كتاب رجوم الشياطين
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرٰهيم ان هذه رسالة كريمة و كلمات عظيمة بل هي درة يتيمة و جوهرة ثمينة بل هي تذكرة للمتقين و تبصرة للمؤمنين بل هي وسيلة للنجاة و وصلة الي الجنات حبل للمتمسكين و عروة وثقي للمستمسكين مصباح للسالكين و دليل للمتحيرين صراط مستقيم و سبيل قويم كتبتها في رجم الشياطين و طرد الابالسة عن قلوب المؤمنين ينبغي مطالعتها في كل وقت و حين علي كل من لميبلغ درجة الكاملين و ذلك ان الانسان انموذج هذا العالم و فيه من كل شئ في هذا العالم شئ و حصة و قبضة فكما ان في هذا العالم سموات و ارضين و كانت الشياطين يصعدون الي السموات و يقعدون منها مقاعد للسمع و كان ذلك ديدنهم الي ان خرج رسول الله صلي الله عليه و آله الذي هو عقل الكل استنارت السموات بنوره فمنعت الشياطين المخلوقة من الظلمة عنها لغلبة نورانيتها فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا و يكونون في الارض [ص 3] و يتصرفون فيها الي رجوع رسول الله صلي الله عليه و آله في الكرة فيقتل ابليس و جنوده باجمعهم فينفيهم عن الارض ايضا كما نفوا في خروجه اول عن السموات فيطهر السموات و الارضون عن دنسهم و رجسهم و تشرق الارض بنور ربها كما اشرقت السموات و يظهر باطن باطن الله نور السموات و الارض فكذلك الانسان الذي هو انموذج هذا العالم له سموات و ارضون فله عرش و هو قلبه و كرسي هو نفسه و فلك شمس و هو طبعه و فلك زحل هو عاقلته و فلك مشتري و هو عالمته و فلك مريخ هو واهمته و فلك زهرة و هو متخيلته و فلك عطارد و هو متفكرته و فلك قمر و هو حيوته و ارض اولي و هي جسده و ارض ثانية و هي عادته و ارض ثالثة و هي طبيعته و ارض رابعة و هي شهوته و ارض خامسة هي غضبه و ارض سادسة هي الحاده و ارض سابعة هي شقاوته و في هذه الاراضي ابالسة و شياطين مفسدة مغوية و يصعدون الي سموات وجوده في الاوايل و يقعدون منها مقاعد للسمع و يتعلمون الوحي المذكورة في تلك السموات من العلوم فيمزجون بها حشوا رثا من وساوسهم الباطلة و يصرفون تلك الوحي الي مراداتهم فينفثون بها في روع الانسان كما كانوا في العالم ينفثون في روع الكهنة فاذا بعث العقل الذي هو النبي الباطن في بدن الانسان و هو الذي يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان و استنار بنوره سموات وجوده يطرد الشياطين عنها بنوره الذي اشرقت به سموات وجوده فرجمت تلك الشياطين بالكواكب العلمية و نجوم المعارف و اليقين و العلوم و احترقت بضوئها فلايصعدون بعد ذلك الي سمواته و لكن يكونون في الارض و يفسدون فيها بالوسوسة في [ص 4] الاعمال و عقايده محفوظة صحيحة بنور العقل الي ان يكر العقل و يظهر باطنه الذي هو العقل المرتفع و الفؤاد الشامل نوره الارضين و السموات فيحرق نوره جميع الابالسة من اراضي وجوده ايضا و يظهر فيه تأويل قوله تعالي و اشرقت الارض بنور ربها و قوله الله نور السموات و الارض و يصير مثل نور الله سبحانه اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي و لله المثل الاعلي في السموات و الارض فيصير بدنه مشكوة فيها مصباح عقله المصباح في زجاجة قلبه الذي كأنه كوكب دري يوقد ذلك المصباح من شجرة الزيتونة المباركة العقل الكلي لا شرقية و لا غربية فانها فوق جهات الآثار يكاد زيت تلك الشجرة يضيئ فيستقل بوجوده لو لمتمسسه نار مشية الله سبحانه نور علي نور اي نور الشجرة علي نور المصباح او نور المصباح علي نور الزجاجة علي نور المشكوة يهدي الله لنوره من يشاء فيصير حينئذ مصداق قوله عليه السلام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و يكون مثلا لله سبحانه مضروبا للناس بالجملة ما لميبلغ الانسان هذا المقام يكون فيه ابالسة مفسدة يوسوسون في قلبه و صدره في عقائده و اعماله دائما فلما عرفت ذلك اردت ان اهيئ للمؤمنين رجوما للشياطين مهما صعد فيهم شيطان الي سموات وجودهم لاستراق السمع للتلبيس و الوساوس يرجموه بنجم من هذه النجوم الطالعة و بشهاب من هذه الشهب الثاقبة ليحفظ سماوات عقايدهم و افكارهم و خيالاتهم و اوهامهم و علومهم و عاقلتهم و صدورهم و قلوبهم من الوساوس و الشكوك و الشبهات و اعد لهم معارف و حقايق مختصرة تكون سببا لكرور العقل و ظهور باطنه عسي الله ان ينفي الابالسة و اتباعهم عن ارض وجودهم ايضا فاسأل الله سبحانه [ص 5] ان يوفقني لاتمام هذه الرسالة بحيث يكون عقلا تدوينيا يتقوي به العقول التكوينية فيبعث في الصدور و يكر في القلوب فينفي الشياطين عن سموات وجودهم و ارضيها فينبغي للمؤمن الخائف علي نفسه من الوساوس و الخطرات ان يلازم مطالعة هذا الكتاب في كل يوم مرة حذرا من تطرق الابالسة فان تهاون بذلك ففي كل اسبوع مرة و ان تهاون بذلك ففي كل شهر مرة او اقل او اكثر و ان تهاون بذلك فعند هجوم الشياطين نعوذ بالله فيطالع هذا الكتاب و يقرع به قلبه حتي يثبت و يستقر و ذلك انه روي عن ابيعبدالله عليه السلام ان القلب ليزجج فيما بين الصدر و الحنجرة حتي يعقد علي الايمان فاذا عقد علي الايمان قر و ذلك قول الله عز و جل و من يؤمن بالله يهد قلبه و في رواية اخري بهذا المعني و استدل بقوله سبحانه فمن يرد الله ان يهديه الي قوله سبحانه كأنما يصعد في السماء بل ينبغي مراجعة هذا الكتاب متي ما وجد في قلبه سهوا و غفلة لما روي عنه عليه السلام ان القلب ليكون الساعة من الليل و النهار ما فيه كفر و لا ايمان كالثوب الخلق ثم قال للراوي اماتجد ذلك من نفسك ثم قال ثم تكون النكتة من الله في القلب بما يشاء من ايمان و كفر انتهي ، و ذلك ان معالجة الغفلة بالذكر و هذا الكتاب اجل الاذكار ان شاء الله فانه تبصرة و ذكري لمن راض نفسه بالعلوم ، المتسمع ما روي عن ابيالحسن موسي عليه السلام ان الله خلق قلوب المؤمنين مطوية مبهمة علي الايمان فاذا اراد استثارة ما فيها نضحها بالحكمة و زرعها بالعلم و زارعها و القيم عليها رب العالمين انتهي ، و ارجو ان يكون هذا الكتاب نضح الحكمة و زرع العلم من الله [ص 6] سبحانه في قلوب المؤمنين يستثار به ايمانهم و الزارع هو الله سبحانه قال سبحانه افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون بل هو الزارع فانك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء فها ذلك ابان الشروع في المقصود و التوكل علي الله الودود و سميت كتابي هذا برجوم الشياطين و رتبته علي اشراقين :
في طرد الشياطين عن سموات عقايد المؤمنين و اقامة البراهين النيرة علي اصول الدين بحيث لايتطرق فيها شبهات المشبهين و لا وساوس الموسوسين و لا شكوك الشاكين فانها من الضروريات الاولية للمبصرين و علي ايراد الادلة البديهية الضرورية علي كل مسئلة مسئلة و لكن لست اقدر علي شرح الصدور و احداث النور و من لميجعل الله له نورا فما له من نور انك لاتسمع من في القبور ان انت الا نذير و ، قد ينكر العين ضوء الشمس من رمد ، و
علي نحت القوافي من مواقعها و ما علي اذا لميفهم البقر
اذ لا حول و لا قوة الا بالله و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و هذا الاشراق يشرق علي سموات :
في معرفة الله سبحانه و في هذه السماء نجوم :
نجم - اعلم انه من البديهيات ان المواليد التي تتولد في هذا العالم لمتكن ثم كانت و لايجهل ذلك ذو حس فجميع الجمادات المركبة من [ص 7] العناصر تامة و غير تامة و النباتات القائمة علي سوقها و غير القائمة و الحيوانات الكاملة كالدواب و غير الكاملة كالحشار و جميع الاناسي المخلقة و غير المخلقة و برازخ هؤلاء كلها حادثة لمتكن ثم كانت لايشك في ذلك جاهل فضلا عن العالم و كلها مؤلفة من عناصر هذا العالم و لميكن لها تعين في العناصر قبل بدئها و هي يفسد كونها و تعود الي بسايطها كما تشاهد بالحس الظاهر .
نجم - ان هذه العناصر التي منها تتركب المواليد ليست تبقي بعد التركيب علي عباطتها الاولية بل تستحيل و يقع بينها تفاعل و انفعالات حتي يحدث من جميعها شئ خامس ليس بنار و لا هواء و لا ماء و لا تراب بعباطتها و ان كان مركبا منها الاتري الدخان مثلا و الذهب و المرجان و الخشب و اللحم و العظم مثلا ليست بنار عبيطة كما كانت و لا هواء عبيط و لا ماء عبيط و لا تراب عبيط بل هي شئ آخر حادث حاصل منها و لايشك في ذلك عاقل بل و لا جاهل فتستحيل النار عن كيانها و يفسد كونها و يستحيل الهواء و الماء و التراب و يفسد كونها و يصير المجموع شيئا آخر بالبداهة ثم يفسد المولود الحاصل و يرجع الي الاصول فيحدث تراب جديد باستحالة المولود بعد فساده في التراب و يحدث ماء جديد او هواء جديد بتبخير رطوباته و استحالة بخارها مطرا او هواء و ذلك مشهود بالعين لاينكره عاقل بل و لا جاهل هذا مع ما يشاهد ان التراب يصير ماء سيالا باستحالته الي الملح اول و انحلال الملح ماء سيالا ثم يستحيل ذلك الماء و كل المياه بخارا و يستحيل هواء و ذلك مشهود بالحس و لمنذكر استحالة النار لخفائها [ص 8] و كذلك يعود الهواء ماء كما يقطر القرعة الخالية ماء و يستحيل الماء ترابا اذا عقد في اجزاء ترابية حتي غلظ و جمد كالسطريط المحسوس و الملح و ما يجمد من الماء في الآبار و الانهار كالسجيل و اللؤلؤ و امثالها فاستحالة هذه العناصر بعضها الي بعض و فساد اكوانها و تجددها محسوس مدرك بالعيون لاتحتاج الي دليل ازيد من النظر و الرؤية بعد التنبيه .
نجم - ان السموات ايضا اجسام لها طول و عرض و عمق و كم و كيف و جهة و رتبة و مكان و زمان كالاجسام السفلية غاية الامر انها في الجهة العليا و الطف في الصفات المذكورة و ان انكر منكر وجود سموات فلاينكر وجود الكواكب فانها كسرج مشتعلة جسمانية غاية الامر انها اعظم و الطف لا غير و لايراد بالجسم الا هكذا و ليس الجسم الا هذا و تري مشاهدا انها متحركات بحركات متضادة من المشرق الي المغرب و من المغرب الي المشرق و من الهبوط و الاستعلاء و يسلب انوار بعضها ثم يستنير ثانيا و لها الوان مختلفة و طبايع متفرقة من البرودة و الحرارة و الرطوبة و اليبوسة و تجتمع حينا و تتفرق حينا كساير الاجسام السفلية الا انها الطف و اعلي فلايشك في ذلك ذو بصر .
نجم - ان نفوس هذه المكونات الجسمانية مختلفة علي حسب اختلاف هذه المكونات و لكل نفس خصوصية و تشاكل مع جسدها و لاجل ذلك ينشأ من كل نفس اثر خاص لايصدر عن غيره اما الجمادات فلها ارواح و نفوس جسدانية تستخرج بالصناعات الفلسفية و يشاهد ان كل روح و نفس غير الاخري و لكل واحدة حدود غير حدود الاخري عيانا و كلها مركبة مؤلفة من العناصر [ص 9] الجسمانية كاجسادها و اما النباتات فلكل واحد نفس تخصه و تنشأ عنها آثار و خواص لاتنشأ عن غيرها فنفوسها و ان لمتشاهد و لكن آثارها محسوسة و تري عيانا ان اثر نفس الفلفل غير اثر نفس البنفسج بالبداهة و تختلف جاذبة كل واحد منها و هاضمتها و دافعتها و ماسكتها و رباؤها و نماؤها و هي اي نفس النباتية من صوافي العناصر و لطايفها و هي في كل نبات علي حسب اجزاء جسمه العنصري و هي مركبة مؤلفة من صافي كل عنصر يخصه و اما النفوس الحيوانية فهي من صوافي الافلاك و لطايفها و لكل نفس اثر غير اثر الاخري و افعال و خصال غير ما في الاخري كما تشاهد في صنوف الحيوان خصالا خاصة فليس بسالة الاسد و شجاعته في الثعلب و ليس روغ الثعلب و حيلته في الاسد و هكذا الباقي فهي في عالمها متفاوتة ممتازة و كل واحدة منها مركبة من صوافي الافلاك علي التفاوت فمنها ما يكون الغالب عليها صافي فلك زحل و منها ما يكون الغالب عليها صافي فلك المشتري و هكذا و بذلك تختلف فعالها و آثارها و كلها مركبة علي حسب اجسادها حرفا بحرف و اما ارواح الاناسي و نفوسها فهي اوضح اختلافا لاختلاف صفاتهم و اخلاقهم و ميولهم و علومهم و افهامهم و غير ذلك فمن ذلك يعرف العاقل البصير و الناظر الخبير ان نفوس هذه المواليد ايضا مختلفة علي حسب اختلاف اجسامها و جميعها مركبة مؤلفة لان كل جنس منها فيه افراد مشتركة في ذلك الجنس مميزة بحدودها البتة و بذلك تصدر عنها آثار متعددة و كذلك نفوس الافلاك مختلفة علي حسب اختلاف اجرامها و تنشأ عنها آثار خاصة فلايصدر من الشمس آثار تصدر عن القمر و كذلك [ص 10] البواقي و تشاهد ان حركاتها في السرعة و البطؤ مختلفة و جهاتها متفاوتة فنفوس هذه الاكوان كلها مختلفة كاختلاف اجسامها بلا تفاوت الا في الكثافة و اللطافة و الصفاء و الكدورة و جميعها يتغير بتغير الاجسام كما عرفت و يقبل صورة اخري و لميكن قبل تولد جسمك و يحدث بعد تولده الزماني و ما يقال انها متقدمة علي الاجسام فانما يراد منها الدهري الاتري ان روحك و نفسك لمتكونا قبل جسدك و لميكن نفسك قبل جسدك ابدا و لمتكن ناميتك في الكيلوس بل و في النطفة و حيوتك في العلقة و المضغة و ناطقتك في بطن امك و كلها قد تولد بعد تولد محلها من الجسم و هو المحسوس المشاهد و لسنا بصدد غير ما يدل عليه المشاهدة و يحتاج الي دليل و لا دليل فتفهم و انظر لنفسك .
نجم - فاذ قد عرفت ان المواليد حادثة لمتكن ثم كانت و سيفسد كونها و تعود الي بسايطها عيانا فلها مؤلفٌ مّا يؤلفها و مفرقٌ مّا يفرقها كائنا ما كان ذلك المؤلف و ذلك المفرق واحدا كان او متعددا قديما كان او حادثا جسمانيا كان او غير جسماني و اما وجود مؤلفٍ مّا لها و مفرقٍ مّا فمما لايشك في ذلك ابدا فانها بانفسها لمتكن و حين لمتكن لايعقل ان تكون مؤلفة انفسها و حين كانت فقد الفت و كانت و كل احد يعرف من نفسه انه لميؤلف نفسه كيف و هو بعد ان كان لايقدر ان يغير نفسه و يجد نفسه مقهورة علي ما هي عليه و ان وجدت نفسك تقدر ان تغير بعض خصال جسمك فان الروح الذي هو اعلي من جسمك يغيره و اما نفس الجسم فلايقدر ان يغير نفسه الا ان يغيره غيره كائنا ما كان فوجود مؤلف لها [ص 11] مما لايشك فيه عاقل بل جاهل و لسنا الآن بصدد معرفة ذلك المؤلف فمحض وجود مؤلف مما لا محيص عن الاقرار به البتة .
نجم - و اذ قد عرفت ان العناصر ايضا تتغير و تتبدل و تستحيل عن عباطتها و تحدث مجددة و تتكون حادثة و يفسد كونها علانية فلا محيص عن الاقرار بأن لها مكوّنا و مفسدا و محيلا عما هي عليه و انها كل واحد منها بنفسه لايقدر علي تكوين نفسه و افساد نفسه و ان مكونها و مفسدها غيرها كائنا ما كان و ان كان بعضها يغير بعضا و يكون و يفسد او الاجسام العالية فمحض وجود المكون و المفسد لها غير انفسها مما لايشك فيه عاقل بل جاهل فان نفسها حين ان لمتكن لاتقدر علي تكوين نفسها و بعد ان كانت فقد كانت و بعد ان كانت لاتقدر علي افساد نفسها الظاهرة الا ان يغيرها غيرها و ذلك معلوم مشهود .
نجم - و لما عرفت ان الكواكب و الاجسام العالية متحركة بحركات مشهودة غير منكورة فبالحري ان تعرف ان لها محرّكاً مّا فان الشئ الواحد بنفسه لايتحرك فان نفسه ان لميحدث فيها مقتض كانت علي ما كانت و ان حدث فيها ما لميكن فيها فهو غيرها و من غيرها و لاجل ذلك تري ان الحجر لو وضع في مكان لايتحرك عن مكانه الا ان يحركه غيره و ما تري من حركة النبات فنفسه النباتية و طبعه يحركه ظاهرا و طبعه غيره لما نري انه لميكن فيه ثم كان ثم يفارقه و الحيوان يحركه روحه و روحه غيره و يفارقه و لميكن فيه ثم كان و كذلك الاجسام العالية بنفسها لا حركة لها و انما يحركها غيرها من طبع او روح او غيرها و [ص 12] لاجل ذلك تريها متحركة قابلة للحركة كالحجر القابل للحركة من محركه و هذا حال كل متحرك فمحركه غيره من قاسر ظاهرا او طبع او مريد فيه او غيرها بالجملة مقتضي الحركة غير نفس المتحرك و نفس المتحرك غير الحركة و الحركة صفة عارضة علي المتحرك يتصف بها و يقبلها و الفاعل غير القابل و لو كان الشئ بنفسه فاعل الحركة لكان محركا لغيره لا متحركا في نفسه و المشهود من المتحركات خلافه و وجه آخر ان الحركة هي فعلية كانت كامنة في قوة المتحرك و مادته و خرجت من القوة الي الفعلية و القوة عدم الفعل فالحركة تكون معدومة في مادة المتحرك صالحة للبروز و عدم البروز و مقوي تلك القوة حتي تخرج الي الفعل لو كان نفس المادة لكانت الحركة و الكون في الامكنة التي تنتقل اليها ابدا بالفعل لان المادة هي هي دائما و لاتفقد نفسها حيث تجدها بل كانت القوة فعلية بحتة فان المادة لا انتظار فيها في كونها هي هي و اذ قد رأينا ان الحركة متجددة تخرج شيئا بعد شئ من القوة الي الفعلية عرفنا ان المحرك غير المادة و الحركة تخرج من القوة علي حسب ارادة الفاعل و قبول المنفعل بالجملة تبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان للاجسام العلوية محركا غيرها .
نجم - و اذ قد شاهدنا ان الاجسام العالية متصفة بما ذكرنا من الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و المكان و الوقت و الوضع و ساير فروعها و رأيناها قابلة لهذه الحدود كما كانت قابلة للحركة و هي في اتصافها و قبولها لاتخالف الاجسام السفلية الا في اللطافة و الرقة و شاهدناها انها مؤلفة من اجزاء فان كل جزء منها غير الآخر بالضرورة و ان لمنر مبدأ تأليفها و عرفنا ان [ص 13] الصورة الوحدانية التركيبية غير الاجزاء و اثر المركب و طبعه غير اثر اجزائه و طبعها و هي مشتركة في الجسمانية متمايزة في الخصوصيات و الجسم الذي موجود في الكل هو صلوح الكل و الكل فيه بالقوة و خرجت الي الفعلية فاتصف حصص ذلك الجسم بتلك المميزات عرفنا ان لها مؤلفا و مخرجا لها من القوة الي الفعلية كما نشاهد من ساير المركبات السفلية حرفا بحرف و ذلك المؤلف المخرج لها من القوة الي الفعلية غير مادتها فان مادتها لاتفقد نفسها حيث تجدها و لو كانت هي المؤلفة المخرجة لمابقيت لها قوة و لكانت جميع قواتها فعلا فكانت نفسها بكلها فعلا لا قوة لعدم الانتظار في كونها هي هي و المشهود وجود القوة و ترتب الفعليات و تراخي بعضها عن بعض فتبين و ظهر ان المؤلف غيرها و ان الفعليات تخرج منها علي حسب ارادة الفاعل و قبول المنفعل و وجود المقتضي و فقد المانع .
نجم - و اذ قد عرفت ان نفوس هذه المكونات ايضا مركبة مؤلفة تحدث بعد ان لمتكن و تتغير عن حالها في اوقات كونها و تفسد كثير منها بعد فساد اجسامها و تري في نفسك انها لاتملك لنفسها نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و لاتقدر ان تدفع البداوات و لاتقدر علي نسيان ما تذكر و لا ذكر ما تنسي و لا سرور حين الهم و لا همّ حين السرور و لا نوم و لا يقظة و لا فهم و لا بلادة و هكذا تعرف ان النفوس ايضا محدثة مؤلفة لها مدبر و مؤلف و محدث آخر غيرها و انها لمتكوّن نفسها حين ان لمتكن و لاتقدر ان تغير نفسها حين ان قد كانت فانها علي ما هي عليه لاتقتضي الا ما هي عليه و لاتفعل فعلا الا كما يشاكلها فكيف تقدر علي ان تغير نفسها و تقلبها فلا بد و ان [ص 14] يكون لها مدبر آخر يغيرها و يدبرها و يوجدها و يفنيها و يخلقها و يرزقها و يحييها و يميتها كما تشاهد و في نفسك ذلك اشد وضوحا مما في غيرك بالضرورة فاي دليل اوضح و اسد من عجزك عن صفاتك و حالاتك و كونك و فسادك و تعرف عروض كل ذلك عليك من غير صنع منك فليست هي الا بفعل فاعل و قبول قابل بالبداهة و العيان فتدبر في ما ذكرته لك تجده بلا غبار و تشرب صافيا بلا اكدار .
نجم - قد تبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان جميع الاجسام و نفوسها مفتقرة الي محدث مؤلّف لها لا محيص لعاقل عن الاقرار و الديانة بها فلنفحص عن المؤلف المحدث من هو و كم هو فنقول ان المؤلف المحدث يطلق علي الآلة مرة و علي ذي الآلة اخري كما تقول قطعت الحبل مثلا و قطعه السكين و نحتت الخشب و نحته القدوم و كتبت الكتاب و كتبه قلمي و هذان الاطلاقان صحيحان عقلا و عرفا فان اصل الفعل و الحركة منك تظهر بالآلة و لذا تنصبغ فيها و تظهر علي حسبها فالفعل الذي يظهر من الآلة ان لوحظ من حيث مادته ينسب الي ذي الآلة و ان لوحظ من حيث صورته ينسب الي الآلة فالمؤلف ان اريد منه الآلة فهو متعدد بلا شبهة و يسمون بالاسباب و جميع حوادث هذا العالم بالاسباب فالموج يحدث بتحريك الهواء الماء و الهواء يتحرك بتحريك البخار و البخار يتحرك بتحريك شعاع الشمس و شعاع الشمس يتحرك بتحريك الشمس و الشمس تتحرك بتحريك العرش و العرش يتحرك بتحريك نفسه و لا شبهة في تعدد الاسباب و الآلات و كون بعضها فوق بعض فمن رام اقامة البرهان علي عدم فعل الآلات و وحدة [ص 15] الفاعل بقول مطلق فقد تكلف و عمد الي ما لايثبت و ان اريد منه ذو الآلة فهو المجهول الذي يجب الفحص عنه و اذ قد عرفت ان جميع الآلات حادثة متحركة مقترنة متصفة مؤلَّفة بالفتح و لا بد و ان يكون لها موجد محرك قارن مؤلِّف بالكسر فلا بد و ان يكون من وراء هذه الآلات ذوا آلة لا محالة يكون هو فاعل هذه الافاعيل بلا اقتران و لا اتصاف و لا تحرك و لا تألف اذ لو كان كذلك لكان هو ايضا آلة و لا بد من ان يكون فوقها ذو آلة لا محالة و ان خطر في قلبك ترامي الآلات و تسلسلها فادفعه بأن الآلات العديدة كيف ما كانت و كم كانت و ان ظنت بلا نهاية اليس جميع ما في الخارج و في عرصة الوجود فقراء الي مؤلف غير مستغنين بانفسهم كيف كانوا فلا بد من غني فوقهم يقومون به و يستغنون بفضله و يحولهم من القوة الي الفعلية كما عرفت فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان وراء هذه الآلات ذا آلة هو موجد الكل و مؤلفه و صانعه و اصل الافعال منه و ينصبغ في بطون قوابل الآلات فتحدث افعال عديدة و صنايع متفرقة علي حسب الآلات .
نجم - فلنفحص الآن عن الموجد الاعظم رب جميع هذه الارباب و محرك جميع هذه الآلات أهو قديم ام حادث فنقول ان رب الارباب لا بد و ان يكون قديما اعني غير محدث لميحدثه غيره غنيا عما سواه في كينونته فانه ان كان محدثا فقيرا الي غيره لكان في عرصة ساير الارباب و الآلات المتصرفة كما مر في النجم السابق و لكان فوقه رب آخر يصرفه في حوايجه و اعماله فلا بد و ان يكون الرب الذي هو منتهي الارباب قديما غير مفتقر الي غيره في كينونته البتة فيكون غاية الغايات و نهاية النهايات و هو [ص 16] محرك الكل و مصرفه و مؤلفه و محدثه غنيا عما سواه يفتقر اليه الكل .
نجم - و اذ قد عرفت ان رب الارباب لا بد و ان يكون غنيا فاقول لا بد و ان يكون احديا فان القديم هو الغني بنفسه عن غيره و كل مثني كل جزء منه غير الآخر و هو مؤلف من جزئين و المركب الحاصل من الجزئين غير الجزئين ذاتا و صفة و اثرا الاتري ان الاكسير المركب من اجزاء يكون فعالا و كل جزء منه غير فعال و الاكسير خالد و كل جزء منه غير خالد و المركب غير الاجزاء فان الاجزاء قد استحالت و فسد كونها و انقلبت عما كانت عليه و صارت شيئا آخر و لاجل ذلك صار اكسيرا فعالا خالدا لطيفة زائدة عن نفسه و كذلك كل مركب فانه ان لميكن اجزاء فهو احدي و ان كان اجزاء و لمتتفاعل و لمتستحل فلميحصل تركيب حقيقي و ان تفاعلت و استحالت فسد كونها و لمتكن قائمة بانفسها و الا لمافسدت و لمااستحالت فلما فسدت عرفنا انها حادثة متغيرة غير قائمة بانفسها البتة فالمركب حادث لحدوثه عن الاجزاء و لانه فعلية كانت بالقوة في الاجزاء فخرجت الي الفعلية و هي لمتخرج نفسها لأنها كانت معدومة و لمتخرجها الاجزاء لأنها غير فاعلة في نفسها و غير ممكن تغييرها نفسها لان نفسها علي ما هي عليه لاتقتضي غير ما هي عليه فلايحصل منها تغيير و ان كانت تقتضي غير ما هي عليه فكانت ذلك الغير و كل ذلك محال من القول فان ما الشئ عليه لايكون غير ما هو عليه فتدبر فالاجزاء حادثة و المركب منها حادث قد غيرها غيرها و اخرجه عن قوتها الي الفعلية و بهذا البرهان المنير و الضياء المستطير يحترق شياطين تشكك في قدم المتعددات [ص 17] المركبات قاطبة فكل مركب حادث و جميع العالم مركب فجميع العالم حادث يفتقر الي محدث غير مركب البتة و اقول ان كل متعدد مركب لأنهم يجتمعون في نوع و يفترقون بشخصيات لا محالة فكل واحد مركب مفتقر الي اجزائه التي هي غيره لا محالة فالكثرات حادثة و القديم احد و ان قلنا انه واحد فنريد منه معني الاحد لا الواحد الشخصي و الصنفي و النوعي و الجنسي فانها كلها مركبة حادثة دون الواحد الحق الاحدي .
نجم - المركب من بسيطين في التعبير ايضا حادث لانه مفتقر الي اجزائه و ان لميعقل تقدم اجزائه عليه لبساطتهما و لميُعقل تفرد كل جزء منه عن الآخر و تميزه عنه و لميكن فيهما قوة سابقة علي فعلية هذا المركب لانه لو كانت لكان المركب معدوما فيهما ثم وجد و لقاما قبل التركيب و هو مناف لبساطتهما فاذ لا قوام لاحدهما الا بالآخر لا قوام لهما الا بالتركيب فهما قائمان بالتركيب و التركيب قائم بهما فلا قوة هناك و لا استعداد و انما هو فعلية مفتقرة و الرب الاحد ذاته فعلية مستقلة بلا نهاية و لا اجزاء لها لا مركبة و لا بسيطة و لا فرق بينه و بين المركب من البسيطين الا بالقدم و الحدوث و ليس للقديم خلق اعلي منه فتفهم و اطرد بهذه النجوم الثاقبة شياطين الوساوس و الارتيابات و مهما عرض في قلبك شئ تكرهه فتدبر في هذه الكلمات القصيرة و النجوم النيرة يزل عنك الوساوس و يخسأ عنك الشياطين انشاء الله .
نجم - اذا ثبت حدوث هذا العالم و اثبات قديم احدي المعني فلايبقي اشكال في صفاته من حيوته فان الميت ليس بقيوم علي الخلق و لاينشأ [ص 18] الحيوة و الاحياء و علمه فان الجاهل لايحدث ما لايعلمه و لايحدث العلم و العلماء و سمعه و بصره كذلك و حكمته فان غير الحكيم لايقدر علي احداث خلق في غاية الحكمة و لايحدث الحكمة و الحكماء و هكذا ساير صفاته الكمالية التي قد اراك آثارها و احدث في ملكه صفتها و اخبرك باحداثها بها فلايحتاج الي تطويل مقال و ايراث كلال لاسيما ان الغرض من وضع الرسالة اقامة البراهين الظاهرة المرئية علي ما يحصل منه النجاة و ليس الغرض تدقيقات الحكماء و الفلاسفة و الكافل بذلك لمن شاء في الفارسية كتابنا الكبير ارشاد العوام و بالعربية الفطرة السليمة فلنقتصر هنا بما ذكرنا .
في عدله سبحانه و طرد ابالسة يوسوسون في صدور الناس مما يخالف العدل و يريدون اضلال النفوس ان تبرئ انفسها من القبايح و تثبت القبيح علي الله المتعال جل شانه ففي هذه السماء ايضا نجوم :
نجم - ان الذي هو غني عما سواه و احدث الكائنات من العدم و لمتك شيئا و احدثها من غير علة سابقة فانه بنفسه احد غني عن ما سواه و لايكون علة للايجاد و كل ما سواه حادث و خلقه لايحتاج الي الظلم و هو يصدر من الحاجة و الضعف و الخوف و ارادة دفع و هو بريء من ذلك كله فلميظلم و علي من يظلم و خلقه كلهم عبيده و اماؤه متصرفون عن امره و حكمه متقلبون في قدرته و عزته فكيف يظلمهم و لميظلمهم و الظلم لمثله عبث و هو حكيم لايفعل العبث البتة فاحتمال ذلك وسوسة من الابالسة و جهل من النفوس بل عتو منهم و كبر يأنفون عن نسبة القبيح الي انفسهم و لايبالون [ص 19] من نسبته الي الخالق الغني الحكيم و هم يرون جوده و كرمه و رأفته و رحمته بهم ان خلقهم بعد ان لميكونوا ثم رباهم و غذاهم و انشأهم و حفظهم و كلأهم و سخر لهم جميع خلقه و اجراها في مصالحهم فكيف يظلم خلقه من لايخلو حالة من حالات خلقه من رأفته و رحمته و عنايته و توجهه و عطفه نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فاطرد عنك وساوس الابالسة و ضع عن نفسك تاج العتو و الفخر و الكبر و نزه الخالق الرؤف العطوف البار الرحيم الذي هو ارأف بك من ابيك و امك الذي من رأفته خلق لك الام الرؤفة و الاب العطوف عن نسبة الظلم تعالي الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
نجم - فاذ قد عرفت انه ارأف بك من ابيك و امك و قد رأف بك في بطن امك و هما لايقدران علي تربيتك و تنميتك و تغذيتك و حفظك و ادارة جميع العالم لك و اجراء الافلاك و النجوم و امساك الارض و توليد المواليد لمصالحك و تسخيرها فاعرف ان ما يحدث في العالم من البلايا و الامراض العامة و ما يصدر في بدنك مما تكره فانما هو ايضا لضرب من المصالح قد عرفه و لاتعرفه كما يضرب الوالد الشفيق ولده للتربية و هو يحسب انه يؤذيه و ينكر فعله و لربما يقطع عضوا من اعضائه اذا لدغه هامة خوفا علي نفسه و حفظا لها و هو ينكر فعله و يشنع عليه و لايعرف وجه الرأفة فيه فلاينبغي للعاقل ان ينكر علي البر الرؤف العطوف الغني الحكيم فعله اذا جري علي ما يكرهه و كم امر كرهته اول و عرفت سر المصلحة فيه اخيرا هذا و ان اردت زيادة البيان و حقه فعليك بمطالعة حديث المفضل الكبير فان [ص 20] فيه غنية للعاقل الخبير و نكتفي بما ذكرنا هنا خوف الاطالة و يكفي الناظر لنفسه ما ذكرنا هنا و نبهنا عليه .
نجم - و ان تدبرت في هذا العالم و فيما ذكرنا ان الله سبحانه يجري الاشياء باسبابها و ابي من رأفته و رحمته غير ذلك و عرفت ان الاسباب من عرض المسببات و عرفت ان فعل الله سبحانه ينصبغ في بطن الاسباب علي حسب الاسباب فبالشمس يسخن و بالقمر يبرد و بالنار يحرق و بالماء يبل و هكذا و يجري في القوة و الضعف علي حسب الاسباب و عرفت ان الاسباب التي هي من عرض المسببات لاتجري و لاتمضي آثارها الا بقبول القابلين فالكاتب و ان كان استاذا في الخط لايجري خطه علي نهج الاعتدال ما لميكن القلم و المداد و القرطاس قابلة و النار و ان كانت محرقة لاتحرق ما فيه بلة و الشمس و ان كانت جاذبة لاتجذب ما ليس فيه خفة كالبخار فلاتجذب الصخور و هكذا عرفت ان افعال الله سبحانه الظاهرة من اكمام الاسباب لاتجري الا بحسب الاسباب و بقبول القوابل و هكذا حكم بعدله و حكمته من خلقها و لمتك شيئا فلايجري فعل منه الا بحسب قبول القابل فاين الظلم و اين القسر و لا حدث الا بفاعل و قابل فلا جبر و لا تفويض بل امر بين الامرين اذ الجبر هو الفعل بلا قبول و التفويض هو الوجود بلا ايجاد و تري انهما غير موجودين و جميع العالم بفاعل و قابل فلا كسر الا بكسرك و انكسار ما ينكسر فلولا فعلك لا كسر و لولا الانكسار ايضا لا كسر فاين الجبر و اين التفويض فادفع عن نفسك شبهات الابليس .
نجم - قد وسوس الابليس في الصدر وسوسة عامة قل من يخلو عنها فمهما ذكرت [ص 21] لهم جريان الحوادث بفاعل و قابل يسألوا من فورهم ممن القابلية و يريدون بذلك اثبات الجبر في الايجاد فاطرد عنهم هذه الوسوسة بهذا النجم و الذي بعده انشاء الله فاقول ان الله سبحانه خلق الخلق كما شاء و اراد و اقتضاه الحكمة فقضي عليهم بما قضي و مما قضي ان خلقهم بحيث انهم يقدرون علي قبول ما يرد عليهم من امره و نهيه و تركه و يسألهم عما جعل لهم الاختيار فيه لا عما قضي عليهم بحكمته فلايسأل الذكر لم صرت ذكرا و لايسأل الانثي لم صرت انثي و الاسود لم صرت اسود و الابيض لم صرت ابيض و هكذا و هم في جميع حالاتهم قادرون علي اخذ ما امروا به و تركه لايعدم احد منهم ذلك و الاختيار مما قضي عليهم و كلما غلب الله علي امرء فهو اولي بالعذر و اما ما لميقض عليه فهو المسؤل فلايسأل يدك لمَ صرت يدا و انما يسألها لمَ لطمت اليتيم و لمتمس رأسه بالرأفة و انت لمتعدمي هذا الاختيار فاخرج عن نفسك الوساوس و اعترف بالتقصير فله الحمد عليك بقضائه الاختيار لك و لا حجة لك عليه باختيارك السوء كما تبين و هذا الاختيار و الحمد لله محسوس مرئي يري كل احد من نفسه انه يقدر علي كل فعل و تركه و ما لايقدر عليه لايسأل عنه .
نجم - و لاتزعم من قولي انه خلقهم كما شاء و اراد و قضي عليهم ما قضي و لايسأل عنه ان قضائه كان بفعل بلا انفعال فان ما لمينوجد الشئ لايوجد و انوجاده قبوله و لاتزعم ان قبوله كان بالعنف لانه لميكن قبل الايجاد حتي يعنف به و يحمل علي ما يكره و انما خلقه لا من شئ و الخلق لا من شئ ليس بجبر اذ لا مجبور قبل ايجاده و لا تفويض اذ [ص 22] لايوجد الشئ نفسه فاين الجبر و اين التفويض بل اوجد فانوجد و ليس احدهما بدون الآخر و لميخلق شيئا غير ذلك الشئ بعدله و ذلك الشئ بايجاده لا من شئ و حين اوجد اوجد الذوات صالحة لما سيكلفهم غير مجبورة علي شق كما تري في هذا العالم انه يخلق زيدا زيدا و يقدر علي ان يفعل ما امر به و يتركه و لميأمره الا بما يقدر عليه عدلا منه و كرما و ان اردت زيادة بيان فعليك بالفطرة السليمة و المقصود هنا الاذعان بالحق و رفع الوساوس لا تعليم كيفية ما كان و ما يكون حتي لايبقي مجهول فتثبت علي الحق .
نجم - اذا عرفت ان ما سوي الله حادث و انه قائم بامره محفوظ بحفظه اذ خلقه لا من شئ و هو فقير ابدي الي مشيته سبحانه و فعله فاعلم ان العبد بذاته و صفاته و افعاله و آثاره قائم بامر الله محفوظ بحفظ الله مخلوق باسباب الله سبحانه فالعبد المحفوظ بالاختيار المحفوظ بالقدرة المحفوظة التي هي سبب فعله يفعل بفعل محفوظ فعله المحفوظ فاين التفويض في اعمالك ايضا و اين الجبر و انت تفعله باختيارك و انت و اختيارك و قدرتك اسباب فعلك و فعل الله منصبغ فيك و في قدرتك و ارادتك و فعله في فعلك كالروح في الجسد لولا الروح لماتحرك الجسد و لولا الجسد لماتعين الروح فبطل ما كانوا يأفكون و احترقت الابالسة بحول الله و قوته و ان قلت لم جعلني الله اختار هذا و لااختار غيره قلت لميجعلك الله تختار هذا و لاتقدر علي غيره أماتشاهد صلوح نفسك و جسدك لهذا و لغير هذا فلست بمجبور علي جهة و انما خلقك مختارا و اصحبك [ص 23] فعله و انت تختار هذا به و لاجل ذلك يسألك عنه و لو كان منه لماسألك عنه لايسأل عما يفعل و هم يسألون لاجل ذلك و لميقض عليك فعل شئ دون غيره كما تري من القوة علي خلافه عيانا فلاتترك العيان و تذهب الي وسوسة الشيطان غاية الامر انك لاتعرف كيفية الخلق و الجهل بالكيفية لايقتضي اثبات الظلم علي الغني العطوف و هذا القدر من البيان كاف لمن له عينان انك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم .
في النبوة و طرد الابالسة الموسوسين في صدور الموحدين في امر النبوة و فيها نجوم :
نجم - اعلم انك لو تدبرت في هذا العالم و رأيت هذه الحكمة التي قد حار فيها العلماء و تعجب منها الحكماء و رأيت انه سبحانه لميخلّ بشئ من الحكمة قل او جل و اعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و خلق لكل شئ ما يقوم به و يعيش الي منتهي اجله و لمتر فيه نقصان ذرة و زيادة ذرة و رأيت انه من حكمته خلق للانسان حوائج لايستخرج ما في كينونته من القوات و لايعيش الي اجله الا بحصول تلك الحوائج له و لايقدر احد ان يأتي بنفسه علي جميع حوايجه و لاجل ذلك خلقهم مدني الطبع مختلف المزاج و الطباع حتي يتكفل كل احد بحاجة لهم فان لميجتمعوا هلكوا و ان اجتمعوا و هم مختلفة الطبايع تشاجروا و تنازعوا قدر من حكمته ان يكون فيهم في كل قرية من يسوسهم و جعل له نفسا تستعلي عليهم [ص 24] بقهاريتها التي لها عليهم و جعلهم بالنسبة اليه ضعفاء ينقادون له بطبعهم حتي تقوم بذلك مدينتهم و يشتغل كل نفس منهم بشغله و يقوم بحاجة لا بد للخلق منها و ذلك السايس لا بد و ان يكون اعلمهم بالسياسة و صلاح البلاد و العباد امينا غير خائن عادلا غير ظالم معصوما عن جميع ما هو خلاف الحكمة و لو كان علي غير ذلك لكان بنفسه احد اسباب فساد المدينة و لا بد و ان يكون عليه و علي الباقي سايس عدل آخر حتي تقوم المدينة و يعيشوا الي ان يبلغ الكتاب اجله و يظهر فيهم الغاية التي خلقوا لاجلها و ذلك السايس هو حجته علي خلقه يفترض طاعته عليهم و هو النبي الحاكم العادل المعصوم المطهر فلا بد في كل قرية من نذير معصوم مطهر حجة من الله فان كان النبي حيا فهو و الا فلا بد و ان يقوم نبي آخر او وصيه القائم مقامه بامره المعصوم المطهر فوجود الحجة علة ظهور الغاية اذ لولا الحجة لقام الفساد و هلكوا و لميعيشوا حتي يظهر ما في كيانهم الي العيان و صارت الخلقة لغوا و تعالي الحكيم عن ذلك علوا كبيرا فلو خليت الارض عن الحجة لساخت لعدم امكان ظهور الغاية و لايبقي الخلق بلا غاية فتدبر في هذه الكلمات المختصرة يخسأ عنك الشيطان و تستنر بنور الرحمن .
نجم - قد وسوس ابليس لبعضهم ان الله سبحانه غني عن خلقه خلقهم رحمة و خولهم هذا العالم و لا حاجة له اليهم و الي نظامهم و امرهم و نهيهم فهم يأكلون و يشربون الي منتهي اجلهم فلا حاجة الي نبي يكلفهم و يأمرهم و ينهاهم كما هم الآن في آخر الزمان فاقول لهم ان الله سبحانه حكيم كما هو مشاهد و الحكيم لايفعل العبث فهذا الخلق لفائدة و لغاية و لا بد من ظهور [ص 25] تلك الفائدة و هي لاتصل الي الخالق الغني و لا بد و ان تصل اليهم و لاتصل اليهم الا ان يعيشوا و لايعيشون الا بحصول لوازم حياتهم لهم و تلك اللوازم لاتتأتي من واحد فلا بد من اجتماعهم و تمدنهم فاذا تمدنوا تشاجروا فاذا لا بد من سايس يرفع التشاجر من بينهم و السايس هو الحاكم فان قلتم لايحتاج الي حاكم ابدا فلم تجدون في انفسكم الاضطرار الي حاكم حتي انكم تجتمعون علي رجل و تجعلونه حاكما عليكم بايديكم و تطيعونه علي عمد منكم حتي انه لو اجتمع خمسة منكم علي سفح جبل لايستقيم امرهم الا بأن يكون احدهم اكبر من الباقي يسمع قوله و يطاع امره بل لو سافر اثنان لايستقيم امرهما الا و ان يكون احدهما اكبر و اقدم بل و لايستقيم اعضاؤكم الا و ان يكون عليها حاكم و هو قلبكم فاذا كان و لا بد في جبلتكم اذا تعددتم من وجود كبير فهو امر جبلي فطرتم عليه كالجوع و العطش و النوم و غير ذلك فيجب في الحكمة سد هذه الفاقة و جبر هذا الكسر فاما ان تقولوا انه يخل الحكيم بالحكمة حتي تكملوها باختياركم الناقص الذي هو الي الفساد المحظور عنه اقرب من الصلاح المطلوب او يجعل من عنده حاكما عليكم يجمع شملكم و يصلح فاسدكم و يروج كاسدكم و يجبر فقركم و يعلم جاهلكم و يلم شعثكم فان قلتم بالاول افسدتم الحكمة و اخترتم له اللغو و ان قلتم بالثاني اصبتم و رشدتم فكيف لايحتاج الي حاكم معصوم مطهر منصوب من عند الله سبحانه و النبي ايضا من الخلق حكيم عليم معصوم مطهر مقسط و ليس غير ذلك فالله سبحانه كان غنيا و يكون و لا حاجة له الي امر و نهي و لكن الخلق يحتاجون اليه و قد فعل من غير اخلال .
[ص 26] نجم - قد يوسوس الخناس في صدور الناس بأن الآن منذ الف سنة و ازيد ليس في الناس نبي باهر و لا ولي ظاهر فان كان وجود الحاكم لازما فقد اخل الآن بالحكمة و ان كان غير لازم فبم يثبت لزوم وجود الحجة فاقول في سد هذا الثلم ان الحكمة لا بد و ان تكون من عند الحكيم كاملة فلو خالف الخلق وجه تلك الحكمة لميك نقص في حكمة الحكيم الاتري ان من صنعة الحكيم و حكمته ان يخلق الشراب اذا خلق العطش فلو لميشربه واحد حتي مات لميكن نقص في خلق الحكيم و ان يخلق الطعام اذا خلق الجوع فلو لميطعمه واحد حتي مات لميكن علي الحكيم منه غضاضة البتة فالعيب علي الحكيم عند الاخلال بالحكمة لا عند عدم عمل الخلق بحكمته فان الحكمة اقتضت خلق الخلق مختارين فاذا خلقهم مختارين و اختاروا عدم العمل بمقتضي الحكمة المخلوقة لميكن علي الحكيم الخالق منه نقص فبحثكم هذا يتمشي اذا لميك خلق الحكيم حجة و اما اذا اجتمعتم علي مخالفته و عصيانه و الغلبة عليه حتي الجأتموه الي الخفاء فاي نقص علي الحكيم و هو لايري المصلحة في حكمته ان يظهر و يستأصلكم و يقتلكم عن آخركم لعلل تأتي فهذا العيب علي قوم تؤامروا علي مخالفة الحجة لا علي الحكيم الباعث للحجة الخالق له غير المخلّ بالحكمة هذا و هذا العيش الذي تعيشون به من فضل انوار الحجج السابقين الذين علموكم التمدن و الحسن و القبح و الصلاح و الفساد و الصنايع فاخذتم بعضا و عشتم فيه و تركتم بعضا و لذلك يكون اموركم مختلة و لو انهم اقاموا التورية و الانجيل و ما انزل اليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم و من تحت ارجلهم [ص 27] منهم امة مقتصدة و كثير منهم ساء ما يعملون ، فهذا العيش الزهيد الناقص ايضا من فضل نور الحجج و تعليمهم و ان لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا .
نجم - قد يشكك الوسواس الخناس ان في الدنيا مواضع لميصل اليهم امر نبي ابدا كالارض الجديدة و اطراف هذه الارض و جزاير في اوساط البحر فلميبلغهم امر نبي فكيف تقولون بوجوب بعث نبي في كل مدينة و قرية للانتظام فان كان من الحكمة فلم لميبعث فيهم نبي و خص هذه البلاد به فاقول اولا ان الله سبحانه اذا بعث نبيا في قوم يجب اخذهم بسنته الي ان يبعث فيهم نبي آخر و الناس كلهم من ولد آدم و آدم كان نبيا و كان يجب الاخذ بسنته الي ان يبعث فيهم نبي آخر و كذلك بعث نوح الي جميع اهل الارض و دعاهم الي الله سبحانه فلما كفروا اغرقهم و لميبق الا اهل السفينة و هم من امته و كان يجب عليهم و علي اولادهم ان يأخذوا بشرعه الي ان يأتيهم نبي آخر فلله الحجة عليهم بتركهم شرع آدم و نوح و ثانيا ان الله سبحانه اذا بعث نبيا في بلد ينتشر شرعه و دينه في العالم شيئا بعد شئ بحسب قرب البلاد و بعدها فان لميستمعوا الشرع السابق بحسب تتارك الآباء ذكر النبي السابق فهم معذورون مستضعفون في الدنيا و يكلفون يوم القيمة مجددا ليقوم عليهم الحجة و ليسوا الآن من اهل النار الي ان يعرض عليهم التكليف و ان الله سبحانه عدل لايجور و ثالثا ان ذلك قول بما لاتعلمون و ما علمكم بأنه لميبعث اليهم نبي و محض اخبار بعض الجهلة المسافرين منا اليهم و منهم الينا لايقوم حجة و انا نقول قد بعث اليهم و تؤامروا علي [ص 28] مخالفته و قتله و الكفر به فخفي عنهم الحجج عذابا كما خفي امام هذه الامة عذابا فهذه الشبهات لاتقابل دليل العقل القاطع و علي الله سبحانه ان يخلق علي نهج الحكمة فاذا اجتمع الناس علي ترك الحق ليس بنقص في خلق الحكيم الاتري ان رجلا او قوما تركوا شرب الماء حتي ماتوا ليس بنقص في خلقة الحكيم فانه قد خلق الماء و لميقصر و انما الحجة تقوم علي من ترك الماء و كذلك علي الله ان يبعث حجة عليهم ليطيعوه و قد بعث آدم و نوح باقرارك و قامت عليهم الحجة بتركهم دينهما و من ولد منهم بعد و لميسمع بهما يكونون كاطفالنا و مجانيننا و بلهائنا الذين لايعقلون عن نبي و دين فيكون لله فيهم المشية و هو العدل الذي لايجور فبطل ماكانوا يعملون و طردت الابالسة و الشياطين بحول الله و قوته و الحكم الالهية احكام كلية لا جزئية تجري علي الكليات ثم يجبر كسر الجزئيات بما يجبر .
نجم - يثبت نبوة كل نبي بتصديق الله سبحانه اياه لا غير فمن اعتمد علي ذلك رشد و من حاد عنه هلك و لا دليل حقيقة ثابتا لايحتمل الخلاف غير ذلك فخذ هذا الدليل و استرح من جميع الشكوك و الشبهات فان النبوة ليست بعلامة حسية في اصل الخلقة الظاهرة حتي يعرفها العباد الذين لايعرفون غير ما يدركه حواسهم و العلوم و الصناعات الغريبة كثيرة جدا فلولا الاخذ بتصديق الله سبحانه لايمكن لعاقل السكون و الاطمينان لاسيما بعد ان علم او طرق اذنه العلوم الغريبة التي يقدر الانسان بها التصرف في الكاينات و الحيل التي يقدر بها علي ابراز امور عجيبة يتحير العقلاء فيها فلا سكون لاحد من العقلاء الا بالاخذ بتصديق الله سبحانه فمن صدقه الله المحيط العالم [ص 29] بالحقايق يصدق و من كذبه الله يكذب لا غير ذلك فاقول ان الله سبحانه حكيم و من حكمته ان لايلغي و لايخل بالاولي الاحسن و عالم لايجهل شيئا من ظاهر خلقه و باطنهم و شاهد لايغيب عن واقعة و ملأ و قادر لايعجزه شئ في السموات و الارض فاذا قام بين يديه قائم و ادعي النبوة و الرسالة من عنده و اظهر حججا علي صدق دعواه و الخلق جهال بباطن امره لايعرفون صدقه من كذبه و الله سبحانه عالم بالواقع شاهد لدعواه قادر علي ابطاله و تكذيبه ان كان كاذبا حكيم لايغري بالباطل و لايلعب بخلقه فلميبطله و لميكذبه و لميدحض حجته عرفنا انه صدقه فاعتمدنا عليه و اخذنا بقوله اعتمادا علي تصديقه و لايسألنا من عدله يوم القيمة لم اخذتم بقوله فان لنا الحجة عليه انا كنا جاهلين بباطنه و انت كنت عالما قادرا شاهدا حكيما فقام بمرأي منك و مسمع قدامك و نادي باعلي صوته انه من عندك و اتي بحجج عجزنا عن الاتيان بمثلها فصدقناه اعتمادا عليك و علي تصديقك فلو علمته كاذبا لم لمتدحض حجته و لمتبطل امره و انت اعلم العالمين و احكم الحاكمين و اقدر القادرين و اكبر الشاهدين و تعالي الله ان يكون لاحد الحجة عليه فلا برهان اعظم من تقرير الله سبحانه علي صدق الحجج فخذ به و كن من المطمئنين و لايطمئن بذلك الضعفة الجاهلون الغافلون و هذا برهان يثبت به امر الدنيا و الدين و قد احتج به الانبياء و المرسلون علي اممهم و كل حجة حجة اذا ضمت مع هذا البرهان السديد و الا فلايتم برهان و لا دليل في الدنيا و الدين و ابطال الله سبحانه للباطل من جهات عديدة لاتختص بجهة دون جهة و عليه الابطال و لو من جهة و لايجب في الحكمة قطع [ص 30] ساير الامداد عنه فانه عبد مفتون مبتلي مخلي السرب حتي يظهر اختياره من كفر و ايمان فالواجب قطع المدد عنه بقدر اظهار انقطاعه عن الله ثم يستدرجه باجراء ساير الامداد عليه و لا ضير و لنمثل هنا امثلة في اظهار البطلان و انقطاع المفتري عن الله سبحانه مثلا اذا ادعي مدع انه من جانب الله و عرف انه لغية لا لرشدة فيكفي ذلك في بطلانه و لايجب اظهار ازيد من ذلك فان ولد الغي لايمكن اتصاله بالله سبحانه لخبثه و ان اظهر امورا عديدة تشبه المعجزات و ان كان طاهر المولد و لكن كان فاسقا فاجرا يأتي بمنكرات تعرف العقول السليمة قبحها كفي ذلك في ظهور بطلانه البتة و ان كان لايفهم منه فسق ظاهر و لكن يظهر منه دناءات تخالف المروة كفي ذلك في بطلانه و ان اتي بعجايب من الاعمال و الافعال و ان كان له مروة و لكن له خرق و نزق كفي ذلك في بطلانه و لايحتاج الي ازيد من ذلك و ان كان له متانة و وقار و لكن ليس له علم و هو جاهل بالحقايق و العلوم كفي ذلك في ظهور بطلانه و ان كان له علم و حكمة و لكن لا علم له بالسياسة و تعمير البلاد و نظم امر العباد كفي ذلك في بطلانه و فساد امره و ان كان له سياسة و حكمة التعمير و النظم و لكن حريص علي الدنيا و جمع الاموال كفي ذلك في بطلانه و فساد امره و هكذا اذا كان فيه شئ واحد مما يستقبحه العقول السليمة كفي ذلك في بطلان امره و ان اتي بخوارق العادات و شبيه المعجزات و ان لميكن فيه غضاضة من وجه من الوجوه و كان في جميع ذلك كاملا بالغا و انحصر الامر في اتيانه بخارق عادة وجب في الحكمة قطع المدد عنه حتي لايقدر [ص 31] علي اتيان ذلك او اذا فعل يظهر الله للخلق انه حيلة و مكر و شعبذة و علي الله ابطال الباطل و احقاق الحق من اي وجه كان هذا و المفترون علي الله الطالبون للدنيا موسومون بسمات لايشتبه امرهم علي عاقل ابدا و الصادقون الآتون من عند الله سبحانه لهم سمات و علامات في حركاتهم و سكناتهم و علومهم و اخلاقهم لايشتبهون بغيرهم ابدا هيهات و علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و لهم سمات نورانية تكشف عن صدقهم بحيث لايحتاج معها الي معجز والله و هو فضل من الله سبحانه و اثر لكمال نفوسهم و الا فالصادق الآتي عن الله يشتبه بطالب الدنيا الكاذب المفتري اذا اشتبه الظلمات بالنور و الظل بالحرور ،