[ص 2] بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي علم الانسان ما لم يعلم,سبحانه لا علم لنا الا ما علمنا و هوالعليم الحكيم,و صلي اللّه علي المبعوث في آخر الأُمم،الذي بلَّغ و اكمل و اتم ما أُنزل اليه من ربه لمن تأخر من عباده او تقدم،خيرة اللّه من خلقه عرب او عجم،سيدنا و مولانا محمد و آله الطيبين الطاهرين النبأ العظيم و الصراط المستقيم و علي اوليائهم المكرمين و لعنة اللّه علي أَعدائهم أجمعين من الأَولين و الآخرين إلي يوم الدين.
و بعد فقد عرفت الشيخية مقلَّدها و مؤسسها المرحوم الشيخ احمد بن زين الدين الاحسائي و العلماء الاعلام ممن اتبعه و اقتفي اثره بانهم من خيرة العلماء العاملين الداعين لاتِّباع محمد و آل محمد (ع) في الجُلِّ و القُلِّ و المسلِّمين لهم في كل شيء،و انهم تركوا الخلاف عليهم و لو بأدني مراتبه حتي لا يقفوا في الصف المقابل لهم و لو بالرجوع الي الاراء الشخصية مقابل ارائهم أو للعقول المحدودة الناقصة مقابل عقولهم الكاملة،فرفعوا شعار «ما قال آل محمد (عليهم السلام) قلنا و ما دانوا به دنا» ● و «لسنا من أرأيت في شيء» ● ،فتركوا الرأي و القياس و ما قال قوم في دين اللّه ليس له برهان ● ،و عكفوا علي تعلّم ما جاء عنهم من آية محكمة و فريضة عادلة و سنة قائمة ● و اعلنوا ذلك جهارا و خفية و إسرارا.
١- و لغرض معرفة معني الركن علينا اولا معرفة هذه الكلمة لغةً ثم اصطلاحا:
فقد جاء في كتب اللغة: رَكِنَ ـَ و رَكَنَ ـُ و رَكَنَ ـَ رُكوْناً/الٰي زَيْدٍ: مالَ و سَكَنَ و اعْتَمَدَ عليهِ،فيه لُغاتٌ اِحْديٰها رَكِنَ ـَ و عليهِ قولُهُ تعالٰي«وَ لاتَرْكَنُوْا اِلَي الَّذٖينَ ظَلَمُوْا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ ● » و الثّانِيَةُ رَكُنَ و لَيْسَتْ بالفَصٖيحَةِ و الثّالثةُ رَكَنَ ـَ (و لَيْسَتْ بالاصلِ بَلْ مِن بابِ الجَمْعِ بينَ اللُّغَتَيْنِ لأَنَّ فَعَلَ يَفْعَلُ شَرْطُهُ اَنْ يكونَ حَلْقِيَّ العَيْنِ او اللّامِ) .
و رَكُنَ ـُ رَكانَةً و رُكُوْنَةً/الرَّجُلُ: صارَ رَكٖيناً اي رَزٖيناً وَقُوراً،و تَرَكَّنَ/اشْتَدَّ و تَوَقَّرَ،الرُّكْنُ ج اَرْكانٌ/مِنَ الشَّيءِ:جانِبُهُ الاَقْوٰي/الاَمْرُ العَظٖيمُ/ما تَتَقَوّٰي بهٖ مِنْ مُلْكٍ و جُنْدٍ و غيرِهٖ/ هو يَأْوي اِلٰي رُكْنٍ شَدٖيدٍ:اِلٰي عِزٍّ و مَنَعَة و منه قوله تعالي علي لسان لوط (ع) : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلي ركن شديد ● حيث جاء تفسيرها بالحديث الشريف: رحم اللّه لوطا انه كان ليأوي إلي ركن شديد أراد عزة العشيرة التي يستند إليهم و كذلك بقوله تعالي فتولّي بركنه ● قيل بجانبه و قيل بقوته و يحتمل أن يكون بركنه اي بسبب ملكه و جنده ● .
و اما اصطلاحا فمما تقدم حيث عرفنا معني الكلمة لغة و بمعرفتها أصبح السبب واضحاً في استعمالها مضافة إلي الدين،فمعناها هو ما يقوم به الدين و يكون بسببه عزة المؤمنين و منعتهم و قوة عقيدتهم فصار الركن الرابع عند الشيخية من اركان الدين بعد التوحيد و النبوة و الامامة و معناه ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء و هو فحوي دعاء الاعتقاد المروي عن الكاظم (عليه السلام) و هذه الاركان تشكل هيكل الايمان و اساسه.
[ص 3] ٢ – فيما ورد من اثر المعصومين (ع) في كلمة (ركن) او (اركان) :
و لنذهب الآن الي ما ورد من الاثر المنقول عن اهل البيت (عليهم السلام) في خصوص كلمة (ركن) و نستشهدبالشواهد الواردة في استعمال المعصومين (ع) لها مفردة بذاتها او بالاضافة لغيرها لتأسيس معني آخر لنصل الي معني الركن الرابع المذكور.
أما مجيئها مفردة ففي حديث كميل قال مولانا امير المؤمنين (ع) : يا كميل احفظ عني ما اقول لك الناس ثلٰثة عالم ربّاني و متعلم علي سبيل نجاة و هَمَجٌ رَعٰاعٌ اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لميستضيئوا بنور العلم فيهتدوا و لميلجئوا الي ركن وثيق فينجوا ● ، كما ان الشواهد لورودها مضافة لما بعدها كثيرة ايضا مُنشئةً معني مستقلاً عن معناها الاول مثل (ركن اللّه) و (أركان العرش) او ما ورد في وصف المعصومين (ع) انهم (أركان الأرض) و (أركان التوحيد ● ) حتي انه ورد في المأثور كلمة (أركان الكفر) و اليك بعض الشواهد:
فعن كتاب بحار الأنوار عن البرقيّ في كتاب الآيات عن أبي عبد اللّه (ع) : أنّ رسول اللّه (ص) قال لأمير المؤمنين (ع) يا عليّ أنت ديّان هذه الأُمّة،و المتولّي حسابهم،و أنت ركن اللّه الأعظم يوم القيامة،ألا و إنّ المآب إليك،و الحساب عليك و الصّراط صراطك،و الميزان ميزانك،و الموقف موقفك ● ،وجاء في دعاء يوم الغدير: اَللّٰهُمَّ فَلَكَ الحَمْدُ عَلٰي اِنْعٰامِكَ عَلَيْنٰا بِالهُدٰي الَّذٖي هَدَيْتَنٰا اِلٰي وِلٰايَةِ وُلٰاةِ اَمْرِكَ مِنْ بَعْدِ نَبِيِّكَ الاَئِمَّةِ الهُدٰاةِ الرّٰاشِدٖينَ الَّذٖينَ جَعَلْتَهُمْ اَرْكٰاناً لِتَوْحٖيدِكَ وَ اَعْلٰامَ الهُدٰي وَ مَنٰارَ التَّقْوٰي وَ العُرْوَةَ الوُثْقٰي وَ كَمٰالَ دٖينِكَ وَ تَمٰامَ نِعْمَتِكَ ● ،و في زيارة أئمة البقيع (ع) : وَ اَنَّكُمْ دَعٰائِمُ الدّٖينِ وَ اَرْكٰانُ الاَرْضِ لَمْتَزٰالُوا بِعَيْنِ اللّٰهِ يَنْسَخُكُمْ مِنْ اَصْلٰابِ كُلِّ مُطَهَّرٍ وَ يَنْقُلُكُمْ مِنْ اَرْحٰامِ المُطَهَّرٰاتِ لَمْتُدَنِّسْكُمُ الجٰاهِلِيَّةُ الجَهْلٰاء ● ،و في خطبة الاستسقاء عن علي (ع) : الحمد للّٰه سابغ النّعم و مفرّج الهمّ و بارئ النّسم الذي جعل السّمٰوٰات لكرسيّه عمادا و الجبال للارض اوتادا و الارض للعباد مهادا و ملائكته علي ارجٰائهٰا و حملة عرشه علي امطائهٰا و اقام بعزّته اركٰان العرش و اشرق بضوئه شعٰاع الشمس ● ،و عن ابيعبداللّه (عليه السلام) قال: قال النبي صلي اللّه عليه و آله اركان الكفر اربعة الرَغبة و الرَّهبة و السَّخَط و الغضب ● ،و الي هنا نكتفي بما عرفناه من اللغة في معني هذه الكلمة و ما ورد منها من شواهد لغوية استخدمها المعصومون (عليهم السلام) .
هذا و إني قد رأيت أيضا في كتب الاصحاب انهم رحمهم اللّه اطلقوا علي كثير من صحابة المعصومين (عليهم السلام) من كبار الشيعة (أركان) بل و يفهم مما كتبوا انهم يذهبون الي انه لا بد من وجود اركان اربعة في كل عصر من عصور الائمة (ع) فقد ذكر المرحوم الشيخ الطوسي في كتابه اختيار معرفة الرجال في اكثر من موضع ذلك فسمي سلمان و ابا ذر و المقداد و عماراً بالاركان الاربعة ● و اشار الي سلمان (سلام اللّه عليه) انه اولهم،بل اضاف اليهم في الاستبصار حذيفةبن اليمان لنفس رجال الحقبة الزمنية,و كذا في عهد الصادق (عليه السلام) جعل الحسن بن محبوب السراد الزراد احد الاركان الاربعة ● و قال في حقه هو ممن اجمع اصحابنا علي تصحيح ما يصح عنهم و تصديقهم و اقروا لهم بالفقه والعلم,و كذا في هامش كتاب الاحتجاج للمرحوم الطبرسي ● و كذلك المرحوم المفيد في الاختصاص ● و المرحوم السيدعلي خان المدني في طبقاته ● ،بل ان الاقا بزرك طهراني اضاف اليهم في كتاب الذريعة بعض المتاخرين عن زمن المعصومين (ع) فنقل عن القاضي في المجالس شرح احوال احدهم فقال سعدي بن عبداللّه الشيرازي المتوفي سنة ۶۹۱ و المدفون بتكية السعدية بشيراز هو آخر الاركان الاربعة ● ,و الي هنا نكتفي بنقل هذه الشواهد و ننتقل الي شرح المعني الاصطلاحي للكلمة عند المدرسة الشيخية.
[ص 4] ٣ – في المعني الاصطلاحي لكلمة ركن:
و بعد أن تأكدنا من ورود هذه الكلمة عن أئمة الهدي (عليهم السلام) و انهم استعملوها استعمالات مختلفة و لما انهم (ع) اجازوا لنا رواية حديثهم بالمعني كما في الحديث المشهور: إذا أصبت المعني فلا بأس ● جاز لنا أن نستعملها نحن في تلخيص مجمل العقائد الدينية الواردة عنهم (ع) و ان نسميها أركان الدين او اصولاً او ما شئنا من الاسماء شريطة ان لا تخرجنا التسمية عن المعني المقصود مثل كلمة دعائم الدين أو قواعده أو قوائمه أو أساساته خاصة و أنها كلها لم ينص المعصومون (ع) علي استعمالها او استعمال غيرها حتي يكون لها حقيقة شرعية و عرفية دون الكلمات الاخري و لا يجوز مخالفة تسميتهم،و بالمناسبة اننا وجدنا كلمة (ركن) و (أركان) في مأثور آل محمد (ع) مستعملة في المعني القريب لها أكثر من كلمة (أصول) و من غيرها من الكلمات المستعملة في المعني المقصود و هو مجموع العقائدالدينية،هذا و ان استعمال ايةكلمة كمصطلح تابع لقربها من اصابة المعني المقصود أولا،و لما استأنست به نفوس العلماء في تسمية ما يريدون بيانه و تلخيصه من امور ارادوا الكتابة و التأليف عنها ثانيا،و لا يحتاط العلماء الا عند مجيء نص عن الآل الكرام (عليهم السلام) يضعون بموجبه اسما مخصوصاً لذلك المسمَّي فيصير حقيقة شرعية لا يجوز تغييرها,فبعض العلماء سمَّي مجموع هذه العقائد اصولا لأنه استأنست بهذه التسمية نفسه،و بعضهم سمي هذه المعتقدات اركاناً لنفس السبب و لا مشاحة في الاصطلاح،و لا ينبغي لأحد تخطئة الآخر في ما اختاره و لربما استعمل العلماء كلا اللفظين في موروثه و هذا ما رأيناه من علماء المدرسة الشيخية فقد استعملوا في الموضوع له كلمة (اركان) ● مرة و كذلك استعملوا كلمة (أصول) ● لمناسبات معينة اخري في تأليفاتهم و هذا بشهادة كتبهم فالامر يخص الاصطلاح و النفس و انسها بما اختارت من المتاح و المناسب من مفردات اللغة.
و بعد ان عرفنا معني كلمة (ركن) لغةً و شواهد ورودها في اخبار آل محمد (عليهم السلام) نذكر مجموع (أركان الدين) بحسب ما تعتقد الشيخية،و هي أربعة: الركن الأول او الاصل الأول معرفة اللّه سبحانه بأنه إلٰه أحد فرد صمد ليس له ضد و لا ند و لا شريك و ليس كمثله شيء،و توحيده حق توحيده في ذاته و صفاته و أفعاله و عبادته.
و الركن الثاني معرفة النبي صلي اللّه عليه و آله و التصديق بجميع ما جاء به من الاحكام و الشرايع و ما يتعلق بمبدأ الخلق و معادهم و انه خاتم الانبياء و سيدهم و اول خلق اللّه.
و الثالث معرفة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) وان اولهم عليّ و آخرهم القائم المنتظر (عج) و انهم خلفاء رسول اللّه (صلي اللّه عليه و آله) بالحق و ان من زاد فيهم أو نقص منهم كافر.
و الرابع:هو موالاة اوليائهم (ع) و البراءة من اعدائهم و هو المقصود بهذا البحث،و لسائل أن يسأل:من أين أتت المدرسة الشيخية بهذا الحصر و التعداد لاركان الدين؟نجيبه بأنهم اتوا بها من اخبار آل محمد (عليهم السلام) و اليك شواهده،و في الواقع و الحقيقة وجود شاهد واحد من اخبار آل محمد (ع) يكفي علي المطلوب لكننا قد اتينا باكثر من ذلك لاهمية (الاصل الرابع) او (الركن الرابع) فهو و ان كان آخر الاركان لكنه بابها و مفتاحها الذي جعله المعصومون بيننا ليوصلنا اليهم بل هو حبل آل محمد المتين و عروتهم الوثقي و السبيل المتصل بهم فقد قالوا (عليهم السلام) :نحن سبيل اللّه و سبيلنا شيعتنا ● .
فعن الصادق (عليه السلام) في دعاء الصباح:اَللّٰهُمَّ لَكَ الحَمْدُ اَحْمَدُكَ وَ اَسْتَعٖينُكَ وَ اَنْتَ رَبّٖي وَ اَنَا عَبْدُكَ اَصْبَحْتُ عَلٰي عَهْدِكَ وَ وَعْدِكَ وَ اُومِنُ بِوَعْدِكَ وَ اُوفٖي بِعَهْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ لٰا حَوْلَ وَ لٰا قُوَّةَ اِلّٰا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ لٰا شَرٖيكَ لَهُ وَ اَشْهَدُ اَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اَصْبَحْتُ عَلٰي فِطْرَةِ الاِسْلٰامِ وَ كَلِمَةِ الاِخْلٰاصِ وَ مِلَّةِ اِبْرٰهٖيمَ وَ دٖينِ مُحَمَّدٍ عَلٰي ذٰلِكَ اَحْيٰي وَ اَمُوتُ اِنْ شٰاءَ اللّٰهُ اَللّٰهُمَّ اَحْيِنٖي مٰا اَحْيَيْتَنٖي وَ اَمِتْنٖي اِذٰا اَمَتَّنٖي عَلٰي ذٰلِكَ وَ ابْعَثْنٖي اِذٰا بَعَثْتَنٖي عَلٰي ذٰلِكَ اَبْتَغٖي بِذٰلِكَ رِضْوٰانَكَ وَ اتِّبٰاعَ سَبٖيلِكَ اِلَيْكَ اَلْجَأْتُ ظَهْرٖي وَ اِلَيْكَ فَوَّضْتُ اَمْرٖي آلُمُحَمَّدٍ اَئِمَّتٖي لَيْسَ لٖي اَئِمَّةٌ غَيْرُهُمْ بِهِمْ اَءْتَمُّ وَ اِيّٰاهُمْ اَتَوَلّٰي وَ بِهِمْ اَقْتَدٖي اَللّٰهُمَّ اجْعَلْهُمْ اَوْلِيٰائٖي فِي الدُّنْيٰا وَ الٰاخِرَةِ وَ اجْعَلْنٖي اُوٰالٖي اَوْلِيٰاءَهُمْ وَ اُعٰادٖي اَعْدٰاءَهُمْ فِي الدُّنْيٰا وَ الٰاخِرَةِ وَ اَلْحِقْنٖي بِالصّٰالِحٖينَ وَ آبٰائٖي مَعَهُمْ ● انتهي الحديث الشريف،انظر كيف وضح الامام (عليه السلام) هذه الاركان و جعلها مما يعددها الإنسان و يذكرها كل صباح و يستفتح بها يومه و ما ذلك إلا لأهميتها و ضرورتها.
و في دعاء الاعتقاد المروي عن الامام الكاظم (عليه السلام) : اللّهمَّ إنّي أُقرّ و أشهد و أعترف و لا أجحد،و أُسرُّ و أُظهر و أُعلن و أُبطن بأنّك أنت اللّه الّذي لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك و أنَّ محمّداً عبدك و رسولك و أنَّ عليّاً أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين،و وارث علم النبيّين،و قاتل المشركين و إمام المتّقين،و مبير المنافقين،و مجاهد الناكثين و القاسطين و المارقين،إمامي و حجتي و عروتي وصراطي و محجّتي،و من لا أثق بالأعمال و إن زكت،و لا أراها منجية لي و إن صلحت،إلّا بولايته و الايتمام به،و الإقرار بفضائله،و القبول من حملتها،و التسليم لرواتها ● .
[ص 5] و اني أذكر هنا كلاما واضحا يشرح معني (الركن الرابع) لمولانا الآقا محمد خان الإبراهيمي في شرحه لفقرة و أركانا لتوحيدك من رسالته في (شرح دعاء الرجبية) قال (أعلي اللّه مقامه) :
} الركن من الشيء جانبه الاقوي و الامر العظيم و ما تتقوي به من ملك و جند و غيره و هو يأوي الي ركن شديد ايضا اي عز و منعة،ج اركان كقفل و اقفال و اركان الشيء اجزاء ماهيته،و هم (صلوات اللّه عليهم) اركان توحيد اللّه بجميع المعاني و ذلك ان اللّه سبحانه بني توحيده علي اربعة اصول و اركان و هي الاقرار بتوحيده سبحانه و نبوة الخاتم صلي اللّه عليه و آله و امامة الائمة الاطهار و ولاية اوليائهم (صلوات اللّه عليهم) و هذه اربعة اركان لو لميقر الانسان بواحدة منها لميكمل توحيده ابدا و قد ورد بهذا المعني اخبار ساروي بعضها في المقام و لكن الناس اكثرهم لايعلمون فعن العسكري (عليه السلام) في حديث الطبيب اليوناني: بعد ما قال الطبيب ان كفرت بعد ما رأيت فقد ابلغت في الفساد و تناهيت في التعرض للهلاك اشهد انك من خاصة اللّه صادق في جميع اقاويلك فأْمرني بما تشاء اطعك قال (عليه السلام) : آمرك ان تفرد اللّه بالوحدانية و تشهد له بالجود و الحكمة و تنزهه عن العبث و الفساد و عن ظلم الاماء و العباد و تشهد ان محمدا الذي انا وصيه سيد الانام و افضل رتبة اهل دار السلام و تشهد ان علياً الذي اراك ما اراك و اولاك من النعم ما اولاك خير خلق اللّه بعد محمد رسول اللّه و احق خلق اللّه بمقام محمد بعده و بالقيام بشرايعه و احكامه و تشهد ان اولياءه اولياء اللّه و ان اعداءه اعداء اللّه و ان المؤمنين المتشاركين لك فيما كلفتك المساعدين لك علي ما به امرتك خيرة امة محمد (ص) و صفوة شيعة علي (عليه السلام) ● الخبر،انظر كيف لقنه التوحيد و النبوة و الامامة و الولاية حين ما اراد ان يلقنه توحيد اللّه و اصل الايمان فجعل الائمة اركانا للتوحيد الحقيقي،و عن ابيعبداللّه (عليه السلام) قال:انكم لاتكونون صالحين حتي تعرفوا و لاتعرفون حتي تصدقوا و لاتصدقون حتي تسلموا ابوابا اربعة لايصلح اولها الا بآخرها ضل اصحاب الثلٰثة و تاهوا تيها بعيدا ● الحديث،و سمع ابوعبداللّه (عليه السلام) يقول:الحمد للّه صارت فرقة مرجئة و صارت فرقة حرورية و صارت فرقة قدرية و سميتم الترابية شيعة علي (عليه السلام) اما واللّه ما هو الا اللّه وحده لا شريك له و رسوله صلعم و آل رسول اللّه و شيعة آل رسول اللّه صلي اللّه عليه و عليهم و ما الناس الا هم كان علي افضل الناس بعد رسول اللّه (ص) و اولي الناس بالناس ● حتي قالها ثلٰثا،و عن يعقوب بن جعفر قال كنت عند ابيابرهيم (عليه السلام) و اتاه رجل من اهل نجران اليمن من الرهبان و معه راهبة فاستأذن لهما الفضل بن سوار الي ان قال ثم ان الراهب قال اخبرني عن ثمانية احرف نزلت فتبين في الارض منها اربعة و بقي في الهواء منها اربعة علي من نزلت تلك الاربعة التي في الهواء و من يفسرها قال:ذاك قائمنا فينزله اللّه عليه فيفسره و ينزل عليه ما لمينزل علي الصديقين و الرسل و المهتدين ثم قال الراهب فاخبرني عن الاثنين من تلك الاربعة الاحرف التي في الارض ما هي،قال اخبرك بالاربعة كلها اما اوليهن فلا اله الا اللّه وحده لا شريك له باقيا و الثانية محمد رسول اللّه (ص) مخلصا و الثالثة نحن اهل البيت و الرابعة شيعتنا منا و نحن من رسول اللّه (ص) و رسول اللّه من اللّه بسبب فقال الراهب اشهد ان لا اله الا اللّه و ان محمدا رسول اللّه (ص) و ان ما جاء به من عند اللّه حق و انكم صفوة اللّه من خلقه و ان شيعتكم المطهرون المستبدلون و لهم عاقبة اللّه و الحمد للّه رب العالمين،و ورد: ان حروف الاسم الاعظم اربعة الاول لا اله الا اللّه و الثاني محمد رسول اللّه و الثالث علي ولي اللّه و الرابع شيعتنا ● ،فظهر من هذه الاخبار الصريحة ان اركان التوحيد اربعة لاينقص منها واحدة و لايزيد عليها واحدة و قال (ع) : ضل اصحاب الثلٰثة و تاهوا.
{ انتهي كلامه علا مقامه،و لا أعتقد أن بعد كلامه و استدلاله بما ورد عن العترة الطاهرة (صلوات اللّه عليهم) كلاماً،فقد بين اشتراط الإمام (ع) هذه الأربعة لتكون أساساً للإيمان،و تبقي مسألة عددها الذي اختلف فيه العلماء،فرغم ان الامام (ع) قد عدها اربعة الا ان أكثرهم عدوها خمسة و لا نمنع نحن من زيادتها عند شرحها و تفصيلها بحسب حاجة الناس لتقوية عقائدهم مثلما احتاجوا في زمان ظهور المجبرة لأن يؤكد العلماء علي مسألة عدل اللّه سبحانه و تعالي كسراً لمذهبهم الفاسد فجعلوا صفة عدل اللّه سبحانه بمثابة ركن منفرد من اركان الدين و ما ذلك الا تأكيد عليه،أو لربما اختصرها بعض العلماء كالمفيد رحمه الله و جعلها ركناً واحداً و هو معرفة اللّه سبحانه و توحيده من دون إنكار للباقي من الأصول خاصة،حتي لو جعلوها فرعاً للأول منها فكلهم ما ننكر عليهم شيئاً و لانّهم لاينكرون الاربعة المذكورة من قبل المعصومين (سلام اللّه عليهم) حتي و ان قبلوها علي سبيل تضمين المعني بين بعضها و البعض الاخر لا علي سبيل التنصيص،فكل ذلك ممكن و لكن من أراد لها تعريفا جامعا لكل ما تحتويه مانعا ادخال غيرها فيها فالأفضل أن يعرفها بالاربعة المعروفة كما عرَّفها و عدَّها مشائخنا (أعلي اللّه مقامهم) .
[ص 6] ٤– في وجوب وجود (الركن الرابع) و اهميته و محله و مصداقه من رجال الشيعة:
مما مر كان مجمل معني (الركن الرابع) كما ذكره المعصومون (عليهم السلام) هو موالاة اولياء محمد و آله (ع) و البراءة من اعدائهم و لا شك في أن مصاديق هذا الركن اعني الاولياء و المحبين لهم عليهم السلام موجودة و هي متعددة متكثرة و متفاوتة بحسب اختلاف و تعدد مراتب الايمان و وجودها ضروري لضرورة وجود المؤمن في كل وقت و حين،و لنبدأ أولاً بذكر ما ورد في وجوبه و أنه مِن جَعْل اللّه جل و علا.
فعن وجوب وجوده مارواه في الوسائل عن الصادق (عليه السلام) انه قال: من دان اللّه بغير سماع من صادق الزمه اللّه التيه الي الفناء و من ادعي سماعا من غير الباب الذي فتحه اللّه لخلقه فهو مشرك ● هـ, و لا شك ان بعد فقد النبي و غياب الولي ان الباب المفتوح هو الرواة الثقات الصادقون الامناء و لا يوجد غيرهم،و قد قال اللّه سبحانه في محكم كتابه: و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين اسفارنا و ظلموا انفسهم فجعلناهم احاديث و مزقناهم كل ممزق ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور و لقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين و ماكان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك و ربك علي كل شيء حفيظ ● ،و لتفسير الآيات المباركات جاء في الصافي عن الاحتجاج عن الباقر (عليه السلام) في حديث الحسن البصري في هذه الآية قال (عليه السلام) : بل فينا ضرب اللّه الامثال في القرآن فنحن القري التي بارك اللّه تعالي فيها و ذلك قول اللّه عز و جل فيمن اقر بفضلنا حيث امرهم ان ياتونا فقال و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها اي جعلنا بينهم و بين شيعتهم القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و القري الظاهرة الرسل و النقلة عنا الي شيعتنا و فقهاء شيعتنا و قوله سبحانه و قدرنا فيها السير فالسير مثل للعلم سير به فيها ليالي و اياما مثل لما يسير من العلم في الليالي و الايام عنا اليهم في الحلال و الحرام و الفرائض و الاحكام آمنين فيها اذا اخذوا عن معدنها الذي امروا ان ياخذوا منه آمنين من الشك و الضلال و النقلة من الحرام الي الحلال ● انتهي الحديث الشريف،فهذا الموضوع قد جاء ذكره في كتاب اللّه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و فسر من قبل آل محمد (عليهم السلام) الذين نزل القرآن في بيوتهم و علي صدورهم و بينوا محل الآية و مصداقها و لا نحتاج بعد ذلك الي تفسير آخر.
و اما اهمية الاعتقاد بهذا الركن من اركان الدين و الايمان به فله اهمية بالغة لانه لا تتم حجة اللّه البالغة الا به فهو اي وجود كبار العلماء و المؤمنين امر لازم و هم محل ايصال اوامر المعصومين و نواهيهم علي سبيل العلم و اليقين،و قد اكد المعصوم (ع) علي معرفته و الاعتقاد به بحيث جعله (ع) مما يُسأل عنه المكلَّف في القبر ففي البحار عن تفسير الامام (عليه السلام) في حديث طويل في صفة موت المؤمن الموالي الي ان قال: ثم يسألانه فيقولان من ربك و ما دينك و من امامك و ماقبلتك و من شيعتك و من اخوانك فيقول اللّه ربي و محمد نبيي و عليّ وصي محمد امامي و الكعبة قبلتي و المؤمنون الموالون لمحمد و علي و آلهما و اوليائهما المعادون لاعدائهما اخواني ● هـ،و المؤمنون هنا هم محل الركن الرابع لا غير اذ ليس المقصود منه غيرهم فلا ينصرف هذا الامر الي الحاكة و الندافين و المنافقين و الي كل من جعل نفسه في الصف المقابل للآل المعصومين (ع) .
[ص 7] هذا و قد بينوا (عليهم السلام) مراتب الركن الرابع المختلفة و اصدق مصاديقه لنعرفها جيدا و لا نجتهد في تعيينها و ننسبها لمن ليس من اهله،و ذلك واضح مما ورد عن الحسن بن علي (ع) أنه قال رجل للحسن بن علي (عليهما السلام) اني من شيعتكم فقال الحسن بن علي (عليهما السلام) : يا عبد اللّه ان كنت لنا في اوامرنا و زوٰاجرنا مطيعاً فقد صدقت و ان كنت بخلاف ذلك فلاتزد في ذنوبك بدعواك رتبة شريفة لست من اهلهٰا لاتقل انا من شيعتكم و لكن قل انا من مواليكم و محبيكم و معادي اعدائكم و انت في خير الي خير ● ،و قال رجل لعلي بن الحسين (عليه السلام) انا من شيعتكم الخُلَّص فقال (عليه السلام) له: يا عبد اللّٰه فاذاً انت كابراهيم الخليل الذي قال اللّه و انّ من شيعته لابراهيم اذ جاء ربه بقلب سليم فان كان قلبك كقلبه فانت من شيعتنا و ان لميكن قلبك كقلبه و هو طاهر من الغِشِّ و الغِلِ فانك ان عرفت انك بقولك كاذب فيه انّك لمبتل بفالج لايفارقك الي الموت او جذام ليكون كفارة لِكِذْبِكَ هذا ● .
انظر كيف فرَّق الامامان الهمامان (عليهما السلام) بين مرتبة الشيعة الكاملين و بين مرتبة الموالي و المحب التي قد تكون في أدناه فليس كل موال شيعة و لكن كل شيعة هو موال قطعاً,فجعلوا (عليهم السلام) ابراهيم الخليل (ع) من الشيعة اي اعلي درجة من الشيعة لبيان كبر هذه الرتبة و عظم خطرها,و انظر ايضا كيف اكدوا علي ان من كان في الرتب الدانية من منتحلي التشيع ممن قذَّر نفسه و ابتلي بمخالفة ساداته و مواليه هو ايضا من الاخوان و من الموالين و محسوب علي المؤمنين,و يؤكد ذلك ما جاء في تفسير الامام العسكري (عليه السلام) قال (ع) :قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله اتقوا اللّه معٰاشر الشيعة فان الجنة لنتَفُوتَكم و ان ابطأت بكم عنهٰا قبايحُ اعمالِكم فتنافسوا في درجٰاتهٰا قيل فهل يدخل جهنم احد من محبيك و محبي علي (عليه السلام) قال:مَنْ قَذَّرَ نفسَه بمخالفة محمد و عليّ (عليه السلام)،الي ان قال: ليس هؤلاء يُسمَّون بشيعتنا و لكنهم يسمَّون بمحبينا و الموالين لاوليٰائنا و المعادين لاعدٰائنا ان شيعتنا من شيعنا و اتبع آثارنا و اقتدٰي باعمالنا ● .
فالقري الظاهرة هم الشيعة الخلص و اصحاب المقامات و ورثة الأنبياء و دليل ذلك ما جاء في الكافي بسنده الي ابيالبختري عن ابيعبداللّه (عليه السلام) قال: ان العلماء ورثة الانبياء و ذاك ان الانبياء لميورثوا درهما و لا دينارا و انما اورثوا احاديث من احاديثهم فمن اخذ بشيء منها فقد اخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمَّن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ● ،و منها ايضا ما روي عن النبي صلي اللّه عليه و آله: يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد ● , و منها ما قال الصادق (عليه السلام) : طوبي للذين هم كما قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله:يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تاويل الجاهلين ● هـ.
و اما سائر الرواة الثقات فقد يحسبون علي القري الظاهرة في مقام الرواية فقط دون أن يبلغوا الرتب العليا لهذا المقام و ذلك لقول النبي صلي اللّه عليه و آله المروي عن الصادق (ع) حيث قال: خطب رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يوم مِنَي فقال نَضَّرَ اللّٰه عبداً سمع مقالتي فوعاهٰا و بَلَّغَهٰا من لميَسْمَعْهٰا فكم من حٰاملِ فقهٍ غير فقيه و كم من حاملِ فقهٍ الي من هو اَفْقَهُ منه ● ،و يقيناً فان مقام فكم من حامل فقه غير فقيه اسفل بكثير من المقام الذي وصفه صلي اللّه عليه و آله لسلمان بأنه مُحَدَّث: و مُحَدَّث هذه الامة سلمان فقيل يا رسول اللّه ما معني مُحَدَّث فقال يُنبَّأ بما غُيِّب عن الناس مما يحتاجون اليه ● .