قال عليه السلام : السّلام علي الدّعاة الي اللّه .

قال الشارح (ره) الدُّعاة جمع الداعي الي معرفته و عبادته و التخلّق بأخلاقه تعالي كما قال قل هذه سبيلي ادعوا الي اللّه علي بصيرة انا و من اتبعَني ه‍ .

اقول كونهم الدعاة الي اللّه لا شكّ فيه انما الاشكال و الصعوبة في معرفة ذلك و معرفة المدعو اليه و معرفة المدعوّ به و معرفة المدعوّ فيه فهذه اربع جهاتٍ في المراد بكونهم الدعاة الي اللّه تعالي :

الأوّل معرفة كونهم الدعاة الي اللّه تعالي قد اشرنا مرارا انهم باب اللّه الي خلقه و انهم اعضادٌ للخلق قد اتخذهم خالقهم بعد ان خلقهم وحدهم ليس معهم خلق يعبدون اللّه و يسبّحونه و يحمدونه و يهلّلونه و يكبّرونه و يعظّمون جلاله و عظمته الف دهرٍ ثم خلق لهم الخلق من اشعّة انوارهم فحيث كانوا هم العلّة الفاعليّة لانهم في ذلك محاۤلّ مشيّة اللّه و هم العلّة الماۤدّية لأن جميع الخلق خلقوا من شعاع انوارهم و ذلك الشعاع قاۤئم بانوارهم قيام صدور و هم العلّة الصوريّة لأنّ كلّ فرد من جميع الخلاۤئق من الغيب و الشهادة الجواهر و الأعراض فصورته ان كان طيّباً من انوار هياكلهم او من انوار هياكل هياكلهم و هكذا لانهم رحمة اللّه و مظاهر رحمة اللّه و مظهروا رحمة اللّه و الأشباح تلوح علي اشباحهم و اشباح اشباحهم و اشباح اشباح اشباحهم و هكذا و هم العلّة الغاۤئية لأنّ اللّه سبحانه انما خلق [ص 197] الخلق لهم و ايابهم اليهم و حسابهم عليهم و ان كان خبيثاً فصورته من عكس انوار هياكلهم كما قال تعالي فضُرِب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فالسور سور المدينة مدينة العلم رسول اللّه (ص) و الباب باب مدينة العلم عليّ (ع) باطنه الرحمة و هي ولايته و ظاهره اي خلفه و خلافه من قبله اي قبل ( قبله خ‌ل ) خلافه و عداوته العذاب فحيث كانوا كما ذكرنا وجب ان يشهدهم اللّه خلق خلقه و ان ينهي اليهم علمهم و ان يكونوا اولياۤء وجوداتهم و شرع وجوداتهم و تكليفاتهم و وجودات تكليفاتهم هذا مقتضي الحكمة الالٰهية و هو انه سبحانه انما يخلق الأشياۤء علي ما هي عليه بحسب مقتضياتهم و ليس في الحكمة الالهية و لا منها انّ ذلك يجري في شيءٍ دون شيء بل في كلّ شيء بكلّ شيء في كلّ شيء بحسبه و ذلك هو مقتضي قابليات الخلاۤئق فلايصح ان يسبّح اللّه شيء بدون داعٍ من اللّه سبحانه يدعوه الي ذلك و يعلّمُه كيف يسبّح و يهديه الي ما يراد منه و هذا علي سبيل الاجمال ظاهر لايُرتاب فيه و اذا بيّنا كيفيّة ذلك ارتاب فيه الجاهلون و لكنا نشير الي ذلك فنقول قد قلنا انّه لايجوز ان يكون شيء من خلق اللّه يسبّح اللّه تعالي قبل ان يأتيه داع من اللّه سبحانه يدعوه الي اللّه و يعلّمه مراد اللّه منه و كيفية تسبيحه لأنّ عبادته توقيفيّة في حقّ جميع عباده لأنّهم لايعرفونه بالكنه و لايعرفه احد الا بما تعرّف له به فلو سبّحه مَن لايعرفه قبل ان يعرّفه ما يريد منه لجاز ان يذكره بما لايليق بجلاله فوجب في الحكمة و اللطف بالعباد ان يعلّمهم قبل ان يطلب منهم و في الحديث ليس علي العباد ان يعلموا حتي يعلّمهم اللّه ، فلما ثبت بنص القرءان و نصّ السّنة و الاِجماع انّ كلّ شيء يسبّح اللّه تعالي قال اللّه و ان من شيء الّا يسبّح بحمده و كل شيء يسبّح بحمده فانما سبّح بعد تعليم اللّه له ما يريد منه و انما ذلك بالوسائط و العلل كما كان وجوده فظهر بما [ص 198] لوَّحْنا لك انّهم دُعاة جميع الخلق الي اللّه سبحانه .

الثاني معرفة المدعوّ اليه و هو اللّه سبحانه و هذا اوّل ما يراد من المدعو لأنّ هذه المعرفة يتوقّف كلّ شيء عليها ثم لمّا كانوا في المقام الذي وضعهم اللّه سبحانه فيه انّهم العلّة الفاعليّة و الماۤدّيّة و الصوريّة و الغاۤئيّة لجميع الخلاۤئق كما اشرنا اليه كانوا لايسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون فعلّموا جميع رعيّتهم معرفةَ ربّهم كلّ فردٍ بقدرِهٖ كما قال اللّه تعالي انزل من السماۤء ماۤء فسالت اوْدية بقدرها اي انزل من سماۤءِ الخزانة و هو قوله و في السماۤء رزقكم و ما توعدون ماۤء و هو هنا معرفة اللّه فسالت اودية بقدرها اي فكلّ شيء من خلق اللّه من عين او معنيً غيبٍ او شهادةٍ ذاتٍ او صفةٍ عرف اللّه بنسبةِ قابليّتِهٖ لذلك الماۤء النازل من الخزاۤئن بمفاتح ( بمفاتيح خ‌ل ) الغيب فقوله سبحانه و ان من شيء الّا يسبّح بحمده يعني من عينٍ او معنيً غيبٍ او شهادةٍ ذاتٍ او صفةٍ و انما يسبح بحمد اللّه بعد ان عرفه و لم‌يعرفه الّا بتعريف فكل شيء يعرف اللّه سبحانه علي قدره و انّ الذّرّة لتزعم انّ للّه زبانين و قد تقدم في الحديث انّه ماخلق اللّه شيئاً من خلقه الّا و اوجب طاعتنا عليه كما في قول الحسين (ع) لعبداللّه بن شدّاد فهذا تصريح في تلويح .

الثالث معرفة المدعو به قد اشرنا سابقاً و صرحنا في كثير من رساۤئلنا و مباحثاتنا انّ كلّ شيء امم امثالكم و ان من امّةٍ الّا خلا فيها نذير ، و ماارسلنا من رسولٍ الا بلسان قومه ليبيّن لهم فكلّ شيء من الخلق رعيّة و غنم للعِلل الكاملة و الأمثال العليا فالمبلّغ عن اللّه منهم مع علوّ شأنهم و ارتفاع مكانهم له حالتان : الأولي ان ينزل المقام الذي فيه المدعو فيدعوه بلسانه و يبيّن له بلغته سواۤء كان جماداً او نباتاً او حيواناً ذاتاً او صفةً عيناً او معنيً ، الثانية ان يرفع مقام المدعو حتي يخاطبه في مقام الانسانيّة و ان كان من كلّ صنفٍ [ص 199] من الخلائق كما تقدم في كلام الحسين (ع) حين قال للحمّي التي اصابت عبداللّه ابن شدّاد و قد تقدم قال لها يا كبّاسة فسمعنا الصوت و لانري الشخص يقول لبّيكَ فقال (ع) الم‌يأمركِ اميرالمؤمنين (ع) اَلّاتقربي اِلّا عدوّاً او مذنباً لتكوني كفارة له ( لكي تكون كفارة لذنوبه خ‌ل ) فما بال هذا و اعلم انّ هذه المطالب لايجوز فيها التصريح الّا بالاشارة مع اني ماكتمتُ و لارَمَزتُ و ان كنتُ اجملتُ فافهم .

الرابع معرفة المدعوّ فيه قد ذكرنا مراراً انّ مدار الدعوة علي امرين الأوّل بالشرع الوجودي و هو جهتان الأولي دعوة الايجاد حين سئل الفقراۤء حوائجهم من ربّهم واقفين ببابه الكريم فدعوهم الي اللّه تعالي حين اوجدهم و اغناهم الثانية دعوة شرع الايجاد فاعطاهم في ايجادهم ما سئلوه فدعوهم في الاولي بقوابلهم و في الثانية بمقبولاتهم و الثاني بالوجود الشرعي و هو جهتان الاولي دعوة التكليف في الذّرّ الأول حتي صلحوا و في الذر الثاني حتي قبلوا و انكروا و الثانية دعوة ايجاد ذلك الشرع بقوابل اعمالهم من مددِ امره و نهيه و لكلٍّ درجاتٌ ممّا عملوا ، ففي الجهة الأولي اتاهم الداعي بما ذكرهم به ربّهم كما قال تعالي بل اتيناهم بذكرهم ، و في الجهة الثانية اتاهم الداعي بما ذكروا به ربّهم سيجزيهم وصفهم انّه حكيم عليم فالتكليف كما ذكرهم و الجزاۤء كما ذكروه فبنسبة الوجود و الشرع في الأول و بنسبة الشرع و الوجود في الثاني دعوا كلّ شيء الي نسبتَيْهِ في دعوتَيْهِم فهم الدعاة الي اللّه سبحانه كما سمعتَ و ذلك لأنّ اللّه سبحانه جعلهم خُزّان علمِهٖ و وُلاة امرِه فهم الدّاعون بامرِه و العامِلون بعلمهِ و في الكافي عن عليّ عن عمّه قال سمعتُ اباعبداللّه (ع) يقول نحنُ وُلاة امرِ الله و خزنةُ علم اللّه و عيبة وحي اللّه و فيه عن سورة بن كليب قال قال لي ابوجعفر (ع) واللّهِ انّا لخُزّانُ اللّهِ في سماۤئه و ارضِهٖ لٰا عَلَي ذهبٍ و لا فضّةٍ الّا عَلَي علمه و فيه عن سدير عن ابي‌جعفر (ع) قال [ص 200] قلتُ له جعلت فداۤءَك ما انتم قال نحن خُزّان علم اللّه و نحن تراجمة وحي اللّه نحن الحجّة البالغة علي مَن دون السماۤء و فوق الأرض و فيه عن علي بن جعفر عن ابي‌الحسن موسي (ع) قال قال ابوعبداللّه (ع) قال انّ اللّه خلقَنا فاحسن خلقَنا و صوَّرَنا فاحسن صورنا ( صورتنا خ‌ل ) و جعلنا خُزّانه في سماۤئه و ارضه و لنا نطقت الشجر ( الشجرة خ‌ل ) و بعبادتنا عُبِد اللّه و لولانا ماعُبِدَ اللّه ، و قول الشارح (ره) الي معرفتِهٖ و عبادتِهٖ و التخلّق بأخلاقه تعالي يشير به الي العلوم النافعة التي اشار صلّي اللّه عليه و آله اليها في قوله انّما العلم ثلاثة آية محكمة و فريضة عادلة و سنّة قائمة فالٰاية المحكمة هي معرفة اللّه و الفريضة العادلة علم اليقين و التقوي و هو علم الأخلاق و السنة القائمة هي العلوم الشرعيّة الفرعيّة المعروف بعلم الفقه عرفاً و هذا بعض ما يدعون اليه لأنّ كلّ حقّ انّما هو منهم و عنهم و هم الدعاة اليه من كلّ علمٍ و عملٍ و اعتقادٍ و غير ذلك .

قال عليه السلام : و الأدِلّاۤء علي مرضاتِ اللّه .

قال الشارح (ره) فانّهم يدلّون الخلاۤئق بالشريعة الحقّة الي ما يوجب رضاه من مراتب القرب للّهِ و الي اللّه و في اللّه و مع اللّه .

اقول الأدلّاۤء جمع الدليل كالأعزّاۤء جمع العزيز و الأخلّاۤء جمع الخليل و الدليل المرشد و الدّال و ما يستدلّ به و كونهم بالمعني الأول هو بمعني الفقرة الأولي اي الدعاة او اخصّ منه لأنّ الدليل يدعو بحجّةٍ و الداعي قد يخلو من الحجة و لاينافي هذا استعمال الداعي فيمن لايدعو الّا بحجّة و ربّما استدلّ علي الفرق باستعماله عليه السلام بالدعاة الي اللّه علي انّه اعمّ و بالأدلّاۤء علي مرضات اللّه لأنّ اللّه لايشتبه بغيره ليتوقف الدعوة اليه علي الدليل بخلاف مرضاته فأنّ الأفعال التي [ص 201] ترضيه تشتبه بالأفعال التي تسخطه لايفرق بينهما بالنسبة الي النفس او الفاعل الّا بالدليل و التعيين و رُبّما استدلّ علي هذا بكون معرفة اللّه عقلية و لايجوز التقليد فيها لأمكان ادراك المكلّفين للحقّ فيها بخلاف الأعمال فانها لايمكن للعقول مجردّة عن الاستناد الي النص معرفة ما يرضي اللّه منها غالباً الّا بخصوص التعيين و النص و لهذا جاز فيه الأخذ بظاهر الدليل و جاز التقليد هذا و لانريد بأنّ الداعي قد يدعو بغير الدليل الّا بملاحظة المعني اللغوي فلا فرق فيما نحن فيه بين اللّفظين الّا في الوجه الثاني من الدليل فانّه يستعمل بمعني ما يستدلّ به بخلاف الداعي فانّه لايستعمل بمعني ما يُدْعَي به الّا علي تأويلٍ بعيدٍ عن الأوهام و ان كان صحيحاً علي معني انّ كون النبي (ص) داعياً الي اللّه تعالي انّ اللّه سبحانه دعا عباده اليه بنبيّه (ص) فيكون الداعي بمعني ما يُدْعَي به و هذا معني صحيح حقيقي الّا انّ المعني فيه مخالف لما تعرفه الناس و لهذا لم‌نذكره سابقاً فالدّليل الدّاۤلّ المرشد بالحجّة و البرهان القاطع فالمدلول عليه ما للّه فيه رضيً و هو معرفته بسبيل معرفتهم بانّهم معانيه و انّهم ابوابه و انهم حجّته علي عباده و امناۤؤه في بلاده و بمحبيهم و شيعتهم يعني انّ العاقل العارف بما نقول اذا رأي المؤمن من شيعتهم و استبطن احواله في اعتقاده و في اعماله و اقواله و احواله عرف الّا اله اِلّا اللّه وحده لا شريك له و انّ محمداً صلي اللّه عليه و آله عبده و رسوله و انّهم حجج اللّه علي خلقه و امناۤؤه علي سرّه لأنّهم اي الشيعة هم الحرف الرابع من الاسم الأعظم و لاتحصل المعرفة التاۤمّة الّا بالاسم التٰامّ و امّا مطلق الأسم و مطلق الصفة فقد تحصل به مطلق المعرفة و معرفتهم (ع) في مراتبهم الثلاث مرتبة المعاني و مرتبة الأبواب و مرتبة الأمام (ع) و قد تقدم بعض الاشارة الي بيان المراتب الثلاث و من الأشارة الي ذلك انّهم في الأولي معاني جميع الصفات التي هي المنتهي [ص 202] في التعلّقات و هي فوق الولاية التي هي الثانية و هو قول عليّ (ع) ظاهري امامة و باطني غيب لايدرك فالامامة هي الولاية الثالثة و الولاية الثانية مرتبة الأبواب و الغيب الذي لايدرك هو ذاتُ الذّوات و قول عليّ (ع) انا ذاتُ الذّوات و الذات في الذّوات للذّات فذات الذوات به تذّوتت الذّوات و اليه ينتهي جميع تعلّقات الذوات فهذه غاية المرتبة الأولي و ليس وراۤء هذه مرتبة في الأمكان و امّا قوله و الذّات في الذّوات للذّات فغير ما نحن بصدده و الطريق مسدود و الطلب مردود و هذا ما يناسب الاشارة الي المرتبة الاولي من معرفتهم التي فيها رضي الله ممّا دلّوا عليه مضافاً الي ما تقدم و بيان ما ذكرنا لايجوز ازيد من هذا و انّهم (ع) في المرتبة الثانية ابواب جميع الٰاثار و الصّفات اي انّ الصّفات القدسيّة الذاتيّة ليس لها باب في تجليّاتِ اسماۤئِها و مظاهر آثارِها الّا هم (ع) و ليس لتلك الٰاثار و المظاهر باب لمقبولاتِها و تَلَقّيها تلك الفُيُوضات و تقوّمها تقوّم صدورٍ او تحققٍ غيرهم و هذا في كلّ شيءٍ في المواۤدِّ و الصُّوَرِ و الأعمال و الأقوال و الأحوال في الجبروت و الملكوت و الملك و الفرق بين هذا و الأولي انهم في هذه ابواب و في تلك مدينة و انّهم (ع) في المرتبة الثالثة ظاهر الأوّلتين و جامع المعني و العين فهذه الثالثة حالة من الأولي و صورة من الثانية يظهرون بابدانٍ نورانيّةٍ يَطَؤُنَ علي اَعْلَي الفلكِ الاعْلي بظاهرِ سعيهم و نهر الزمانِ تحتَ اقدامِهِم يجري لاتَبْتَلُّ منه اقدامُهُم يمشون علي الأرضِ هَوْناً و عن محمد بن النعمان عن سلام قال سألتُ اباجعفر (ع) عن قول اللّه عزّ و جلّ و عبادُ الرحمن الذين يمشون علي الأرض هوناً قال هم الأوصياۤء من مخافة عدوّهم و معني قوله عباد الرحمن هذه ( هذا خ‌ل ) تخصيص و تشريف و المراد افاضل عباده الذين يمشون علي الارض هوناً اي بالسكينة و الوقار و الطاعة غير اَشِرِينَ و لا مَرحٖين و لا متكبّرين و لا مفسدين و قال ابوعبداللّه (ع) الرجل [ص 203] يمشي بِسَجِيَّتِهِ التّي جُبِلَ عليها لايتكلّف و لايتجبّر و هذه الصّفات و ما بعدها من الصّفات في هذه الٰايات لاتوجد الّا في الائمة الهداة عليهم السّلام من تفسير محمد بن العبّاس بن الماهِيٰار فهم في الثالثة ايضاً عين اللّه الناظرة و رحمته الواسعة و اذنه الواعية و معرفة شيعتهم و محبّيهم بأنّهم اهل الايمان لم‌يَتَيَقّن غيرهم و اهل الاسلام ليس علي ملّة الاسلام غيرهم و لم‌يَسْلَم رسول اللّه من اذي احدٍ من الخلق الّا منهم و امّا ان كان من اصحاب اليمين فسلام لك من اصحاب اليمين وَ اَنّهم من ائمّتهم (ع) بل هم معهم من شجرة واحدة كما في رواية الثمالي اَنّه سئل الباقر (ع) عن قوله تعالي كشجرة طيّبةٍ اصلها ثابت و فرعها في السماۤء فقال (ع) قال رسول اللّه (ص) انا اصلها و عليّ فرعها و الائمّة اغصانها و علمنا ثمرها و شيعتنا ورقها يا اباحمزة انّ الولد ليولد من شيعتِنا فتورق منها ورقة فيها و يموت فتسقط منها ورقة الحديث ، و عن ابي‌الحسن (ع) في حديث طويل قال و انّ شيعتنا لمكتوبون معروفون باسماۤئِهم و اسماۤءِ آباۤئِهم اخذ اللّه الميثاق علينا و عليهم يردون مواردنا و يدخلون مداخلنا ليس علي ملّة ابراهيم خليل الرحمن غيرنا و غيرهم انّا يوم القيمة آخذون بحجزة نبيّنا (ص) و نبيّنا آخذ بحجزة ربه و انّ الحجزة النور و شيعتنا آخذون بحجزتنا من فارقنا هلك و من تبعنا نجي و المتّبع لولايتِنا لاحق و الجاحد لولايتنا كافر و متّبعنا و متّبع اولياۤئِنا مؤمن لايتبعنا كافر و لايبغضنا مؤمن مَن ماتَ و هو محبّنا كان حقاً علي اللّهِ ان يبعثه معنا نحن نور لمن تبعنا و هديً لمن اقتدي بنا الحديث و هو طويل اخذنا منه شيئاً ممّا يدلّ علي علوّ رتبة شيعتهم و محبّيهم و هم فيما يعاملهم اللّه علي اعمالهم لكرامتهم علي اللّهِ سبحانه مثل ما قال الصادق (ع) لمن قرأ عنده فيومئذ لايسئل عن ذنبه انس و لا جاۤنّ فلمن يُسئل اذا لم‌يُسئَل عن ذنبه انس و لا جاۤنّ قال قلتُ لا ادري قال (ع) انما [ص 204] انزل اللّه فيكم و ذا واللّهِ المؤمن من شيعتنا لايسئل منكم الانس و الجن و انّ اللّهَ تعالي يولّينا ( ليولينا خ‌ل ) حسابه و يأمرنا ما كان من حسنةٍ نظهرها و ما كان من سيّئةٍ نسترها و انّ اللّه تعالي لايطلع علي ذنبِ مؤمن احداً من خلقه اجلالاً لعبده المؤمن ه‍ ، و انه سبحانه لم‌يجعل لموت عبده المؤمن اجلاً حتي يهمَّ بموبقةٍ فاذا همَّ بموبقةٍ قبضه اللّه اليه قبل ان يهمَّ رأفةً به و انما يقبض روحه باختياره فاذا علم منه كراهة الموت تردّد في قبض روحه حتي يحبّ لقاۤء اللّه لأنّ من قبضت روحه قبل ان يحبّ لقاۤء اللّه ختم له بالسوء و كذا معرفة حقوق الاخوان و صلة الأرحام و معرفة العدل في الأحوال و هو التوسط بين طرفَي التفريط و الافراط كالشَجاعة بين الجبن و التَهَوُّر و كالعقل بين البلادة و الجَرْبَزَةِ و كالكرم و الجود و السَماحة و السخا بين البخل و اللّوم و الخسّة و الدّناۤءة و الاسراف و التبذير و العبث و السفَه و امثال ذلك و كذا معرفة الزهد و الورع و التقوي و التجافي عن دار الغرور و الخمول و امثال ذلك و كذا الصدق في كلّ المواطن مع اللّه و التيقّظ و ذكر اللّه علي كلِّ حال بالقول و العمل و عدم الغفلة و كذا الاعمال البدنيّة المذكورة في كتب الشريعة و الأدعية و غير ذلك من كلّ حركةٍ و سكون و نوم و يقظة و انتباهٍ و غفلة ظاهرة و باطنة مما للّه فيه رضي ففي كلّ ذلك دقيقه و جليله كليّه و جزئيّه هم الأدلّاۤء عليه بل كلما لم‌يدلّوا عليه لم‌يكن للّه فيه رضي لأنّ رضي اللّه سبحانه في الحقّ و ترتيب الاشياۤء و جريانها علي اسبابها و مقاديرها و مقتضياتها و لايكون شيء من ذلك الّا بهم لما قلنا انّهم العلّة الفاعليّة لأنّهم محاۤلّ المشيّة و العلّة الماۤدّيّة لأنّ جميع الأشياۤء مواۤدّها في كلّ كونٍ من اشعّة انوارهم و العلّة الصّوريّة لأنّ صور جميع الأشياۤء في كلّ عينٍ من اشعّةِ اشباحهم المعبّر عنها بنور الرحمة و هيكل التوحيد و من عكس ذلك للأعداۤء المعبّر عنها بهياكل الغضب [ص 205] و السّخط و العلّة الغاۤئيّة لانّهم هم للّه سبحانه و خلق كلّ ما سواهم لهم كما ذكرنا سابقاً مكرّراً كما قال الشاعر :

اَعِدْ ذكرَ نُعْمٰانٍ لنا اِنَّ ذِكْرَهُ هو المسكُ ما كَرّرتَهُ يتضوّعُ

فان جرت الأشياۤء علي مقتضي الأسباب و الترتيب الطبيعي و النظم الذاتي كما ينبغي كان ذلك حقاً و اللّه سبحانه يقول الحقّ و يهدي الي الحق و يحبّ الحقّ و يرضاه و الّا فان استنكفتِ الأشياۤء عن مقتضي اسبابها و سلكتْ غير ترتيبها الطبيعي كفرتْ بنعمة ربّها و لايرضي لعبادِه الكفر هذا اذا فسّرنا الدليل بالدّاۤلّ و المرشد و اذا فَسّرنا بالمستدلّ به فهم الحجّة التّي تستدلّ بها العقول علي كلّ حقٍّ فيستدَلّ بهم علي اللّهِ و عليهم و علي محبّيهم و علي فروعهم من جميع الاعتقادات ( الاعتقاد خ‌ل ) و الأحوال و الأعمال و الأقوال من كلّ ما يحبّه اللّه و يهواه و يرضاه فأولوا الألباب يستدلون بهم عنهم علي كلّ خير مرغوبٍ و شرٍّ مرهوبٍ و في كامل الزيارة للشيخ الثقة جعفر بن محمد بن جعفر بن قولوَيْه عن عبداللّه بن حماد البصري عن ابي‌عبداللّه (ع) في حديث طويل في ذكر وصف الامام (ع) قال و هو الدليل علي ما تشاجرتْ فيه الأمّة و الأخذ بحقوق الناس و القيام بأمر اللّه و المنصِف لبعضهم من بعض فاذا لم‌يكن معهم من ينفذ قوله و هو يقول سنريهم آياتنا في الاۤفاق و في انفسِهم فايّ آيةٍ في الٰافاق غيرنا اراها اللّه اهل الٰافاق و قال و مانريهم من آيةٍ الّا هي اكبر من اختها فايّ آيةٍ اكبر منّا الحديث ، فقول اللّه تعالي سنريهم آياتِنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحق يدلّ بباطنه كما في هذا الحديث الشريف انّهم الٰايات الكبري كما قال عليّ (ع) ليس للّه آية اكبر مني و لا نبأ اعظم مني ، فهم الٰايات حيثُ وقعت في القرءان اي آيات اللّه الدّاۤلّة بالدلالة القطعيّة عليه سبحانه و علي انفسهم و علي شيعتِهم و علي كلّ [ص 206] شيءٍ من الحقّ مثلاً هل تجد احتمالاً فيما امَرُوك به انّه ليس للّه فيه رضي بوجهٍ مّا كما يجوز الاحتمال فيما صدر عن غيرهم الّا ما قطع انّه عنهم كاخبار ساۤئر المعصومين بل لايجد العاقل العارف شيئاً يصدر في الحقيقة عنهم و انما يراه يصدر عن اللّه كما يجد انّ حركة الرجل العاقل لاتصدر عن مقتضي جارحته و انما تصدر عن عقلِهٖ و ان كانت تصدر عن اليد فانّ المحرّك لها هو العقل بواسطةِ الألٰات فافهم الاشارة من قول اللّه تعالي و مارميتَ اذ رميتَ و لكنّ اللّه رَمي ، بل من نظر اليهم (ع) بعين البصيرة عرف اَلّاَ اله الّا اللّه و انّ محمّداً رسول اللّه صلّي اللّه عليه و آله و انهم حجج اللّه و خزّانه علي سرِّه و حكمته و اولياۤؤه علي امره و نهيه و علي جميع خليقته و عرف انّ الدّين عند اللّهِ الاسلام و الحاصل كلّما سمعتَ من امور الاعتقادات الحقّة و الاحكام الشرعيّة و الٰاداب الالٰهيّة التي وردتْ بها هذه الملّة الحنيفيّة و جميع ما اتي به محمد بن عبداللّه (ص) من احوال النشأتين و كلّ ما دعا ( دعي خ‌ل ) اليه من كلّ ما به صلاح الدارَين اذا نظرتَ و عرفتهم كما عرّفوك تشهد بحقيّة ذلك كلّه و انّه تدبير حكيم عليم خبير بصير لطيف عطوف رحيم بعبادِهِ قد احسن اليهم بجوامع مصالحِهِم فان لم‌تر ما وصفتُ لك و نبّهتُك عليه من الأسرار فاسئل اللّه سبحانه ان يصلح وجدانك و يعرّفك الحقّ كما هو حقّ فاذا عرفتَ هذا عرفتَ انّه لم‌يَخْلُق شيئاً جعله دليلاً اوضح من ائمّتك عليهم السلام دليلاً و بياناً و سبيلاً و برهاناً و لا اصرح من دلالتهم و لا اصح من مقالتِهِم و لا اصدق من حالتهِم فهم الٰايات الّتي يستدلّ بها علي كلّ مطلوب قال اللّه سبحانه و هو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر و البحر ، و علاماتٍ و بالنجم هم يهتدون و قال تعالي و كأين من آية في السموات و الأرض يمرّون عليها و هم عنها معرضون فهم الدليل و عليهم [ص 207] الدليل و منهم الدليل و بهم الدليل و لهم الدليل و عنهم الدليل و لايَحْتَمل المقام اكثر من هذا الكلام و السّلام علي اُولي الأفهام .

قال عليه السلام : و المستقرين في امرِ اللّهِ .

قال الشارح بعد ان اثبت نسخة المستوفزين في الأصل قال اي المسارعين في الائتمار باوامره الواجبة و المندوبة مطلقاً او في امر الامامة و في بعض النسخ المستقرّين و هو اظهر ه‍ .

اقول المستوفزين بالفاء بعدها زاي بمعني المستعجل و المعني انهم المسارعون الي القيام بأوامر اللّه من الواجباتِ و المندوباتِ و علي نسخة الأصل المشهورة المستقرين بمعني الثابتين في امر اللّه اي الثابتين في خدمة القيام بامره و عبوديّته بحيث لم‌يفقدهم حيث يأمر و يندب و لايراهم حيث ينهي فهم القاۤئمون بحقيقة العبوديّة فيما امروا به من العمل او فيما يريد منهم ان يعملوه من تدبير الصنع و ايصال الافاضات الي مستحقيها من خلقٍ و رزقٍ و حيوةٍ و مماةٍ مما دار عليه قوام النظام كما اشار اليه سبحانه و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنّم كذلك نجزي الظالمين اي بأمره فيما يخصّهم من التكليف و بأمره الذي هو ظهوره لما سواه بهم فيما يخصّهم من التعريف يعملون كما امرهم و فيما سواهم من رعاياهم من دعاۤئهم الي اللّه و الي ما امر به من طاعته و نهيهم عن معاصي اللّه كما حدّدَ لهم من معاصيه و ابان لهم من مناهيه يعلم ما بين ايديهم منهم حين قال اقبل فاقبل اليه من التخليصات و الخلوصات و ما خلفهم منهم حين قال ادبر فادبر اليهم من التنزّلات و التذلّلاَت حتي اوصل بهم الي كل ذي حقٍّ حقّه من الامدادات و التخصيصات و التعيينات [ص 208] الّتي هي مقتضي ذواتهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي دينه يعني لمن اذن له كما قال و لاتنفع الشفاعة عنده الّا لمن اذن له ان يشفع و هم قد اذن لهم ان يشفعوا لمن شاۤؤا و هو من ارتضي الله سبحانه دينه بأن يكون مؤمناً بهم و بولايتهم اي لايصلون الّا من كان متّصلاً بذاته بهم اي من فاضل نورهم خلقه اللّه من امره الوجودي و من امره القولي و هم من خشيته مشفقون لأنّهم لا قوام لهم الّا بامره الوجودي كما قال تعالي و من آياته ان تقوم السماۤء و الأرض بأمره و لا قوام لسلطانهم الّا بامره القولي مشفوعاً بالوجودي و كلّ ذلك في قبضته لم‌يخرج عن يده شيء فهم ابداً منه مشفقون خاۤئفون و مَن يقل منهم اني الٰهٌ من دونه انا انا من دونه اي اني يمكن لذاتي ان تتقوّم من دون امره الوجودي اَوْ اَنّ سلطاني من دون امره القولي فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و لمّا كانَ فعله جارياً في الاشياء علي ما هي عليه و كان ما هم عليه انّهم للّهِ وحده و استعمالهم لغيره علي خلاف ما هم عليه و هو خلاف الحكمة فخلقهم له و اصطنعهم لنفسه و حصرهم في امره و هو قوله تعالي و هم بأمره يعملون اي لايعملون الّا بأمره فأفاد سبحانه بتقديم امره علي يعملون فوائد الأولي حصر عملهم في امره الثانية انّ الباء للسببيّة الثالثة التقديم لمراعاة النظم فانّ كونهم عاملين مترتّب علي امره لأنّ الأمر علّة العمل الرابعة انّ الأمر ماۤدّة الوجودي التشريعي النوعيّة و العمل صورته الشخصيّة و الماۤدّة النوعيّة مقدّمة علي الصورة الشخصيّة و امّا انّ الماۤدّة متقوّمة بالصورة فالمراد بها الماۤدّة الشخصيّة لا الماۤدّة النوعيّة فانّها سابقة علي الصورة الشخصيّة و انّما قلنا انّ الأمر ماۤدّة نوعيّة لأنّه لايتحقق انّه ماۤدّة طاعة او معصية الّا بالعمل فالعمل هو المشخّص له ثم اعلم انّ قوله المستقرين في امر اللّه يجوز فيه ان يكون المعني في استقرارهم في الأمر عدم انتقالهم عنه الي امرٍ غيره و عدم انفكاكهم عن العمل به كما في قوله [ص 209] يسبّحون الليل و النهار لايفترون و انّ اللّه سبحانه ذرأهم في امر اللّه كما قال جعل لكم من انفسكم اَزْوَاجاً ، و من الأنعام ازواجاً يذرأوكم فيه و هذه المعاني قد ذكرناها و انما اعدتُها بطور آخر للبيان .

قال عليه السلام : و التاۤمّين في محبّةِ اللّه .

قال الشارح (ره) في مراتبها الثلاث من محبّة الذّات لذاته و لصِفاته الحسني و لأفعاله الكاملة و من ذاق حلاوة المحبّة يستنشق من جميع رواياتهم سيّما الأخبار الواردة فيها و في اسبابها من الرضي ( الرضا خ‌ل ) و الزهد و التسليم و غيرها في جميع مراتبها و انّهم كاملون و المراد من المحبّة العشق و انكار العشق بالنسبة الي الله تعالي لعدم فهم معناه و عدم القابليّة ه‍ .

اقول التاۤمّين جمع تاۤمٍّ و هو بمعني الكامل لغة و التاۤمّ الذي ليس بزايدٍ و لا ناقصٍ و الكامل الذي ليس بناقصٍ و قد يستعمل التاۤمّ فيما ليس بناقصٍ و الكامل في الزاۤئد علي التمام و التاۤمّ في العدد هو ما ساوَي كُسُوره كالستّة و الكامل هو ما اشتمل علي اوّل فردٍ و هو الثلاثة و اوّل زوج و هو الأربعة بناءً علي انّ الأثنين يسمي مفرداً لا زوجاً لأنّه اوّل الأعداد و لايكون اوّل الأعداد زوجاً اَوْ انّه يسمّي كامِلاً باعتبار انّ الشيء لايكمل الّا باربع طباۤئع و ثلاث كيانٍ يعني حرارة و رطوبة و برودة و يبوسة و نفس و روح و جسد و التاۤمّ في الحروف ما سَاوَي بيّناتُهُ زُبُرَه و ذلك حرف واحد لا غير و هو السين و لهذا كانَ اسماً لمحمدٍ صلي اللّه عليه و آله ياسين و في الحروف الأبجديّة في الخامس‌عشر و الذي يخطر ببالي انّ التمام بمقام الامام (ع) اكمل كما انّ الكمال بمقام النبي (ص) اتمّ الّا انّ الصّفات منهم (ع) تكاد تتحِدُ لاتّحاد الأصل لأنّ نورهم واحد لأنّ اوّلهم محمّد و اوسطهم محمّد و آخرهم محمّد [ص 210] و كلّهم محمّد فقوله عليه السلام و التاۤمّين في محبّةِ اللّهِ ان فسّر التاۤمّ بما ليس بزايدٍ و لا ناقصٍ جاز تخصيص المحبّة بالحقيقة المحمديّة و ان فسر بالمعني المراد من الكامل و هو الزاۤئد علي التمام جاز تخصيص المحبة بفلك الولاية و علي التفسيرين يجوز التخصيص كما يجوز التعميم فهم تاۤمُّون في ذواتهم و في صفاتِهم و في افعالهم و في آثار افعالهم اي هم كما ينبغي فيما ينبغي اي هم التاۤمّون في علّة الايجاد و هو عالم المحبّة و التعيّن الأوّل في قوله تعالي كنت كنزاً مخفيّاً فاحببتُ ان اعرَف فخلقتُ الخلق لأعرف ، فالمحبّة علّة الخلق و هم محاۤلّ تلك العلّة الّتي هي المحبّة و هم تاۤمّون فيها اي لايكون منهم ما ليس في المحبّة و لا من المحبّة ما ليس فيهم بل هم المحبّة و لهذا ورد في قوله تعالي كمثل حبّة انبتتْ سبعَ سنابل في كل سنبلةٍ مائة حبّة ان الحبّة فاطمة (ع) و السنابل منها سبع سنابل الحسين و التسعة من ذرّيّة الحسين (ع) و المائة حبّة ما يكون من صلبِ كلّ واحدٍ منهم في الرّجعة من الذرّيّة الخاۤصّة و في قوله تعالي انّ اللّه فالق الحبّ و النوي الحبّ المحبّ لهم و خصوصاً لفاطمة عليها السلام و لقد وردتِ الروايات المتكثرة من الفريقين بمعني انّما سمّيتْ فاطمة فاطمة لأنّ اللّه سبحانه فطم محبّها و محبّ محبّها و محبّ محبّ محبّها من النار و مما ذكر بعضهم بناءً علي كمال سيّدة النساۤء عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها افضل الصلوة و ازكي السّلام في بيان الكمال الشعوري و الكمال الظهوري ان الكمال الظهوري للتّسعة الّتي هي الطاۤء خمسة و اربعون و هو مجموع الأعداد من الواحد الي التسعة و قاعدة استخراجه ان تجمع الأوّل و هو الواحد الي التسعة تكون عشرة فتضربها في نصف التسعة اربعة و نصف يكون الحاصل خمسة و اربعين و هو الكمال الظهوري للطاۤء و الكمال الشعوري مجموع كمالها الظهوري و كمال ما تحت [ص 211] الطاۤء الظهوري و هو الثمانية و هو ستة و ثلاثون و ذلك بأنْ تضمّ الواحد الي الثمانية فتضرب التسعة في نصف الثمانية و هو اربعة يكون الحاصل ستة و ثلاثين و مجموع الكمالين كمال شعوري للطاۤء و هو احد و ثمانون قال و قد اجتمع الكمالان في اسم فاطمة (ع) و هو من خواصّ هذا الاسم الشريف و بيانه انّ الطاۤء هي وسط اسم فاطمة و قبله فا و هي كمال شعوري احد و ثمانون و بعده مه و هي كمال ظهوري خمسة و اربعون و انما خصّت الطاۤء هُنا لأنّها عدد مربّع عدد العوالم الثلاثة الجبروت و الملكوت و الملك و مربّع الثلاثة تسعة و ينطق بالطاۤء فجَمَعَ اسمها الكمالين لأنها حبيبة حبيب ربّ العالمين فلذا فسّر الصادق عليه السلام الحبّة في الٰاية بفاطمة (ع) و هم منها و هي منهم فهم التاۤمّون في المحبّة فهم المحبّون في اللّه و للّه و هم المحبوبون في اللّه و للّه و حقيقة هذا الحبّ لايكون لعلّةٍ غير نفسه لأنّه لايكون الّا بنور اللّه الذي هو الفؤاد و حين يوجَد مخلصاً لايوجَد غيره لأنّ غيره حجاب عنه فلايكون الحبّ خالصاً و امّا الحبّ الذي يكون بغير نور اللّه فلا بدّ ان يكون لعلةٍ غيره و ذلك لأنّ الحبّ لغير اللّه يهوي بالفؤاد الي غير المبدء و هو غير الذات فيجب التعدّد من الذات الذي هو المبدء و من ذلك الغير و معني آخر لكونهم تاۤمّين في محبّة اللّه انهم جُبلوا علي حبّ اللّه و جُبل الخلق علي حبّهم فلايكون احد من الخلق الا و هو يحبّهم من محبّيهم و مبغضيهم لوجهين :

الأوّل انهم علّة الايجاد كما تقدم فهم العلّة الفاعليّة لأنّهم محلّ المشيّة و العلّة الماۤدّيّة و الصّوريّة و الغاۤئيّة فمن لم‌يحبّهم لم‌يوجَد اذ الوجود حبّهم قد خلق اللّه سبحانه الخلق من حبّهم لأنّهم هم المحبّة الّتي هي العلّة في الايجاد و المعرفة كذلك و قد ورد في الدعاۤء لايخالف شيء منها مَحَبَّتَك ، فشرط [ص 212] ايجادها ان تجري في جميع وجوداتِها علي محبّةِ اللّهِ و هو تأويل قوله تعالي و ان من شيءٍ الّا يُسَبِّحُ بحمدِهٖ فيجري الطيب في طيبه و الخبيث في خبثه كما جري القدر به عليهما ممّا قَبِلاهُ و المؤمنُ في ايمانِهٖ و الكافِر في كفرِهٖ كما جري به القَدَر لأنّ القدَرَ كما اشرنا مراراً يجري علي ما يقتضيه العمل من العبد و هو سبحانه لايحبّ في تقديره ان يجري قدره علي غير مقتضي العمل و العملُ يُحبُّ اَلّٰايجري الّا بما جري له القدر و احبّ له من انّه كما هو و هو ما يحبّ اللّه منهما و لهما فهو سبحانه و ان كانَ لايُحبّ الكفر "٢" لنفسه "-٢" و لايحبّه "-٢" لعبده و لايحبّ ان يكون الكفر و الكافر الّا كما يقدّر فيما يقتضيانه لذواتهما لأنّه لايحبّ ان تكون الّا علي ما هي عليه من خيرِها و شرِّها كما كرّرنا مراراً للتفهيم فلاينفكّ شيء عن محبّة اللّه و الّا لم‌يوجَد و علي هذا جري الصنع و ذلك محبّة اللّه الّتي لايخالفها شيء و هي ولايتهم (ع) الّتي تمّوا و كملوا بها و بها كمل من سواهم و هو قوله تعالي اليَوم اَكْملت لَكُم دِينكم و اتممتُ عليكم نعمتي وَ رَضِيتُ لَكُم الاسْلامَ ديناً فهذا التمام للنّعمة و الكمال للدّين فرعُ تماميّتهم في المحبّة الّتي هي اعظم النعم و فرع كماليّتهم في الدّين الّتي هي اجل الفضل و الامام (ع) قد بيّن قوله تعالي و ان من شيءٍ الّا يسبّح بحمدِهٖ بقوله لايخالف شيء منها محبّتك و ملازمة الأشياۤء لمحبّة اللّه فرع بل اتيناهم بذكرهم لأنّهم كلّ حال طلبوه اتاهم به كما هم فلايخالفونه و ذلك اصل محبّته سبحانه و لو انّه سبحانه حين نهاهم عن الكفر "٢" و لم‌يحبّه "-٢" و لم‌يرضه لهم لم‌يرض لهم ان يجروا علي اختيارهم لَاَجْبرهم علي طاعته فكانوا بطاعته مسيئيۤن و لو انّه حين رضي لهم ان يجروا علي اختيارهم رضي منهم الكفر لكانوا بكفرهم مؤمنين و بأساۤءتهم محسنين و لو انه سبحانه حين رضي لهم ان يجروا علي اختيارهم و ان يجريَ لهم القدر علي حكم اعمالهم [ص 213] المقدّرة بقدرِهٖ جلّ وَ عَلا و جَعَلهم بكفرهم كافرين و تمنّوا ببعدهم ان يكونوا مقرّبين جعلهم ببعدهم مقرّبين و بكفرهم مؤمنين لفسدتِ السموات و الأرض و مَن فيهنَّ اي لفسدتِ المقبولات حيث لم‌تُقْبَل كما تُقْبَل و انما قُبِلَتْ كما لم‌تُقْبَل و بَطَلَتِ القابلات حيثُ لم‌تَقْبَل ما قَبِلَتْ حين قَبِلَتْ و قَبِلَتْ ما لم‌تَقْبَل حين لم‌تَقْبَل بجهةٍ واحدة و هلك مَن فيهنّ من ذواتهم و اكوانهم علي ما هم عليه بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون اي يحبّون ان يتّبع الحقّ اهواۤءهم من حيث هي خلاف الحق و الحق لايكون من حيث هو حق باطلاً ابداً و لايكون الّا حقاً و الّا لم‌يكن شيئاً و بطلَ النظام سبحان اللّه عما يصفون يعني انزّهه و اقدّسه عن وصفهم بأنْ يكون الحقّ من حيث هو حقّ باطِلاً و الباطل من حيث هو باطِل حقّاً و قالوا هذه صفة ربّنا و وصف نفسه لنا بذلك و اللّه سبحانه ماوصف نفسه بذلك و انّما هذا وصفهم فهم يصفون اللّه بوصفهم اي بما يفترون علي اللّهِ من الكذب و يخلقون من الافكِ و لايخرج آل‌محمّد صلّي اللّه عليه و آله من شيءٍ من الحقّ الذي هو محبّة اللّه الي شيءٍ من الباطل الذي لايحبّه ابداً و لايصفون اللّه الّا بما وصف به نفسه من الحقّ لكمال تماميّتهم في محبّة اللّه و امّا اعداۤؤهم فلمّا كانوا في الجملة علي الضّد منهم (ع) كانوا يفترون علي اللّه الكذب و كفي به اثماً مُبيْناً و يصفون اللّه به لأنّهم يقولون هذا من عند اللّه فانزل اللّه سبحان اللّه عمّا يصفون الّا عباد اللّهِ المخلَصين المخلِصين التّاۤمّين ( اي التامين خ‌ل ) في محبّة اللّه .

و الثاني انّ التّامّين في محبّةِ اللّهِ كما جبِلوا علي حبِّ اللّهِ جُبِلَ الخلقُ علي حُبِّهم فلايكون احد من الخلق الّا و هو يحبّهم من محبّيهم و مبغضيهم اَمّا المحبّون فظاهر و اَمّا المبغضون لهم فانّهم لايجدون فيهم صفةً يكرهونها و لا عيباً تنفر منه طباۤئعهم و لا ذنباً ينكِرونه و لايرون شيئاً منهم و لا حالاً الّا [ص 214] و قلوبهم تميل اليه انما هم و صفاتهم و احوالهم علماۤء حكماۤء فقهاۤء اتقياۤء كُرَماۤء ابرار مقرّبون زهّاد عبّاد شجعان رُحَماۤء اعزّاۤء للّه علي الكافرين اذلّة علي المؤمنين و الحاصل كلّ صفة جميلة تحبّها النفوس او العقول فهي فيهم بجميع مراتبها تاۤمّة كاملة لاتوجد في غيرهم فلاينظر احد من الخلق الي حالٍ من احوالهم او عملٍ من اعمالهم او قولٍ من اقوالهم او صفة من صفاتهم الّا و يري محبوباً يقتضي ان يحسده عليه المنافسون ( المتنافسون خ‌ل ) فيتكلّف اعداۤؤهم عداوتهم علي كلّ محبوبٍ و مرغوبٍ و مطلوبٍ بلا موجبٍ الّا الحسد علي الفضاۤئل و المعالي حيث لاينالوا شيئاً منها فحسدوهم و بغضوهم بما يحبّون منهم لأنهم لايقدرون علي حبّهم مع ما يرون فيهم ممّا يحبّون و لهذا قال الصادق (ع) ما معناه واللّهِ انّهم لايقدرون علي ان يحبّونا و لو قدروا لأحبّونا و لكنّهم لايقدرون ، و ايضاً هم تاۤمّون في محبّة اللّهِ اي لايعملون الّا بمحبّةِ اللّهِ و في محبّةِ اللّهِ فهم يتقلّبون في ذواتهم و اكوانهم و اعمالهم و اقوالهم و احوالهم و ما اضمروا و اظهروا و في اوامرهم و نواهيهم و دعاۤئهم في محبّةِ اللّهِ لايخرجون عنها ابداً و هو كمال الاخلاص في العبوديّة و العبادة و ذلك قوله تعالي و ماامروا الّا ليعبدوا اللّه مُخْلِصٖينَ لَهُ الدّيْنَ حُنَفاۤء وَ يُقِيْمُوا الصَّلَوةَ وَ يُؤتُوا الزَّكوةَ و ذَلِكَ دِيْنُ القَيِّمَةِ و هو دينهم و هو ولايتهم و هو محبّتهم و هو الايمان و هو الاسلام عند اللّه و هو ما ذكرنا من التمام و الكمال في محبّةِ اللّهِ تعالي و قول الشارح (ره) في مراتبها الثلاث يراد به انّ محبّة الذات ليستْ راجعة الي الذات البحت لان الذات البحت لايمكن الوصول اليها بجهة من الجهات الا من نحو ما وصف به نفسه و امر به من تكليفه ففي الحقيقة محبة الذات راجعة الي الصفات و لاينافي هذا انّه انّما قيل انّ كلّ محبة انّما ترجع الي النفس و اما محبة اللّه فاختلف فيها العلماۤء فمن قال انها تكون محضةً للّهِ و لاترجع الي [ص 215] النفس لأنّ النفس بل جميع الصفات لاتُلحَظ في هذه المحبّة و انما تلحظ الذات البحت لأنّ المحبّ الذي هو الحقيقة المجردة عن جميع السُّبُحات حتي عن التجريد لم‌تجد ( لم‌يجد خ‌ل ) ح نفسه لترجع المحبّة اليها و لاتدرك الذّات لترجع المحبّة اليها و انما المشار اليه هو ظهوره تعالي و تكون المحبّة للصّفةِ لأنّ هذه الصفة لاتظهر مع وجود شيء و اِنْ كانَتْ اِذَا توجّه الدّاعي و العارف الي الذّات تَغيبُ عن وجدانِهٖ و تفني في الذّات كما انّا نحكم بخلوص المحبّة للصّفات و الأفعال فلاترجع الي النفس لعدم وجودها في النظر ح و ذلك لأنّ هذه المحبّة اذا نشأتْ عن مشاهدة هذه الصّفات و الأفعال لاتكون لملاحظةِ النفس لترجع المحبّة اليها لأنها مع الملاحظة لايظهر جمال تلك الصفات و الأفعال لذاتها و انما يظهر للتعلّق بالملاحِظ بكسر الحاء فافهم .

و قول الشارح (ره) و المراد من المحبّة العشق و انكار العشق بالنسبة الي اللّهِ تعالي لعدم فهم معناه و عدم القابليّة فيه شيء صوفيّ و الكلام فيه هو انّ الحبّ ميل النفس الي المحبوب فأِنْ اَفْرطَ سمّي عشقاً قال جالينوس العشق من فعل النفس و هي كامنة في الدّماغ و القلب و الكبد و في الدّماغ ثلاث مساكن التخيل ( التخييل خ‌ل ) في مقدّمِهِ و الفكرُ في وسطِهٖ و الذِّكرُ في اۤخره فلايكون احدٌ عاشقاً حتّي اذا فارق معشوقه لم‌يخلُ من تخيّلِهٖ و فكرِهٖ و ذكرِهٖ فَيَمْتَنِعُ من الطعام و الشراب باشتغال قلبه و كبده و من النّوم باشتغال الدّماغ بالتخيّل و الذّكر و الفكر للمعشوق فتكون جميع مساكن النفس قد اشتغلَتْ به و متي لم‌يكن كذلك لم‌يكن عاشقاً فان اُلْهِيَ العاشق خَلَتْ هذه المساكن و رجع الأعتدال ه‍ .

اقول اذا عرفت معني العشق و معني الحبّ فعلي ما ذكره الغزالي و هو انّ [ص 216] الحبّ ميل النفس و انّ العشق هو الافراط في الميل يمكن توجيه كلام الشارح فانّه بعد مَحْو الميل و الافراط و يحصل فناۤء المائِل في ذاته في المحبوب مع محوِ المحبّة فانّها حجاب كما قال جعفر بن محمّد (ع) المحبّة حجاب بين المحبّ و المحبوب قد يُقَال له عشق كما يقال له حبّ و لكن فيه شيئان :

الأوّل انه لم‌يرد من طُرقنا استعمال العشق في جانب الحقّ تعالي و انما ورد من طرقِ اهل التصوّف و هو عندنا باطل لاتجوز نسبته الي اللّهِ تعالي و ما وُجِدَ في كتب بعض الشيعة من ذلك فانّه من طرق اهل الخلاف يرويه مِنّا مَن له ميل اليهم ليضلّ عن سبيل اللّهِ و اللّه سبحانه يقول فذرهم و ما يفترون .

الثاني انّ كلّ معني له معني آخر يصلح استعماله للقديم اذا ورد به النصّ جاز اطلاقه علي اللّهِ لأنّه في العقل يجوز اطلاقه عليه فاذا ورد به السمع قبله العقل بلا تكلّفٍ كاليد فانّ لها معني يصلح اطلاقه علي اللّهِ و هو القوّة و القدرة فاذا ورد قَبِله العقل بلا تأويلٍ و لا تكلّف لانّه يجوّزه و ما لا معني له صالح للاطلاق علي اللّه كالرِّجْل فان معناها آلة السعي او لحمل صاحبها و لايجوز شيء منهما علي اللّهِ فلهذا لم‌يرد من طرقنا وصفه تعالي بذلك و لمّا وردَ من طرقِ المخالفين لم‌نقبله لأنّه لايجوز الّا بالتّأويل كما فسّر ذلك بعضهم حيث قال المراد بالقدَم قدم يليق بالقديم و قال اهل التصوّف هو ظهوره تعالي في عالم الأجسام و كلّ هذا باطل و كما فسّر الغزالي العشق بما يناسب الحبّ و انه اقوي و لا عيب في كون الحبّ قويّاً و هذا طريقتهم في تشييد طريقتهم و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالٰاخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون ، و بيان هذا انّ العشق انّما يتحقق كما ذكره جالينوس انّه من فعل النفس و الفعل من السُّبُحات التي اُمرنا بكشفها و انّه لايتحقق الّا [ص 217] بدوام ذكر المعشوق و الفكر في ترتيب جهات التعلّق و كيفيّات الاتصال بعد التخيّل لصورته فبدون التخيّل لايتذكّر و لايفكّر ( و لايتفكر خ‌ل ) في جهاتِ التعلّق و كيفيات الاتصال و لا بدّ من تعدّدِ الدَّواعي و اختلاف الجهات و لايجوز شيء من ذلك بالنّسبةِ اِلَيْهِ تعالي و لقد ردّ عليهم الزّمخشريّ بما هو حقّ في حقّهم بانّهم يتصوّرون صورة معشوقة بلحاظ النّكاح حتي انّ احدهم ليُمْنٖي هذا معني كلامِهٖ و مأخذه واضح لأنّهم يتخيلون صورة مستحسنة و وقوع المني من بعضِهم لاينكر و ليس ذلك الّا لِما قال الزمخشري لأنّ الشّخص لو يتصوّر شيئاً حسناً ليس بلحاظ النكاح و لو كان اجمل ما في الامكان لم‌يحصل منه منيّ و لا مذي كما لو تصوّر جوهرة لايكون لها اخت او كوكباً انور من الشمس الف‌الف مرّةٍ لايحصل له تلك الحالة و ليس ذلك الّا لأنه تعشّق نفساني حيواني منشاؤه الشهوة الحيوانية فقول الشارح انّ انكاره لعدم فهم معناه الخ ناشٍ من عدم فهم معني العشق و انما ذلك الذي يشير اليه علي تقدير صحة مرادهم هو الحبّ لا العشق لأن العشق ليس موضوعاً لغير الأحوال النفسانيّة الحيوانيّة فافهم .

قال عليه السلام : و المخلصين في توحيدِ اللّهِ .

قال الشارح (ره) فانّ اقصي مراتب المحبّة ينجرّ الي اَلّايرَي العارف الّا اللّه فانّه لايرَي شيئاً الّا و يري اللّه بعده في الابتداء ثم معه ثم قبله ثم لايري الّا اللّه و يري صفاته عين ذاته بل يري جميع الذّوات و الصّفات و الأفعال متلاشيةً و فانيةً في ذاته و صفاته و افعاله بل لايري فناۤءَه ايضاً كما قال :

ماوحّدَ الواحِدَ من واحِد بل كلّ مَن وحّدَه جاحِد

و كُتبُ العارفين مشحونة من بيان هذه المراتب و الحقّ انّه لايمكن بيانُه و مَن [ص 218] لم‌يَذُق لم‌يَدْرِ ه‍ .

اقول المخلصين بكسر اللام و فتحها للمعلوم و المجهول و المخلِص للمعلوم الذي لم‌يشرك في توحيدِ اللّهِ اي لم‌ير الّا واحداً و للمجهول انّ اللّه سبحانه اختصّه لذلك و جعله محلّاً لتوحيده اي يعرف بسبيله التوحيد و قوله اِلّا و يري اللّه بعده في الابتداۤء الخ ، ان اراد به في ابتداۤءِ السلوك كانَ حسناً و ان اراد به في كلّ احوال توجّه العارف فليس بشيءٍ لأنّ العارف لاينظر الي الٰاثار ليترقّي منها الي المؤثّرات و انما ينظر الي المؤثرات في الٰاثار كما قال سيّد الوصيين (ع) مارأيتُ شيئاً الا و رأيتُ اللّه قبله او معه علي احد النّقلَين و ليس المعني انّه يري اللّهَ اوّلاً و يري الشيء بعده او معه لأنّه لو كانَ كذلك لزم حصول الغفلة بعد كلّ ذكرٍ و يقظةٍ و انما المعني ما ذكرنا من انّه يري الظاهر بالاشياۤء لها فهو قبلها و هو معها و لاينافي هذا ما في الدّعاۤء يا من هو قبل كلّ شيءٍ يا مَن هو بعد كلّ شيءٍ ، لأنّ الأولي من مراتب المعرفة و الثانية من مراتب المجهوليّة قوله و يري صفاته عين ذاته ان اريد به ما في الحديث و كمال توحيده نفي الصّفات عنه يعني كمال توحيده ان يعرف ذاتاً بسيطة لا كثرة فيها لا في الاعتبار و لا في الامكان و الفرض لأنّه هو و ليس له علم و لا قدرة و لا سمع و لا بصر و لا حيوة غير ذاته بدون مغايرة حتي في الفرض لأنّه لايصحّ الّا في ممكن فليس الّا ذات بسيط ( بسيطة خ‌ل ) بحت بكل اعتبارٍ و فرضٍ و امّا اعتبار الصّفات فانّه في الامكان كما اذا اتاك رجل فانه انسان حقيقة فلمّا كتب علمنا بما احدث انّه كاتب فوصفناه بكاتب و لمّا خاط قباۤءً علمنا بما صنع انّه خيّاط فوصفناه بخيّاط و هكذا و ليس ما وصفناه به جزءاً من ذاته بل اذا تحقَّقْتَ ذاته وجدتها بسيطة و لكنّك تعلم انّ هذه التأثيرات لو كانت ذاته ناقصة لماصدرتْ عنها بهذه الأفعال آثار [ص 219] كمالاتٍ فصدور هذه الٰاثار المتعدّدة المتغائرة يدلّ علي انّ ذاته ليست بناقصةٍ لا انّ ذاته متكثّرة اَلَاتري انّك تقول هو الكاتب هو الخيّاط هو النّجار فهو تعني به ذاتاً بسيطةً و تلك بعينها هي التي حدثتْ عنها الكتابة و هي بعينها هي التي حدثت عنها الخياطة فتعدّد الصّفات انّما هو في الامكان فهذا بعينه هو ما نعنيه من نفي الصّفات انه لا تعدّد فيه فَنَصِفُهُ بالعلم باعتبار احاطته بالمعلوم ( بالعلوم خ‌ل ) و عطاۤئه العلم و نَصِفُهُ بالقدرةِ لصنعة كلّ ما يريد بلا تفريق بين المصنوعات .

و ان اريد به ما يعنونه اهلُ التّصوف من انّ صفات الذّات و صفات الأفعال و الأفعال و المفعولات و صفاتها كلّها عين ذاته اذ ليس غيره فالمخلوقات بأسرها اذا ازلتَ عنها الحدود و المشخّصات هي عين ذاته تعالي عمّا يقولون علوّاً كبيراً و امثالهم و عباراتهم و اشعارهم مشحونة بذلك قول شاعرهم :