الأعلام جمع علم كاسباب جمع سبب و هو الجبل الذي يعلم فيه الطريق فهم الجبال التي يعلم بها طريق التّقي و التّقي اصله الوقا فابدلت الواو تاۤء و لما ادخلت عليها اللّام الشمسيّة ادغمت فيها و في الفعل اذا دخلت عليه [ص 123] تاۤء الافتعال ادغمت التاۤء في التاۤء فقيل اتّقي يتّقي كافتعل يفتعل و قيل في تقوي اللّه ثلثة وجُوه احدها و هو احسنها ان معناها ان يُطاع و لايُعصي و يُشكر و لايُكفر و يُذكر و لايُنسي و هو المروي عن ابيعبداللّه (ع) و ثانيها انه المجاهدة في اللّه و اَلّاتأخذه فيه لومةُ لاۤئم و ان يُقَامَ له بالقسط في الخوف و الامن و هذا عن مجاهدٍ و ثالثها ان تتقي جميع معاصي اللّه و هذا عن ابيعلي الجباۤئي نقلت هذه الوجوه الثلاثة في قوله تعالي و اتقوا اللّه حقّ تقاته ، و قيل علي الوجه الثاني و الثالث انها منسوخة بقوله تعالي فاتقوا اللّه ما استطعتم و هو المروي عن ابيجعفر و ابيعبدالله عليهما السّلام و لو قيل انّها منسوخة علي الثالث خاۤصّة لأنّ المجاهدة لاتنافي تقوي اللّه علي الاستطاعة لميكن بعيداً بل و لو قيل انها غير منسوخةٍ علي الثالث ايضاً لميكن بعيداً كما هو المنقول عن ابنعَبّاس و الجباۤئي و طاووس لأنّ ذلك لاينافي التقوي بالاستطاعة و الذي يظهر لي انّ الٰاية المذكورة منسوخة كما هو المروي عنهما (ع) ليس لأنّ معناها احد الوجوه الثلاثة المذكورة بل لأنّ معناها انه سبحانه قد حكم اَلّايقوم له احد من خلقه بحقّه فلو كان التكليف علي حسب حق اللّه سبحانه و تعالي لكان تكليفاً بما لايطيقه الخلق و يدلّ علي هذا قول علي بن الحسين سيّد العابدين عليه السلام في السجود بعد الرابعة من صلوة الليل فتأمل قوله عليه السلام تجد انّ اللّه سبحانه ( كما خ ) لايعدله شيء كذلك لايقوم بحقّه احد قال (ع) الهي و عزّتك و جلالك لو انّني منذ بدعتَ فطرتي من اوّل الدهر عبدتُك دوامَ خلود ربوبيّتك بكلّ شعرة في كل طرفة عين سرمدَ الابدِ بحمد الخلاۤئق و شكرهم اجمعين لكنتُ مقصراً في بلوغ اداۤءِ شكر خفيّ نعمةٍ من نعمِكَ عليّ و لو انّني يا الهي كربتُ معادِنَ حديد الدنيا بانيابي و حرثتُ ارضها باشفار عينيَّ و بكيت من خشيتك مثل بحور السموات [ص 124] و الارض دماً و صديداً لكان ذلك قليلاً في كثير ما يجب من حقّك عليّ و لو انّك يا الهي بعد ذلك عذّبتني بعذاب الخلاۤئق اجمعين و عظّمت للنار خَلقي و جسمي و ملأتَ طبقات جهنّم مني حتي لايكون في النار معذّب غيري و لا لجهنّم حطب سواي لكان ذلك بعدلك قليلا في كثير ما اَستوجبُ من عقوبتك ه ، فانظر بعين بصيرتك و امعن نظر قريحتِك فيما ذكر (ع) هل يمكن حصولُ هذا من احدٍ من ( الخلق خل ) المكلفين بل يمتنع وقوع ذلك و مع هذا لميجعله حالة تقوي اللّه حق تقاته بل جعله كما هو الواقع تقصيراً في حق الجبّار جل جلاله بحيث لو عذب فاعل ذلك الذي لايمكن وقوعه من المكلّف لكان قليلاً في جانب عدله علي ذلك الفاعل لتقصيره في تلك الحال في خدمة الملك المتعال جل جلاله فيكون هذا وجه تطرّق النسخ علي الٰاية من جهة انّ التكليف لايحسن في الملّة السمحة السهلة لا ما ذكر في الوجه الثاني و الثالث ، و قيل انّ الٰاية الثانية مبيّنة للمراد من الأولي لا ناسخة يعني اتقوا اللّه حق تقاته الذي تقدرون عليه علي جهة الملّة الحنفيّة السهلة السمحة التي هي جهة الاستطاعة و هذا القول حسن اذا لميلاحظ مدلول العبارة الظاهرة ثم علي تسليم صحة هذا الوجه فما الفائدة في العدول عن النسخ الي التبيين لانّ النسخ هنا لايراد منه نفي التقوي بالكليّة و انما يراد منه التخصيص و لا معني للتبيين المذكور الّا تخصيص ذلك العموم و التقي الخشية و الخوف من اللّه سبحانه في الغيب عند ملاحظة سطوات الجبروت و منه قوله تعالي و اتق اللّه ، و سيجنبها الأتقي ، و التقي تعظيم عظمة العظيم و استشعار جلاله و عظم شأنه و سعة كبرياۤئه و منه قوله تعالي لمسجد اسّس علي التقوي يعني تعظيماً لشعاۤئر اللّه و عظيم ( عظم خل ) شأنه و التقي الطاعة و العبادة الخالصة بأن يتّقي كلما ينافي امر اللّه و منه قوله تعالي و تزوّدوا فانّ خير الزاد التقوي يعني خير الاعمال [ص 125] الطاعاتُ الخالصة لوجه اللّه تعالي و الأصل فيها تطهير الظواهر و تنزيه القلوب من الذنوب للقيام بخدمة المحبوب كما قال تعالي و من يطع اللّه و رسوله و يخش اللّه و يتّقه فاولئك هم الفائزون ، و التقوي ثلاث تقوي العوامّ و هي فعل الواجبات و ترك المحرّمات و تقوي الخواص و هي فعل الواجبات و المندوبات و ترك المحرمات و المكروهات و تقوي خواۤص الخواۤص و هي فعل الواجبات الظاهرة التي تضمنتها الشريعة الحقّة علي ما قرّره اهل العصمة عليهم السلام مما فرضه اللّه و شرعه و وصي به نوحاً و ابراهيم و موسي و عيسي و ساۤئر الانبياۤء (ع) و مندوبات العوامّ فانهم يعني خواۤصّ الخواۤص لايَرْضَونَ لانفسهم ترك ما هو راجح الفعل و عمل الواجبات الاخلاقية التي تضمنتها علوم الطريقة و مندوباتها فانها لازمة علي السابقين لانهم لما قرأوا و ماتأتيهم من آية من آيات ربهم الّا كانوا عنها معرضين فقد كذّبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم انباۤء ما كانوا به يستهزؤن عرفوا انّ مَن بيّن اللّه له في نفسه شيئاً حتي راي انّ فعله ارجح من تركه بوجهٍ مّا فلميعمل به و يُبادر اليه فقد اعرض عنه و من اعرض عن ما ينبغي الي ما لاينبغي فقد كذّب بالحق لانّه ان كان صادقاً فيما يدعيه من معرفة هذا الشيء انه ينبغي له ان يعمل به و انّ تركه مرجوح و تركه لا لمرجّح لتركه و ان كان من دليل خارج صحيح فقد كذب بالحقّ الذي يعرفه بان فعله ارجح من تركه و من كذب بالحق بعمله مع تصديقه به في نفسه فقد استهزأ باللّه و اٰياته و رسوله (ص) كما قال تعالي قل اباللّه و آياته و رسوله كنتم تستهزؤن و من استهزء باللّه لأنه لميطع ربّه فيما امره به بعد التعريف و التصديق و القبول و المعاهدة علي الوفاۤء و استهزءَ بٰاياته التي بيّنها له و اقر بها و اعترف و عاهد عليها و استهزء برسوله (ص) لأنّه قد اجابه اذْ ( اذا خل ) [ص 126] دعاه الي الاسلام و الايمان و التصديق و اعترف بما عرّفه و عاهد عليه مرة بعد اخري فسوف يأتيه انباۤء ما كان به يستهزء و ترك جميع محرمات الشريعة و مكروهاتها و ترك جميع محرمات الطريقة ( و مكروهاتها خل ) و مرجوحاتها في كل حال و اقامة منار التوحيد بتوحيده في الذات و الصفات و الأفعال و ( العبادة خ ) في السرّ و النور و الخيال و الحسّ المشترك و في السمع و البصر و الحسّ و بالجملة حيثما وجد الحق و محض الصدق حتي يدع ما لا بأس به حذراً مما فيه بأس و مراتب التقي في نفسه و باعتبار العالمين ( العاملين خل ) مختلفة غير محصورة في العدِّ و في كل رتبة ( مرتبة خل ) يجد اهلها عليها عَلماً من المحمد (ص) داۤلّاً علي طرقها و منيراً لما ادْلَهَمَّ من ظلمات احوالها مُسَهِّلاً لسُلوكِها معيناً لسالكِيها علي سلوكها مسدِداً لما نقص من دواعيهم اليها متممّا لقابليّاتها و مقبولاتها بل هم في كل رتبةٍ من التقي قادَةُ اهلها و ائمتهم في تعليمهم و انما قال اعلام التقي اي جبال التقي لفواۤئد : منها انّ الجبال رواسي فهم الذين تثبت بهم التقي و منها انهم علامات لطرقها كالجبال و منها انّ كل من وصل الي مرتبة منها رٰاهم (ع) فيها بحال عظمةٍ لايقدر ان يصفهم فيها كما في تأويل قوله تعالي انك لنتخرق الارض و لنتبلغ الجبال طُولاً بمعني انّ من وصل الي مقامٍ من مراتب التقوي رٰاهم فيها اربَابها و ادلّاۤءَها و اساسَها وَ انّها لهم خُلِقَتْ لتعظيمهم و رفع شأنهم سُنَّتْ و علي حسب ما هم اهله قُدِّرتْ و لتشييد سُلْطانِهم شُرعَتْ ففعل الواجب منهم و ترك الحرام عنهم و فعل المندوب فيهم و ترك المكروه لهم و حفظ الأسرار عن الاغيار بهم و هو قول علي (ع) جذب الأحديّة لصفة التوحيد فهم اعلام التقي بكل معني و علي كل احتمال و بكل اعتبار صلي اللّه عليهم اجمعين .
[ص 127] قال عليه السلام : و ذوي النهي .
ذوي جمعُ ذي بمعني صاحب الّا انّه اكثر ما يستعمل في مقام الشرف و الثناۤء و صاحب يستعمل فيهما و في ضدّهما علي السواۤء فاذا ذُكِرا في شيء في حالتين كان ذو للمدح و صاحب للذم و اذا كان المقام يقتضي المدح و الثناۤء في الحالين استعمل ذو في الغيب و اللطيف و الباطن و صاحب في الشهادة و الغليظ و الظاهر مثال الاوّل قوله تعالي في مقام الثناۤء و ذا النون اذ ذهب مغاضِباً و في مقام اللوم و العتب قال تعالي فاصبر لحكم ربّك و لاتكن كصاحب الحوت و مثال الثاني ( قوله تعالي خل ) تبارك اسم ربّك ذي الجلال و الاكرام و في الدعاۤء يا صاحب كل نجوي و منتهي كل شكوي و من الثاني ذوي النهي لانّ النهي من الغيب و اللطيف و الباطن و النهي جمعُ نُهية بالضم فيهما و هي العقل و سمّي نهية لانه ينهي صاحبه عن القباۤئح او ينتهي اليه صاحبُهُ و يردّ اليه فيترك بمحبته القباۤئح و يفعل باختياراته الأوامر و في القمي عن عمّار ابن مروان عن ابيعبداللّه (ع) قال سألته عن قول اللّه عز و جل انّ في ذلك لأٰيات لأولي النهي قال نحن واللّهِ اولوا النهي فقلت جعلتُ فداۤءك و ما يعني اولوا النهي قال ما اخبر اللّه به رسوله (ص) مما يكون بعده من ادّعاۤءِ ابي فلانٍ الخلافة و القيام بها و الٰاخر من بعده و الثالث من بعدهما و بنياميّة فاخبر رسول اللّه (ص) فكان ذلك كما اخبر اللّه به نبيّه (ص) و كما اخبر رسول اللّه (ص) علياً و كما انتهي الينا من علي (ع) فيما يكون من بعده من الملك في بنيامية و غيرهم فهذه الٰاية التي ذكرها اللّه في الكتاب انّ في ذلك لٰايات لأولي النهي فنحن اولوا ( اولي خل ) النهي الذي انتهي الينا علم هذا كلّه فصبرنا لأمر اللّه فنحن قوّام الله علي خلقه و خزّانه علي دينه نخزنه [ص 128] و نستره ( نسره خل ) و نكتم به من عدوّنا كما اكتتم ( اكتم خل ) رسول اللّه (ص) حتي اذن اللّه له في الهجرة و جاهد المشركين فنحن علي منهاج رسول اللّه (ص) حتي يأذن اللّه لنا في اظهار دينه بالسيف و ندعو الناس اليه و نضربهم عليه عوداً كما ضربهم رسول اللّه (ص) بَدءاً ه ، و هذا المعني من معاني اولي النهي اي الذين تنتهي اليهم علوم كل الخلق او ينتهي اليهم العلم بالخلق كما يشير اليه هذا الحديث و من معانيه ( معاني خل ) ذوي النهي اي الذين هم النهاية و في الزيارة ليس وراۤءَ اللّه و وراۤئكم منتهي ، او تنتهي اليهم الأمور او اذا انتُهي بكم الي حقائقهم فامسكوا فهم ذووا العقول الكاملة لا سواهم و اصل المسئلة انّ العقل واحد و هو عقل محمّد (ص) و هو يظهر في محمّد (ص) ثم يظهر في عليّ (ع) ثم في الحسن (ع) ثم في الحسين (ع) ثم القاۤئم (ع) ثم الائمة الثمانية علي ترتيب ظهورهم في الدنيا ثم فاطمة (ع) و هذا العقل و ان كانَ وَاحِداً فانّه يتعدّد في الائمة عليهم السلام كتعدّد البدل مثاله محمّد (ص) كالسراج و علي سراج شعلَ منه فمحمد قبل علي و بعد وجود علي (ع) كان مُسَاوِياً لمحمد (ص) و عليّ قبل الحسن (ع) و بَعْدَ وجودِ الحسن كانَ مُسَاوِياً لعليّ (ع) و هكذا فليس يتعدّد الّا في التعلّق كمثل السّراج فانّه واحدٌ في النار و اذا شعلَتْ منه سُرُج لمتتعدّد النار الّا باعتبار التعلّق و الي هذا المعني اشار عليّ عليه السلام بقوله انا من محمّد كالضّوء مِنَ الضّوء ، و لو كان متعدّداً لتعدّد بالاختلاف كما لو كان الثاني ظهور الأوّل كالنور من المنير او مُشَكّكاً كاختلاف اجزاۤء النور بسبب قربها و بعدها من المنير فانها لاختلافها كمّاً و رتبةً متعدّدة و لا كذلك ذلك النور الذي هو عقلهم صلي اللّه عليهم فانه شيء واحدٌ و ان اختلف رتبةً باعتبار تقدم المتقدم منهم كالنبي صلي اللّه عليه و آله فهو متّفق متّحِدٌ كما و ان اختلف رتبةً و لهذا لميزد رسول اللّه [ص 129] (ص) علي احدٍ من الائمة لشيء ( بشيء خل ) الّا تقدّمه ذاتاً و كذلك ساۤئر التّفاضل بينهم و هو و ان كان التّفاوتُ به عظيماً لكن النور الوارد علي تلك الحقيقة الشريفة بعينه و كُلِّيّته وارد علي حقيقة عليّ (ع) و علي حقيقة الحسن و الحسين و الائمة التسعة و فاطمة عليهم اجمعين السلام كما اذا اشعلتَ سراجاً من سراج لا انّه ينتقل عن الاوّل الي الثاني فيلزم خلّو كلّ اَوّل و لا انّه يظهر علي الثاني ليكون الظهور ضعيفاً ناقصاً فلايساوي الأوّل في ذلك النور بل كلّه شيء واحد و انما كان بعضهم افضل من بعض لاجل تقدم حقيقة الفاضل فبالتقدم بوجود حقيقته لا غير كان افضل و في ذلك الفضل العظيم لأنّ هذا الحرف لايقدر مَن دونه علي تحمّله و لهذا قال علي (ع) انا عبد من عبيد محمّد (ص) و قد يطلق علي الروح الذي هو من امر اللّه و في تفسير علي بن ابراهيم باسناده الي ابيبصير عن ابيعبداللّه (ع) في قوله و السماۤء و الطارق قال السماء في هذا الموضع اميرالمؤمنين صلوات الله و سلامه عليه و الطارق الذي يطرق الائمة من عند ربهم مما يحدث بالليل و النهار و هو الروح الذي مع الائمة يسدّدهم قلت و النجم الثاقب قال ذاك ( ذلك خل ) رسول اللّه (ص) و في بصاۤئر الدرجات عن ابيبصير قال سمعتُ اباعبداللّه (ع) يقول انّ منّا لمن يعاين مُعَاينةً و انّ منّا لمن ينقر في قلبه كيتَ و كَيْتَ و انّ منّا لمن يسمع كوقع السلسلة كما تقع السلسلة في الطست قال قلتُ فالذين يعاينون ما هم ( هو ظ ) قال خلق الله اعظم من جبرئل و ميكاۤئيل و في عيون الأخبار باسناده عن الحسن بن الجهم عن الرضا (ع) قال انّ اللّه عزّ و جل ايّدنا بروحٍ منه مقدّسةٍ مطهّرة ليست بمَلَكٍ لمتكن مع احدٍ ممن مضي الّا مع رسول اللّه (ص) و هي مع الائمة (ع) منّا تسدّدهم و توفقهم و هو عمود من نور [ص 130] بيننا و بين اللّه عزّ و جلّ فان قلتَ قد تكثرت الروايات انّ هذه الروح تكون مع الانبياۤء (ع) من لدن آدم الي محمد (ص) فما الجمع بينها و بين هذه الأخبار الدّالة علي انها لمتكن مع احد ممّن مضي الّا مع رسول اللّه (ص) الخ ، قلتُ الجمع بينهما من وجهين الأوّل انّ هذه الروح انما كانت عند الأنبياۤء (ع) بواسطتهم فلمتكن عند الأنبياۤء حقيقة كما تقول انّ عبد زيد ينفع عمراً باذن سيّده فانه يصدق علي هذا العبد انّه لميكن مع عمروٍ و ان نفعه باذن مولاه و هذا ظاهر ، الثاني انّ الملك المذكور انّما يكون مع الانبياۤء السابقين بوجهٍ من وجوهه و لميكن بكليّته الا مع محمد و آله صلّي اللّه عليه و آله و قد بيّنا انّ هذا هو العقل و في الكافي عن محمد بن مسلم عن ابيجعفر (ع) قال لمّا خلق اللّه تعالي العقل استنطقه ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال و عزّتي و جلالي ماخلقتُ خلقاً هو احبّ اليَّ منك و لااكملتُك الّا فيمن اُحِبُّ الحديث ، فقوله تعالي و لااكملتك الّا فيمن احبّ يبيّن علي انه لميكمله الّا في محمد و آله (ص) اذ لا حبيبَ له اذا اطلق يتبادر اليه الاطلاق الّا محمد و آله (ص) فان قلتَ ما الجمع بين ما ذكر في رواية عيون الأخبار انّ هذه الروح ليستْ بملك و مثلها كثير انّه خلق اعظم من الملاۤئكة و بين ما ورد في القرءان بانّه ملك قال تعالي و جاۤء ربّك و الملك صفّاً صفّاً علي ما روي فيه و ذكر في بعض وجوه تفسيره انه ليس المراد به الجنس بل ملك و معني ما روي فيه هنا انّه ملك يقوم وحده صفّاً و جميع الملاۤئكة من السموات و ملاۤئكة الحجب و السرادقات و حملة العرش و جميع ما خلق اللّه من الملاۤئكة صفّاً و يكون هو اعظم منهم قلتُ هو من العالين الأربعة المعبّر عنهم باركان العرش نور احمر منه احمرّت [ص 131] الحمرة و نور اصفر منه اصفرّت الصفرة و نور اخضر منه اخضرّت الخضرة و نور ابيض منه ( ابيضت خل ) البياض و منه ضوء النهار و ليست هذه الأربعة من الملاۤئكة لأنّ الملاۤئكة حروف من حروف الوجود و هذه هي الكلمات التامّات التي لايجاوزهن برٌ و لا فاجر و انما تسمي هذه الروح التي هي احد الأربعة و هو عبارة عن الركن الأصفر و قد يطلق و يراد منه الأبيض انما يسمّي ملكاً في بعض الأحوال نظراً الي ما بينهما من مشاكلة الصفة و الفعل فانّ الملك كان مستتراً محتجباً بلطافة جسمه و لهذا تسمّي الملاۤئكة بالجنّة كما حكي عن القائلين بانّ الملائكة بنات اللّه قال تعالي و جعلوا بينه و بين الجنّة نسباً و لقد علمتِ الجنّة انّهم لمحضرون فشابهت الأنوار العالون الملاۤئكة في هذه الصفة و ايضاً ملك اصله مألك فقدّمت اللّام و اخّرت الهمزة و وزنه مَعْفَل مأخوذ من الأَلُوكة و هي الرسالة ثم تركت الهمزة لكثرة الاستعمال فقيل ملَكَ بالتحريك فلمّا جمعوه ردّوه الي اصله يعني قبل الحذف لا قبل التقديم و التأخير فقالوا ملاۤئك فزيدت التاۤء للمبالغة او لتأنيث الجمع ، و عن ابنكيسان انّه فعال من الملك فحذفت الالف تخفيفاً و نقل عن ابيعبيدة انه مفعل يعني مَلْأك من لأك اذا ارسل في ملكه شيئاً و ليس في ملكه شيء اي لايملك شيئاً فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال بعد نقل حركتها الي ما قبلها او من الملك اي القهر فانّ الملاۤئكة مظاهر القهر او لانهم مماليكه او من قولهم عبد مَملكةٌ و مُمْلكة بفتح الميم و ضمّها اذا مُلِك و لميملك ابواه و منه الحديث لايدخل الجنّة سَيّءُ الملاۤئكة يعني سيء الصنع الي مماليكه و يقال فلان حسن الملاۤئكة اي حسن الصنع الي مماليكه و سمّيتِ الملاۤئكة لانهم رسل كما قال تعالي جاعل الملاۤئكة رُسُلاً او جُعلوا رُسُلاً الي مَن سيكون او لانّهم مظاهر القهر او لانّهم مماليك ابتداۤء او لانّه احسن صنعهم حتي قيل في قوله تعالي و لقد كرّمنا بني آدم و حملناهم [ص 132] في البرّ و البحر و رزقناهم من الطّيّبات و فضّلناهم علي كثير ممّن خلقنا تفضيلاً انه اخرج جنس الملاۤئكة من التّفضيل عليهم و ان كان الحقّ انّهم داخلون او احسن اليهم او احسن الي عباده بهم و في كلّ هذه الوجوه يحصل التشابه بين الروح و بين الملاۤئكة و ان كانت هذه الوجوه في جانب الروح اقوٰي منها في جانب الملاۤئكة فيسمّي بالمَلَكِ في هذه الوجوه اولي من الملاۤئكة و انّما نفي كونه ملكاً بالمعني المعروف من الملك فانّه ليس من جنس الملاۤئكة و انّما الملاۤئكة خُلِقَت من فاضل شعاعه لانّ ارواح الأنبياۤء (ع) خلقوا من شعاعه و الملاۤئكة خُلِقَتْ من شعاع ارواح الأنبياۤء (ع) فهم صلّي اللّه عليهم ذَوُوا النهي علي الحقيقة يعني اصحاب العقول الكاملة و انّما ذكرنا في تعريف العقول الرّوح و ان كان انما يراد منه عند الاطلاق غير العقل امّا النفس التي هي محلّ الصور و اللوح المحفوظ و امّا الروح الكليّة التي خلقت من شعاعها البراق و هي الرقاۤئق الحقيقية و برزخ الذّرين و تحت هذا الورق الخضر و ورق الاۤس الّا انّها قد يطلق و يراد منها العقل و لاسيما في هذا الموضع فافهم راشداً .
قال عليه السلام : و اولي الحجي .
قال الشارح (ره) كالي العقل و الفطنة انتهي .
اقول اُولي علي وزن رُمي مبنياً للمجهول في النصب و الجر و اولوا علي وزن حُبُك في الرفع و الواو في الحالين يؤتي بها للفرق بين اولي و الي حرف جرّ و كذا في اولوا و اولاۤء و اولئك و اولات كلها للفرق بينها و بين ما يشبهها في الصورة في النقش و لهذا تسمي هذه الواو واو الفارقة ، و اولوا قيل جمع لا واحد له من لفظه و قيل اسم جمع واحده ذُو و اولات للأناث واحدها ذات و اولا جمع و يمدّ لا واحد له من لفظه او يكون واحده ذا في المذكر و ذه في المؤنّث [ص 133] و معناه كما تقدّم في ذوي النهي و الحِجَي بكسر الحاء المهملة العقل و الفطنة و المقدار و هو مفرد جمعه احجاۤء كٰالاۤء جمع الي بكسر الهمزة بمعني النعمة و هو من حَجيَ به كرَضي به اولع به و لزمَهُ او عداه من الاضداد او من حَجيٍّ به كغنِيٍ بمعني جدير اي حقيق به قال علي عليه السلام في الشقشقيّة فرأيت انّ الصبر علي هاتا احجَي ، او من تحجَّي بالسرّ اي حفظه او من تحجّي عند الشيء وقف او تحَجّاه منعه او من حجا بالمكان حجواً اقام به او من حاجيته محاجاةً و حِجاۤءً فحجوتُه اي فاطَنْتُهُ فغلبته او من الحجا اي الستر كما في الحديث من بات علي ظهر بيت ليس عليه حجا فقد برئت منه الذمّة اي ليس عليه ستر يمنعه من السقوط و انما اتي بالجمع في النهي و المفرد في الحجي للسّجع و الا فقد تقدّم انّ الجمع هناك ليس لان عقولهم متعددة حقيقة و انما هو لموافقة التعدّد ظاهراً فهنا ادلّ علي الباطن و هناك ادلّ علي الظاهر ، و علي اخذه من حجي به كرضي للزومه للحق و محبّته له لما بينهما من كمال الموافقة او للحقاۤئق لانهما من وادٍ واحدٍ و من عدا الشيء لانه ابداً مفارق للباطل ماقتٌ له في جميع احواله و من حجيٍّ كغنيٍّ بمعني جدير لأنّه حقيق بطهارة مداركه و متعلّقاته و من تحجيّ بمعني حَفِظ لانّه يكتم ما وصل اليه مما دونه و لايهمل ما وصل اليه مما فوقه و من تحجَّي عنده لانّه لايقدم علي المظنون مع امكان المعلوم و لا علي الموهوم مع امكان المظنون عند فقد المعلوم حال التكليف او الحاجة و من تحجّاه بمعني منعه لانه يمنع صاحبه عن الباطل كما يمتنع هو منه و من حجا بمعني اقام لانّه لاينتقل من ( عن خل ) اليقين الّا الي يقين يقابله ارجح منه بمرجّح ذاتي او خارجي يوجب الانتقال فيكون الاوّل بذلك المرجح ليس بيقين في الحقيقة بالنسبة الي اليقين المنتقل اليه و الّا لمينتقل عنه و مِن حاجيته انّه ينزع الي مداركه [ص 134] قبل ما يتوجّه اليها غيره من المشاعر و ان توجّه الغير اليها قبله سبقه علي الادراك اذ ليس ادراك الّا به فهو يحجو غيره منها و يغلبه و من الحجا اي الستر لانّه يستر عيوب صاحبه بحسن نظره او يمنعه عن فعل ما تبدو به عورته فهو يستره لمنعه عن الكشف فهم عليهم السلام اولوا الحجيَ علي المعني الأوّل و الثاني و الثالث و الرابع و السادس و التاسع علي احد معنييه امّا علي الخامس فلا علي اطلاقه لأنهم لايفقدون المعلوم و لايصيرون الي مظنون و لا موهوم و اذا صاروا الي شيءٍ منها بالنسبة الي غيرهم فهو عندهم معلوم واجب المصير اليه عليهم امّا للتقيّة او لبيان الجواز او التخيير او التعليم و التسهيل علي الرعيّة و غير ذلك و امّا علي السابع فيصحّ لهم علي نحوٍ خاۤص فانّهم لاينتقلون عن يقين الي يقين ارجح منه قبل الانتقال و انّما ينتقلون عن الاوّل اذا انقضت مدة العمل به و لو وقت الانتقال و كتبت مدة اليقين المنتقل اليه و وقع تكليفهم به فهم ابداً في راجح بخلاف غيرهم فانه يجوز ان يكون المنتقل اليه قبل الانتقال ارجح من المنتقل منه في الواقع الوجودي او التكليفي بالنسبة الي ذلك الغير و لميصل اليه الترجيح او لميعرف الترجيح و لعلّ آخر قام بالراجح مع بقاۤء ذلك الغير علي ما هو مرجوح في نفس الأمر بل قد يكون الراجح قد وصل اليه و عرفه و اقام علي المرجوح امّا لانس نفسه بالمرجوح او لخلوده الي قاعدةٍ عنده مع ظهور الرجحان له عند نفسه فركن الي المرجوح للقاعدة و لعلّ الفساد من القاعدة و لميعثر علي خللِها اوْ لغرضٍ آخر دنياوي ( دنيوي خل ) يصرف فكره الي تلفيق مرجّحات البقاۤء علي الأوّل و هو يعلم و هو لايعلم و ذلك من قوله تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلماً و علواً و قوله تعالي و هم يحسبون انهم يحسنون صنعاً و هم عليهم السلام مطهرون عن هذه الامور كلّها و امّا علي الثامن فيصحّ [ص 135] لهم ذلك علي انّهم (ع) لذاتهم و فطرتهم التي فطرهم اللّه عليها هم السابقون و هم الغالبون بلا مماراة و لا مغالبة لأنهم حزب اللّه الا انّ حزب اللّه هم الغالبون و لانّهم سبقوا و لا مُسَابق فاذا وجد فهو لاحق و تابع و متعلّم اوْ حاسد قاصر منحطّ عن مقامهم قد خرّ من دون سماۤء رتبتهم من حيث حسد و نظر فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكَان سحيقٍ .
قال عليه السلام : و كهف الوري .
الكهف غار واسع في الجبل فان كان صغيراً قيل له غار و المنقور في الجبل كالبيت كهف و المراد هنا الملجأ و الحاوي للشيء و المأوي له و في الحديث الدعاۤء كهفُ الاجابة كما انّ السحاب كهف المطر يعني انّ الدعاۤء مظنّة تضمن الاجابة كما انّ السحاب مظنّة تضمن المطر يعني انّهم عليهم السلام ملجأ الوري اي ملجأ الخلق و المراد بالوري الخلق و المراد بالخلق هنا الناس هذا ظاهر اللغة و ظاهر العبارة و لهذا ذكر في كونهم ملاذاً ما يناسب الافهام و الّا ففي الحقيقة فهم ملجأ جميع المخلوقات كانت الأنبياء اذا قصّروا التجأوا اليهم و تشفّعوا بهم فيُشفع لهم روي الصدوق في اماليه باسناده عن معمّر ابن راشد قال سمعت اباعبداللّه الصادق عليه السلام يقول اتي يهوديٌّ النبيَّ صلي اللّه عليه و آله قال فقام بين يديه و جعل يحدّ النظر اليه فقال يا يهوديّ ما حاجتُك فقال انت افضل ام موسي بن عمران الذي كلّمه اللّه و انزل عليه التّورية و العصا و فلق له البحر و ظلّله الغمام فقال له النبي صلي اللّه عليه و آله انّه يكره للرجل ان يزكي نفسه و لكن اقول انّ آدم لمّا اصاب الخطيئة كانت توبته اللّهم اني اسألك بحق محمّد و آلمحمد الّا ما غفرتَ لي فغفرها له و انّ نوحاً لمّا ركب السفينة [ص 136] و خاف الغرق قال اللّهم اني اسألك بحقّ محمّد و آلمحمّد لمّا نجّيتني من الغرق فنجّاه الله منه و انّ ابراهيم لمّا القي في النار قال اللّهم اني اسألك بحق محمّد و آلمحمّد لما نجّيتني منها فجعلها عليه برداً و سلاماً و انّ موسي لمّا القي عصاه فاوجس في نفسه خيفة قال اللّهم اني اسألك بحق محمّد و آلمحمّد لمّا نجّيتني فقال اللّه جل جلاله لاتخف انك انت الأعلي يا يهودي لو ادركني موسي ثم لميؤمن بي و بنبوّتي مانفعه ايمانه شيئاً و لانَفَعَتْه النبوّة يا يهوديّ و من ذرّيتي المهدي اذا خرج نزل عيسي بن مريم لنصرته و قدّمه و صلّي خلفه و قال علي بن الحسين (ع) حدّثني ابي عن ابيه عن رسول اللّه (ص) يا عباد اللّه انّ آدم لمّا رأي النور ساطعاً في صلبه اذ كان اللّه قد نقل اشباحنا من ذروة العرش الي ظهره رأي النور و لميتبيّن الأشباح و قال اللّه عزّ و جل انوار اشباحٍ نقلتهم من اشرف بقاعِ عرشي الي ظهرك و لذلك امرتُ الملاۤئكة بالسجود لكَ اذ كنت وعاۤءً لتلك الأشباح فقال آدم يا ربّ لو بيّنتها فقال اللّه عزّ و جلّ انظر يا آدم الي ذُروة العرش فنظر آدم (ع) و واقع اشباحنا من ظهر آدم (ع) الي ذُرْوة العرش فانطبعَ فيه صور اشباح انوارنا الّتي في ظهره كما ينطبع وجه الانسان في المِرءٰاة الصّافية فرأي اشباحنا فقال ما هذه الأشباح يا ربّ قال اللّه عز و جل هذه اشباحُ افضل خلاۤئقي و بريّاتي هذا محمّد و انا ( الحمد الحميد خ ) المحمود في افعالي شققت له اسماً من اسمي و هذا عليّ و انا العلي العظيم شققتُ له اسماً من اسمي و هذه فاطمة و انا فاطر السموات و الأرض فاطم اعدائي من رحمتي يوم فصل قضاۤئي و فاطم اولياۤئي عمّا يُبيرهم و يشينهم و شققتُ لها اسماً من اسمي و هذان الحسن و الحسين و انا المحسن المجمل شققتُ اسمهما من اسمي هؤلاۤئي (هؤلاء خل ) خيار خلقي و كرام بريّتي بهم آخذ و بهم اعطي و بهم اُعاقب و بهم [ص 137] اُثيب فَتَوَسَّلْ بهم اليّ يا آدمُ و اذا دَهتْك داهية فاجعلهم اليّ شفعاۤءَك فاني آليتُ علي نفسي قسماً حقّاً لااُخيّب بهم آملاً و لااردّ بهم ساۤئلاً فلذلك حين نزلتْ منه الخطيئة دعا اللّه عزّ و جّل فتاب عليه و غفر له ه ، فهذا و امثاله من الاحاديث الدّالّة علي انّهم هم الملجأ و الملاذ فلايستجيب اللّه الدعاۤء الّا بهم لانّهم ذمامه المنيع الذي لايُطاول و لايُحاول اي لايضام جارهم و لايُرام حماهم و لايَعْدِلهم شيء اَلَاتَسْمَع قول الضّاۤلّين يوم القيمة لمّا كشف لهم عن الحقاۤئق حتي عرفوا انّ ما ينسب للمعبود من الأحوال المرتبطة بالخلق هي بعينها ما لهم (ع) فطاعتهم عين طاعة اللّه و معصيتهم عين معصية اللّه فمن اطاعهم فقد اطاع اللّه فلما كشف لهم هذه الحقاۤئق و قيل اينما كنتم تعبدون من دون اللّه يعني تطيعونهم في معصيةِ وليّ اللّه هل ينصرونكم او ينتصرون اي ينجونكم من النار او ينجّون انفسهم منها فكبكبوا فيها هم يعني الضالين و الغاوون يعني المضلين المطاعين في معصية اللّه و جنود ابليس اجمعون يعني ( قرناؤهم خ ) من الشياطين الذين زيّنوا لهم ماضيهم و غابرهم قالوا اي الضّالّون و هم فيها يختصمون مع الغاوين تاللّه ان كنّا لفي ضلالٍ مبين اي واللّه الذي هو الهادي لمن اطاعه و اۤمن به لقد كنّا في ضلالٍ مبين بمخالفته و طاعة اعداۤئه اذ نسوّيكم بربّ العالمين يعني جعلناكم مساوين لرب العالمين حيث امرنا بطاعة وليّه و امرتمونا بمعاداة وليّه و طاعة عدوّه فاتبعناكم و تركنا مالِكنا و مصلحنا و مربّينا و هادينا و مدبّر امورنا فلما كشف لهم في الأٰخرة عن الحقاۤئق و رأوا انّهم (ع) لايَعْدِلهم شيء و لايدنوا من مقامهم شيء قالوا ما حكي اللّه عنهم فمن اعتصم بهم حُفِظَ من شر كلّ غاشم و طارق من خلق اللّه الصامت و الناطق لأنّ الله سبحانه خلقهم قبل كل شيء ثم خلق الأشياۤء و اشهدهم خلقها و انهي اليهم علمها و جعلهم ملاذ كلّ شيء و مرد كلّ شيء و اليهم اياب كل شيء [ص 138] و عليهم حساب كلّ شيء روي المفيد (ره) في الاختصاص و الصّفار في البصاۤئر باسنادهما الي ابيحمزة الثمالي ثابت بن دينار قال سمعت اباجعفر (ع) يقول من احللنا له شيئاً اصابه من اعمال الظالمين فهو له حلال لأنّ الائمة منّا مفوّض اليهم فما احلّوا فهو حلال و ما حرموا فهو حرام و في الاختصاص باسناده عن محمد بن سنان قال كنت عند ابيجعفر (ع) فذكرتُ اختلاف الشيعة فقال انّ اللّه لميزل فرداً متفرداً في الوحدانيّة ثم خلق محمداً و علياً و فاطمة (ع) فمكثوا الف دهر ثم خلق الأشياۤء و اشهدهم خلقها و اجري عليها طاعتهم و جعل فيهم ما شاۤء و فوض امر الأشياۤء اليهم في الحكم و التصرف و الارشاد و الامر و النهي في الخلق لانهم الولاة فلهم الأمر و الولاية و الهداية فهم ابوابه و نوّابه و حجّابه يحلّلون ما شاء و يحرّمون ما شاء و لايفعلون الّا ما شاۤء عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فهذه الديانة التي مَن تقدّمها غرق في بحر الافراط و من نقّصهم من هذه المراتب التي رتّبهم اللّه فيها زهق في بحر التفريط و لميعرف المحمّد حقهم فيما يجب علي المؤمن من معرفتهم ثم قال خذها يا محمد فانها من مخزون العلم و مكنونه و في البصاۤئر باسناده عن زرارة قال سمعت اباجعفر (ع) و اباعبداللّه (ع) يقول انّ اللّه فوّض الي نبيه امر خلقه لينظر كيف طاعتهم ثم تلا هذه الٰاية و ما اٰتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ه ، فلمّا خلق الخلق و اشهدهم امر الخلق و انهي علم الخلق اليهم و امر جميع الخلق من الصامت و الناطق بطاعتهم و انّه لايتقدم متقدم و لايتأخر متأخر الّا عن امرهم كانوا مردّ جميع الأعيان و المعاني و لعلّ ما اشار عليّ (ع) في خطبته في تنزيه الخالق جلّ و علا بقوله انتهي المخلوق الي مثله يشير في باطن تفسيره الي هذا و ممّا يدلّ علي ذلك ما في كتاب محمد بن شاذان بن نعيم بخطّه عن حمران بن اعين [ص 139] قال سمعتُ اباعبداللّه (ع) يحدّث عن ابيه عن آباۤئه (ع) انّ رجلاً كان شيعة اميرالمؤمنين (ع) مريضاً شديد الحمّي فعاده الحسين بن علي عليهما السلام فلمّا دخل من باب الدار طارت الحمّي عن الرجل فقال قد رضيتُ بما اوتيتم به حقّاً حقّاً و الحمّي لتهرب منكم فقال له واللّهِ ما خلق اللّه شيئاً الّا و قد امره بالطاعة لنا يا كبّاسة قال فاذا نحن نسمع الصوتَ و لانري الشخص يقول لَبّيْك قال اليس امركِ اميرالمؤمنين (ع) اَلّاتقربي الّا عدوّاً او مذنباً لكي يكون كفّارةً لذنوبه فما بالُ هذا و كان الرجل المريض عبداللّه بن شداد الهادي الليثي ه ، و روي هذا الحديث ابنشهراشوب عن زرارة بن اعين فاذا ظهر لك ممّا اشرنا اليه و من الروايات انّهم ملجأ الكلّ فاعلم انه قد ذكرنا في مواضع كثيرة انّهم باب اللّه الي الخلق و باب الخلق الي اللّه تعالي و بعد ما عرفتَ انّ كلّ شيء من اللّه و انه سبحانه ليس له باب الي الخلق الّا هم (ع) و انّ الشرط الأعظم و الركن الكلّي في وجودات الخلق و ماهياتهم و قوابلهم هو وجودهم عليهم السّلام لانّ الله سبحانه اتخذهم اعضاداً لخلقه فاذا تحقق لك هذه الأمور ثبت عندك انّهم الملجأ و الملاذ و المرجع في كلّ شيء صدر عن مشيةِ اللّه بعدهم من عين او معني جوهر او عرض ذات او صفة حال او ظرف او بُعدٌ جسمي او بعدٌ مكاني او بعدٌ زماني و الحاصل ان كلّ شيء يلتجأ اليهم في جهة فقره و تختلف حوائج الساۤئلين اليهم فمنهم في خلقٍ او رزقٍ او حياةٍ او مماتٍ و منهم في نموٍّ و غذاۤءٍ و منهم في بقاۤءٍ و حفظٍ و منهم في طلبٍ و رجاۤءٍ و منهم في استجارةٍ و وقاۤء الي غير ذلك علي حسب استعداداتهم و هو قول علي بن الحسين (ع) الهي وقف الساۤئلون ببابك و لاذ الفقراۤء بجنابك يا شافي يا كافي يا معافي يا ارحم الراحمين .
[ص 140] قال عليه السّلام : و ورثة الانبياۤء .
قال محمدتقي المجلسي في الشرح فانهم ورثوا كلّ علمٍ و كتابٍ و فضيلةٍ و كمالٍ كان لهم حتّي عصي ( عصاء خل ) موسي و عمامة هرون و التابوت و السكينة و خاتم سليمن كما روي في الأخبار المتواترة بل روي انهم آتيهم اللّه ما لميؤت احداً من العالمين ه ، اقول يراد من كونهم ورثوا الأنبياۤء احد معنيين احدهما انّ جميع خواصّ الأنبياۤء و آثارهم و متروكاتهم المختصّة بهم للٰاخرة او للابلاغ و التعريف و اقامة الدّين و غيرها ممّا اعدّوه لطاعة اللّه تعالي ورثوه كما اشار الي بعضه محمدتقي (ره) و ثانيهما انّ الانبياۤء لميورّثوا درهماً و لا ديناراً بمعني انّ كلّ ما تركوا من حطام الدنيا لميعدّوا شيئاً من ذلك ميراثاً و انما ورّثوا العلم فمعني كونهم ورثة الأنبياۤء انهم ورثوا جميع ما عندهم من العلوم ممّا ادركوه من الوحي بواسطة الملك او الالهام او الفهم و ما تخاطبه به الحيوانات و الجمادات و النباتات و هفيف الرياح و جريان المياه و لمعان البروق و اصوات الرعود و تَغَطْمُطُ البحار و زهر الاشجار و قد جمع اللّه لهم ما فرّقه في ساۤئر خلقه مع ما لميقسمه بين احد من خلقه سواهم و فيه معانٍ اُخَر منها انّ ما ثبت للأنبياۤء (ع) من وجوب الطاعة و العصمة و الأعمال و غير ذلك فانهم قَدْ وَرِثوه كما قال (ص) علماۤء امتّي كانبياۤءِ بنياسراۤئيل فكانوا وارثين للأنبياۤء في وجوب الطاعة و الاعذار و الانذار و منها انّ ما ثبت للأنبياۤء (ع) من تلك الصفات الحميدة التي بها بُعِثوا و لأجلها اُرسِلوا هي من آلمحمد صلي اللّه عليه و عليهم و عنهم صدرت و بنورهم وُجِدت و لِسُلطانِهم قدِّرتْ و للثناۤء عليهم نُشِرتْ فهي صفات انوارهم و مظاهر آثارِهم فهي لهم و هم الوارثون و هو قوله تعالي و نحنُ الوارثون [ص 141] و معني هذه الٰاية قوله تعالي و نجعلهم ائمة و نجعلهم الوارثين ، و منها انّ الأنبياۤء من رَشحِ عرق نورهم يعني انّ ارواحهم خلقتْ من رَشْحِ انوارِ محمدٍ و اۤله (ص) و ذلك بعدَ خَلْقِ انوارِهم بِالْفِ دهرٍ و ما كان اوّلاً يكون آخراً فاليهم ترجع الأنبياۤء الي ان يفنوا فيهم فهم الوارثون للأنبياۤء و لهم اعمالهم فهم يرثون اعمالهم كما تقدّم فاذا قلتَ ورثة الأنبياۤء فالمراد بهذه الوراثة كلّ معني ممّا اشرنا اليه و مما لمنشر اليه و ممّا يدلّ علي الوراثة الظاهرة ما رواه في الكافي بسنده عن سعيد السمّان قال كنت عند ابيعبداللّه (ع) اذ دخل عليه رجلان من الزيديّة فقالا له افيكم امام مفترض الطاعة قال فقال لا قال فقالا له اخبرنا عنك الثقات انك تفتي و تقرُّ و تقول به و نسمّيهم لك فلان و فلان و هم اهل ورع و تشمير و هم ممن لايكذب فغضب ابوعبداللّه (ع) و قال ماامرتهم بهذا فلما رَأيا الغضب في وجهه خرجا فقال لي اتعرف هذين قلت نعم هما من اهل سوقنا و هما من الزيديّة و هما يزعمان ان سيف رسول اللّه (ص) عند عبداللّه بن الحسن فقال كذبا لعنهما اللّه واللّهِ مارٰاه عبداللّه بن الحسن بعينيه و لا بواحدة من عينيه و لارٰاه ابوه اللّهم الّا ان رأٰه عند علي بن الحسين (ع) فان كانا صادقَين فما علامة في مقبضه و ما اثر في موضع مضربه و انّ عندي لسيف رسول اللّه (ص) و انّ عندي لراية رسول اللّه (ص) و درعه و لاۤمّته و مغفره فان كانا صادقَين فما علامةُ في درع رسول اللّه (ص) و انّ عندي لراية رسول اللّه (ص) المغلّبة و انّ عندي الواح موسي و عصاه و ان عندي خاتم سليمن ابن داود (ع) و انّ عندي الطست الذي كان موسي (ع) يقرّب بها القربان و ان عندي الاسم الاعظم الذي كان رسول اللّه (ص) اذا وضعه بين المسلمين و المشركين لمتصل من المشركين الي المسلمين نشّابة و ان عندي لمثل الذي جاۤءتْ به الملاۤئكة و مثل السلاح فينا كمثل [ص 142] التابوت في بنياسراۤئيل كانت بنوااسراۤئيل في ايّ اهل بيت وجد التابوت علي ابوابهم اُوتُوا النبوة و من صار اليه السلاح منّا اوتي الامامة و لقد لبس ابي درع رسول اللّه (ص) فخطّت علي الارض خطيطاً و لبستُها انا فكانت ( و كانت خ ) و قاۤئمنا من اذا لبسها ملأها ان شاۤء اللّه تعالي ه ، و في الكافي بسنده عن ابان عن ابيعبداللّه (ع) قال لمّا حضرت رسول اللّه (ص) الوفاة دعا العبّاس بن عبدالمطلب و اميرالمؤمنين (ع) فقال للعبّاس يا عمّ محمّد تأخذ تُراثَ محمد و تقضي دينه و تنجز عداته فردّ عليه فقال يا رسول اللّه (ص) عمّك شيخ كثير العيال قليل المال مَن يطيقُك و انت تباري الريح قال فاطرق رسول اللّه (ص) هُنَيئةً ثم قال يا عبّاس اتأخذ تُراث محمّد و تنجز عداته و تقضي دينه فقال بابي انت و امّي شيخ كثير العيال قليل المال و انت تباري الريح قال امّا اني ساعطيها مَن يأخذها ثم قال يا عليُّ يا اخا محمّد اتنجز عدات محمّد و تقضي دينه و تقبض تُراثه فقال نعم بابي انت و امّي ذاك عَلَيَّ وَ لي قال فنظرتُ اليه حتي نزع خاتمه من اصبعه فقال تختم بهذا في حياتي قال فنظرتُ الي الخاتم حين وضعتُه في اصبعي فتمنّيتُ من جميع ما ترك الخاتم ثم صاح يا بلالْ عليّ بالمغفر و الدرع و الراية و القميص و ذيالفَقَار و السحاب و البرد و الأبرقة و القضيب قال واللّهِ مارأيتها قبل ساعتي تلك يعني الأبرقة فجيئ بشقّة كادتْ تخطف الأبصار فاذا هي من ابرق الجنّة فقال يا عليّ انّ جبرَئل اتاني بها و قال يا محمد اجعلها في حلقة الدرع و استذفر بها مكان المنطقة ثم دعا بزوجَي نعالٍ عَربيَّينْ جميعاً احدهما مخصوف و الأخر غير مخصوف و القميصَين القميص الذي اُسريَ به فيه و القميص الذي خرج فيه يوم احدٍ و القلانس الثلاث قلنسوة سفر و قلنسوة العيدَين و الجُمَع و قلنسوة كان يلبَسُهٰا و يقعد مع اصحابه ثم قال يا بلال عليّ بالبغلتين الشهباۤء و الدلدل [ص 143] و الناقتَين العضباء ( الغضباۤء خل ) و القصوي و الفرسَين الجناح كانت تُوقف بباب المسجد لحواۤئج رسول اللّه (ص) يَبعثُ الرجل في حاجته فيركبه فيركضه في حاجة رسول اللّه (ص) و حَيْزُوم و هو الذي يقول اقدم يا حيزوم و الحمار عُفَيْر ( عفيره خل ) فقال اقبضها في حياتي فذكر اميرالمؤمنين (ع) انّ اوّل شيء من الدّواب تُوفّي عُفَيْر ( عفيرة خل ) ساعة قبض رسول اللّه (ص) فقطع خطامه ● ثم مرّ يركض حتي اتي بئر بني حطمة بِقبا فرمي بنفسه فيها فكانت قبره و روي انّ اميرالمؤمنين (ع) قال انّ ذلك الحمار كلّم رسول اللّه (ص) فقال بابي انت و امي حدثني ابي عن جدّه عن ابيه انّه كان مع نوح في السفينة فقام اليه نوح فمسح علي كفلِه ثم قال يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيّد النبيين و خاتمهم فالحمد للّه الذي جعلني ذلك الحمار ه ، قوله فتمنيتُ من جميع ما ترك يعني انّ عليّاً (ع) كان في نفسه لو لمادرك من متروكات رسول اللّه (ص) الّا هذا الخاتم لكفاني شرفاً و فخراً لأنّه (ص) قال له تختم بهذا في حياتي فزيّنه بزينتِهٖ في حياته اشعاراً بانه حلّاه بكلّ حلية و رقّاه الي كلّ مقامٍ ظاهراً كالخاتم و باطناً بان كان خاتم الوصيين و زينتهم كما كان هو (ص) كذلك و السحاب اسم عمامةٍ له (ص) و قوله صلي اللّه عليه و آله اقدم يا حيزوم يريد انّه يخاطبه بالأقدام فيجيبه سمّاه باسم فرس جبرئل (ع) فرس الحيوة لأنّ هذه فرس حيوة الاسلام فخاطبه بما خاطب جبرئل (ع) فرسَه بذلك يوم بدرٍ و عُفَيْرٍ كَزُبَيْرٍ اسم الحمار الذي يسمّي باليعفور كذا قيل و قيل انّ عُفَيراً حمار للنبيّ (ص) غير يعفور فله حمارَان و في ق و بلا لامٍ حمار للنبيّ (ص) او هو عُفَير كَزُبَيْر ه ، فتَدبّر فيما ذكرنا لك من معني كونهم ورثة الأنبياۤء عليهم السلام .
[ص 144] قال عليه السّلام : و المثل الأعلي .
قال محمّدتقي ( المجلسي خل ) في الشرح المثل محرّكة الحجّة و الحديث و الصفة و الجمع المُثُل بضمتين و يمكن قراۤءَتُه بهما فانّهم حجج اللّه تعالي ( اللّه سبحانه خ ) اعلاهم و المتّصفون بصفات اللّه تعالي فهم صفته و صفاته علي المبالغة او مثّل اللّه تعالي بهم في قوله اللّه نور السموات و الأرض مثل نوره كمشكوة كما روي في الأخبار الكثيرة بل ادّعي بعض اصحابنا الاجماع ايضاً انّها نزلت فيهم ه ، اقول قد يفرق بين المَثَل "٢" محرّكة و بين المِثْل بكسر الميم و سكون الثاۤء فالأوّل "٢" كما ذُكِرَ الحجّة و هو الدّليل و هو مذكور في مواضع كثيرة من القرءان و لهذا قال تعالي و تلك الأمثال نضربها للناس جمع مَثَلٍ محرّكة بمعني ( يعني خل ) الٰايات الدّالّة علي التوحيد كما قال تعالي سنريهم آياتنا في الأٰفاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق قال تعالي و مايعقلها الّا العالمون يعني مايعقل الاستدلال بها اي بهذه الأمثال التي هي الأيات و الأدِلّة الّا العالمون بها و بكيفية الاستدلال بها و امّا المثل محرّكة بمعني الحديث فمذكور في مواضع منها في وجه من قوله تعالي ان هو الّا عبد انعمنا عليه و جعلناه مَثَلاً لبنياسراۤئيل اي شرّفناه بالنبوّة و صيّرناه عبرةً عجيبةً كالمثل الساۤئر لبنياسرائيل و كذا في قوله تعالي يا ايّها الناس ضرب مثل فاستمعوا له انّ الذين تدعون من دون اللّه لنيخلقوا ذباباً و لو اجتمعوا له اي ضربتُ لكم قصة عجيبة و ذلك لأنّ العرب قد تسمّي الصفة و القصّة الرائقَة لاستحسانها او لاستغرابها مثلاً نَعَمْ انما يستعمل المثل بمعني الحديث و القصّة اذا ارادوا ان يقصّوا شيئاً بالتشبيه و التمثيل و يكون بمعني الصفة كقوله تعالي مثل الجنة التي وعد المتّقون اي صفتها و بمعني الصورة كما في حديث الميّت مُثِّل له ماله [ص 145] و ولده و عمله الحديث ، اي صوِّر له و الثاني و هو المِثل بكسر الميم بمعني الشبه و النظير ففي حديث كميل عن اميرالمؤمنين (ع) يا كميل مات خزّان الأموال و العلماۤء باقون ما بقي الدهر اعيانهم مفقودة و امثالهم في القلوب موجودة ، قال بعض شرّاح هذا الحديث الأمثال جمع مَثَل بالتحريك و هو في الأصل بمعني النظير ثم يستعمل بالقول ( في القول خل ) الساۤئر الممثل الذي مضربه بمورده ثم في الكلام الذي له شأن و غرابة و هذا هو المراد بقوله (ع) و امثالهم في القلوب موجودة اي ان حكمهم و مواعظهم محفوظة عند اهلها يعملون بها و يهتدون بمنارها ه ، اقول هذا الكلام لا بأس به علي الظاهر الّا انّ ظاهره انه لايجوز غير هذا المعني و هذا ليس بشيءٍ لانّ المراد انّ العلماۤء مذكورون بصورهم و امثالهم في قلوب من نظر في علومهم و قرأ كتبهم و تلك الصور الخياليّة هي امثال العلماۤء لانّ زيداً الظاهر اذا ظهر في الصور الخياليّة يكون بدلاً من زيد في الظهور بتلك الصّفة المذكور بها و مثالاً له فانّ قائما بدل من زيد في ظهوره بالقيام و مثاله و صورةٌ لفاعليّتِهٖ للقيام و يكون المعني انّ ذكرهم بصورهم بسبب اقوالهم و اختياراتهم و ايراداتِهم للمساۤئل موجودٌ او انّ ما يرجّحه العالم صورته في الباطن صورة العالم لِاَنّه صِفَتُه و الوصف صورة الموصوف قال تعالي سيجزيهم وصفهم انّه حكيم عليم فذلك الحكم الذي في قلوبهم من ذلك العالم الميّت مثاله و صورته او سبب ذكره بصورته او كناية عمّا يُذكر به من الثواب عند اللّه بسبب ما خَلَّفَ من العُلوم النافعة و علي كلّ تقدير ففي الظاهر المَثَل محرّكاً غير المِثل بكسر الميم لانّ المِثل بكسر الميم هو الشبه و النظير و لا معني لكونهم مثلاً و نظيراً لانّ المعلوم انّهم خير خلق اللّه فلايكونون نظيراً و لا مثلاً لاحدٍ من الخلق و الّا لكان خيراً منهم و لا للمعبود [ص 146] بالحق جلّ و علا لانّه لا شبه له و لا نظير فلايصح ( فلايصلح خل ) المِثل بكسر الميم و امّا بالتحريك فيحسن لانّهم آية اللّه و حجج اللّه و الأمثال التي ضربها اللّه لخلقه و قصّة الحق و صفته بمعني اذا اردتَ ان تعرف انباۤء الأولين و احوال الانبياۤء مع اممهم فانظر فيهم فتجد احوالهم و صفاتهم تقصّ عليك ما كان في سنّة الاوّلين فتجد حجةً معصوماً مفترض الطاعة عالماً بكلّ ما يحتاج اليه الرعيّة محفوظاً عن الخطاء و الغفلة و الزّلل و السهو و الذنب صغيره و كبيره مستجاب الدعوة مظهراً للمعجزات من اتّبعه و آمن به نجا و من تخلّف عنه هلك فاذا نظرت بعين البصيرة علمت انّهم (ع) قصص اللّه الحق لما مضي و اخبار اللّه الصدق عمّا يأتي و هديهم وَ سُنَنُهم سنن اللّه و هديه ( و هداه خل ) و طريق الحق و سبيله و قد اشار (ع) الي مثل هذا المعني بقوله اعرفوا اللّهَ باللّهِ و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر ، يعني ان الامر بالمعروف و النهي عن المنكر صفة اولي الأمر فاذا لميجده لميكونوا اولي الامر لانّ الشيء الذي يُنسب الي صفةٍ انما يعرف بتلك الصفة لا بدونها و امّا كونهم المثل الأعلي فلانّ الامثال كثيرة غيرهم فانّه قد يكون هذا الوصف جارياً في غيرهم بان يكون مثلاً من امثال الحق علي نحو ما اشرنا اليه كما قال تعالي في حق عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام و لمّا ضرب ابن مريم مَثَلاً اذا قومُك منه يَصِدّون و قالوا ءالهتُنا خير ام هو ماضربوه لك الّا جدَلاً بل هم قوم خصمون انْ هو الّا عبد انعمنا عليه و جعلناه مثلاً لبنياسراۤئيل يعني حين ضربنا لهم المثل الحق بانْ جعلنا لهم عيسي فيهم مثلاً لولّينا في ساۤئر خلقِنا ضربوا في معارضتك يا محمد المثل الباطل جَدَلاً منهم ليدحضوا به الحقّ فقالوا ءالهتنا خير ام هو اي ما يريد محمد بقوله (ص) في الكافي عن ابيبصير قال بينا رسول اللّه (ص) ذات يوم جالس اذ اقبل اميرالمؤمنين (ع) [ص 147] فقال له رسول اللّه (ص) انّ فيك شَبَهاً من عيسي بن مريم لولا ان تقول فيك طواۤئف من امّتي ما قالت النصاري في عيسي بن مريم لقلتُ فيك قولاً لاتمرّ بملأٍ من الناس الا اخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة قال فغضب الأعرابيّان و المغيرة بن شعبة و عدة من قريش معهم فقالوا مارضي ان يضرب لابن عمه مثلاً الا عيسي بن مريم فانزل علي نبيّه (ص) و لمّا ضرب ابن مريم مثلاً الي قوله لجعلنا منكم يعني من بنيهاشم ملاۤئكة في الارض يخلفون الحديث ، و في المجمع يا عليّ انّما مثلك في هذه الامّة كمثل عيسي بن مريم الحديث فلمّا سمعوا ذلك قال المنافقون انما ذكر ذلك و شبهه بعيسي بن مريم لانّه يريد ان نعبده كما عبد النصاري عيسي و بهذا المعني قال ائمةُ المنافقين انما نصّ عليه ليتولّي علينا فنحن اولي منه فقوله تعالي حكاية عنهم ءَآلهتُنا خير ام هو اراد سبحانه ( به خ ) الحكاية عن ائمّة المنافقين ( انهم خل ) يقولون ءالهتنا اولي بالاتباع و العبادة خير ام ولاية عليٍّ و طاعته قال اللّه تعالي لنبيّه (ص) ماضربوه اي هذا المثل الّا جدَلاً فقوله تعالي جدلاً كما ذكره بعضهم حيث قال دليل الحق المَثَل و دليل الباطل الجدل بل قد يكون المثل الحق جارياً علي شيءٍ لانّ اللّه سبحانه ماخلق شيئاً الّا و هو مَثَلٌ لشيءٍ و له مثل حتي انّ الدّنيا الدنيّة ضرب اللّه سبحانه لها مثلاً حقّاً فقال انما مثل الحيوة الدنيا كماۤء انزلناه من السماۤء فاختلط به نباتُ الأرض الٰاية الّا انّ الأمثال تتفاوت في الدّرجات صاعدة حتي تنتهي الي آلمحمد صلي اللّه عليه و عليهم فكل شيء مثلهم و مثل لهم و ليس فوقهم مثل فهم الامثال العليا ثم انّه قد ثبت انهم الأمثال العُليا بالنصّ و الاجماع فما المراد بكونهم اَمْثَالاً مع انّ المَثَل محرّكاً لايكون الّا بياناً و صفةً و البيان و الصفة لا شك في كونهما اَنْزَل رتبةً من المبيّن و الموصوف فاذا لميكن شيء اعلا رتبة منهم [ص 148] فكيف يكونون امثالاً فالجواب من وجوهٍ :