قال عليه السلام : و اصول الكرم .

اصول جمع اصل و هو ما يُبْتَنٰي عليه شيء و الكرم هو سخاء النفس بما تحب [ص 52] فيدخل فيه القيام بأوامر اللّه و نهيه و منه قوله تعالي انّ اكرمكم عند اللّه اَتقاكم اي اشدّكم تقويً لِلّهِ سبحانه ثم الكرم الذي هو السخاۤء و بذل الفواضل للمستحقين له مراتب اعلاها في الامكان الراجح و هم في هذا المقام محاۤلُّهُ ثم هم بعد ذلك هم اصول الكرم يعني ينابيعه و مفاتيحه و في الدرة الباهرة من اصداف الطاهرة في كلام ابي‌محمد العسكري (ع) و اسباطنا خُلفاۤء الدين و حُلفاۤء اليقين و مصابيح الأمم و مفاتيح الكرم و الكليم اُلْبِسَ حلّة الاصطفاۤء لما عهدنا منه الوفاۤء و روح القدس في جنان الصاقورة ذاقَ من حداۤئقنا الباكورة فقوله (ع) مفاتيح الكرم يُراد به كونهم محاۤلّ ذلك الكرم فعنهم يصل الي غيرهم فَلِذَا كانوا مفاتيح الكرم و كذا قوله (ع) و الكليم اُلبِسَ حلّة الاصطفاء يعني ان موسي (ع) لمّا عهدنا اليه بولايتنا و التسليم لنا و الردّ الينا فاجاب و وفي لنا و عهدنا ذلك منه جعلناه من المصطفَين الأخيار و روح القدس المعبّر عنه بالعقل الأوّل عند الحكماۤء و بالعقل و القلم و الحجاب الأبيض و ما اشبه ذلك عند اهل الشرع (ع) اوّل مَن اَكلَ من باكورة ثمار الجنان الّتي غرسناها بايدينا فانّ تلك الحدائق التي في جنان الصّاقورة غرسوا فيها من كل شيء فاوّل ما نَبَتَ روح القدس و معناه ظاهراً انّه لمّا فاض الوجود علي ارض القابليات كانَ اول ما وجد هو العقل الاوّل المسمّي بروح القدس لا جبرئل (ع) و ان كانَ يسمّي بروح القدس كما قال تعالي قل نَزَّلَه روح القدس من ربّك بقرينة نزل به الروح الأمين علي قلبك ، و معني قوله روح القدس في جنان الصّاقورة اي في اعلي علّيين من الجنان و الصّاقورة في اللّغة باطن القحف المشرف علي الدِّماغ و السماۤء الثالثة و المراد به هنا العرش لأنّه هو سقف الجنان و هو من الوجود كقحف الرأس علي الدِّماغ و كان روح القدس اول مَن وجد في الجنّة و الجنّة اول الموجودات و الباكورة اوّل الثمرة [ص 53] و المراد انّ اوّل مَن قبل الايجاد روح القدس و هو ذَوقهُ الباكورة و في بعض الأخبار انّه اوّل غصن من شجرة الخلد فهم اصل ذلك الفيض فمن الكرم الذي به كانوا هم تكرّموا علي روح القدس بوجوده و بما اُودِعَ فيه حين قال اللّه له اقبِل فاقبَل ثم قال له ادبِر فادبَر فأفاَض روح القدس من الكرم الذي حمّلوه علي جميع الموجودات بوجوداتها فخرج كلّ شيء يحمد اللّه علي نعمه و يشكره علي آلاۤئه و هم (ع) آلاۤؤه و نعمه و احسانه علي جميع من دونهم و هو تأويل قوله تعالي و ان من شيء الّا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم انه كان حليماً علي مَن قصّر في ولايتهم غير معاند و لا مستكبر غفوراً لمن تاب و اتبع سبيله و في الزيارة الجامعة الصغيرة يسبّح الله باسمائه جميع خلقه و السلام علي ارواحكم و اجسادكم و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ، فقولنا سابقاً اعلاها في الامكان الراجح انّ ما وراۤء ذلك من الكرم الذّاتي يتعالي عن البيان و النسبة الي المكان و ما دون ما في الامكان الراجح من الكرم فهم صلوات اللّه عليهم اصوله و الي ما لوّحنا اليه في هذه الاشارات الاشارةُ بقول عليٍّ (ع) انا فرع من فروع الربوبية ، و قد قلت في قصيدة ( قصيدتي خ‌ل ) في مرثية الحسين (ع) بيتاً يناسب ذكره هنا و هو :

فراحَتا ( و راحتا خ‌ل ) الدهر من فضفاض جودِهم مملوئتان و ما للفيض تعطيلُ

اي انّ راحتي الدهر من جودهم الفيّاض علي قابليّات الممكنات بواسطة الدهر او انّ المراد بالدهر اَهْلُوهُ مملوئتان و فيض جودهم علي القابليّات لا تعطيلَ له ابد الأبدين و دهر الداهرين و صلي اللّه علي محمد و آله الاكرمين الطيبين الطاهرين .

قال عليه السلام : و قادة الامم .

القادة جمع قاۤئد و هو الجاذب للشيء الي غايةٍ و الجارّ اليه و في الحديث [ص 54] عن عليٍّ (ع) قريش قادَة ذادَة اي يقودون الجيوش و الامم جمع امّة و المراد بها هنا ( هيهنا خ‌ل ) جماعة من الخلق ارسل اليهم نذير و انما قلنا من الخلق لانّ الأمّة لاتختص بالانسان و لهذا قال تعالي و ما من دابّة في الأرض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرّطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربّهم يحشرون فيكون كل جماعة من الخلق من الانسان و غيره امّة و ان من امّةٍ الّا خلا فيها نذير فدّل الكتاب علي ما يدّل العقل عليه من اَنّ كل جماعة امّة فقوله (ع) قاۤدة الأمم انّهم (ع) قادة الأمم الي معرفة اللّه و دينه فمن اجاب قادوه الي المعرفة لأنّهم يقودون الشخص بدعاۤئهم و تعريفهم و امرهم و ترغيبهم الي المعرفة و الدّين فمن اجاب قادوه بالمعونة و التأييد بالمدد و الدعاۤء فاذا استجاب و عمل قادوه الي الجنة و ان لم‌يجب ساقوه بانكاره و عدم قبوله الي عدم الاستجابة فان لم‌يعمل بما اُمِرَ به كما لم‌يقبل في الدعاۤء ساقوه الي الانكار و ذادوه بانكاره عن الاقرار و دَعُّوه الي نار جهنم و بئس المصير فهم المعلِّمون للأمم في كلّ عالَم فهم الداعون الهادون لكلّ خلقٍ النجدين طريق الخيْر و طريق الشرّ فلايهتدي احد الّا بهداهم و لايضلّ ضاۤلّ بخروجه عن الهدي الّا بترك ولايتهم يدل علي هذا ما روي في الكافي عن ابي‌الصامت الحلواني عن ابي‌جعفر (ع) قال فضِّل اميرالمؤمنين (ع) "٢" ما جاۤء به اُخذ به و ما نهي عنه انتُهِيَ عنه جري له من الطاعة بعد رسول اللّه (ص) ما لرسول اللّه (ص) و الفضل لمحمد (ص) المتقدم بين يديه "-٢" كالمتقدم بين يدي اللّه و رسوله (ص) و المتفضّل عليه كالمتفضّل علي رسول اللّه (ص) و الرادّ عليه في صغيرةٍ و كبيرةٍ علي حدّ الشرك باللّه فانّ رسول اللّه (ص) باب اللّه الذي لايؤتي الّا منه و سبيله الذي مَن سلكه وصل الي اللّه تعالي و كذلك كان اميرالمؤمنين من بعده و جري للائمّة واحداً بعد واحدٍ جعلهم اللّه اركان الارض اَن تميد باهلها و عُمُدَ الاسلام [ص 55] و رابطة علي سبيل هداه لايهدي هادٍ الّا بهداهم ( بهديهم خ‌ل ) و لايضلّ خارج من الهدي الّا بتقصيرٍ عن حقهم اُمناۤء اللّه علي ما اهبط من علمٍ او عذرٍ او نذرٍ و الحجة البالغة علي مَن في الارض يجري لٰاخِرهم من اللّه مثل الذي جري لأوّلهم و لايصل احد الي ذلك الّا بعون اللّه تعالي و قال اميرالمؤمنين (ع) انا قسيم اللّه بين الجنة و النار لايدخلها داخل الّا علي حَدّ قَسْمي الحديث ، و بالجملة هم (ع) قادة الأمم لأنّهم يقودونهم الي اعمالهم بتيسير ماخُلِقوا له باسبابِ الالطاف المعينة علي الخيرات و المانعة من الشرور اعانةً لاتبلغ حدّ الالجاۤء و منعاً لايرفع الاختيار و ذادة الخلايق يذودنهم ( يذودونهم خ‌ل ) عمّا لم‌ييسّروا ( لم‌تيسروا خ‌ل ) له فيذودون المؤمنين عمّا لايحبّ اللّه بطاعتهم لهم و بولايتهم لهم و يذودون الكافرين و المنافقين عمّا يحبّ اللّه بمعصيتهم و تركهم ولايتهم و قول محمد بن علي (ع) المتقدّمُ لايهدِي هادٍ الّا بهديهم يدلّ علي انّ جميع من سواهم من الهداة من الانبياۤء و المرسلين و الأولياۤء و الاوصياۤء و الصالحين و الملاۤئكة المقرّبين لايهدي احد منهم احداً من الخلق الّا بهداهم (ع) و هم يهدون بالحق من اللّه سبحانه و قوله (ع) و لايضلّ خارج عن الهدي الّا بتقصيرٍ عن حقهم يدلّ علي انّ الهداية لاتمكن ( لايمكن خ‌ل ) لاحدٍ من الخلق بدونهم فاذا تأخر عنهم احد تأخر عن الهدي بعين تأخره عنهم و كذا المتقدم عليهم فعين التقدم عليهم و التأخر عنهم ضلالة الطريق اي الطريق الي الله لأنهم السبيل الأعظم كما يأتي في الزيارة فاذا قصّر في حقهم قصّر في الطريق الي اللّه فحقّت عليه الضلالة فجعل الهِداية بهم و الضّلالة بالضّلال عنهم فالهدي ينسب اليهم لأنّهم اصل الهدي و الضلالة تنسب الي نفسها كما قال تعالي فريقاً هدي و فريقاً حق عليهم الضلالة فاسند الهداية اليه سبحانه و ذلك بهم (ع) و اسند الضلالة الي نفسها لأنها مفارقتهم عليهم السلام و قال الله تعالي يوم ندعو كلّ اناسٍ بامامهم فيدعي المؤمنون [ص 56] بهم فيتبعونهم فيذهبون بهم الي رضوان الله حيث ذهبوا و يُدعي الضّاۤلّون بائمة الضلال فيتبعونهم و كلّ يتبرّء من الٰاخر و يلعن بعضهم بعضاً فيذهبون بهم الي سخط اللّه حيث ذهبوا فهم (ع) القادة الذّادة كما مر صلي الله عليهم اجمعين .

قال عليه السلام : و اولياۤء النعم .

الأولياۤء جمع وليّ و هو المتصرّف الذي يدبّر الأمور و في الكافي في تفسير قوله تعالي انّما وليّكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا الآية عن الصادق (ع) يعني اَوْلي بكم اي احقّ بكم و باموركم من انفسكم و اموالكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا يعني عليّاً و اولادَه الائمة (ع) الي يوم القيمة اقول اعلم انّ اللّه سبحانه خلقهم و جعلهم خزاۤئن كرمه و خلق الخلق لهم كما روي عن علي (ع) في حديثٍ منه نحن صنائعُ اللّه ( ربنا خ‌ل ) و الخلقُ بعدُ صنايعُ لنا اي بعد ان خلقنا و صنعنا لنفسه صنع لنا الخلق فهم اولياۤء اللّه علي خلقه و لِلّهِ سبحانه نِعَمٌ علي العباد لاتُحصي كما قال تعالي و ان تعدوا نعمة اللّه لاتحصوها و جعل ال‌محمد (ص) خزاۤئن كرمه و اولياۤء نعمه و النّعم منها غيب و منها شهادة و منها ظاهرة و منها باطنة و مرادنا بالغيب و الشهادة نعم الوجود و بالظاهرة و الباطنة نعم التّكليف و الأوّل يلزمه الشرع و الثاني يلزمه الوجود فمن النعم في الغيب خلقه للشخص مثلاً في مراتبه و نقله من مرتبةٍ الي مرتبةٍ من اصل الماۤء الأوّل الي ان وصل به الي رتبة البشر في الشهادة كما قال سبحانه يا ايّها الناس ان كنتم في ريبٍ من البعث فانّا خلقناكم من ترابٍ ثم من نطفةٍ ثم من علقةٍ ثم من مضغةٍ مخلّقة و غير مخلّقة فوضعه في كل مرتبة و تربيته و تغذيته و لطفه بتدبيره و امداده بما يصلحه و دفع ما يضرّه و يفسده فاذا بلغ فيها تمامه فيها نقله الي طورٍ آخر كما اشار اليه سبحانه بقوله ما لكم لاترجون للّه وقاراً و قد خلقكم [ص 57] اطواراً فخلقه نطفةً معنويّةً ثم نطفةً ظلّية ثم نطفة صوريّة ثم نطفة طبيعيّة ثم نطفة ماديّة ثم مثاليّة فهذه ستة اطوارٍ ثم الي الملائكة ثم الي الريح ثم الي السحاب ثم الي الماء ثم الي الارض ثم الي النبات من الفواكه و البقول و ما اشبه ذلك فهذه ستة اطوارٍ ثم الي النطفة ثم الي العلقة ثم الي المضغة ثم الي العظام ثم الي تمام الخلقة ثم الي الحيوة فهذه ستة اطوارٍ فخلقه سبحانه في ظلماتٍ ثلث كلّ ظلمة في ستّةِ اطوارٍ فهذه ثمانية‌عشر عالماً في الغيب و الشهادة فهذه كلّها نعم من اللّه لاتحصي خَلَقَهُمْ (ع) و اقامهم اعضاداً لخلقه و حججاً علي بريّته و جعل اليهم ايصال ما يريد ان يَصِلَ من جوده و كرمه و احسانه و نعمه الي مَن يَشاۤء مِن خلقه لأنّ الخلق بدونهم لايقدرون علي القبول منه بغير الواسطة كما اشار علي (ع) في خُطْبَةِ الغدير في ذكر النبي البشير النذير (ص) قال و اشهد انّ محمداً عبده و رسوله استخلصه في القدم علي سائر الأمم علي علمٍ منه انفرد عن التّشاكل و التّماثل من ابناۤء الجنس و انتجبه آمراً و ناهياً عنه اقامه في ساۤئر عالمه في الأداۤء مقامه اذ كان لاتدركه الأبصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الأسرار فقوله (ع) اقامه في سائر عالمه في الاداۤء يشير الي ما ذكرنا من انّه سبحانه جعل اليهم ايصال ما يريد ان يصل من جوده الخ ، و تقدم في حديث ابي‌جعفر (ع) في ذكر ان رسول اللّه (ص) باب اللّه الذي لايؤتي الّا منه الي ان قال و كذلك كان اميرالمؤمنين عليه السلام من بعده و جري للائمة واحدا بعد واحدٍ الي الخ ، و من النعم الظاهرة ارسال الأنبياۤء و تأمير الاوصياۤء و استحفاظ الحفظة و استخلاف الخلفاۤء و انابة العلماء و اقامة الٰامرين بالمعروف و الناۤهين عن المنكر و المعلّمين و المرشدين للمسترشدين و كذلك جميع الدعاة الي اللّه و الي ما يحبّ و لا ريب عند من يعرف الوليّ انّ هذا الارسال و التأمير [ص 58] و الاستحفاظ و ما بعدها انها اۤثار الولي لللّطف بالمكلّفين و هي اعظم النعم و النعم الباطنة العقول التي بها تحصل المعارف و الجيّد و الرّدي و الخير و الشر و الناصح و الغاۤش و المصلِح و المفسد و الضّاۤر و النافع في العاجلة و الٰاخرة و هذه العقول لَحَظَاتُ عِنَاياتٍ من الوليّ و مُنَادَاة للمكَلَّفين من الجانب اليمين و هي اعظم النعم و انفعها لمن لم‌يخالف مقتضياتها بل هو النور الذي يمشي به في ظلمات النفوس من شهواتها و غواسق اِنّيّاتها و ظلمات الطباۤئع و المواۤدّ الجسمانية و الي كون الأنبياۤء و الداعين الي اللّه النعمَ الظاهرَةَ و كونِ العقول النِعَمَ الباطنةَ اشار صريح قوله تعالي و اسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة فالظاهرة الأنبياۤء و الرسل و الباطنة العقول كذا في الخبر و ورد ايضاً في تفسير قوله تعالي و ماكُنّا معذّبين حتي نبعث رسولاً انّه العقل فاطلق الرسول علي العقل كما اطلق العقل علي الرسول و كلّما سمعتَ و ما لم‌تسمع فمن تدبير الوليّ لمصالح غنمِهٖ و ذلك لأنّ النعم المتأصّلة في الحقيقة هم (ع) روي في الكافي عن الأصبغ بن نُباتة قال قال اميرالمؤمنين (ع) ما بال اقوام غيّروا سنة رسول اللّه (ص) و عدلوا عن وصيّه لايتخوفون ان ينزل بهم ( عليهم خ‌ل ) العذاب ثم تلا هذه الٰاية الم‌تر الي الذين بدّلوا نعمة اللّه كفرا و احلّوا قومهم دار البوار جهنّم ثم قال نحن النعمة التي انعم اللّه بها علي عباده و بنا يفوز من فاز يوم القيمة ، و امّا من سواهم من الأخيار و الخيرات من الأعمال الصالحات من كلّ ما يجب ان يكون فذلك من كرمهم و احسانهم و فواضل طاعاتهم و حسناتهم و ذلك كلّه ولايتهم و من ولايتهم و هم اولياۤء ذاك ( ذلك خ‌ل ) كله و في الكافي عن ابي‌يوسف البزّاز قال تلا ابوعبداللّه (ع) هذه الآية و اذكروا اۤلٰاء اللّه قال اتدري ما آلاۤء اللّه قلتُ لا قال هي اعظم نعم اللّه علي خلقه و هي ولايتنا و المراد بولايتهم هي طاعة اللّه في كلّ ما يريد من [ص 59] عباده من المعتقدات و الأعمال و الأخلاق و الأقوال و غير ذلك من الواجبات و المندوبات و كلّها نعم اللّه علي عباده من نعمه العظمي محمد و آله (ص) فانّ ايجادات الخلق و ما تضمّنت من الشرعيّات و تكاليف المكلّفين و ما تضمّنت من الوجودات كلّها اۤثارهم و هم النعم التي لاتحصي و هي نعم جليلة لايقوم بها خلقٌ بل كلّ خلق مقصّرون فيها عاجزون عن اداۤء شكرها و هم اولياۤء هذه النعم التي عجز عن اداۤء شكرها الخلايق اجمعون و هي ممادحهم و فضاۤئلهم مكتوبة في الألواح من الأجسام و الاشباح و النفوس و الأرواح كل يسبّح بحمد ربّه بما اُوتي و في الاحتجاج للطبرسي سئل يحيي بن اكثم اباالحسن العالم (ع) عن قوله تعالي سبعة ابحرٍ مانفدت كلمات اللّه ما هي فقال (ع) هي عين الكبريت و عين اليمين و عين ابرهوت و عين الطبريّة و جمّة ماسيدان و جمة افريقيّة و عين بلعوران ( ناجروان خ ) و نحن الكلمات التي لايدرك فضلنا و لايُسْتَقْصَي فاخبر (ع) بانّ هذه الأبحر السبعة التي يكنّي بها عن اقسام الموجودات من الغيب و الشهادة و ما بينهما من البرازخ و النور و الظلمة و ما بينهما من البرازخ و الجامع لها كلّها تفني و لاتدرك فضلنا و لاتحيط به لأنّ كل بحر انما يعدّ ما فيه من النعم فهذه آياتهم تتلي بِالْسنَةٍ عاجزة عن اداۤء شكرها لأنّ شكرها مزيد نعم جديدة و آلاۤء عديدة و للّه در الشاعر حيث يقول :

كلما قلتُ اعتقَ الشكر رقي جعلَتْني لك المكارم عبداً

اين مَهْلُ الزمان حتي اُؤدّٖي شُكرَ احسانِك الذي لايُؤدّي

اقول انّ فيما اشرتُ اليه و كررتُ كفاية بينّة لقومٍ يعقلون انهم اولياۤء النعم فانّ بهم ينزل المطر و بهم تنبت الأرض بركاتها فان ابصرتَ لم‌تسمع الّا اصوات الشاكرين لتلك و لاتري الّا اشباح المادحين هذا في التكويني [ص 60] و في التدويني كذلك فانّ في سورة النحل خاصّة نحو احدي و سبعين نعمة قد مُلِئَتْ بالواحدة الدنيا و ما فيها فانظر تجد .

قال عليه السلام : و عناصرَ الابرار .

العناصر جمع عنصر كقنفذ و قد تفتح الصاد و هو الأصل و منه هذا و يستعمل في النّسب و منه لايُخالِطه يعني النبي (ص) في عنصره سفاح اي لايخالطه في نسبه زناً لأن النسّب اصل للشخص و في الكبد و منه الحديث خشن عنصره اي غلظ كبده و الأبرار جمع بَرٍّ بفتح الباء كسَبْع جمعه اسباع و عَشر جمُعُه اعشار و البَرُّ بمعني الباۤرّ و الاَبرار الصادقون و اولياۤء الله المطيعون و الزّهاد و العُبّاد و فاعِلُوا الخيرات و المطهّرون من الكبائر و الائِمة (ع) هم عناصر الأبرار من وجهَيْن احدهما انّ الأبرار هم شيعتهم من المرسلين و الأنبياۤء و الأوصياۤء و الصالحين و الملاۤئكة و انّما سمّوا شيعة لأنهم خلقوا من شعاعهم او من المشايعة اي المتابعة لأنهم يتابعونهم في اقوالهم و افعالهم فمنهم مَن خُلِقَتْ روحه من شعاع ارواحهم كالأنبياۤء و المرسلين و المراد انها خلقت من فاضل ضياء ارواحهم و منهم مَن خُلقَتْ روحه من فاضل طينة صُوَرِهم كالأوصياۤء و منهم مَن خُلِقَتْ روحه من فاضل طينتهم كالمؤمنين الصالحين روي في الكافي بسنده عن محمد بن مروان عن ابي‌عبدالله (ع) قال سمعته يقول انّ اللّه خلقنا من نورِ عظمته ثم صوّر خلقنا من طينةٍ مخزونةٍ مكنونةٍ من تحت العرش فاسكن ذلك النور فيه فكنّا نحن خلقاً و بشراً نورانيين لم‌يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيب ( نصيبا خ‌ل ) و خلق ارواح شيعتنا من طينتِنا و ابدانهم من طينةٍ مخزونةٍ مكنونةٍ اسفل من ذلك الطّينة و لم‌يجعل اللّه لاحد [ص 61] في مثل الذي خلقهم منه نصيباً الّا للأنبياۤء و لذلك صرنا نحن و هم الناسَ و صار سائر الناس همَجاً للنار و الي النار ه‍ ، فقوله (ع) من نور عظمته اشارة الي ارواحهم التي خُلِقَتْ ارواح المرسلين و الأنبياء من فاضلها و خُلِقَتْ ارواح الاوصياء من فاضل طينة صورهم و خُلِقَتْ ارواح المؤمنين الصالحين من فاضل طينتهم اي اجسامهم النورانيّة و في الكافي عن محمد بن عبداللّه بن عمر بن علي بن ابي‌طالب (ع) عن ابي‌عبداللّه (ع) قال انّ اللّه كان اِذْ لا كان فخلق الكانَ و المكان و خلق الأنوار و خلق ● نور الأنوار الّذي نوِّرت منه الأنوار و اجري فيه من نوره الّذي نوِّرت منه الأنوار و هو النور الذي خلقَ مِنه محمّداً و عليّاً فلم‌يَزالا نورَيْنِ اوّلاً اِذْ لا شيءَ كُوِّنَ قبلهما فلم‌يزالا يجريان طاهرَيْن مُطَهّرَين في الأصلاب الطّاهرة حتّي افترقا في اطهر طاهرَيْنِ في عبداللّه و ابي‌طالب ( ع ، نسخة ) اقول الظاهر انّ المراد بنور الأنوار الّذي نوِّرت منه الأنوار هو الماۤء الأوّل الذي به حيوة كلّ شيء و هو مَسُّ النار الّذي تعلقَّ بالزّيت الّذي يكاد يضيۤء فكان منهما العقل الأوّل الذي هو القلم الأعلي و يحتمل ان يكون هذا النور المشار اليه هو هذا العقل فانه قد نُوِّرَتْ منه الأنوار الرّوحيّة و النفسيّة و الطبيعيّة و لايجوز ان يكون هذا النّور المشار اليه هو المشيّة لأنّ المشيّة لايخلق منه المخلوق و انما يخلق به و هذا النور المشار اليه قال عليه السلام و هو الذي خلق منه محمّداً و عليّاً و نور محمد و علي (ع) انما يطلق علي الماء الأول او العقل الأول و فيه عن جابر بن يزيد قال قال ابوجعفر (ع) يا جابر انّ اللّه اول ما خلق خلق محمداً و عترته الهداةَ المهتدين فكانوا اشباح نورٍ بين يدي اللهِ قلتُ و ما الأشباح قال ظلّ النور اَبْدٰان نورانيّة بلا ارواحٍ [ص 62] و كان مويداً بنور ● واحدة و هي روح القدس فبِهٖ كان يَعْبُدُ اللّهَ و عترته و لذلك خلقهم حلماۤء علماۤء بَرَرَةً اصفياۤء يعبدون اللّه بالصّلوة و الصّوم و السّجود و التّسبيح و التّهليل و يصلّون الصلوات و يحجّون و يصومون ه‍ ، اقول الظاهر انّ المراد بالأشباح مثالهم و هو ظلّ النّور الذي هو نفوسهم و تلك الاشباح ابدانٌ نورانيّة و الدّليل علي انّ تلك الأشباح هي مثالهم قوله (ع) بلا ارواح و لعلّ هذه الأبدان النورانيّة الّتي بلا ارواح هي الّتي سمّيناها باجسامهم الّتي خلق من فاضلها ارواح المؤمنين الصالحين و بالجملة انهم اصل الأبرار مِن كلّ مَن سواهم فماۤدّة وجودهم من فاضل نور محمد (ص) و صورتهم الناطقة من فاضل صورة علي (ع) و اهل بيته (ع) قال (ص) يا علي انا و انت ابوا هذه الأمّة فمن فاضل نور محمد (ص) خُلِقَتْ مواۤدّهم الّتي هي الاب و من فاضل نور عليّ (ع) الذي هو الرحمة صبغهم بصبغة الايمان و هي الصورة و هي الأمّ و عن الصادق (ع) اِنّ اللّه خلق المؤمن ● من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن ( و المؤمن خ‌ل ) اخو المؤمن لأبيه و امِّهٖ ابوه النور و امّهُ الرحمة فالأبرار خلقوا من اشعّةِ انوارهم فهم اصل الابرار بهذا المعني و الثاني ان الأبرار كانوا في اصل خَلقهم كغيرهم قال اللّه تعالي كان الناس امةً واحدةً فبعث اللّه النبيين الٰاية ، و بيان ذلك انّ الخلاۤئق في عالم الذر كانوا سواۤءً في التّكليف بمعني انّ كلّ واحدٍ متمكن من الاستجابة و الامتناع باختياره ( باختيارهم خ‌ل ) علي اختلاف مراتبهم في القرب و البعد من المبدء الفيّاض و في النّور و الظلمة فامر اللّه نبيّه (ص) باخذ الاقرار من الانبياۤء فقال لهم يقول اللّه لكم الستُ بربكم و محمد نبيّكم و عليّ وليكم و امامكم و الأئمّة من ولده اولياۤؤكم و ائمتكم قالوا بلي آمنّا و صدّقنا و سلّمنا [ص 63] و اشهد بأننا مسلمون ثم امرهم ان يأخذوا من اُمَمِهِم الاقرار بما اخذ منهم و كذلك الأوصياۤءُ و المرشدون و السفراۤء و المعلّمون فمن اجاب بقلبه و لسانه و عَمِلَ بما اُمِرَ به بجوارحِهٖ و اركانه فهم ابرار و السابقون منهم المقرّبون و في امالي الشيخ باسناده الي جابر عن ابي‌جعفر عن ابيه عن جده عليهم السلام انّ رسول اللّه (ص) قال لعلي (ع) انت الذي احتجّ اللّه بك في ابتداعه الخلق حيث اقامهم اشباحاً فقال لهم الستُ بربّكم قالوا بلي و قال محمد رسولي قالوا بلي قال و علي اميرالمؤمنين فابي الخلق جميعاً الّا استكباراً و عتوّاً عن ولايتك اِلّا نفر قليل و هم اقلّ القليل و هم اصحاب اليمين ه‍ ، اقول قد دلّ هذا الحديث و غيره ممّا هو اصرح منه او مثله انّ جميع الخلق انما نجي مَن نجي بولايتهم و التسليم لهم و الائتمام بهم و انّما هلك من هلك بتركهم الولاية ففي الظاهر انّ الأبرار انما كانوا ابراراً لانّهم توالَوا بهم و تبرّؤا من اعداۤئهم و احبّوهم و اطاعوهم و اتّبعوهم في طريقتهم و ردّوا الأمر اليهم و سلّموا لهم فيما علموا و ما لم‌يعلموا فبذلك كانوا ابراراً فهم اصل هدايتهم و في الحقيقة انّما قَبِلَ الأبرار هذه الأمور المذكورة لأنّهم (ع) هم اوردوهم ذلك و هم ذادوهم عن الخلاف و هم عفوا عن تقصيرهم و سدّدوا لهم الخلل و ثبّتوهم عن الزلل فالابرار نَالُوا الخير بتيسيرهم و تحبيبهم الايمان اليهم و تزيينه في قلوبهم و تكريههم الكفر و الفسوق و العصيان اليهم فهم (ع) اصل ما بَرَّ به الأبرار اَوْ هُمْ اَبرّوا الأبرار اي جعلوهم بامر اللّه ابراراً او حكموا عليهم ببرِّهم انّهم ابرار او انّهم اَدِلّاۤءُ العباد علي البرّ فكان المتَّبِعُونَ لهم العامِلُون بما دَلُّوا عليه ابراراً حين ابرّوا لِتبرَّ شيعتهم باتباعهم او تنبيهِهم او بسوقهم و في كلّ ذلك هم الأصل في ذوات الأبرار و صفاتهم و افعالهم و الي جميع ما ذكرنا يشير قول ابي‌جعفر (ع) رواه في [ص 64] كشف اليقين في حديث طويل الي ان قال (ع) و جعلهم يعني الائمّة (ع) ائمّة هدي و نوراً في الظلم للنّجاة اختصّهم لدينه و فضلهم بعلمه و اۤتاهم ما لم‌يؤت احداً من العالمين و جعلهم عماداً لدينه و مستودعاً لمكنون سرّه و امناۤء علي وحيه و نجباۤء من خلقه و شهداۤء علي بريّته اختارهم اللّه و حباهم و خصّهم و اصطفاهم ( و خصهم و حباهم خ‌ل ) و ارتضاهم و انتجبهم و انتقاهم و جعلهم للبلاد و العباد عُمّاراً و ادلّاۤء للأمّة علي الصّراط فهم ائمّة الهدي و الدّعاة الي التقوي الحديث ، و في هذا الحديث قبل هذه الكلمات قال (ع) كانوا نوراً مشرقاً حول عرش ربّهم فامرهم فسبّحوا فسبّح اهل السموات بتسبيحهم ثم اهبطوا الي الأرض فامرهم فسبّحوا فسبح اهل الارض بتسبيحهم فاِنّهم لهم الصّاۤفون و اِنّهم لهم المسبّحون فمن اوفي بذمّتهم فقد اوفي بذمّةِ اللّه و من عرف حقهم فقد عرف حق اللّه الحديث .

قال عليه السلام : و دعاۤئم الاخيار .

الدّعٰاۤئم جمع دِعامة بكسر الدال و هي عماد البيت و الذي عليه استناد الشيء و به قوامه و منه الحديث لكلّ شيء دعامة و دعامة الاسلام الشيعة و فيه دعامة الانسان العقل منه الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم و الدّعامة ايضاً الأصل الذي ينشأ عنه الفروع و الاحوالُ و ما يستند عليه الحاۤئط لئلّايسقط و في الدّعاۤء اسئلك باسمك الذي به دعمتَ السمواتِ فاستقلّتْ ، و الأخيار جمع خيِّر بتشديد الياء ذو الدين و الصَّلاح و هذه الفقرة كسابقِه فانّ آل‌محمد (ص) هم دعامة كلّ خير و صلاحٍ فانّ شرط الايمان ولايتهم و شرط التوحيد ولايتهم و شرط النبوة ولايتهم و شرط قبول الأعمال ولايتهم بل لايكون الشخص العارف مُسْلِماً الا اذا تولّهٰم و المراد بكون ولايتهم شرطاً [ص 65] للتوحيد و النّبوّة و الايمان و قبول الأعمال بل و الاسلام انّ هذه الأمور انما هي عبارة عن ولايتهم حقيقةً امّا التوحيد فحقيقته تنزيه ذات اللّه عن الشريك في ذاته و صفته و فعله و عبادته و لايتحقق في شيء من هذه الأربعة الّا بما اسَّسُوه و دَلُّوا عليه كما قال علي (ع) نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الا بسبيل معرفتنا يعني يعرفنا لأنّنا معانيه و ظاهره و يعرف بنا لأنّنا السبيل اليه و بابه و ليس له سبيل غيرنا و لا باب الّا نحن و يعرف بما بيّنّا من صفته و وصفنا من الدّليل عليه فكونُهم معانيه و ظاهره من ولايتهم و كونُهمْ السبيل اليه و بابه الذي يؤتي منه من ولايتهم و كونهم معلّمين للخلق واصفين للحق من ولايتهم لأنّها هي ولاية اللّه قال ( اللّه خ‌ل ) تعالي فاللّه هو الولي و هو يحيي الموتي و قال تعالي هنالك الولاية للّه الحق فهي الغني المطلق بمعني انه يفتقر اليه كلّ ما سواه لانّ اثبات هذا المعني للّه سبحانه كمال و سلب الكمال نقص يمتنع في حقّ الواجب تعالي و هم (ع) ظهروا بما شاۤء منه يعني انهم هم مظهر ذلك الغني المطلق و هو جميع ما شاء اللّه منه لانهم (ع) محلّ مشيّته فهم محتاجون اليه سبحانه و هم به من دونه يحتاج اليهم كل شيء من عين او معني و التوحيد اٰية اللّه في الأنفس كما قال تعالي سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق يعني حتي يتبين لهم ان الامام هو الدليل الي اللّه فلايُعرف اللّه الّا بسبيل معرفته "-٢" علي نحو ما اشرنا اليه من الوجوه الثلثة فظهر لمن عرف ما اشرنا اليه ان التوحيد من ولايتهم و هم دعامته كما قال الحجة عليه السلام في دعاۤء ( شهر خ‌ل ) رجب فجعلتهم معادِن لكلماتك و اركاناً لتوحيدك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان يعرفك بها مَن عرفك لا فرق بينك و بينها الّا انّهم عبادك و خلقُك الخ ، و لا ريبَ انّ الشيء لايقوم و لايتحقق الّا باركانه و امّا النّبوّة فلأنّها ارسالٌ و بَعْثٌ الي الرعيّة [ص 66] و لا شك انّ ذلك لايكون الّا من الوليّ و الوليّ هو اللّه و مظهر الولاية في الخلق من اللّه فيهم فعن ( و عن خ‌ل ) ولاية اللّه الظاهرة فيهم و بها اَرْسَل الرُّسل و بعث الانبياۤء لأنّ الولاية الأزليّة هي ذاته جلّ و علا و الارسال و البعث انما يكون في الفعل و هو في الخلق فيجب ان يكونَ هذا البعث الخلقي الامكاني صادراً عن ولايةٍ امكانيّةٍ هي في الحقيقة الربوبيّة اِذْ مربوب و الألوهية اذ مَألُوه و هي فعله و مشيّته و هم محلّ فعله و مشيّته فعنهم اَظْهَرَ مٰا اظْهَرَ وَ فَعَلَ ما فَعَلَ وَ لَهُ المَثَلُ الاعلي في السموات و الارض و هو العزيز الحكيم و الي هذا و نحوه الاشارة بقول علي (ع) كما في الغُرَرِ و الدّرر في وصف الملأ الاعلي و هو يعني به ظاهراً الملاۤئكة و باطناً هم (ع) لأنّ الملائكة امثال الأمثال قال علي (ع) و القي في هويّتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، فتدَبّر كلامه صلوات اللّه و سلامه عليه ما اصرحه في المُدَّعَي لمن وَعَي و معلوم انّ النبوّة "٢" بعد الولاية "٣" ذاتاً و علّةً لترتبها "-٢" عليها "-٣" و امّا الايمان فهو يتحقق في مقامين الأوّل في ذاته و جملته و الثاني في اركانه الاوّل ان الايمان نور يكتبه اللّه سبحانه في قلب الشخص بقلم اعماله و اقواله و اعتقاداته و ذلك النّور حيوة لانّه روح ينفخ في قلب العبد من روح من اللّه سبحانه قال تعالي اَومن كان ميتاً فاحييناه و جعلنا له نوراً يمشي به في الناس و قال تعالي نورهم يسعي بين ايديهم و باَيمانهم و قال تعالي اولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروحٍ مِنْهُ وَ الْعبارة عنه ظاهرا ان العبد اذا قام بما اراد الله منه كان فعله ذلك صورة الايمان و النور و الخيرات في الدنيا و الٰاخرة كالجسد و الله سبحانه ينفخ فيه من روحه و هو معني كتب في قلوبهم الايمان بقلم من المؤمن و هو القلم المصور و هو اعماله و الكاتب فيه و النافخ فيه هو جبرئل قد اعانه اسرافيل بنصف قوته و ذلك عن الولي بأمر الله و هم بأمره يعملون يعلم [ص 67] ما بين ايديهم و ما خلفهم و تلك المنفوخ منها روح للّه و هي روح الوليّ و كيفيّة النفخ كما تضع الْمِرءاۤة في ضوء الشمس فينعكس عنها نور فضوء الشمس نور الامام (ع) اي نور ايمانه و المِرءاۤة ظاهراً قلب المؤمن و لسانه و جوارحه و صورة المكتوب اعماله فالماۤدّة صورة ايمان الامام (ع) و الايجاد صَدَرَ بفعل الله عن الامام (ع) كما تقدم و ذلك كلّه هو ولاية الامام التي هي ولاية اللّه الثاني سَنَذْكُرُهُ في بيان و اَبْواب الايمان مجملاً و امّا قبول الأعمال فلأنّ الأعمال انما تتقبل من المتقين قال تعالي انما يتقبل اللّه من المتقين و المتّقي هو الذي يتّقي الله بالقيام بأوامره و اجتناب نواهيه و الطاعة للّه فرع الولي (ع) و معصية اللّه فرع اعداۤء الولي (ع) فاذا اطاع فقد تولّي و اذا لم‌يعص فقد تبرّأ فاذا تولّي و تبرّأ فقد اتّقي و من اتقي قبلت اعماله لأنّها اعمال صالحة وَ كَلمٌ طَيِّبٌ و قد قال تعالي اليه يصعد الكلم الطيّب و العمل الصالح يرفعه و في ما اوحي اللّه الي محمد (ص) ليلة المعراج اَنْ قال يا محمد و عزتي و جلالي لو انّ عبداً عبدني حتي ينقطع له و يصير كالشنّ البالي ثم اتاني جاحداً لولايتهم لم‌ادخله جنّتي و لااظلُّه تحت عرشي و انما يتقبّله و يرفع بالولاية لأنّ الطاعة فرع الولي لأنّها امتثال الأمر و اجتناب النهي هذا ظاهر القبول و باطنه هو رجوع الصّفات الي الذّوات و الفروع الي الأصول و قد قرّرنا في الفوائد انّ التابع تابع باختياره للمتبوع و المتبوع قابل له باختياره و مريد له لما بينهما من التضاۤئف و ذلك لأنّ شيعتهم منسوبون اليهم و مردّهم اليهم و هذا مقتضي القبول لِمَا بينهما من الموافقة و المناسبة و ايضاً كونهم بعملهم الخير اخياراً لأنهم جعلهم اللّه عن ائمّتهم بفعلهم الخير اخياراً او حكموا عليهم بعملهم انّهم اخيار فكانوا صلّي اللّه عليهم دعاۤئم للأخْيار في كونهم اَخْيَاراً بالجَعْل او الحكم و في نسبةِ [ص 68] الاعمال الطيّبة اليهم و في تقوّم الاعمال الصّالحة في نفسها بولايتهم و البراۤءة من اعداۤئهم و بأنّها عبارة عن اتباعهم و موافقة رضاهم و في قبولها كذلك و قد اشرتُ الي كلّ شقٍّ و التفصيل يستلزم التطويل .

قال عليه السلام : و ساسةَ العباد .

السّاسة جمع ساۤئس و هو المدبِّر لأمر المَسُوسِ و المربّي له علي كمالِ ما ينبغي و العباد جمع عبدٍ اي مملوكٍ او مطلق الانسان و هو يجمع علي عبيدٍ و اعبُد و عباد و عُبدون و عُبْدان و عِبْدان كغُفْران و غِلْمَان وَ عِبِدّان كَطِرِمّاح و مَعْبَدةٍ كَمَشْنَحَة ( كمشيخة خ‌ل ) و معابِد و عِبِدّاۤء كَزِمِكّاۤء و عِبّدي بِكَسرِ العين و الباۤء المشدّدة و عُبُد كسُبُل و عَبُد كنَدُس و معبوداۤء وَ اَعابِدُ جمع اَعْبُد و العبد له اصطلاح شرعيّ و معنيً لغويّ فالاصطلاح هو قول الصّادق (ع) العين عِلْمه باللّه و الباۤء بَونه عن الخلق و الدال دنوّه من الخالق بلا اشارةٍ و لا كيفٍ و يظهر من هذا انّه من العبادة و هي الطّاعة و كمال احوالها اَنْ يكون العبد متّصفاً بهذه الصّفات او من المعبّد كمعظّم المذلّل لأنّ العباد قد ذُلّلُوا بالتّكليف الشّاۤق او المكرّم من الأضداد لأنّ اللّه قد كرّمه كما قال تعالي و لقد كرّمنا بني آدم اَوْ لانّه اتخذه عبداً كما قال (ع) كفاني فخراً اَنْ اكونَ لك عبداً ، فالعباد في ايّ حالٍ من هذه الثلاث الطاعة و التذليل ( التذلل خ‌ل ) و التكريم و غيرها لا بدّ لهم من مدبّر حكيم و سايس عليم لأنّهم لايملكون لأنفسِهم ضرّاً و لا نفعاً و لا موتاً و لا حيوةً و لا نشوراً فلما خلق محمّداً و ال‌محمد (ص) دعاهم فاجابوا و امرهم فأتمروا و نهاهم فانتهوا فحمّلهم علمه و دينه و امرَهُ و نهيَه فاشرقَتْ بنورهم الظلماتُ و استضاۤءتْ بهم الحجبُ و السّرادقاتُ ثم لمّا اراد ان يُعَرِّف العبادَ نفسَه و دينَه عَصَرَ نورَ محمدٍ و اهل بَيتِهِ الطاهرين فخلق [ص 69] من تلك العُصارة انوارَ شيعتهم و هو ما رواه جابر بن عبداللّه الأنصاري قال سمعتُ رسولَ اللّه (ص) يقول انّ اللّه خلقني و خلق عليّاً و فاطمة و الحسن و الحسين (ع) و الاَئمة (ع) من نورٍ فعصر ذلك النور عَصْرةً فخرج منه شيعتنا فَسَبّحْنٰا فَسَبّحُوا و قدّسنا فقدّسوا و هلّلنا فهلّلوا و مجّدنا فمجّدوا و وحّدنا فوَحّدوا ثم خلق السموات و الأرضين و خلق الملاۤئكة فمكثتِ الملاۤئكة مائة عامٍ لاتعرف تسبيحاً و لا تقديساً و لا تمجيداً فسبّحنا فسبّحتْ شيعتنا فسبّحت الملاۤئكة لتسبيحنا و قدّسنا فقدست شيعتنا فقدستِ الملاۤئكة لتقديسنا و مجّدنا فمجّدتْ شيعتنا فمجّدتِ الملاۤئكة لتمجيدنا و وحّدنا و وحّدت شيعتنا فوحّدتِ الملاۤئكة لتوحيدنا و كانت الملاۤئكة لاتعرف تسبيحاً و لا تقديساً من قبل تسبيحنا و تسبيح شيعتنا فنحن الموحّدون حين لا موحّد غيرنا و حقيق علي اللّه تعالي كما اختصنا و اختص شيعتنا ان يُنْزِلَنا اَعْلَي عِلّيّين ان اللّه سبحانه و تعالي اصطفانا و اصطفا ( و اصطفي خ‌ل ) شيعتنا من قبل ان نكون اجساماً فدعانا و اجَبْنا فغفر لنا و لشيعتنا من قبل ان نستغفر اللّه ه‍ ، و في رواية ابن‌عباسٍ عنه (ص) الي ان قال (ص) ثم خلق الملاۤئكة فسبّحنا فسبّحتِ الملائكة فهلّلنا فهلّلت الملاۤئكة و كبّرنا فكبّرتِ الملاۤئكة و كان ذلك من تعليمي و تعليم عليٍ (ع) و كان ذلك في علم اللّه السابق انّ الملاۤئكة تتعلّم منا التسبيح و التهليل و كلّ شيء يسبّح اللّه و يكبّره و يهلّله بتعليمي و تعليم علي (ع) الحديث ، فظهر مما ذكر انهم هم المعلّمون للعباد في جميع طرق الرشاد كيفية السُّلوك و الاقتصاد و انما قيل ساسة و لم‌يُقَل معلّمون لأنّ الساۤئس هو المربّي لمن لايَعرف رشده لولا الساۤئس و لأنّه يصلحه بالتدريج و التسهيل الطبيعي المطابق للحكمة بتسبيب اسباب التربية و تتميم القوابل بالمعالجة الحكميّة الالهيّة المعبّر عنها بسلوك سُبُل الرّبّ مقتصراً عليه لايكون من [ص 70] الساۤئس شيء الّا مما جعل اليه المربّي الاكبر المتعالي سبحانه و تعالي فانّهم صلي اللّه عليهم لم‌يجعل لهم من الامر شيئاً الّا به فهم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم اني اِلٰه من دونه فذلك نجزيه جهنّم و هذا كما في قوله تعالي فاسلكي سبل ربّك ذُلَلاً ، و حيث قلنا انّ العباد جمع عبدٍ اي مملوك او مطلق الانسان فينبغي ان يُنبّه علي المراد من العبد في حق المكلّف اذا نسب الي الائمّة (ع) امّا نسبة العبد الي اللّه سبحانه فلا توقف لاحدٍ من المسلمين في انّه عبد رقٍّ و عبد طاعة لايملك شيئاً من امره و هذا لا فائدة في ذكره الّا لتوطية الذكر بالنسبة الي غيره و من احتمل غير هذا فهو كافر كفر الجاهليّة الأولي كما ادّعي في حق عيسي (ع) فانزل اللّه سبحانه قرءاناً رداً عليهم قال تعالي لن‌يستنكف المسيح ان يكون عبداً للّه و لا الملاۤئكة المقربون و من يستنكف عن عبادته و يستكبر فسيحشرهم اليه جميعاً نعم قد تقع اوهام مبنيّة علي اصولٍ باطلةٍ يتوهّم المدّعي لها صحّتها و يلزم منها ذلك و هي علي انحاۤءٍ شتّي منها مَن يدّعي بأنّ الماهيّاتِ غيرُ مجعولة و انّما هي صُوَر عِلميّة و يدّعي انّها مكلّفة فانْ احسنت اثابها و ان اَسَاۤءتْ عاقَبَها و انّه ليس له في الخلق الا افاضة الوجود نَفْسَه عليهم و وجوداتها تابعة لها و مَن اراد معرفة هذا القول و الاطلاع علي فساده فليراجع كلام الملّا محسن في الوافي في باب الشقاوة و السعادة لأنه ممن يقول بهذا القول و منها مَن يقول بأنّ المخلوقات منه بالسنخ او بالظل و يريد به ظل الذّات البحت علي ما يعرفون من معني الظل فانه ايضاً باطل فانّ الخلق لاينتهي شيء منه الّا الي مثله و لاينتهي الي الواجب و الّا لكان واجباً او كان الواجب ممكناً تعالي ربّي و منها من يقول بأنّ الانسان معتصر من حقٍّ لا خلقَ فيه و خلقٍ لا حقَ فيه [ص 71] فهو حقّ و خلق كما ذهب اليه ابن‌عربي مميت‌الدّين قال في الفصوص في ما نَقَلَ من الشعر :

فانّا اعبُدٌ حقّاً و انّا اللّهُ موليٰنا

و انّا عينه فاعلم اذا ما قيل انسانا

فكن حقّاً و كن خلقاً تكن باللّه رحمانا

و منها مَن يقول اِنّه ليس له ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و منهم الملّا محسن قال في الوافي فيما اشرنا اليه من كلامه فمشيّته احدية التعلّق و هي نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم انت و احوالك الي ان قال لأنّ الاختيار في حقّ الحق تعارضه وحدانيّة المشيّة فنسبته الي الحقّ من حيث ما هو الممكن عليه لا من حيث ما هو الحق عليه الي ان قال فما شاء فانّ الممكن قابل للهداية و الضلال من حيث ما هو قابل فهو موضع الانقسام و في نفس الأمر ليس للحقّ فيه الّا امر واحدٌ و منها ما ذكره السيد المرتضي في رسالةٍ له ذكر انّ اللّه سبحانه ليس الٰهاً للعرض و الجوهر الفرد لأنّ الالٰه هو المنعم علي المألوه و هذانِ غير محتاجَيْنِ الي المدد لبساطتهما نقلتُه بالمعني و امثال هذه المقالات الفاسدة المستلزمة لنفي العبوديّة عن كثير من الخلق و استغناۤئهم عن اللّهِ تعالي الله عن ذلك علوّاً كبيراً و المعروف عندي من كلام اهل العصمة و اشاراتهم انّ مَن وقعت منه امثال هذه و كان لايظهر له ان مثل ذلك منافٍ للأعتقاد بل يري انّ ذلك هو الصّواب و انّه هو مذهب اهل الحقّ (ع) و كان من شأنه الردّ الي ائمّة الهدي (ع) بمعني انه لو تبيّن له انّ هذا الاعتقاد مخالف لمراد الامام (ع) لتَرَكَهُ هو علي ظاهر الاسلام و اللّه اعلم بظاهر امره و باطنه لأنّ كثيراً من احاديث اهل العصمة (ع) دالّة بصريحها علي انّ مثل ذلك كفر و لعلّه محمول علي ما ذكرنا و امّا نسبتهم الي الخلق [ص 72] فالمعروف عند كثير من العلماۤء و من بعض الأخبار انهم عبيد طاعة لا عبيد رقّ حتي انّ بعضهم قال لايجب طاعة الامام (ع) فيما يخالف حكمه فلو اراد ان يصلّي علي الميت و له وصيّ في ذلك او وليّ و لم‌يأذن "٢" الوصيّ او الوليّ لم‌يجز له التقدم "٢" في الصّلوة بدون اذنه و هذا غلط ظاهر و حكم فاسد و مثله حَكَم بعضهم في كثير من الأموال اذا مَنَع المالِك و هذا و مثله و يـٔوّلون انّه (ع) اولي بهم من انفسهم بانّ طاعته واجبة علي المكلَّف في جميع الأحكام الشّرعية و ما يرتبط بها كالجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ممّا يتعلّق بمصالحهم و هذا كلام ينبغي عدم الالتفات اليه و ان يجعل في زاوية الاهمال لِما دلّ الدليل عليه عقلاً و نقلاً انّه (ع) اولي بهم من انفسهم بالأولويّة التي كانت لرسول اللّه (ص) و هي انّ اللّه سبحانه و تعالي خلق الأشياۤء له و لأهل بيته الطاهرين و في الحديث القدسي او انه في الانجيل خلقتُك لاجلي و خلقتُ الاشياءَ لاجلِك و قول عليّ (ع) نحنُ صناۤئع ربِّنا و الخلقُ بعدُ صناۤئعُ لنا اي صنعهم الله لنا و اللّام في لنا للملك و هذا المعني هو الذي تفيده اخبارهم اشارة لأنّ التصريح فيه فضحٌ بالحكمة فوجبتِ الاشارة للتقيّة و سألني الشيخ موسي بن محمد الصاۤئغ الشهيد لعن اللّه قاتله قال انّا لم‌نجد في كتب الرجال رجلاً من الرّواة و لا فيما قَبْلُ سُمّي بعبدالنبي و لا بعبد ( و لا عبد خ‌ل ) علي و لا عبدالحسن و لا عبدالحسين و لا عبدالرضا كما هو المستعمل الٰان في زماننا مع انّه لاينافيه الاعتقاد سواۤء قصدت عبوديّة الطاعة ام الرقيّة و لم‌يَرِدْ منع خاۤصّ من ذلك فهل الامتناع من التسمية لنصّ لم‌نقف عليه او للتقيّة فاجبته بأنّي لم‌اقف علي اسمٍ كذلك ممّن تقدم و لا علي نصّ بالمنع بل قد تشير ( يشير خ‌ل ) بعض الأخبار ببواطنها علي جواز ذلك و لعلّ المانع من وقوعه من بعض شيعتهم هو التقية لوجوهٍ منها ان الخلفاۤء كانوا يكرهون [ص 73] مَنْ يتسمّي باسم واحدٍ من ائمتِهٖ ( الائمة خ‌ل ) فكيف يقدر ان يتسمّي بعبوديّته و منها ان التشيّع كان في الزّمن السابق ضعيفاً لم‌يكن لكثير من الشيعة قوة ايمانٍ بحيث يعرفون مقام الامام (ع) و انّ كل شيء مُلْكٌ له و انما خلقتِ الأشياۤء له و امّا من كان عارفاً بذلك فلايقدر خوفاً من الأعداۤء و ممّن لايعرف و لقد رأينا في زمانِنا ببلادِنا الأحساۤء اناساً من الناصبين يعيبون علي هذه التسمية و يستهزؤن ببعض من يسمّي بذلك و منها انّ ذلك الزمان كانت الغلاة كثيرة و لايعرف اكثر الشيعة المعني المدّعي للأمام (ع) فاذا سمعوا شيئاً من هذا النحو حملوه علي الغلوّ بخلاف هذا الزمان فانه كثيراً ما يستعمله مَن لايخطر علي بالِهٖ شيء من ذلك لا من كون الامام (ع) مملّكاً و لا من نسبة الغلوّ و التقيّة التي كانت في الزمن السابق لم‌يحصل مثلها في اكثر ساۤئر البلدان و لو وجد مثلها كما في بلدان النجدي ابن‌سعود لم‌يسمّ بذلك حتي انّ كلّ من كان اسمه عبدعلي تسمّي بعبدالعالي و في عبدالحسن و الحسين ( و عبدالحسين خ‌ل ) بعبدالمحسن او عبدالله و هكذا و الّا قتلوه و الذي في ظنّي انّه وَرَدَ التسمية بذلك الّا اني الٰان عزب عني موضعه و بالجملة فقوله (ع) و ساسةَ العباد يريد به عباد اللّه و لا شك اِنّ العباد عباد اللّه و انّهم (ع) عباد اللّه و انّ العباد عباد لهم عباد طاعةٍ و انّما الكلام في انّ العباد عباد لهم عباد رِقٍّ و الأخبار في بواطن تفسيرها و دليل العقل تدلّ "٢" علي ذلك الّا انّه من المكتوم الذي امروا بكتمانه و لهذا لم‌يذكروه صريحاً بل ربما ذكروا عليهم السلام ما يدلّ بظاهره علي المنع من ارادة معني الرِّقّيّة و ان لم‌يكن نصاً في ذلك لاحتمال التّقية و ارادة عدم البيع او عدم تجويزه او عدم اظهاره و لو لفظاً او انّ النفي واردٌ علي دعوي الزعم كما في الرواية المذكورة كما يأتي لان الزعم ركوبُ مطيّةِ الكذب و انّما هو اليقين و الحق كما هو مقتضي قوله تعالي [ص 74] النبي اوْلَي بالمؤمنين من انفسهم فانّ المراد منه العموم اي في كلّ شيء او ان المنع من اظهاره و اطلاع المكلفين عليه انما هو لئلّايمتنعوا من قبول احكام الاسلام او الايمان فانّهم عليهم السلام دعوا الناس الي الاسلام و الي الايمان و لم‌يقبل اكثر الناس منهم و هم يقولون لهم اذا آمنتم او اسلمتم فانتم اخواننا فكيف لو قالوا لهم اِذا آمنتم او اسلمتم فانتم عبيدُنا و مماليكُنا بل ارشدهم سبحانه علي ان يقولوا اخواننا تألّفاً لهم و امالةً لقلوبهم الي الاسلام و الايمان فقال تعالي فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين ، فان قلتَ سمّاهم اخوانهم لانهم احرار و لو كانوا مماليك لماسمّاهم بذلك و هو دليل النفي قلتُ لايلزم ذلك فانه سمي مماليكهم باخوانهم فقال تعالي ادعوهم لاۤبائهم هو اقسط عند اللّه فان لم‌تعلموا آباۤءَهم فاخوانكم في الدين و مواليكم و لعلّ النفي او المنع من اظهار ذلك لمصالح يتوقَف اللّطف بالمكلّفين عليها و لانحيط بها علماً او لانحتملها لانهم عليهم السلام قد يتكلمون بالكلمة ( و خ‌ل ) يريدون بها احد سبعين وجهاً كما ورد عنهم و نريد بما يدلّ بظاهره علي المنع ما رواه في الكافي بسنده الي محمد بن زيد الطبري قال كنتُ قائماً علي رأس الرضا عليه السلام بخراسان و عنده عدّة من بني‌هاشم و فيهم اسحق بن موسي بن عيسي العباسي فقال يا اسحق بلغني انّ الناس يقولون انّا نزعم ان الناسَ عبيدٌ لنا لا و قرابتي من رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ماقلتُه قطّ و لاسمعتُه من احدٍ من آباۤئي قاله و لابلغني عن احد من آباۤئي قاله و لكنّي اقول النّاس عبيدٌ لنا في الطاعة مَوَالٍ لنا في الدينِ فليبلغ الشاهدُ الغاۤئب ه‍ ، و كلامه عليه السلام صريح في التقيّة عند مَن يفهم معاريض الكلام خصوصاً قوله عليه السلام و لكني اقول الناس عبيد لنا في الطاعة اذ لو لم‌يقل ذلك لفهم اسحق بن موسي العبّاسي و غيره [ص 75] قال ذلك تقيّة فلمّا اظهر لهم ان الناس عبيد لنا ( لهم خ‌ل ) في الطاعة فهموا منه ان هذا اعتقاده و مذهبه و انّه لو اتّقي لماقال ذلك و هو عليه السلام قاله لانهم يعلمون ذلك من مذهبه و من مذهب شيعته فاتّقَي من اسحقَ باظهار ما ينافي التّقيّة عنده لأنه معلوم من مذهبه عليه السلام و مذهب شيعته و الحاصل لا شكّ ان جميع الخلق عبيد طاعةٍ لهم و مَا سوي ذلك فان كان كذلك "٢" فقد امسكوا عن ذكره فعليك ان تتأسّي بهم و ان لم‌يكن كذلك فلايجوز لكَ ان تقول ما لم‌يقولوا فان قلتَ فانتَ لم قلتَ ما لم‌يقولوا قلتُ لك انا ( انّي خ‌ل ) قد بيّنتُ لك الاحتمالين فان وجدتَ انتَ ما وجدته انا فقل ما وجدتَ من نفيٍ او اثباتٍ و الّا فلا اعتراضَ لك علَيّ و اللّه سبحانه يقول الحق و هو يهدي السبيل ، نعم ورد عن ٱلصّادق عليه السلام انّه قال رحم اللهُ شيعتَنا اُوذوا فينا و لم‌نُؤذَ فيهم شيعتنا منّا و قد خُلِقُوا من فاضِل طينَتِنا و عُجِنُوا بنور ولايتِنا رضوا بنا ائمّة وَ رضينا بهم شيعة يصيبهم مصابُنا و تبكيهم اَوصْابُنَا و يحزنُهم حزنُنا و يسرّهم سرورنا و نَحْن ايضاً نتألّم لتألّمِهم و نطلّع علي اَحْوالهم فهم معنا لايُفارِقونا و نحنُ لانُفارِقهم لأنَّ مرجع العبد الي سيّدِهِ و مُعوَّله علي مولاه فهم يهجرون مَنْ عَادانا و يجهرون بمدح مَنْ والانا و يباعِدُون مَنْ ناوانا اللهم اَحْي شيعتنا في دَولتِنا و اَبْقهم في مُلكِنا و مَملكتِنا اللّهم انّ شيعتنا منّا مُضافين الَيْنا فمن ذكر مُصَابَنا و بكي لِاَجْلنا استَحْيي اللّهُ اَنْ يعذِّبَهُ بالنّار ه‍ ، و هذا ظاهره كما اشرنا اليه لانه عليه السلام قال لان مرجع العبدِ الي سيّده و معوّله علي مولاه و هذه العبارات اذا استعملت لايفهم منها الا معني الرقيّة و لكنّه ليس نصّاً صريحاً لاحتمال ارادة عبوديّة الطّاعة كما في الحديث الأول و ان كان الاحتمال غير مساوٍ للظاهر و انما يبطل الاستدلال ما كان مساوياً من الاحتمال لا المرجوح و اللّه ولي التدبير و اليه المصير .