شرح الزيارة الجامعة الكبيرة الجزء الاول
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد الامجد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحٖيمِ
الحمد للّٰه رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحسائي انّ السيّد السّند و العارف المعتمد صاحب الفخر و الزين سيّدنا السيّد حسين بن المرحوم السيّد محمدقاسم الحسيني الاشكوري الجيلاني كان قد التمس مني ادامَ اللّٰهُ تأييده ان اشرح الزيارة الجامعة المشهورة و ابيّن اسرار الفاظها و بعض ما اراده امامنا و سيدنا علي بن محمد الهادي عليه و علي آبائه و ابنائه افضل الصلوة و السلام منها علي جهة البسط و البيان لتلك المعاني و اشار اليه (ع) من الاسرار فسوّفت في الجواب و ان كان اهلاً لأنْ يُبادر في طلبته لوجوب اجابته و لكنه طلب امراً عظيماً فكان سبب التسويف علمي بنفسي اني لستُ من السفن التي يُسار بها في مثل هذا البحر المتعاظم و الموج المتلاطم و مع هذا فليس كلما يحضرني يمكنني اثباته لأنّ منه ما لايسعني فيه العبارة و لماعط فيها بياناً و لا اشارة و منه ما لايحسن بيانه لأنه قد يعسر برهانه و منه ما لاتكاد تحتمله الافكار فيسارع اليه بالانكار و منه ما يطول فيه و في بيانه الكلام و بدون البسط التامّ يفوت المرام علي انّه سلمه الله لايريد مني بيان ظاهر الكلمات و بيان العبارات و لمّا راجع في الالتماس مرّة بعد اخري لماقدر علي رده عن مطلوبه مع ما فيه من المنافع العظيمة للعارفين و ربط قلوب المؤمنين بما يحصل لهم من ذلك من الثبات و اليقين فسارعتُ الي طلبته و التزمتُ [ص 3] فرض اجابته مع ما انا فيه من قلة البضاعة و كثرة الاضاعة بقصد ان اكتب ما يحسن كتابته من المقدور اذ لايسقط الميسور بالمعسور و الي الله سبحانه ترجع الامور .
فاقول و بالله المستعان ان هذه الزيارة الجامعة اشتهرت بين الشيعة حتي استغنت باشتهارها عن ذكر اثباتها و بيان سندها فكانت متلقاة عند جميع الشيعة بالقبول من غير معارض فيها و لا راد لها مع ما كانت مشتملة عليه من المعاني الغريبة و الاسرار المتصعبة العجيبة التي كثير منهم ينكرونها في غير هذه الزيارة الشريفة و لكن لاجل ما اشتملت عليه من الالفاظ البليغة و الأمور البديعة و الأسرار المنيعة و الاحوال الشريفة الرفيعة التي تشهد للعقل السليم بصحة ورودها عن ذلك الامام العظيم فان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا مع ما هي عليه عندهم من القبول بحيث لايختلف فيه اثنان و هذه الزيارة المذكورة رواها الصدوق في الفقيه و رواها الشيخ في التهذيب عنه قال محمد بن علي بن الحسين بن بابويه عن علي بن احمد بن موسي و الحسين بن ابراهيم بن احمد الكاتب عن محمد بن عبدالله الكوفي عن محمد بن اسمعيل البرمكي عن موسي بن عبدالله النخعي قال قلت لعلي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابيطالب عليهم السلام علّمني يا بن رسولِ اللّٰهِ (ص) قولاً اقوله بليغاً كاملاً اذا زرتُ احداً ( واحداً . خل ) منكم .
اقول في طريق هذه الرواية لهذه الزيارة رجال لا بأس بذكر اشارة الي بعض احوالهم تيمّناً بسنن العلماء عند السند امّا الصدوق قدس سره فلايخالف احد من العلماۤء في صحة روايته و ان لميصرّح علماۤء الرجال بتوثيقه قيل اِمّا لجلالةِ قدره و بيان حاله في الوثاقة بحيث لايحتاج الي [ص 4] ذكر ذلك و فيه انه ليس اجلّ و لا اشهر من ابيه و لا من الكليني و المفيد و اضرابهم ممن صرّحوا بتوثيقهم و قيل لأنّه اخذ روايته ( رواياته خل ) من الكتب الاصول المشهورة و المعروضة علي الائمة (ع) و حيثُ علم اقتصاره علي ذلك لميحتج الي ذكر توثيقه و فيه ما تقدم ايضاً و قيل لانه من مشايخ الاجازة و لمتجر عادة تلامذتهم بذكر توثيقهم لاشتهاره و فيه ايضاً ذلك فانّ كثيراً من المشايخ كان كذلك و قد ذكروا توثيقه و قيل لان كتب الرجال مشحونة من ذكر ممادح له لاتقصر عن التوثيق ان لمتزد عليه مثل ما ذكر في الخلاصة محمد بن علي بن الحسين بن موسي بن بابويه القمي ابوجعفر نزيل الري شيخنا و فقيهنا و وجه الطائفة بخراسان ورد بعد سنة ( ٣٥٥ ) خمس و خمسين و ثلثمائة و سمع منه شيوخ الطائفة و هو حدث السن كان جليلاً حافظاً للاحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للاخبار لميُر في القمّيين مثله في حفظه و كثرة علمه له نحو من ثلاثمائة مصنف ذكرنا اكثرها في كتابنا الكبير مات رضي الله عنه بالري سنة احدي و ثمانين و ثلثمائة ه ، و في جش نحو ذلك و ذكر كتبه و اقول لا دلالة في هذه الممادح و امثالها علي المدّعي و الذي يجول في خاطري ان لمنرجح كونه من مشايخ الاجازة او لمنقل ان التوثيق من باب الاجتهاد في الرواية و لا من باب الرواية اَنَّ اسْتِفادَةَ توثيقه من الاجماع المحصّل الخاۤصّ ليرجع الي الرواية في الحكم في الجملة لمن جعل علّة صحة روايته التوثيق اقربُ و اللّه اعلم و امّا علي بن احمد بن موسي فهو الدقاق روي محمد بن علي بن بابويه عنه عن محمد بن يعقوب و محمد بن ابيعبداللّه و غيرهما مُترَضِّياً عنه و الحسين بن ابراهيم بن احمد الكاتب هو ابن ابراهيم بن احمد بن هشام ثاثانة بالمثلثة قبل الف ثم المثلثة قبل الف ثم نون الكاتب رضي الله عنه من مشايخ الصدوق روي عنه في الفقيه [ص 5] و غيره مشفعاً له بالرحملة و الرضيلة قال الميرزا في الرجال في طرق الصدوق ان الاسترضاء افاده مدحاً انتهي ، و لاسيما مع اعتماده علي روايته و محمد بن ابيعبدالله الكوفي فالظاهر انه ابن جعفر الاسدي الثقة المكني اباالحسين كان احد الابواب في كتاب الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة و قد كان في زمان السفراۤء المحمودين اقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الاصل منهم ابوالحسين محمد بن جعفر الاسدي و ربما يَظهر من كتاب الحسن بن داود انهما رجلان احدهما هذا المذكور و يحتمل انه ابن عون الاسدي و في ترجمته في الخلاصة للعلامة محمد بن جعفر بن عون الاسدي ابوالحسين الكوفي ساكن الري يقال له محمد بن ابيعبدالله كان ثقة صحيح الحديث الا انه يروي عن الضعفاء و كان يقول بالجبر و التشبيه فانا في حديثه من المتوقفين كان ابوه وجهاً روي عنه احمد بن محمد بن عيسي انتهي ، و يظهر من كلام فخرالدين بن طريح (ره) في جامع المقال في ذكر العدد ذكر في عدة سهل بن زياد حيث قال و اما الرابعة يعني عدة سهل فقد ذكر من رجالها محمد بن ابيعبداللّه و كأنه هو محمد بن جعفر بن عون الأَسَدي الثقة علي ما نبّه عليه البعض نقلاً عن النجاشي فان صحّ النقل صحّتْ العدة و الا فلا كما لايخفي انتهي ، ان محمد بن ابيعبدالله متعدد و ان كان الظاهر انه متحد و انه هو ابن عون الاسدي كما في التوقيع هكذا بالري محمد بن جعفر العوني فليدفع اليه فانه من ثقاتنا فالظاهر الاتحاد و لا معني لتردد فخرالدين بن طريح بعد نصّ الكليني علي انه في عدة سهل هو ابن عون الاسدي الثقة و محمد بن اسمعيل البرمكي هو المعروف بصاحب الصومعة قال النجاشي انه ثقة و قال ابنالغضائري انه ضعيف و قال العلامة قول النجاشي عندي ارجح و مثله قال ابنداود [ص 6] و هو كذلك لأنّ النجاشي له اعتناء و ممارسة في الجرح و التعديل لمتحصل لغيره مع ضبطه و حفظه و عدم استعجاله و توقفه في ذلك حتي يتبين الامر حتي ان الشيخ محمد بن الشيخ حسن في شرح الاستبصار ذكر فيما اذا ذكر الشيخ الرجل بالوقف او الفطحية و النجاشي لميذكر ذلك ترجيح النجاشي علي الشيخ و ان كان الجارح مقدماً قال اذا تعارض الجرح و التعديل فالجرح و ان كان مقدماً في الجملة علي ما فصّل في موضعه الّا ان مثل النجاشي له رجحان يوجب تقديم تعديله علي جرح الشيخ كما ذكر ايضاً في محلّه انتهي ، و الشيخ احسن استقامة من ابنالغضائري في باب الجرح و ذكر ذلك و بيان جهات الترجيح يطول به الكلام و لسنا بصدده و من نظر في كتب الرجال ظهر له صحة ما ذكرنا فقول النجاشي ارجح من ابنالغضائري و ان كان جارحاً فكون البرمكي ثقة ارجح و موسي بن عبداللّه النخعي روي عن عليٍّ الهادي (ع) لميذكر في كتب الرجال موصوفاً بالنخعي من اصحاب الهادي (ع) قال الشيخ ياسين البحراني في كتابه معين النبيه في بيان رجال من لايحضره الفقيه لماجد في كتب الرجال بقيد النخعي من اصحاب الهادي (ع) نعم ذكر الشيخ في اصحاب الجواد بن عبداللّه بن عبدالملك بن هشام و لعله هو و علي كل تقدير فهو مهمل عنه محمد بن اسمعيل البرمكي انتهي ، و ذكر الميرزا في كتاب الرجال و موسي بن عبداللّه بن عبدالملك بن هشام ج و لعلّه عن الشيخ و ما احتمله الشيخ ياسين قريب و الحاصل السند علي الاصطلاح الجديد ضعيف و لكنه عند الصدوق صحيح اما لقرائن مرجحة او لوجودها في الكتب المعتبرة و امّا عندنا فهذه الرواية صحيحة لاعتماد الشيخ الصدوق عليها لأيراده ايّاها في كتابه الفقيه الذي جعله حجة بينه و بين الله فاعتماده عليها من المرجّحات عندنا و من القرائن [ص 7] المقوّية و ان كان تصحيحه للروايات من باب الاجتهاد كغيره بل كثير من ترجيحاته تبعاً لتصحيح مشاۤيخه و هو اضعف من عمل المتأخرين و من بعدهم ممن يعتبون عليهم اهل الأخبار قال في آخر باب صوم التطوّع من الفقيه و فيه تعريف شيخه و اما خبر صوم الغدير و الثواب المذكور فيه لمن صلّي فان شيخنا محمد بن حسن بن احمد بن الوليد كان لايصحّحه و يقول انّه من طريق محمد بن موسي الهَمَذَاني ( الهمداني خل ) و كان غير ثقة و كل ما لميصححه ذلك الشيخ قُدّسَ سِرّه و لميحكم بصحته من الأخْبار فهو عندنا متروك غير صحيح انتهي اكثر ما يعتمد عليه تصحيح الأسانيد كما يفعله ( يفعل خل ) المجتهدون قال في الفقيه في حدّ الوضوء بعد ان اورد حديثاً في المسح علي الخفّين الي ان قال علي انّ الحديث في ذلك غير صحيح الأسناد و قال في الخصال لا سبيل الي ردّ الأخبار متي صح طرقها ه ، و هذا كما تري الّا ان ترجيحه و عمله يكون من المقوّيات البتّة بل ما يحصل للمتقدمين من القرائن تصل الينا او بدلها من جود الكريم الوهّاب و لتلقي الفرقة المحقة لها بالقبول حتي لاتجد و لاتسمع منكراً لها و لا متوقفاً فيها بل لو اراد البصير الناقد ان يدّعي الاجماع علي صحتها الكاشف عن قول المعصوم (ع) امكنه ذلك مع ما اشتملت عليه الفاظها من البلاغة و الفصاحة و المعاني و الاسرار التي يقطع العارف بها انها كلام المعصوم و لايصدر مثلها عن غيره ثم اعلم ان الشيخ التقي العارف الشيخ محمدتقي قد ذكر في شرحه علي الفقيه رؤياً رءاها في فضل هذه الزيارة و جعلها من المقرّرات لها و المرجحات و صورة ما ذكر قال زيارة جامعة لجميع الائمة عند مشهد كل واحدٍ و يزور الجميع قاصداً بها الامام الحاضر و الناۤئي و البعيد يلاحظ الجميع و لو قصد في كل مرة واحداً بالترتيب و الباقي بالتبع لكان احسن كما كنتُ افعل و رأيت في الرؤيا الحقّة تقرير الامام [ص 8] ابيالحسن علي بن موسي الرضا (ع) لي و تحسينه عليه و لما وفقني اللّه تعالي لزيارة اميرالمؤمنين (ع) و شرعت في حوالي الروضة المقدسة في المجاهدات و فتح الله تعالي عليّ ببركة مولانا صلوات اللّه عليه ابواب المكاشفات التي لاتحتملها العقول الضعيفة رأيت في ذلك العالم و ان شئت قلت بين النوم و اليقظة عند ما كنت في رواق عمران جالساً انّي بسُرَّمَنرأي و رأيت مشهدها في نهاية الارتفاع و الزينة و رأيت علي قبريهما لباساً اخضر من لباس الجنة لانه لمار مثله في الدنيا و رأيتُ موليٰنا و مولي الأنام صاحب العصر و الزمان جالساً ظهره علي القبر و وجهه الي الباب فلّما رأيته شرعتُ في الزيارة بالصّوت المرتفع كالمَدّاحِين فلما اتممتها قال (ع) نعمت الزيارة قلت مولاي روحي فداءك زيارة جدّك و اشرتُ الي نحو القبر فقال نعم ادخل فلما دخلتُ وقفتُ قريباً من الباب فقال (ع) تقدم فقلتُ مولاي اخاف ان اصيرَ كافراً بترك الأدبِ فقال (ع) لا بأس اذا كان باذننا فتقدمت قليلاً و كنت خائفاً مرتعِشاً فقال (ع) تقدم تقدم حتي صرت قريباً منه قال (ع) اجلس قلت اخاف مولاي قال (ع) لاتخف فلما جلست جِلسة العبد بين يدي المولي الجليل قال (ع) استرح و اجلس متربعاً فانك تعِبتَ جئتَ ماشياً حافياً و الحاصل انه وقع منه (ع) بالنسبة الي عبده الطاف عظيمة و مكالَمٰات لطيفة لايمكن عَدّها و نسيت اكثرها ثم انتبهت من تلك الرؤيا و حصل في ذلك اليوم اسباب الزيارة بعد كون الطريق مسدودة في مدة طويلة و بعد ما حصل الموانع العظيمة ارتفعت بفضل الله و تيسر الزيارة بالمشي و الحَفاۤء كما قاله الصاحب (ع) و كنت ليلة في الروضة المقدسة و زرت مكرراً بهذه الزيارة و ظهر في الطريق و في الروضة كرامات عجيبة بل معجزات غريبة يطول ذكرها و الحاصل انه لا شك لي ان هذه الزيارة من ابيالحسن الهادي سلام [ص 9] اللّه عليه بتقرير الصاحب (ع) و انها اكمل الزيارات و احسنها بل بعد تلك الرؤيا اكثر الاوقات ازور الائمة صلوات اللّه عليهم بهذه الزيارة و في العتبات العاليات مازرتهم الّا بهذه الزيارة و لهذا اخرت شرح اكثرها لان يشرح في هذه ، انتهي ما ذكره تغمده اللّه برحمته في شرح الفقيه امام شرح هذه الزيارة و ظاهر كلامه ان تحقق ثبوتها عنده بهذه الرؤيا و هو كما تري و وجه تحققها ما اشرنا اليه من مقبوليتها عند الكل و ما اشتملت عليه من الظواهر الزاهرة و البواطن الباهرة و خفايا الدنيا و الٰاخرة .
فقال عليه السلام : اذا صرتَ بالباب فقف و اشهد الشهادتين و انت علي غسل فاذا دخلت و رأيت القبر فقف و قل اللّه اكبر اللّه اكبر ثلاثين مرة ثم امش قليلا و عليك السكينة و الوقار و قارب بين خُطاك ثم قف و كبر الله عز و جل ثلثين مرة ثم ادن من القبر و كبر الله اربعين تكبيرة تمام مأة تكبيرة .
يعني اذا صرت بباب الروضة فاستشعر انها حظيرة القدس و مهوي الأفئدة من الملائكة و الجن و الانس و معرس ولي الحساب الذي اليه الاياب حيث اقام الله الحق و امات الباطل فانت في قيامك ظاهرا جاث بباطنك خاشع ببصرك قد دعيت للحساب و ههنا ينطق عليك الكتاب و هو قوله تعالي هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق و موقفك هذا من ذلك الموقف فقل اشهد الّا اله الّا اللّه وحده لا شريك له و اشهد ان محمداً عبده و رسوله (ص) و انما كان هذا موضع الشهادتين لانّ من عرف اين هو حيث يقف هذا الموقف يعلم ان حاله كحال الملائكة في عالم الانوار حيث رأوا انوار محمد و آله (ص) فظنوا انه نور اللّه فقالوا سبحان اللّه فقالت الملائكة سبحان الله و انت ان صدقتَ في حبهم و عرفتهم بالنورانية رأيت انك واقف حيث وقفَتِ الملائكة و ناظر [ص 10] الي ما نظرت الملائكة و سمعتَ مَنْ ( ممّن خل ) اَنْتَ واقِفٌ بِبٰابِهٖ يشهَدُ الّا اله الّا اللّه وحده لا شريك له و انّهم (ع) عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الّا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون فتقول عند ما تسمع باذن قلبك قولهم لا اله الّا اللّه اشهد الّا اله الّا اللّه وحده لا شريك له و تعرف بهذا انّ سيّدهم و فخرهم و الواسطةَ بينهم و بين ربّهم محمدُ بن عبدالله (ص) عبد الله و رسوله الي جميع خلقه فتقول و اشهد ان محمداً عبده و رسوله و هاتان الشهادتان شرح ان الله اقام الحق و امات الباطل هذا و انت علي غسل للزيارة ليكون ظاهرك طاهراً و علي توبةٍ عما لايوافق التوحيد و الامتثال بمقتضي النبوة و الولايَة من المعاصي و الغفلات الظاهرة و الباطنة و الكبيرة و الصغيرة فاذا دخلت و رأيت القبر حصل لك نور الكبرياۤء المنبسط علي ظواهرك و لهذا يلين جلدك و قلبك الي ذكر اللّه و يحصل لك الخشوع و الاحتقار لظهور الكبرياۤء فقفْ قليلاً لترجع اليك نفسُكَ و يربط علي قلبك و تأخذ اهبتك و استعدادَك كما وقفتِ الملۤئكة عند ظهور هذه الكبرياۤء فلمّا كبّروا اللّهَ كبرت الملۤئكة و لولمتقف الملۤئكة عند ظهور هذه الكبرياۤء لكبّروا من ( ما خ ) رأوا من نور محمد و اهل بيته عليه و عليهم السلام فاذا وقفتَ حتي يكبر "٢" هذا الامام الذي انت واقف ببابه اللّه "٢" ربَّهُ و يعظمه فاذا سمعتَ التكبيرَ باذنِ قلبك من لسانِ انهم عباد مكرمون كبِّر اللّه تقول اللّه اكبر الله اكبر ثلاثين مرّة و انّما كان الذكر بالتكبير لكون الظهور بالكبرياۤء و انما كان الظهور بالكبرياۤء لانّ الخشية الحاصلة و الخشوع و التذلل انما هي بواسطة الحواس الظاهرة و هي التي تحصل فيها اشباح الكبرياۤء دون سائر الصفات لانها اخرها في اقليم الظهور للمظاهر و من ثَمّ ورد في الادعية [ص 11] المرويّة عن اهل العصمة (ع) وصفها بالعرض لانتهاء اشباحها الي الاجسام فقال (ع) في الثناء علي الله تعالي عريض الكبرياء فافهم فقد اسمعتُك تغريدَ الورقاء علي الافنان بفنون الالحان و انما كان التكبير ثلاثين بعددِ ايامِ الشهر و عددِ قوي لام التعريف لانه قد حقق في محله ان مراتب الوجود اربعون و قد ذكرنا ذلك مراراً مفصلاً في اجوبتنا لبعض المسائل الّا انّ المراد به المراتب كلها و الثلاثون منها مراتب تمام القوابل و العشر لتمام المقبولات فبالعشر تتم مراتب الوجود و الاشارة اليه علي سبيل الاختصار و الاقتصار .
فاقول اِن الانسانَ خلق من عشر قبضات من الافلاك التسعة و من الارض و اديرت كل قبضة ثلاث دَوَرات فتتم بها قابليتها و في الدورة الرابعة يتم مقبولها فالرابعة هي تمام الثلاث فالثلاث في العشر القبضات ثلاثون و هي الثلاثون ليلةً لميقات موسي (ع) و الرابعة في كل قبضة من العشر هي قوله و اتممناها ( بعشر خ ) لان الرابعة فيها رتبة الحيوانية و امّا الثلاث فهي الدورة العنصرية و الدورة المعدنّية و الدورة النباتية و انما كان التكبير الاول و الثاني ثلاثين لأنّ الزائر الّذي ظهرت له تلك الكبرياۤء اول ظهورها بواسطة الحواس باشباحها و ذلك محلّها ( محله خل ) الجسم و هو بالنسبة الي الانسان الذي هو الكتاب مجمع القوابل الظاهرة و فيه العشر القبضات بعناصرها و معادنها و نباتها و ثاني ظهورها في الخيال بواسطة الحسّ المشترك و في النفس بواسطة الخيال و فيها اي النفس القبضات العشر من هُوْرقِليا بعناصرها و معادنها و نباتها فان اردتَ بالخيال النفس تحقق ظهور صورة الكبرياء فيها و ان فرّقت بينهما كان الخيال حاملاً و ناقلاً فذكره كذكر الحسّ المشترك و امّا في المرّة الثالثة فحيث اجتمع فيها مراتب القوابل الثلاثين و مراتب المقبولات العشرة كان التكبير اربعين و هي اتممناها بعشر فتم ميقات ربّه اربعين ليلة فيكون قوله (ع) [ص 12] تمام مائة تكبيرة كما قال اهل الصناعة في سقي المركب يسقي في الاولي من واحد و في الثانية من اثنين و في الثالثة من اربعة فهذه سبعة و يريدون انه يسقي في الاولي بمثله و في الثانية بنصف مثله و في الثالثة بربع مثله فافهم .
و قوله (ع) : ثم امش قليلاً يراد منه مثل انه كلّما قرب من السراج كان اشد نوراً لأنه كلّما قرب من القبر الشريف عظم الاحترام و اشتد ظهور الكبرياۤء كما اشرنا اليه سابقاً و فيه اشارة ارشاديّة لأنّ ذلك اعظم في الاحترام ظاهراً و انجح في تنقل ذلك الخشوع من الحواس الظاهرة و الجسد الي النفس و منها الي الذات لتمكنه من الاستعداد للتوجه بقلبه و لهذا بيّنه بقوله (ع) و عليك السكينة و الوقار و السكينة هو اطمئنان القلب باليقين و النفس بالايمان و الوقار سكون الظاهر و الأعضاء لانها الموصلة للسكينة الي الباطن و ذلك بما يظهر لك من عظمة الله و كبرياۤئه الظاهرة بعظمة اوليائه و كبرهم في قلوب محبيهم و شيعتهم .
و قوله (ع) : و قارب بين خطاك اي في حال مشيك قليلاً لكونه ابلغ في الاحترام و ابطأ في الاقتراب و اكثر في الثواب فانّ له بكلّ خطوة حجة و عمرة و انجح للأستعداد في ابطان الوقار في السكينة و اظهار السكينة في الوقار و انما امر (ع) بالوقوف و بالمشي قليلاً و تقارب الخطاء لتزول عنه دهشة الكبرياء الظاهرة من كبرياء الله علي اوليائه كما مر و قد يحضر للزائر عند تصوّر عظم شأنهم و كبر مقامهم الموجب للتذَلّل تصوّر ما جري عليهم من المصائب و ما اصيبوا به من النوائب فيحصل له من هذين التصورين ما يوجب خشيته و يسكب عبرته و يجري دمعته و هي علامة الاذن في الدخول الي حضراتهم و القرب من قبورهم و قد يحصل ذلك من احد التصوّرين فان كان من تصوّر [ص 13] العظمة فهو اذن مُجازاةٍ لمن طلب و احسن الأدب و ان كان من تصوّر المصاب ( المصائب خل ) فهو اذن رحمةٍ و شفقةٍ لمَن عطف و رقّ .
قوله (ع) ثم قف يعني مرّة ثانية و كبّر الله عزّ و جلّ ثلاثين مرّة كما تقدم ثم ادن من القبر و هذا نهاية الدنو و مقام التسليم و كبّر الله اربعين مرّةً تمام المائة لما قلنا لأنّ الانتقال الأول و هو الوصول الي الباب كالوصول من العظمة و الكبرياۤء الي البدن و الأنتقال الثاني كانتقال الكبرياء بتأثيرها الي النفس و الدنو من القبر كوصول الكبرياۤء باۤثارها الي الانسان بكلّه و هو تمام اجتماع المقبول و القابِل فذلك مقام الاتصال و هو اخصّ احوال الزائر في الاقبال لاجتماع القرب الظاهري و القرب المعنوي فاذا وصلتَ الي هنا .
قال عليه السلام ثم قل : السلام عليكم يا اهل بيت النبوة .
انما اتي بثم بعد الوصول الي هذا المكان الذي هو الدنو من القبر لانه عند وصوله يكبّر الله اربعين مرّة فتكون المهلة بين الدّنوّ و بين السّلام و يجوز ان تكون المهلة بين التكبير و بين السلام و يكون المراد ان التكبير طور غير طور السلام و مقتضي المغايرة المهلة أو انّ بين التكبير الذي هو مقتضي تصوّر الكبرياء الظاهرة علي المزور فانه حال يتعرض للبعيد و بين السلام الذي هو مقتضي الاتصال و الدّنو مهلة و فصلاً فناسب ذكر ثم .
و السلام من السلامة من الآفات و هو اسم من اسماۤء الله تعالي فقوله تعالي لهم دار السلام ( عند ربهم خل ) اي دار الله و هي الجنة نسبها اليه لشرفها و يجوز ان تكون الاضافة بيانية اي دار هي السلام لان سكانها يسلمون من كل مكروه في الدنيا من مرض و وصب و فقر و همٍّ و فراق محبوب و تغير حالٍ و هرم و موت و ما اشبه ذلك و ان يكون بمعني المؤمن لمن التجأ اليه من كل محذور [ص 14] و ان يكون مصدراً بمثل السلام و السلامة و الرضاع و الرضاعة و اللَّذاذ و اللَّذاذة بمعني ان السلامة من المكاره انما تنال منه او بمعني انه سبحانه سالم من كل عيب و نقص و اختلاف و زوال و انتقال و تغير و غير ذلك مما يلحق الخلق و ان يكون بمعني الصَّواب و السَّداد كما في قوله تعالي و اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما اي صواباً و سداداً بمعني انه سبحانه به الصَّواب و السَّداد او انه اطلق عليه سبحانه لان افعاله كلها صواب و سداد و ان يكون بمعني الحافظ المسلِّم و لاجل ذلك عُدِّي بعلي فقولك السلام عليكم الله حافظ عليكم و ان يكون بمعني السلامة من الاذي و منه فسلام لك من اصحاب اليمين اي ماسلمتَ يا محمد من احدٍ من الخلق لميؤذِك الا اصحاب اليمين و هم شيعة علي (ع) او بمعني التسليم و الاداء اي لله علي عباده المؤمنين ان يؤدوا اليه الامانة التي عرضها عليهم اي يطيعوه فيما امرهم و ينتهوا عما نهاهم و عليه اذا اطاعوه ان يؤدّي اليهم دار السلام اي الجنة و روي الحسن بن سليمان الحلي في كتابه مختصر بصائر سعد بن عبدالله الاشعري عن محمد بن يعقوب عن بعض اصحابه رفعه عن محمد بن سنان عن داود بن كثير الرّقي قال قلت ما معني السلام علي اللّه و علي رسوله فقال ان الله لما خلق نبيه و وصيه و ابنيه و ابنته و جميع الائمة (ع) و خلق شيعتهم اخذ عليهم الميثاق و ان يصبروا و يصابروا و ان يتقوا الله و وعدهم ان يسلّم لهم الارض المباركة و الحرم الامن و ان ينزل لهم البيت المعمور و يظهر لهم السقف المرفوع و ينجيهم من عدوهم و الارض التي يبدّلها من المُسَلِّم و يسلّم ما فيها لهم و لا شبهة فيها و لا خصومة فيها لعدوّهم و ان يكون لهم فيها ما يحبّون و اخذ رسول اللّه (ص) علي الائمة و شيعتهم الميثاق بذلك و انما عليه ( ان خ ) يذكّره نفس الميثاق و تجديداً له علي اللّه لعله ان يعجّله و تعجّل [ص 15] المسلّم لكم بجميع ما فيه انتهي ، قال بعض الافاضل قدس سرّه لما كان السلام سابقاً في التحية بالسلام عن الٰافات و الفتن و العقوبة الدنيوية و الاخروية و موجباتها سأله هل المراد من السلام علي رسول الله (ص) هذا المعني او معني آخر فاجاب (ع) بان له تأويلاً آخر و هو المقصود الاصلي هنا بيانه انه تعالي لما خلق نبيه (ص) و وصيه (ع) و ابنته و جميع الائمة (ع) و شيعتهم اخذ علي شيعتهم او علي الجميع الميثاق و العهد بالربوبية و النبوة و الولاية و الصبر و المصابرة و المرابطة و التقوي و وعدهم ان يسلّم لهم الارض المباركة و هي هذه الارض سمّيت مباركة لكونها منازل الانبياء و الاوصياء و الاولياء و الصلحاء و معبدهم و محل اشتياقهم او بيت المقدس او الكوفة او الجميع و اَنْ يسلّم لهم الحرم الامن و هو حرم مكة او المدينة او كلاهما و اَنْ ينزل لهم البيت المعمور و هو بيت الشرف و المجد او البيت الذي في السماۤء حيال الكعبة في عصر الصاحب (ع) و ان يظهر لهم السقف المرفوع اي عيسي (ع) لكونه عالماً مرفوع المنزلة او مرفوعاً من الارض الي السماء او السماۤء بارسال عزاليها و انزال امطارها الموجب للخصب و الرخاۤء و سعة العيش و ان يريحَهم من عدوّهم بقهر المهدي (ع) و اهلاكه ايّاهم و وعد لهم الأرض التي يبدلها من دار السلام و هي الجنة و يسلّم ما فيها لهم لا خصومة فيها لعدوّهم لانتفاء قدرتهم فيها و زهوق الباطل هناك فلايمكن لهم المنازعة مع اهل الحق بخلاف الدنيا و ان يكون لهم فيها ما يحبّون مما لا عين رأت و لا اذن سمِعَت و اخذ ايضاً رسول اللّه (ص) علي جميع الامة و الشيعة الميثاق بذلك و السلام عليه (ص) انما هو تذكرة نفس الميثاق بما ذكر و وعد لهم ان يؤجرهم بالوفاۤء به و ان يسلّم لهم الامور و السّلامُ علي النبي صلي اللّه عليه و آله تذكرة للعهد و طلب لتعجيل الوعد ه ، و قد ذكرنا [ص 16] انّ قولك السّلامُ عليك معناه اللّه حافظ عليك كما مر معناه فاذا قلتَ السلامُ عليكم يا اهلَ بيت النبوة يكون المعني اللّه حافظ عليكم يعني يحفظ عليكم اي لكم ما انعم به عليكم من العلوم و الاسم الأكبر و الطهارة من كل رجسٍ و العصمة في جميع اعمالكم و اسراركم و اقوالكم و احوالكم و الزلفي لديه و يحفظكم عن كل ما يكره .
و الأهل و الٰال في استعمال اهل اللغة و اهل الشرع عليهم السلام بينهما عموم و خصوص من وجهٍ و ان كان اصل آل اهل فقد يطلق الٰال و يراد به اشراف الأهل فهو اخص من الاهل و قد يستعمله اهل الشرع (ع) علي العكس و في معاني الاخبار عن محمد بن سليمان الديلمي عن ابيه قال قلتُ لابيعبداللّه (ع) جعلت فداءك مَن الٰال فقال ذرّية محمد (ص) قال قلتُ فمن الاهل قال (ع) الائمة (ع) فقلتُ قوله عز و جل ادخلوا آل فرعون اشد العذاب قال واللهِ ماعني الّا ابنته و فيه عن ابيبصير قال قلتُ لابيعبداللّه من المحمد (ص) فقال ذريّته فقلت من اهل بيته قال الائمة الأوصياء فقلتُ من عترته قال اصحاب العباۤء فقلتُ من امته فقال المؤمنون الذين صدّقوا بما جاۤء به من عند اللّه تعالي المتمسّكون بالثقلين اللّذين امروا بالتمسّك بهما كتاب اللّه و عترته اهل بيته الذين اذهب الله عنهم الرجسَ و طهرهم تطهيراً و هما الخليفتان علي الامة بعده (ص) ه ، و الحاصل انّ المراد بالاهل الائمة المعصومون (ع) لا غير هذا اذا اريد السلام علي اهل البيت بالاصالة و لو لوحظ ما هو اعم دخلوا الخُلّص من الشيعة بالتبعيّة فانهم من اهل البيت (ع) خُلِقوا من فاضل طينتهم و عُجِنوا بماۤء ولايتهم كما رواه ابنطاووس عن الحجة (ع) و غيره و بيان التبعية كتبعية القائم في المجيء لزيدٍ في قولك جاء زيد القائم فانّ المجيء لميسند الّا الي زيدٍ و امّا قائم فلايسند ( فلميسند خل ) اليه المجيء اصلاً و انّما ارتفع [ص 17] لأنّ المجيء اسند الي زيد لضم وصفِهٖ به فكان ضم القائم اليه مبيّنا لأجمال زيد لا لحال مجيئه لتكون له مشاركة في المجيء فارتفع لملابستِهٖ لزيدٍ في المجيء فاتباعهم يدخلون معهم لملابَسَتِهِم لهم حين يسند اليهم (ع) ما يُخَصّون به من الأمور المشتركة ظاهراً فخواصّ الشيعة يدخلون في تبعية السّلام علي ائمتهم بل تفوّق بعض العارفين و قال اذا قلنا السّلام عليكم انما نعني شيعتهم لأنّ مقامهم (ع) اجلّ من ان يُسلّمَ عليهم و يتمثل بكلام مجنون ليلي حيث يقول :
سلامي علي جيران ليلي فأنها اعزّ علي العشاق من ان يُسَلّما
فان ضياء الشمس نور جبينها نعم وجهُها الوضّاح يشرق حيثُمٰا
ثم اذا اريد باهل البيت ما اريد به في اخبارهم من انّهم الائمة الاثناعشر (ع) لميكن ذلك منافيا لما اريد في اخبارهم من انّ الٰال هم الذّرية و العترة هم اهل العباۤء لأنّ قوله (ع) المحمدٍ ذريته لبيان الفرق فيما يدل عليه اللفظ الظاهر و كذا في العترة لأنّ الذرّية هي العقب و عقب العقب و النسل و نسل النسل و هكذا قال الله تعالي ذرّية من حملنا مع نوح يعني يا ذرّيّة ( ما اذريّه خل ) سامٍ و حامٍ و يافث و قال تعالي و آية لهم انّا حملنا ذرّيّتهم في الفلك المشحون ، و العِتْرة لما كان من معانيها انّ العترة اصل الشجرة المقطوعة التي تنبت من اصولها و عروقها فناسب بملاحظة خصوص هذا المعني ان يفسر الصادق عليه السلام العترة باهل العباۤء و امّا ما يراد من الٰال و الأهل و العترة بالأصل في الأحاديث المتواترة معنيً من الفريقين فهم الائمة الاثناعشر و فاطمة عليهم السلام لا غير .
و قوله عليه السلام : بيت النبوة يراد بالبيت في الظاهر بيت محمدٍ صلي اللّٰه عليه و آله كما قال صلي اللّه عليه و آله و عترتي اهل بيتي علي المعني المتقدم فهم اهل بيته علي معني انهم ذريّته و من صلبه او انّ المراد بالبيت بيت العلم [ص 18] الذي هو بيت النبي صلي الله عليه و آله من قوله تعالي ان اتخذي من الجبال بيوتاً و هي بيوت العلم بدليل تأويل اۤخر الٰاية يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاۤء للناس و انما سمّوا اهل بيت العلم النبويّ لانّهم حفظته و اضيف البيت الي النبوة اشارة الي ان ذلك العلم عن الوحي الالٰهي لأنّه صلي الله عليه و آله لاينطق عن الهوي و امّا في الباطن فالبيت هو رسول اللّه صلي اللّه عليه و اۤله الذي جُعلت النبوّة فيه و البيوت آلمحمد صلوات اللّه عليهم اجمعين و رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله البيت الاعظم بل هو المدينة و هم الأبواب و قال ابوجعفر الباقر عليه السلام آلمحمد ابواب اللّه و سبيله و الدعاة الي الجنة و القادة اليها و الأدِلّاۤء عليها الي يوم القيمة و قال النبي صلي الله عليه و اٰله انا مدينة العلم و علي بابُها و لاتُؤتي المدينة الّا من بابها و روي انّه (ص) قال انا مدينة الحكمة ، و المراد بالحكمة هنا العلم و في كتاب الاحتجاج للطبرسي عن الأصبغ بن نُبٰاتة قال كنت عند اميرالمؤمنين (ع) فجاءه ابنالكَوّٰا فقال يا اميرالمؤمنين (ع) قول الله عز و جل و ليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها و لكنّ البرّ مَن اتقي و أتوا البيوت من ابوابها فقال (ع) نحن البيوت التي امر اللّه ان يؤتي من ابوابها نحن ابواب الله و بيوته التي يؤتي منها فمن بايعنا و اقرّ بولايتنا فقد اتي البيوت من ابوابها و من خالفنا و فضّل علينا غيرنا فقد اتي البيوت من ظهورها انّ الله عزّ و جل لو شاء عرف الناس نفسه حتي يعرفوه و يأتوه من بابه و لكن جعلنا ابوابه و صراطه و سبيله و بابه الذي منه يؤتي قال فمن عدل عن ولايتنا و فضل علينا غيرنا فقد اتي البيوت من ظهورها و انهم عن الصراط لناكبون و عن اميرالمؤمنين (ع) في حديث طويل الي ان قال قد جعل اللّه للعلم اهلاً و فرض علي العباد طاعتهم بقوله و أتوا البيوت من ابوابها و البيوت هي بيوت العلم الذي استودِعتهُ الانبياء (ع) و ابوابها [ص 19] اوصياؤهم ه ، فمحمد (ص) و اهل بيته هم البيوت التي اذن اللّه ان ترفع فاذا اريد بالبيت رسول اللّه (ص) فالأبواب آله (ع) و كذا اذا اريد به (ص) المدينة فاۤله هم الأبواب التي لاتؤتي المدينة الّا منها و قد يراد بهم البيوت المحيط بها سور المدينة فيكون تأويل قوله تعالي ان اول بيت وضع للناس لَلَّذي ببكة مباركاً و هدي للعالمين فاوّل بيت منهم (ع) وضع في الكعبة هديً للناس هو اميرالمؤمنين عليه السلام و هو الهادي من الضلالة لمن اخذ بهداه و الحاصل اهل بيت النبوة هم الائمة (ع) و بيت النبوة رسول اللّه (ص) و يجوز ان يكون المراد ببيت النبوة علياً عليه السلام لانه مَسْكَنُ احكامِها و الحاوي لأسرارها و الجامع لٰاثارها و الحافظ لشريعتها و النبوة الاخبار عن مراد اللّه بغير واسطة احدٍ من البشر و قيل النبوة هي الاخبار عن الحقائق الالهية و المعارف الربانية و هي الاخبار عن ذات الحق و اسماۤئه و صفاته و افعاله و احكامه و تنقسم الي نبوة تعريف و هي الاخبار و الانباء عن معرفة الذات و الصفات و الاسماء و الافعال و الي نبوة تشريع و هي ذلك مع زيادة تبليغ الاحكام و التأديب بالاخلاق الحميدة و التعليم للاحكام و القياس بالسياسة و تسمّي هذه رسالة و قيل النبوة قبول النفس القدسية حقائق المعلومات و المعقولات من جوهر العقل الأول و الرسالة تبليغ تلك المعلومات و المعقولات الي المستعدّين و يجوز ان يراد بالنبوة الرفعة من نبا ينبو بمعني ارتفع اي يا اهل بيت الرفعة و الشأن العظيم كما اشير اليه فيما بعد طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع اي خضع كل متكبر لطاعتكم او يراد يا اهل بيت رفعة النبوة و الرسالة و الفتوّة اي الايمان و في الحديث الفتي المؤمن ان اصحاب الكهف كانوا شيوخاً فسمّاهم اللّه فتيةً لايمانهم او لايمانهم بلا واسطة و قد يراد من البيت ما يكنّي به عن المجد و الحسب كما يقال فلان اهل بيتٍ و يكون المعني [ص 20] يا اهل مجد النبوة و حسبها و فخرها لانهم الذين نشروا اعلام النبوة و اسّسوا قواعد مستقرّ الفتوّة فتحرر ان معني السلام عليكم يا اهل بيت النبوة اللّه الحافظ يحفظ عليكم و لكم او عليكم اي يلزمكم بما وعدتم به شيعتكم السلام اي تسليم دار السلام يعني الجنة اليهم تسلمونها اليهم لموالاتهم لكم او تسلّمونهم من كل ما يكرهون و من عذاب البرزخ بعد الموت و من عذاب النار يوم القيمة يا آلمحمد او يا عترة محمد (ص) او يا ابواب العلم او يا بيوت الحكم او يا حفظة الشريعة و امثال ذلك فانكم انتم بيت الرسالة و تعلمون ما تنزل به الملائكة علي جدكم (ص) فان اهل البيت ادري بما في البيت .
قال عليه السلام : و موضع الرسالة ، الموضع هو المحل و الرسالة الاخبار عن مراد اللّه بكلامه تعالي بدون واسطة بشرٍ و لهم (ع) في محل الرسالة اربعة مقامات المقام الاول مقام السرّ المقنّع بالسرّ و الثاني مقام المعاني و هو مقام سرّ السرّ و الثالث مقام الابواب و هو مقام ( السّرّ و خل ) السفارة و الوساطة و الترجمة و الرابع مقام الامامة و قد اشار الصادق (ع) الي هذه المواضع الشريفة و المقامات المنيفة كما رواه محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عنه (ع) انّ امرنا هو الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السرّ و سرّ السرّ و سرّ المستسرّ و سرّ مقنع بالسرّ ه ، فاشار الي المقام الاول بقوله (ع) و سر المستسرّ و سرّ مقنع بالسرّ و الي المقام الثاني بقوله و باطن الباطن و هو سِرُّ السرّ و الي المقام الثالث بقوله (ع) و باطن الظاهر و الي المقام الرابع بقوله و هو الظاهر و الي الاخيرين بقوله و هو الحق و الي الاولين بقوله و حق الحق و عنه (ع) انّ امرنا سرّ مستسرّ و سرّ لايفيده الّا سرّ و سرّ علي سرٍّ و سرّ مقنع بسرّ ، فاشار في [ص 21] هذا الي الاول بقوله سرّ مقنع بسرّ و الي الثاني بقوله سرّ علي سرّ و الي الثالث بقوله و سرّ لايفيده الّا سرّ و الي الرابع بقوله سرّ مستسرّ اما الاول فهو مقام البيان و الثاني مقام المعاني و الثالث مقام الابواب و الرابع ( مقام خ ) الامام (ع) و في رواية جابر الاشارة الي الأولين روي عن جابر بن عبدالله عن ابيجعفر (ع) انه قال يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال فقلتُ و ما البيان و المعاني قال قال علي (ع) امّا البيان فهو ان تعرف الله سبحانه ليس كمثله شيء فتعبده و لاتشرك به شيئاً و امّا المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقّه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده فنحن المثاني الذي اعطانا الله نبينا (ص) و نحن وجه الله الذي يتقلّب في الارض بين اظهركم فمن عرفنا فامامه اليقين و من جهلنا فامامه سجين و لو شئنا خرقنا الارض و صعدنا السماۤء و انّ الينا اياب هذا الخلق ثم انّ علينا حسابهم ه .
اقول و بيان اذا شئنا شاء اللّه و يريد اللّه ما نريده في الجملة كما اجاب به بعض الأولياء كان في سفينة فاشتد بهم الموج و اشرفوا علي الغرق فالتجأوا اليه ان يدعو اللّه فقال ليس لي ان اعترض علي ربي فلما اشتدّ الامر ضجّوا و تضرعوا اليه فحرك شفتيه فسكن الموج علي الفور كأن لميكن فقال له شخص كثير الملازمة له و الخدمة اخبرني بأي شيء دعوت الله فقال انا نترك ما نريد لما يريد فاذا اردنا ترك ما يريد لما نريد الخ ، و هذا صورة ما قالوا (ع) و ذكر الامام سيدالساجدين عليه السلام الاشارة الي الكل علي ما روي في كتاب انيس السمراۤء و سمير الجلساۤء قال حدثني احمد بن عبدالله قال حدثنا سليمٰن بن احمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا ابراهيم بن محمد الموصلي قال اخبرني ابي عن خالد عن القاسم عن جابر بن يزيد الجعفي عن علي بن الحسين (ع) في حديث طويل ثم تلا قوله تعالي فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا و كانوا بآياتنا [ص 22] يجحدون و هي واللّه آياتنا و هذه احدها و هي واللّه ولايتنا يا جابر الي ان قال (ع) يا جابر أوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولاً ثم معرفة المعاني ثانياً ثم معرفة الابواب ثالثاً ثم معرفة الامام رابعاً ثم معرفة الاركان خامساً ثم معرفة النقباء سادساً ثم معرفة النجباء سابعاً و هو قوله عز و جل قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مدداً و تلا ايضاً و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات اللّه ان اللّه عزيز حكيم يا جابر اثبات التوحيد و معرفة المعاني اما اثبات التوحيد فمعرفة اللّه القديم الغاية ( العامّة خل ) الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب باطن كما سنذكره كما وصف به نفسه و امّا المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوّض الينا امور عباده الحديث ، و انما ذكرته بطوله لما فيه من الاسرار و سنشير الي بيان بعضها فيما بعد .
فاما المقام الاول المسمي باثبات التوحيد و بالسرّ المقنع بالسر و حق الحق فالاشارة الي بيانه من الاحاديث المروية عنهم (ع) كثيرة فمنها ما قال علي (ع) لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و قال (ع) نحن الاعراف الذين لايعرف الله الّا بسبيل معرفتنا ، اقول الذي يشير الي هذا المقام من الحديث الثاني هو الوجه الثالث منه و المراد من هذا المقام الذي هو اثبات التوحيد هو معرفة الله بصفته التي وصف بها نفسه لعباده الذين اراد ان يعرفوه بها و هي صفة محدثة لاتشبه ( لاتشتبه خل ) صِفةَ شيءٍ من المخلوقات و هي مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان اي في غيبتك و حضرتك من عرفها فقد عرف اللّه لانها امثاله و ليس كمثله شيء و في دعاء كل يوم من شهر رجب عن الحجة (ع) فجعلتهم معادن لكلماتك و اركاناً لتوحيدك و آياتك و مقاماتك [ص 23] التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الخ ، فبين انهم (ع) معادِن لكلماتِهٖ يعني انهم اعضاد لخلقه لأنّ العلّة الماۤدّية لجميع الخلق هو شعاع انوارهم فقد اتخذهم الله سبحانه اعضادا لخلقه يعني يخلق خلقه من شعاع انوارهم و الخلائق من الاسباب و المسبّبات كلمات اللّه كما قال تعالي بكلمة منه اسمه المسيح عيسي بن مريم فهم معادِن لكلماته و جعلهم سبحانه اركاناً لتوحيده لانّ المقام الذي لا فرق بينه و بين اللّه سبحانه الا انه عبده هو ظهوره للعبد بالعبد و هم (ع) تلك المظاهر كما يأتي في التمثيل بالقائم فانه لا فرق بينه و بين زيدٍ الا انه ظهور زيد بالقيام فهو محدثه به و ركنه القيام فحقيقتهم كالقيام و ظهوره علي تلك الحقيقة بها كالقايم و القايم هو المقام الذي يعرف زيداً به من عرف زيداً اي لايُعرف زيد الا به و المراد انّ اللّه سبحانه لايعرف الّا بتلك المقامات و هي لاتتحقق الّا بهم و فيهم كما انّ القائم لايتحقق الّا بالقيام و فيه هذا معني قول علي (ع) لايُعرف اللّه الّا بسبيل معرفتِنا فهم اركان توحيده و آياته كذلك و مقاماته و كونها لا تعطيل لها لانها وجه اللّه قال تعالي فاينما تولّوا فثمَ وجه اللّه و كون الاثبات لايكون الّا بالخلق لانّ ذاته تجلّ عن ادراك العقول و توهّم الأوهام لأنّ العقول و الاوهام انما تدرك انفسها و تشير الي نظائرها و ما ذكرنا من المعرفة هي سبيل معرفتهم التي لايعرف اللّه الّا بها و مثال المقام الذي هو التوحيد القائم كما مر قبل هذا فانك اذا قلتَ القائم فهو صفة زيدٍ و هو ظهور زيد بالقيام و ليس هو زيداً و لميستتر ضميره فيه و انما استتر فيه جهة فاعليّة قيامه و تلك الجهة قائمة بزيدٍ قيام صدورٍ و قائمة في غيب قائمٍ قيام ظهورٍ و قائم قائم بها قيام تحقق لانها لاتظهر الّا في قائم و قائم لايتحقق الا بها لانها مبدء وجود [ص 24] قائم و هي حركة احدثها زيد بنفسها و هي ليست زيداً و انما هي حركته فالقائم مثال زيد و ظهوره بفعله فاذا اردت ان تعرف زيداً فانما تعرفه بما احدث لك من امثاله و وصفه كالقائم و القاعد و المتكلم و هذا اي المشار اليه و المسمي بزيدٍ و ما اشبه ذلك من امثاله و صفاته و توصيفاته فتعرفه بما وصف به نفسه و هو ما ظهر لك به من هذه الافعال و الصفات و كلها غيره و هي و ان كانت مثله بحيث يكون بينهما في جهة التعرّف و التعريف و المعرفة مساواة لرجوع ذلك كله الي الصفات و الذات عن ذلك كلّه بمعزلٍ الّا انها محدثة به صادرة عنه لا منه و هو قوله (ع) في الدعاۤء المتقدم لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك فافهم فقول علي بن الحسين عليه السلام في الحديث المتقدم و هي واللّهِ آياتنا و هذه ● احدها و ذلك في بيانه لقوله تعالي و كانوا بآياتنا يجحدون يشير الي ما ذكرنا و انهم ذووا الٰايات التي جحد بها الكافرون و المشركون و هم الذين نسوهم كما نسوا لقاء يومهم يوم القيمة و هذا المقام كلّه و هو مقام و اليه يَرجع الامر كلّه احد الآيات و هي تلك الفعلة التي فعل بهم حين حرك الخيط الاصفر و هي ولايتهم الا انّ هذا اعلاها لانه ليس له شبه كما قال (ع) اما البيان فهو ان تعرف اللّه سبحانه ليس كمثله شيء فتعبده و لاتشرك به شيئاً امّا ان ذلك ليس كمثله شيء فلأنّه وصف الحق سبحانه نفسه للعباد فلايشابه شيئاً من الخلق و اما انك تعبده فلانك تعبد اللّه الظاهر لك به حتي انه غيَبه عن نفسه و عن المخلوقات فلايتوجّه العابد الّا الي الذات مع انه ابداً لايجدها و لايفقدها حيث لايجدها ابداً فهذا مقام السرّ المقنع بالسر و حق الحق و هو البيان و التوحيد و هذا المقام لهم حيثُ لايجدون انفسهم شيئاً و وجدوا اللّه ظاهراً [ص 25] في كل شيء قد جعله دكّا و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها كان وحده لايسمع فيها صوت الّا صوته و هذا المقام لايكون موضع الرسالة لانه مصدر الارسال فكيف يكون موضع الرسالة .
و المقام الثاني مقام المعاني و باطن الباطن و هو سرّ السر و سرّ علي سرّ و حق الحق ( باعتبار خ ) و هو كونهم معانيه تعالي يعني علمه و حكمه و امره الخ ، يعني علمه الذي وسع السموات و الارض و حكمه علي كل الخلق و نعمه علي جميع خلقه و خيره الذي منّ به علي الخلايق و جنبه الذي لايضام من التجأ اليه و ذمامه الذي لايطاول و لايحاول و درعه الحصينة و حِصنه المنيعة و رحمته الواسعة و قدرته الجامعة و اياديه الجميلة و عطاياه الجزيلة و مواهبه العظيمة و يده العالية و عضده القويّة و لسانه الناطق و اذنه السميعة و حقه الواجب و هذا مثل قولك قيام زيد و قعوده و حركته و سكونه و تسلّطه و اياديه و امتنانه و معاقبته و امثال ذلك فهذه معاني زيد فقولهم (ع) نحن معانيه كما تقدم في حديث جابر يراد منه نحو ما اشرنا اليه لانّ هذه المعاني بالنسبة الي الذات ليست شيئاً الّا بالذات فلا تحقق لها الا بالذات و انما تذوّتها بالنسبة الي آثارها و اعراضها فهي بالنسبة الي الذات اسماء معانٍ بهذا المعني و بالنسبة الي اۤثارها اسماء اعيانٍ و ذوات قائمة علي اۤثارها و اعراضها بما قبِلَت من امداداتها و لايعني بالذات و العين الّا هذا فهم في هذا المقام اعلي مقامات موضع الرسالة لانّه مطارح ارسالات موادّ الحيوة الوجوديّة من الماء الالٰهي و النفس الرحماني الثانوي في ايجاد الشرعيات الوجودية و ايجاد الوجودات الشرعية و هذا هو الدواة الاولي و هو ن و القلم و ما يسطرون و الماء الذي جعل منه كل شيء حيّ و الكتاب الاول و مفاتح ( مفاتيح خل ) الغيب لايعلمها الا هو و يعلم ما في البر و البحر و ما تسقط من ورقة الّا يعلمها و لا حبّة في [ص 26] ظلمات الارض و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و هو ارض الجرز و الزيت الذي يكاد يضيء و لو لمتمسسه نار .
و المقام الثالث مقام الابواب و باطن الظاهر و سرّ لايفيده الّا سرّ و السفارة الي الله و ترجمة وحي الله و بيانه انه اذا وقع الماء الاول علي ارض الجرز و البلد الميت و بعبارة اخري اذا استضاء الزيتُ عن النار و بعبارة اخري اذا وقعت الدلالة من الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر علي المعني الميت في قلب العبد المؤمن ظهر علي العبارة الاولي الزرع و النبات الطيب و علي الثانية المصباح و علي الثالثة المعني و المراد من الزرع و النبات و المصباح و المعني شيء واحد و هو الاسم الذي اشرقت به السموات و الارضون و هو المعبّر عنه عند اهل الاشراق بالعقل الكلّي و عند اهل الشرع بالقلم و العقل المحمدي و قد يطلق عليه الرّوح المحمّدي فلما ٱسْتَوي عليه الرحمن اودع فيه غيوب الاشياۤء و هي معاني جميع الخلق فهو باب اللّه الي خلقه و لما امر العقل فقال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل اخرج منه رقائقها و صورها الي قوابلها فيما لايزال فهو باب اللّه الي خلقه ● و لما تهيّأت القوابل ( لقبول خ ) حياتها و جميع ما لها من ربّها و قبلت كان ذلك القبول بواسطته فهو باب الخلق الي الله فلما امرهم بطاعته و امتثلوا امره قبل اعمالهم بواسطته و التّوجه به الي اللّه فرفع به اعمالهم فهو باب الخلق الي اللّه و هذه الوساطة و الترجمة و السفارة عامة في جميع الوجودات الشرعية و الشرعيات الوجودية فهم (ع) في هذا المقام موضع الرسالة بالنسبة الي المقام الأوّل ( و خ ) محلّ وحيه و مهبط نوره و مسقط نجومه و هكذا بالنّسبة الي المقام الثاني هم حفظة شريعته و موضع رسالته ( رسالة خل ) الثاني من الأوّل ليترجموا لمَن دونهم [ص 27] الامدادات ممن هو فوقهم .