[ص 1]
من تصنيفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا الشهيد المرحوم الحاج عبدالرضا خان الإبراهيمي أعلي الله مقامه
ترجمها الأستاذ الدكتور شاكر العامري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و علي شيعتهم المخلصين و لعنة الله علي أعدائهم أجمعين .
و بعد ؛ فيقول المسكين المستكين عبدالرضا بن أبيالقاسم بن زينالعابدين إنّه قد وصلتني ، قبل مدّة ، رسالة من أحد الشباب الطالبين للإيمان و اسمه مهدي ريسمانفروش سلمه الله تعالي ، حيث كان حديث عهد بكتب مشايخنا أعلي الله مقامهم و قد قام بمطالعة كتبهم و مواعظهم ، و حين المطالعة واجهته مشاكل . و بما أنه كان يظنّ أنّ عند هذا الحقير من بحار تلك العلوم غرفة و من حصاد ذلك العلم قبضة فقد ضمّن رسالته مشكلاته و طلب من هذا الحقير حلاً لتلك المشكلات و أسأله تعالي ، لحسن ظنّ ذلك الشاب بي ، أن يلهمني جواب تلك الأسئلة حتي تنحلّ مشكلاته و يستفيد هذا الحقير أيضاً في هذه الأثناء سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا .
و بما أنّ أسئلة أخري ، بعد الأسئلة التي ذكرها في رسالته الأولي ، عرضت له من استمراره في مطالعة تلك الكتب و المواعظ و مطالعة بعض مؤلفات هذا الحقير ، فقد طلب مني في رسالة أخري أن أجيب علي جميع أسئلته في رسالة واحدة ، و ها أنا ذا أشرع بالجواب و لا حول و لا قوة الا بالله .
[ص 2] السؤال الأول - كيف يجب أن ندعو لخيار المؤمنين و بأيّ دعاء يجب أن ندعو لهم ؟
الجواب - الدعاء للمؤمنين و المؤمنات له ثواب عظيم ، حيث رُوي عن أبيعبدالله عليه السلام ● أنّه قال : ﴿ قال رسول الله صلي الله عليه و آله : ما من مؤمن دعا للمؤمنين و المؤمنات إلا رد الله عليه مثل الذي دعا لهم به من كل مؤمن و مؤمنة مضي من أول الدهر أو هو آت إلي يوم القيامة ، و إن العبد ليؤمر به إلي النار يوم القيامة فيسحب ، فيقول المؤمنون و المؤمنات : يا رب ، هذا الذي كان يدعو لنا فشفعنا فيه ، فيشفعهم الله عز و جل فيه فينجو ﴾ . و قيل لأبيعبدالله عليه السلام : ﴿ أشغل نفسي بالدعاء لإخواني و لأهل الولاية ، فما تري في ذلك ؟ فقال : إن الله تبارك و تعالي يستجيب دعاء غائب لغائب ، و من دعا للمؤمنين و المؤمنات و لأهل مودّتنا ردّ الله عليه من آدم إلي أن تقوم الساعة لكل مؤمن حسنة ، ثم قال : إن الله تبارك و تعالي فرض الصلوات في أفضل الساعات ، فعليكم بالدعاء في أدبار الصلوات ﴾ . و من هذا الحديث يُعلم أنّ الدعاء للمؤمنين بعد الصلاة هو من أفضل الأوقات ، و اذا كان الدعاء لعامة المؤمنين مقروناً بكل هذا الأجر فإنّ الدعاء لخيار المؤمنين ، خاصة أولئك الذين لديهم في أعناقنا حق تعليمنا و هدايتنا ، بالطبع يكون له أجر أكبر و سنكون يوم القيامة مشمولين بشفاعتهم ، حيث نكون لشفاعتهم آنذاك في أشدّ الحاجة .
[ص 3] أما الألفاظ التي ندعو بها ، فإنني من خلال التتبع الإجمالي الذي قمتُ به في الأخبار لمأعثر علي ألفاظ خاصة أمروا بها أن ادعوا بتلك الألفاظ . و من صالح الدعاء أن ندعو لهم بالمغفرة و الرحمة و أن يحشرهم الله تعالي مع محمد و آلمحمد عليهم السلام ، و إذا كانوا من الأحياء فندعو لهم بأن يوفّقهم الله تعالي لعبوديته و نشر التوحيد و فضائل آلمحمد عليهم السلام و هداية الخلق و أن يُعزّ أولياءهم و يذلّ أعداءهم و يقضي حوائجهم للدنيا و الآخرة ، فهذه من الأدعية الجيدة التي يدعون هم بها لأنفسهم و قد كتب المرحوم الأول أعلي الله مقامه في وصيته ، بعد ذكر العقايد الحقة و أمْر أولاده بالاعتقاد و العمل بها ، ما يلي :
و أرجو من الذين انتفعوا منّي في أيام حياتي ألّاينسوني في أعقاب الصلوات من طلب المغفرة و أطلب منهم أن يجعلوا من وظائفهم أن يقرؤوا لي كلَّ يوم شيئاً من القرآن و ألّايقرؤوا أقلّ من خمسين آية لي و لو عن طريق تكرار سورة التوحيد و من زاد زاده الله تعالي ، و إنّني منذ أن عرفتُ مشايخي صليتُ لهم كلّ يوم ركعتين ، و لشيخي قرأتُ كلّ يوم جزءاً من القرآن و لسيدي قرأتُ كلّ ليلة سورة يس صلي الله عليه و آله و لمأترك ذلك إلّا لعذر أو نسيان . و لي علي إخواني حق عظيم ؛ و هل جزاء الإحسان إلّا الإحسان ، إذن فَلْيوصِل وصيّي ، ما استطاع ، التماسي هذا إلي إخواني في الدين . إذن هذه هي وصيتي إلي وصيّي و إخواني و أتمنّي ألّايخالفوني و لو في حرف واحد ، ثبتنا الله و إياكم بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و الآخرة . انتهي نقل قسم من الوصية .
[ص 4] و لكنّ الدعاء العملي للعلماء و شيوخ الدين هو أن نعمل بما تعلمناه منهم من علم و أجر ذلك لنا و لهم ، حيث روي عن أبيعبدالله عليه السلام ● أنّه قال : ﴿ قال رسول الله صلي الله عليه و آله : يجيء الرجل يوم القيامة و له من الحسنات كالسحاب الركام أو كالجبال الرواسي فيقول : يا رب أنّي لي هذا و لمأعملها ؟ فيقول : هذا علمك الذي علّمته الناس ، يُعمل به من بعدك ﴾ ، و عنه عليه السلام ● أنه قال : ﴿ من علّم باب هديً كان له أجر من عمل به و لاينقص أولئك من أجورهم ﴾ . و أفضل الأعمال التي علمنا إيّاها خيار المؤمنين هي ولاية أوليائهم ، أي أولياء محمد و آلمحمد عليهم السلام أن نواليهم و نعمل بالنسبة إليهم بمقتضي الولاية و أجر هذا العمل لنا و لهم و هو من أفضل الأعمال و أكثر الأدعية العملية إجابة لأجل طلب الأجر لهم ، و حتي الرسول صلي الله عليه و آله يطلب مثل هذا الأجر من عند الله عزّ و جلّ ، و هو قوله تعالي : ﴿ قلْ لاأسألُكم عليه أجراً إلّا المودّةَ في القُربي ﴾ ● و المراد من أولئك القربي بالدرجة الأولي و بالأصالة أهل البيت الأطهار عليهم السلام و بالدرجة الثانية و الفرعية أولياؤهم و قالوا : ﴿ ما كان لنا فهو لشيعتنا ﴾ .
[ص 5] السؤال الثاني - ما معني قولهم : إنّ العلم الذي لايؤدّي إلي الخوف من الله تعالي ليس علماً ، و كيف يمكن تحصيله ؟
الجواب - يقول الباري تعالي ﴿ إنما يخشي اللهَ من عبادِهِ العلماءُ ﴾ ● ، و يقول الإمام الصادق عليه السلام : ﴿ اَلْخَشْيَةُ مِيراثُ الْعِلْمِ وَ مِيزانُهُ وَ الْعِلْمُ شُعاعُ الْمَعْرِفَةِ وَ قَلْبُ الْإِيمانِ وَ مَنْ حُرِمَ الْخَشْيَةَ لايَكُونُ عالِماً وَ إِنْ شَقَّ الشَّعْرَ بِمُتَشابِهَاتِ الْعِلْمِ قالَ اللَّهُ تَعالي إِنَّمٰا يَخْشَي اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ ﴾ . و يُفهم من هذه الآية و هذا الحديث الشريف و أحاديث أخري كثيرة بهذا المضمون أنّ العلم الذي يكون عند الله و رسوله علماً واقعياً هو العلم الذي يورث الخوف من الله . و عليه فإنّ هذه العلوم الرسمية المتداولة ، مثل العلم بأنواع الصنايع و الأمور الدنيوية ، و حتي العلوم التي تُعتبر في الظاهر من العلوم الدينية ، مثل الفقه الظاهري و الحكمة الظاهرية ، لايُعتبر أيٌّ منها ذلك العلم الذي هو علم في الحقيقة و الواقع ، حيث نري الكثرة الكاثرة من علماء العلوم الظاهرية ، مثل علماء الرياضيات و الكيمياء و الفيزياء ، و المنجمين و الأطباء و أرباب الصنايع الذين يسمّون عُرفاً بالعلماء ، لكنهم لايخافون من الله ، بل كثير منهم لايؤمنون به ، و ما أكثر الحكماء و الفقهاء الذين كانوا يتعلّمون علم الفقه و الحكمة طلباً للدنيا و لايخافون من الله و يجعلون علمهم فخّاً لاصطياد العوام من الناس ، و كل واحد من هذه العلوم يُدعي عند الناس علماً و لكنّه عند الله جهل و ليس علماً ، و العلم عنده هو ما يورث الخوف منه و هو علم الإنسانية و هو نور يقذفه الله في قلب من يحبّ ، و قد قالوا في حديث : ﴿ العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب ﴾ . و بيان هذا الأمر هو أنّ [ص 6] هؤلاء الناس ، قبل أن تتم دعوتهم من قبل الله علي لسان الأنبياء و قبل أن يقبلوا دعوتهم ، حيوانات ناطقة و ليسوا أُناساً و لكنهم يمتازون علي ساير الحيوانات أنّ لديهم فهماً و شعوراً أكثر و يُدركون الصور و المعاني و يفهمون جميع هذه العلوم الرسمية بذينك الفهم و الشعور باختلاف درجات شعورهم ، و المؤمنون و الكفار جميعهم شركاء في هذه الأفهام و الشعور و ربما هناك من الكفار من يكون هذا النوع من الشعور لديه أكثر من بعض المؤمنين ، أماتري أنّ من بين اليهود و النصاري و المشركين علماء كباراً في الرياضيات و الطبيعيات و أصحاب اختراعات و صنايع عجيبة ربما قلما نجد أحداً من بين المؤمنين من يلحق بهم ، و لكنّ جميع هذه هي مدارج شعور الحيوانية الناطقة المقسّمة بين أفراد البشر بشكل أو بآخر و هم من هذا المنظر جميعاً أمة واحدة و لكنّ الله الذي خلقهم بحكمته الكاملة لميكن تمام حكمته في هذا فقط ؛ أن يخلق هؤلاء الأفراد ، بل كان هذا قسماً من حكمته و له تتمّة يتمّ بها حكمته و لميكتفِ بذلك القسم غير التام . أعرض عليك مثالاً كي يتوضّح الغرض بشكل أفضل . أنت ، مثلاً ، تنوي أن تحصل علي الحنطة ، فتقوم ، ابتداءاً ، بشراء أرض و جلب ماء لها . بإنجاز هذين العملين لمتُنجز تمام غرضك ، و إنك لمتشترِ الأرض كي يكون عندك أرض فقط و لمتجلب الماء كي يكون عندك ماء فقط ، و لو أنّك اكتفيت فقط بهذين العملين لماكان غرضك ليتحقق و لبقيت الحكمة التي استعملتها غير تامة و لنتكون راضياً حينذاك . و إنّ حكمتك تتم حينما تحرث تلك الأرض و تنثر فيها البذور و تُجري عليها الماء حتي تنمو تلك البذور و تتحول إلي حنطة و تحصد الحنطة و تقوم بطحنها و تأخذ حاصلها إلي المنزل . و الحال أنّ الباري تعالي كذلك أراد في حكمته الكاملة محصولاً [ص 7] من هذا الملك و وفّر ، ابتداءاً ، عن طريق إحاطة هذه السماء بالأرض مقدمات العمل و أعدّ أرضاً لزراعة حنطته و لميقتنع بملكية تلك الأرض القاحلة ، و تلك الأرض هي أفراد البشر هؤلاء الذين يمثلون ، بمراتبهم الظاهرة و الباطنة ، أرض زراعة ذلك المحصول و خلق زارعين ليزرعوا بذر ذلك المحصول في هذه الأراضي و أولئك الزارعون هم الأنبياء و الرسل ، و هو ما بيّنه في كتابه بقوله : ﴿ كان الناسُ أُمةً واحدةً فبعثَ اللهُ النبيينَ مبشرينَ و منذرينَ ﴾ ● ، و زراعتهم هي دعوتهم نفسها ، و دعوتهم هي بيان صفاتهم ، إذ إنّ كلّ شيء يدعو إلي صفته ؛ فالنار ، مثلاً ، تدعو الجميع إلي صفتها ، و هي الحرارة . و الثلج يدعو الجميع إلي صفته ، و هي البرودة . و الأنبياء ، كذلك ، يدعون الناس إلي صفاتهم و كلّ شرايعهم شرح لصفاتهم و بما أن ّالباري تعالي قد جعل صفاته فيهم ، بل جعلهم أنفسهم صفاته ، فقد استحسنهم و أحبهم و أمرهم بدعوة الآخرين حتي يصير كلّ من يقبل مثلهم صاحب صفات الله المحبوبة ، بل يكون في مقامه صفة لله تعالي و يصير محبوبه و الإنسان الواقعي ، الذي هو محبوب لله ، هم الأنبياء المبرّؤون من النقصان و الذين هم علي الوجه الذي كان يريده الله تعالي و كان غرضه و أولئك هم الإنسان الذي عناه الله بقوله : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ ● أي تركيب ، و ما لميصرْ أحد مثلهم فسيبقي ذلك الحيوان الناطق الذي كان ، و هذا ما يقوله الباري تعالي حول جماعة من الناس : ﴿ إن هم إلّا كالأنعام بل هم أضلّ ﴾ ● ، و حول جماعة أخري يقول : ﴿ [ص 8] كأنهم حمرٌ مستنفرة ، فرّتْ من قَسورة ﴾ ● . و لكنّ الباري تعالي جعل في هذه الحيوانات الناطقة استعداداً للانقياد و لركوب الإنسان ، و بعبارة أخري ، جعلهم أرضاً مستعدة لإنبات الإنسانية ، و بعبارة ثالثة جعلهم مساكن بُنيتْ لسُكني الإنسان و في خارطتها ، أُخذت بعين الاعتبار جميع أنواع الغرف لحوائجه ، و كل مرتبة منها تناسب سكني مرتبة من الإنسانية ، يكون ظاهره ، الذي هو بدنه العرضي العنصري هذا ، مسكناً لبدنه الأصلي ، و يكون باطنه ، أي مرتبة الفكر و الخيال و العلم و المشاعر النفسانية مسكناً لباطن بدنه الأصلي ، و إذا كان البيت تامّاً من جميع الجهات فسيكون مسكناً للإنسان الكامل يسكن فيه . و لكنّ هذه البيوت ليست تامة من جميع الجهات ، إذ إنّ أسباب الأرض و السماء التي بُنيت بها هذه البيوت كانت بعض الأسباب و كانت ناقصة و لميتم بناء جميع البيوت دون نقص ، ماعدا الأنبياء و الأولياء الذين صنعهم الباري تعالي كاملين بعنايته الخاصة و وضع الإنسانية فيهم و نزلت الإنسانية بجميع المراتب فيهم ، و لكنّ بقية البيوت بقيت غير تامة و يجب أن تتمّ ، كما يجب القيام بإصلاحات في ما تمّ صنعه سابقاً لتكون مناسبة لسُكني الإنسان و تؤمّن له جميع حوائجه و بمجرّد أن تتمّ ، فإنّ نور الإنسانية يحلّ فيها . إنّ نور الإنسانية موجود في جميع الأماكن و جميع الأوقات و ما دام ليس له مسكن فلنيكون له مكان للسُكني ، و بمجرد أن يتم العثور علي مكان نراه ينقل رحله إليه ، مثل المطر الذي ينزل من السماء ، إذا كانت هناك حفرة في مكان ما يتجمّع فيها ، و إن لمتكن فلايتجمّع ، أو نور الشمس الذي يشرق علي كلّ مكان ، إذا كانت هناك مرآة فإنّ صورة الشمس ستظهر فيها ، و إن لمتكن فلاتظهر ، أو النار الغيبية الموجودة [ص 9] في كلّ مكان و أي مكان يكون فيه استعداد ، مثل الشعلة ، فإنها تظهر فيه و تُظهِر نورها و حرارتها منه و أي مكان لايكون فيه استعداد فلنتظهر ، أو مثل الروح الحيوانية التي هي أيضاً موجودة في كلّ مكان إذا وُجد بدن يناسبها فستظهر فيه و تُظهِر أعمالها من خلاله و يحيي ذلك البدن و في أيّ مكان لايكون فيه ذلك البدن موجودا فلنتظهر فيه . الإنسانية أيضاً كذلك ؛ متي ما وُجد بدن و منزل مناسب لها فستظهر منه و تُظهِر منه أعمالها الإنسانية و ما لميوجد لها منزل مناسب فلنتظهر ، أو إذا كانت هناك مناسبة غير تامة فإنّ ظهورها أيضا لنيكون تاماً فيه ، مثل مرآة كدرة فإنّ الشمس أيضاً لاتظهر فيها بشفافية ، و كلما كانت أكثر صفاءاً و أكثر استواءاً كان فيها ظهور الشمس أكمل و أتمّ . و هذه الحيوانات الناطقة كذلك ، ما دامت لمتحصل علي الصفاء فلنيكون فيها نور من الإنسانية تقريباً و ليس للإنسان منزل في تلك البيوت ، مثل الأطفال غير المميزين أو مثل المجانين و أمثالهم و ما قلتُه هو تقريباً ، من هذه الجهة إنّ الأطفال بمجرد ولادتهم تظهر فيهم النفس الناطقة و لكنها لضعفها ليس لها أثر جدير بالذكر ، و لكن بمجرد أن يتغيّروا علي إثر العوامل الكونية و الأسباب الخارجية ، مثل أسباب الأرض و السماء و تربية الآباء و الأمهات و القريبين و يظهر فيهم تناسب أكثر مع الإنسانية يظهر فيهم ظهور أقوي للإنسانية و نور الباري تعالي و يتعقلون بهذا القدر أنّ لهم رباً ، و هذا التعقل هو من ذلك النور و ليس من المرآة ، و بسبب ظهور هذا النور الجزئي الشاحب فيهم ، يُطلق عليهم ، أي علي ذلك النور اصطلاحاً ، الإنسان الكوني و هذا هو الذي يكونون بسببه مكلفين و يُقال له عرفاً العقل و يُقال إنّ التكليف هو علي العقل و ما لميبلغ الطفل أو يعقل [ص 10] المجنون فلا تكليف عليه و مثل هكذا عقل و نور من الإنسانية موجود في عامة المكلفين و حتي في الكفار و المشركين ، حيث يقول تعالي : ﴿ و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولُن الله ﴾ ● و هذا الجواب هو من ذلك النور و ليس من المرآة و بعد ظهور هذا المقدار من الإنسانية في أحد تظهر فيه أهلية سماع الخطابات و لكن لسان هذه السماء و الأرض ألكن من أن يُلقي خطاباً أفصح و أدقّ ، و أذن هذه الإنسانية الضعيفة هي أثقل من أن تسمع شيئاً أكثر من هذا لذا يجب أن يكون اللسان أفصح و يجب معالجة هذه الأذن ليخرج خطاب الله من ذلك اللسان و تسمع تلك الأذن التي تمت معالجتها و صارت سميعة ، و لهذا خلق الله تعالي ، لتكميل صنعته ، أسباباً أخري غير هذه الأسباب الكونية و هم أنبياؤه الذين هم ألسنته الناطقة ، إذ جعل فيهم قابلية الإنسانية و مسكنها علي وجه الكمال و أظهر فيهم نوره ، أي الإنسانية ، بنحو أكمل ، و ذلك النور الذي هو نور الله تعالي و صفته ، نفس ذلك النور بيان لجميع أسماء الله تعالي و صفاته و إرادته و مشيته و ما يريده و هو يعرف كل شيء و يبيّنه علي نحو أتمّ ، مثل الشعلة التي صارت مسكناً لنور النار الغيبية ، و ذلك النور محيط بجميع صفات النار الغيبية و يبين صفاتها و يدعو الجميع إلي الاستضاءة و الحرارة التي هي صفة النار الغيبية ، و كما أن النور الذي سقط علي زجاجة حمراء ، مثلاً ، و عبر منها ، علي كل شيء يسقط يدعوه إلي الاستضاءة و الحمرة ، كذلك نور الله تعالي الذي سقط في قابليات الأنبياء و عبر منها علي شكل دعوة و وصل إلي الخلق يدعو إلي الإنسانية و إصلاح القابلية ، و شرايع الأنبياء جزء [ص 11] منها الدعوة إلي إصلاح القابلية ، و جزء منها الدعوة إلي الإنسانية و هاتان الدعوتان اللتان تصلان إلي أسماع قابليات أولئك الأناسي الكونيين تؤثران فيها و تُصلحان قابليتهم أولاً ، أي تجعلانها علي شاكلة قابليتهما و تجعلان منزل قابليتهم علي شاكلة منزل الإنسان و تجعلان نور الإنسانية ذاك فيهم و تلك القابليات الكونية التي جعل الله فيها استعداد الطاعة تطيع و بالنتيجة تظهر الإنسانية فيهم أكثر و يصيرون أكثر سماعاً ، و مرة أخري ، تصل أوامر أعلي و يطيعون و يصيرون أكثر سماعاً و يوماً بعد آخر تقوي إنسانيتهم و تصير أكثر شبهاً بالإنسانية الواقعية و تريد أن تقوم بأعمال الإنسان . و هي في ذلك البيت الذي نزلت فيه ، أي بيت الحيوانية الناطقة ، إذا رأت أنّ غرف ذلك البيت لاتناسب أعمال إنسانيتها فستقوم بتغييرها و تجعلها مناسِبة لحاجتها . ألاترَي مَن هو سخي الطبع و يحبّ الضيوف و لكن غرفة منزله ضيقة و لاتتسع لضيوفه يقوم بتخريب الغرفة الضيقة و يبني غرفة كبيرة تتسع لضيوفه و إذا لميوفّق لهذا العمل يبقي غير مرتاح و في عذاب و يكره تلك الغرفة الضيقة ؟ و الحال أنّ تلك الإنسانية كذلك ، حيث توجد في أشخاص ، و لأنها من شعاع النبيين و وجودها مخبر عن إرادتهم و عن العلم برضا الله تعالي تريد أن تعمل طبق ذلك العلم و تريد أن تقوم بأعمالهم ، أي تريد أن تعمل بشرايعهم ، فإذا كان بدن حيوانيتها الناطقة في المراتب الظاهرة أو الباطنة غير مناسب لتلك الأعمال و بواسطة ما فيه من حيوة يقاوم تلك الأعمال الإنسانية و يريد أن يتصرف بما يناسب انحرافاته الظاهرة و الباطنة و لايطيع و يريد أن يسير باقتضاء عادته و طبيعته و شهوته و غضبه و إلحاده و شقاوته فإنّ تلك الإنسانية التي هي من روح الله تعالي و تريد أن تكون أعمالها وفقاً لمحبة الله و محبة أوليائه ستكون في ذلك البيت في عذاب و [ص 12] تخاف إن تركت نفسها لتطيع مطالب ذلك الحيوان العنيد و تعمل بمقتضي ما يريده و تجعل نفسها بشكل ذلك الحيوان فإنّ ذلك العمل و ذلك الشكل الذي ظهرت به سيلازمها دائماً و يصير سجنها و جهنمها . و بما أنها تعلم أنّ الله تعالي عادل و أيّ شكل و صورة يتخذها الشخص لنفسه يجعلها جزاءه فإنّ الخوف من عدل الله يستولي عليها و تُصبح خائفة و هاربة و هذا هو ذلك العلم الذي يؤدي إلي الخوف من الله تعالي و هذه هي صورة الإنسانية التي هي من نور الشارع و هي من المعاصي نافرة و تلك التي لاتخاف من المعاصي و تطيع النفس الحيوانية الأمارة بالسوء ليست من نور الشارع و هي من ظل الشيطان . و لزيادة ذلك العلم ، مثل جميع أمور العالم ، يجب الاتجاه نحو أولياء الله تعالي الذين لديهم ذلك العلم بالفعل ، مثلما يتجهون ، لطلب النار ، إلي الشعلة التي توجد فيها النار بالفعل . و كلما عمل الإنسان بأوامر الشارع أكثر ظهر فيه نور الشارع المقدس أكثر و ازداد علمه و استولي عليه الخوف من المعاصي أكثر و صار معرضاً عنها و اتجه إلي جانب الشارع الذي أصل وجود إنسانيته منه و من نوره ، و من التوجه له يتقوي و يصير راجياً لفضله تعالي ، و هذا هو قولهم : الخوف و الرجاء جناحا المؤمن يطير بهما و يُصلح قابليته و يُخرب كلّ ما كان من بيت حيوانيته و لايناسب أعمال الإنسان و لايناسب سكناه و يبنيه بشكل يناسب بيت الإنسان و هذا هو أحد معاني ما قالوا : ﴿ موتوا قبل أن تموتوا ﴾ ، أي اخرجوا من حيوانيتكم تلك التي تظنون أنها بيتكم و أخربوها و أميتوها و ابنوها بشكل يناسب بيت الإنسان حتي يمكنكم أن تؤدّوا الأعمال التي هي علي شكل أعمال الإنسان في ذلك البيت و تصنعوا لأنفسكم بدناً من تلك الأعمال الإنسانية علي شكل بدن إنسان حتي [ص 13] ينفخ الله تعالي في ذلك البدن ، بمقتضي ذلك ، روحاً إنسانية من نور الشارع المقدس الذي هو من نور الله تعالي و بنوره تحيون ، حيث يقول سبحانه و تعالي : ﴿ استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ ● ، و ما لمتوجد تلك الروح في أحد ما فإنّ خوفه و رجاءه السابقين كانا بتكلف و عناء و لكنه تكلف يجب أن يُنجز حتي يستوي البدن و يصير علي شكل بدن إنسان . أمارأيت أنّ الطفل في الرحم لاتحلّ فيه الروح حتي تكون صورته علي شكل صورة الإنسان و تكتمل جميع أعضائه ، و كذلك تلك الإنسانية الكونية التي في رحم تلك الحيوانية الناطقة ما لميصبح شكلها بشكل إنسان شرعي و أعمالها و تعاملها مثله فإنّ روح الإنسانية الشرعية لنتحلّ فيها . إذن فطريق تحصيل ذلك العلم ، أي الإنسانية الشرعية ، هو أن يصنع الشخص نفسه ، و لو بعناء و تكلف ، بشكل إنسان شرعي كي تصلح قابليته و بدنه لتحلّ فيه تلك الروح و لتصدر تلك الأعمال منه بعد ذلك دون تكلف . و لظهور نور الإنسانية في كلّ واحدة من المراتب اسم ، ففي مرتبة تلك المشاعر التي ندرك بها الصور تسمّي نفساً ، حيث يكون عملها علماً و علامتها الخوف ، و تسمّي في تلك المرتبة التي ندرك بها المعاني عقلاً و عمله هو اليقين و علامته الرجاء ، و في مرتبة أعلي هي فوق الصورة و المعني و محيطة بهما تظهر حقيقة الإنسانية و تلك المرتبة يقال لها الفؤاد و عمله المعرفة و علامته المحبة ، و ما لمتظهر حقيقة الإنسانية في أحد ما فإن جميع علمه و يقينه و خوفه و رجائه يبقي مثل جسد دون روح ، و لكن ما لميتم إصلاح ذلك الجسد العديم الروح فلنتحلّ فيه الروح و ليس في وسع أحد تحصيل تلك الروح و يجب أن يمنّ بها الله [ص 14] تعالي و ما هو في وسعنا و موضع تكليفنا تحصيل الجسد ، أي تحصيل الخوف و الرجاء و لو علي وجه مجازي ، و بعد إصلاح هذا الجسد يصير هو لساناً داعياً يطلب تلك الروح من الله تعالي ، و الله ، حسب وعده ، إذ قال : ﴿ ادعوني أستجبْ لكم ﴾ ● ، يستجيب دعاء الجسد و ينفخ فيه روح الإنسانية و المعرفة و بعد ذلك تصدر منه جميع أعمال الإنسانية ، و من جملتها الخوف و الرجاء ، دون تكلّف . إذن ، يجب ، ابتداءاً ، تحصيل الخوف و الرجاء ، و أحبّ في هذا المقام أن أنقل لك ، يا من اتجهت للعمل إن شاء الله ، ما تفضل به مولاي المعظّم أعلي الله مقامه في كتاب طريق النجاة المبارك ● ، رغم طوله ، حتي تكون علي بصيرة في طيّ هذا الطريق .
قال : فطريق تحصيل الخوف التفكر في آيات الآفاق و الأنفس حتي يحصل العلم بالمقتضيات و قراءة القرآن و مطالعة أخبار العترة سلام الله عليهم و الاطلاع علي أحوال الأمم الهالكة و علي ما هلكوا به و أحوال القيامة و أهوالها و ما أُعد للعصاة بإخبار المخبرين الصادقين ( أي الرسول «ص» و الأئمة «ع» ) و النظر في الأخبار الواردة في النار و صفات جهنم و أنواع عذابها و ما أُعد فيها و التدبر في النفس ( أي النفس الأمارة بالسوء ) و أحوالها و مخالفتها مع أحباء الله و أوليائه و اتصافها بصفات مضادة لصفات الله . فإذا داوم الإنسان علي ذلك و أشعر نفسه الخوف و حملها عليه و علي البكاء و أرعبها تخاف حتي يصير الخوف لها ملكة و ذلك ( أي هذه الأعمال ) مما جعل الله من صنعها و أقدرها عليه فإذا اعتادت النفس بذلك خلق الله فيها روح العلم الخائفة الهاربة [ص 15] حتي تصير فيها بالفعل ثم يصدر الخوف عنها طبعاً و تهرب من المعاصي طبعاً و إحداث هذه الروح ليس من صنع النفس و إنما هو من صنع الله فإذا عمل هو بما في قدرته و أصلح القابلية فلا تعويق في صنع الله و خلق ما هو من صنعه بلا مهلة ﴿ فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ﴾ ● و ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ ● . و طريق تحصيل الرجاء التفكر في آيات الآفاق و الأنفس حتي يحصل اليقين بالمقتضيات و قراءة القرآن و أخبار العترة الطاهرة و ما وعدوا بالجميل المؤمنين و الموالين لهم و التدبر فيمن نجي بما نجي و مشاهدة الفضل الشامل له من بدو كينونته إلي وقته و النظر في الأخبار الواردة في عفوه ( الله تعالي ) و فضله علي المؤمنين و صفحه و مغفرته و أحوال الجنان و صنوف نعيمها و لذاتها و ما أعد فيها لهم . و طريق تحصيل الحبّ النظر في إحسان الله إليه أولا فإن القلوب جُبلت علي حبّ من أحسن إليها و بغض من أساء إليها ، ثم التفكر في أنواره و جماله و حسن خلقته و حكمته و حسن ما دعا إليه و حسن أوليائه و أنبيائه و كمالاته و كمالاتهم فإن القلوب مجبولة علي حبّ الجميل و الكامل . و اعلم أن المعرفة و الحبّ و التقرب من عمل الفؤاد و كل ما سواه من المراتب إذا حصل مثل ذلك ( أي المعرفة و الحبّ ) بالرياضة و المشقة و التطبع فليس بمعرفة و لا حبّ و لا تقرب و إنما هي صور كما أن الحمار إذا ذُهب به إلي مكة فلميقصد الحمار مكة و لميحج و ليس له ثواب الذهاب إلي مكة و إن كان صورة عمله الذهاب إلي مكة كذهاب الإنسان و الثواب للراكب بالذات و إن نال الحمار نائل فهو [ص 16] بالعرض و التبع . و اليقين و الرجاء و الطلب و عبادة الرحمن و كسب الجنان من شأن العقل و عمله و النفس و إن تطبعت بذلك و صار كل ذلك ملكة لها فليس عملها بيقين و لا رجاء و لا طلب و لا عبادة و لا كسب و الفرق بين عملها و عمل العقل كما مثلنا و كنحت خشبة علي هيئة الحية فهي ليست بحية و ليس لها سم و لا حيوة و إنما هي صنم منحوت لايضر و لاينفع و إن نالها نائل بهذا التطبع فبالعرض و بالتبعية . و العلم و الخوف و الهرب من شأن النفس و ليس ذلك من شأن الجسم فإن صورته بهذه الصور فليس صورته بعلم و لا خوف و لا هرب و إنما ذلك هيئة صنمية ألاتري أن من صفر لونه بالزرير ● و بزق حتي جفّ فمه و شفاهه و أرعش أعضاءه بسرعة و عدا و ألقي نفسه في كل خطوة علي الأرض و أظهر البهت أنه ليس بخائف و لا مدهوش و إنما الدهشة و الخوف أمر طبعاني نفساني ليس بصورة مصنوعة ، و لو نطق لسانه بالعلم كالببغاء ليس بعالم و انما العالم من تصور العلم و عرف معني ما يقول و كذلك لو أنّ الإنسان صام نهاره و قام ليله و بكي بكاء الثكلي و قرأ القرآن كل ليلة تمامه قائماً و سكن المقابر و هجر العمران ليس بعابد و إنما العابد العقل فان كان فهو العابد و إلا فلا ثواب له و إن ناله بعض الراحة في الدنيا و كذلك أرباب النفوس لو عملوا هذه الأعمال ( أي أعمال العقل ) و حصلوا بمجادلاتهم بعض صور اليقين و أثبتوا الفضل لله سبحانه و أثبتوا وجوب الطلب و تكلفوا فليسوا بعابدين و لا مشاهدين الفضل و لا من أهل اليقين و إنما يقينهم بانقطاع حججهم و لو وجدوا طريق احتمال و شبهة [ص 17] لارتابوا و ينتقلون في الحالات من يقين علي زعمهم إلي الشك ثم إلي الظن ثم إلي الوهم و كل ذلك لأنه ليس لهم عقول و إنما هو ( يقينهم ) ظل الطير في الأرض و الطير في الهواء فلأجل ذلك لايجدون لذة الطاعة و الذكر و القرآن و إن كانوا يلوكونه بين لهواتهم و لايجدون لذة الرجاء ، و الصنم لايجد لذة الجلوس علي السرير و إن كان جالسا علي السرير و كذلك أرباب النفوس و العلوم لايجدون لذة اليقين و العبادة و الرجاء ، كيف و هم يتكلفونها و يتعبون فيها و أي لذة في الكلفة ؟ و ليس لأولئك ثواب و إن كان ينالهم بعض النصيب تبعاً و كذلك أرباب العقول و إن تكلفوا المعرفة و الحب و القربة و إيثار المحبوب و الإعراض عما سواه و صرف جميع العمر في خدمته و التوكل عليه و الرضا و التسليم له و كل ما هو شأن الفؤاد فإنما جميع ذلك نفخ في غير ضرام ( أي دون فائدة ) و لا أجر له و لا ثواب إلّا شيء قليل و ليس ما حصل بمعرفة و لا حبّ و لا قربة و لا إيثار و إنما ذلك كتمثّل البدن بمثال الخائف و ليس بخائف ألاتري أنّ من منع عينه الرقاد و قصر نظره علي رجل و تعمد ترك الأكل و الشرب حتي نحل بدنه و اصفر لونه و لميحوّل عينه عنه و لزمه لزوم الظل لذي الظل و تنفس كل ساعة صعداء و ترك الأهل و الأولاد و جميع أهل الوداد عمدا و قصر نظره علي ذلك الرجل إنّه لايكون محبا و لا عاشقا له البتة ما لميكن في نفسه حبّ غالب بالغ شغافَ قلبه ، فكذلك النفس أو العقل إذا تصورا بصورة الحبّ أو نطقا بصورة المعرفة و بألفاظها و آثرا ربهما علي كل من سواه واقعاً ليسا بحبيبين و لا عارفين و لا مؤثرين له سبحانه البتة و إنما [ص 18] ذلك طباع الفؤاد و شأنه و سجيته إن كان موجوداً في الرجل كانت هذه الأمور فيه بالحقيقة و إلا فهي بالصفة . اعتبر من قوله تعالي ﴿ قالت الأعراب آمنّا قل لمتؤمنوا و لكنْ قولوا أسلمنا و لمايدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ ● و مدح قوماً تحقق فيهم روح الإيمان فقال : ﴿ أولئك الذين كتب في قلوبهم الإيمان و أيّدهم بروح منه ﴾ ● و قال : ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴾ ● و قال : ﴿ إنّ في ذلك لذكري لمن كان له قلب ﴾ ● فالدرجة الدنيا إذا اتصفت بصفة العليا بالمجاهدة تسمي مسلمة إذا أسلمت و انقادت و ليست بمؤمنة و إنما الإيمان طباع روح الإيمان لا غير ﴿ فإن تابوا و أقاموا الصلوة فإخوانكم في الدين و مواليكم ﴾ ● فافهم و جاهد في إصلاح القابلية الذي في مكنتك و صنعك حتي يمنحك الله ما في صنعه و ضمنه فيا حبيبي لأجل ذلك لاينتفع أغلب الناس بعلومهم و إظهارهم الخوف و بيقينهم و إظهارهم الرجاء و بمعارفهم و إظهارهم المحبة و لايورث صورة علمهم خوفاً و لا صورة يقينهم رجاءاً و لا صورة معارفهم حباً أبداً أبداً و إن هم فيها إلا كالببغاء أو كالنقش في الحائط و الصنم . اللهم إني أسألك بحق حقك و بحقيقة أوليائك صلواتك عليهم أجمعين أن تحقق فينا علماً بك و يقيناً فيك و معرفة لك و تلحقنا بالصالحين يا أرحم الراحمين آه آه كم من صنم نحتناه و كم من صورة بلا معني نقشناها ثم أُعجبنا بها عجباً و بطرنا بها بطراً و فخرنا بها فخراً و ﴿ [ص 19] مثل الذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتي إذا جاءه لميجده شيئا و وجد الله عنده فوفّاه حسابه و الله سريع الحساب ﴾ ● ، فنحن و إن لمنكفر بالله جل و عز كفر الجحود كفرنا نعمته و لمنشكره حق شكره فأعمالنا كالسراب أو ﴿ كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف لايقدرون مما كسبوا علي شيء ﴾ ● ، اللهم عفوك عفوك عونك عونك انظر كيف زين للناس أعمالهم فيعملون السيئات و يحسبون أنهم يحسنون صنعاً فمن كانت محاسنه مساوي فكيف يكون حال مساويه و من كانت حقائقه دعاوي فكيف يكون حال دعاويه بالجملة إن الذي جعله الله في صنعنا هو نحت هذه الأصنام و تصوير هذه النقوش علي ظواهرنا لإصلاح القابلية و أما المنحة بالحقايق فهو من شأن خالق الخلائق فنحن إذا صنعنا ما في وسعنا و مكنتنا و ذلك أيضا بحول الله رجونا الله سبحانه حسب وعده أن يصنع ما في صنعه و لايقدر عليه غيره فإنه لا مانع من قبله و لا عذر و لا عائق و إن كان له أن يعطي و يمنع لايكون لأحد عليه حق و لكن لا بخل فيه و لا شح و لا مانع من قبله كما تري من أن المولود إذا تصور في بطن أمه بصورة البدن التام أنشأه الله خلقا آخر و أوجد فيه الروح و لما تولد تاما كاملا أوجد الله فيه النفس الناطقة فكذلك إذا أصلحت ظاهرك باتباع الدعاة إلي الحق صلوات الله عليهم و تصورت بصورتهم أصلح الله سريرتك و خلق فيك روح الإيمان ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ ● كما خلق في العاصين روح الكفر و اللعنة و القسوة و قال : ﴿ بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية ﴾ ● و الظاهر الصالح لسان داع من الله إصلاح الباطن [ص 20] ﴿ قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ﴾ ● ﴿ ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾ ● ﴿ و إذا سئلك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ﴾ ● ، فجعل الدعاء استجابة لدعوته جل جلاله حيث قال ادعوني و الله أجلّ من أن تستجيب دعوته و لايستجيب دعوتك و أمر بتصديق أنه يجيب فقال فليؤمنوا بي فعدم التصديق كفر به و جعل ثمرة التصديق و ثوابه الرشاد فمن لميصدق هو أهل الضلال فلا بد لنا أن نطيع آلمحمد عليهم السلام و نتصور بصورتهم حتي يُفاض علينا بحسبنا من الروح ما أُفيض عليهم بحسبهم ﴿ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ● ﴿ إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ﴾ ● فافهم يا حبيبي راشداً موفقاً .
تمّ النقل ، و هو باب من العلم يُفتح منه ألف باب و حاصله هو أنّه يجب ، ابتداءاً ، عن طريق اتباع محمد و آلمحمد عليهم السلام و العمل بأوامرهم ، و إن صاحب ذلك كلفة و مجاهدة ، القيام بإصلاح القابلية ليمنّ الله تعالي بروح العلم و الإيمان و المحبة ، و الله تعالي يمنّ بذلك حسب وعده .
و لتتميم الإرشاد ، و من باب حق الأخوّة ، سأعرض ، بالتصريح ، ما جاء في أقواله (اع) بالإشارة ، حيث إنّ أسهل الطرق و أكثرها تأثيراً في إصلاح القابلية معاشرة من أصلح قابليته و حلّت فيه روح الإيمان ، و إذا أردت أن تحصّل التوفيق للخوف فجالس من كان خائفاً من الله ، و لتحصيل الرجاء جالس من يرجو فضل الله تعالي ، و لتحصيل المحبة جالس من يحبّ الله و يحبّ [ص 21] أوليائه ، و هو قول عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام للحواريين : ﴿ جالسوا مَن يذكركم اللهَ رؤيتُه و يزيد في علمِكم منطقُه و يرغّبُكم في الآخرةِ عملُه ﴾ . و إذا وجدتَ مثل ذلك الشخص و عاشرته و أحببته و أقبلت عليه و جعلته قدوة لك و أصلحت قابليتك بالعمل فقد حصلت علي كيمياء السعادة و بحول الله و قوته يتحول نحاسك إلي ذهب إن شاء الله و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
السؤال الثالث - ما معني قولهم عليهم السلام : كلُّ يومٍ عاشوراء و كلُّ أرضٍ كربلاء ؟
الجواب - هذه العبارة مشهورة علي الألسنة و الأفواه و ذُكرت في كتب العلماء و أقوال المشايخ أعلي الله مقامهم أيضاً و باحتمال قريب من اليقين هي لفظ حديث ، و لكنني ، بما قمتُ به من تتبّع قليل ، لمأره في كتب الأخبار ، و لكنّ معناها صحيح و موافق لعمومات أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام و أقوال المشايخ أعلي الله مقامهم و كلّ أمر حقٍّ بأيّ لسان يتمّ بيانه فهو منهم و هنا بعض المعاني الصحيحة التي ظهرت لي سأقوم بعرضها . فأقول : كلّ واقعة تقع في هذا العالم يتمّ تسجيلها بالمكان و الزمان و جميع ما يضاف إليها في لوح الارتسام الذي هو من عالم الدهر ، حيث يقول فرعون لموسي علي نبينا و آله و عليه السلام : ﴿ فما بال القرون الأولي ﴾ ● أي الأقوام الماضية ، فقال موسي (ع) : ﴿ علمها عند ربي في كتاب لايضلّ ربي و لاينسي ﴾ ● و كتاب الله ذلك يُسمّي في اصطلاح الحكمة بلوح الارتسام و في ذلك الكتاب ؛ في كل ورقة منه يتمّ تسجيل شيء ، حيث يتم تسجيل صورة الحادثة في ورقة و في ورقة أخري معناها و في ورقة ثالثة حقيقتها و [ص 22] ليست تلك الأوراق منفصلة عن بعضها البعض ، بل هي معاً ، مثلما تشاهد مواد الأشياء و صورها معاً ، و في حال وقوع كلّ حادثة نشاهدها ، يُقال كذلك إنّ كلّ واحدة من الصورة و المعني و الحقيقة في ورقة من أوراق ذلك الكتاب . و حقيقة كلّ شيء فوق مقام صورته ، و هي ليست مقيدة بمكانه و لا بزمانه ، و نسبته إلي جميع الأمكنة و الأزمنة علي السواء ، و متي ما وُجِدت ، في زمان و مكان آخرين ، صورة مثل صورة ذلك الشيء أو تلك الواقعة فإنّ تلك الحقيقة يظهر شبحها في تلك الصورة و يصير ذلك الشبح معني تلك الصورة الجديدة و هذه الصورة و هذا المعني اللذان ظهرت فيهما حقيقة تلك الصورة و المعني الأوليان يُدعيان بنفس الاسم . عليّ أن أضرب لك مثلاً كي تلتفت إلي المبحث إلي حدٍّ ما ، فمثلاً رأيت في يوم الجمعة زيداً كان يصلي في المسجد ؛ تلك الواقعة بزمانها و مكانها مسجلة عيناً في لوح الارتسام و صارت كلمة من كلمات كتاب علم الله الحادث و تم تسجيل حقيقة تلك الواقعة في نفسك و صارت ، كما يُقال ، ملكة في نفسك . ثم في يوم السبت ، في بيتك ، و لأسباب مختلفة من قبيل المقارنات التي كانت مع تلك الواقعة ، تحصل صورتها في خيالك و ملكة نفسك تلك تظهر فيها فتظهر صورة تلك الواقعة و معناها في خيالك و تتذكر تلك الواقعة و تستعمل نفس الأسماء لما في خيالك و تقول في خيالك : رأيتُ زيداً في يوم الجمعة يصلي في المسجد ، بينما لمتأت جمعة الأمس تلك لتقع في يوم السبت و لميأت ذلك المسجد إلي بيتك ، و مع ذلك بما أنّ في خيالك مثل تلك الصورة و ذلك المعني فهما يسمّيان بنفس الاسم و يجب أن يكون لهما ، في الواقع ، نفس الاسم . و الآن ، لو أنّ [ص 23] صورة ظهرت خارج ذهنك في هذا العالم ، مثل صورة واحدة من وقايع الماضي فإنّ حقيقة تلك الواقعة تظهر في تلك الصورة و يظهر معناها و تُدعي بنفس الاسم . و من جملة وقايع الماضي واقعة كربلاء التي هي بهذه الصورة : حارب جمع من أهل الحق جمعاً من أهل الباطل و استشهدوا علي أيديهم ، و كان اسم ذلك اليوم عاشوراء و اسم تلك الأرض كربلاء ، و الآن ، في كلّ أرض و زمان آخر تظهر تلك الصورة فإنّ تلك الحقيقة تظهر فيها و تُدعي بنفس الاسم ، و أنت ، عند ما تنظر في أيّ مكان و زمان تري أنّ هناك أهل حق و أهل باطل ، و أنّ أهل الحق ، علي الظاهر ، مغلوبون من قبلهم و يطلبون من المؤمنين نصرتهم . و تظهر حقيقة المؤمنين التي هي سيدالشهداء عليه السلام في أهل الحق ، و تظهر حقيقة أهل الباطل التي هي رؤساء الظلم و الجور في أهل الباطل ، و هما في صراع ، كما أنّ هاتين الحقيقتين كانتا في ذلك اليوم المعين ظاهرتين في تينك الجماعتين ، و عليه فإنّ كلّ أرض هي كربلاء و كلّ زمان عاشوراء ، و إنّ دعوة أهل الحق هي نفس استنصار سيدالشهداء عليه السلام ، حيث يقول : ﴿ هل من ناصر ينصرني ﴾ و كل من يدخل في المؤمنين و يساعدهم و يحارب أهل الباطل فهو من أنصار الإمام الحسين عليه السلام و كل من يدخل في أهل الباطل و يعادي المؤمنين و يرضي بفعل قتلته فهو من قتلة سيدالشهداء عليه السلام ، حيث روي في تفسير قوله تعالي خطاباً لليهود : ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات و بالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ ● عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه كان بين المخاطبين بهذا القول و بين القائلين ( القاتلين [ص 24] ظ ) خمسمئة سنة ، فسمّاهم الله قاتلين بسبب رضاهم بفعل أولئك .
السؤال الرابع - ما معني قولهم الصراط في هذه الدنيا ؟
الجواب - في حديث عن المفضّل بن عمر أنّه قال : سألت أباعبدالله عليه السلام عن الصراط فقال : ﴿ هو الطريق إلي معرفة الله عز و جل ، و هما صراطان : صراط في الدنيا ، و صراط في الآخرة . و أما الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة ، من عرفه في الدنيا و اقتدي بهداه مر علي الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة ، و من لميعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردي في نار جهنم ﴾ . أقول : جاءت في معني الصراط أحاديث متعددة بألفاظ مختلفة كلها ، في الواقع ، واحدة ، و لكن من لميفهم الواقع يري بينها اختلافا ، و قد بيّن مولاي أعلي الله مقامه معاني الأحاديث الواردة في هذا المبحث في كتاب إرشاد العوام المبارك بالتفصيل ، و لو كنت قد طالعت الكتاب بدقة لمااحتجت إلي السؤال ، و لكن من باب لكلّ سؤال جواب أذكر لك معني نفس الحديث الأول الذي عرضته باختصار و أحيل التفصيل علي ذلك الكتاب المبارك .
قال : هو الطريق إلي معرفة الله . و أنت تعرف أنّ معرفة ذات غيب الغيوب ممتنعة بالنسبة للخلق و ليس لديهم طريق إلي ذلك ، و لأنّ الخلق عاجزون عن معرفة ذات الله تعالي ، تجلّي الله في مقام الخلق و جعل الطريق إلي ذلك طريقه و جعل معرفة صفاته التي أظهرها بواسطة ذلك التجلي معرفته ، و تلك الصفات هي محمد و آلمحمد عليهم السلام و لذلك نقرأ في الزيارة : ﴿ من عرفكم فقد عرف الله ﴾ . إذن فالطريق إلي معرفة الله هو الطريق إليهم ، و لكن بما أنهم بذواتهم الشريفة واقعون في أعلي الخلق و نحن دون درجتهم و لايمكننا الوصول إليهم [ص 25] و لانستطيع الارتقاء إلي أعلي من مقامنا و لو بمقدار ذرّة واحدة قدّر الله تعالي أن ينزّل أنوارهم إلي مراتب الخلق لتصل إلي جميع الخلايق و يُدرك كلّ مخلوق نفس النور الذي وصل إليه و يحصّل به معرفة صاحب النور ، مثل الشمس التي في السماء و ليست في متناول أيدينا ، لو لميكن لها نور أصلاً لمااستطعنا إدراكها و الشعور بها ، و لكن بما أنّ لها نورا و قد وصل إلينا و ندرك ذلك النور نشعر بوجود الشمس في السماء و الاسم الذي نطلقه علي الشمس هو اسم نفس النور الذي وصل إلينا أو ، بنظر أدقّ ، ذلك النور نفسه هو اسم الشمس الكوني و كلمة شمس التي نطلقها عليها هي اسمها اللفظي أو اسم اسمها . و علي كلّ حال فإنّ كلّ خبر عندنا عن الشمس هو عن طريق نورها ، بل نفس ذلك النور هو خبر الشمس و كلّ معرفة لدينا حول الشمس هي معرفة بالصفات الموجودة في هذا النور ؛ فلو لميكن هذا النور حاراً لماعرفنا أنّ الشمس حارة ، و لو لميكن مضيئاً لماعرفنا أنّ الشمس مضيئة ، و لو لميكن أصفر لماعرفنا أنّ الشمس صفراء ، و كذلك معرفتنا بآلمحمد عليهم السلام هي بهذا الطريق ، حيث يجب أن يصل إلينا منهم نور لندرك صفاتهم فيه و نعرفهم و إذا لميصل إلينا ذلك النور فلننعرفهم و لننعرف الله بالتالي و كمال المعرفة هو أن يظهر ذلك النور في بواطننا مثل الشعلة التي حصل في باطنها نور النار الغيبية و حصّلت الشعلة كمال المعرفة بالنار و لمتعد تري نفسها و جميع ما تراه هو النار ، أما الجدار الذي وقع عليه نور النار و لمينفذ إلي باطنه فلميحصل علي كمال المعرفة فمرّة يري نفسه و مرة يري النار و ذلك الجسم الذي لميحصل نور لا في باطنه و لا علي ظاهره و هو في الظلام ليست له أيّ معرفة بالنار و لا علم له [ص 26] بها . و كذلك الخلق ، ابتداءاً كانوا جميعاً في الظلام و ماكانت لديهم معرفة بربهم و ماكانت لديهم تلك القابلية ليحصل في بواطنهم نور الله ، أي نور آلمحمد عليهم السلام ، و لهذا خلق الله تعالي ، لتعريف نفسه ، قوابل مستعدة بين الخلق لها قابلية حكاية ذلك النور . و جعل تلك القوابل لباساً لأولئك الأشراف في ما بين الخلق و تلك الوجودات البشرية للأنبياء و القادة الذين كان نور محمد و آلمحمد عليهم السلام ظاهراً فيهم بشكل أو بآخر . و أعطي أكمل تلك القوابل التي كانت تحاكي ذلك النور الأعلي من جميع الجهات اسم ذلك المقام الأعلي و سموا بذلك الاسم ، مثل نور الشمس الذي يُدعي باسم الشمس و تلك القوابل الكاملة هي الوجودات البشرية للنبيّ صلي الله عليه و آله و الأئمة الأطهار و فاطمة الزهراء عليهم السلام الذين هم قادتنا و أئمتنا و كان نور الله و صفاته جميعاً ظاهرة فيهم مثل الشعلة التي تظهر فيها جميع صفات النار الغيبية و صارت اسماً للنار الغيبية و لهذا يقولون للشعلة أيضاً نار . لذلك ذكر الله نبيّه في كتابه باسم السراج المنير ، أي أنّ الوجود المبارك للنبي مصباح تشعّ منه أنوار الله و صفاته ، إلّا أنّ تلك الأنوار و الصفات تظهر في كلّ مرتبة من مراتب وجوده (ص) بنحو من الأنحاء ؛ فتظهر في المرتبة الدنيا علي شكل هذه العبادات الظاهرة التي كان يقوم بها صلي الله عليه و آله جميعاً ، و تظهر في مرتبة نفسه المقدسة علي شكل الأخلاق الحسنة و العلوم و غيرها من الصفات النفسانية ، و تظهر في مقام عقله صلي الله عليه و آله علي شكل عبودية الرب ، و تظهر في مقام فؤاده صلي الله عليه و آله علي شكل معرفة الله و حبّه ، و قد جعله الله تعالي نموذجاً لنا لنتأسّي به صلي الله عليه و آله ، أي أن نعرفه بالصفات الإلهية [ص 27] التي وضعها الله فيه و أن نتصف نحن بتلك الصفات لنحصل علي معرفة الله تعالي بشكل واقعي و الطريق المؤدّي إلي كسب هذه المعرفة اسمه الصراط . و قد تكون لاحظت في تقريرات المشايخ أعلي الله مقامهم هذه المسألة ، و هي أنّ الطريق الواقعي بيننا و بينه صلي الله عليه و آله و الأئمة الأطهار عليهم السلام هو شيعتهم ، حيث يقول تعالي : ﴿ و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و أياما آمنين ﴾ ● و في تفسير الآية الشريفة ، ورد في الحديث أنّ المراد من القري المباركة الأئمة الأطهار عليهم السلام و المراد من القري الظاهرة الرسل و النقلة و شيعتهم و المراد من السير فيها أخذ العلم منهم ، و عليه فإنّ القري في هذه الدنيا هي الصراط إلي الله تعالي الذي من يسير عليه يصل إلي الجنة و في انتهائه يصل إلي لقاء ربّه ، أي لقاء النبي صلي الله عليه و آله الذي هو وجه الله . و قد ورد في الأحاديث أنّ السائرين علي الصراط يرونه علي الصراط و كلّ من لايذهب من هذا الطريق و لايسير في تلك القري الظاهرة التي هي الطريق إلي معرفة الله تعالي يضلّ و يذهب إلي جهنم ، إذن فهم ذلك الصراط الذي في الدنيا ، و لأنهم يحكون نور الإمام عليه السلام و يروونه يصيرون قدوة السائرين و هؤلاء القادة هم الصراط المستقيم إلي معرفة الله ، و لأنّ أمور الآخرة كلها حقايق أمور هذه الدنيا و يجب أن يوجد شيء في هذه الدنيا حتي توجد له حقيقة في الآخرة فإن كلّ من يسير علي هذا الصراط في الدنيا فستظهر حقيقة نفس هذا الصراط و نفس هذا السير في الآخرة . و السير علي صراط الآخرة ليس واقعة منفردة و إنما هي حقيقة نفس هذا الصراط و نفس هذا السير . كان هذا واحداً من معاني الحديث الشريف و إذا تتمعّن في كتاب إرشاد العوام المبارك فستفهم أنواع المعاني له التي ذكروها في الأخبار و إن شاء الله ستفهم أنّ مرجع جميع المعاني هو واحد .