الاوّل انّ المراد من قوله تعالي و له المثل الأعلي في السموات و الأرض هو معني التَنْزِيه اي كلّما ذُكِرَ وصفٌ شريف او وضيع او ضُرِبَ مَثَلٌ دنيّ او رفيع وجب ان يقال اللّه تعالي اكبر من ان يوصف و اجلّ من ان يكيّف و اعلي من ان يمثّل او يشبّه و اعظم من ان يقاس و ارفع من ان يعرف كيف هو في سرٍّ و علانية الّا بما دلّ علي نفسه لانّ التمثيل تحديد و توصيف و تكييف و اعلي منه و من كلّ تمثيل و تكييف ان يقال هو اكبر من ان يُمثّل او يُكيّف و اعظم من ان يوصف فهذا المثل الأعلي اذا كان ذلك فيهم (ع) .

و الثاني انّ اعلي الأمثال و هو المثل الدّال علي التنزيه و نفي التشبيه و نفي المعلوميّة و الاحاطة بوجهٍ ما هو له سبحانه يعني يملكه و هو خلقه مثل ما قيل في قول علي بن الحسين (ع) لك يا الهي وحدانيّة العدد ، اي هي لك و ملكك و خَلْقُك فلاتجري عليك و يكون المعني انّ التعريف الذي به يعرف اللّه من انّه ليس كمثله شيء و لا ضِدّ له و لا نِد له و لا شريك و امثال هذا من الامور الدّالّة علي التوحيد الخالص بحسب الامكان مثل معرفة النفس علي ما اشرنا اليه في شرح حديث كميل في قوله (ع) كشف سبحات الجلال من غير اشارة هُوَ آيةٌ ضربَها اللّه يُعْرَفُ بها كما قال تعالي سنريهم آياتِنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ فذلك مَثَلٌ اعلي لمعرفتِهٖ التي هي ظهوره لخلقه بهم و هذا في كلّ شخصٍ و اعلي هذه الأمثال مُحَمَّدٌ و اۤلهُ (ص) فهم المثل الأعلي يعني هياكل التوحيد العليا و هي اوّل هيكل خلقه و هي اربعة‌عشر هَيْكلاً .

و الثالث انّه سبحانه خلق الخلق علي غير مثالٍ سبقَ بل خلق كلّ شيء علي ما هو عليه و هو المراد من الحديث علي احد وجوهِهٖ قوله (ص) انّ الله خلق آدم [ص 149] علي صورته اي علي ما هو عليه باعتبار قابِليّته للهيئات و التخطيط و الكينونات فمعني انّهم المثل الأعلي انّ الله جلّ و علا خلقهم علي احسن صورة يقتضيها الامكان و هي ما هم عليه من الهيئة و الكينونة كما اشار اليه سبحانه بقوله تعالي لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم و هو الانسان الكامل و هو محمّد و آله الاثناعشر و فاطمة (ص) ثم رددناه اسفل سافلين يعني اقبح صورة يحتملها الانسان و هو الانسان الناقص و هو اعدي اعداِۤئهمْ لعنهم اللّه فالصور اعلاها احسَنُها و هو صور محمد و آله صلي اللّه عليه و عليهم و اقبحها صور ائمة المنافقين و ما بينهما بالنسبة كلّ ما قرب من الأحسن احسن و كلّ ما قرب من الأقبح اقبح فهم (ع) امثالهم و هم الأمثال العليا .

و الرابع انّه سبحانه لما خلقَ الخلق علي ما هم عليه اقتضتْ قابليّاتُها علي حسب حدودها صوراً ظاهرةً و باطنةً فكان فيهم مَن صورته حسنة ظاهراً و باطناً و فيهم مَن صُورَتُه قبيحة ظاهراً و باطناً و فيهم من صورته قبيحة ظاهراً حسنة باطناً و فيهم من صورته حسنة ظاهراً قبيحة باطناً و هذه الأجناس الأربعة كلّ واحدٍ منها اختلفت افرادُهُ علي جهة التشكيك لاختلاف المشخصات من مكمّلات القابِليَّاتِ فمن كانت صورهم حسنةً ظاهراً و باطنا اعلاها صور محمد و آله (ص) و تلك الصور انما كانت في غاية الحسن و الكمال ظاهراً و باطناً لأنّ مادّتها و مشخّصاتِها و قوابلها و مكمّلاتِها كلّها انوار لا ظلمة فيها اصلاً الّا ما تتحقّق به ظهوراً فكانت طِبْقَ فعلِ اللّه لذاته فهم محاۤلّ مشيّته فلمّا كانتْ تلك الصور و الهيئات و الكينونات كادَتْ اَنْ تكون مطلقة بحيث لاتتوقّف علي شرط كما اشار سبحانه اليها في كتابه يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسَسْهُ نار و ذلك لتخلّصِها من الأكوان التركيبيّة اصطفاها و ارتضاها و اختصّها و نسبَها الي نفسه فجعلَها امثاله كما اختصّ الكعبةَ و نسبها الي نفسه فقال [ص 150] بيتي فهم امثاله العليا .

و الخامس لمّا كانت معاني زيد كقيامه و قعوده و قدرته و علمِهٖ و حركته و سكونه و نفسه و روحه و عقله و وجوده و ماهيّته و ذاته و صفاته و افعاله و اقواله و اعماله و جميع احواله اَمْثٰالاً لَهُ و اَبْدَالاً ( لَهُ خ ) منه في جهة ما اتّصَفَ به اَو ( ما خ ) لَهُ و قد قالوا انّهم معانيه كما في رواية جابرٍ عن ابي‌جعفرٍ (ع) انّه قال يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال فقلتُ و ما البيان و المعاني قال فقال علي (ع) امّا البيان فهو ان تعرف اللّه سبحانه ليس كمثله شيء فتعبده و لاتشرك به شيئا و امّا المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقّه اذا شئنا شاۤء اللّه و يريد ما نريده الحديث ، فانظر كيف فسَّرَها بالمعاني و هي جنبه و يده الخ و هي امثاله و ابداله فسمّاها معانيه و معاني الشيء امثاله لأنّها صفة كينونته و هذا المعني يجري في جميع الخلاۤئق و الي هذا اشار عليّ (ع) و قد سُئِل عن العالم العلويّ فقال صور عارية عن المواۤدّ عالية عن القوّة و الاستعداد تجلّي لها فاشرقتْ و طالعها فتلألأت و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله و خلق الانسان ذا نفسٍ ناطقةٍ ان زكّها بالعلم و العمل فقد شابهت اواۤئل جواهر عللها فاذا اعتدل مزاجها و فارقتِ الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد ه‍ ، فقوله (ع) و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله يريد بالمثال الذي القاه في هويّتها هو ما تعرّف لها من وصف معرفته الذي هو ذاتُها اذ ليس لها هويّة غير ذلك الوصف الملقي و يجري ايضاً في كلّ جهة و ذرّة من ذرّات الوجود الّا انّه لايمكن ايجادُ اَعْلَي منهم صلي اللّه عليهم فهم المثل الأعلي .

و انْ قلنا ان الامثال جمع مِثل بكسر الميم كاحمال جمع حمل استلزم ثبوت النظير و الشبيه و هو في الباطن و باطن الباطن يصحّ في وجهين : [ص 151] احدهما انّ المراد بالمِثل هو النفس اذا كشف عنها سُبُحات الجلال يعني سُبُحاتها من غير اشارة لانّ الاشارة من سُبُحاتِها فاذا ازلتَ السُبُحات و جرّدتَها عن جميع الاعتبارات ظهر لك انّها آيةُ اللّهِ و دليله و صفة معرفته و مِثْل صفة فعله و المعني انّه سبحانه اذا تعرّف لشيءٍ فانما ذلك ليعرفَهُ و لايعرفه بصفة غيره و انما يعرفه بصفتِهٖ و تلك الصفة هي ذاتُ العبدِ و تلك الصفة التي هي ذات العبد لها شؤن و صفات و هي سُبُحاتها فبالسُبُحات تعرفُ ( في ثلثة مواضع خ‌ل ) الذات لانّها صفتها و بالذات يُعرَف محدثها لأنّها صفته و لايجوز ان يكون ما تعرّف به لك غير ذاتِك لأنّه لو كان ذلك كذلك لكان يجوز ان تكون ذاتك موجودة و انت لاتعرفه اذا لم‌يتعرّف لك بشيءٍ و يلزم من ذلك استغناۤؤك عن مدده وَ اَلّاتكون موجوداً به لأنّ كونك موجوداً به يلزم منه ان تكون اثر فعله فتدلّ عليه باصل ايجادك لأنّ الموجود اثر الايجاد و الايجاد اثر الموجِد فيدلّ و لايعني بالتعرّف لك الّا هذا و هو قوله تعالي فطرةَ اللّه التي فطر الناسَ عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدّين القيّم ، فاذا ظهر لك وجود المِثل بكسر الميم في ذوات الموجودات عند تجريدها عن الفرقاتِ اي مثل صفته التي تعرّف بها لك و هي صفة خلقٍ لاتشبه شيئاً من الخلق عرفتَ انّ تلك الأمثال تختلف اختلافاً كثيراً متفاوتاً تفاوتاً كثيراً و اعلي تلك الأمثال محمّد و اۤله صلي اللّه عليهم اجمعين فهم المثل الاعلي بكسر الميم و علي ما جوّزه الشارح محمّدتقي المجلسي (ره) من جواز القراءة بضمتين يصحّ هذا المعني . و ثانيهما ما قيل انّ جميع العالم اسم اللّه تعالي و ربّما استدلّ علي هذا بما في الكافي من حديث الأسماۤء ان اللّه خلق اسماً بالحروف غير متصوّت و باللفظ غير منطق الي ان قال فجعله كلمة تامّةً علي اربعة اجزاۤء معاً ليس واحد منها قبل الٰاخر فاظهر منها ثلاثة اسماۤء لفاقة الخلق اليها و حجب واحداً [ص 152] منها الحديث ، و قد ذكرتُ لشرحِهٖ رسالة من اراد الوقوف علي ذلك طلبها و فيها انّ المراد بهذا الاسم هو جميع ما سوي اللّه و الأسماۤء الثلاثة التي ظهرت عالم الجبروت اي العقول و عالم الملكوت اي النفوس و عالم الملك اي الأجسام و الجزء المحجوب هو فعل اللّه المسمّي بالمشيّة و الارادة و الابداع و معلوم انّ الاسم علامة المسمي و معلوم انّ العلامة لاتفارق المعلّم بل السِّمَة هي صفة الموسوم و لايُراد بالمِثل بكسر الميم الّا هذا اي مثل جهة السِّمة و العلامة فاذا قلنا هم مثله لانُريد به مثل الذات لأنّ ذلك كفر و زندقة و انما نريد انّهم خَلَقَهم آياتٍ يستدلّ بهم عليه كما يدلّ الأثر علي صفة المؤثر من تلك الجهة فهم مثله اي مِثل صفةٍ تدلّ عليه كما قال عليّ (ع) صفةُ استدلالٍ عليه لا صِفةٌ تكشف له و قد كَرّرنا هذا المعني في رساۤئِلنا فايّاك اَنْ تتوهّم اذا اطلق المَثَلُ بالتحريك او بكسر الميم اَنْ يُرَاد بالمماثلة بينه و بين الذات الواجب تعالي ذاته عن المثل و عن ضربِ المثل له انما ذلك بين الشيء الذي هو الأثر و بين الفعل الذي به التّأثير فالمماثلة له و جميع ما يرد من الخلق من اضافةٍ و بيانٍ و انتهاۤءٍ و توصيفٍ و تعريفٍ كذلك و الي هذا المعني اشار عليّ (ع) في مقام تنزيه الذات قال (ع) انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، فافهم فهم المَثَل الأَعْلي بكلّ معني ممّا اشرنا اليه تلويحاً و تَصْريحاً .

قال عليه السلام : و الدّعْوة الحسني .

قال الشارح محمدتقي (ره) فانهم احسن الدعاة الي اللّه او دعوة اللّهِ الخلقَ الي متابعتهم افضل الدعوات ه‍ .

يُراد بالدعوة الحسني وجوه :

الأوّل انّ المراد بالدعوة الحسني دعوة ابراهيم (ع) مثل قوله و اجعل [ص 153] لي لسان صدقٍ في الٰاخرين و اللّسان الصدق هم الأئمة عليهم السلام و قوله و جعلها يعني ابراهيم في دعوته كلمةً باقيةً في عقبه لعلّهم يرجعون و الكلمة الباقية في عقبه الأئمة (ع) و قوله و اجعلنا مسلمين لك و من ذريّتنا امّةً مسلمةً لك و الأمة المسلمة للّه الأئمة (ع) و يُحتمل اَنْ يراد من هذا قوله و اجنبني و بَنِيّ ان نعبد الأصنام اذا اريد التجنّب التّامّ الحقيقي فانّ من عصي اللّه لم‌يتجنّب كل معبودٍ سواه لأنّ مَن اتّبع شهوة نفسه فقد عبدَها قال اللّه تعالي ارأيتَ من اتّخذَ الٰهَهُ هواه فانّ مَن اتخذ الهه هواه فقد عبد صنماً و في العيّاشي عن ابي‌عمرو اليزيدي عن ابي‌عبداللّه (ع) قال قلتُ اخبرني عن امّة محمّد (ص) مَن هم قال امّة محمّد بنوهاشم خاۤصّة قلتُ فما الحجّة في امّة محمد (ص) انّهم اهل بيته الذين ذكرت دونَ غيرهم قال قول اللّه و اذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت و اسمعيل ربّنا تقبّل منّا انك انت السميع العليم ربّنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذرّيّتنا امّةً مسلمةً لك و ارنا مناسكنا و تب علينا انّك انت التوّاب الرحيم فلمّا اجاب اللّه ابراهيم و اسمعيل و جعل من ذريتهما امّةً مسلمةً و بعث فيها رسولاً منها يعني من تلك الامّة يتلو عليهم آياته و يزكّيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة ردَف ابراهيم (ع) دعوته الأولي بدعوته الأخري فسئل لهم تطهيرهم من الشرك و من عبادة الاصنام ليصحّ امره فيهم و لايتبعوا غيرهم فقال و اجنبني و بنيّ ان نعبد الأصنام ربّ انّهن اضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فانّه مني و من عصاني فانك غفور رحيم فهذه دالة ( دلالة خ‌ل ) انّه لاتكون الائمة و الامّة المسلمة التي بُعِثَ فيها محمّد (ص) الّا من ذرّية ابراهيم لقوله و اجنبني وَ بَنِيَّ ان نعبد الاصنام ه‍ ، فهذا من معني الدعوة الحسني اي دعوة ابراهيم (ع) .

الثاني انّهم اهل الدعوة الحسني علي حذف مضاف و الدعوة الحسني [ص 154] انهم يدعون الي الايمان و الي الجنّة التي هي الحسني كما في قوله تعالي للذين احسنوا الحسنَي و زيادة و ذلك انّهم دعوا الخلق عن بَعْثِ رسول اللّه (ص) في اصل الايجاد فعمل الخلاۤئق في قبولهم الايجاد بحكمتهم (ع) فحسنت صورة من احسن عملاً و قبحت صورة مَن عمل سوءاً ثم دَعوهُم في الذّر الأوّل فاجاب مَن احسن عملاً لأنّ طينته طابَتْ بالاجابة الأولي و انكر من اساۤء ( اجابته خ‌ل ) اجابةً لامتناعه عن الاجابة اوّل مرّة ثم ظهروا لهم في الذّر الثاني و دعوهم الي توحيد اللّه و نبوّة محمّد (ص) و الولاية لعليّ و اهل بيته (ع) فمنهم مَن اٰمن و منهم من كفر ثم انهم كانوا اهل تلك الدعوة الأُولي في هذه الدنيا فمن اٰمن بما آمن ( به خ‌ل ) سابقا فقد فاز و من انكر بذلك حقت عليه الكلمة و هو قوله تعالي و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل و ذلك التكذيب صدر منهم من بعد ما تبيّن لهم الهدي فاستحبوا العمي علي الهُدي فاخبر اللّه سبحانه عمّا هم عليه بقوله تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلماً و علوّاً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين فلمّا كانوا هم الدعاة الي اللّه من اصل الوجود الي هذه الدنيا بالعلم و الهدي و الكتاب المنير عذراً او نذراً بالحجج القاطعة و الأدلّة اللّامعة الي ان ردّد عليهم محمّد بن عبداللّه (ص) في هذه الدنيا الحجة و حملهم علي المحجّة فاخبرهم اللّه في كتابه المجيد عن ذلك التأسيس و هذا التشييد فقال هذا نذير من النذر الأولي فبلغت حجة اللّه و تمّت كلمته و ما ربّك بظلّامٍ للعبيد .

الثالث انّهم دعوةُ اللّهِ التي دعا بها عبادَهُ الي طاعته و محبّته و رضاه امّا علي معني ان اللّه سبحانه دعاهم الي سبيله يعني الطريق الموصل الي رضاه و محبّته و هم ذلك السبيل و اليه الاشارة بقوله تعالي و يوم نحشرهم و ما يعبدون من دون اللّه فيقول ءانتم اضللتم عبادي هؤلاۤء ام هم ضلّوا السبيل [ص 155] قالوا سبحانك ماكان ينبغي لنا ان نتّخذ من دونك من اولياۤء و قوله تعالي و قالوا ربّنا انا اطعنا سادتنا و كبراۤءَنا فاضلّونا السبيلا ، او علي معني انّهم كلماته التّامات فالدعوة بهم او انهم اسماۤؤه الحسني فدعاهم باسماۤئه او ( و خ‌ل ) امر العباد ان يدعوه بها فالدعوة بهم عنده هي الدعوة الحسني او علي معني انّه دعاهم بِسَبيله يعني انّه تعالي دعاهم الي طاعته و رضاه بِسَبيله و هم سبيله اي دعا عباده بهم (ع) الي ما فيه نجاتهم السرمديّة و سعادتهم الأبديّة فبهم و بتوسّطهم تمت الدعوة و ائتلفتِ الفرقة باَنْ دعا اللّه عباده علي السنتهم او بانوارهم ابصر العباد الطريق الي اللّه اَو قَووا علي الاجابة و الابصار لأنّ قوة العباد علي الطاعات و قوة عقولهم و مشاعرهم انّما هي من فاضل نورهم فبفاضل قوتهم قَووا و بنور هدايتهم اهتدوا اَوْ بتَحَمُّلِهِم عن محبّيهم عواۤئق الموبقات وَصَلُوا اعْلَي الدَّرَجَات و امثال ذلك فهم الدعوة الحسني .

الرابع انّ اللّه سبحانه دعا بعض خلقه الي الحقّ بقبوله الحقّ منه بمعني جعلهم اهل الحق بقبولهم عنه و هي الدّعوة الحسني و دعا بعض خلقه الي خلاف ذلك بتركهم الحق وَ مَنْعِهِم اِطاقَةَ القبول منه فجعلهم اهل الباطل بتركهم الحقّ و اخذِهم الباطلَ و بعدم القبول منه و هي الدعوة السُّوأيۤ فسبق للمؤمنين خير ما سبق في الكتاب بالمعرفة و القبول و سبق للمنافقين شرّ ما سبق في الكتاب بجحودهِمْ و عدم القبول منه و هم عليهم السلام حملة الجعل بالقبول و الايمان بل هم الجعل الحقّ الذي هو الدعوة الحسني و اعداۤؤهم جُعِلَتْ بهم الدعوة السُّوأيۤ و اليه الاشارة بقوله تعالي في اهل الدعوة السُّوأيۤ و جعل كلمة الذين كفروا السفلي فهي سفلي بجعله لهم بكفرهم كما قال تعالي بل طبع اللّه عليها بكفرهم و قال في اهل الدّعوة الحسني و كلمة اللّه هي العُلْيا بذاتها لا بجعلٍ غيرِ كونِها علي ما هي عليه من الخير .

[ص 156] الخامس انه سبحانه دعا عباده الي طاعته و هي علي انحاۤءٍ شتّي اعلاها ما دعا اليه من حبّهم و ولايتهم و التسليم لهم و الردّ اليهم و التوكّل علي اللّه و علي ولايتهم لانّ ذلك يحطّ الذنوب و في ما نقله ابن‌طاووس تغمّده اللّه برحمته عن الحجّة (ع) في الدعاۤء للشّيعة حيث قال (ع) اللّهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتّكالاً علي حُبِّنَا الدعاۤء ، و في الحديث القدسي ما معناه اقسم بعزّتي و جلالي اني ادخل الجنّة مَن احبّ عليّاً و اِنْ عصاني وَ انّي اُدخِلُ النارَ من ابغض عليّاً و اِنْ اطاعني فكان ما دعا اليه من حبّهم افضل العبادات و هي احسن ما دعا اليه عنده .

السادس انه دعا عباده الي طاعتهم (ع) و لمّا كانت احوالهم مستهلكة في خدمته فليس لهم التفات الي شيء سواه كانت طاعتهم مستلزمةً لجميع انواع الطاعات من التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه و لم‌تكن طاعة في الحقيقة تخرج عن طاعتهم لأنّهم باب الوجود و سرّ المعبود فكانت دعوته الي طاعتهم افضل فتكون هي الدعوة الحسني .

قال عليه السلام : و حُجَج اللّهِ علي اهل الدنيا و الٰاخرة و الأوْلي .

قال الشارح ( المجلسي خ‌ل ) محمّدتقي (ره) احتج اللّه و اَتمّ حجّته بهم علي اهل الدنيا بان جعل لهم المعجزاتِ الباهرة و العلوم اللّدُنيّة و الأخلاق الالٰهيّة و العقول الربّانيّة فهداهم بهم اليه و يحتجّ بهم في الٰاخرة بعد الموت او في القيٰمة و الأولي كرّر للتأكيد او السجع او هي صفة الحجج فانهم اُولَي حجج اللّه كما تقدّم او يقرأ بافضل ( بافعل خ‌ل ) التفضيل فانّهم اكمل حجج اللّه ه‍ .

اقول الحجج جمع حجّة بالضم و هي البرهان و البرهان قد يكون بالقول و قد يكون باحداث مثل المستدلّ عليه في الجهة المدّعي ثبوتُها او مثاله [ص 157] و هذا ابلغ في اثبات الدعوي لأنّه لايحتمل الخطأ لأنّه ايجاد صفة الدّعوي و لاتوجد الصفة الّا بعد ثبوت الموصوف و امّا البرهان القولي فانّه لفظ يدّعي دلالته علي المدعي و الدلالة اللّفظيّة قد تشتبه بسبب اختلاف الأذواق و عدم فهم بعضها اذا انفرد عن الحسّ و لسعة فضاۤء الخيال و كثرة الاشكال فيه و سرعة حدوثها و قد تسمع اللفظ فيحدث لها مقتضي جهة المرجوحيّة و امثال هذا من مرجّحات البرهان المثلي و المثالي و لمّا كان هذا المعني غير معهودٍ عند الناس بعد ادراكه عليهم الّا ببيان المشافهة و امّا بالكتابة فيحتاج الي بسطٍ طويل و لأجل هذا تركنا ذكره ثم انّهم (ع) اعظم حجج اللّه علي خلقه لأنّه سبحانه خلقهم و اودع في حقاۤئقهم كلّ كمالٍ ممكنٍ من علمٍ و كرمٍ و حكمٍ و حلمٍ و جزمٍ و حزمٍ و فهمٍ و عقل و عزمٍ و فضلٍ و فصلٍ و ذكرٍ و فكرٍ و بصرٍ و صبرٍ و زهدٍ و ورعٍ و تقوي و يقينٍ و تسليمٍ و رضا و شجاعةٍ و سماحةٍ و نباهةٍ و نجابةٍ و استقامةٍ و اقتصادٍ و ما اشبه ذلك من صفاتِ كمالاتِ الدّين وَ الدّنيا و خَلَقَ ما سواهم و امرهم بطاعتهم و جعلهم الوسيلة اليه في كلّ امرٍ مطلوبٍ و خيرٍ مرغوبٍ و لايمكن لاَحَدٍ من الخلق رَدّ وَسَاطَتِهم اذا رجع الي عقله و فهمه و الي ما تعرفه العاۤمّة و الخاۤصّة و لا بميزانِ شريعةٍ من الشراۤئع و لا بمقتضي طبيعةٍ من الطباۤئع بل مَن قَبِلَ منهم علم انّهم اهل ذلك و كلّ مَن لم‌يقبل منهم يعلم انّه في ذلك مقصّر تارِكُ الاستقامة و متجنّبٌ للحق لأنّ اللّه سبحانه عرّف كلّ شيء من خلقه من بني آدم و من الجاۤنّ و الشياطين و الملاۤئكة و ساۤئر الحيوانات و النباتات و الجمادات و الجواهر و الأعراض و الذوات و الصفات ( و خ ) الأعيان و المعاني و كلّ شيء ظهر من ( عن خ‌ل ) مشيّة اللّه سبحانه مقام آل‌محمد (ص) و شرفهم و عظم شأنهم و قُرْبَ منزلتهم عنده و انّه ليس له باب غيرهم و لا سبيل اليه الّا منهم و في مختصر بصاۤئر سعد بن عبداللّه [ص 158] الأشعري للحسن بن سليمن الحلّي ما رواه من كتاب منهج التحقيق باسناده الي جابر عن ابي‌جعفر (ع) قال قال انّ اللّه تعالي خَلَقَ اربعةَ‌عَشَرَ نوراً من نور عظمته قبل خلق آدم باربعة‌عشرالف عام فهي ارواحنا فقيل له يا ابن رسول اللّه (ص) عُدّهم باسمائهم ممن ( من خ‌ل ) هؤلاۤء الأربعة‌عشر نوراً فقال محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و تسعة من ذريّة الحسين و تاسعهم قاۤئمهم ثم عدهم باسماۤئهم ثم قال نحن واللّهِ الأوصياۤء الخلفاۤء من بعد رسول اللّه و نحن المثاني التي اعطاها الله نبيّنا و نحن شجرة النبوّة و منبت الرحمة و معدن الحكمة و مصابيح العلم و موضع الرسالة و مختلف الملاۤئكة و موضع سرّ الله و وديعة اللّه جلّ اسمه في عباده و حرم اللّه الأكبر و عهده المسئول عنه فمن وفي بعهدنا فقد وفي بعهد الله و من خَفَره فقد خَفَر ذِمَّة اللّهِ و عهدَهُ عَرَفَنَا مَن عَرَفَنا و جَهِلَنا مَن جهلنا نحن الأسماۤء الحسني التي لايقبل اللّه من العباد عملاً الّا بمعرفتنا و نحن واللّهِ الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه ان اللّه تعالي خَلقنا فاحسن خلقنا و صوّرنا فاحسن صورنا و جعلنا عينه علي عباده و لسانه الناطق في خلقه و يده المبسوطة عليهم بالرأفة و الرحمة و وجهه الذي يؤتي منه و بابه الذي يدلّ عليه و خزّان علمه و تراجمة وحيه و اعلام دينه و العروة الوثقي و الدليل الواضح لمن اهتدي و بنا اثمرتِ الأشجار و اينعت الثمار و جرتِ الأنهار و نزل الغيث من السماۤء و نبت عشب الأرض و بعبادتنا عبدَ اللّهُ و لولانا ماعرف اللّه و ايْمُ اللّه لولا وصيّة سبقتْ و عهد اُخِذَ علينا لقلتُ قولاً يعجب منه او يذهل منه الأوَّلُونَ و الٰاخِرُونَ ه‍ ، و من طرقهم ما هو اعظم ممّا سمعتَ و اكبر ممّا اطّلعتَ عليه و عَلِمْتَ فهم حجج اللّه البالغة كما قال تعالي قل فللّه الحجة البالغة فلو شاۤء لهديٰكم اجمعين لانهم محاۤلّ مشيّته و هم الكلمة التاۤمّة كما قال تعالي و تمّت كلمة [ص 159] ربّك صدقاً و عدلاً لا مبدّل لكلماته و هو السميع العليم و هو قوله تعالي حكاية عن نبيّه (ص) قل مايكون لي ان ابدّله من تلقاۤء نفسي ، و امّا اهل الدنيا فقيل يحتمل ان يراد بأهل الدنيا الموجودون فيها و ما بعده تفسير و تفصيل له فيُراد باهل الٰاخرة العاملون لها بالعبادات و بأهل الدنيا المباشرون لها بالمعاملات و لا شكّ انهم (ع) الحجج علي الفريقين باظهار الكرامات و الأخلاق الربانيّة و بالهداية و تعليم الأداب ، امّا جعل الأولي للتأكيد هنا او صفة او افعل التفضيل فلايخلو شيء منها عن تكلّف بشهادة الذوق و امّا السجع فيحصل بترك الدنيا ه‍ ، و قوله ( و قولي ظ ) اما جعل الأولي الخ ، اعتراض علي ما ذكره الشارح محمّدتقي (ره) كما ذكرنا عنه اوّلاً و هذا اعتراض في محلّه و هو ايضاً في قوله الحجج علي الفريقين باظهار الكرامات الخ ، لأنّ قوله باظهار الكرامات يعني المعجزات متوجّه يعني انّ ظهور المعجزات علي ايديهم مصدِّق لما يدّعونه من انهم حجج اللّه علي عباده مفترضوا الطاعة لأنّه تعالي لايصدّق بالمعجزات الكاذب امّا قوله بالهداية و تعليم الأداب فلا معني لجعله دليل الحجيّة لأنّه اعمّ من المدّعي و ما اشرنا اليه هو دليل الحجيّة لمن يَفْهم و المراد باهل الدنيا كلّ مَن وجد فيها مَنْ مضي و مَن بقي من لدن هبوط آدم الي قيام قاۤئم آل‌محمّد (ص) اللّهم عجل فرجه و سهّل مخرجه و هي مأخوذة من الدّناۤءة لِخِسَّتها كما اشار سبحانه الي ذلك في قوله تعالي و لولا ان يكون الناس امّة واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضّة و معارج عليها يَظهَرُونَ الي ان قال و ان كلّ ذلك لمّا متاع الحيوة الدنيا و الٰاخرة عند ربك للمتّقين او من الدنوّ لأنّها قبل الٰاخرة فلِتقدّمها علي الٰاخرة سمّيت بذلك كما انّ الٰاخرة سمّيتْ بذلك لتأخُّرِها و المراد بالٰاخرة هنا ما بعد الموت لانّ القبر اوّل منزل من منازل الٰاخرة فيكون المعني انّهم حجج اللّه علي [ص 160] اهل البرزخ و اهل الٰاخرة في الحشر و النشر و عند الصراط و في المواقف الخمسين التي كلّ موقفٍ منها كالف سنةٍ مما تعدّون و في الجنة و النار و ليس هذا الذكر للدّنيا و الأخرة و الأولي حَصْراً لحجّيتِهِمْ بل هم حجج علي كلّ من دخل في الوجود ممّا دون العرش الأعلي فهم حجج ( الله خ ) علي من سيكون بعد دخول اهل الجنة الجنّة و اهل النارِ النارَ كما رواه في الخصال عن جابر بن يزيد قال سألتُ اباجعفر (ع) عن قول اللّه عزّ و جل افعيينا بالخلق الأوّل بل هم في لبس من خلق جديد فقال يا جابر تأويل ذلك انّ اللّه عزّ و جل اذا افني هذا الخلق و هذا العالم و اسكن اهل الجنّة الجنّة و اهل النار النار جدّد اللّه عزّ و جلّ عالماً من غير فحولة و لا اناثٍ يعبدونه و يوحّدونه و خلق لهم ارضاً غير هذه الأرض تحملهم و سماۤء غير هذه السماۤء تظلّهم لعلّك تري انّ اللّه عزّ و جلّ انما خلق هذا العالم الواحد و تري انّ اللّه عزّ و جلّ لم‌يخلق بشراً غيركم بلي واللّهِ لقد خلق اللّه تبارك و تعالي الف‌الفِ عالم و الف‌الفِ آدم ( و خ ) انت في آخر تلك العوالم و اولۤئك الٰادميين ه‍ ، و لا شك انهم (ع) حجج اللّه علي هؤلاۤء لأنّ اَخبارهم كلّها ناطقة بانهم حجج اللّه علي جميع خلقه و انّ اللّه لم‌يخلق خلقاً قبلهم و لا معهم و انهم بقوا اشباحاً نورانيّة يسبّحون اللّه عزّ و جلّ الف دهرٍ قبل الخلق ثم خلق الخلق و اشهدهم خلقهم و اجري عليهم طاعتهم و جعل فيهم ما شاۤء و فوّض امر الأشياۤء اليهم في الحكم و التّصرف و الارشاد و الأمر و النهي كما في الروايات عنهم و المراد بالأولي رجعة آل‌محمّد (ص) او قيام قاۤئمهم (ع) او الأعم منهما و انما سمّيت اولي بالنسبة الي الٰاخرة فيقال لهذه الأيّام الثلاثة الدنيا و الأولي و الأخري فان اريد بالأولي الرجعة فهي التي تظهر فيها الجنّتان المدهاۤمّتان و ما وجّهه به الشارح من التكرير خلاف الأصل و ما احتَمَل فيها من فتح الألف [ص 161] لأنّه افعل التفضيل خلاف الظاهر و جعلها صفة الحجج خلاف الأصل و الظاهر معاً لأنّ هذه الأوقات الثلاثة متغايرة كما ورد في تأويل قوله تعالي و ذكّرهم بايام اللّهِ ففي الخصال عن مثني الحنّاط قال سمعتُ اباجعفر (ع) يقول ايّام اللّه يوم يقوم القاۤئم و يوم الكرّة و يوم القيٰمة و في تفسير علي بن ابراهيم ايّام اللّه ثلاثة يوم القاۤئم و يوم الموت و يوم القيمة ، اقول وجه الاستدلال بهاتين الروايتين انه جعل قيام القاۤئم عليه السلام او الرجعة يوماً غير يوم القيمة المعبر به عن الٰاخرة و غير الدنيا فهذا اليوم لايصلح ان يطلق عليه الدنيا لان بنيتها للتفضيل فهي ادني من الكرّة و من قيام القاۤئم عليه السلام و لا الٰاخرة لأنّ القيمة بعده و هي الٰاخرة فهو غير الٰاخرة و غير الدنيا و ليس هنا الّا الدنيا او الرجعة و قيام القاۤئم عليه السلام او الٰاخرة و يصلح ان يكون الأولي بالنسبة الي الأخري و انما ذكر في تأويل الأيّام الثلاثة قيام القائم (ع) و الرجعة و الٰاخرة و لم‌يذكر الدنيا لأنّه في مقام التهديد و التخويف و الوعيد بما سيقع عليهم من العذاب و لايكون ذلك الّا في هذه الأيّام المذكورة في الروايتين لأنّ الدنيا محلّ التذكير و انّما قلنا نحن انّ الأيّام ثلاثة الدنيا و قيام القائم (ع) او الرجعة او الأعم منهما و الٰاخرة لأنّ قيام القاۤئم و الرجعة في الجنس واحد من جهة العدل و اقامة الحق و رفع الظلم و دكِّ سدّ التقية و ان اختلفا في عدم رجوع امام الزمان (ع) لأنّ الرجوع قد يراد منها الحيوة بعد الموت و القاۤئم (ع) حيّ موجود و اذا فرقنا بينهما قلنا قيام القاۤئم (ع) اوّلا و هو يحكم سبعين سنة في مدة سبع سنين علي اكثر الروايات لأنّ السنة في زمانه بعشر سنين فاذا مضي من ملكه تسع و خمسون سنة خرج الحسين (ع) و هو اوّل الرجعة فكان اليومان متداخلَين متشابهَين متوافقَين هو مدة ملك ال‌محمد [ص 162] صلّي اللّه عليه و عليهم اوّله قيام القاۤئم (ع) و هذا الذي يترجّح في خاطري من المراد بالأولي و لو اردنا بالأولي الدنيا كما ذكره الأكثر فالفائدة في الذكر مرّتين احد وجهين الأوّل انّ الدنْيٰا دنياوَانِ دنيا ملعونة و دنيا بلاغ فالدنيا الملعونة ما سُلِكَ فيها بخلاف مراد اللّه و الدنيا البلاغ ما سلك فيها علي حسب مراد اللّه بانْ يتّخذها منزل سفرٍ ليأخذ منها متاعه الي الأخرة فالدنيا لفظها ناطق بالخسّة و الاولي لفظها ليس فيه ذلك فيراد بالدنيا الدنيا الملعونة و يراد بالأولي الدنيا البلاغ لأنّ لفظ الاولي حصل منه الغرض و هو تقدمها علي الٰاخرة و حصول الدُّنُوّ و الثاني انّ المراد بالدنيا ولاية الأوّل و الثاني كما روي عن الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالي بل تؤثرون الحيوة الدنيا ما معناه انها ولاية الأوّل و الأخرة خير و ابقي هي ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام و يكون المعني انّهم (ع) حجج اللّه علي اعداۤئهم و مواليهم و قوله و الأولي يراد بها الدنيا المعروفة بالمعني الأعم من الدنيا الملعونة و الدنيا البلاغ و ذكرها من باب ايهام التناسب كما في قوله تعالي و النجم و الشجر يسجدان فانه مراد بالنجم النَبْت المعروف و يوهم ان يكون المراد منه الكوكب لمناسبته لما قبله في قوله الشمس و القمر بحسبان و انما اُتي للدنيا اليوم ● بالأولي ليدلّ علي اليوم و لم‌يُؤت للٰاخرة اليوم كما [ص 163] اُتي للدنيا اليوم بالأولي لأنّ الدنيا اذا استعملت في الولاية الباطلة قد لايفهم منها الّا الدنيا الملعونة فتبقي الدنيا البلاغ لا دليل علي كونهم حججاً فيها فاُتِي بما يدلّ عليها اي البلاغ و هو الأولي بخلاف الٰاخرة فانها اذا استعملت في الولاية الحق دلّت علي الٰاخرة اليوم لمطابقتها لها فلايحتاج الي ذكر شيء آخر كما احتيج هناك و يحتمل ان يكون المراد انّه في ذكر كونهم حججاً يريد به علي اهل الدنيا من انها محل انكار اهلها لهم و عدم قبول اكثرهم امامتهم و عدم معرفتهم بهم و عدم اقتداۤئهم بهم بل يقتدون باعداۤئهم فبين انّهم كانوا حججاً عليهم علي جهة الخصوص في هذه الدنيا التي ماعرفوا حقوقهم فيها ثم انّه التفتَ الي حكم العموم فانّهم حجج في الدنيا و الٰاخرة علي جهة العموم علي الطاۤئع و العاصي و المكلّف و غيره من الخلقِ الصامت و الناطق فقال و الأخرة و الأولي و انما اخّر الأولي مراعاةً للسجع و كراهة اجتماع المترادفَين بلا فاصلةٍ و انما اَتي بالأولي و لم‌يأتِ بالدنيا لانّه ذكر هذا اللفظ اوّلا فاتي بمرادفه دَفعاً للتكرير اللفظي .

قال عليه السلام : و رحمة اللّه و بركاته .

قال الشارح عطف علي السلام و يمكن جعل كل واحدٍ من السّلام و الرحمة و البركات في كلّ واحدٍ من الجمل لمعني غير السّابق ه‍ .

و قيل و يحتمل النصب بالعطف علي سابقه ترجيحاً لقرب المعطوف عليه و كونهم [ص 164] رحمة اللّه و بركاته ظاهر ه‍ ، فعلي العطف السلام عليكم اي حافظ عليكم او علي احد المعاني المتقدمة و رحمة اللّه منبسطة عليكم محيطة بكم شاملة لكم حتي تكونوا بفاضلها شافعين لشيعتكم و محبيكم و لهذا قال اعداۤؤهم فما لنا من شافعين و لا صديق حميم فلو انّ لنا كرّة فنكون من المؤمنين الذين يعمهم رحمة اللّه كما قال تعالي و كان بالمؤمنين رحيماً و قال تعالي فسأكتبها للذين يتقون و يؤتون الزكوة و الذين هم بأياتنا يؤمنون يعني انّ الرحمة كتبت للمؤمنين فكون رحمة اللّه علي الائمة يكون علي معني ما تقدم من السلام اي عليكم يعني تلزمكم الرحمة للمؤمنين بكم و المحبّين لكم و بركاته عليكم اي انّه بارك في حسناتِ محبّيكم حتي تكون حسنة احدهم بسبعمائة لأجل محبّته قال تعالي كمثل حبّةٍ انبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة و اللّه يضاعف لمن يشاۤء و هذا مثل لشيعتهم و محبّيهم في اعمالهم و اليه الاشارة بقوله تعالي و لو انّ اهل القري آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماۤء و الارض ، فعلي العطف يكون و بركاته عليكم فيكون حاصل المعني انّ اللّه ينزل عليهم بركات من السماۤء و الارض لأنّهم عليهم السلام اهل الايمان و التقوي ففتح عليهم البركات من محمّدٍ و عليٍ عليهما السلام فالبركات فيهم انّه يكون من صلب كلّ واحد منهم مائة ولد في كرّتهم و في تفسير العياشي عن الفضل بن محمد الجعفي قال سألت اباعبداللّه (ع) عن قول اللّه تعالي حبة انبتت سبع سنابل قال الحبّة فاطمة و السبع السنابل سبعة من ولدها سابعهم قاۤئمهم قلتُ الحسن قال (ع) انّ الحسن امام من اللّه مفترض الطاعة و لكن ليس من السنابل السبعة اولهم الحسين و آخرهم القاۤئم فقلتُ قوله في كل سنبلة مائة حبّة قال يولد للرجل منهم في الكوفة مائة من صلبه و ليس ذاك الّا هؤلاۤء السبعة ه‍ ، و علي الوجه الٰاخر كما مرّ من نزول البركات في حسنات محبّيهم [ص 165] في كتاب ثواب الاعمال عن ابي‌عبداللّه (ع) قال اذا احسن العبد المؤمن ضاعف اللّه له عمله بكلّ حسنة سبعمائة ضعف و ذلك قول اللّه تعالي و اللّه يضاعف لمن يشاۤء و في ما مرّ من رواية داود بن كثير الرقّي الي ان قال و خلق شيعتهم اخذ عليهم الميثاق و ان يصبروا و يصابروا و ان يتقوا اللّه و وعدهم ان يسلّم لهم الارض المباركة و الحرم الاۤمن الحديث ، فاللّه بهم يفتح البركات من السماۤء و الأرض و هم (ع) يسلّمونها الي شيعتهم و محبّيهم في انفسهم و ذرّيّاتهم و اعمالهم و هو قوله و رحمة اللّه و بركاته اي و بركاته عليكم ان تسلّموا فاضلها الي شيعتكم و علي شيعتكم ان يسلّموا فاضل ذلك الي محبّيكم و هذا اقتباس من قوله تعالي رحمة اللّه و بركاته عليكم اهل البيت انّه حميد مجيد ، في كتاب معاني الاخبار انّ الصادق (ع) سلّم علي رجلٍ فقال الرجل و عليكم السلام و رحمة اللّه و بركاته و رضوانه فقال لاتتجاوزوا بنا قول الملائكة لأبينا ابراهيم (ع) رحمة الله و بركاته عليكم اهل البيت انه حميد مجيد و في اصول الكافي بسنده الي ابي‌عبيدة الحذّاء عن ابي‌جعفر (ع) قال مرّ اميرالمؤمنين (ع) بقوم فسلّم عليهم فقالوا عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته و مغفرته و رضوانه فقال لهم اميرالمؤمنين (ع) لاتجاوزوا ( لاتتجاوزوا خ‌ل ) بنا مثل ما قالتِ الملاۤئكة لأبينا ابراهيم (ع) انما قالوا رحمة اللّه و بركاته عليكم اهل البيت ، و يجوز ان يكون المراد برحمة اللّه صَلوته او صِلته او وَصْله يعني هو الذي يصلّي عليكم و ملاۤئكتُهُ اي يمدّهم بمدد الهدي و الصِّلة العطيّة اي يؤتيهم من كل ما سألوه و الوَصْل وصل الولاية بالنّبوّة او وصل الشعاع بالمنير و التابع بالمتبوع و في تفسير الامام (ع) و شرح الأيات الباهرة قال و تفسير قوله عزّ و جلّ الرحمن انّ الرحمن مشتق من الرحمة و قال قال اميرالمؤمنين (ع) سمعتُ رسول اللّه (ص) يقول قال اللّه تعالي انا الرحمن و هي [ص 166] الرحم شققت لها اسماً من اسمي مَن وصلَها وصلته و من قطعها قطعته ثم قال اميرالمؤمنين (ع) ان الرحم التي اشتقّها الله تعالي من اسمه بقوله انا الرحمن رحم محمّد (ص) ه‍ ، فالرحمة بمعني الصّلة و لهذا كانت الرحم مشتقّة من الرحمن مَن وصلَها بمعني انه لم‌يبدّل ما يراد لها وصله اللّه تعالي لأنّ ذلك هو معني الرحم و مَن قطعها اي لم‌يجعل معاملته معها بما يوافق معناها بالوصل قطعه اللّه قال اللّه تعالي و الذين يصلون ما امر اللّه به ان يوصل و يخشون ربهم و يخافون سوء الحساب و الذين صبروا ابتغاۤء وجه ربهم الي قوله سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار و من قطعها انزل اللّه في حقه قرءاناً قال تعالي و الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه في عالم الذّر بانّهم يصلون الرحم حين اخذ عليهم العهد و الميثاق بذلك و عاهدوه علي ذلك و يقطعون ما امر اللّه به ان يوصل و يفسدون في الارض بقطعهم الرحم التي امر اللّه بوصلها اولئك لهم اللعنة و لهم سوء الدار ، و اما البركات ففي الآية المقدمة و لو ان اهل القري آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماۤء و الأرض ، فالبركات التي من السماۤء مطر من الرحمة يحيي به الأرض قال تعالي فانظر الي آثار رحمة اللّه كيف يحيي الأرض بعد موتها و البركات التي من الأرض ثمرات ذلك المطر فالمطر العلم و هو من السماۤء و الثمرات التي من الأرض ثمرات العلوم و في بصائر الدرجات باسناده الي نصر بن قابوس قال سألت اباعبداللّه (ع) عن قول اللّه عز و جل و ظل ممدود و ماۤءٍ مسكوب و فاكهة كثيرة لا مقطوعة و لا ممنوعة قال يا نصر انه ليس حيث تذهب الناس انما هو العالم و ما يخرج منه ه‍ ، اي ما يخرج من العالم من ثمار العلم النابت من تلك الأشجار في بيوت الجبال و الشجر و مما يعرشون فيفيض اللّه البركات علي الناس و علي انعامهم و هو تأويل قوله تعالي فلينظر الانسان الي طعامه انّا صببنا الماۤء [ص 167] صبّاً ثم شققنا الأرض شقاً فانبتنا فيها حبّاً و عنباً و قضباً و زيتوناً و نخلاً و حداۤئق غلباً و فاكهة و ابّاً متاعاً لكم و لأنعامكم فانزل اللّه سبحانه في تلك الحداۤئق حداۤئق الحكمة حبّاً و هي علوم المعارف الالٰهية عن الفؤاد المورثة للمحبة و عنباً و هي العلوم الموجبة للشكر الالٰهي و هو الغيبة عن الخلق و قضباً لأنعامكم و هو العلوم المشتملة علي حفظ المقاصدِ الخمس او بعضها من الحافظة للدماۤء و الحافظة للأبدان كالأمر بالاقتصاد في الأكل و الشرب و النهي عن الاسراف فيهما و تحريم الميتة و الطين و الدّم المسفوح و ما يضرّ بالبدن و من تحريم الخمر و المفسدة للعقل او المضعفة له و زيتوناً من العلوم التي تؤدي الي حسن الخلق و التأديبات الالهيّة و حسن الديانة و الكرم و الشجاعة و التقوي و الزهد في الدنيا و ما اشبه ذلك و نخلاً و هي العلوم المؤدية الي تناول الاحوال الانسانية الناطقيّة و ما اشبه ذلك و حداۤئق غلباً من العلوم الجامعة لحفظ المقاصد الخمس ظاهراً و باطناً و فاكهة من العلوم التي هي الأحكام الشرعيّة الوجوديّة و ابّاً و هي العلوم التي تجري علي تكاليف العوام و عاۤمّة الناس و هم الانعام كما قال الباقر (ع) الناس كلهم بهائم الا قليل من المؤمنين و المؤمن قليل و المؤمن قليل ه‍ ، و هذا تأويل قوله تعالي متاعاً لكم و لانعامكم ، فعلي هذا يكون المعني من تقدير و بركاته عليكم امّا ما يَنزل عليهم من نحوِ ما ذُكر و امثاله ممّا لهم و امّا ما ينزل عليهم ممّا عليهم ايصاله الي المستحقين .

قال عليه السلام : السّلامُ علي محالِّ معرفةِ اللّهِ .

و في بعض النسخ علي محلّ معرفة اللّه بالافراد قال الشارح محمدتقي (ره) اي لم‌يَعْرِف اللّه حق معرفته الّا هم و ما عُرِف اللّه الّا منهم و من تعريفهم [ص 168] فانهم اكمل مظاهر اسماۤئه تعالي و صفاته الحسني و القراۤءة بالمفرد للدلالة علي انّهم (ع) كنفسٍ واحدة في المعرفة فانّها لاتختلف باختلاف باقي الصفات ه‍ .

اعلم انّه لمّا كان الوجود مع كثرة تنزّلاته و اجزاۤئه و جزئيّاته و صفاته و افعاله و متعلقات افعاله اوجده اللّه علي هيئة شخصٍ واحدٍ وجب ان يكون جميع مراتبه و تنزّلاته و اجزاۤئه و جزئيّاته و صفاته و افعاله و متعلقاتِ افعاله جارية في ايجادها و انوجادها كل فرد منها علي ما جري عليه الوجود كنفسٍ واحدةٍ فاذا نظرنا الي الشيء الواحد وجدنا اعلاهُ ذاته المجرّدة عن النسب و السبحات و من دونها مُيولاته و اراداته و هي افعاله الذاتيّة و من دون ذلك ما يبدو له من الفعل و هو الفعل الظاهر و هذه الأفعال الظاهرية آلات الأفعال الذاتية و لمّا كانت جميع ما اشير اليه من الوجود من كلٍّ او جزءٍ او كلّي او جزئيّ ذات او صفةٍ علّة او معلول كل ذلك احدثها فعل اللّه سبحانه لا من شيءٍ وجب ان يكون اوّل ما يوجد عن الفعل لا من شيء و لا لشيء هو ذات الشيء المجرّدة عن جميع السبحات ثم احدث بها لها مُيولاتها و اراداتها التي هي الأفعال الذاتيّة ثم احدث عنها الأفعال الظاهرة و قد ذكرنا في مواضع متعددة هنا و في غير هذا الشرح من رساۤئلنا انّ معرفة اللّه لايمكن حصولها الا بتعرّفه و تعريفه لمن يريد ان يعرّفه نفسه و تعرّفه و تعريفه هو وصفه لعبده و الشيء انما يعرف بوصفه و ذلك الوصف الذي يعرف به هو حقيقة ذات العبد و ليس له حقيقة غيرها و هذا التعرّف و التعريف الذي هو ذات العبد احدثه اللّه بفعله يعني انه صفة الفعل الخاص به من الفعل المطلق و هيئته كما انّ الكتابة هيئتها هيئة حركة يد الكاتب فهيئة الكتابة تدلّ علي هيئة حركة اليد من الكاتب فكانت هيئة ذات العبد التي هي تعريف اللّه هيئة مشية اللّه الخاصة به فالأثر يدلّ علي المؤثر الذي هو الفعل و الفعل يدلّ علي الفاعل لأنّ الفعل هو [ص 169] ظهور الفاعل به فالذات التي هي اعلي المراتب بحقيقتها معرفة اللّه لأنها صفته و لهذا قال صلي اللّه عليه و آله مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه ، جعل معرفة النفس عين معرفة الله لأنها الصفة فهي المِثل بكسر الميم الذي لايشبهه شيء و لو كان يشبهه شيء و الحال ان من عرفه عرف ربّه لزم ان يكون اللّه يعرف بغير صفته و ان يكون لصفته شبيه تعالي الله عن ذلك علوّاً كبيراً و اللّه سبحانه لايعرف بغيره و الّا لكان الغير مشابهاً له و لايجوز كما مر ان يكون تلك الذات غير صفته و الّا لكانت موجودة قبل صفته لتقع صفته عليها و هذا باطل لأنّ تلك الذات انّما حدثت بالفعل فيجب ان تشابه صفته لأنّها اثره فتكون هي الصفة و لو لم‌تشابه صفة الفعل لم‌تكن محدثة عنه فتكون مشابهة لما احدثت به او انها ليست محدثة فمعني كون تلك الذات محلّ معرفة اللّه انّها هي معرفة اللّه و انما قيل هي محل المعرفة بناۤء علي سرّ اللّغة من انّ الشيء محلّ نفسه لا محلّ لغيره ( غيره خ‌ل ) و اذا رأيت انّ شيئاً محلٌّ لغيره فهو في الحقيقة محلّ نفسه و الا لم‌يتحقق ظهوره و كونه محلاً لغيره جهة خارجة عن كونه محلّاً لنفسه فافهم فكونهم (ع) محاۤلّ معرفة اللّه يُراد منه انّهم معرفة اللّه و لاتعجب من هذا المعني فأنّه اذا فهمته رأيته من الأمور البديهيّة و كيف تكون انت معرفة اللّه حيث قال (ص) من عرف نفسه فقد عرف ربّه ، و لايكونون معرفة اللّه و قد قال اميرالمؤمنين (ع) نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الا بسبيل معرفتنا ، و قد ذكرنا ثلاثة وجوهٍ في معني هذا الحديث احدها هذا المعني و قد تقدم فاذا عرفتَ فاعلم انّ كونهم محاۤلّ معرفة اللّه اذا تنزّلتَ عن هذا المعني الذي اشرنا اليه له معانٍ اُخر : احدها انّ اللّه سبحانه جعلهم خزاۤئن معرفة الخلق سواهم بمعني انّ كلّ من عرف ربّه فانما نزلت عليه المعرفة منهم كما قال تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزّله الا بقدرٍ معلوم ، [ص 170] و ثانيها انّ كلّ معرفة عند احد من الخلق انما كانت صحيحةً لأنّها اُخِذَتْ عنهم فهم محاۤلّ معرفة غيرهم و ثالثها انّ كلّ معرفة اذا لم‌تَرِدْ عليهم لم‌تتجاوز الي اللّه لأنّهم هم ابواب اللّه لا غير بمعني انّها غير مطابقة للمعروف اذ المعرفة صفة و اذا لم‌تكن الصفة مقترنة بجهة الموصوف كانت لنفسها او لغيره و لا جهة للّه في الامكان غيرهم و رابعها انّ كل معرفة اذا لم‌تضف اليهم و تنسب كانت عدماً اذ لا وجود لشيء بدون فاضل وجودهم لأنّهم علّة الايجاد يعني العلّة المادّيّة و خامسها كما انّ كلّ ماۤدّة فمن فاضل وجودهم كذلك جميع صور الحق فمن هيئات الرحمة و هي هم لأنّهم علّة الانوجاد يعني العلّة الصوريّة و سادسها انهم (ع) اذا وردت عليهم معرفة عبدٍ فان سقوها من حوضهم استقامت معرفته و حييت و الّا ماتت و تفرّقت و لم‌تكن شيئاً كما قال تعالي و قدمنا الي ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباۤءً منثوراً ، و سابعها انّهم (ع) هم المقدِّرُون لمعارف الخلاۤئق و المقَسِّمون لها بأمر الخالق لايسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون فهذه الوجوه و غيرها في كلّها هم (ع) محاۤلّ معرفة اللّه لأنّ معرفة اللّه حينئذٍ عندهم و معهم و فيهم و بهم و اليهم و لهم .

قال عليه السلام : و مساكن بركة اللّه .

المساكن جمع مسكن و هو محلّ الاستقرار و السكون و المراد منها عدم الانتقال و التحوّل و المراد من معني المساكن و المعادن و المحاۤلّ واحد فيما ذكرنا من التفسير لأنّ هذه المساكن هي بركة اللّه لا انّ البركة مغاۤيِرة للمساكن فيما لها امّا فيما لساۤئِر الخلق فيما دونهم فانها مغاۤئِرة لهذه المساكن و تفصيلها لسَاۤئر الخلق غيرهم بالنسبة الي المساكن ما تقدّم في محاۤلّ معرفة اللّه فقد اشرنا هناك الي اتّحاد المحاۤلّ و المعرفة فيما لهم ( فيما له لهم خ‌ل ) و تعدّد انواع المعرفة [ص 171] فيما لساۤئر الخلق بالنسبة الي ذواتهم (ع) علي سبعة وُجُوهٍ ففصّل بركة اللّهِ علي ساۤئر الخلق بالنسبة الي تلك المساكن كما تقدم سالكاً سبل ربك ذُلُلاً فافهم و قال الشارح محمدتقي (ره) اي بهم يبارك اللّه علي الخلاۤئق بالأرزاق الصوريّة و المعنويّة كما تدلّ عليه الأخبار المتواترة و نبّه عليه المحقّق الدّوَّاني في شرح الهياكل ه‍ .

اقول يريد بالأرزاق الصوريّة ارزاق الطعام و الشراب و اللباس و المال بانواعه و ما خلق لكم في الأرض مختلفاً الوانه من كل شيءٍ محسوس تتوقف عليه المعيشة و امر النظام من حيوان و نبات و معدن و بالأرزاق المعنويّة العلوم و العقول و الأفهام و الالهامات و الادراكات بجميع انواعها و الهدايات و التوفيقات و الأعمال الصالحة و عقول الصناۤئع و المصانعات في الأحوال و الأقوال و الامدادات في الأعمار و تأخير الأجٰال و تدبير النفوس و المنازل و البُلدان بل التعقّلات و التخيّلات و التوهّمات و التصوّرات و الحركات و السكنات و اللحظات و الانفاس و الخطرات و البدوات و كل شيءٍ عنه و به مما ينتفع به فانه رزق ينزل اليه بقدرٍ من سماۤء الخزاۤئن و ذلك قوله تعالي و في السماۤء رزقكم و ما توعدون مع قوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و ما ننزّله الا بقدرٍ معلوم و الأحاديث عنهم (ع) تشير الي ذلك كلّه .