حملة اۤثار جوده و كرمه الي ما شاۤء من جميع خلقه و اَنْ لايكون له سبحانه طريق و لا باب تفيض منه عطاياه و امداداته غيرهم فهم صراطه في علمه بخلقه و قدرته عليهم و سمعه لكلامهم و رؤيته لهم علي ما هم عليه [ص 286] و امداده و قيوميّته ايّاهم و جميع ما بهم منه من خلقٍ و رزقٍ و موتٍ و حيوة و هذا في الحقيقة معني كونهم تراجمةً لأنّهم يترجمون الوحي بما تفهم الخلاۤئق المراد منهم التكليف بذلك الوحي و معني ● هذه الترجمة [ص 287] الوساطة بين الحق سبحانه و بين الخلق في الوحي الظاهري في تبليغ الشرعيات من التكاليف الظاهرة و الباطنة من لوازم الايجادات الأبتدائيّة و ملزومات الايجادات الغاۤئيّة و في تبليغ جميع ذرّات الايجادات الظاهرة و الباطنة من لوازم التّكليفات الغاۤئيّة و ملزومات التكليفات الابتدائيّة فبهم صلّي اللّه عليهم يخلق اللّه سبحانه و تعالي المكلّف و بهم الزم خلقه التشريع و بهم كلّفه بما اراد من الاعتقادات و الأعمال و بهم الزم اعماله و اعتقاداته ايجادات اكوانها و اعيانها و مقاديرها و كميّاتها و كيفيّاتها و رتبها و امكنتها و اوقاتها و اۤجالها و ما يترتّب علي ذلك هذا بالنسبة الي ما منه سبحانه و تعالي الي الخلق و بالنسبة الي ما من الخلق اليه تعالي فبهم (ع) و بالاتّباع لهم و الأخذ عنهم و الولاية لهم و البراۤءة من اعداۤئهم و من ولايتهم و الاقتداۤء بهم و الأخذ عنهم و من الرضي بهم و عنهم يقبل الأعمال و يرفعها اليه و بترك الأخذ عنهم و عدم ولايتهم و عدم البراۤءة من اعداۤئهم يردّها علي صاحبها فلِما اشرنا اليه و نبّهنا عليه كانوا (ع) هم صراط اللّه الذي لايصل شيء من اللّه الي شيء من خلقه الّا بواسطتهم و لايصل احد و لا عمل الي اللّه تعالي الّا بواسطتهم فهم طريق كلّ ما ينزل و كلّ ما يصعد و كونه مستقيماً انه يجري صعوداً و نزولاً علي حدٍّ من العدل و الحكمة المقتضية لصلاح الخلق و اختيارهم كما هم مذكورون به في بدء شأنهم في علم الغيب لايكون بعده الّا الظلم و الجبر و الفساد و لهذا قيل هم الصّراط المستقيم و القِسطاس المستقيم و لمّا كان الجسر الممدود علي النار الذي فيه خمسون عقبة كَؤُداً فيها الحساب الحق و العدل المطلق صفةً لما جاۤؤا به و فرعاً [ص 288] عمّا امروا به و بياناً لما ارادوا من الخلق سمّي الصراط المستقيم و قد انزل سبحانه كتابه المجيد ناطقاً بهذا التحميد قال تعالي اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم و قال اللّه تعالي و انّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه و غير ذلك من الٰايات و اخبارهم في هذا المعني لاتكاد تحصي اللّهم صلّ علي محمّد و آله الطّاهرين .

قال عليه السلام : و نوره و رحمة اللّه و بركاته .

قال الشارح (ره) النور امّا بمعني الهادي او العلم او الهداية بمعني المُهْتَدي اليه بالهداية الخاۤصّة او منوِّر العالَم بالوجود لأجلهم و هدايتهم .

اقول في القاموس النور بالضّمّ الضوء ايّاً كان او شعاعه ه‍ ، و في الكافي و المعاني و التوحيد و العيّاشيّ عن الصّادق (ع) في تفسير البسملة قال الباۤء بهاۤء اللّه و السين سناۤء اللّه ه‍ ، و البهاۤء هو الضياۤء و السناۤء هو النّور كما قال تعالي هو الذي جعل الشمس ضياۤءً و القمر نوراً و المعروف عندهم انّ النّور هو الظاهر في نفسه المظهر لغيره فيشمل هذا المفهوم الضياۤء و السناۤء لانّ السناۤء مثل الضياۤء ظاهر في نفسه مظهر لغيره و علماء المعرفة يشيرون بالباۤء الي الجبروت و بالسين الي الملكوت فالجبروت هو الضياء و الملكوت هو السناۤء و الجبروت ظاهر في نفسه مظهر لغيره ممّا هو دونه من الملكوت و الملك و كذلك السّناۤء ايضاً فانه ظاهر في نفسه مظهر لغيره ممّا هو دونه كالملك و حكم بعض اجزاء الملك بالنسبة الي بعض الٰاخر كذلك فيصدق علي كلّ من العوالم الثلاثة و ما بينها من البرازخ اسم النور و لا شكّ انها من انوارهم (ع) فهم نور النّور و كل ذرّة من ذرّات الوجود نور من انوار اللّه سبحانه و ان كان فيها اشياۤء غواسق لاتظهر في نفسها و انما [ص 289] يظهرها غيرها الا انّها وجودات و لا ريب انّ لها ظهوراً في نفسها و اظهاراً لغيرها من جهات و ان احتاجتْ في بعض الجهات الي اظهار الغير لها و كون ما سواهم من انوارهم لانّ ما سواهم امّا فعلهم او مفعولهم بلا واسطةٍ او بواسطةٍ او بوساۤئط و الفعل و المفعول شعاع الفاعل و المراد بالمفعول ما حدث عن الفاعل ( الفعل خ‌ل ) لا ما وقع عليه الفعل كما اصطلح عليه النحاة في مثل ضربتُ زيداً بل كمثل ضربتُ ضرباً و لما كانت هذه الأنوار بعضها صدر من بعضٍ اختار سبحانه النور الذي صدرتْ عنه الأنوار و لم‌يصدر عن نور مفعول و انّما صدر بفعله و مشيّته اي بنفس ذلك النور فنسبه اليه و اضافه الي نفسه تكريماً له و تعظيماً و ابانة له من ساۤئر خليقته فقال عزّ من قاۤئل اللّه نور السموات و الأرض يعني هادي من في السموات و الأرض اي هاديهم بنوره و هو محمّد و اهل بيته صلّي اللّه عليهم اجمعين علي نحو ما سبق في بيان حجته و صراطه مثل نوره و هو محمد (ص) روي عبداللّه بن جندب قال كتبتُ الي ابي‌الحسن الرضا (ع) اسئله عن تفسير قوله تعالي اللّه نور السموات و الارض فكَتَبَ اليّ الجواب اما بعد فانّ محمداً (ص) كان نور اللّه في خلقه فلمّا قبض كنا اهل البيت ورَثَتهُ فنحن امناۤء اللّه في ارضه عندنا علم المنايا و البلايا و انساب العرب و مولد الاسلام و ما من فئةٍ تضلّ مائةً و تهدي مائةً الّا و نحن نعرف ساۤئِقها و قائِدها و ناعقها و انّا لنعرف الرّجل اذا رأيناه بحقيقة الايمان و حقيقة النّفاق و انّ شيعتنا لمكتوبون باسماۤئهم و اسامي آباۤئهم اخذ اللّه علينا و عليهم الميثاق يَرِدُون مورِدنَا و يدخلون مدخلنا نحن الٰاخذون بحجزة نبيّنا (ص) و نبيّنا آخذ بحجزة ربّه و الحُجزة النّور و شيعتنا اٰخذون بحجزتنا من فارقنا هلكَ و من تبعنا نجا و الجاحد بولايتنا كافر و متّبعنا و متّبع ( تابع خ‌ل ) اولياۤئنا مؤمن لايحبّنا كافر و لايبغضنا مؤمن و مَن [ص 290] مات و هو يحبّنا كان حقّاً علي اللّه ان يبعثه معنا نحن نور لمن تبعنا و هدي لمن اهتدي بنا و مَن لم‌يكن منّا فليس من الاسلام في شيءٍ بنا فتح اللّه الدّين و بنا يختمه و بنا آمنكم اللّه من الغرق في بحركم و من الخسف في برّكم مَثَلُنا في كتاب اللّه كمثل مشكوة فيها مصباح المصباح محمّد رسول اللّه (ص) في زجاجة من عنصره الطاهر كأنها كوكب درّيّ يوقد من شجرة مباركة ابراهيميّة لا شرقيّة و لا غربيّة لا مدّعية و لا منكرة يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تَمْسَسْهُ نار القرءان نور علي نور امامٌ بعد امامٍ النور عليّ (ع) يهدي اللّه لولايته مَن احبّ حق علي اللّه ان يبعث وليّنا مشرقاً وجهه منيراً ( نَيّراً خ‌ل ) برهانه ظاهرة عند اللّه حجّته حق علي اللّه ان يجعل وليّنا مع النبيين و الصّدّيقين و الشهداۤء و الصالحين و حسن اولئك رفيقاً فشهداۤؤنا لهم فضل علي الشهداۤء بعشر درجات و لَشهيدُ شيعتنا افضل من كلّ شهيد من غيرنا بتسع درجات نحن افراط الانبياۤء و ابناۤء الأوصياۤء و نحن المخصوصون بكتاب اللّه و اولي الناس برسول اللّه (ص) و نحن الّذِين شرع اللّه لنا من دينه ما وصّي به نوحاً و وصّي به ابراهيم بنيه و يعقوب يا بَنِيّ انّ اللّه اصطفي لكم الدّين قد علمنا و بلّغنا ما علمنا و استودعنا فنحن ورثة اولي العزم من الرسل و الأنبياۤء ان اقيموا الدّين و لاتموتنّ الّا و انتم مسلمون و ان كبر علي المشركين ما تدعوهم اليه من ولاية اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه نفعكم اللّه في حياتكم و في قبوركم و في محياكم و عند الصراط و عند الميزان و عند دخولكم الجنان و قد بَعَثتُ اليكم بكتابٍ فيه هدي و نور و شفاۤء لما في الصدور ه‍ ، و انّما ذكرتُ هذا الحديث بتمامه و ان كانَ الاستشهاد ببعضه كافياً لأنّ جميع الفاظه متضمّنة لمعني النّور الذي اشرنا اليه فليفهم منه ما شاۤء كما شاۤء فقوله (ع) فلمّا قبض كنّا اهلَ البيتِ ورثته يريد به كنّا نور اللّه في خلقه [ص 291] و معني النّور في هذا المقام بيّنه (ع) بقوله فنحن امناۤء اللّه في ارضه الي اٰخر الحديث فكلّ ما تضمّن من المعاني فهي معاني النّور من العلم و المعرفة و اخذ الميثاق منهم و لهم و اخذهم الحجزة و اخذ حجزتهم و هلاك من فارقهم و نجاة مَن اتّبعهم و كفر جاحد ولايتهم و ايمان متّبعهم و اَلَّايحبّهم كافر و لايبغضهم مؤمن و انّ من اتبعهم يبعث معهم و انّهم نور لمن تبعهم فبهم عَرَف المتّبع و عَلِمَ و تَيَقَّن و عَمِلَ و قُبِلتْ اعماله و هدي من اهتدي بهم و ان ليس من الاسلام في شيء مَن لم‌يكن منهم و انّ بهم فتح اللّه الدّين و بهم يختمه و بهم يؤمن من الغرق في البحر و الخسف في البّر و ما ضرب لهم من المثل في الٰاية الشريفة الي آخرها و انّ اللّه يبعث وليّهم مشرقاً وجهه و انّ اللّه يجعل وليّهم مع النبيّين الي قوله رفيقاً و انّ شهداۤءهم لهم فضل علي الشهداۤء بعشر درجات و انّ شهيدهم افضل من كلّ شهيدٍ من غيرهم بتسع درجات و انّهم افراط الأنبياء و ابناۤء الأوصياۤء و انّهم المخصوصون بكتاب اللّه و اولي الناس برسول اللّه (ص) و انّ اللّه شرع لهم من دينه ما وصّي به نوحاً و اصطفي لهم الدّين و انّهم ( فانهم خ‌ل ) قد علموا و بلّغوا ما علموا و استُودِعوا و انّهم ورثة اولي العزم و ان اقيموا الدّين و لاتموتنّ الّا و انتم مسلمون و انّه كبر علي المشركين ما يدعوهم رسول اللّه (ص) اليه من ولاية اميرالمؤمنين (ع) و نفعهم لشيعتهم في تلك المواطن المذكورة و من معاني النّور ما اشرنا اليه فيما تقدم و الحاصل انّ هذا النّور مطابق للوجود المطلق و المقيّد في جميع مراتب الامكانَين و من يرد اللّه ان يهديه ان يعرّفه ذلك النور عرّفه و هو قوله تعالي يهدي اللّه لنوره من يشاۤء ، و امّا قوله و رحمة اللّه و بركاته فقد تقدّم بيانه فراجع .

[ص 292] قال عليه السّلام : اشهد الّا ( ان لا . خ‌ل ) اله الّا اللّه وحده لا شريك له .

شهدَ كعلم و كرم شهوداً حضر و اذا قلتَ اشهد بكذا يكون المعني اني اعلم به عن رؤيةٍ او سماعٍ او دليل قطعيّ يعني لايحتمل النقيض لانّ الشهادة حضور للمشهود به و ادراك له بالبصر او السّمع و امّا ما كان بالدليل القطعيّ كالشهادة بالتّوحيد فحيث نظر في الٰاثار و دلّه النظر علي الوحدة دلالة قطعيّة فقد ادرك ببصره الشهود العدول من الٰايات البيّنات في الٰافاق و في الأنفس كلّ شيء منها يشهد شهادة حضور و معاينة باللّسان الصادق من حاله كما اذا كنتَ في ظلمة ثم اشعل شخص سراجاً واحداً فانّه يكون لك ظلّ واحد يشهد لك بلسان حاله الصّادق انّه لم‌يوجد الا سراج واحد و ان كان ( لك خ ) سراجان كان لك ظلّانِ و يحصل الحضور و المعاينة و العلم القطعي بانه لايحصل ظلّانِ عن سراجٍ واحدٍ و لا ظلّ واحد عن سراجَيْنِ الّا ان يكونا في جهةٍ واحدةٍ بالنّسبة الي ذي الظلّ بحيث يدخل نور احدهما في الٰاخر بلا اختلاف جهةٍ في الكلّ او البعض فيثبت عندك بالحس ( ما تحسّ خ‌ل ) و الوجدان علم معاينة قطعيّ بما غاب عن الحواۤسّ من انّه ليس في الوجود الّا اله واحد و هو اللّه المعبود بالحقّ و انه لو كان معه الٰه لذهب كلّ الٰه بما خلق فلايقدر الشخص المخلوق الواحد ان يقول انا و انما يقول نحن لتساوي نسبته اليهما ثم لايقدر ان يقول نحن لانّه واحد و الواحد لايكون اثراً لمتغايرَيْن فيجب التدافع بينهما فيه لتصادم ارادَتَيْهما عليه فلاتقعان فاذاً لو كان كذلك لعلا بعضهم علي بعض في الشخص المطلوب لهما و في الطلبَيْن و هما الارادَتانِ و في كمالهما لأنّ كون الالٰه اعلي ممن سواه كمال تاۤمّ اكمل من كونه مساوياً لغيره فاثبات المساواة نقص و حاجة اِذْ لولا [ص 293] المساوي لماحصل له هذا النقص و الغني المطلق و الوجوب الحق منزّه عن كلّ نقصٍ لأنّ النّقص يدعو الي الاحتياج الي التّتمِيْمِ و في ذاتيهما فانّ الواجب ذات و الوجوب و الأزل ذاته بلا مغايرةٍ بكلّ احتمالٍ من وقوعٍ و فرضٍ و تجويزٍ و ليس خارج ذات الوجوب الّا الجواز و الامكان و لا مكان لألٰهٍ آخر الّا الامكان لانّ الالٰه الحقّ جلّ و علا صمدٌ لا مدخل فيه و الذي يحويه الامكان مخلوق للواجب فلو فرض في مقام الاستدلال و اثبات الايمان في القلوب و الأوهام تعدّد الاۤلهة وقع التّصادم و التّصادم و التعالي في مركز الوجوب و في الكمال المطلق و الغنيّ الحقّ و في الطلبين و في المطلوب فلهذا وجب العلم القطعي و الحضور الحقيقي و العيان البديهي بوحدة الواحد الحقّ فيجب القول الحقّ اشهد ان لا ( الّا خ‌ل ) اله الّا اللّه ثم انك تريد من هذه الكلمة الّتي تشهد بها لدلالتها علي التوحيد توحيده في اربعة مواطِن الاوّل توحيد الذّات بمعني تفريده عن الكثرة في ذاته بكلّ اعتبارٍ حتّي اعتبار المعنيّ الكليّ و انّ هذا فرد من مفهومه يستحيل وجود غيره فقد تتوهّم الأوهام لأنسِها بالكثرات و التّعددات انّ المستثني المثبت كلّيّ او جزئيّ منه يستحيل وجود جزئيّ غيره فرفعتُ هذا التوهم عن الوهم بتأكيد التوحيد فقلتُ وحده و هو تنصيص علي التفريد البحت في الذّات كما قال تعالي و قال اللّه لاتتخذوا الٰهين اثنين انّما هو الٰه واحد و هذا توحيد الذات ثمّ لمّا كان ذلك الكلام اذا قيس علي استعماله في الممكن و ان كان نصّاً في توحيد الذّات الّا انّه قد يحتمل الكثرة و التعدّد في الصّفات و الأفعال و الاستحقاق كما هو شأن الممكنات و الأوهام قد اَلِفتَ نظاۤئرها فقد تحتمل في صفات الواجب و افعاله و استحقاقه ذلك لعدم معرفتها بالوجوب الذّاتي قلت لا شريك له في الأحوال الثلاثة اي ليس له ندّ في صفاته اي شريك [ص 294] فيها ليس كمثله شيء و لا شبيه في افعاله و مفعولاته اي ليس له شريك فيها اروني ماذا خلقوا من الأرض ام لهم شرك في السموات و لا شريك في استحقاقه العبادة و لايشرك بعبادة ربه احداً و قولك لا شريك له تنصيص علي التفريد البحت في صفاته و افعاله و عبادته فتمحّض التوحيد البحت الحقيقي في المواطن الأربعة توحيد الذّات و توحيد الصّفات و توحيد الأفعال و توحيد الاستحقاق و هو الذي يليق بان يعبد اللّه به و يتعبّد به خلقه بل و ان يخلقهم لأجله كما قال عز من قاۤئل و ماخلقتُ الجنّ و الانس الّا ليعبدون اي ليعبدوني بتوحيدي في هذه المواطن الأربعة و انمّا نصّوا علي خالص التوحيد في هذه المواطن الأربعة من الوجود لأنّها اركان الأحديّة و كلّ شيء يدخل تحتها فاذا عرفتَ ما اشرنا اليه من معني الشهادة بالّا اله الّا اللّه وحده لا شريك له فلاحظ ما اشرنا اليه سابقاً ● من انّهم (ع) المعلّمون لكلّ الخلق و السابقون الي كلّ خير فلمّا [ص 295] نبّه (ع) علي بعض صفاتهم السابقة علي هذه الشهادة ظهر منها لمن عرف مراده منها الألوهيّة كما قد بيّنّا في مواضع كثيرة ممّا تقدّم ممّا ليس من صفات الخلق علي ماتعرفه عاۤمّة الناس فانّما يعرف انه من صفات الخلق خصيص الشيعة تشَهّد الامام (ع) بكلمة التّوحيد اعترافاً بالعبوديّة و اقراراً للّه بالأحديّة و تنبيهاً للزاۤئرين انّ ما ظهر لكم من العظمة انما هو عظمة المخلوق من اثر ما ظهر عليه من عظمة اللّه جلّ و علا فانتَ ايّها الزاۤئر حينئذٍ واقف حيث وقفت الملاۤئكة في عالم الأنوار و رأوا نور محمّد و اهل بيته صلي اللّه عليه و عليهم اجمعين يشرق من عالم الأسرار و الغيوب المستسرّة ظنّوا انّ هذا نور اللّه المعبود الحقّ سبحانه فهلّلوا فعلمتِ الملاۤئكة انّ هذا النّور نور المخلوقين المقرّبين فهلّلوا فلمّا هلّل الامام المزور (ع) هلّل الزاۤئر السّامع باذن سرّه تهليل المزور (ع) و قد اشرنا الي هذا المعني في التكبير قبل الزيارة و انّما اعدنا الاشارة تسهيلاً للطّلب و تأكيداً للحفظ و منعاً من الغفلة .