انا ذلك القدّوس في قدس العماۤء محجّب

انا قُطب داۤئرة الرحا و انا العُلي المستوعبُ

انا ذلك الفرد الذي فيه الكمال الأعجبُ

الي ان قال :

اللّه ربّي خالقٌ و بَرٖيق خلقي خُلّبُ

الي ان قال :

انا غافرٌ و المذنبُ

و قال آخر :

و ما الناس في التمثال الّا كثلجةٍ و انت لها الماۤء الذي هو نابِع

و لكن بذَوبِ الثلج يُرفع حكمه و يوضع حكم الماۤء و الأمر واقِع

و مثله ما ذكره ابن‌الأعرابيّ في فصوصه قال :

[ص 220]

فلولاه و لولانا لماكان الذي كانا

فاِنّا اعبُدٌ حقاً و اِنّا اللّهُ مولانا

و اِنّا عينُه فاعلم اذا ما قيل انسانا

فلاتُحجَبْ بانسانٍ فقد اعطاك برهانا

فكن حقّاً و كن خلقاً تكن باللّهِ رحمانا

و غذِّ خلقه منه تكن روحاً و ريحانا

فاعطيناه ما يبدو به فينا و اعطانا

فصار الأمر مقسوماً بايّاه و ايّانا

الي آخره ممّا يذهبون اليه من وحدةِ الوجود فهو باطِلٌ بل هو كفرٌ باللّهِ ، و امّا كلام الشارح فهو محتمل و ان كان قوله و كتب العارفين مشحونة من بيان هذه المراتب يشعر بالاحتمال الثاني لأنّه عفي اللّه عنه له ميل الي القوم كما هو شأن العلماۤء الذين اغتروا بغرور اهل الالحاد و استشهاده بقول الشاعر : ما وحّد الواحد الخ ، يشير به الي اَنّ مَن وحّد اللّه في حالٍ يجد فيها نفسه او توحيده فانّ تلك كثرة و اثبات ذلك في الوحدة و جعله وحدة جحود للوحدة لأنّك لو اثبتَّ وحدة اثنين من حيث التعدّد بزعمك انّهما من هذه الحيثية وحدةٌ لكنتَ جاحداً للوحدةِ الحقيقيّةِ لأنّها بهذا الأعتبار و من هذه الحيثيّة كثرة بخلاف الوحدة لا باعتبارٍ و لا حيث و كيف و لِم فاذا عرفتَ الوحدة بالكثرة جحدتَ الوحدة و قال (ره) و الحقّ انّه لايمكن بيانه و مَن لم‌يذق لم‌يدرِ اقول الحقّ انّه يمكن بيانه و مَن لم‌يذق لم‌يدر كيف لا و قد بيّنه عليّ (ع) لكميل ستّ مرّاتٍ و قد كشفتُ ذلك في شرح هذا الحديث الشريف و قد نصّ علي البيان في قوله (ع) مَن عرفَ نفسه فقد عرف ربّه و هو ان تجرّدها في الملاحظة و الوجدان عن جميع سبحاتها و نسبها و عن [ص 221] كلّ شيء حتي عن التجريد فانك ح تعرف المراد و يتبيّن لك ذلك بنورِ اللّهِ الذي هو الفؤاد بعد التجريد و محو كلّ موهوم من اشارة و تقييد و هو سرّ السين في قوله تعالي سنريهم آياتنا في الأفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انّه الحق فقد وعد اللّه سبحانه عباده العارفين انه سيريهم ( سنريهم خ‌ل ) الٰاية و هو النقش الفهواني التعريفي الذي هو الوصف و التعريف و التعرّف من اللّه سبحانه لعبده و هو حقيقته من ربّه و هو نور اللّه الذي يري به المتوّسم المتفرّس و هو الفؤاد و هو الصحو و هو الأحديّة و هو المعلوم و هو الجلال و هو اوّل فاۤئض عن المشيّة ممّا يختصّ به و هو الوجود الراجح فيما لك من الوجود الراجح المطلق و ما اشبه ذلك فكلّ عبارة من هذه تدلّك علي مطلوبك لأنّها كلّها بمعني واحد فكيف لايمكن بيانه و اللّه سبحانه يقول سنريهم آياتنا في الأفاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ فانت تفهّم قوله تعالي حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ و بيانه علي سبيل الاختصار و الاشارة انك تمحو في وجدانك عن حقيقتك التي هي ذاتك و نفسك الحيث و الكيف و اللِّم و المتي و الأين و في و مِن و علي و مع و لو و ما اشبه ذلك فانها خارجة عن ذلك مثلاً كونك في شيء ليس هو ذاتك و لا جزءاً منها و كونك علي شيءٍ وَ داخلاً في شيءٍ او خارجاً من شيءٍ او مع شيءٍ او مشابهاً لشيءٍ او يشابهك شيء او باۤئناً عن شيءٍ او ملاصقاً لشيءٍ او كونك محدوداً او محصوراً او موضوعاً علي شيءٍ او خارجاً من شيء او خارجاً منك شيء او قريباً او بعيداً او ظاهراً او باطناً او معلوماً او مجهولاً او متحركاً او ساكناً او ناطقاً او صامتاً او لابثاً او منتقلاً او متغيراً او متبدلاً و ما اشبه ذلك من صفات الخلق فكلّ هذه و ما اشبهها اذا نظرتها وجدتها غيرك حتي خطابك و غيبتك و تكلّمك فاذا انت شيء بسيط مغاۤئر لكلّ ما سواك فليس [ص 222] كمثلك شيءٌ بعد محو هذه السبحات و ما اشبهها فاذا عرفت نفسك هكذا بقي عندك ظهور اللّه لك بك فاذا نظرتَ ظهور اللّه بدون لك و بك عرفتَ صفة اللّه و اذا ( فاذا خ‌ل ) عرفت صفة اللّه عرفتَ اللّه لأنّ الشيء لايعرف بذاته و انما يعرف بصفته فبهذه الجملة يظهر لك بيانه .

فقوله (ع) و المخلصين في توحيد اللّهِ يحتمل وجوهاً :

الأوّل انهم (ع) مخلصون في توحيد اللّه في وجدانهم و معرفتهم فانهم لايجدون الّا اللّه سبحانه فانّ الذات اذا ظهرتْ غيبت الصّفات و الٰاثار بظهورها لأنّ الصّفات و الٰاثار سبحات ظهورها و ذلك الظهور هو الماحي لحجب الظهور فلو وجدت السبحات لم‌تظهر الذات لأنّها انما تظهر بمحو الحجب التي هي السبحات و له تأويل قوله تعالي فلمّا تجلي ربّه للجبل جعله دكّاً لانّ ظهور النور محو الظلمات و قد اشار اميرالمؤمنين (ع) الي ذلك لكميل حيث قال جذبُ الأحديّة لصفة التوحيد و ذلك لأنّ السبحات وجودها بصدورها فاذا جُذِبَتْ انقطع الصدور فانمحت فأن قرأتَ المخلَصين بفتح اللّام كان المعني انه جلّ و علا لذلك خلقهم فهم الماحون و هم بامره يعملون و بكسر اللام يكون المعني انّ غاية التجريد و التفريد الذي ليس وراءها ( ورائه خ‌ل ) مقام في الامكان هو ما جرّدوا و افردوا و الاخلاص هو هذا كما قال علي بن موسي الرضا (ع) في خطبته بمحضر المأمون و لا معرفة الّا بالاخلاص و لا اخلاص مع التشبيه .

الثاني انهم (ع) وصفوا اللّه بما يليق بعزّ جلاله و كلّ وصفٍ لم‌يكن بما وصفوا فهو باطل لايليق بجلال اللّه و قُدْسِهٖ كما قال تعالي سبحان اللّه عمّا يصفون الّا عباد اللّه المخلَصين فانّ وصفهم يليق بقدسِهٖ و قال اميرالمؤمنين (ع) نحن الأعراف الذين لايعرف اللّه الّا بسبيل معرفتنا اي بما وصفنا من التعريف فدلّ الكتاب و السّنّة انّ معرفة اللّه لاتحصل ( لايحصل خ‌ل ) لأحدٍ الّا بدلالة اهل الحق [ص 223] عليه و ماجعل جلّ و علا له باباً من المضلّين كما قال و ماكنت متخِذ المضلّين عَضُداً هذا و قد جعل الهادين (ع) اركاناً لتوحيده و العلّة في ذلك انّ اللّه خلق الخلق كما هم اثر فعله فحقاۤئقهم صفات افعاله و آثاره و الأثر يشابه صفة مؤثره التي عنها صدر وجوده و لم‌يكن احد من الخلق اعدل مزاجاً منهم فلايحكي احد الصفة كما هي الّا هم لاعتدال قابليّتهم بخلاف من سواهم فانهم لايخلون من الاعوجاج الكلّيّ او الجزئي فهم المخلصون في توحيد اللّه .

الثالث انّ مراتب التوحيد اربعةٌ توحيد الذات و توحيد الصفات و توحيد الافعال و توحيد العبادة فتوحيد الذّات ما امر اللّه تعالي و قال اللّه لاتتّخذوا الٰهَين اثنين انما هو الٰه واحد فتوحيدهم لذلك نهاية التجريد و التفريد كما تقدم بنفي جميع الصّفات و الأفعال و الٰاثار و توحيد الصّفات ما قال اللّه تعالي ليس كمثله شيء فيه معنيان : احدهما انّ صفاته ظهرتْ حتي غيّبَتْ جميع الخلق و صفاتهم و احوالهم بل ليس فيما دون عزّ جلاله الّا صفته و في المصباح للشيخ في دعاۤء ليلة الخميس انت الذي بكلمتك خلقتَ جميع خلقك فكلّ مشيّتك اَتتْك بلا لغوبٍ اثْبَتَّ مشيّتك و لم‌تأنّ فيها لمؤنةٍ و لم‌تَنْصَب فيها لمشقّةٍ و كانَ عرشك علي الماۤء و الظلمة علي الهواۤء و الملائكة يحملون عرشك عرش النّور و الكرامةِ و يسبّحون بحمدك و الخلق مطيع لك خاشع من خوفك لايُري فيه نور الّا نورك و لايُسْمَعُ فيه صوت الّا صوتك حقيق بما لايحقّ الّا لك فقوله لايُري فيه نور الا نورك توحيدُ الصفات و ثانيهما انّ كلّ ما في الكون صفاته من الذّوات و الصّفات الجواهر و الأعراض لأنها آثارُه و الٰاثار صفات فمعني توحيد الصفات انه ليس الا صفاته و آثاره و الٰاثار صفاته كما قال (ع) لايُري فيه نور الّا نورك لأنّ الأشياۤء آثاره و صفاتُ افعاله و افعاله صفاته و صفات الصّفات صفات فكما انك اذا نظرتَ الي الشمس لاتجد الّا الشمس و اشعّتها [ص 224] و هي آثارُها و صفاتها فكذلك في التمثيل آثار اللّه و توحيد الافعال كقوله تعالي اروني ماذا خلقوا من الأرض ام لهم شرك في السموات فليس له شريك في فعله و كلّ ما تري من افعال خلقه فهي افعاله بهم كما قال علي (ع) و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله و قال تعالي و مارميتَ اذ رميت و لكن اللّهَ رمي و قال تعالي و تحسبهم ايقاظاً و هم رقود و نقلّبهم ذات اليمين و ذات الشمال ، و قوله (ع) في الدعاۤء المتقدّم لايسمع فيه صوت الّا صوتك و توحيد العبادة قال تعالي فمن كان يرجو لقاۤء ربه فليعمل عملاً صالحاً و لايشرك بعبادة ربّه احدا ، و العبادة فعل ما يرضي و الشرك في العبادة ان يريد فيها مع اللّه تعالي غيره و له دبيب في هذه الأمّة اخفي من دبيب النملة في اللّيلة الظلماۤء قال تعالي و مايؤمن اكثرهم باللّه الا و هم مشركون و العبادة خاصّةٌ و عامّةٌ امّا العبادة الخاۤصّة الّتي وظّفها الشارع (ع) و حدّدها و ضبط حدودها كالصلوة و ساۤئر العبادات الشرعيّة فالشرك فيها علي اقسام شركٌ في الباعث علي ايقاعها كالرياۤء و له رتبتان شرك و كفر فالشرك بان تصلي للّه و يشرك في ذلك الباعث عليها مُراءاة زيدٍ و الكفر بان يكون الباعث عليها مُراءاة زيدٍ و لولا ذلك لم‌يصلّ فان كان يعتقد عدم تحريم هاتين الحالتين كَفَرَ و استُحِلّ دمه اذا علم ذلك منه باخباره مختاراً عالماً بقوله بحيث لايحتمل غير ذلك و ان لم‌يعتقد ذلك فالشرك الذي يلزم منه الكفر يعيد صلوته و يُستَتَاب و يعزّر ثلاثاً و يقتل في الرابعة احتياطاً و الشرك الممتزج فان كان في اصل النيّة لكلّ الفعل فكذلك و الّا فان كان في واجبٍ سواۤء ركناً او فعلاً او غيرهما من الواجبات من المتفق عليها بين المسلمين فكذلك و الّا ففي الواجب تبطل و في المندوب خلاف و الأصح البطلان و امّا العاۤمّة فما يقع في الأعمال و الأحوال و الأقوال منها فشرك خفي و في الحديث قال (ص) الشرك اخفي في امّتي من دبيب النمل [ص 225] و في الحديث مَن حلف بغير اللّه فقد اشرك قيل يعني كفر حيث جعل ما لايحلف به محلوفاً به كاسم اللّه تعالي ه‍ ، و في تفسير قوله تعالي و مايؤمن اكثرهم باللّه الّا و هم مشركون في الكافي و القمي عن الباقر و الصادق عليهما السلام شرك طاعةٍ و ليس شرك عبادة و زاد القمي و المعاصي الّتي يرتكبون فهي شرك طاعةٍ اطاعوا فيها الشيطان فاشركوا باللّهِ في الطاعة لغيره و ليس باشراك عبادة ان يعبدوا غير اللّه و في الكافي عن الصادق (ع) في هذه الٰاية يطيع الشيطان من حيث لايعلم فيشرك و عن الباقر (ع) من ذلك قول الرجل لا و حيوتك و عن الرضا (ع) شرك لايبلغ به الكفر و عنهما عليهما السلام شرك النعم و في تفسير العيّاشي عنه (ع) هو الرجل يقول لولا فلان لهلكتُ و لولا فلان لأصبتُ كذا و كذا و لولا فلان لضاع عيالي الا انه قد جعل للّه شريكاً في ملكه يرزقه و يدفع عنه قيل فيقول لولا انّ اللّه منّ عليّ بفلانٍ لهلكتُ قال نعم لا بأس بهذا و في التوحيد عنه (ع) هم الذين يلحدون في اسماۤئه بغير علم فيضعونها في غير مواضعها ، فشرك الطاعة لم‌يكفر فاعله لزعمه انه لاينافي التوحيد و هو كذلك في الظاهر و قول الرجل لا و حيوتك شرك لزعمِه انّ له حيوةً غير مفتقرةٍ يستند اليها في الوجود للقسم و الشرك الذي لايبلغ بصاحبه الكفر لأنّه لاينافي ظاهر التوحيد لانّه شرك طاعة كما مر لأنّه قد يعمل بمقتضي شهوة نفسه و ميلها الي اغراضها فيفعل خلاف ما يريد اللّه و هو لايعلم اي لايلتفت الي مراد اللّه لغلبة هواه فيشرك كما قال الصادق (ع) يطيع الشيطان من حيث لايعلم فيشرك و قول الرجل لولا فلان لهلكتُ اذا نسب الدفع و النفع مع عدم التفاتِهٖ الي انه من الاسباب الّتي يسبّبها اللّه فقد اشرك بخلاف ما لو قال لولا انّ اللّه منَّ عليّ به فانّه ح لاحظ الي انّ اللّه تعالي ولي النفع و الدفع و امّا ذِكْره فلاناً فلانّه لاحظ الي ان اللّه جعله سبباً لذلك و لا بأس به و امّا تفسير [ص 226] الشرك في الٰاية بالالحاد في اسماۤئه فهو تفسير بالباطن و شرح بيانه كما ينبغي مايحتمله الوقت و لا بأس بالتنبيه عليه يريد عليه السلام بالذين لايؤمن اكثرهم باللّهِ الّا و هم مشركون غير شيعتهم فانّ اكثرهم و هم الذين شاۤقوا الرسول من بعد ما تبيّن لهم الهدي مشركون بالشرك الذي لايغفره اللّه و معني الحادهم انّهم جعلوا ائمّتهم اولي بالأمر من ائمة الهدي الذين هم اسماۤء اللّه كما قال الصادق (ع) في قوله تعالي و للّه الأسماۤء الحسني فادعوه بها قال نحن الأسماۤء الحسني الحديث ، فأولۤئك يجعلون ائمّتهم اولي من ائمّة الهُدي و يسمّونهم باسماۤئهم و يلقّبونهم باَلْقابِهم و امّا مَن لم‌يتبيّن له الهدي منهم فليس بمشركٍ بل هو مسلم ضاۤلّ و حسابه علي اللّه و المراد بتبيّن الهدي معرفة الحقّ عن الدّليل بذوقِهٖ فهذه المراتب الأربع هي مراتب التوحيد و الاتّصاف بها دفعةً هو الأحديّة و احدُها واحديّة و الاحدية لا اعتبار للكثرة فيها اصلاً و الواحديّة فيها الكثرة الاعتبارية فهي منشأ الأسماۤء و الصفات ثم اعلم انّ لهذه المقامات مراتب لاتتناهي و اعلاها في التجريد و التفريد عن كلّ ما سوي الحقّ بحيث لايبلغها جميعُ الخلق توحيد اللّه ( توحيدهم خ‌ل ) في هذه المراتب الأربع فهم المخلصون في توحيدِ اللّهِ .

الرابع انّ كلّ شيء اذا نسبَ توجّهه الي شيءٍ و انصرافه اليه و حصره فيه و احاطته به و ميله اليه لايساوي توجهه الي نفسه و انصرافه اليها و حصره فيها و احاطته بها و ميله اليها فبهذا المعني و ما اشبهه يصدّقه اخلاصه في نفسِهٖ بمعني اتحاده بذاته لعدم المغاۤئرة الّا باللّفظ او الاعتبار فهم توحيد اللّه و اهل توحيد اللّه فقولك اهل تعني به المخلصين في الفقرة الشريفة و هذا هو المراد باعلي الوجوه من قول عليّ (ع) نحن الأعراف الذين لايُعْرف اللّه الا بسبيل معرفتنا يعني لايعرف اللّه الّا بنا يعني نحن معرفة اللّه و توحيده في كلّ ما يعتبر [ص 227] ( يعتبره خ‌ل ) معتبِر و يجرِّده مجرد لايظهر له الّا آية اللّه و هم (ع) ليس للّه اٰية اكبر منهم و لا ادلّ عليه منهم و الشيء انما يعرف بٰاياتِهٖ و صفاته و قد قال علي (ع) انا الذي لايقع عليه اسم و لا صفة و هذا كمال التجريد و التفريد و به يعرف اللّه اي بهذا المثل الاعلي و الٰاية الكبري و المثل الذي ليس كمثله ( كمثل خ‌ل ) شيء يعرف اللّه تعالي فهم توحيد اللّه في المقامات الّتي لا تعطيل لها في كلّ مكان و هم في الأبواب المخلصون في توحيدِ اللّهِ و هم في الخلق الدّاۤلّون علي اللّه و الدّعاة اليه فافهم راشداً .

قال عليه السلام : و المظهرِيْن لأمْرِ اللّهِ و نهْيه و عبادِه المكرمين .

قال الشارح (ره) مشدّداً و مخفّفاً كما قال تعالي و لقد كرمنا بني آدم اي هذا النوع بوجود الأنبياۤء و الأوصياۤء .

اقول من المراد بقوله المظهرين انهم تراجمة وحي اللّه و الهاماتِهٖ لمراداته فانّ الأمر و النهي من اللّه قد يردان من بعض اَلْسِنة الأقلام يسمعونه كصوتِ وقع السلسلة في الطست بل يردان في الخطابات الالهيّة بكلّ صوتٍ من اصواتِ الجمادات و النباتات و الحيوانات و كهفيف الرياح و اَزِيْزِ المياه و الامواج و بالجملة اَنّ اوامرَ اللّهِ و نواهيه يحدثها في جميع الألواح من الكلّيات و الجزئيّات بل كلّ ما يصدق عليه اسم الشيء كتب عليه مَلئُوه من الأوامر و النواهي و كلّ هذه تخبرهم ( يخبرهم خ‌ل ) (ع) بما حُمِّلَت اليهم و لايكتمون اللّه حديثاً و الملاۤئكة من سائر الألواح فتأتيهم و تخبرهم بجميع ما اُمِرتْ به و بلغت من الأمور المدبّرة كما قال تعالي فالمدبّرات امراً فتوحي اليهم بالطنين في آذانهم و بالوقع في قلوبهم بل بجميع لغاتهم و هفيف اجنحتهم و في بصائر الدرجات باسناده عن ابي‌حمزة الثمالي قال كنتُ انا و المغيرة بن سعيد جالسَيْن في المسجد فاتانا الحكم بن عتيبة [ص 228] فقال لقد سمعت من ابي‌جعفر (ع) حديثاً ماسمعه احد قط فسئلناه فأبي ان يخبرنا به فدَخَلْنا عليه (ع) فقلنا اِنّ الحكمَ بنَ عتيبة اخبرنا انه سمع منك ما لم‌يسمعه منك احد قط فابي ان يخبرنا به فقال نعم وجدنا علم عليّ (ع) في آية من كتاب اللّه و ماارسلنا من قبلك من رسولٍ و لا نبيٍّ و لا محَدَّثٍ الّا اذا تمنّي القي الشيطان في امنيّته فقلتُ و اي شيءٍ المحدّث فقال يُنْكَتُ في اُذُنِهٖ فيسمع طنيناً كطنين الطست او يقرع علي قلبه فيسمع وقعاً كوقع السلسلة علي الطست فقلتُ انه نبيّ ثم قال لا مِثل الخِضر و مثل ذي‌القرنين قوله (ع) ينكت في اذنه يراد منه انّ الروح يحرّك ورقة الامام (ع) بما يراد به من الوحي فيسمعه طنيناً كرِنّة الطست و هذا غالباً يكون من تحديث ملكٍ واحدٍ بلسانٍ واحدٍ و قوله او يقرع علي قلبه فيسمع وقعاً كوقع السلسلة علي الطست يراد منه ما كان من تحديث ملاۤئكةٍ متعدّدةٍ او من ملكٍ له السُن كثيرة يحدِّث الامام (ع) بكلِّها و ذلك لأنّ وجوه جميع الأشياء يطوفون حول العرش فيزدحمون فيمس الملك جزءاً ( جزء خ‌ل ) من العرش عند الاستلام فتحصل هذه الأصوات عندهم (ع) بما انطقها اللّه سبحانه من وحيه اليهم سلام اللّه عليهم فيسمعون وقعه في قلوبهم كوقع السلسلة في الطست و تطوف تلك الملاۤئكة علي تلك الوجوه و تلك الوجوه علي سدرة المنتهي حيث اللّه سبحانه يقول اذ يغشي السدرة ما يغشي فاذا حرّكت منهم ورقةٌ او غصنٌ ورقةً من اوراقهم (ع) سمعوا طنيناً في آذانهم كصوت الطست اذا ضرب و ذلك الصوت هو ما انطقها اللّه عز و جل الذي انطق كلّ شيء بما خلق فيها من وحيه اليهم (ع) من اوامره و نواهيه و يعلم ما في البرّ و البحر و ماتسقط من ورقة الّا يعلمها و لا حبّة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس الّا في كتابٍ مبين و في كتاب مختصر بصاۤئر سعد الأشعري للحسن بن سليمان الحلي باسناده عن الرضا (ع) عن آبائه (ع) في حديث طويل قال [ص 229] قال اميرالمؤمنين (ع) في كلام له و ان شئتم اخبرتكم بما هو اعظم من ذلك قالوا فافعل قال كنتُ ذاتَ ليلةٍ تحت سقيفة مع رسول اللّه (ص) و اني لاحصي ستّاً و ستّين وطئَةً من الملاۤئكة كلّ وطئةٍ من الملاۤئكة اعرفهم بلغاتهم و صفاتهم و اسماۤئهم و وطئهم ، اقول اصحاب هذه الوطئة من الملاۤئكة يبلّغون رسول اللّه (ص) اوامر اللّه سبحانه و نواهيه مشافهة بالقول و العيان و هم ايضاً يبلّغون النبي (ص) ذلك في خياله و حسّه و ذلك كله في الحالين وحي اللّه سبحانه اليه علي اختلاف مراتب النبيّ (ص) و مراتب الوحي و يبلّغون عليّاً عليه السلام جميع ذلك بالنبيّ (ص) فيقع هذا الوحي عليه كما ذكرنا قبل هذا في مشاعرِهٖ طنيناً في اُذُنِهٖ و وقعاً في قلبه كما سمعتَ من معرفته بلغاتهم و صفاتهم و اسماۤئهم و وطئهم و هذا معني قولنا انها كلّها كتُبٌ مُلِئَت علماً للائمة (ع) يقرؤنها و يعملون بما فيها مما كتب اللّه من اوامره و نواهيه و هو تأويل قوله تعالي و اوحي ربك الي النحل ان اتخذي من الجبال بيوتاً و من الشجر و مما يعرشون ثم كلي من كلّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ ربك ذُللاً يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاۤء للناس فالنحل الأئمة عليهم السلام و امير النحل عليّ (ع) و الاتخاذ هو النظر لاستنباط الحكم و الجبال جمع جبل علي ظاهر التأويل و هي الاجسام و الاجساد او جمع جبلّة و هي الطبيعة علي ظاهر الظاهر من التأويل و هي الأشباح بيوتاً و هي افراد الموضوعات من جميع ذرّات الوجود و الشجر النفوس في تطوّراتها و مقارناتها في تعلّقاتها و ارتباطاتها و انظارها و ممّا يعرشون من اشباحها الظاهرة في الجبال و الباطنة في مقدّم الخيال و اكل الثمرات استخراج احكام تلك الموضوعات و سلوك السبل هدايته سبحانه لهم و تعليمهم ما لم‌يكونوا يعلمون بفضله عليهم صلي اللّه عليهم و تذلّلهم صدق عبوديّتهم في علمهم باللّه [ص 230] و بونهم ممّا سواه و دنوّهم منه بلا اشارةٍ و لا كيف و خروج الشراب من بطونها نطْقهم عمّا في قلوبهم من العلوم و كون تلك العلوم مختلفةً صفاتها انها يجمعها اسم العلم و لهذا افرد الشراب و لكن صفاته باعتبار مقامات التعلّقات من الموضوعات و من الأوقات و الأشخاص و جهات المصالح و احوال التكاليف مختلف الوانه اي صفاته فمنه اسرار مكتومة و انوار مخزونة و امور مجملة و مفصّلة و باطنة و ظاهرة وَ مُداراة و تقيّة و بنسبة حال المكلف و بنسبة حال بعض المكلّفين لكلّ المكلّفين و حكم علي النظاۤئر و علي المتعارف و علي جهة الأغلبيّة و علي انّ العلل اسباب في حالٍ و معرّفات في حال و علي حكم قواعد كليّة لغويّة و علي استثناۤء البعض و علي حكم قواعدَ كليّة عرفيّة و علي حكم قواعد كليّة شرعيّة و علي مقتضي الأسباب و الموانع و المقتضيات و علي حكم التذكر في التذكر و النسيان او في التذكر دون النسيان و علي معذوريّة المكلّف الجاهل و علي عدم معذوريّته و علي حكم الأستمرار او في الوقت او في العمر و امثال ذلك ممّا يطول ذكره من اختلاف الوان العلوم و كلّه في الحقيقة راجع الي اختلاف الموضوع لذاته اوْ من حيث اختلاف قيوده الّتي بني الحكم علي جهتها و امثال ذلك و منَ المراد بالمظهرين لامر اللّه و نهيه انّهم يبلّغون المكلفين اوامر اللّه و نواهيه لانهم قد اظهروا من كتم فعله سبحانه الي الخلاۤئق علي نحو ما ذكرنا قبل هذا في بيانِ يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه ، و منه ايضاً انهم المظهرون لأمر اللّه و نهيه انّهم يحكمون بحكم اللّه و يفعلون ما امرهم اللّه و لايخشون احداً الّا اللّه . فان قلتَ انهم كثيراً ما يتقون و يأمرون شيعتهم بذلك و قد قالوا (ع) مَن لا تقيَّة له لا ايمانَ له قلتُ انهم (ع) انما يتقون في المواضع التي اُمِروا فيها [ص 231] بالتقيّة فهم في تلك الحال يعملون بامره تعالي لا لأجل الاتقاۤء و انما امرهم اللّه بذلك ليحفظ بذلك انفسهم و لتتعلّم شيعتهم من فعلهم و لانّ حكم التقيّة احد احكامِ اللّه في المسئلة و انما يخالف حكم حال عدمها كما يخالف حال المريض المكلّف بالصلوة جالساً و كلاهما حكم اللّه اختلف ظهوره و تغائره ( و تغائر خ‌ل ) باختلاف الموضوع فكذلك حكم التقيّة و حكم عدمها و انّما هو حكم اللّه تعالي و هو نور واحد يتلوّن علي حسب قوابله و للّه في ذلك الاختلاف و ان كان باختلاف احوال المكلّفين حكمة بالغة يَخْتَبِر بها العباد ليميز المطيع لامره و المخالف لما اراد و عنده جلّ و علا مقامات و منازل من الثواب لاتنال الّا بذلك و مع ذلك فلاينافي كونهم المظهرين لامر اللّه لأنّ حكم التقيّة من امر اللّه الذي يجب عليهم اظهاره و بيانه و منه ايضاً انّهم هم الذين اظهروا الايمان و الاسلام اللّذَين هما دارانِ ( دايران خ‌ل ) لأمرِ اللّه و نهيه و لولاهم لم‌يبق لهما اسم و لا رسم فانّ الاسلام منخفضٌ و هم رفعوا اعلامه و الايمان مضمحل و هم اسّسوا احكامه و اَمْرُ اللّهِ طلبه الفعل لذاته من المكلّف بمعني انّ جميع افراد ذلك المأمور به كلّ فرد منها توجد فيه العلة الغاۤئية التي لاجلها كُلّفَ المكلَّف بها و لايدخل فيه المندوب لانّه طلب اللّه فعلاً من المكلّف قد توجد فيه العلّة و قد لاتوجد فالفعل يطلب لغيره بمعني انّه لاتوجد العلة التي لاجلها طلب الفعل في كلّ فرد بل قد توجد و قد لاتوجد فكان الطلب لغيره و هو طلب بالعرض فالأمر هو الطلب المعروف المقتضي للوجوب و المندوب طلب غير الامر المعروف و صورة اللفظ فيهما واحدة فاذا وردتِ الصورة المعلومة عارية عن جميع القراۤئن حُمِلَت علي الوجوب للأصل و الٰامر بها عليه البيان و التعريف و التعليم فقد جعل امره واجباً و اذا لم‌يردِ الوجوب نَصب له قرينة من قولٍ او تقريرٍ او عملٍ او اجماعٍ كما لو امر بتركه امراً لايدلّ علي النَسْخ و انقضاۤء مدّته او تركه المكلَّف [ص 232] بمشهدٍ منه و قرّره عليه او انّه عليه السلام لم‌يفعل في وقتٍ مّا او ينصّ علي ندبيّته او تحقق اجماع علي عدمِ وجوبه من جماعةٍ الأمام (ع) فيهم بذلك القول و ليس من هذا ابتداۤءً ما ثبت وجوبه و نسخ الوجوب خاۤصّة لا رفع الحكم بكلّيّته لأنّ ذلك الوجوب كما قالوا طلب الفعل و المنع من الترك و نسخ الوجوب خاۤصّة عبارة عن رفع المنع من الترك فيبقي مطلق الطلب وحده و هو معني الندب فانّه طلب فعلٍ لايمنع من تركه و هذا و ان كان بعد تفكيكه يكون من الندب لكن ليس ابتداۤءً و الكلام في الطلب الابتداۤئي هل هو اثنان ام واحد فعلي القول بانّه واحد فالفارق بين الوجوب و الندب القيد فالطلب مع استحقاق المدح واجب و مع عدمه ندب و يلزم من هذا القول انّ الماۤدّة واحدة و التعدّد انّما هو بالصّورة و هو القيد و فيه لزوم الاتحاد و كون التعريف لهما رسميّاً و هما ممنوعان امّا منع الاتحاد فواقع و قد حقّقناه في محلّه و امّا منع التعريف فعند من يدّعي فيه الحقيقي و المنع راجع الي دعواه لأنّه ادّعي الحقيقي في حدٍّ رسميّ و الّا فلا منع في دعوي الرسمي و ان امكن الحقيقي بعبارةٍ اخري كما ذكرناه في شرح تبصرة العلّامة رحمه اللّه و علي القول بانّه اثنان فكلّ ماۤدّة لها صورة خاۤصة بها و في قول اهل الأصول هنا تناقض و تهافت كثير و لسنا بصدد ذلك لطول الكلام في بيان ذلك و تصحيحه و الاشارة الي بعض ذلك هو انّ مَن قال بالتعدّد منهم بني دعواه علي انّ الأمر للوجوب و لايكون المندوب مأموراً به لا انّه عنده ليس بمطلوب و وجه التهافت انّه جعل حقيقة الطلب الواجب غير صالح للمندوب لا لملاحظة قيده الذي تقوّم به و هو المنع من التّرك ليتميّز عن طلب المندوب بقيده و الا لزم ان يكون معني قولهم انّ المندوب غير واجب و ليس كذلك بل يريدون انّه لم‌يؤسّس بالأمر و لا امر عندهم الّا الطلب المقترن بالمنع من [ص 233] تركه او يلزمهم انّ المندوب غير مطلوب او تحقق الامر بلا منع من الترك و يلزمهم انّ المندوب مأمور به و لا فاۤئدة في التطويل و البيان هنا و الحقّ ان طلب الواجب طلب ذاتيّ صورته النوعيّة المنع من الترك و الشخصيّة استحقاق المدح بفعله و الذم بتركه و ان كان يمتزج بالرسم فان الظاهر رسم الباطن و ان طلب الندب طلب عرضي صورته النوعية جواز الترك و الشخصية عدم استحقاق المدح علي الفعل و الذم علي الترك و الحرام و المكروه علي نحوِ ما سمعتَ و المباح هل هو ما لم‌يتعلّق به طلب او ما تعلّق به طلب تسوية بين الفعل و الترك هو حكم ام هو ارشاد و بيان ام هو للتوسعة علي المكلّفين او لتمييز ( لتميز خ‌ل ) ما يتعلّق به احد الأربعة الواجب و الحرام و الندب و الكراهة ام تعلّق به في نفسه انه احد الاربعة قبل الخطاب به يعني انّ المباح قبل الخطاب به في نفسِهٖ منه واجب و منه مندوب و منه حرام و منه مكروه و بالنسبة الي المكلّفين مباح حتي يرد التكليف به و علي الثاني هل التعلّق به في ذاته ام بالمكلّفين بالنسبة اليه احتمالات و الذي عندي انّ كلّ شيء تعلّق به طلب و اَنّ الطلب المتعلّق به في نفسه قبل التكليف به علي مقتضي احد الأربعة و اَنّ اباحته مطلقاً علي المكلّفين قبل توجّه الخطاب اليهم به من باب التوسعة عليهم حتي يرد الخطاب قال (ص) الناس في سعةٍ ما لم‌يعلموا و قال (ص) ليس علي العباد ان يعلموا حتي يعلّمهم اللّه و قال تعالي و ماكان اللّه ليضلّ قوماً بعد اذ هديهم حتي يبيّن لهم ما يتّقون ، و الأمر و النهي يستعملان كناية عن آثار السلطنة و الولاية و الربوبيّة يقال فلان ولي الامر و النهي يعني انه المتصرف المتسلط ( و المتسلط خ‌ل ) و له الحكم و بهذا المعني اَمْرُ اللّهِ و نهيه كناية عن حكمه و تسلّطه و اخذه بنواصي خلقه و كون الأئمة (ع) المظهرين لأمر اللّه و نهيه انّ عظمة اللّه و تسلّطه علي خلقه و اخذه بنواصيهم لايعرف احد من الخلق شيئاً من ذلك [ص 234] الّا بتعليمهم و تبيانهم و ارشادهم فهم المظهرون لتلك الربوبيّة في كلّ مرتبةٍ من مراتب الوجود اعلاها انّهم هم تلك الربوبيّة و العظمة ثم هم حملة تلك الربوبيّة و العظمة ثم هم مفاتيح تلك الربوبيّة و العظمة ثم هم المنفِقون من تلك الخزاۤئن بأمرِ اللّه ثم هم المعينون للساۤئلين علي قبول تلك العطايا و الخيرات في الأحكام الوجوديّة ثم هم المعلّمون لحقاۤئق تلك الأحكام الوجوديّة ثم هم العاملون لتلك الوجودات الأحكاميّة و كلّ بامر اللّه ليجزي اللّه كلّ نفس ما كسبت و ايضاً كونهم المظهرين لأمر اللّهِ و نهيه انّهم هم العظمة الظاهرة بامر اللّه سبحانه يعني اظهرهم اللّه لخلقه ليستدلّوا بهم عليه من تأويل قوله تعالي سنريهم آياتِنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحق فقوله ( و قوله خ‌ل ) آياتنا هم (ع) و قوله و في انفسهم ما ظهر للخلق في ذواتهم من عظمته الذي هو نورهم (ع) او آياتِ عظمتِنا في انفسِهم و هم اي الأنفس الائمّة (ع) فظهروا لِذلك باظهارِ اللّهِ عظمةً لاتتناهي في الامكان فباللّهِ هم المظهرون لعظمة اللّه التي هي امر اللّه و نهيه او فباللّهِ هم المظهرون لأمر اللّه و نهيه اللّذَانِ ( اللّذَيْن ظ ) هما عظمته و آثار تسلّطِهٖ و منه ايضاً انهم المظهرون لأمرِ اللّه و نهيه اَنّ امر اللّه و نهيه في العلم و الحكم و التبليغ و الانذار و الاعذار و في العمل لايَظْهَران الّا منهم و عنهم و فيهم و بهم و لهم امّا انّهما منهم فلأنّهم سرّ الأمر و النهي بمعني انّهم محاۤلّهما و خزاۤئنهما و مفاتحهما و مظهروهما و امّا انهما عنهم فلانّهما صدرا عنهم و عن جدّهم صلّي اللّه عليه و آله لقوله تعالي حكاية عن نبيّه (ص) و اُنْزِلَ اليّ هذا القرءان لِأُنْذِركم به و مَن بلَغ اي و من بلغ منهم ان يكون اماماً يُنذرهم به و امّا انّهما فيهم فلأنّهم خزاۤئنهما في الصُّدُورِ و في التقوّم و في التعلّق و امّا انّهما بهم فلأنّ اعمال العاملين من جميع الخلاۤئق انّما هي بوجودهم و بامرهم و تعليمهم و هدايتهم و امّا انّهما لهم فلأنّ جميع الاعمال [ص 235] الصّادرة من الخلاۤئق عن الأوٰامر و النّواهي موافقةً و مخالفةً آثارُ سلطانهم اثباتاً و نفياً و السنةُ ممادِحهم و الثناۤءُ عليهم بكلِّ لسانٍ طاۤئع و عاصٍ فكلّ طاۤئعٍ يصلي عليهم و يتبرّءُ مِن اعداۤئهم و كلّ عاصٍ يقرّ بفضلهم و يلعنُ اعداۤءَهم و هم لايشعرون و هو تأويل قوله تعالي و ان من شيء الّا يسبّح بحمده ، و في الزّيارة الجامعة الصغيرة مُقرّ برجعتكم لاانكر للّه قدرة و لاازعم الّا ما شاۤء اللّه سبحان اللّه ذي الملك و الملكوت يسبّح اللّه باسماۤئه جميع خلقه و السلام علي ارواحكم و اجسادكم و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته ، و في الكافي بسنده عن الدّهقان قال دخلتُ علي ابي‌الحسن الرضا (ع) فقال لي ما معنا قوله تعالي و ذكر اسم ربّه فصلّي قلتُ كلّما ذكر اسم ربّه قام فصلّي فقال لي لقد كلّفَ اللّه تعالي هذا شطَطاً فقلتُ جعلتُ فداۤءَك فكيف هو فقال هو كلّما ذكر اسم ربّه صلّي ( فصلي خ‌ل ) علي محمّد و آله ه‍ ، فتدبّر اشارته (ع) و روي في تفسير قوله تعالي يسبّحون الليل و النهار لايفترون ما معناه كيف لايفترون و قد قال اللّه تعالي انّ اللّه و ملاۤئكته يصلّون علي النبي قال (ع) ما معناه لمّا خلق اللّه محمّداً و آله (ص) قال لملاۤئكته نقِّصوا من ذكري بقدر صلوتكم علي محمد و آل‌محمد فاذا قال الرجل اللّهم صلّ علي محمّد و آل‌محمّد فقد سبَّح اللّهَ و هلّله و مجّده و روي الكليني عن رجاله عن معوية بن عمّار عن ابي‌عبداللّه (ع) قال سمعته يقول في قول اللّه عزّ و جلّ و للّه الاسماۤء الحسني فادعوه بها نحن واللّهِ اسماۤء اللّه الذي لايقبل اللّه من العباد عملاً الّا بمعرفتِنا فافهم و تفهّم ما اشاروا اليه و لاتفزع ممّا تسمع بعد ما قالوا عليهم السلام اجعلوا لنا ربّاً نَؤُبُ اليه و قولوا فينا ما شئتم و لن‌تبلغوا الحديث .

و في قوله عليه السلام : و عباده المكرمين قال الشارح (ره) مشدداً و مخفّفاً كما قال تعالي و لقد كرّمنا بني آدم اي هذا النوع بوجود الأنبياء [ص 236] و الأوصياۤء .

اقول امّا كونهم عباداً فهذا مما لايتوقّف فيه الّا القوم الكفار و حشو النار الذين غلوا فيهم و رفعوهم عن مراتبهم التي رتبهم اللّهُ فيها و هؤلاۤء الغلاة و هم في غلوّهم علي اقسام فمنهم من يدَعي انهم (ع) يعلمون الغيب و العلماۤء ردوا عليهم و كفروهم من وجوهٍ احدها من الروايات المتكثرة منها ما خرج عن صاحب الزمان عليه السلام ردّاً علي الغلاة كما في الاحتجاج قال (ع) يا محمد بن علي تعالي اللّه عزّ و جلّ عمّا يصفون سبحانه و بحمده ليس نحن شركاۤؤُهُ في علمه و لا في قدرته بل لايعلم الغيب غَيره كما قال في محكم كتابه تبارك و تعالي قل لايعلم مَن في السموات و الأرض الغيب الّا اللّه و انا و جميع اۤبائي من الأولين آدم و نوح و ابراهيم و موسي و غيرهم من النّبيّين و من الٰاخرين محمّد رسول اللّه و علي بن ابي‌طالب و الحسن و الحسين و غيرهم ممّن مضي من الائمة عليهم السلام الي مبلغ ايامي و منتهي عصري عَبيد اللّه عزّ و جلّ يقول اللّه عزّ و جلّ و من اعرض عن ذكري فانّ له معيشةً ضنكاً و نحشره يوم القيٰمة اعمي قال رب لم حشرتني اعمي و قد كنت بصيراً قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسي يا محمد بن علي قد آذانا جهلاۤء الشيعة و حمقاۤؤهم و من دينُه جناح البعوضة ارجح منه و اشهد اللّه الذي لا اله الّا هو و كفي به شهيداً و محمّداً رسوله و ملاۤئكته و انبياۤءَه و اولياۤءَه و اشهِدُك و اشهد كلّ من سمع كتابي هذا انني ( اني خ‌ل ) بريء الي اللّه و الي رسوله ممن يقول انا نعلم الغيب اَو نشارك اللّهَ في ملكه او يُحلّنا محلاً سوي المحل الذي نصبه اللّه لنا و خَلقَنا له اَو يتَعدَّي بنا عمّا فسّرته لك و بينته في صدر كتابي و اشهدكم انّ كلّ مَن نتبرء منه فانّ اللّه يبرءُ ( يتبرء خ‌ل ) منه و ملاۤئكتُه و رسله و اولياۤؤه و جعلتُ هذا التوقيع الذي في [ص 237] هذا الكتاب امانةً في عُنُقِك و عنقِ من سمِعه اَن لّايكتمه من مواليَّ و شيعتي حتي يظهر علي هذا التوقيع الكلّ من الموالي لعلّ اللّه عزّ و جلّ يتلافاهم فيرجعون الي دينِ اللّهِ الحقّ و ينتهوا عمّا لايعلمون منتهي امره و لايبلغ منتهاه فكلّ مَن فهم كتابي و لم‌يرجع الي ما قد امرته و نهيته فقد حلّت عليه اللعنة من اللّه و ممّن ذكرتُ من عباده الصالحين اقول و الأحاديثُ في هذا المعني متواترة معني لايمكن ردّها و امّا مَن يميل الي القول بعلم الغيب فيهم (ع) فانه لايردّها و انما يأوّلها و اختلف العلماۤء في تأويلها و في الجمع بينها و بين ما يدلّ بظاهره علي انهم يعلمون ( الغيب خ‌ل ) و هي ايضاً كثيرة جداً ممّن لم‌يقل بعلم الغيب فيهم فالأوّلون حملوا الغيب الذي لايعلمونه علي الغيب الأزليّ الذي هو الذات جمعاً و هذا خطأ لانّ الدليل القطعي عقلاً و نقلاً قد دلّ علي انهم مخلوقون مربوبون لا قيام لِوجودهم الّا بالمدد الداۤئم من فيض القديم الكريم الداۤئم و لا ريبَ انّ ذلك المدد حادث و لا يمدّون بما وصل اليهم و انما يمدون بما لم‌يصل اليهم و هذا المدد قبل ان يصل اليهم لايعلمونه قطعاً و الّا لكان قد وصل اليهم قبل ان يصل اليهم و هذا باطل فكيف يصح انّ ( كل خ‌ل ) ما سوي الذات يعلمونه كيف و قد قال سيّدهم و افضلهم و اعلمهم صلي اللّه عليه و آله عن امر ربّه له ربّ زدني علماً فهل يسئل اللّه ان يزيده من الأزل ام يزيده من العلوم الممكنة و هل يسأله ان يزيده مما علّمه ام مما لايعلمه و هل يعلمون ما لايعلمه رسول اللّه (ص) الذي هو واسطة بين اللّه و بينهم الذي هو مدينة العلم و ايضاً العلم منه ما هو بالمستقبل و منه ما هو بالحال و منه ما هو بالماضي فاذا ادّعيتم علمهم بالماضي و بالحال حال السؤال قلنا انّ الادلّة العقليّة و النقليّة تساعدُكم و لكن العلم بالمستقبل لاتساعدكم عليه الأدلّة و ذلك لانهم اذا علموا بشيء سيكون قبل ان [ص 238] يكون هل كان بعلمهم واجباً لاتتعلّق به القدرة و لايمكن فيه او كان بعلمهم مستحيلاً كذلك فان قلتَ كان ممكناً و ان علموا به قلنا للّه فيه البداۤء امْ لا فان قلتَ ليس للّه فيه البداۤء عارضَتْك الأدلّة العقليّة و النقليّة و ان قلتَ للّه فيه البداۤء فكيف يعلمون شيئاً يجوز للّه ان يغيره كيف شاء فهذا معني قول عليّ (ع) لميثم التمار لولا آية في كتاب اللّه تعالي لأخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة و هو قوله تعالي يمحو اللّه ما يشاۤء و يثبت فان قيل انّ الأدلّة الدالّة علي علمهم بكلّ شيء واردة عنهم كلها بالفاظ العموم من غير استثناء قلنا حق و لكن العموم في كلّ الأدِلّة عموم عُرْفي و لايقال انه علي خلاف اصل الاستعمال لانّ الاستعمال اعمّ من الحقيقة و الأدِلّة القطعيّة المخصّصة صارفة الي المجاز فيجب المصير اليه للدليل و الٰاخرون حملوا الأحاديث الدالّة علي علم الغيب علي وجوهٍ منهم مَن قال انّهم يعلمون كل ما سوي الأمور الخمسة التي دلّت النصوص علي انّ اللّه تفرد بها و هي ما في الٰاية انّ اللّه عنده علم الساعة و ينزل الغيث و يعلم ما في الأرحام و ماتدري نفس ماذا تكسب غداً و ماتدري نفس بأيّ ارضٍ تموت و مرادهم هذا ليس بصحيح لوجوهٍ : الأوّل انّ اشياء كثيرة اخبروا بانهم لايعلمونها و ليستْ من هذه الخمسة علي مرادكم الثاني انّ هذه الخمسة اذا تتبّعتها رأيت كلّ الغيب منحصراً فيها او راجعاً اليها فان عنيتم خصوص ظاهرها صَدَقَ عليهم انّهم يعلمون الغيب و لايضرّهم جهل هذه الاشياۤء القليلة كالشعرة البيضاۤء في جلد الثور الاسود فانّه يقال له اسود و لايضرّه وجود شعرة واحدة مخالفة و ان عنيتم معناها و ما يؤل اليها كان كثير من الخلق مثلهم فانّ اصحابَ النجوم و الرمّالون و الجفريّون و الجوكيّة و الكهنة و اهل القيافة و زاجروا الطير و غيرهم يعلمون اكثر [ص 239] من هذا بل قد يعلمون هذه الخمسة او بعضها و ان كان قد يقع الخطأ في بعض الأشياۤء النادرة و بيان هذه الأمور يطول به البحث و الغرض الاشارة الي وجه الدليل الثالث انّهم (ع) كثيراً ما اخبروا به من هذه الخمسة و مَن تتبّع احاديثهم تبيّن له ذلك بل رواه العاۤمّة المنكرون لفضلهم (ع) و منهم مَن قال انّهم عليهم السلام لايعلمون كلّ شيء فلهذا قلنا انهم لايعلمون الغيب و ان علموا الأكثر لانّا لانريد بعلم الغيب الّا العلم بكلّ شيء و هذا لايحصل لغير اللّه اقول و هذا ايضاً ليس بشيءٍ لأنّ التخصيص بالكلّ ليس شرطاً في الصدق و لا في التسمية لا لغةً و لا شرعاً و لا عرفاً و لا دليل علي شيء من هذا لا من جهة العقل و لا النقل و لا في اللغة و منهم من قال انّ المراد بعلم الغيب هو ان يعلم من نفسه بغير آلةٍ و لا مُعَلّمٍ و هم لايعلمون من انفسهم و انّما يعلّمهم اللّه سبحانه فلايعلمون الغيب لذلك و لا يصحّ اطلاقه عليهم لذلك و هذا ليس بشيء ايضاً لأنّ كلّ مَن يدّعي لهم علم الغيب من المسلمين لايدّعي انّ ذلك ليس من اللّه الّا الذين يقولون انهم ارباب و ليسوا بحادثين و لايرجعون الي ربّ و هؤلاۤء لا جَواب لهم فذرهم و ما يفترون و من يدّعي بانّهم يعلمون الغيب يقول انهم مخلوقون و يستدلّ بقوله تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احداً الّا مَن ارتضي من رسولٍ فانّه يسلك من بين يديه و من خلفه رصداً فاخبر انّ مَن ارتضاه من رسله يظهرهم علي غيبه فنسب اليهم الغيب و هو قد اظهرهم عليه هذا في تفسير الظاهر و في الباطن من التأويل المرتضي من محمّد هو عليّ و المعني واحد و كذلك قوله و ماكان اللّهُ ليطلِعَكم علي الغيب و لكن اللّه يجتبي من رسله من يشاۤء يعني فيطلعهم علي الغيب هذا في تفسير ( التفسير خ‌ل ) الظاهر و في الباطن في التأويل ( و خ ) المجتبي من محمّد عليٌّ [ص 240] و المعني واحد و النصوص من الكتاب و السّنّة لاتحصي بكونهم يخبرون بالغيب مثل قول يوسف الصّدّيق (ع) لايأتيكما طعام ترزقانه الّا نبأتكما بتأويله قبل ان يأتيكما ذلكما ممّا علّمني ربّي و قال في حق عيسي (ع) و انبّئكم بما تأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم و هذا كثير و قد سمّي هذا غيباً و لا شكّ فيه و هو من تعليم اللّه سبحانه و منهم مَن قال انهم لايَعلمون شيئاً قليلاً و لا كثيراً و انما ذلك وراثة من رسول اللّه (ص) و هذا ليس بشيء علي مرادهم من انّ هذا لايصلح و لايصدق علي مثل ذلك علم الغيب و انّما علم الغيب الذي يعلم شيئاً لم‌يوقف عليه و قد اشرنا الي ردّ هذا بأنّ هذا الاشتراط لا اصل له فانّ الغيب و الشهادة يراد بهما عالم المحسوسات و ما غاب عن الحواۤس فمن علم بما غاب عن الحواۤس فقد علم بشيءٍ من الغيب و لهذا قال سبحانه عالم الغيب و الشهادة ، و الذي يعتقده الفقير المقرّ بالقصور و التقصير فاستمع لما يوحي اليك من انباۤء الغيب و لاينبّئك مثل خبير هو انهم عليهم السلام يعلمون ما اشتمل عليه الكتاب و هو علم جمّ قال تعالي و كلَّ شيء احصيناه في امامٍ مبين و قال تعالي مافرّطنا في الكتاب من شيء و قال تعالي ماكان حديثاً يفتري و لكن تصديق الذي بين يديه و تفصيل كلّ شيء و هديً و رحمةً لقومٍ يؤمنون و ظاهر هذه الٰايات الاحاطة بكل شيء و ليس كذلك بل الأشياۤء منها ما كان و منها ما يكون و منها المحتوم و منها المشروط و منها الموقوف فامّا ما كان فان اللّه سبحانه قد اطلعهم علي جميعه بواسطة محمّد صلي اللّه عليه و آله و لا احتمال في انه كان و امّا انه يبقي او يتغيّر فعلي اقسامٍ منه ما اخبرهم اللّه تعالي بانه لايتغيّر ابداً و انه ليس في عالم الغيب و الشهادة له مقتضي التغيير و اخبرهم تعالي بانه اذا شاۤء ان يغيّره سبّب له المقتضيات كما يشاۤء فغيّره كيف يشاۤء لانّ ذاته سبَبُ مَن لا سبَبَ له و سبَبُ كلّ ذي سببٍ [ص 241] و مسبِّبُ الاسباب من غير سبب فهم يعلمون بقوله انّ له ان يغيّره ان شاۤء و لايعلمون هل يشاۤء تغييره ام لا و هم من خشيته مشفقون و يعلمونَ انه لايتغيّر ركوناً الي قوله و تصديقاً بوعده و هم من خشيته مشفقون في الحالين و قد قال تعالي فلاتحسبَنّ اللّه مخلف وعده رسله و تدبّر في سرّ قوله تعالي عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون فمن تصديقهم بوعده و ثبات ركونهم الي قوله هم عباد مكرمون و من علمهم انّ كلّ هذه اشياۤء ممكنة لاتخرج بالوعد عن الامكان الذاتي فانه لو شاۤء ان يغيّرها غيّرها كيف شاء و هم من خشيته مشفقون و قد روي عن الصادق (ع) ما معناه انّ النبيّ الياس عليه السلام سجد و بكي و تضرّع فاوحي اللّه تعالي اليه ارفع رأسك فاني لااعذّبك قال يا ربّ ان قلتَ لااعذّبُكَ ثم عذّبتني الستُ عبدك و دعاۤء عليّ بن الحسين (ع) في السجود بعد صلوة الليل الذي اوّله الهي و عزّتك و جلالك لو انني منذ بدعتَ فطرتي من اوّل الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيّتك بكلّ شعرةٍ في كلِّ طرفةِ عينٍ الي آخر الدعاۤء و قد تقدم فتدبّره تجده شاهداً بما نقول و ان كانَ معناه لاتدركه العقول و انما تعرفه الافئدة و في قوله تعالي و لئن شئنا لنذهبنّ بالذي اوحينا اليك قال (ع) ما معناه انه لو شاۤء ذلك لفعل و لكنه لايفعل ( ذلك خ ) به ابداً و بيان هذا الحرف بالضرورة انّهم ممّن وعدهم النجاة و انّهم الي رضوانه صاۤئرون البتّة فاذا كان كذلك فلم يخافون خوفاً لايكون من احدٍ من الخلق و هم يعلمون عن قوله انهم مقرّبون مرضيّ عنهم بل ماخلق الجنّة و الرِضوان الّا لهم و لاتباعهم فافهم ان كنت تفهم و منه ما اخبرهم اللّه بانّه يتغيّر و له اَلّايغيّره فيحكمون بقول اللّه انه يتغيّر و يعلمون عن تعليم اللّه لهم انّ بيده ملكوت كلّ شيء فاذا شاۤء عدمَ تغييره فعل و لا راۤدّ لارادته [ص 242] و لا معقّب لحكمه و منه ما اخبر بانه لايتغيّر و لم‌يحتم لهم بان يطلعهم علي انتفاۤء مقتضي التغيّر في الشهادة و ان دلّ اخبارُه لهم و لملاۤئكته علي انتفاۤء مقتضي التغيّر ( التغيير خ‌ل ) في الغيب لانّه اذا اخبر انبياۤءه و رسله فانه لايكذّب نفسه و لايكذّب المخبرين عنه بالصدق فيخبرون عنه سبحانه بأنّ هذا الشيء ثابت و للّه البداۤء في ما شاۤء فانه يمحو ما يشاۤء و يثبت و امّا ما يكون فما اخبرهم اللّه بانه سيكون حتماً علي صفة كذا لا مانع له في الغيب من اسباب القدر من متممات قوابل الوجود و مشخّصات التقدير و لا مانع له في الشهادة من اسباب القضاۤء من متمماته كذلك كالدعاۤء و الصدقة و البرّ و عدمها سابقةً علي القضاۤء بالأمضاۤء بل و لاحقة لانّ اللّاحقة زماناً قد تكون سابقاً دهراً بل ربما يكون اللّاحقة بالفعل و السابقة بالقوة و لا ريبَ انّ ما بالفعل سابق دهراً علي ما بالقوة و ان تأخر زماناً فما كان كذلك فانّه سيكون ( و يعلمونه قطعاً خ ) و يعملون ( يعلمون ظ ) انّ ذلك خلق اللّه و في قبضته فهو كما مرّ و منه ما اخبرهم انه سيكون و لم‌يحتم لهم بكشف الحال في الغيب و الشهادة فهذا كحكم ( الحكم خ‌ل ) ما كان في عدم تغيّره ( تغييره خ‌ل ) مع عدم الحتم كما تقدم و منه المحتوم و هو كما مرّ و منه المشروط و يعلمون انّه يجوز ان يقع شرطه و اَلَّايقع و ما وقع شرطه يجوز اَلَّايقع لايجادِ مانع اقوي او لمنع ذاته جل وَ عَلَا و ان كان لازم الوقوع مع عدم المنع و مع وجود الاذن اذ بدون الاذن بل الأسباب السبعة المشيّة و الارادة و القدر و القضاۤء و الاذن و الأجل و الكتاب لايكون فلايكفي حصول الأسباب في الوجود بدون الايجاد من الفاعل انظر الي قوله تعالي قلنا يا نار كوني برداً و سلاماً علي ابراهيم و الي قوله تعالي الم‌تر الي ربّكَ كيف مَدَّ الظِّلَ و لو شاۤء لجعله ساكِناً و يجوز ان يقع لما يشاۤء من الأسباب و المتمّمات من المشخّصات فاذا حصلت الأسباب السبعة الفعليّة [ص 243] المشيّة و ما بعدها و القابليّة و متمّماتها السبعة الكمّ و الكيف و الجهة و الوقت و الرتبة و المكان و الوضع فاذا اجتمعت العلويّة و السفليّة اَوْجَدَ بفضله ذلك الشيء ان شاۤء فامّ الكتاب الذي لا محوَ فيه و لا تغييرَ هو كون الشيء حين كونه و امّا قبله و ما بعده فهو الذي فيه المحو و الاثبات لا انه المثبت و الممحو ( لا ان المثبت و المحو خ‌ل ) كما يتوهّمه مَن لا بصيرة له في الدّين فانّ ذلك ممّا يجوز فيه المحو و الاثبات و اللّهُ عَلي كلّ شيءٍ قدير و هذا ايضاً يعلمونه علي نحو ما سمِعْتَ و منه الموقوف علي المشيّة فان شاۤء اللّه ايجاده وُجِدَ و الا فهو باق فيما شاۤء اللّه امكانه و لا شيء غير اللّه الّا ما شاۤء امكانه و لايشاۤء ايجاد ما لم‌يشأ امكانه اذ ليس شيئاً غيره سبحانه و تعالي ثم انّ المعلوم و العالم من كل شيء سواه سبحانه لا قوام له الا بأمره و لا وجود له الّا عن مشيّته و ليس له حالة غير هذه الحالة التي هي حالة الفقر الي الله و ليست الأسباب اسباباً الّا باللّه بمعني ان الاسباب انما تفعل بفعل اللّه بها فاذا حَدَثَ مسبَّب عن سَبَبٍ فانما اللّه احدثه به و هو سبحانه اقرب اليه منه في كلِّ حالٍ لا فرق في ذلك بين الذات و الصّفة و الاتّصاف و التلازم و التقارن فاذا فهمتَ هذا فاعلم انّهم (ع) عباد مكرمون لايعلمون الّا ما علّمهم اللّه كلّ شيء بخصوصه فما خصّصه لهم خصّصوه بتخصيصه لهم و ما اجمله لهم لايستطيعون تخصيصَه بل ما خصّصه لهم لايستطيعون اجماله الّا به سبحانه فاذا اعلمهم بشيءٍ في آنٍ لايستطيعون ان يعلموه في آنٍ آخر الّا بتعليمٍ منه جديدٍ كما في الٰان الأوّل بنسبةٍ واحدةٍ فهم (ع) فيما سمعتَ و ساۤئر الناس سواۤء و لكنه سبحانه دعاهم فاجابوا كما دعاهم و لم‌يتخلّفوا عن دعوته طرفة عين فاجتباهم بعلمه و اختارهم لما هم اهله فادمنوا ذكره و مجّدوا شأنه و اعْلَنُوا دعوته فعلّمهم علي نحو ما سمعتَ ما لم‌يكونوا يعلمون و كان فضل اللّه عليهم عظيماً و لمّا كان صنعه جلّ و علا للأشياۤء علي حسب [ص 244] مقتضي قابليّاتِها كان ما علّمهم من العلوم لايتناهي بالنسبة الي مَن سواهم بمعني انّ مَن سواهم ليس في وسعهم ان يتحمّلوا ما تَحَمّلُوا عليهم السلام و انْ علّمهم اللّه الّا ان يقلب حقاۤئقَهم و يجعلهم كآل‌محمّدٍ (ص) و هو قادر علي ذلك فانْ كان ذلك القلبُ بحكم المقتضي الذي هو مقتضي القابليّة الجاري علي الأختيار لم‌يكن ذلك المجعول الّا آل‌محمّدٍ (ص) و ان كانَ ذلك الجعل بمقتضي القدرة لا غير تصادمت الحُكم و علا بعضهم ( بعض خ‌ل ) علي بعض و فسد النظام فلايمكن لأحدٍ من الخلق ان يتحمّل ما تحمّلوا و الحاصل انّهم لايعلمون الّا ما علّمهم اللّه سبحانه و تعليمه في كلّ آنٍ فلو لم‌يُعلّمهم في آنٍ ماكان عندهم شيء و لايُعَلِّمهم اللّه الّا بواسطة محمّدٍ (ص) و هو قولهم الحق كما في الكافي عن زرارة قال سمعتُ اباجعفرٍ (ع) يقول لولا انا نزداد ( نزاد خ‌ل ) لانفذنا ( لانفدنا خ‌ل ) قال قلت تزدادون شيئاً لايعلمه رسول اللّه (ص) قال اما انّه اذا كان ذلك عرض علي رسول اللّه (ص) ثم علي الائمّة ثم انتهي الأمر الينا ، اقول يريد بالأئمّة من قبله علي و الحسن و الحسين و يحتمل و علي القاۤئم كما هو الظاهر لأنّ الترتيب علي حسب الشرف و الرتبة في المكانة و التقدم الذاتي لا التقدم الظاهري ثم بعد القاۤئم (ع) عليهم و قوله (ع) الينا يريد الأيمّة الثمانية لتساوي رتبتهم في الفضل و يحتمل مراعاة تقدّم الأبوّة و مثله عن ابي‌عبداللّه (ع) قال ليس يخرج شيء من عند اللّه تعالي حتي يبدأ برسول اللّه (ص) ثم باميرالمؤمنين (ع) ثم بواحدٍ بعد واحدٍ لكيلايكون اٰخرنا اعلم من اوّلنا ه‍ ، و اذا اراد اللّه ان يعلّمهم شيئاً فتح لهم باب خزانة العلم بهم فعلموا ما شاۤء اللّه و يحجب عنهم ما شاۤء و اعطاهم الأسم الأعظم و هو مسمي بسم اللّه الرحمن الرحيم فاذا شاۤؤا ان يعلموا شيئاً علّمهم اللّه و هو قول ابي‌عبداللّه (ع) اذا اراد الأمام ان يعلم شيئاً اعلمه اللّه عزّ و جلّ ذلك [ص 245] فقد ظهر لك انهم يعلمون علما جمّاً و انهم لو لم‌يزدادوا لأنفذوا ( لانفدوا خ‌ل ) و انهم ابداً يستمدون و لايستمدون الّا ممّا لايعلمون و قد اشرنا لك انّ ما لايعلمونه علي وجهين احدهما هذا و الثاني ما علموه في اۤنٍ لايعلمونه في اۤنٍ آخر الّا بتعليمٍ جديدٍ فافهم و تثبّت ثبّتك اللّه و قد تقدم انّ الغيب هو ما غاب عن الحواۤسّ الظاهرة و الشهادة هو ما ادركته الحواۤسّ الظاهرة فاذا قلتَ لايعلمون الغيب صدقت لأنهم لايعلمون شيئاً الا بتعليم اللّه علي نحو ما ذكرت و ان قلتَ يعلمون الغيب و تريد ما غاب عن الحواۤسّ الظاهرة يعلمون منه ما علّمهم اللّه خاۤصّة صدقتَ و لا عيبَ في شيء من ذلك و علي هذا المعني تحمل النصوص الدّالة علي علمهم بالأمور المغيّبة و المستقبلة قبل ان تقع لأنّهم اذا شاۤؤا علّمهم اللّه و في الكافي عن معمّر بن خلّاد قال سأل اباالحسن عليه السلام رجل من اهل فارس فقال له اتعلمون الغيب فقال قال ابوجعفر (ع) يبسط لنا العلم فنعلم و يقبض عنا فلانعلم و قال ( فقال خ‌ل ) سرّ اللّه اسرّه الي جبرئل (ع) و اسرّه جبرئل الي محمّد (ص) و اسرّه محمّد الي مَن شاۤء اللّه ه‍ ، و هذا ما نبّهتك عليه و ان اُريد بعلم الغيب انهم يطّلعون بذواتهم علي ما غاب عنهم كما يدّعونه الغُلاة و القشريّة من اشباه الناس فهو ما اشار اليه الحجة (ع) في التوقيع المتقدّم لأنّ في ذلك استقلال الحادث و يلزم منه مشاركة اللّه في ملكه كما ذكره (ع) في التوقيع و لاتتوهّم اني جريتُ علي القشر في بيان هذا الأمر بل انما كشفتُ لك عن حقيقة الحقاۤئق و اوضحتُ لك ما ابهم علي الجمّ الغفير من سلوك مستقيمات الطراۤئق و اللّه خليفتي عليك و انما اطلتُ الكلام في هذا المقام لعظم الحاجة اليه و قلّة العاثر عليه فما سمعت كله معني عبادِه و انما خصصتُ في هذا المعني علم الغيب دون سائر معاني العبودية لخفاۤء مناقضة دعوي علم الغيب للعبودية فافهم .