كقطر الماء في الاصداف در و في فم الافاعي صار سما
فاذا عرفت هذه المقدمات اقول العلية صفة هذا الامر الواحدة الذي يبرز في كل موجود بنفس ذلك الموجود فجعل نفسه علته و الفاعل و الجاعل هو الله البتة الذي قابليات الموجودات خلقه ايضا و هي ليست [ص 70] خلقا مستقلا كما اشتبه بعض الحكماء حيث انهم اعتبروا الماهيات غير مجعولة و لميعرفوا ( قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا ) و بهذا الكلام ترتفع شبهة جمع آخر من المتكلمين ايضا الذين تصوروا ان المشية تأكل و تشرب و تنكح و هي التي صارت بصورة الاعيان الطيبة و الاعيان الخبيثة النجسة و ليس الامر كذلك بل حركتها و صفتها هي التي ظهرت بقدرة الله مثل الصورة التي تشاهدها في المرآة فاصل الشبح من شعاع الشاخص و مثاله و اما لونه الخاص الظاهر فهو من نفس المرآة لا من شعاع الشاخص بالجملة ان هذه البيانات لتمام المطلب الذي كنا بصدده و قد كان كلامنا في ان في النظر الثاني اول ما نري امر الله الواحدة و مشيته فانه يري قبل خصوصيات الموجودات و هو سابق عليها و تراه اولا ثم تري ساير الموجودات بعده كلا في درجته المخصوصة به و نحن نتكلم اولا في الخلق الاول فنقول اين علله الاربعة و قد قلنا ان الله لايكون علة خلقه و ساير الموجودات خلقت بهذا الامر الواحدة فلاتكون علة له لانها خلقت بواسطته فهي بعده فعِلَّة الامر الاول و الخلق الاول نفسه بامر الله و حكمه كما قال الامام عليه السلام ( خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ) فجميع العلل الاربعة في نفسه و العلة الغائية نفسه لان العلة الغائية لكل شيء ظهور كمال الله و هو بنفسه كمال الله الكامل الذي ليس فوقه كمال و جميع كمالات الله التي لا نهاية لها موجودة فيه و هو غير فاقد لكمال و كذا العلة الفاعلية موجودة فيه ايضا فان [ص 71] الله جعل نفسه سببا له و مرجحة لوجوده و كذلك العلة المادية هي مادته نفسه لعدم وجود مادة سابقة قبله و هو مخلوق لا من شيء و لو كانت مادة اخري لكانت هي الخلق الاول و كذلك لايوجد صورة غير نفسه و جميع الصور خلقت بواسطته و علي كل حال لايوجد سواه شيء ،
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات
و اعلم ان جميع هذه الصفات و العلل في هذا المقام هي في غاية الوحدة و البساطة بحيث لايمكن التمييز بينها الا بالوجدان و اما في الوجود فليس غير امر الله الواحد موجودا و اما في مراتب انواره و اكوان الموجودات الخاصة فان كل واحدة من هذه العلل تظهر في المراتب الدنيا واضحة ( و اول مقاماتها ) مقام الفؤاد و الحقيقة و آية معرفة الله و مقام نفس الله و عين الله و مقام ظهور العلة الغائية التي هي معرفة الله فان الله خلق جميع الخلق للمعرفة ( و الثاني ) مقام العقل الذي اعلاه ظهور فاعلية الله و يده الباسطة و اول الاكوان كما قال ( اول ما خلق الله العقل ) و هذا الحديث لاينافي ما قلنا من ان اول ما خلق الله امره لان الامر خلق ايضا و هو قبل جميع الاكوان و اما العقل فهو اول الاكوان المحسوس بالخلقية ( و الثالث ) مقام اسفل العقل و يسمي بالروح ايضا و هو مادة جميع الكاينات و العلة المادية ( و الرابع ) مقام النفس الكلية و هو مقام الصورة و لما لميكن غرضي بيان هذه المطالب امسكت عن التفصيل و الاستدلال و تمام المطلب هو ان العلل الاربعة لجميع العوالم موجودة في نفس المشية فهي منشأ [ص 72] جميع العلل و هي العلة الغائية و الفاعلية و المادية و الصورية غاية الامر كل علة في مرتبتها و المشية صار لها جميع المراتب لان من المعلوم اذا لمتكن ذات الله جل شأنه علة الموجودات و العلية صفة الخلق كانت العلية المطلقة الكلية غير المتناهية صفة المشية فانها العلة التامة التي لاتفقد اي كمال من كمالات الله و اما ساير الصفات التي دون درجتها لما كانت كل واحدة لها جهة نقص لا محالة فلايثبت لها علية تامة و لو ان كل درجة خاصة بالنسبة الي ما دونها علة تامة و لكن الجامع و الحاوي لجميع العلل و منشأها مشية الله لان جميع المشاءات خلقت بسببها و الشواهد و الدلايل علي ذلك كله موجودة في الاخبار و لاحتياجنا في ترجمة ذلك و توضيحه الي تفصيل كثير اعرضنا عن ذكرها اختصارا و مع ذلك فانا لمنخرج عن مضمون الاخبار فاذا عرفت ان جميع العلل موجودة في الخلق الاول و هو منشأ و مبدأ جميع الاشياء اقول هذه المسألة ايضا ثابتة في العقل و الحكمة و هي ان الخلق الاول واحد و ليس بمتعدد و لا شيء غير كمال الله المطلق كما عرفت في مراتب الاعداد بان الواحد واحد لا اثنان و اذا لاحظنا في اخبار آلمحمد عليهم السلام رأينا انهم عليهم السلام عبروا عن هذا الواحد و عن هذا الخلق الاول باسماء مختلفة و لا مانع من ان يكون شيء له اسماء متعددة و لكل اسم جهة البتة و حكمة ليس هنا محل ذكرها فان لها تفصيلا ففي بعض المواضع قالوا عليهم السلام المشية و في بعضها قالوا الارادة و في بعضها قالوا الامر و في بعضها قالوا الحكم و في بعضها [ص 73] قالوا اول ما خلق الله العقل و في بعضها قالوا اول ما خلق الله الماء و في بعضها قالوا اول ما خلق الله جوهرة و هكذا و في بعضها قالوا اول ما خلق الله النور و في بعضها قالوا اول ما خلق الله محمد و آلمحمد عليهم السلام و الاخبار التي ذكروا فيها اسم محمد و آلمحمد عليهم السلام اكثر و هي مطابقة للكتاب ايضا و قد سمي الله النبي في كتابه اول العابدين و خاتم النبيين و هذه الاخبار بلغت حد التواتر و زيادة و عليها اجماع الشيعة و السنة و ضرورتهم و لا منكر لها و الحمد لله حتي اني سمعت ان جماعة من العامة يذكرون في اذانهم بان النبي (ص) اول ما خلق الله و علي كل حال فانه محل اجماع و لا منكر له فلاتظنن ان هذه الاسماء المختلفة لاشياء متعددة فتظن ان اول ما خلق الله متعدد كلا فان اول ما خلق الله ليس بمتعدد و الاخبار كلها صحيحة ايضا و باي اسم ذكر فهو لجهة من الجهات بينها العلماء الاعلام في كتبهم و لما صاروا عليهم السلام اول ما خلق الله بضرورة المسلمين ثبت لهم جميع مختصات ذلك المقام بدون شبهة نعم الذي يكون سبب شبهة و وحشة لجماعة هو ما يتخيلونه من ان هذا النوع من الفضائل مختص بمقام بشرية النبي او الامام الظاهرية فانه ولد في يوم معين و ارتحل عن الدنيا في يوم معين و كانت فيه لوازم البشرية من الاكل و الشرب و النوم و غير ذلك فعند ذلك تأخذهم الوحشة بانه كيف يكون هذا البشر الذي هو ظاهرا مثل ساير البشر اول ما خلق الله و كيف يكون علة لجميع العوالم فتكون جميع العوالم قائمة به و نحن قد بينا سابقا [ص 74] ان جميع ذلك وارد في القرآن و الاخبار المعتبرة من الفريقين و المسلم مكلف بان يقبلها و جميعها ايضا موافقة للعقل و المنطق الا انها مختصة بمقام اول ما خلق الله لا مقام بشريتهم الشخصية و مقام بشريتهم الشخصية يحكي ذلك المقام كما تحكي المرآة الحجرية الشمس السموية و ليس ذلك بامر محال فان نور الشمس بعينه اذا وقع في المرآة اضاء و سخن و صار له جميع خواص الشمس و صح اطلاق اسم الشمس عليه بل اذا كان النور اضعف من نور المرآة اطلق عليه اسم الشمس ايضا و لايلزم من ذلك كفر و لا محال الست تقول للشمس علي اعلي الجدار جاءت الشمس و ذهبت الشمس و طلعت الشمس و غربت الشمس و كل هذه الاسماء تطلقها علي النور و ليس علي الشمس ذاتها فلماذا هؤلاء يوقعون الناس في الوحشة و لماذا يتعجبون من قول الله و الرسول بل لا بد و ان يبذلوا قصاري جهدهم في ان يفهموا الناس معني الاخبار و الآيات و المقصود منها حتي تكون لهم معرفة بالتدريج و نقول اليس حجة الله تكون بذلك اكمل بان يريهم آية في عرصة الخلق الظاهر تكون مظهر علم الله غير المتناهي و مظهر قدرته التامة المستطيلة و مظهر حرمته و عزته و مظهر سلطنته و مظهر جميع صفاته الكمالية لا ريب ان حجته بذلك تكون اتم و معرفته التي هي العلة الغائية تكون اكمل و نحن باجمعنا نعرف هذه الكلية بان كل صفة من صفاته و كل كمال من كمالاته اذا لميظهره الله لخلقه في العرصة البشرية ظل خلقه جاهلين به و صارت معرفتهم بربهم ناقصة [ص 75] لان ذات غيب الغيوب لميرها و لميعرفها احد و لايخبر عن الله الا رسل البشر و السلام انتهي كلامه الشريف و قد نقلته بطوله لكثره محصوله فقد بين المسألة من جميع اطرافها و اوضح الموضوع من جميع جهاته و اورد الادلة و البراهين القاطعة علي ذلك بحيث لايمكن لاي مسلم ردها و انكارها بل و يجب عليه قبولها و الديانة بها . و اما باقي الكلام من انهم يخلقون و يرزقون الخ فلقد مر فيما تقدم ما فيه البلاغ و الكفاية لمن اراد الرشاد و الهداية و قد ذكرنا ان المرحوم الشيخ قد بين حقيقة المطلب و حاق الامر و لميكن هناك شيء ذكره خطأ حتي يستدركه فيما بعد اللهم الا اذا اقتضي سياق العبارة الاستدراك فلا مانع من ذلك علي حسب ما يقتضيه المقام لضيق عرصة الالفاظ مع العلم بان آلمحمد عليهم السلام لايفعلون فعلا بالاستقلال عن الله ابدا و انما كل فعلهم بالله سبحانه و انهم غير منقطعين عن الله لذلك ورد في الآية الشريفة ( و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين و لقطعنا منه الوتين ) .
و اما قولكم ثانيا - ان الانسان اذا صفت نفسه و تخلص من اكدار الدنيا يستطيع ان يتصل باحد المعصومين الاربعةعشر من طريق الاحلام او بطريق آخر فيوحي له المعصوم بالعلم الغزير و يكشف له الحجب الخ فلا ريب ان تصفية النفس من الاعراض و تخليصها من الاكدار امر مأمور به شرعا و لا شك ان مقامات العارفين تتفاوت بحسب اعمالهم الشرعية و رياضاتهم الصحيحة التي وردت بها الاخبار النبوية كما جاء [ص 76] في الآية الشريفة و ما منا الا له مقام معلوم و ليس في سلوكهم و اعمالهم نهاية ينتهون اليها كما ورد في الحديث القدسي كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و ورد عن اميرالمؤمنين عليه السلام في تصفية النفس و تزكيتها خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها فاذا اعتدل طباعها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد و لا شك انه اذا حصلت للانسان تصفية الاعراض و الامراض و سلك الطرق الصحيحة في السلوك الي الله فانه لايبعد ان يري في عالم الرؤيا من شاء من الائمة الاطهار عليهم السلام كما حكي الشيخ المرحوم ذلك عن نفسه علي حسب مجاهدته و انقطاعه الي الله .
و اما قولكم او بطريق آخر فاني لااعلم المقصود من ذلك تماما و ان كان المقصود انه يصل اليهم في اليقظة فاننا لمنر عبارة واحدة من كلام الشيخ تدل علي انه اتصل بواحد من الائمة علانية و ذلك بلا شك من مفتريات المفترين و دس الداسين مع ان الوصول الي صاحب الامر عجل الله فرجه في اليقظة ليس بالامر المحال بل هو من الامر الممكن لان الامام حاضر و ناظر و هو القائل في توقيعه الشريف انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء فهو يحوطنا و يحرسنا و يمشي في اسواقنا و يتجول في بلداننا و قد ورد عن كثير من الاشخاص انهم عند ما تقطعت بهم السبل و رأوا ان لا منجي لهم توسلوا الي الله سبحانه و تعالي ليخلصهم من ورطتهم [ص 77] و ينقذهم من محنتهم فاسفر لهم طلعته الشريفة و اراهم غرته الكريمة و اظهر لهم وجهه المشرق و انقذهم من محنتهم و ما التواقيع التي ظهرت علي يد الشيخ المفيد اعلي الله درجته المروية في كتاب الاحتجاج للطبرسي و غيره من الكتب الا من هذا القبيل و قد ورد في المجلد الثالثعشر من بحار الانوار الكثير من الاخبار في من رأي الحجة و سمع كلامه و بلغه مرامه و لقد روي عن ابيعبدالله عليه السلام قوله لصاحب هذا الامر غيبتان احداهما قصيرة و الاخري طويلة الغيبة الاولي لايعلم بمكانه الا خاصة شيعته و الاخري لايعلم بمكانه فيها الا خاصة مواليه و هذه الرواية تدل علي انه يراه عليه السلام في غيبته الكبري بعض الناس و مع هذا كله فاننا لمنر في كتب الشيخ اعلي الله مقامه ما يدل علي انه اتصل بالامام عليه السلام جهارا و رآه عيانا و لمنسمع عنه ذلك ابدا غير انه كان يتصل بهم عليهم السلام في عالم الرؤيا كما هو صريح تاريخ احواله الذي كتبه بخطه و اما غير ذلك فلا علم لنا به سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم .
و اما قولكم و الظاهر ان هذا هو السبب الذي جعل خصوم الشيخيين ينبزونهم بلقب الكشفية اذ هم يعتمدون في عقائدهم علي « الكشف » كما يفعل الصوفية الخ فلقد مر من كلام المرحوم السيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه في هذا المعني ما ينبغي ان يراجع و لايخفي ان الكشف من الالفاظ التي يمكن لمأول ان يأولها علي خلاف المعني الصحيح الذي يراد منها اذا ما اقتضت مصلحته ذلك و اراد الدس و تشويه السمعة [ص 78] و ما اكثر ما ورد من هذا اللفظ بمعناه الصحيح في القرآن الكريم فلقد قال تعالي لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد و امثال هذه الآية الشريفة المتضمنة لمثل هذا اللفظ كثير و لما كان المرحوم الشيخ اعلي الله مقامه لايتجاوز في عقائده و مطالبه عن الآيات و الاخبار فقد استعمل في ابحاثه العلمية مثل هذه الالفاظ و اورد في كتاباته مثل هذه العبارات فقال في اول كتابه الفوائد عند بيانه لدليل الحكمة ما هذا نصه : لان دليل الحكمة هو الدليل الكشفي العياني الذي يخبر به المستدل بعد معاينة ما اراد من معاني الفاظه . اقول و هو مأخوذ من قوله تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و مأخوذ من قول الرسول (ص) العلم آية محكمة و فريضة عادلة و سنة قائمة و ما خلا ذلك فهو فضل لان الادلة عنده اعلي الله مقامه ثلاثة ( الاول ) دليل الحكمة و هو الدليل الكشفي العياني لان الدليل فيه عين المدلول و يوصل المستدل به الي معرفة حقايق الاشياء بالكشف و العيان و هو ما ذكره اميرالمؤمنين عليه السلام لكميل عند ما كان رديفا له و سأله عن الحقيقة فقال عليه السلام ما لك و الحقيقة فقال اولست صاحب سرك قال بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني فقال كميل اومثلك يخيب سائلا قال اميرالمؤمنين عليه السلام الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير اشارة الخبر و الحديث كله وارد في معرفة الحقيقة و قد شرحه الشيخ اعلي الله مقامه في آخر المجلد الثاني من جوامع الكلم و بين اسراره و اوضح خافيه و غامضه فمن اراد [ص 79] الاطلاع عليه فليراجعه و ليشاهد ما من الله به عليه من بيان الحقائق باسلوب رشيق و طور انيق و لا ريب ان معرفة الحقيقة تحتاج الي مشعر خاص بها و هو مشعر الفؤاد المدرك للحقائق بلا اشارة يدركها بالعيان ( و الثاني ) دليل العقل و هو المعبر عنه في الآية الشريفة بالموعظة الحسنة و هو يدرك المعاني الكلية المعنوية بالاطلاع علي الادلة الكلية المعنوية و الدليل هنا غير المدلول و يوصل المستدل به الي اليقين ( و الثالث ) دليل المجادلة بالتي هي احسن و هو ما ملأ العلماء به كتبهم و رسائلهم من البراهين و الاقيسة بانواعها التي اوردوها في المنطق و علم الاصول و يوصل المستدل به الي عالم الصور و يحصل منه العلم لان مستنده النفس فالادلة عنده اعلي الله مقامه علي اقسام و قد استعملها جميعا في كتبه و ليس كما توهم المتوهم في حقه و لكنه اعلي الله مقامه يتكلم مع اهل الافئدة اذا اراد البيان بدليلهم و هو دليل الكشف و العيان فمن كان له هذا المشعر فهو يدرك الحقايق و كان ذا حظ عظيم لانه حصل علي الحكمة و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا و اما من لميظهر مشعر الفؤاد فيه بالفعل فهو محروم من ادراكها و معرفتها و ليسأل الله سبحانه ان يصلح وجدانه و ان يوفقه للوصول و اصحاب الوصول قليلون ،
خليلي قطاع الفيافي كثيرة و لكن ارباب الوصول قليل
و الكثير يدعي ذلك و لايغرنك الادعاء اذ
كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاكا
و ذلك ما سأل النبي صلي الله عليه و آله ربه [ص 80] ان يريه الحقائق فقال اللهم ارني الاشياء كما هي و هذا دليل الكشف و العيان و هو بعينه ما شرحه و بينه اعلي الله مقامه في جواب سائل سأله عن معني الكشف و هو موجود في المجلد الاول من جوامع الكلم فقال ما هذا نصه : ( اعلم وفقك الله ان معني الكشف هو كشف الحجب التي علي النفس الناطقة القدسية التي من عرفها فقد عرفه ربه و الحجب علي اقسام ) ثم عدها اعلي الله مقامه واحدة بعد واحدة ( و اولها ) الحجب العقلية ( و ثانيها ) الحجب الروحية ( و ثالثها ) الحجب النفسية ( و رابعها ) الحجب الطبيعية ( و خامسها ) الحجب الهيولائية ( و سادسها ) الحجب المثالية ( و سابعها ) الحجب الجسمانية ( و ثامنها ) الحجب العرضية كالالوان و الحركات و الاضافات و النسب مما هو راجع الي النفس و النساء و البنين و الاموال و غير ذلك و هي اغلظ الحجب فاذا خرق السالك الي الله هذه الحجب عرف ربه و تجلي له في فؤاده بنور عظمته ثم قال اعلي الله مقامه و الدليل علي ذلك و هو ان الكشف لك انما هو عن حقيقة ما اودع الله فيك قوله تعالي و اتقوا الله و يعلمكم الله و قال تعالي و لما بلغ اشده و استوي آتيناه حكما و علما و كذلك نجزي المحسنين ثم ذكر من الادلة علي ذلك ايضا الحديث القدسي قال الله تعالي من اخلص لله العبودية اربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه علي لسانه فان كان مؤمنا كان هدي و ان كان كافرا كان حجة عليه . و ما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال ليس العلم في السماء فينزل اليكم و لا في الارض فيصعد [ص 81] اليكم و لكن العلم مجبول في قلوبكم تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم الي آخر كلامه الشريف فانظر بالله عليك الي كلماته و دقق النظر في عباراته و اعرف الفرق الكلي بينه و بين كشوفات الصوفية المخذولين و ما ذكروه في كتبهم و رسائلهم من رياضاتهم الباطلة و جلساتهم الخمسة المضلة و تشبثاتهم بالقاذورات و النجاسات حتي تتعلق بهم الشياطين و يكونوا هيكلا للابالسة المطرودين فيفعلوا بهم ما يريدون و يتوصلوا بهم الي ما يتوصلون من الترأس علي الطغام فان لهم بلا شك طريقة تخالف تماما طريقة الائمة الاطهار و مسلكا يخالف مسلكهم و نهجا يخالف نهجهم و لذلك حذروا عليهم السلام شيعتهم منهم و امروهم بان لايجالسوهم و لايسمعوا قولهم كما ورد في الكتاب المبين عن الصادق عليه السلام قال له رجل قد خرج في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية فما تقول فيهم فقال انهم اعداؤنا فمن مال اليهم فهو منهم و يحشر معهم و سيكون اقوام يدعون حبنا و يميلون اليهم و يتشبهون بهم و يلقبون انفسهم بلقبهم و يأولون اقوالهم فمن مال اليهم فليس منا و انا منه براء و من انكرهم و رد عليهم كان كمن جاهد الكفار مع رسول الله صلي الله عليه و آله و عن الرضا (ع) من ذكر عنده الصوفية و لمينكر عليهم بلسانه او بقلبه فليس منا و من انكرهم فكانما جاهد الكفار بين يدي رسول الله صلي الله عليه و آله و عن محمد بن ابيالخطاب الزيات قال كنت مع الهادي عليه السلام في مسجد النبي صلي الله عليه و آله فاتاه جماعة من اصحابه منهم ابوهاشم الجعفري و كان [ص 82] رجلا بليغا و كانت له منزلة عنده ثم دخل المسجد جماعة من الصوفية و جلسوا في ناحية مستديرا و اخذوا بالتهليل فقال عليه السلام لاتلتفتوا الي هؤلاء الخداعين فانهم خلفاء الشياطين و مخربوا قواعد الدين يتنزهون لإراحة الاجسام و يتهجدون لتصييد الانام يتجوعون عمرا حتي يذبحوا للاكاف حمرا لايهللون الا لغرور الناس و لايقللون الغذاء الا لملأ الغساس و اختلاس قلوب الدنفاس باحلائهم في الحب و يطرحونهم بادلائهم في الجب اورادهم الرقص و التصدية و اذكارهم الترنم و التغنية فلايتبعهم الا السفهاء و لايعتقدهم الا الحمقاء فمن ذهب الي احدهم فكأنما اعان يزيد و معوية و اباسفيان الخبر و لذلك فقد كرس الشيخ اعلي الله مقامه جهوده في الرد عليهم اشد الرد في اغلب كتبه و رسائله مثل كتابه شرح العرشية و شرح المشاعر و شرح الزيارة الجامعة و في كثير من رسائله المطبوعة في جوامع الكلم فلقد فنَّد اقوالهم و ادحض حججهم و خرَّب بنيانهم و هدم اركانهم بما لميسبق له مثيل و لاسيما ابنعربي فانه قد رد عليه و ادحض حججه و بين بطلان ضلالاته في جل رسائله و اغلب مصنفاته في هذا الباب و قد اطلنا الكلام في هذا المقام ليعرف الفرق بين المسلكين و البون الشاسع بين المذهبين حق و باطل و لكل اهل فتعليلكم بقولكم اذ هم يعتمدون في عقائدهم علي الكشف كما يفعل الصوفية خطأ من اصله و باطل من اساسه فان الشيخية بحمد الله و بفضل اهل البيت عليهم السلام ليس لهم اعتقاد و لا قول و لا فعل غير اعتقاد آلمحمد عليهم السلام [ص 83] و قولهم و فعلهم فما قال آلمحمد قالوا و ما دانوا به دانوا فيما بلغهم عنهم و فيما لميبلغهم كما صرحت به كتبهم و رسائلهم و غير ذلك افتراء و بهتان من اهل الطغيان و حزب الشيطان .
و اما قولكم ثالثا - ان للانسان جسدين احدهما « هورقليائي » و الثاني « صوري » الي ان قلتم و يعتقد الشيخ احمد ان الانسان اذا مات اندثر جسده « الصوري » فلايعود اليه يوم القيمة اما الذي يعود اليه فهو جسده الهورقليائي الخ .
فانا نقول اولا - ان مسألة المعاد قد شرحها و بينها مشائخنا اعلي الله مقامهم في كتبهم المفصلة ككتاب شرح الزيارة للمرحوم الشيخ اعلي الله مقامه و كتاب الفطرة السليمة و ارشاد العوام و كشف المراد في علم المعاد للمرحوم الحاج محمدكريم خان (اع) و كتاب الناصرية للمرحوم الحاج محمد خان (اع) بما لا مزيد عليه و قد نقلوا فيها الاقوال و الاخبار و الآيات و ساير الادلة الاخري فمن ارادها فليراجعها بالدقة التامة و التفهم الكامل و الانصاف التام فلا حاجة الي ذكرها هنا و ثانيا - ان العبارات التي نقلتموها و نسبتموها الي المرحوم الشيخ ان كانت نفس نص كلام الشيخ فانا ماوجدنا ذلك في كتبه و ان كانت عن غيره فغيره اعلم بما قال و اليك نص ما وجدناه في كتب الشيخ المرحوم اعلي الله مقامه فقد ذكر في كتابه شرح الزيارة الجامعة عند شرحه هذه الفقرة من الزيارة ( و اجسادكم في الاجساد ) بعد ان ذكر معاني الجسد اللغوية ما هذا نصه : و اعلم وفقك الله ان الانسان له جسدان و جسمان [ص 84] فاما الجسد الاول فهو ما تألف من العناصر الزمانية و هذا الجسد كالثوب يلبسه الانسان و يخلعه و لا لذة له و لا ألم و لا طاعة و لا معصية الاتري ان زيدا يمرض و يذهب جميع لحمه حتي لايكاد يوجد فيه رطل لحم و هو زيد لميتغير و انت تعلم قطعا ببديهتك ان هذا زيد العاصي و لمتذهب من معاصيه واحدة و لو كان ما ذهب منه له مدخل في ذهاب المعصية لذهب اكثر معاصيه بذهاب محلها و مصدرها و هذا مثلا زيد المطيع لمتذهب من طاعاته شيء اذ لا ربط لها بالذاهب بوجه من الوجوه لا وجه علية و لا وجه مصدرية و لا تعلق و لو كان الذاهب من زيد لذهب بما يخصه من خير و شر و كذا لو غفن ● و سمن بعد ذلك هو زيد بلا زيادة في زيد بالسمن و لا نقصان فيه بالضعف لا في ذات و لا في صفات و لا في طاعة و لا معصية الي ان قال بعد ان ضرب الامثال لتقريب الاذهان الي المطلب و اما الجسد الثاني فهو الجسد الباقي و هو الطينة التي خلق منها و يبقي في قبره اذا اكلت الارض الجسد العنصري و تفرق كل جزء منه و لحق باصله فالنارية تلحق بالنار و الهوائية تلحق بالهواء و المائية تلحق بالماء و الترابية تلحق بالتراب يبقي مستديرا كما قال الصادق (ع) و قد قال علي (ع) في النفس النامية النباتية فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة و عني بها هذا الجسد العنصري الذي ذكرنا و اما الثاني [ص 85] الباقي الذي ذكره الصادق (ع) تبقي طينته التي خلق منها في قبره مستديرة اي مترتبة علي هيئة صورته اي اجزاء رأسه في محل رأسه و اجزاء رقبته في محلها و اجزاء صدره في محله و هو تأويل قوله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و هذا الجسد هو الانسان الذي لايزيد و لاينقص يبقي في قبره بعد زوال الجسد العنصري عنه الذي هو الكثافة و الاعراض فاذا زالت الاعراض عنه المسماة بالجسد العنصري لمتره الابصار الحسية و لهذا اذا كان رميما و عدم لميوجد شيء حتي قال بعضهم انه يعدم و ليس كذلك و انما هو في قبره الا انه لمتره ابصار اهل الدنيا لما فيها من الكثافة فلاتري الا ما هو من نوعها و لهذا مثل به الصادق (ع) بانه مثل سحالة الذهب في دكان الصائغ يعني ان سحالة الذهب في دكان الصائغ لمترها الابصار فاذا غسل التراب بالماء و صفاه استخرجها كذلك هذا الجسد يبقي في قبره هكذا الي آخر كلامه علا مقامه الذي يختلف عما نقلتم و هذا هو تحقيقه الكامل في المقام و هذا هو اعتقاده الواضح الصريح في المعاد يوم القيام و ليس فيه غموض و لا تعقيد كما يزعمه البعض و كلام ساير مشايخنا اعلي الله مقامهم كله يعود الي ذلك لا غير و ما عداه فكله مختلق و مفتري عليهم فالبدن الاصلي الذي لايتغير و لايتبدل عندهم هو الذي عليه مدار الحشر و النشر و الثواب و العقاب و ليس هو الهورقليائي الذي ذكرتم فان البدن الهورقليائي لايصلح لان يقوم في يوم القيمة الكبري لانه برزخي مثالي و محله و مقامه البرزخ و الاعراض العارضة التي يلبسها الانسان مرة و يخلعها اخري و هي دائما في تغير مستمر ليست من جسم الانسان الاصلي لانها [ص 86] متغيرة متبدلة و هذا القول ليس مختصا بمشايخنا اعلي الله مقامهم وحدهم فقط بل قال به كثير من العلماء و الحكماء كالمرحوم المجلسي في حق اليقين و الخواجه نصيرالدين الطوسي في التجريد و المرحوم العلامة في شرح التجريد و المرحوم السبزواري في كتابه الاسرار و من العلماء المتأخرين المرحوم العلامة محمد الجواد الجزائري في كتابه فلسفة الامام الصادق في الجواب عن شبهة الآكل و المأكول و المرحوم العلامة الشيخ محمد الحسين كاشفالغطاء في كتابه الفردوس الاعلي فلقد قال المرحوم المجلسي في حق اليقين ما نصه ( دويم انكه در بدن اجزاي اصليه هست كه باقي است از اول عمر تا آخر عمر و اجزاي فضليه ميباشد زياد و كم و متغير و متبدل ميشود و انسان كه مشار اليه بانا و من آن اجزاي اصليه كه مدار حشر و نشر و ثواب و عقاب بر آن است ) يعني الثاني يوجد في البدن اجزاء اصلية و هي باقية من اول العمر الي آخره و يوجد اجزاء فضلية و هي تزيد و تنقص و تتغير و تتبدل و الانسان المشار اليه بانا فانا هو الاجزاء الاصلية التي عليها مدار الحشر و النشر و الثواب و العقاب و له في هذا الكتاب امثال ذلك كثير و قال في التجريد و لايجب اعادة فواضل الانسان و قد ذكر العلامة في شرحه انه لايحشر الا الطينة الاصلية و كذا المنقول عن المرحوم السبزواري في جواب شبهة الآكل و المأكول بان الاجزاء المعادة هي الاصلية و اما المرحوم العلامة محمد الجواد الجزائري المتوفي سنة ١٣٧٨ ه فلقد استقرب في كتابه المذكور في الجواب علي شبهة الآكل و المأكول القول بان العبرة في تحقق الاعادة هي الاجزاء [ص 87] الاصلية بقوله و هذا الجواب بعيد عن البحث العلمي كما تراه و لكنه اقرب الي الصواب مما دفعها بعضهم من طريق عالم المثال و اما المرحوم الشيخ محمد الحسين كاشفالغطاء فله كلام شاف صريح و بحث ضاف صحيح في ان البدن المعاد هو الاصلي لا العارضي و قد بين و شرح المسألة ببيان مطول و كلام مسهب و اوضح الصور المتعاقبة علي هذا البدن العارضي و الاطوار المتوالية علي هذا الهيكل الظاهري و استشهد باقوال الحكماء الاقدمين و اخبار الائمة الطاهرين و استنتج من ذلك وجود بدن برزخي بين الروح و البدن الظاهري العنصري سماه مرة بدنا اصليا و اخري جسما اثيريا و اليك بعض عباراته فلقد قال في صفحة ١٧٣ من كتابه المذكور ما نصه : و لا بد من محل حامل و قابل لتلك الصور المتعاقبة ما شئت فسمه مادة او هيولي او الاجزاء الاصلية كما في الخبر و قال في صفحة ١٨٠ فصل و اصل هل في هذا الهيكل الانساني سوي ما هو المعروف و المحسوس من انه جسد و روح روح مجردة بسيطة و جسد مادي مركب من العناصر فهل ثمة شيء ثالث الجواب نعم و لكن لاتستغرب و لاتعجب لو قلت لك ان في كل جسم حي مادي عنصري جسم آخر اثيري سيال شفاف اخف و الطف من الهواء هو برزخ بين الجسم المادي الثقيل و الروح المجرد الخفيف و لعل هذا هو الجسم البرزخي الذي يسأل في القبر و يحاسب و ينعم ان كان تقيا و يعذب ان كان شقيا الي آخر كلامه و له امثال هذه التصريحات في بحثه هذا الشيء الكثير . و هذا مما قلت لك بان الحقيقة تفرض نفسها و تنكشف عيانا ان عاجلا او آجلا و بذلك وردت الاخبار ايضا عن الائمة [ص 88] الاطهار فعن الكافي عن الصادق عليه السلام سئل عن الميت يبلي جسده قال نعم حتي لايبقي لحم و عظم الا الطينة التي خلق منها فانها لاتبلي تبقي في قبره مستديرة حتي يخلق منها كما خلق اول مرة انتهي فهل تقول ان المرحوم المجلسي و العلامة و الطوسي و غيرهم ممن حذا حذوهم من العلماء الحكماء خارجون عن الدين و تحكم عليهم بالكفر فان كفرتهم و هم اعلام الشيعة و فقهاء الشريعة و مراجع التقليد فلا بد و ان تكفر ساير المسلمين و ان كفرتهم لميبق للدين عمود و لميخضر له عود و عدت الي الجاهلية الجهلاء مع ان المسألة مختلف فيها في الحقيقة و لميكن في المقام اجماع قائم و لا ضرورة قائمة و قد تشعبت بالمسلمين في ذلك الاقوال و الآراء فمنهم من قال بالمعاد الروحاني كما عليه جملة من المتكلمين كالفارابي و ابنسينا و قد كفروهما و منهم من انكر المعاد بالكلية فخرج عن الملة و لكن الامر المجمع عليه بين الشيعة و نادت به ضرورتهم هو ان المعاد جسماني و يحشر الناس باجسامهم في يوم القيمة و الارواح تعود الي ابدانها عند الحشر و لكنهم اختلفوا في كيفية العود و هل ان بدن الانسان الذي يعود هذه الفواضل و الاعراض المتغيرة المتبدلة فان للانسان فواضل و اعراضا كثيرة و هو في تبدل مستمر و تغير دائم من اول ولادته الي آخر حياته حتي انه نسب الي العالم الفسيولوجي مولنت بانه قال مدة بقاء الاجزاء ثلاثون يوما ثم تفني جميعا فما الذي يعود من اعراضه و فواضله و ان قلت بعود بعض دون بعض لزم الترجيح من غير مرجح و ان قلت بعودة جميعها فمثلا يؤتي بكل ظفر تحلل و بكل عصب تفسخ و بكل شعرة تحللت من اول العمر الي [ص 89] آخره و هكذا تلصق الفواضل بالفواضل و توصل الاعراض بالاعراض فيؤتي بانسان كبير عظيم طويل عريض في يوم القيمة و يقوم للحساب بهذه الكيفية فذلك خرافة لايتقبلها عقل و لا نقل و لاتليق الا بسلة المهملات و ان قلت بعودة اجزاء اخري و اعراض اخري فيركب مثلا بدن جديد لزم من ذلك الجبر و هو خلاف العدل اذ ما ذنب هذا الذي لميذنب اُتِيَ به و سلط عليه النار و وجه اليه العقاب و العاقل لا بد و ان يتكلم بالمعقول الذي تقبله العقول المستقيمة و لايتجاوز ما نطقت به الاخبار عن الائمة الاطهار فانه الميزان القويم في ذلك فالامر المحسوس المشاهد الذي تراه اصحاب العقول باعينها ان هذا البدن يضمحل و يتلاشي و لايبقي منه شيء كما هو المشاهد في العظام الرميم البالية و الابدان المتفسخة البائدة و ان قلت ان الله سبحانه و تعالي يعيدها كما بدأها اول مرة كما في الآية الشريفة قال من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي انشأها اول مرة و هو بكل خلق عليم . فهو كذلك لكن الاشكال و الداء العضال في معرفة كيفية احيائها و هو محل الكلام و فيه النقض و الابرام و الآية الشريفة كما في تفسير الصافي نازلة في أُبَي بن خلف و هو ممن ينكر البعث و قد اخذ عظما باليا من حائط ففته ثم قال يا محمد اذا كنا عظاما و رفاتا أئنا لمبعوثون خلقا فنزلت الآية فهي فيمن ينكر الحشر و النشر لا في كيفية الاعادة و الكلام في كيفية الاعادة و كيفية الاعادة تكون بالبدن الاصلي لا البدن العرضي و البدن الاصلي جسم الا انه لطيف و هو في غيب هذا البدن العرضي و البدن العرضي هو هذه الاعراض المأخوذة من [ص 90] الاطعمة و الاشربة التي يأكلها و يشربها الانسان و مبدأها من الارض فتعود اليها و هي التي عبر عنها اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الاعرابي المروي عن الملا محسن في الكلمات المكنونة بانها تعود عود ممازجة لا عود مجاورة لانها تمتزج بالتراب و تذوب و تتلاشي فيه و تعود ثانية نباتا حيث تزرع و تكون ثمرة فتؤكل و كم من آكل لحم اخيه و شارب برأس ابيه و هو يشتاقه و يرتجيه و هذا ما قاله اميرالمؤمنين عليه السلام كما في نهج البلاغة عند تلاوته قوله تعالي الهاكم التكاثر في وصف الموتي و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية و الربوع الخالية لقالت ذهبوا في الارض ضُلّالا و ذهبتم في اعقابهم جهالا تطؤن في هامهم و تستنبتون في اجسادهم و ترتعون فيما لفظوا و تسكنون فيما خربوا الي آخر كلامه و لا ريب ان كل شيء يعود الي اصله و لايتجاوز ما وراء مبدئه فالجماد يعود الي الجماد و النبات يعود الي النبات و الانسان لا بد و ان يعود الي مبدئه و حيزه من عالم الانسانية و يقوم في القيمة ببدنه الاصلي و النفس لاتخرج الا مع بدنها الاصلي و لاتكون مجردة بلا مادة من غير بدن كما قال البعض و البدن الاصلي هو ما قاله المرحوم الشيخ اعلي الله مقامه و شرحه و اوضحه و هو الذي يكون مع الانسان من ولادته الي مماته بلا تغير و لا تبدل و به يعرف مع انه تختلف عليه الصور الكثيرة و تعتوره الاعراض العديدة من الصحة و السقم و السمن و الهزال و الحسن و القبح و الصغر و الكبر و زيد زيد لميتغير و لميتبدل فزيد في حال طفولته هو بعينه في حال شيخوخته و هو في حال صباه بعينه في حال هرمه و [ص 91] اذا مرض و لميبق منه الا رطل من اللحم هو زيد و اذا سمن و كان وزنه مائة و خمسين رطلا هو زيد ايضا لميتغير و لميتبدل فالذي لميتغير منه هو البدن الاصلي الذي يحشر عليه يوم القيمة و المتبدل هو العارضي الذي لايعود الا الي الارض و لاتلتفت الي ما يتوهمه العوام القشريون من ان عرصة القيمة كعرصة الدنيا العرضية و ان ابدان الخلق في تلك العرصة هي عين هذه الابدان العرضية و توهموا ان المقصود من كلام الحكماء ذلك و الحال ان ما توهموه هو من نسج خيالهم و لو كان الامر كما توهموه لصارت الآخرة دار اعراض كالدنيا لان ما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه فكما ان الناس في الدنيا يحتاجون الي محل للتبرز فكذلك يكون الامر في الآخرة و كما يصيب الانسان الامراض و الاعراض في الدنيا فيذهب الي الطبيب فكذلك يكون الامر هناك فيحتاجون الي بناء مستشفيات و مستوصفات و الي اطباء و ممرضين و ممرضات فبدلا ماتكون الآخرة دار راحة و انه لا غول فيها و لا تأثيم تكون دار قاذورات و تعب و نصب نعوذ بالله فاي جنة مثل هذه تكون و لا ريب انه لاتنطبق عليها الاوصاف التي ذكرت في الآيات و الاخبار حينئذ فيكون الامر علي خلاف الكتاب و السنة و الاخبار و العقل و ذلك لايتقبله من له ادني شعور فخيالات القشريين فاسدة لاتكون دليلا علي امر من الامور و فهمهم لايكون حجة قط و انظر انهم لفرط هذه الخيالات و تسلطها عليهم تصوروا ان الميت اذا رجع عنه اهله و جاءه منكر و نكير و اقعداه للسؤال انه يقعد كما يقعد في الدنيا و يقوم كما يقوم في الدنيا و لذلك فانهم وضعوا عليه دخنا ليروا انه [ص 92] يجلس كما يجلسون ثم حفروا القبر فوجدوا الدخن علي ما هو عليه فصار ذلك سبب شبهة لهم و لميتعقلوا ان السؤال في الحقيقة و الاقعاد للبدن الاصلي الذي هو غيب هذا البدن العرضي و لايراه الانسان بعينه المجردة و المثل علي ذلك النائم فهو في الحقيقة مضطجع علي الفراش نراه كذلك و لكنه يقوم و يمشي و يعمل و يفعل الافاعيل في عالم الرؤيا و نحن لانري قيامه و قعوده و جميع تصرفاته و انما نري جثته مطروحة علي الارض لاتتحرك و لذلك ورد في الحديث تموتون كما تنامون فالنوم موت اصغر بالجملة لايعبأ بكلام القشريين في هذا المقام و لا بخيالاتهم الفاسدة و هذا معني ما اراد الشيخ اعلي الله مقامه بقوله الجسد العنصري لايعود فان مراده من ذلك ان الاعراض العارضة التي تخيلها القشريون بدن الانسان و هي في الحقيقة ليست من بدنه و التي يعبر عنها في علم الهندسة بالبدن التعليمي هي التي لاتعود لا انه ينكر المعاد الجسماني فانه اعلي الله مقامه يعتقد بالمعاد الجسماني و يعتقد بعود الارواح في يوم القيامة الي ابدانها بحيث لو وزن البدن في الدنيا و وزن في الآخرة لمازاد عليه بمقدار ذرة و لمانقص منه بمقدار ذرة بل في الحقيقة انه لميقع علي حقيقة المطلب و لميعرف كيفية العود و المعاد الا هو و لذلك انحلت بشرحه و بيانه الاخبار و الآيات ظاهرا و باطنا بما يطابق الشرع و يتقبله الحكماء الالهيون و العلماء الربانيون و لولا ذلك لالفيت الاخبار و الآيات متعارضة و لبقيت المسألة في ستار الجهل و حجب الغموض و لكن الناس عن ذلك غافلون او يريدون تشويه السمعة و تغيير الحقائق و فرض المستحيل [ص 93] كما فعل الاول في قزوين الذي سبق الناس الي تكفير ذلك الطود العظيم حسدا منه لمقامه الشامخ و بغضا للمرحوم الملا عبدالوهاب الذي دعا الشيخ المرحوم اعلي الله مقامه الي داره و نزل الشيخ عنده و كان هو يدعي الاعلمية و الرئاسة العامة هناك فشق عليه نزول الشيخ في دار الملا عبدالوهاب و عدم نزوله في داره فدبر هذا التدبير و حكم بهذا الحكم الجائر و اعانه علي ذلك قوم آخرون و الشيطان قد جمع حزبه و استجلب خيله و رجله لالقاح الفتنة و ايقاع البغضاء و العداوة و التفرقة بين المسلمين فقال ان الشيخ ينكر المعاد الجسماني و كلامه ( الجسد العنصري لايعود ) كفر و الملا عبدالوهاب صلي خلف الكافر و كتبوا الي الاصقاع و الاطراف لتكفير الشيخ فوقعت الفتنة العظمي و الانقسام الكبير و لو شاء الله مااختلفوا و لقد جاؤا شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه و تنشق الارض و تخر الجبال هدا .
و اما ما قلتم و كذلك يعتقد الشيخ احمد ان النبي حين عرج الي السماء في ليلة الاسراء لميصعد بجسده الصوري الكثيف بل صعد بجسده الهورقليائي . فان رواية ذلك عنه خطأ محض و افتراء صرف و كلامه يأبي عن ذلك و نحن نورد نص كلامه اولا لتعلم مخالفته لما ذكر و عدم انطباقه علي ما حرر فلقد قال في رسالته القطيفية بعد ما سأله السائل عن معني معراج محمد صلي الله عليه و آله بجسمه من غير لزوم خرق و التيام الي آخر ما جاء في السؤال فقال مجيبا علي السؤال اقول ان حقيقة المعراج هو العروج علي ظاهره و لا جهل فيه و انما الجهل في معرفة جسد النبي صلي الله عليه و آله و في معرفة [ص 94] الافاعيل الالهية و في معرفة الخرق و الالتيام فنقول اعلم ان الله سبحانه خلق قلوب المؤمنين من فاضل طينة جسم محمد صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام و الفاضل اذا اطلق في الاخبار و في عبارات العارفين بالاسرار يراد به الشعاع و هو واحد من سبعين مثلا جسم النبي صلي الله عليه و آله قرص الشمس و قلوب شيعتهم خلقوا من الشعاع الواقع علي الارض من قرص الشمس فاذا عرفت هذا عرفت انه يصعد بجسمه و لايكون خرق و لا التيام و هو انا نقول الجسم هو كذلك و لكنه لبس الصورة البشرية التي تحس و هي متجسدة و حكمها حكم سائر الاجسام الجمادية و الصعود بها يلزم منه الخرق و الالتيام و نجيب بان الصورة البشرية عند ارادة صعوده يجوز فيها احتمالان في الواقع هما سواء و في الظاهر الاول ابعد من العقول و الاخير اقرب فالاول ان الصاعد كلما صعد القي منه عند كل رتبة ما منها فيها مثلا اذا تجاوز كرة الهواء القي ما فيه من الهواء فيها و اذا اراد تجاوز كرة النار القي ما فيه منها فيها و اذا رجع اخذ ما له من كرة النار فاذا وصل الهواء اخذ ما له من الهواء لايقال علي هذا ان هذا قول بعروج الروح خاصة لانه اذا القي ما فيه عند كل رتبة لميصل منه الا الروح لانا نقول انا لو قلنا بذلك فالمراد بها اعراض ذلك لان ذوات ذلك لو القاها بطلت بنيته بالكلية فيجب ان يكون ذلك موتا لان القائلين بعروج الروح يقولون ان بنيته باقية لاتتفكك و انما مرادنا ان الجسم بالنسبة الي عالم الفساد يتلطف اذا صعد الي عالم الكون و الا فهو علي ما هو عليه من التجسد و التخطيط و الثاني ان الصورة البشرية التي هي المقدار و [ص 95] التخطيط تابعة للجسم في لطافته و كثافته فان الملك الاعظم مثل جبرئيل اذا خرج في صورة البشر كصورة دحية بن خليفة الكلبي يخرج بقدر دحية مع انه يملأ ما بين السماء و الارض و لو شاء - ح - دخل في ثقب الابرة و اصغر الي آخر كلماته المباركة و ليس فيها انه صعد ببدنه الهورقلياوي و لقد صرح في اول كلامه بان حقيقة المعراج هو العروج علي ظاهره يعني عرج بجسمه و هذا ما صرح به في ساير كتبه ايضا فلقد قال في رسالة الملا كاظم السمناني اعلم ان نبينا صلي الله عليه و آله عرج بجسمه الي ما شاء الله فلميبق ذرة في الوجود المقيد الا اوقفه الله عليه بجسمه و مثاله و نفسه و عقله و غير ذلك الي آخر كلامه و لميكن فيه انه صعد ببدنه الهورقلياوي المزعوم لكنه اعلي الله مقامه بين حقيقة المعراج التي تنطبق عليه الاخبار بلا تأويل و يتقبلها الحكماء و العلماء في شرحه معني بدن النبي و جسمه و لكن الناس يصعب عليهم الحق و بعضهم يعرفه و ينكره و يضعه تحت قدميه عداوة للحق و اهله كما قال تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و هذه المسألة كسابقتها قد اختلفت الاقوال فيها بين المسلمين فمنهم من انكر المعراج بالكلية مثل الخوارج و منهم من قال ان عروجه كان في النوم و ان بدنه كان في مضجعه كما هو المروي عن محمد بن جرير الطبري عن حذيفة و هذه الرواية عن عائشة و منهم من قال بالعروج الروحاني كالجهمية و منهم من اول الاخبار التي ورد فيها انه رأي الجنة و المنعمين فيها و النار و المعذبين فيها فقد حملها علي انه رأي صفتهم او اسماءهم كالمرحوم الطبرسي و بعضهم استشكل مشاهدة النبي [ص 96] للانبياء في السماء و حمل المرحوم المجلسي ذلك علي تعلق ارواحهم بابدان مثالية فرآها النبي و قال بعضهم بانه عرج بروحه و بدنه و لكن الي بيت المقدس كما هو المنقول عن الزيدية و المعتزلة و بعضهم قال انه عرج بروحه و بدنه الي السماء كما هو مروي عن ابنعباس و ابنمسعود و جابر و حذيفة و انس و عائشة و امهاني فالمسألة مختلف فيها الا ان الشيعة الامامية اجمعوا علي ان المعراج جسماني و انه صلي الله عليه و آله عرج بجسمه الشريف و لباسه و نعليه و هذا هو عين اعتقاد مشايخنا اعلي الله مقامهم و لكن الكيفية مختلف فيها و نحن لمنعثر علي تحقيق واف لاهل الظاهر في المقام غير انهم يقولون اجمالا انه (ص) عرج بجسمه الشريف الي السماء علي البراق و لكن لميبينوا كيف عرج و هل انه طار كالطير الي الجهة المسامتة مثلا الي مكة و اذا طار كذلك فالي اي مكان بلغ و الي اي محل وصل و هذا العالم كله عالم الاجسام و لا شك انه اذا ابتعد عن مكة من جهتها المسامتة لها و الارض كروية يكون عروجه بالنسبة الي سكان الجهة الاخري من الكرة الارضية الي الاسفل لا الي الاعلي و كلما اقترب من جانب ابتعد عن الجانب الآخر فهل ان عروجه بهذه الكيفية هذا و لميبينوا ما حقيقة البراق و كيفية صعوده و ما معني اذا صعد طالت رجلاه و اذا نزل طالت يداه حتي يستوي ظهره و ما معني الجبال و الاكمات في السماء فكل ذلك بقي معمي بالنسبة اليهم و لميعرفوا وجهه و لكن انحلت هذه المسائل الغامضة ببركة بيان المرحوم الشيخ اعلي الله مقامه و دقة تحليله لاهلها لكن لتسفل مشاعرنا عن درك تلك الحقائق نقول من باب التسليم ما قال [ص 97] آلمحمد عليهم السلام قلنا و ما دان آلمحمد عليهم السلام دنا و يكفينا الاقرار بانه جسماني و اما كيفيته فالله و رسوله و حججه و العارفون بلحنهم من شيعتهم اعلم بها و لانتكلف ما لمنكلف به و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها .