و المقام الرابع مقام الامامة و هو الحق و هو الظاهر و هو السرّ المستسرّ و هو مقام حجة اللّه علي خلقه و خليفته في ارضه افترض طاعته علي جميع خلقه جعله اللّه قيماً علي العباد و حفيظاً و شاهداً و داعياً الي اللّه و هادياً الي سبيله و وجهه الذي يتقلب في الارض و عينه الناظرة في عباده فكّاك الازمات المعضلة و فاتح الحصون المقفلة و القصر المشيد و البئر المعطّلة ملجأ الهاربين و عصمة المعتصمين و امن الخائفين و عون المؤمنين فالامام في مقام الامامة هذا هو موضع الرسالة يعني ان جميع احكام اللّه التي اوحاها الي رسول اللّه (ص) عندهم فهم حفظته من حكم و علم و فهم و ذكر و فكر و غير ذلك فهم (ع) موضع الرسالة في الاحوال الثلثة كل مقام بحسبه بخلاف المقام الاول فانه لايصلح للموضعيّة اذ ليس قبله ارسال و لو قرئ بجرّ موضع عطفاً علي بيت اي يا اهلَ موضع الرسالة جاز و يكون موضع الرسالة هو محمد (ص) فيلحظ في هذا المعني الله اعلم حيث يجعل رسالته فيكون انما استحق ان يجعل موضِعاً للرسالة لنورية طينته و اعتدال قابليته و استقامة سيرته و صفاء سريرته و عظم مسارعته الي طاعة ربّه حتي انه تفرد في هذه الصفات و امثال ذلك من صفات الكمالات عن جميع ما خلق اللّه لميساوِهٖ في شيء منها احدٌ من الخلق و لميدانِه في شيء منها احد الّا ابن عمه علي بن ابيطالب (ع) و ابنته و بنيه ( و بنوه خل ) الائمة الطاهرين عليه و عليهم السلام اجمعين فهو امامهم في كل مقام من هذه المقامات الأربعة و الواسطة بين الله تعالي و بينهم (ع) و باعتبار اۤخر الاربعةعشر معصوماً هم صفات اللّه و اسماؤه و آلاۤؤه و نعمه و رحمته الواسعة و رحمته المكتوبة و هم معانيه كما ذكرنا الاشارة اليه كما قلنا و هم وجه اللّه الذي يتوجه اليه الأولياء و هم اسم اللّه المبارك ذو الجلال و الاكرام [ص 28] و وجه الله الباقي بعد فناء كل شيء و الوجه الذي يتقلب في الارض و مقصد كل متوجه و سائرٍ من مطيع حيث يحب اللّه و من عاصٍ حيث يكره اللّه و هم اوعية غيبه و هم ظاهره في سائر المراتب و جميع المعاني و المقامات آياتهم ظاهرة في الاۤفاق و في انفس الخلق و معجزاتهم باهرة و هم ملوك الدنيا و الاۤخرة اللهم صل علي محمد و آلمحمد كما صليت علي ابراهيم و آل ابراهيم انك حميد مجيد ، و قولي سابقاً لو قُرئ بالجر لمارد به اني وقفت علي نسخة بالجر و انما ذكرته احتمالاً لبيان صحة المعني علي تقديره و انما نقرؤه بالفتح بمعني ان جميع ما وصل الي محمد (ص) من العلوم و ما ارسله الله به فقد وصل الي علي و فاطمة و الطيبين من آله صلي اللّه عليهم اجمعين ، ففي الكافي عن حمران بن اعين عن ابيعبداللّه (ع) قال ان جبرئيل (ع) اتي رسول اللّه (ص) برمّانتين فاكل رسول الله (ص) احدهما و كسر الاخري بنصفين فاكل نصفاً و اطعم علياً نصفاً ثم قال له رسول اللّه (ص) يا اخي هل تدري ما هاتان الرمّانتان قال لا قال اما الاولي فالنبوة ليس لك فيها نصيب و اما الاخري فالعلم فانت شريكي فيه فقلت اصلحك اللّه كيف يكون شريكه فيه قال لميعلّم الله محمداً (ص) علماً الا و امره ان تعلّمه علياً (ع) و عن محمد بن مسلم قال سمعت اباجعفر (ع) يقول نزل جبرئيل (ع) علي محمد (ص) برمانتين من الجنة فلقيه علي (ع) فقال ما هاتان الرمانتان اللتان في يدك فقال (ص) اما هذه فالنبوة ليس لك فيها نصيب و امّا هذه فالعلم ثم فلقها رسول اللّه (ص) بنصفين فاعطاه نصفها و اخذ رسول اللّه صلي اللّه عليه و اۤله نصفها ثم قال (ص) انت شريكي فيه و انا شريكك فيه قال (ع) فلميعلم واللهِ رسول اللّه (ص) حرفاً ممّا علّمه اللّه تعالي الا و قد علّمه عليّاً (ع) ثم انتهي العلم الينا ثم وضع يده علي صدره ، و فيه عن سليم بن قيس الهلالي قال قلت [ص 29] لاميرالمؤمنين عليه السلام اني سمعت من سلمان و المقداد و ابيذر شيئاً من تفسير القرآن و احاديث عن نبيّ اللّه (ص) غير ما في ايدي الناس الي ان قال علي (ع) و كنت اذا دخلتُ عليه بعض منازله اخلاني و اقام عنّي نسائه فلايبقي عنده غيري و اذا اتاني للخلوة معي في منزلي لميقم عني فاطمة و لا احداً من بَنِيَّ و كنت اذا سألته اجابني و اذا سكت عنه و فنيتْ مسائلي ابتدأني فمانزلَتْ علي رسول اللّه (ص) آية من القرآن الا اقرأنيها و املاها عليّ فكتبتها بخطي و علمني تأويلها و تفسيرها و ناسخها و منسوخها و محكمها و متشابهها و خاصّها و عامّها و دعا اللّه ان يعطيني فهمها و حفظها فمانسيت آية من كتاب اللّه تعالي و لا علماً املاه عليّ و كتبته منذ دعا اللّه لي بما دعا و ماترك شيئاً علّمه الله من حلال و لا حرام و لا امر و لا نهي كان او يكون و لا كتاب منزل علي احد قبلَه من طاعة او معصية الّا علّمنيه و حفظته فلمانس حرفاً واحداً ثم وضع يده علي صدري و دعا اللّه لي ان يملأ قلبي علماً و فهماً و حكماً و نوراً الحديث ، و روي الحسن بن سليمن الحلي عن كتاب تأويل ما نزل من القرءان لابيعبداللّه محمد بن العباس بْن مروان بسنده الي عمران بن ميثم ان عباية ( عبابة خل ) حدثه انه كان عند اميرالمؤمنين عليه السلام خامس خمسة هو اصغرهم يومئذ فسمع اميرالمؤمنين (ع) يقول حدثني اخي انه ختم الف نبيّ و اني ختمت الف وصيّ و اني كلّفتُ ما لميكلّفوا و اني لاعلم الف كلمة مايعلمها غيري و غير محمد (ص) ما منها كلمة الّا مفتاح الف باب بعد ما تعملُون ( تعلمون ظ ) منها كلمة واحدة غير انكم تقرؤن منها آية واحدة في القرٰان و اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابةً من الارض تكلمهم ان الناس كانوا باياتنا لايوقنون و ماتدرون بها ه ، اقول و روي الف باب ينفتح من كل باب الف باب و من كل باب الف باب و روي الف حرفٍ [ص 30] ينفتح من كل حرف الف حرف ، و في الكافي عن الحارث بن مغيرة و عدة من اصحابنا منهم عبدالاعلي و ابوعبيدة و عبداللّه بن بشر الخثعمي سمعوا اَباعبداللّه (ع) يقول اني لاعلم ما في السموات و ما في الارض و اعلم ما في الجنة و اعلم ما في النار و اعلم ما كان و ما يكون قال ثم مكث هُنَيّةً فرأي ان ذلك كبر علي من سمعه منه فقال علمت ذلك من كتاب اللّه تعالي ان اللّه تعالي يقول فيه تبيان كل شيء ه ، و الحاصل انهم عليهم السلام موضع الرسالة بهذه المعاني التي ذكرناها و ما اشبهها لا بمعني انهم رسل جعلهم محال الرسالة يوحي اليهم كما توهّمه بعض الغُلاة و قد كذبوا و انما هم محدّثون صلي الله عليهم اجمعين .
قال عليه السلام : و مختلف الملائكة .
اي محل ترددهم اي ينتهي ترددهم ابتداءاً و انتهاءاً اليهم للخدمة و اكتساب الكمالات و العلوم منهم (ع) و لتبلغ ( و لتبليغ خل ) ما حتم و قضي من المقدرات فان اللّه سبحانه و تعالي ببديع حكمته جعل الملائكة رُسلاً في تبليغ الامدادات و تكميل الاستعدادات كما قال سيدالساجدين (ع) في الصلوة علي الملاۤئكة من الصحيفة قال (ع) و رسلك من الملائكة الي اهل الارض بمكروه ما ينزل من البلاء و محبوب الرخاۤء و كذلك في تبليغ الاحكام من المحتوم من خلقٍ و رزقٍ و موتٍ و حيوة و ما يحدث من كلّ مُشاۤء و مرادٍ و مقدّرٍ و مقضي و ممضي و مكتوب و مؤجل و مأذون اليهم (ع) لأنّهم ابواب الفيض و منبع الخير فالملاۤئكة تأتي اليهم بما يبرز من الالهامات و القذوف و ما تجري به الأقلاۤم و تمضي به الأحتام مما تحت المشيّة من سابق علمه و مقدّر حكمه و تبلّغ الملاۤئكة ما تنزل به عليهم عن امرهم الي ما يشاۤء الله من خلقه فهم [ص 31] (ع) ابواب الله تعالي في جميع ذرّات الوجود في الصدور و الورود فالملاۤئكة المرسلون اليهم تتلقّي ما تنزل به اليهم من انوارهم و امثال حقائقهم و تبلّغه الي آثارهم و صورهم و بيوتهم و مواطنهم و غنمهم و انعامهم فهم يتلقّون عنهم و يبلغونهم ما تلقّوه الا انّهم يأخذون عن غيبهم و يوصلونه الي شهادتهم و مثال ذلك في نفسك انّ خواطرك التي ترد عليك بالتذكر و الفهم و المعرفة حتي تستفيد منها العلوم و الفهم و التذكر انّما ترد عليك من قلبك و هذا مثال تلك الملاۤئكة المرسلين في صدورهم بالوحي و الالهامات من المبدء انما تصدر من انوار حقايق المحمد عليهم السلام فهم المعلِمون للخلق اجمعين روي الصدوق باسانيده عن عبدالسلام بن صالح الهروي عن علي بن موسي الرضا (ع) عن ابيه عن اۤبائه عن علي بن ابيطالب صلوات الله عليهم قال قال رسول الله (ص) ماخلق الله خلقاً افضل مني و لا اكرم عليه مني قال علي (ع) فقلتُ يا رسول اللّه (ص) فانت افضل او جبرئيل فقال (ص) يا عليّ انّ اللّه تبارك و تعالي فضّل انبياۤئه المرسلين علي ملائكته المقربين و فضّلني علي جميع النبيّين و المرسلين و الفضل بعدي لك يا علي و للائمة من بعدِك و انّ الملاۤئكة لخدامنا و خدّام محبينا يا علي الذين يحملون العرش و من حوله يسبّحون بحمد ربّهم و يستغفرون للذين امنوا بولايتنا يا علي لولا نحن ماخلق الله اۤدم و لا حواء و لا الجنة و لا النار و لا السماء و لا الارض فكيف لانكون افضل من الملاۤئكة و قد سبقناهم الي معرفة ربّنا و تسبيحه و تهليله و تقديسه و تمجيده لأنّ اوّلَ ما خلق الله عز و جل خلق ارواحنا فانطقنا بتوحيده و تحميده ثم خلق الملاۤئكة فلما شاهدوا ارواحنا نوراً واحداً استعظموا امرنا فسبّحنا لتعلم الملاۤئكة انا خلق مخلوقون و انه منزه عن صفاتنا فسبّحت الملاۤئكة بتسبيحنا و نزّهته عن صفاتنا [ص 32] فلما شاهدوا عظم شأنِنا هلّلنا لتعلم الملاۤئكة الّا اله الّا اللّه و انا عبيد و لسنا باۤلهَةٍ يجب ان نعبد معه او دونه فقالوا لا الٰه الّا اللّه فلما شاهدوا كبر محلّنا كبّرنا لتعلم الملاۤئكة ان اللّه اكبر من ان يُنال عظيم المحل الّا به فلما شاهدوا ما جعله لنا من العزّ و القوة قلنا لا حول و لا قوة الّا بالله العلي العظيم لتعلم الملاۤئكة ان لا حول و لا قوة الّا بالله فلما شاهدوا ما انعم الله به علينا و اوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا الحمد للّه لتعلم الملاۤئكة ما يحق لله تعالي ذكره علينا من الحمد علي نعمه فقالت الملاۤئكة الحمد لله فبنا اهتدوا الي معرفة توحيد اللّه و تسبيحه و تهليله و تحميده و تمجيده ثم ان اللّه تبارك و تعالي خلق اۤدم فاودعنا صلبه و امر الملاۤئكة بالسجود له تعظيماً لنا و اكراماً و كان سجودهم للّه عز و جل عبوديّة و لٰادم اكراماً و طاعةً لكوننا في صلبه فكيف لانكون افضل من الملاۤئكة و قد سجدوا لٰادم كلهم اجمعون الحديث ، و عن حبيب بن مظاهر رضي الله عنه انه قال للحسين بن علي بن ابيطالب (ع) أي شيء كنتم قبل ان يخلق اللّه اۤدم (ع) قال كنا اشباحَ نورٍ تدور حول عرش الرحمن فنعلّم الملاۤئكة التسبيح و التهليل و التحميد كما تقدم مفصلاً ، و عن ابنابيعمير عن عمرو بن جميع عن ابيعبدالله (ع) قال كان جبرئيل (ع) اذا اتي النبي (ص) قعد بين يديه قعدة العبيد و كان لايدخل حتي يستأذنه ، و روي الكليني في الصحيح عن ابيحمزة الثمالي قال دخلتُ علي علي بن الحسين (ع) فاحتبستُ في الدار ساعة ثم دخلتُ البيت و هو يلتقط شيئاً و ادخل يده في وراء الستر فناوله مَن كان في البيت فقلتُ جُعلتُ فداۤءك هذا الذي اراك تلتقطه أي شيء هو فقال فضلة من زغب الملاۤئكة اي صغار ريشهم نجمعه اذا خلونا نجعله سبحا لِاَوْلٰادِنا فقلت جعلتُ فداۤءك و انهم ليأتونكم فقال يا اباحمزة انّهم ليزاحمون علي تُكَأَتِنٰا ، و عن ابيالحسن عليه السلام قال سمعته يقول [ص 33] ما من ملكٍ يُهْبِطه اللّه في امر مايهبطه الّا بدأ بالامام (ع) فعرض ذلك عليه و انّ مختلف الملاۤئكة من عند الله تبارك و تعالي الي صاحب هذا الامر (ع) ، اقول و يجوز ان يكون معني كونهم (ع) مختلف الملاۤئكة ان ما اختلفت الملاۤئكة به الي جدهم (ص) انه عندهم اي محل ما اختلفت به او المستحفظون له او ( و خل ) اختلاف الملاۤئكة المقتضي لتعدّدهم و ذلك لاختلاف جهات قوابل الملائكة و استمداداتهم منهم عليهم السلام في بدء خلقهم من انوارهم و في استمداداتهم و تلقّيهم منهم الكمالات و المعارف و ساۤئر العلوم و التحمّلات في التأدية الي من شاء اللّه فانّ الملائكة في تلقي تلك الاشياۤء مختلفون في الجهات و الافعال و المفعولات اختلافاً عدد ذرّات الوجود كل ملك يتحمل بحسب قابليته و ما يناسبُه و ما هو من جنسه او نوعه او شخصه و كل ذلك الاختلاف و التّبايُن و التمايز منحصر في جهتهم صلي اللّه عليهم اجمعين فلذا كانوا مختلف الملاۤئكة و المعني الأوّل هو الظاهر من العبارة الظاهرة و غيره مراد في المعني و اللّه اعلم .
قال عليه السلام : و مهبط الوحي .
اي محل هبوط الوحي بواسطة جدهم رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله كما تقدم لانهم الحافظون لما نزل به الوحي من احكام الذوات و الصفات و الاَفْعال و الاعمال و الاقوال و الاحوال يعني انهم محل ما هبط منها بالوحي الخاص الذي ينزل به الملك ظاهراً بالوحي و ان اريد بالوحي ما هو اعمّ من هذا و من الالهام و سماع الصوت و ما نطقت به الجمادات و النباتات و الحيوانات و احوالها و ما نطق به احوال الكلام و الألفاظ و الاعراض فهم علي الحقيقة محلّ ذلك و انما قيل مهبط الذي يراد منه المحل الذي ينزل فيه من المكان الذي هو اعلي منه مع انهم (ع) اعلي من هذا الهابط علي الوجهين [ص 34] لأنّ المراد بالهبوط اليهم ظهور ذلك علي حقاۤئقهم و عقولهم و نفوسهم و ظواهرهم و في كل مقامٍ من هذه المهابط الأربعة ينزل فيه مما هو اعلي منه فينزل في حقائقهم من فعل الله و في عقولهم من الماۤء الأوّل و في نفوسهم من عقولهم و في ظواهرهم من نفوسهم بواسطة الملائكة تحدّثهم عن نفوسهم عن عقولهم عن حقائقهم عن الماۤء عن الفعل عن الله سبحانه و تعالي فان قلتَ ما الجمع بين ما ورد انّ جبرئل (ع) قال عند موت النبي (ص) هذا آخر نزولي الي الدنيا و الٰان اصعد الي السماۤء و لاانزل ابداً و انّ الائمة يسمعون الصوت و لايرون الشخص و بين ما روي انّ عليّاً (ع) كان يخطب في مسجد الكوفة فقال سلوني قبل اَن تفقدوني فاتاه رجل فقال اخبرني أين جبرئل الٰان فرمق السموات ثم رمقَ الأرضين و الجهات فقال للسّائل انت جبرئل فقال صدقتَ فعرجَ الي السماۤء و الناس ينظرون اليه و انّهم (ع) تأتيهم الملاۤئكة و يقعدون علي فرشهم و يتّكؤن علي متّكَأٰتهم ( متكائهم خل ) و يرونهم قلتُ الجمع بينهما انّ جبرئل (ع) بعد موت النبي (ص) لاينزل الي الارض بوحيٍ قطّ لانختام النبوّة بنبوّة نبينا صلّي اللّه عليه و آله و ان نزل بغير وحيٍ و انّ الائمة (ع) يسمعون صوت الوحي من الملك و لايرون شخصه حين ينزل بالوحي و في غير هذا الحال يرونهم و يقعدون معهم و يخبرونهم بكلّ ما يسئلونهم و يرونهم حين يأتون باحكامِ القضاۤء و الامضاۤء الذي هو بيان ما ينزل ( نزل خل ) به الوحي علي النبي (ص) و امّا انّهم يسمعون الصوت و لايرون الشخص فالمراد انّهم اذا نزل الوحي علي النبي (ص) بامرٍ من الامور فانّهم عليهم السلام يسمعون ما يسمع (ص) و لايرون شخص الملك الذي ينزل بالوحي التأسيسي علي النبي (ص) لِأَنّ السماع و الرؤية معاً اعظم مظاهر الحق و اظهر و لاتصلح الّا للنبي (ص) و الي هذا الاشارة في دعاء ليلة مبعث النبي صلي الله عليه و آله الليلة السابعة و العشرين من شهر [ص 35] رجب قوله (ع) اللهمّ اني اسألك بالتجلي الأعظم في هذه اللّيلة من الشهرِ المكرّم ان تصلي علي محمّدٍ و المحمدٍ و ان تغفر لنا ما انت به ( اعلم منا خل ) منّا اعلم يا مَن يعلم و لانعلم اللهمّ بارك لنا في ليلتنا هذه التي بشرفِ الرسالة فضّلتها و بكرامتك اجللتها و بالمحل الشريف احللتَها ، و يحتمل انّ المراد انّ الامام (ع) لايري شخص الملك النازل بالوحي محدِّثاً له و انما يراه محدِّثاً للنبي (ص) الّا ان يحدِّثه ببيان الوحي الذي نزل قبل علي النبي (ص) و يدلّ علي انه يري الملك النازل بالوحي علي النبي (ص) قوله (ص) يا علي انّك تسمع ما اسمع و تري ما اري و لا ضرر في ذلك فانّهم لايرون الشخص النازل بالوحي التأسيسي عليهم لأنّه انما يرونه نازلاً علي النبي (ص) و انما كانوا (ع) مهبط الوحي مع ان مهبط الوحي هو رسول الله صلي الله عليه و آله لانهم (ع) امثالُه و نفسه كما يشير اليه قوله تعالي في تأويل ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخيرٍ منها او مثلها فلما مات رسول اللّه (ص) اُتي بعليٍ (ع) و هو مثله و كذلك علي و الحسن و الحسين الي الحسن العسكري عليهم السلام فلما مات العسكري اُتي بخير منه و هو القائم (ع) لأنه افضل الثمانية كما روي عن النبي (ص) انه قال تاسعهم قائمهم اعلمهم افضلهم و يحتمل ان يكون بخيرٍ منها ليس للتفضيل بل المعني نأت بخير كثير من الذي قبله و تكون ( من خل ) للأبتداء اي بدله و مثله و كذلك قوله تعالي و انفسنا و انفسكم فجعل عليّاً (ع) نفس الرسول (ص) و ما يجري لعلي يجري لولده الطيبين عليهم السلام فيكون بهذا المعني ايضاً مهبط الوحي و الوحي قد يراد به ( منه خل ) خصوص الالهام كما في قوله تعالي و ماكان لبشرٍ ان يكلّمه اللّه الّا وحياً اي الهاماً او من وراۤء حجاب كتكليمه موسي (ع) من الشجرة او يرسل رسولاً كجبرئل فبهذه الارادة يكونون حقيقة مهبط الوحي لأنّهم مهبط الالهام من الملك العلّام و كذلك بالحجاب و بارسال الملائكة ماخلا ما [ص 36] يختص بالنبوة و الرسالة من الوحي التأسيسي و الّا ففي كلّ سنة الي فناۤء الدنيا في ليلة القدر تنزل الملاۤئكة و الروح فيها اي روح القدس و هو الملك الأعظم و هو المحدِّث لكلّ نبيّ و امامٍ فينزل عليه مع الملائكة التي لايحصي عددهم الّا اللّه بما كان محتوماً من الأمور المقضيّات علي امامِ العصر (ع) فيراهم و يسمعهم البتّة الّا انّ الذي يأتون به ليس من الوحي التأسيسي و انما هو لبيان المحتوم مما عنده من الامور المشروطة فافهم .
قال عليه السلام : و معدِن الرحمة .
المعدِن بكسر الدال مركز كلّ شيء من عَدَن بالمكان عَدْناً و عُدوُناً اي اقام به و جنّات عدنٍ اي جنات اقامة لا زوال لأهلها و لا انتقال لهم عنها و منه المعدن اي مستقرّ الجوهر و في الحديث الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة لأنّهم يتفاوتون في الكمالات الشرعية علي حسب استعداداتهم ففيهم الجيد و الردي كالمعادن ، و الرحمة لغة في الانسان رقّة القلب و عطفه و يستعملونها في حق الله في عطفه و برّه و رزقه و احسانه و عنايته و ما اشبه ذلك و في العرف الخاصّ الرحمة اعطاۤء كلّ ذي حقٍّ حقّه و هو قوله تعالي الرحمن علي العرش استوي انّه سبحانه استوي برحمانيته علي العرش فاعطي كل ذي حقٍ حقه كقوله تعالي اعطي كل شيء خلقه ثم هدي فالعرش عبارة عن اركانٍ اربعةٍ لأنّه ينقسم اليها فالركن الأحمر استوي الرحمن عليه بصفة الخلق فعنه خلق كلّ شيءٍ و استوي الرحمن علي الركن الأصفر بصفة الحيوة فعنه احيي كلّ شيءٍ و استوي الرحمن علي الركن الأبيض بصفة الرزق فعنه رزق كلّ شيءٍ و استوي الرحمن علي الركن الأخضر بصفة الموتِ فعنه امات كلّ شيءٍ و كون الرحمة اعطاۤء كل ذي حقٍّ حقّه هو السرّ في قوله [ص 37] تعالي الرحمن علي العرش استوي ، ثم استوي علي العرش الرحمن فاسئل به خبيراً ، ثم استوي علي العرش الرحمن يدبر الأمر و ما اشبه ذلك و لميقل اللّه علي العرش استوي ، ثم الرحمة قسمان الرحمة الواسعة سمّيتْ بذلك لشمولها لجميع الخلق من مؤمنٍ و كافر و صالحٍ و طالحٍ و جمادٍ و نباتٍ و حيوانٍ و هي خير ( حيز خل ) الايجاد فهي وجود و الوجود خير ( حيز ظ ) فمنها الفضل و منها العدل و هي ( فهي خل ) صفة الرحمن فتعمّ المؤمن و الكافر في الدنيا و الثاني الرحمة المكتوبة و هي الرحمة الخاصّة و هي محض الفضل في الحقيقة و ان انقسمَت في الظاهر الي فضلٍ و مجازاة و هي صفة الرحيم فتخصّ المؤمن في الٰاخرة قال الله تعالي و رحمتي وسعت كل شيءٍ و هذه هي الرحمة الواسعة قال تعالي فسأكتبها للذين يتقون و يؤتون الزكوة و هذه هي الرحمة المكتوبة و هي خاصة بالمؤمنين قال تعالي و كان بالمؤمنين رحيماً و الروايات مختلفة هذا معني روايةٍ ، و معني اخري تعلّق الصفتين بالدنيا و الٰاخرة ففي الدعاء يا رحمن الدنيا و الٰاخرة و رحيمهما و وجه آخر و هو ان الرحمن اكثر حروفاً من الرحيم و زيادة المباني تدل علي زيادة المعاني فتكون الرحمن بالدنيا و الٰاخرة و الرحيم بالاۤخرة فعلي الأوّل عموم صفة الرحمن للمؤمن و الكافر في الدنيا من جهة الفضل علي المؤمن و العدل بالكافر او انّه سبحانه قد تفضّل علي المؤمن بما يستحقه لأيمانه و علي الكافر اتماماً للنعمة لعله يتذكر نعمة اللّه او يخشي عقوبته عليها بترك شكرها او بزوالها او استدراجاً كما قال تعالي فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم ابواب كل شيء حتي اذا فرحوا بما اوتوا اخذناهم بغتةً فاذا هم مبلسون و انه قد اجري عدله علي المؤمن بان يؤاخذه بما يقع منه من الذنوب و لميعف عنه فيبتليه بالمرض و الفقر و موت النسل و الهموم او يسلّط عليه [ص 38] ظالماً يؤذيه او جار سوء او امرأة تؤذيه او غير ذلك ليعلم الصابرين و يكون ما اصابه كفّارة لِما وقع منه من الذنوب و ليعلم المؤمن ان الدنيا لَيْسَتْ بدار امنٍ و ثوابٍ و راحةٍ فلايرغب في الركون اليها و انّه قد اجري عدله علي الكافر جزاءً بما كانوا يكسبون او ليرْغَبَ في الاسلام او ليكره الدنيا لأنّ كثيراً ممن كفر انما كفر لرغبته في الدنيا اذ قد يكون عليه في الاسلام ذلة في زعمه بالانقياد الي اهل الاسلام او خوفاً علي فوات بعض حطامها و امثال ذلك فلايسلم حرصاً علي الدنيا فأذا تبيّن له فساد الركون اليها و انّه لايدرك مطلوبه آمَن او انّ ذلك تقدمة لعذابه و غير ذلك ، و علي الثاني يرحم المؤمن في الدنيا بأن يتفضّل عليه بجزيل النعم انعاماً لبالِهٖ قال تعالي أليس الله باعلم بالشاكرين و ان يعفو عن تقصيراتِهٖ و سيّئاۤته تفضّلاً فلايؤاخذه بشيءٍ من ذلك و هذا جهة الفضل من الرحمة الواسعة و ذلك الفضل هو الرحمة المكتوبة فتجري علي ذلك المؤمن بنعيم الأبد و ملكٍ لايبلي و هذا صفة الرحيم و قد تجري صفة الرحيم علي الكافر في الدنيا بأن تُرْفَع عنه البلايا و المحن و الفقر و الهموم و الامراض استدراجاً او تذكيراً لنعمه عليه و لاتجري عليه في الٰاخرة اِلّا علي نحوٍ لايحسّ بها كما لو كانت له استحقاقات من الاعمال الظاهرة كما لو اعطي فقيراً شيئاً من رقّة قلبه و لميجاز عليها في الدنيا ثم تفرّق عليه في النار حتي يُوفَّاها و هو في النار مفرقة بحيث لايحسّ بالتخفيف و علي الثالث ما يعلم مما تقدم و بالجملة الرحمة الواسعة تعم المؤمن و الكافر في الدنيا و الٰاخرة و هي صفة الرحمن و الرحمة المكتوبة قد تعمهما في الدنيا و الٰاخرة و قد تخصّ المؤمن في الٰاخرة الّا انّه لايجري علي المؤمن من الرحمة الواسعة في الٰاخرة الّا جهة الفضل التي يطلق عليها الرحمة المكتوبة و في الدنيا يشارك الكافر في الفضل [ص 39] و العدل الّا انه علي نحو اللّطف به و التطهير له بخلاف جريان الرحمة الواسعة علي الكافر فانها لاتجري عليه علي نحو اللّطف و التطهير فكونهم (ع) معدن الرحمة انّهم معدن الرحمة الواسعة في الدنيا و الٰاخرة بجميع معانيها و معدن الرحمة المكتوبة في الدنيا و الٰاخرة كذلك و ذلك لأنّهم (ع) اولياۤء النعم و سيوف النقم و اليه الاشارة بقوله تعالي حتي اذا فتحنا عليهم باباً ذا عذابٍ شديدٍ اذا هم فيه مبلسون ، فضرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب لأنّهم عليهم السلام مُناة للخلق اي مبتلون و مختبرون و مقدِّرون للخلق في جميع الحركاتِ و السكناتِ و الاراداتِ و الاعمالِ و الاعتقاداتِ و اذواد يذودون الاعداۤء عن الخير و الأولياۤء عن الشرّ و بالجملة قال الحجّة عليه السلام في دعاۤءِ كلّ يومٍ من شهر رجب اعضادٌ و اشهاد و مُناة و اذواد و حفظة وَ رُوّاد الخ ، و من اتصف بهذه الصفات فهو معدن الرحمة الواسعة و محلّها الذي وسعها فاعضاد اشارة الي مفهوم قوله تعالي مااشهدتهم خلق السموات و الأرض و لا خلق انفسهم و ماكنتُ متخذ المضلّين عضداً فهم (ع) قد اشهدهم خلق السموات و الارض و خلق من اسكنهما من جِنّه و انسه و ملاۤئكته و سائر ما برأ و ذرأ و ما احدث من جمادٍ و نباتٍ و حيوان و اشهدهم خلق انفسهم و اتخذهم اعضاداً لخلقه لأنهم الهادون و اتخذ الهادين عضداً و معني انّه سبحانه اتخذهم اعضاداً لخلقه ان الشيء لايتقوّم الّا بمادّته و صورته لتوقف وجوده علي العلّة المادّية و العلّة الصوريّة و لمّا خلق اللّه محمداً (ص) سراجاً منيراً اشرق نوره حتي ملأ العمق الاكبر فخلق الله موادّ الاشياء غيبها و شهادتها مادّيها و غير مادّيها و جواهرها و اعراضها من نور محمد صلي اللّه عليه و آله و لمّا خلق اللّه عليّاً عليه السلام قمراً منيراً اشرق نوره حتي ملأ العمق الاكبر فخلق سبحانه صور الاشياء غيبها و شهادتها ماۤدّيها و غير ماۤدّيها و جوهرها و اعراضها من نور علي (ع) [ص 40] فالمادّة هي الأب و الصورة هي الأم و الي هذا اشار (ص) انا و علي ابوا هذه الامّة و في الحديث عن الصادق (ع) بيان ذلك قال (ع) انّ اللّه خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لأبيه و امّه ابوه النور و اُمّهُ الرحمة و لا شك انّ الصبغ هو الصورة و هي الامّ فتفهّم فالمادة و الصورة اللّتان هما العلّتان اللّتان لايتقوّم الشيء الّا بهما هما ركنا الشيء و عضده فقد اتخذهم اعضاداً لخلقه ، و اشهاد اي انّ الله جعلهم شهداۤء علي خلقه يعني يشهدون اعمالهم فسيري الله عَملَكُمْ و رَسُوله و المؤمنون و احوالهم و اقوالهم و جميع حركاتهم و سكناتهم لايغيب عنهم شيء من احوال الخلق و في عيون الاخبار انّ الرضا عليه السلام سأله بعض من حضر من الفقهاء و اهل الكلام من الفرق المختلفة في مجلس المأمون فقال يا ابن رسول الله بأي شيء تصحّ الامامة لمدّعيها قال بالنص و الدليل قال له فدلالة الامام في ما هي قال في العلم و استجابة الدعوة قال فما وجه اِخباركم بما يكون قال ذلك بعهدٍ معهود الينا من رسول الله (ص) قال فما وجه اِخباركم بما في قلوب الناس قال له امابلغك قول رسول اللّه (ص) اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه قال بلي قال فما من مؤمن الا و له فراسة لنظره بنور اللّه علي قدر ايمانِهٖ و مبلغ استبصاره و علمه و قد جمع اللّه للائمة منّا ما فرقه في جميع المؤمنين و قال عز و جل في محكم آياته انّ في ذلك لٰاياتٍ للمتوسّمين فاوّل المتوسّمين رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ثم اميرالمؤمنين عليه السلام من بعده ثم الحسن و الحسين و الائمة من ولد الحسين الي يوم القيمة قال فنظر المأمون فقال يا اباالحسن زدنا ممّا جعل اللّه لكم اهل البيت فقال الرضا (ع) انّ الله تبارك و تعالي قد ايّدنا بروحٍ منه مقدّسة مطهّرة ليست بِمَلَكٍ لمتكن مع احدٍ ممّن مضي الا مع رسول اللّه (ص) و هي مع الائمّة منا تسدّدهم و توفّقهم و هو عمود [ص 41] من نور بيننا و بين اللّه عز و جل الحديث ، اقول فبهذا العمود النور يشهدون جميع اعمال العباد و هذا العَمود قد يسمّي ملكاً في بعض الاخبار و في بعض الاخبار ما معناه انّ اللّه يعطي وليّه عموداً من نورٍ يَري فيه اعمال الخلائق كما يري احدكم الشخص في الْمِرءٰاة و بالجملة فالمراد بكونهم اشهاداً انهم لايخفي عليهم شيء من اعمال الخلائق فهم يشاهدونهم و اَنّهم يشهدون علي مَن وَفي بما وفي و مَن انكر بما انكر ، و في الكافي عن سماعة قال قال ابوعبداللّه عليه السلام في قول اللّه تعالي فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيدٍ و جئنا بك علي هؤلاۤء شهيداً قال نزلت في امّة محمد (ص) خاصّة في كل قرنٍ منهم امام مِنّا شاهد عليهم و محمد (ص) شاهد علينا ، و فيه عن بُرَيدٍ العجلي قال سألتُ اباعبداللّه عن قول اللّه تعالي و كذلك جعلناكم امّةً وسطاً لتكونوا شهداۤء علي الناس قال (ع) نحن الامّةُ الوسطي و نحن شهداۤء اللّه علي خلقه و حججه في ارضه قلتُ قول اللّه ملّة ابيكم ابراهيم قال (ع) ايّانا عني خاۤصّة هو سمَّيكم المسلمين من قبل في الكتب التي مضت و في هذا القرءان ليكون الرسول عليكم شهيداً فرسول اللّه (ص) الشهيد علينا بما بلّغنا عن الله تعالي و نحن الشهداۤء علي الناس فمن صَدَق صدّقناه يوم القيمة و مَن كذب كذبناه ، و في حديث ليلة القدر منه و لذلك جعلهم شهداۤء علي الناس ليشهد محمد (ص) علينا و لنشهد علي شيعتنا و لتشهد شيعتنا علي الناس فرسول اللّه (ص) شاهد علينا و نحن شهداۤء اللّه علي خلقه و حجته في ارضه و نحن الذين قال اللّه تعالي و كذلك جعلناكم امةً وسطاً ( لتكونوا الخ ، خل ) ه ، و امّا ما دلّت عليه الأخبار من انّ تلك الشهادة انما هي بروح القدس لانّه هو الّذي يسددهم و يحدّثهم بل في بعضها انّ الامام (ع) اذا غاب عنه الملك المحدث لايعلم و يغفل فالمراد به العقل الأوّل عند الحكماۤء و هو القلم و هو عقل محمد (ص) و عقلهم (ع) [ص 42] فهو ينتقل فيهم كصورة الوجه المنتقلة في مِرْءٰاةٍ من اخري مقابلةٍ لها و لهذا ورد انه لميكن مع احدٍ قبلهم الّا رسول اللّه (ص) و في الكافي روي ابوبصير قال سمعتُ اباعبداللّه (ع) يقول يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربي قال خلق اعظم من جبرئل و ميكائيل لميكن مع احد ممّن مضي غير محمد (ص) و هو مع الائمة (ع) يسدّدهم و ليس كلما طلب وجد ه ، قوله (ع) و ليس كلما طلب وُجِد انّ التوجه من المخلوق له اجل عند اللّه فحصولُهُ لَهُ لايكون الّا بمشيّةٍ من اللّه و ارادةٍ و قدرٍ و قضاۤء و اذنٍ و اجلٍ و كتاب و هذا حكم يشترك فيه جميع الخلق اذ ما بالفعل مطلقاً ابداً بلا غيبةٍ و لا طلبٍ حكم الواجب سبحانه و تعالي و ما ورد بأنّه يكون مع سائر الانبياۤء (ع) لاينافي انّه لميكن مع احدٍ ممّن مضي غير محمد (ص) لانّ المراد من كونه مع الانبياء (ع) بوجهٍ من وجوهه يعني مظهراً من مظاهره و لايحيط به احد غير الاربعةعشر (ع) و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي حكاية عن عيسي (ع) تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسِك انك انت علّام الغيوب و قول الرضا عليه السلام كما تقدم انّ تلك الروح المقدّسة ليست بملك و قول الصادق (ع) خلق اعظم من جبرئل (ع) مع ما ورد انه ملك يراد منه انه ليس بملك بسيط مفرد ليس بجامع مُمَلّكٍ بل هو جامع مُمَلّك و كونه ملكاً انه ليس ببشرٍ و المعني انّ الملك بمنزلة جزء الانسان و الانسان بمنزلة ملك و شيطان فهو جامع بالنسبة الي الملك و مملّك و لاتملّك في الملك و لا جامعية و هذه الروح جامعة لها خلق من دونها و ليس ببشر يجري عليه احكام التغير و التبدّل ( التغيير و التبديل خل ) ظاهراً و بالجملة بيان هذه المسئلة كما ينبغي يطول به الكلام ، و مناة جمع مَانٍ و هو المقدِّر او المبتلي او المبتلي به فمعني المقدر انهم محالّ القدر و التقدير و وضع حدود الأشياء و مقاديرها في الكم و الكيف و الأين و المتي و الوضع [ص 43] و الرتبة و المكان و الأجل و الاذن و الكتاب و النسب و الاضافات و ذلك في الاسباب و المسبّبات قال اللّه تعالي و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الّا هو و يعلم ما في البرّ و البحر و ماتسقط من ورقة الّا يعلمها و لا حبة في ظلمات الارض و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين ، و معني المبتلي انه يهدي و يضلّ فيستنطق الطبائع بما انطوت و السرائر بما اضمرت و الحقاۤئق بما اسرّت فبذلك كل يسرّ لما خلق له و كل عَمِلَ بعمله و معني انه مبتلي به انه محنة الخلق من الانبياۤء و المؤمنين و الملاۤئكة و الناس اجمعين بل جميع الموجودات كما انّ عليّاً (ع) سبب ابتلاء ايّوب (ع) قال علي (ع) لما كان عند الانبعاث للنطق ( للمنطق خل ) شك ايوب (ع) و بكي و قال هذا خطب جليل و امر جسيم قال اللّه عزّ و جلّ يا ايّوب أتشكّ في صورةٍ انا اقمتُه اني ابتليتُ اٰدم بالبلاۤء فوهبته له بالتسليم عليه بامرة المؤمنين فانت تقول خطب جليل و امر جسيم فوعزّتي لاذيقنّك من عذابي او تتوب اليّ بالطاعة لاميرالمؤمنين ثم ادركته السعادة بي يعني انه تاب الي اللّه و اذعن بالطاعة لاميرالمؤمنين صلي الله عليه و علي ذريّته الطيبين و معني المبتلي به ان الابتلاۤء هو الاختبار بالتكليف الشاقّ بان يؤمر الشخص او ينبّه بما لايعرف حقيّته ( حقيقته خل ) بعقله بل يعرف عدم حقيّته كما قد يعرض لكثير من المكلّفين و قد يظهر له من التكليف احتمال لاينبغي كما سمعت ممّا روي عن ايّوب بل اكثر الأنبياۤء (ع) و ان كان ذلك الاحتمال لايوجب المعصية و لكنه ينقص كمال ما ينبغي في حق المقرّبين كما روي انّ حسنات الابرار سيّئات المقرّبين فيعرض ذلك الاحتمال الموجب لترك الأولي في حق الأنبياء (ع) فلأجل قربهم يؤاخذون و يبتلون و في الحديث ما معناه انّ في الصراط عقباتٍ كَؤُداً لايقطعها بسهولةٍ الّا محمد و اهل بيته (ص) و تلك العقبات يعثر فيها الخلق و العثراتُ تختلف فمنها عثرات عظيمة [ص 44] كما في كثير من غير المعصومين كثير منها مهلِك لايُتلافي و كثير منها مهلِك يُتلافي و منها عثراتُ اهل العصمةِ من الأنبياۤء (ع) و هي عثرات في حقهم خاصّة و امّا في حق الناس فلايَلتفت الوليّ اليها فاذا وقعت من الأنبياۤء عُوتِبوا فكان الأصل كلّه في تلك العثرات المهلكة و غيرها التقصير في ولايتهم (ع) فهم المبتلي بهم و هم المبتلون و الي هذا الاشارة بقوله تعالي و ان كنّا لمبتلين ، و اذواد جمع ذائد يذودون وليّهم عن الشرّ و عدوّهم عن الخير كما تقدم و منه حديث ابيالطفيل عامر بن واثلة قال قلتُ يا اميرالمؤمنين اخبرني عن حوض النبي (ص) في الدنيا ام في الٰاخرة قال (ع) بل في الدنيا قلتُ فمن الذائد عليه قال انا بيدي فليردنّه اولياۤئي و ليُصْرفَنَّ عنه اعدائي و في روايةٍ و لأُورِدَنّه اولياۤئي و لاَصرِفَنَّ عنه اعداۤئي ، اقول قد تقدم ما يدلّ علي هذه الرواية و يأتي ان شاء الله تعالي ، و حفظة جمع حافظ و المراد انهم (ع) يحفظون علي العباد اعمالهم و اليه الاشارة بقوله تعالي هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و احاديث عرض الأعمال عليهم و احاديث انهم الشهداۤء علي الخلق داۤلّة علي ذلك اذ لايشهدون علي ما لايحفظونه و معني اٰخر لكونهم (ع) حفظة و هو انّهم مُناة اي مقدِّرون لكونهم مَحاۤلّ قَدرِ اللّه تعالي و مظاهره فيبعثون بامر اللّه ملاۤئكة يحفظون كلّ نسمةٍ فلايأتيه حجر و لا صاۤئب و لايقع من شاهقٍ الّا و حفظته الملاۤئكة من كلّ ما يرد عليه من مكروه حتي يقدّر اللّه سبحانه ذلك فيرد قدره علي قلب الولي من آلمحمدٍ (ص) فيأمر الملاۤئكة الحفظة عن امر اللّه ان يَكُفّوا عن الحفظ و الدِّفاع فيكفّون فيصيبه ما قدِّرَ له و هو تأويل قوله تعالي له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر اللّه و تأويل قوله تعالي ان كلّ نفس لمّا عليها حافظ ، فملائكةٌ تحفظ عنهم اعمال العباد و تعرضها عليهم و ملائكة تحفظ عنهم مقدرات [ص 45] الأسباب حتي يظهر وقت الاصابة و يحضر فيجري كما قدّروا و ملائكة تحفظ عنهم اعمال العباد و تكتبها في كتب المكلّفين و هم غير الذين يحفظون الاعمال و يعرضونها علي الخليفة من آلمحمد (ص) و هؤلاۤء يعرضون علي محمّد (ص) ثم من بعده علي عليّ (ع) ثم الحسن ثم الحسين ثم القائم ثم الائمة الثمانية ثم علي فاطمة عليهم اجمعين افضل الصلوة و ازكي السلام ، و رُوّاد جمع رائد و هو الرائد الذي يتقدم القوم لينظر لهم الكلأ و مساقط القطر و في الحديث النبويّ الحمّي رائد الموت و حرها من فيح جهنم و هي حظ كل مؤمن و مؤمنة من النار اي رسوله فهم (ع) رُوّاد الخلق يقودونهم بوضع اسباب التيسير و تقديرها بامر اللّه حتي يصل كل واحد من الخلق الي مقرّ اعماله من سعادةٍ و شقاوةٍ و يتقدمون السّعيد بما له عندهم من الخيرات حتي يضعوه في دار اعماله و يسوقون الشقي بما له مما كسبت يداه حتي يضعوه في دار اعماله و الحاصل كلّما سمعتَ مما اشرنا اليه مما ينسب لهم و اليهم و منهم كُلّه و ما لمتسمع هو آثار تلك الرحمة التي هم معدنها لما ذكرنا قبل من انّ الرحمة المشار اليها هي التي ظهر بها الرحمن و استوي علي عرشه و هي صفة الرحمن و الي هذا الاشارة في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن .
قال عليه السلام : و خزّان العلم .
الخُزّان كرُمّان جمع خازن بمعني انهم وُلاَة خزاينِ علم اللّه و بمعني انهم عين خزاين علم الله و بمعني انهم مفاتيح تلك الخزائن كما ورد في تفسير قوله تعالي و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الّا هو و يعلم ما في البر و البحر و ماتسقط من ورقةٍ الّا يعلمها و لا حبةٍ في ظلماتِ الأرض و لا رطبٍ و لا يابسٍ الّا في كتابٍ مبين منها ما في العياشي عن الحسين بن خلف قال [ص 46] سألت اباالحسن (ع) عن قول اللّه عز و جل و ماتسقط من ورقةٍ الّا يعلمها و لا حبةٍ في ظلماتِ الارض و لا رطبٍ و لا يابسٍ الّا في كتابٍ مبين فقال الورقة السّقط ● يسقط من بطن امّه من قبل ان يُهِلَّ الولد قال فقلت و قوله و لا حَبّة قال يعني الولد في بطن امّه اذا اهلّ و يسقط من قبل الولادة قال قلت و قوله و لا رطبٍ قال يعني المضغةَ اذا استكنّت في الرحم قبل ان يتم خلقها قبل ان تنتقل قال قلتُ قوله و لا يابسٍ قال الولد التام قال قلتُ في كتابٍ مبين قال في امامٍ مبين ، فدلّ هذا الحديث علي انّ الامام عليه السلام هو الكتابُ فهو خزانة علم اللّه و في الفقيه خطبة عليّ (ع) و فيها و ماتسقط من ورقة من شجرة و لا حبة في ظلمات الأرض الّا يعلمها لا اله الّا هو و لا رطبٍ و لا يابسٍ الا في كتاب مبين ، و هذا يدلّ علي انّ الامام هو الكتاب و اللّه سبحانه يعلم ذلك حيث سجّله في كتابه فهو (ع) خزانة علم اللّه ، و في احتجاج الطبرسي عن ابيعبدالله (ع) في حديثٍ طويل و فيه قال لصاحبكم اميرالمؤمنين قل كفي بالله شهيداً بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب و قال اللّه عز و جل و لا رطبٍ و لا يابسٍ الّا في كتابٍ مبين و علم هذا الكتاب عنده ه ، و هذا يدل علي انّ الامام وليّ خزانة علم اللّه ، و في التوحيد و المعاني و المجالس عن الصادق (ع) لما صعد موسي (ع) الي الطور فنادي ربّه قال يا ربّ ارني خزائنك قال يا موسي انما خزانتي اذا اردتُ شيئاً ان اقول له كن فيكون ، و هذا يدل علي انهم مفاتح الخزاۤئن و وجه الاستدلال انهم (ع) اخبروا انهم محاۤلّ مشية اللّه و في هذا الحديث ذكر انّ الخزانة المشية و لا جائز ان يكون الامام يصرّف المشية او يتصرّف فيها لنجعل انهم اولياۤء الخزانة لأنّ الامام (ع) لايجد لنفسه اعتباراً مع المشيّة بل هو يتقلّب في [ص 47] مشيّة الله كيف شاۤء لا مشيّة له و لا انهم عين المشيّة ليكونوا عين الخزانة و لكنهم ابواب المشيّة و مفاتح الاستفاضة منها لانهم اعضاد العباد و روي عن السجاد (ع) في تفسير قوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزائنه انّ في العرش تمثال جميع ما خلق اللّه من البر و البحر و هذا الحديث يدلّ بما يحتمل علي الثلثة الوجوه ( الوجوه الثلثة خل ) الاوّل انّ العرش هو الخزانة و هم مفاتح الاستفاضة و اعضاد الفيض و الثاني انهم ولاة ذلك الفيض المقدِّرون له و اولوا الوساطة في قوام الفيض و المستفيض و الثالث انّ العرش هو قلب النبي (ص) و قلوبهم (ع) فهم تلك الخزانة و العلم الذي هم خزانه العلم الحادث و هو علمٌ موجود بالمعني المتعارف و هو قوله تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الّا بما شاۤء يعني انّ ما لميشأ من علمه ان يعلموه لايحيطون به و ليس المراد بهذا العلم الذي لايحيطون بشيء منه هو القديم الذي هو الذات ليكون المعني و لايحيطون بشيء من ذاته الّا بما شاۤء ان يحيطوا به منها و هذا معني باطل بل المراد به شيئان احدهما انّ العلم الحادث الذي هو غير الذات منه ممكن مقدور غير مكوّنٍ و منه تكوين و منه مكوّن فالممكن المقدور غير المكوّن هو الممكنات قبل ان تكسي حلّة الوجود في جميع مراتب الوجود فهذه لمتكن مشاءة الّا في امكانها فهذا لايحيطون بشيء منه احاطة وجودٍ و يحيطون به احاطة امكانٍ لانه اذ ذاك مشاء مشيّة امكان و التكوين الممكن و هذا يحيطون به لانّه مشاء بنفسه و هم محالّ ذلك و المكوّن قسمان مكوّن مشروط و مكوّن منجّز و المكون المشروط يحيطون به لانّه مشاۤء و لايحيطون بالشرط الّا بعد ان يكون مشاۤءً و المكوّن المنجّز يحيطون به ثم ما كانوا يحيطون به قسمان قسم كان و هم يحيطون به انّه كان و لايحيطون به انه مستمرّ او منقطع الّا احاطة اخبارٍ و قسم لميكن فهم يحيطون به احاطة [ص 48] اخبارٍ ايضاً لا احاطة عيانٍ فظهر لمن نظر و ابصر من هذا التفصيل انهم (ع) لايحيطون بشيء من علمه الذي هو غير ذاته الّا بما شاۤء ان يحيطوا به و الذي شاۤء ان يحيطوا به ما سمعته في هذا التفصيل فافهم و ثانيهما انّ ما احاطوا به و علموه لميكونوا علموا شيئاً منه الّا بتعليم اللّه سبحانه و لميكن تعليمه لهم انه اعلمهم و رفع يده عنه فيكون ذلك الشيء لايحتاج الي اللّه تعالي ( اللّه خ ) عن امكان استغناء شيء عنه علوّاً كبيراً بل ما علموه انما هو بتعليم اللّه لهم في ( كل خ ) لَحظةٍ بمعني انهم اذا علموا انّ غداً تطلع الشمس ان شاء اللّه ما ملكوا من هذا العلم شيئاً الّا لحظة علمهم بذلك حين علموا لا قبلها و لا بعدها و لميعلموا بعد تلك اللحظة ما علموه من ان الشمس تطلع غداً ان شاء اللّه الّا بتعليم جديد من اللّه تعالي كما هو حال المحتاج الي الغني المطلق و ذلك التعليم الدائم القائم حين يكون هو ما شاء اللّه و هو الذي يحيطون به و هو ما ملكوه من العلم فافهم فانه دقيق لطيف رشيق و العلم الذي هم خزّانه هو هذان الشيئان من العلم علي نحو ما ذكرنا لا غير ، ففي الكافي عن ابيجعفر عليه السلام قال واللهِ انا لخزّانُ اللّه في سمائه و ارضه لا علي ذهبٍ و لا فضةٍ الّا علي علمه و فيه عن سدير عن ابيجعفر عليه السلام قال قلتُ له جعلتُ فداك ما انتم قال نحن خزّانُ علم الله و نحن تراجمة وحي اللّه نحن الحجة البالغة علي مَن دون السماء و مَن فوق الارض و فيه عن ابن ابييعفور قال قال ابوعبداللّه (ع) يا ابن ابييعفور انّ اللّه واحد متوحد بالوحدانيّة متفرد بامره فخلق خلقاً فقدّرهم لذلك الامر فنحن هم يا ابن ابييعفور فنحن حجج اللّه في عباده و خزّانه علي علمه و القائمون بذلك و فيه عن علي بن جعفر عن ابيالحسن موسي عليه السلام انّ الله تعالي خلقنا فاحسن خلقنا و صوّرنا فاحسن صورتَنا و جعلنا خزّانه في سمائه و ارضه و لنا نطقت الشجرة و بعبادتنا [ص 49] عبد اللّه و لولانا ماعُبِدَ اللّه ، و امثال ذلك كثير و معني الخزّان ما مرّ عليك و المراد من العلم المخزون عندهم ما سمعتَ .
قال عليه السلام : و منتهي الحلم .
المنتهي هو الغاية التي ليس وراۤءها للشيء المنتهي ذِكْرٌ غير انه مقدور و الحلم عدم المسارعة الي المعاقبة مع القدرة و ذلك يكون عن العلم بالعواقب فيؤخر العقوبة امّا لكرم النفس و ذلك هو العفو و التجاوز و المسامحة قال اللّه تعالي و العافين عن الناس فقد مدح العفو عن الناس باكمل مدح قال و اللّه يحب المحسنين فجعلهم اهل محبته و اِمّا للعلم بعدم الفوات و ذلك هو الاناة و عدم الاستعجال و في الدعاء و انما يعجل من يخاف الفوت و التُّؤدَة و هو التّأنّي و التثبت في الامور و التأنّي عدم المبادرة في الامور بلا روية و هو يثمر العلم بالأصلح و امّا لكون عدم المسارعة ابلغ في الانتقام كما اشار سبحانه اليه بقوله الحق قل للذين اۤمنوا يغفروا للذين لايرجون ايام اللّه ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون فامر اللّه نبيّه ان يأمر المؤمنين بعدم الانتقام من المجرمين لانهم اذا انتقموا منهم لميكن لهم حق فاذا اعرضوا عن القصاص جازاهم اللّه باعمالهم و اللّه اشد بأساً و اشد تنكيلاً و هو من العلم و فيما اجاب به النبي (ص) لشمعون بن لاوي ابن يهودا من حواريّ عيسي (ع) حين سأله عن العقل الي ان قال (ص) فتشعّبَ من العقل الحلم و من الحلم العلم و من العلم الرشد و من الرشد العفاف و من العفاف الصيانة و من الصّيانة الحياۤء و من الحياۤء الرّزانة و من الرّزانة المداومة علي الخير و من المداومة علي الخير كراهة الشر و من كراهة الشر طاعة الناصح فهذه عشر اصناف من انواع الخير و لكل واحد من هذه العشر الأصناف انواع فامّا الحلم فمنه [ص 50] ركوب الجميل و صحبة الابرار و رفعٌ من الضِّعة و رفع من الخساسة و تشهّي الخير و تقرّب صاحبه من معالي الدرجات و العفو و المهل و المعروف و الصمت فهذا ما تشعّب ( يتشعب خل ) للعاقل بحلمه و امّا العلم فيتشعّب منه الغني و ان كان فقيراً و الجود و ان كان بخيلاً و المهابة و ان كان هيّناً و السلامة و ان كان سقيماً و القرب و ان كان قصيّاً و الحياۤء و ان كان صَلفاً و الرفعة و ان كان وضيعاً و الشرف و ان كان رذلاً و الحكمة و الحُظْوة ( الخطوة خل ) فهذا ما يتشعب للعاقل بعلمه فطوبي لمن عَقِلَ وَ عَلِم و امّا الرُّشد فيتشعّب منه السَّداد ● و الهُدَي و البرّ و التقوي و المنالة و القصد و الاقتصاد و الثواب و الكرم و المعرفة بدين اللّه فهذا ما اصاب العاقل بالرشد فطوبي لمن اقام علي منهاج الطريق و امّا العفاف فيتشعّب منه الرضا و الاستكانة و الحفظ ● و الراحة و التفقّه ● و الخشوع و التذكّر و التفكّر و الجود و السخاء فهذا ما يتشعّب للعاقل بعفافه و رضي باللّه و بقسمه و امّا الصّيانة فيتشعَّب منها الصّلاح و التواضع و الورع و الانابة و الفهم و الأدب و الاحسان و التحبّب و الخير و اجتناب الشرّ فهذا ما اصاب العاقل بالصيانة فطوبي لمن اكرمه مولاه بالصيانة و امّا الحياۤء فيتشعّب منه اللِين و الرأفة و المراقبة لِلهِ في السرّ و العلانية و السلامة و اجتناب الشر و البشاشة و السماحة و الظفر و حسن الثناء علي المرء في الناس فهذا ما اصاب العاقل بالحياۤء فطوبي لمن قبل نصيحة اللّه و خاف فضيحته و امّا الرّزانة فيتشعّب منها اللّطف و الحَزْم و اداۤء الامانة و ترك الخيانة و صدق اللسان و تحصين الفرج و استصلاح المال و الاستعداد للعدوِّ و النهي عن [ص 51] المنكر و تَرك السّفَه فهذا ما اصاب العاقل بالرّزانة فطوبي لمن توقّر و لمن لمتكن له خفة و لا جاهليّة و عفا و صفح و امّا المداومة علي الخير فيتشعّب منه ترك الفواحش و البعد من الطيش و التحرّج و اليقين و حبّ النجاة و طاعة الرحمن و تعظيم البرهان و اجتناب الشيطان و الاجابة للعدل و قول الحق فهذا ما اصاب العاقل بمداومة الخير فطوبي لمن ذكر ما امامه و ذكر قيامه و اعتبر بالفناۤء و امّا كراهية الشر فيتشعّب منه الوقار و الصدق و النصر و الصبر و الاستقامة علي المنهاج و المداومة علي الرشاد و الايمان باللّه و التوفر ( و التوقير خل ) و الاخلاص و ترك ما لايعنيه و المحافظة علي ما ينفعه فهذا ما اصاب العاقل بالكراهة للشر فطوبي لمن اقام الحق لِلّهِ و تمسّك بعُري سبيل اللّه و امّا طاعة الناصح فيتشعّب منها الزيادة في العقل و كمال اللّبّ و محمدة العواقب و النجاة من اللّوم و القبول و المودة و الاسراج و الانصاف و التقدم في الامور و القوة علي طاعة اللّه فطوبي لمن سلم من مصارع الهوي فهذه الخصال كلها تشعّبتْ من العقل الحديث ، اقول انّ الحلم تشعّب من العقل و ما بعده تشعب منه فهذه مائة خصلة تشعّبت من الحلم و كلّ واحدة من هذه الخصال المائة لها مراتب باعتبار اختلاف مراتب مَن اتّصف بها و عملها و قد قاموا (ع) بجميع مراتب هذه الخصال علي اعلي حدود الممكن منها فهم منتهي الحلم و انّما جمعوا تلك المراتب بجميع نهاياتها لأنّها كلّها قد تشعّبت من العقل الكامل و لميكمله الله الّا فيمن يحبّ و هم صلي اللّه عليهم اجمعين اهل محبة اللّه و ربّما يطلق علي العقل لتشعّبه اي الحلم منه فهذه فروع الحلم في الشهادة و اصولها في الغيب و هم (ص) منتهي طرفَيْهِ فافهم .