[ص 28] السؤال الخامس - ما معني قولهم : ﴿ من عرف نفسه فقد عرف ربه ﴾ و ما معني أنّهم ( يجعلون الضمير في نفسه راجعاً إلي الله تعالي ، أي كلّ من عرف النفس التي نسبها الله إليه من باب التشريف فقد عرف ربّه ) ، و الحال أنّهم قالوا في معرفة ربّ العالمين : ﴿ سبيل الله شيعتنا ﴾ و جاء في الموعظة : ( والآن كيف يمكن تحصيل الولاية و بأية قاعدة ، بينما لاتوجد مناسبة بين هذا الخلق و الأئمة الأطهار عليهم السلام ؛ لايوجد أحد من جنسهم و لايوجد لهم شبيه و لا نظير و لايناسبهم أحد بوجه من الوجوه ، إذن فمحال عقلاً أن تحصل لك ولايتهم و لكن ولايتهم هي ولاية أوليائهم . بينك و بين أوليائهم توجد مناسبة ، فإذا كان الخلق لايناسبونهم فهم يناسبون شيعتهم ) .

الجواب - هناك أحاديث متعددة من طريق الشيعة و السنة بمضمون هذا الحديث ، و لا شكّ في أصل الحديث إلّا أنّهم اختلفوا في معناه و كلّ منهم شاهد زاوية من المبحث و ظنّ أنّها تمام المبحث ، مثلا قالوا إنّ هذا موكول إلي المحال ؛ فمعرفة النفس محال و كذا معرفة الله محال أيضاً و أوكلوا هذا المحال إلي ذلك المحال ، و لكنّ هذه و أغلب المعاني التي قالوا بها ناشئة من قلّة العلم بأقوال الله و الرسول و الله تعالي لايكلّف الخلق بأمر محال و قال : ﴿ لايكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ ● ، و لو كانت معرفة الله مستحيلة لماكلّف الخلق بها ، و الآن و قد كلّف يُعلم أنّها ليست مستحيلة و يجب فهم المراد منها . أمّا معرفة ذات غيب الغيوب فمن المسلّم به أنّها غير مرادة و لايقدر أحد من الخلق علي درك الذات و الطريق إليها مسدود و ه [ص 29] و قول أميرالمؤمنين عليه السلام : ﴿ رجع من الوصف إلي الوصف ﴾ إلي أن يقول : ﴿ و دام الملك في الملك و انتهي المخلوق إلي مثله و ألجأه الطلب إلي شكله ﴾ إلي أن يقول : ﴿ السبيل مسدود و الطلب مردود ﴾ ، و قول الإمام الصادق عليه السلام ﴿ كلّ ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مثلكم مردود إليكم ﴾ و قول أميرالمؤمنين عليه السلام ﴿ إنما تحدّ الأدوات أنفسها و تشير الآلات إلي نظائرها ﴾ ، و علي هذا فنحن غير مأمورين بمعرفة ذات الباري تعالي و ما أمروا به هو معرفة الله بصفاته و هو في مقدورنا . و هذا هو قولهم في حديث ﴿ من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة ﴾ و أصلاً معني المعرفة هو معرفة الصفات و معرفة الذات كلمة لا معني لها ، ألاتري أنك قد رأيت الشمس فيقال إنك حصلت علي معرفة بها ؛ ماذا رأيت و ماذا أدركت ؟ هل جاءت الشمس بنفسها في عينك و نفذت إلي مخّك و وجدتها ، أم أنّ نورها الحامل لصفاتها جاء إليك ، فلم‌تأت الشمس بنفسها و لو أنها جاءت إليك لأحرقتك قبل أن تصل إليك . إذن نورها هذا و صفاتها هذه هي التي جاءت إليك و أنت أدركت هذه الصفات و اسم إدراك هذه الصفات معرفة الشمس و تسمّي هذه الأنوار شمساً و يُقال ، شرعاً و عرفاً ، إنّك حصلت علي معرفة بالشمس . ثمّ إنّ هذه المعرفة التي حصلت عليها كانت معرفة حسب مقدرتك و لم‌تكن تمام معرفتها الواقعية ، فمن حرارتها التي تصل إلي بضعة ملايين درجة وصلتك عشر أو عشرون درجة و من إضاءة تعادل بضعة ملايين من الشموع وصلك هذا المقدار الجزئي و أحسست به و لم‌تُدرك حرارتها الواقعية و لا نورها الواقعي أبداً ، و كذلك في نفس مراتب نورها و شعاعها التي يجب معرفتها فيها لايتيسّر لك سوي هذا المقدار الجزئي [ص 30] ، و لو أنك أُخذتَ إلي كوكب عطارد لتتعرّف من هناك إلي صفات الشمس عن طريق نورها و تحصل علي معرفة أكثر لأهلكتك حرارتها و لأعماك نورها ، و الحال أنّ الأمر في معرفة الله هو كذلك ؛ أولاً معني معرفته معرفة صفاته ، أي ذلك المقدار من الصفات الذي يكون إدراكه قابلاً لتحمّلك و في نفس مقام الصفات هذا ، صفات أعلي من حدود مشاعرنا لايتيسّر لنا دركها ، فمثلاً محمد و آل‌محمد عليهم السلام الذين هم أسماء الله و صفاته ، إنهم من الصفات العالية التي لايتيسّر لنا دركها أبداً . أماسمعت قول أميرالمؤمنين عليه السلام ، حيث يقول : ﴿ ظاهري إمامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايُدرك ﴾ ، و ذلك المقدار من صفات الله الذي نحن مأمورون بمعرفة ربنا به هي صفات في رتبتنا و قابلة لإدراكنا و أكثر من هذا ليس في وسعنا و لسنا مكلفين به . و هذه الصفات التي وصلت إلينا فرع و نور لتلك الصفات العالية التي هي خارجة عن إدراكنا ، مثل هذا المثل الذي ذكرتُه ؛ بعد أن عُلم أنّ معرفة الشمس هي إدراك و معرفة نور الشمس و ذلك العمود من النور الذي جاء من الشمس حتي وصل إلي عينك ، ما أدركته منه هو نهاية عمود النور و لم‌تدرك حتي ذرة واحدة أعلي منها و أدركت نهاية العمود تلك ، و الحال أنّ جميع توصيفاتنا راجعة إلي نهاية عمود الأوصاف ، جميع القدرات ، جميع العظمات ، جميع الكبرياءات ، جميع العلوم ، جميع الواحديات ، جميع الأحديات ، و جميع و جميع ما تدركه ، هي التي تكون موجودة في نهاية العمود تلك و أعلي منها في الملك و فوق وجودك كثير ، و لكنه ليس في متناول يدك و لايخطر علي بالك و لاتحسّ بشيء أعلي مما وصل إليك و لست مكلفاً بأكثر منه ، و أنت مكلف فقط بما وصل إليك و هو [ص 31] بمقدار وسع نفسك ، مثل إناء ماء يسع منّاً و قد مُلئ من ماء البحر فهو لايفهم من كلّ عظمة البحر إلّا بمقدار منّ و لايدرك منّين و لا ثلاثة أمنان و لا ألف منّ و لا ملايين الأمنان من ماء البحر و لايتوهم أنّ هناك أكثر من منّ في الدنيا و لايتوهّم كثرة أصلاً ليتوهّم كينونتها ، و الحال أنّ إناء نفسنا كذلك ، يُدرك من تلك الصفات بقدر سعته و لايتوهم أكثر منها و يتصور أنّ نهاية الكثرة هي سعته و لكن نفس هذا الذي وصل إليه و استقرّ فيه هو غيره و الإناء غير الماء و الغير لايعرف الغير و الإناء لايعرف الماء و الماء هو الذي يعرف الماء و ما دام إناء نفسنا لم‌ينسَ إنائيته فلن‌يعرف الماء و ما لم‌ننسَ أنفسَنا فلن‌نعرف الله و ذلك نور الله الذي يعرف الله ، و حقيقة الإنسانية التي في المؤمنين هي نور الله ذاك و يجب معرفة الله بذلك النور و هو تلك النفس التي من عرفها فقد عرف ربه و ذلك النور صفة الله تعالي و سطع من الأنوار العالية التي هي فوقه و تلك أنوار صفات الله العليا ، أي محمد و آل‌محمد عليهم السلام و الشيعة سموا شيعة بسبب أنّهم شعاعهم و تلك النفس التي عرفت نفسها و عرفت ربّها هي كلها من شعاع تلك الأنوار العليا و تلك الأنوار علة إيجادها و وجودها . و في الواقع ، عن طريقهم تعرف الله تعالي و لو لم‌يكن أولئك العالون لماكان هؤلاء الأسفلون ، و لهذا قالوا في الحديث : ﴿ بنا عُبد الله و بنا عُرف الله و لولانا ماعُرف الله ﴾ ، و لعلك فهمت من هذه الأقوال المبهمة أنّ تلك النفس التي تعرف نفسها بكونها نوراً لله هي نفس الإنسانية الشرعية التي حصلت في إناء الإنسانية الكونية و هي ذلك الماء الذي في الإناء و ليس الإناء نفسه إلّا أنّه يصبّ المياه العادية في الإناء [ص 32] من خارجه الذي يكون في إزائه و إلي جانبه ، و لكنّ ذلك الماء خرج من باطن الإناء مثل النار الغيبية التي خرجت من باطن الشعلة ، و تخرج الإنسانية الشرعية من باطن الإنسانية الكونية و تلك هي الإنسانية التي هي من شعاع محمد و آل‌محمد عليهم السلام و الشعاع هو الذي يستطيع أن يعرف صاحب الشعاع و إنّ معرفته لنفسه هي معرفة لصاحب الشعاع و اسم كل شعاع هو اسم صاحب الشعاع مثل نور الشمس الذي يسمي بالشمس . و أصحاب شعاع الإنسانية الذين هم محمد و آل‌محمد عليهم السلام ، بواسطة الجامعية التي عندهم في تمثيل صفات الله ، أُطلق عليهم النفس ، إذ إنّ جامع الصفات هو النفس ، و بما أنّ تلك النفس كانت محبوبة عند الله نسبها الله إلي نفسه ، و من هذه الجهة سُمّوا نفس الله ، حيث نقرأ في الزيارة ﴿ السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن ﴾ . و لهذا السبب يُطلق ذلك الاسم أيضاً علي شعاعهم ، أي الإنسانية الشرعية الموجودة في المؤمنين و أنفسهم كذلك التي صارت ممثلة لصفات الله و عارضة لها منسوبة إلي الله ، و من هنا قلنا في معني ﴿ من عرف نفسه ﴾ إنّ الضمير من الممكن أن يكون راجعاً إلي الله ، أي النفس التي هي ملك الله و مملوك له و محبوبة عنده و منسوبة إليه ، كما نقول للكعبة التي هي محبوبة عند الله بيت الله . و هذه النفس هي الطريق إلي الله و شعاع الأشعة العليا و شيعتها و هذا أحد معاني قولهم ﴿ سبيل الله شيعتنا ﴾ . و بما أنّ الإنسانية الشرعية لم‌تظهر في جميع الناس و لم‌يحصّلوا معرفة بربهم فإنّ تلك الجماعة التي ظهر فيهم هذا النور ، أي أولئك المؤمنون الذين قال عنهم أميرالمؤمنين عليه السلام ﴿ اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ﴾ ، هم طريق معرفة الله للذين لم‌يظهر فيهم ذلك النور [ص 33] مثل الشعلة التي ظهر فيها نور النار الغيبية هي بالنسبة للباب و الجدار طريق إلي النار الغيبية ، و عليه فإنّ خيار المؤمنين و شيوخهم هم طريق ضعفاء المؤمنين إلي محمد و آل‌محمد عليهم السلام و أولئك الأشراف هم الطريق الأعظم إلي الله ، و ليس لضعفاء المؤمنين ، ما داموا لم‌يحصّلوا قابلية الاستفاضة من نور أولئك الشرفاء ، طريق للحصول علي ذلك الفيض سوي خيار المؤمنين ، و كلّ معاملة يريدون أن يقوموا بها مع أولئك الأشراف فعليهم أن يقوموا بها مع هؤلاء الخيار ؛ يريدون تعلّم علم أولئك الأشراف عليهم الرجوع إليهم ، يريدون أن يوالوا أولئك عليهم أن يوالوا هؤلاء ، يريدون أن يزوروا أولئك عليهم أن يلتقوا بهؤلاء ، حيث أمروا هم بذلك فقالوا : ﴿ من والاهم فقد والانا ﴾ ● ، و قالوا : ﴿ من أراد أن يزورنا و لم‌يقدر أن يزورنا فليزر صالحي إخوانه ﴾ ، و قالوا : ﴿ من أكرمهم أكرمنا و من أكرمنا كان من أهل الجنة ﴾ ● ، و قال النبيّ صلي الله عليه و آله : ﴿ من سرّ مؤمنا فقد سرّني و من سرّني فقد سرّ الله عز و جل ﴾ ، و قال الإمام أبوجعفر عليه السلام : ﴿ نحن خزّان الله في الدنيا و الآخرة و شيعتنا خزّاننا ﴾ . و الخلاصة أنّ كلّ معاملة تتمّ معهم هي معاملة مع آل‌محمد عليهم السلام و معاملة مع الله تعالي .

[ص 34] و لعلّك قد استنتجتَ مما ذكرتُه أنّ خيار المؤمنين و شيوخهم هؤلاء لم‌يصلوا أيضاً إلي مقام آل‌محمد عليهم السلام و قد حصلوا علي ذلك المقدار الذي وصل إليهم من نور أولئك الأشراف ، و الفرق بينهم و بين الضعفاء هو أنّ الضعفاء لم‌يصل إليهم ذلك المقدار و يجب أن يحصلوا علي النور عن طريق أولئك الذين وصل إليهم النور . و قد صرّحتُ بهذا الأمر خاصةً لئلاتخرج عن حدّ الاعتدال و الصراط المستقيم و ألّاتغلو إذا سمعتَ بضع كلمات في فضائلهم ، و اعلم أنّ محمداً و آل‌محمد عليهم السلام مع كلّ العظمة التي يتمتّعون بها و أنهم صاروا ممثلين لصفات الله و مصاديق لها لم‌يصلوا إلي ذات الله تعالي و لن‌يصلوا إليها و لم‌يدركوا ذاته أيضاً و هم عباد الله . و كذلك خيار الشيعة مع كلّ عظمتهم لم‌يصلوا إلي آل‌محمد عليهم السلام و لن‌يصلوا إليهم و لم‌يدركوا حقيقة أولئك الأشراف و لايستطيعون ، إلّا ما وصل إليهم من نورهم و ظهر فيهم و به يعرفون أولئك الأشراف فصاروا بذلك عارفين بربّهم ، و مهما ارتقي النور فلن‌يصل إلي المنير و أظنّ أنّي قد أجبتُ علي سؤالك من جميع الجهات تصريحاً و تلويحاً و أكتفي بهذا المقدار عجالةً .

السؤال السادس - عند ما أقول : أنا جئتُ ، أنا ذهبتُ ، أنا قلتُ ، أين تقع هذه الأنا من بدني ؟ أهي في الصدر ، أم في الرأس ؟ و لماذا ، عند ما يفصلون بعض أعضاء شخص ما أو يقطعونها ، لايقلّل ذلك من أنيته ؟ و ما هو جنسها ؟

[ص 35] الجواب - هذا السؤال من الأسئلة العويصة جداً و فهم جوابه يحتاج إلي العلم بمقدمات كثيرة موجودة في كتب مشايخنا أعلي الله مقامهم بالتفصيل و أنواع الألسنة . و لو أردت أن أذكر جميع تلك المقدمات لطال الجواب ، و إذا لم‌تعرف تلك المقدمات فلن‌تفهم معني الجواب ، و لكن ، من أجل ألّاأدع السؤال كلّه دون جواب أذكر كلمات مختصرة تفهم منها ما أراد الله أن تفهم .

فأقول إنّ كلّ ما يتمّ التعبير عنه بأنا هو ظهور كلي للذات و جميع الظهورات و الصفات و الأفعال منسوبة إليه و هو ظاهر فيها جميعاً ، مثل الجسم الكلي الظاهر في جميع الأجسام الجزئية و مع أنّه ظاهر فيها جميعاً فإنّ كونه فيها ليس مثل كون الماء في الكوز ، إذ يمكن سحبه إلي خارج الكوز و وضعه إلي جانبه ، أو إذا قسمت كوز الماء إلي قسمين فإنّ ماءه ينقسم كذلك إلي قسمين ، بل إنّ وجوده في الأجسام الجزئية مثل وجود صورة الشمس في المرآة ، إذ لو كسرت المرآة لماانقسمت صورة الشمس إلي قسمين ، مثلا إذا قسمت كرسياً بمنشار إلي نصفين فإنّ ذلك الكرسي سيصير قطعتين و لن‌يكون أي نصف منه كرسياً بعد ذلك و لكنّ كلا النصفين لايزال الجسم الكلي ظاهراً فيهما و لايزال يُقال لكلّ واحد من النصفين جسم و الخلاصة أنّ ذلك المنشار قد قطع الكرسي و لم‌يقطع الجسم الكلي الظاهر فيه . أو مثلا الحديد المطلق موجود في جميع الأشياء الحديدية و في كلّ شيء حديدي مثل السكين ، السيف ، السهم ، السفود ، و غيرها فعند ما تنظر تري الحديد المطلق و نقول الحديد المطلق موجود في جميع الأشياء الحديدية و تري أنك لو كسرت السيف فإنّ كلّ قطعة منه لن‌تعد سيفاً و لكن يوجد في كل قطعة منه الحديد المطلق و تقول كل قطعة منه حديد ، و الآن إذا استطعت تفكيك أجزاء هذا السيف عن بعضها بحيث تصير ذراته [ص 36] أيضاً قطعة قطعة و علي قولهم إنّ الذرات مركبة من البروتونات و الإلكترونات ، و تفصل الذرات من البروتونات ، فلن‌تري الحديد المطلق بعد ذلك فيها مهما نظرت و تقول إنها ليست حديداً . و الآن لو أنك ركّبت تلك الأجزاء مرة أخري بنفس النظام الموجود في ذرات الحديد فستري مرة أخري أنّ الحديد المطلق سيظهر فيها ؛ إذن فالحديد المطلق شيء خارج عن هذه الأجزاء ، إذ ذهب و عاد مرة أخري ، و لكن خروجه ليس مثل خروج الماء من الكوز ، إذ يمكن إخراج الماء من الكوز و وضعه إلي جانبه و لايمكن وضع الحديد المطلق إلي جانب السيف ، و عليه تقول إنّ الحديد المطلق داخل في جميع الأشياء الحديدية لا كدخول الماء في الكوز و خارج عن أجزاء الأشياء الحديدية لا كخروج الماء من الكوز ، و كذلك الحال بالنسبة « للأنا » في بدننا ، فهي بهذا النحو داخله ، و هي بهذا النحو خارجه و ليست شيئاً من جنس بدننا مثل الخاتم الذي من جنس العلبة ؛ أحياناً نضعه إلي جانب العلبة و أحياناً في وسطها و أحيانا إلي جانبها الآخر ، لتريد أن تفهم أنّ « الأنا » في الرأس أو الصدر . نعم ، لأنّ أجزاء بدننا ليست منتظمة مثل أجزاء قطعة الحديد التي كلّ ذرّة منها مثل ذراتها الأخري ، بل كلّ قسم من بدننا له تركيبات خاصة به ، لاتظهر « الأنا » في جميع الأقسام ابتداءاً ، بل تظهر في ذلك القسم الذي تتناسب تركيبات أجزائه مع ظهورها فيها . ألاتري لو أنّه تم تركيب الذرات و البروتونات معاً بكل نوع من النظم فلن‌يظهر فيها الحديد المطلق ، بل يجب اتباع نظم خاص في تركيبها حتي تصير ممثلة للحديد المطلق ، و في بدننا أيضاً ، ذلك القسم الذي تمّ تركيبه منه بنظم خاص يتعلّق بتمثيل « الأنا » يصير ممثلاً « للأنا » و من هناك ، يشعّ [ص 37] نور « الأنا » علي بقية الأعضاء ، مثل شعلة المصباح الواقعة بين هواء الغرفة و بابها و جدارها و سقفها و أرضها و لايوجد في أيّ جزء من أجزائها ذلك الاعتدال التركيبي ليمكنه أن يصبح ممثلاً للنار سوي تلك الشعلة ، و لهذا فإنّ النار تظهر ابتداءاً في الشعلة و بعد ذلك تشعّ علي الهواء و الباب و الجدار ، و كذلك الأمر في بدننا ، فليست جميع أجزاء هذا البدن لديها قابلية حكاية ذلك النور الغيبي من « أنا » ابتداءاً و أكثرها اعتدالا لديه هذه القابلية ، و أكثر أجزاء البدن اعتدالاً هو الدم الذي يُنتج في الكبد و لكنه هنا ليس لديه كمال الاعتدال ؛ فلديه أجزاء ناقصة أو زائدة ، و أيضاً ليس لديه اتحاد كامل في الأجزاء ، بل له ذلك المقدار من الاعتدال ما يجعله يحاكي روح النباتية ، و بعد ، و في طول مسيرته تتركّب أجزاؤه اللطيفة ، و ليس جميع أجزائه ، معاً مثل أجزاء الزبدة التي في المخيض ، حيث تجتمع أجزاؤها نتيجة للمخض المستمر و تصير زبدة و تنفصل عن بقية مياه المخيض ( طبعاً هذا المثال تقريبي جداً ) . و بعد أن تتركّب تلك الأجزاء اللطيفة التي هي ، من وجهة نظري ، محلها في خارج الأبعاد الثلاثة للدم ، و في بعد آخر منه ، تتوفّر فيها قابلية حكاية الروح الحيوانية و تشتعل بنار الروح الحيوانية و يسطع منها نور تلك النار علي شكل حركة حيوانية ، و ذلك حينما يكون الدم مناسباً لتغذية عضلة القلب و حركة القلب من شعاع تلك الروح الحيوانية . و هكذا تتم تصفية الدم في مسيره و يذهب للمخ و هناك أيضاً تتركّب معاً ، بعد فعل و انفعالات و تصفيات ، أجزاء منه أكثر لطافة ، هي ألطف من تلك الأجزاء اللطيفة الأولية و تصل إلي لطافة السماوات و تصير مناسبة لتمثيل روح الحيوانية الناطقة و تشتعل بتلك النار [ص 38] ، و هكذا و بالتدريج تصير ألطف في كلّ منزل من منازل تجاويف الدماغ تعبر منه . ففي البداية يحصل فيه الخيال من أنوار الحيوانية الناطقة ، ثم الفكر ، ثم العالمة ، ثم الواهمة ، ثم العاقلة ، ثم مرة أخري تتركب أجزاء منه أكثر لطافة مع بعض، بأسباب الأرض و السماء و تربية المربين ، تركباً بلطافة الكرسي و ذلك المركب يحصل علي تمثيل النفس الناطقة و« أنا » تلك النفس و حقيقة تلك الأجزاء و مكانها في عالم الدهر ، أي الآخرة و من شعلة تلك الأجزاء التي في باطن شُعَل الحيوانية الناطقة و الحيوانية و النباتية يسطع نورها ، و مثل مصباح عليه زجاجة و فوقها زجاجة أخري و فوقها زجاجة ثالثة يظهر نور « الأنا » في المصباح و يعبر من زجاجة الحيوانية الناطقة و في كلّ مكان يتلوّن من تلك الزجاجة بألوانها ، أي الفكر و الخيال و العلم و التعقل ، و منها يصل إلي زجاجة الحيوانية و يتلّون بألوانها ، أي الباصرة و السامعة و الشامّة و الذائقة و اللامسة ، و بمروره منها تسطع أنواره علي المخ و تسري في الأعصاب الحيوانية و في كلّ عضو مناسب يظهر منه فعل من الأفعال ؛ يري بالعين و يسمع بالأذن و يذوق باللسان و يشمّ بالأنف و يلمس باليد و جميع تلك الأنوار من البداية حتي النهاية بالنسبة لتلك النفس مثل الأجسام الجزئية بالنسبة للجسم المطلق و كما أنّ الجسم حاضر في جميع الأجسام الجزئية و داخل فيها لا كدخول شيء في شيء و خارج منها لا كخروج شيء من شيء ، و النفس هي كذلك في جميع أنوارها و تلك أنوار بدنها البرزخي و ما كان من تلك الأنوار في قالب شُعل جماديتها و نباتيتها جسدها البرزخي و ما كان في مراتبها السماوية جسمها البرزخي و تلك الشعل مراتب بدنها العرضي الدنيوي . و عند ما تهتمّ النفس ببدنها العرضي الظاهري تجد نفسها [ص 39] فيه ، و عن هذا النور الذي فيها يُعبّر بـ « أنا » ، مثلا يقول : أنا جائع ، أنا شبعان ، و هذه « الأنا » هي ذلك النور الذي في شعلة نباتيته ، أو يقول : رأيتُ أو سمعتُ فالضمير « تُ » راجع إلي ذلك النور الذي في شعلة حيوانيته أو يقول : فكري ، خيالي هذه « ي » هي ذلك النور الذي في شعلة حيوانيته الناطقة ، و لكن جميع هذه « الأنات » نور تلك « الأنا » التي هي النفس الناطقة نفسها ، و لو كانت هذه النفس الناطقة مؤمنة فإنها تكون نور محمد و آل‌محمد عليهم السلام و لو كانت كافرة فإنها تكون ظل رؤساء الظلم و الجور ، و عند ما تهتمّ بنفسها تُنسب لها أفعالها الخاصة مثل المحبة القلبية و العداوة القلبية ، فعند ما يقول : أحبّ علياً أو عند ما يقول : أعادي علياً فإنّ مرجع الضمير « أنا » المستتر هو نفسه و إذا لم‌يكن فيه حبّ و عداوة فإنها لم‌تتعين بعد و أفعاله منسوبة إلي أنواره و في مراتب حيوانيته الناطقة و حيوانيته و نباتيته و جميع « الأنات » التي يقولها متعلقة بمراتب الأنوار التي في هذه المراتب .

و ممّا ذُكر ، يُعلم أيضاً جواب سؤالك ذاك الذي سألته ، أنّه لماذا إذا قطعوا بضعة أعضاء من البدن لايقلل ذلك من إنّيته ، أنّ هذا القطع الذي يقع علي الأعضاء لايقع علي ذلك النور ، حيث إنّ شعلة ذلك النور هي البخار اللطيف للدم الذي في المخ و تلك الشعلة مشغولة بالسطوع ، إلّا أنّه إذا قطعوا يداً فإنّ الأعمال التي من المفروض أن تُنجز باليد لايتمّ إنجازها و لاتتعرّض « الأنا » و أنوارها للقطع و لاتؤثر فيها حراب العالم ، و قد لاحظت في المثل الذي سبق أنّ المنشار يقسم الكرسي إلي نصفين ، و لكنه لايستطيع أن يُنصِّف الجسم المطلق و يبقي في كلّ نصف من الكرسي الجسم المطلق صحيحا و سالما ، و كذلك حال تلك « الأنا » بعد فصل اليد من البدن ، تبقي في بقية البدن صحيحة و سالمة .

[ص 40] و لكن سألت ، في آخر السؤال ، عن جنسها ؛ ممّ هو ، فأقول : ليس من جنس المواليد الدنيوية ، بل هو من مواليد عالم الدهر ؛ مادتها ، لو كانت مؤمنةً ، من نور العقل و فعلها المعارف الإلهية و قواها الفكر و الذكر و العلم و الحلم و النباهة ، و خاصيتاها النزاهة و الحكمة . أما لو كانت كافرة فمادتها من ظلمة الجهل و فعلها الإنكار و قواها الشقاوة و الإلحاد و الغضب و الشهوة و النواميس و الطبايع و العادات ، و من المحتمل أنّك فهمت مما ذكرت مدي صعوبة فهم هذه المسألة و لاتُدرك دون تحصيل مقدمات و إصلاح المشاعر و إذا أردتَ أن تعرف جنس نفسك فانظر في نفسك ، فإذا وجدت فيها محبة محمد و آل‌محمد عليهم السلام و أوليائهم فاعلم أنك خُلقت من فاضل طينتهم و إذا قمت بتعديل شعل باطن وجودك المتداخلة باتباع أحكام الشريعة المقدسة و التخلق بالأخلاق الحسنة و العمل بمقتضي الحبّ الذي فيك فإنّ نور تلك النفس القدسية سيعمّ جميع وجودك من الأعلي إلي الأسفل إن شاء الله و تعرف نفسك و تصير عارفاً بربك ، و هو قول أميرالمؤمنين عليه السلام ، حيث قال : ﴿ من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي أثر النفس فيه و من قوي أثر النفس فيه سما إلي ما يرتقيه و من سما إلي ما يرتقيه فقد تخلق بالأخلاق النفسانية و من تخلق بالأخلاق النفسانية فقد صار موجوداً بما هو إنسان دون أن يكون موجوداً بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغيّر ﴾ . و حاصل الحديث هو أنّ كلّ من صفت فيه طبيعة الحيوانية الناطقة و مزاجها يقوي فيه أثر النفس الناطقة القدسية و تظهر فيه أفعال تلك النفس و أخلاقها كما تظهر النار في الشعلة و تُري فيها أخلاق النار ، أي الضوء و الحرارة و [ص 41] يصير اسم تلك الشعلة ناراً . و كما أنّ الشعلة كانت قبل اشتعالها دخاناً مظلماً و كانت موجودة بالدخانية و ظهرت فيها النار بعد اشتعالها و صار اسمها ناراً و زال عنها اسم الدخان و صارت موجودة بالنارية ، كذلك مَن تعلّم الأخلاق النفسانية من صاحب أخلاق النفس الناطقة القدسية ، أي الشارع المقدس و صيّر خلقه مثل خلقه فسيشتعل ، مثل ذلك الدخان ، بنار الإنسانية و يزول عنه اسم الحيوانية و يسمي باسم الإنسان و يصير مثل الملائكة و مطيعاً لربّه و لن‌يغيّره شيء عن هذه الحالة .

السؤال ● - ما معني هذا الحديث الشريف ، حيث قالوا : في يوم القيامة ، يبعث الأئمة عليهم السلام خيار الشيعة فيلتقطون محبيهم من بين الناس مثلما يلتقط الطير الحَبّ و ينقلونهم إلي الجنة و لاتتصوّر أنّ هذه الحادثة من الآن فصاعداً يجب أن تقع في السنوات المقبلة ، و معني بعثهم هو هذا الدور الذي أوكلوه إليهم لهداية الخلق ، و القيامة ليست يوماً من أيام هذه الدنيا يأتي ، مثلا ، بعد ألف سنة قادمة القيامة كانت و لاتزال و ستبقي موجودة دائماً و الآن النفوس الحقيقية للخلق في عالم القيامة و نفوسهم البرزخية في البرزخ و أبدانهم في هذه الدنيا و الآن جميع أوضاع القيامة قائمة و جميعنا حاضرون بين يدي الله تعالي ؛ الميزان و الصراط و الجنة و النار ، كلها قائمة و سئل رسول الله صلي الله عليه و آله : ما حالنا الآن قال : علي الصراط ، و النبي صلي الله عليه و آله و الأئمة الأطهار عليهم السلام مشغولون الآن بشفاعة المؤمنين و في هذه الدنيا أيضاً يدرك خيار المؤمنين الذين قلّلوا من تعلّقهم بالدنيا تلك الأوضاع و قد يرونها في بعض الحالات .

[ص 42] الجواب - إنّ العبارات التي كتبها السائل المحترم منقولة من كتاب « نود مسأله » ( تسعون مسألة ) الذي كتبتُه في جواب بعض الإخوان ، و إلي جملة « و ينقلونهم إلي الجنة » مضمون حديث و البقية شرح كتبته علي الموضوع و أصل ذلك الحديث هو أنّ الإمام العسكري عليه السلام ، في تلو قوله تعالي : ﴿ و اتقوا يوما لاتجزي نفس عن نفس شيئا ﴾ ● ، قال : ﴿ لنكوننَّ علي الأعراف بين الجنة و النار محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيبون من آلهم عليهم السلام فنري بعض شيعتنا في تلك العرصات ممن كان منهم مقصراً في بعض شدائدها فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان و المقداد و أبي‌ذر و عمار و نظرائهم في العصر الذي يليهم في كل عصر إلي يوم القيامة فينقضّون عليهم كالبزاة و الصقورة و يتناولونهم كما يتناولون البزاة و الصقورة صيدها فيزفونهم إلي الجنة زفّاً و إنا لنبعث علي آخرين من محبينا خيار شيعتنا كالحمام فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحبّ و ينقلونهم إلي الجنان بحضرتنا ﴾ . أقول : إنّ الإشارات التي ذكرتها ، بعد ذكر مضمون الحديث ، في ذلك الكتاب كانت لأجل تنبّه أصحاب الفطن كي يكونوا مطلعين ، لحدّ ما ، أنّ الحقائق هي غير خيالات و أوهام العوام تلك التي نجدها عند الأطفال و العجائز ، حيث يظنون أنّ جميع الأمور الأخروية مثل هذه الدنيا و يفرضون أنّ صحراء المحشر مثل ساحة كبيرة و حضور الجماعات فيها مثل حضور المتظاهرين في التجمعات و اللقاءات ، كما يقال اليوم ، و يظنّون أنّ خيار الشيعة ينقضّون علي رؤوس الجماعة بالضبط مثل طيور الدنيا و يأخذون واحداً و يرفعونه ، و أوهام عوام من هذا القبيل . و قبل هذا عند ما كان الناس في المدارج الابتدائية للتقدم ، كانوا يكتفون بهذه الأوهام و كانوا مسرورين أنّهم [ص 43] فهموا شيئاً و كان المتكلمون و سامعوهم يحملون جميع أمور ما وراء ظاهر الدنيا علي أمور الدنيا هذه و كانوا يروون أقوال الأئمة الأطهار عليهم السلام و يسمعونها و ماكان يعترض أحد لا المتكلم و لا السامع و كانوا مسلّمين و ماكان لهم بدّ من ذلك ، و لكنّ نسبة الذكاء اليوم ارتفعت شيئاً فشيئاً بالنسبة للسابق و لايصدقون تلك التصورات السابقة ، و قد اغتنم الشيطان الفرصة ليُلقي في روعهم أنّ تلك الروايات ، نعوذ بالله ، باطلة أصلاً و أنت تري الآن أنّ كلّ من يتحلّي بنسبة أعلي من الذكاء قلّما يتابع الأمور الدينية و هو أكثر إهمالاً لها ، و هذا لأنه لم‌يعرف ، إلي الآن ، معلماً يبيّن شيئاً يناسب ذكاءه من حقائق تلك المباحث ، و هم يجفلون ، أيضا ، من المعلمين الذين وضعهم الله تعالي لهذه الأزمنة بسبب افتراءات عديمي التقوي من المعلمين السابقين و أنواع التهم التي نسبوها إليهم و النتيجة هي هذا الوضع الذي تشاهده الآن . و لكن الذين خلقهم الله تعالي للإيمان من بين هذه الجماعة بمجرّد سماعهم صوت المعلمين المؤمنين هؤلاء فإنهم ينجذبون إليهم بسبب التجانس الطيني بينهم ، فهم مثل ذرات الحديد المخلوطة بمقدار كبير من الرمل فبمجرّد سحب مغناطيس علي الرمل فإنّ ذرات الحديد وحدها هي التي تطلع إلي الخارج و تنجذب إلي المغناطيس من بين ذرات الرمل و التراب ، و في المثل المعلمون المؤمنون أولئك مثل الطير الذي يلتقط ذلك الحب ، و الذين يهتدون بنور أولئك المؤمنين هم ذلك الحب الذي يتم التقاطه و هؤلاء الطبقات السفلي للشيعة الذين تمّ التعبير عنهم بالمحبين و مثلهم مثل عوام المؤمنين و ذلك الحمام مثل للفقهاء الحق . و في حديث عن الإمام علي بن موسي الرضا عليهما السلام أنّه قال : ﴿ يقال للعابد يوم القيامة : نِعمَ الرجل كنت ، همّتك ذات نفسك ، و كفيتَ الناس مؤونتك ، فادخل الجنة ، ألا إن الفقيه [ص 44] من أفاض علي الناس خيره ، و أنقذهم من أعدائهم ، و وفّر عليهم جنان الله ، و حصّل لهم رضوان الله تعالي . و يقال للفقيه : يا أيها الكافل لأيتام آل‌محمد ، الهادي لضعفاء محبيهم و مواليهم ، قف حتّي تشفع لمن أخذ عنك ، أو تعلَّم منك ، فيقف فيدخل الجنّةَ معه فئاماً فئاماً ● حتّي قال عشراً ، و هم الذين أخذوا عنه علومه ، و أخذوا عمّن أخذ عنه ، و عمّن أخذ عمّن أخذ عنه إلي يوم القيامة ، فانظروا كم فرق بين المنزلتين ﴾ انتهي الحديث . و أما تلك الجماعة التي هي أعلي من العوام مثل الفقهاء و الصالحين الذين صعدوا إلي فوق مرتبة الحب و حلّت فيهم حياة الإيمان و صاروا طيوراً فهم محتاجون أيضاً إلي طيور أعلي طيراناً ، أي خيار الشيعة أمثال سلمان و أبي‌ذر الذين هم مثل البزاة ينقذونهم من شدائد الشكوك و الشبهات التي تعرض لأولئك الفقهاء و الصلحاء و يعلّمونهم من نور هداهم و علمهم و يهدونهم .

وأما ما كتبتُه : « و لاتتصوّر أنّ هذه حادثة يجب أن تقع في السنوات المقبلة ، . . . إلخ » فقد كان قصدي منه الإشارة إلي موضوع أساسي يغفل عنه الأكثرون و لايعلمون أنّ الزمان خاص بهذه الدنيا ، و عالم الآخرة هو فوق الزمان و ليس زماناً في امتداد السبت و الأحد . و هذا المبحث من المباحث العويصة جداً التي عبّر عنها مشايخنا أعلي الله مقامهم بتعبيرات مختلفة في كتبهم الحكمية و بيانه لك باعتبارك مبتدئاً من قبل أمثالي و باللغة الفارسية صعب جداً ، و لكن أتمني أن يعطيني الله تعالي لغة سهلة ، فأقول و لا حول و لا قوة إلا بالله إنه يجب عليّ ابتداءاً أن أذكر مقدمات لتفهم الفرق بين الزمان و الدهر اللذين كلّ واحد منهما نوع من الوقت و أذكر لكلٍّ منهما فصلاً .

[ص 45] فصل - الزمان عبارة عن النسبة بين صور تطرأ علي المواد العرضية لهذه الأجسام الظاهرة ، فانظر إلي سلك المقاومة ، مثلاً ، الذي هو بلون فولاذي فإنّ المعدن مادته و اللون صورته و صفته ، و الآن صله بالكهرباء ، فابتداءاً يصير أحمر غامقاً ثمّ أحمر ساطعاً ، فهذه ثلاث صفات مختلفة له ، و عند ما تنظر للسلك في لحظة كونه أحمر غامقاً فإن ذلك هو زمان الحال و قد زالت عنه الصورة السابقة ، أي اللون الفولاذي و لاتراها في تلك اللحظة ، و لكنك تُحسّ في نفسك بين تلك الحالة الفولاذية و حالة الأحمر الغامق تلك امتداداً و كذلك تُحسّ أنّ بين حالة الأحمر الغامق و الأحمر الساطع الذي تتنبّأ به امتداداً ، ذلك الامتداد اسمه زمان و النسبة بين حالة الفولاذي و الأحمر الغامق اسمها الماضي و النسبة بين الأحمر الساطع و الأحمر الغامق اسمها الاستقبال و المستقبل و تلك اللحظة التي يكون السلك فيها أحمر غامقاً اسمها الحال و لايوجد من تلك الامتدادات في كل لحظة في عالم الأجسام الظاهرة إلّا الحال ، و الماضي و المستقبل معدومان . و من الأشعار المنسوبة لأميرالمؤمنين عليه السلام قوله :

ما فات مضي و ما سيأتيك فأين قم فاغتنم الفرصة بين العدمين

و الفرصة الموجودة هي زمان الحال ، و الماضي و المستقبل عدمان ، أي أنهما معدومان في صفحة الأجسام الظاهرة ، و لكنهما موجودان في كتاب علم الله ، و هذا المثل ذكرتُه كي لايكون هناك تغيير مكاني و تُحسّ الزمان الخالص و إلّا فإنّ كلّ جسم متحرك يمرّ عليه الزمان أيضاً و النسبة بين حالاته الزمان الذي مرّ عليه . فمثلاً الصخرة التي تسقط من فوق السطح ؛ كونها فوق السطح هي حالة ، و وصولها إلي الأرض أيضاً حالة ، و النسبة التي تُحسّها في نفسك بين هاتين الحالتين هي الزمان ، و عليه فإنّ الزمان يمرّ علي جميع الأجسام [ص 46] ؛ ساكنةً و متحركة . و في التمثيل بدننا أو أيّ جسم مثل مَن وقف علي حافة نهر ماء و الماء في النهر يجري و كلّ لحظة يمرّ جزء منه من مقابلنا ؛ فالأجزاء السابقة ذهبت و مرّت منا و الأجزاء المستقبلية لم‌تصل مقابلنا بعد . و الحال أنّ الزمان هو أيضاً مثل ذلك النهر ؛ فالجزء الذي هو مقابلنا هو زمان الحال و الأجزاء التي ذهبت منه زمان الماضي و الأجزاء المستقبلية زمان المستقبل . أو ، بنظرة أدقّ ، الزمان مثل ماء البحر ساكن و نحن مثل سفينة تسير في بحر الزمان و يبدو لأنظارنا أنّ الماء هو الذي يسير للوراء ، مثل عند ما تجلس في السيارة و تنظر إلي الأرض القريبة منك تظنّ أنّ الشارع يسير للوراء و يمرّ من تحت سيارتك ، و في الزمان أيضاً هذا هو الواقع أنّ الزمان واقف و نحن و جميع الأجسام نسير فيه و كلّ لحظة نكون مقابل جزء من أجزائه ، و بما أنّ الأجسام المتحركة ، في عين الحال الذي تسير زمانياً تسير مكانياً أيضاً و أنّ السير المكاني يمكننا قياسه ، اختاروا الأجسام المتحركة لقياس الزمان و تعيينه و اتّخذوا الزمان الذي يمرّ عليها بإزاء انتقالها في طول معين من المكان وحدة للزمان . فمثلاً اعتبروا الزمان الذي تستغرقه حركة الشمس عند ما يصل مركزها إلي نصف النهار حتي يصل إليه من جديد أربعاً و عشرين ساعة و يقيسون به الوقت ، و الواقع أنهم اتخذوا الزمان الذي مرّ عليها مقياساً و ليس حركتها المكانية و هذه الحركة المكانية مثل الكيل المستعمل بدل الوزن للسهولة ، فالماء ، مثلاً ، له وزن و له حجم أيضاً و الحجم غير الوزن و لايمكن تقييمهما معاً ، و لكن بما أنّ أجزاء الماء متجانسة و في مقابل كلّ وزن معين له هناك حجم معين ، مثلاً كل كيلوغرام ماءاً يساوي لتراً واحداً من حجمه ، استبدلوا التوزين بكيل حجمه [ص 47] ، فإذا صار حجمه مئة لتر يقولون وزنه مئة كيلوغرام . و الحال أنّ قياس الزمان بالانتقال المكاني هو أيضاً من هذا الباب ، و الليل و النهار و حركات الكواكب أو دوران عقارب الساعة هي كيل الزمان و ليست الزمان نفسه ، و كما أنّ كيلاً معيناً ، مثلاً لتر واحد إذا صبّوا فيه ماءاً يكون وزنه كيلوغراماً واحداً ، إذا صبّوا فيه زئبقاً يكون وزنه ثلاثةعشر كيلوغراماً تقريباً . في كيل معين من هذه الانتقالات المكانية ، مثلاً في دورة كاملة لعقارب الساعة تمرّ علي الأجسام المختلفة أزمنة مختلفة و من الممكن أن تكون متفاوتة ، و لكن بما أنّ الغالب علي الأجسام الأرضية هو الترابية فإنّ مقدار الزمان الذي يمرّ علي الجميع هو متساوٍ تقريباً ، أي أنّ سرعة توالي ظهور الصور المختلفة التي تمرّ علي مادتها متساوية تقريباً ، و لكنّ أيّاً منها تكون مادتها ألطف تكون سرعة توالي ظهور الصور عليها أكثر . فمثلاً جسمك العنصري ، سرعة توالي ظهور الصور عليه بمقدار معين ، و لكنّ مشعر خيالك الذي هو جسم ألطف يكون توالي ظهور الصور عليه أكثر و إنّ الحوادث التي مرّت علي جسمك من الصبح إلي الظهر تستطيع أن تتصورها بخيالك علي التوالي خلال بضع ثوانٍ من ثواني جسمك العرضي ، و لو أنك أخذت المقياس عدد الصور لقيل إنّ زمان خيالك أطول من زمان بدنك . و علي كلّ حال ، سواء بالمشاعر الظاهرة أو بالمشاعر الباطنة لايوجد في كلّ لحظة أكثر من صورة علي لوح خيالك أو مشاعرك الظاهرة و لايوجد من بين كافة آنات الزمان سوي آنٍ واحد علي هذه الألواح و لم‌يتمّ تسجيل الآنات الماضية و لا الآنات المستقبلة علي تلك الألواح ، بل كلّ واقعة مسجّلة بزمانها و مكانها في مكان آخر ، أي نفس مكانها الأول الذي كانت فيه ، و الشاهد علي أنها مسجّلة في مكان آخر و باقية أنّك تستطيع أن تتذكّر وقائع الماضي آناً [ص 48] بعد آن و لو كانت كلها معدومة بالجملة فإنّ المعدوم لايمكن تذكّره ، و لكن هناك دقيقة أيضاً و هي أنّه من الممكن إدراك الصورة الموجودة في كلّ لحظة بالمشعر الموجود في تلك اللحظة و لايمكن ، إدراك الصورة السابقة و لا اللاحقة ، لأنّ صورة الحدث الذي وقع يوم السبت ، مثلاً ، لايمكن المجيء بذلك الحدث و زمانه الذي هو يوم السبت في يوم الأحد ، فسعة يوم الأحد هي بقدر يوم الأحد و لايوجد فيه مكان ليوم السبت ، ألاتري أنّ الجسم الذي هو أحمر لايمكنه في تلك اللحظة أن يكون أخضر أيضاً إلّا أن يتمّ محو الحمرة منه و يوضع مكانها اللون الأخضر ، و الحال أنّ الأحد أيضاً لايمكن أن يصير السبت و لايمكن لتلك الذاكرة لذلك الحدث الذي وقع يوم السبت أن يأتي بعينه إلي يوم الأحد ، و مشعر خيالك أيضاً في يوم الأحد زمانه يوم الأحد و لايمكنه أن يكون في يوم السبت . و خلاصة الأمر أنّه لا يوم السبت يمكنه أن يأتي إلي يوم الأحد و لا يوم الأحد يمكنه أن يرجع إلي يوم السبت و أنك تتصور حوادث يوم السبت في يوم الأحد بواسطة نفسك التي هي فوق يوم الأحد و يوم السبت و تحيط بهما كليهما و يوم السبت و يوم الأحد كلاهما حاضران عندها و تنظر ، علي الدوام ، إلي حوادث يوم السبت بمشعر خيال يوم السبت و إلي حوادث يوم الأحد بمشعر خيال يوم الأحد و في كلّ حال عالمة بحوادث يوم السبت و تنزّل علمها في يوم الأحد بمشعر خيالك ليوم الأحد ، و يقال إنّك تذكّرتَ حادثة يوم السبت و تلك الحادثة التي تخيلتها في يوم الأحد هي ، من جهة عين حادثة يوم السبت و من جهة أخري غيرها ، مثلما لو أنّك أخذتَ مقداراً من الطين و جعلته في قالب لصنع اللّبِن ثمّ قمتَ بتخريب شكل تلك اللبنة و مرّة أخري وضعتها [ص 49] في القالب نفسه و أخرجتها علي شكل لبنة ، فإنّ اللبنة الثانية ، من جهة هي عين اللبنة الأولي و هي من جهة أخري غيرها . و لكن من وجهة نظر نفسك حادثة يوم السبت التي نزّلتها بخيالك في يوم الأحد ، هي عين حادثة يوم السبت ، لأنّ هذا هو علمها الذي كان أحد تنزلاته في يوم السبت و الآخر في يوم الأحد و علم نفسك بهما واحد ، و المسألة عويصة جداً و دركها صعب و من المحتمل أنك ، مما سأذكره لاحقاً ، ستفهم الموضوع أفضل إن شاء الله .

فصل - قلنا في تعريف الزمان إنّ الزمان هو النسبة بين الصور ، و نقول في تعريف الدهر ، إنّ الدهر هو النسبة بين الصور و المادة الذاتية أو النسبة بين الصفات و الذات أو النسبة بين الفعليات و الجوهر . فمثلاً ، أنت تري في جميع الأشياء الحديدية ، مثل السيف ، السكين ، المسمار ، السفود ، الحديد المطلق غير مقيد بأي صورة من صور تلك الأشياء و هو فيها جميعاً موجود ، فالنسبة بين هذه الصور و ذلك المطلق هي الدهر و هو امتداد في ما وراء هذه الأبعاد الثلاثة و في ما وراء جميع آونة الزمان ، ألاتري أنّك تري في السيف ، و السكين ، و المسمار ، تري فيها جميعاً الحديد ، في كلّ واحد منها ، فسواء نظرت أمس أم اليوم أم غداً تري الحديد في كلّ واحد منها . و سواء كانت في المشرق أم في المغرب ، في الشمال أو في الجنوب تري فيها الحديد . فأين هذا الحديد منها بحيث نراه في جميع الأماكن و في جميع الأزمنة و في جميع الأشياء الحديدية ؟ هذا الحديد هو في عالم الدهر و الدهر في وراء جميع أبعاد عالم المكان و الزمان هذا . و يقال للحديد المطلق موجود دهري و للأشياء الحديدية موجودات زمانية و الامتداد بين هذه [ص 50] الموجودات و ذلك الموجود دهر و يجب قياسه بامتداد من جنس الامتدادات الدهرية ، كما أنّ كلّ كمية يقيسونها بكمية من جنسها و يعتبرون الكمية وحدة قياس و يقيسون بها ما هو من جنس تلك الكمية . فمثلاً اختاروا طولاً معيناً و سمّوه متراً كوحدة قياس يقيسون بها جميع الأطوال ، أو اختاروا وزناً معيناً و سمّوه غراماً كوحدة قياس يقيسون بها جميع الأوزان ، و لكن لايمكن قياس كمية بوحدة قياس ليست من جنسها . فمثلاً لايمكن معرفة طول الغرفة حسب الغرام أو وزن الطابوقة حسب المتر ، و الحال أنّ الدهر أيضاً كمية و لكن لايمكن قياسها بكميات ليست من جنسها ، فمثلاً لايمكن قياسها بالمتر أو الدقيقة و الساعة و اليوم و الشهر و السنة ، و إذا عبّروا عنه بهذه الكلمات لبيان مقداره فمن باب الاستعمال المجازي ، لأنّ تلك الكمية ليست معروفة بين العامة و لم‌توضع لها مصطلحات في العرف العام و يستعملون هذه الكلمات المتداولة للتعبير عنها و يجعلون قرائن في الكلام يفهم منها أهلها المعني المراد ، حتي لفظ الدهر نفسه هو من الألفاظ المستعملة و الدهر في اللغة يعني الزمان الطويل ، و لكنهم يستعملونه في اصطلاح الحكمة بالمعني الذي ذكرته ، و بهذا المصطلح تكون جميع المطلقات من عالم الدهر و معني المطلق هو الحرّ من القيود ، مثل الجسم المطلق الذي تراه في جميع الأجسام الجزئية المقيدة ، و الأجسام الجزئية كلٌّ منها مقيد بقيوده و في أسرها ؛ فالأرض مقيدة بشكلها و وضعها و غلظتها ، و الجبل مقيد بشكله و صلابته ، و الماء مقيد بحالة السيلان و الرطوبة ، و النار مقيدة بنفوذها و لطافتها ، و السماوات مقيدة بشكلها و لطافتها و أوضاعها ، و لكنّ الجسم المطلق ليس مقيداً بأيّ من قيود الأجسام الجزئية هذه فليس هو بمدوّر و لا بمربّع ، لا بسائل و لا بجامد ، لا غليظ و لا لطيف ، هو حرّ [ص 51] من جميع هذه القيود و هو ظاهر فيها جميعاً ، فتري الجسم المطلق في الجسم المربع و تراه أيضاً في المثلث ، و في الجسم الغليظ مثل الحجر و تراه في الجسم اللطيف مثل الهواء أيضاً ، تراه في السماء و تراه في الأرض أيضاً . فلو كان في الجسم المطلق صلابة ذاتية لوجب أن يكون في الماء الذي تري فيه الجسم المطلق صلابة أيضاً ، و الحال أنك لاتري ذلك . إنّ الجسم المطلق الذي تراه في هذه الصخرة في يوم الأحد ، لو نظرت في يوم الإثنين فستراه أيضاً ، فلو كان للجسم المطلق زمان و زمانه كان يوم الأحد لوجب أن يحضر يوم الأحد في يوم الإثنين أيضاً مع الجسم المطلق ، و الحال أنّ يوم الأحد لايحضر في يوم الإثنين . إذن ، فالجسم المطلق حرّ من جميع قيود عالم الزمان و هذه أيام الأحد و الإثنين هي التي تمرّ علي الصخرة و ليس علي الجسم المطلق و لا علي الموجودات الدهرية . و لكن الموجودات الدهرية ، أيضاً ، بينها ترتيب ، مثلاً الجسم المطلق في أسفل عالم الدهر و الحياة المطلقة التي تراها في جميع الحيوانات ، و هي غير مقيدة بكونها بقرة أو جملاً أو قطة أو حشرة ، هي واحدة من الموجودات الدهرية و هي أعلي من الجسم المطلق و تظهر في الجسم المطلق و بعض الأجسام المقيدة ، أي أبدان الأحياء ، أو النفس الناطقة المطلقة من قيود جميع الناطقين ، أي الأناسي ، و ليست مقيدة بكونها زيداً أو عمراً هي موجود دهري فوق الحياة المطلقة و قد استقرت في وسط الدهر ، أو روح القدس المطلقة من قيود جميع الأنبياء و ليست مقيدة بأشخاصهم هي موجود دهري مستقرة في أعلي عالم الدهر ، و جميع هذه المطلقات هي فوق عالم الزمان و نسبتها بأول زمانها و آخره واحد . و الحال أنّ القيامة هي بهذا الشكل و يوم القيامة مطلق [ص 52] جميع الأيام و الأزمنة و أرض القيامة مطلق جميع الأمكنة ، و كما أنّ الجسم المطلق حاضر في جميع الأجسام الجزئية و لايكون في خارجها و لا في نسقها و لا إلي جانبها كذلك يوم القيامة حاضر في جميع أزمنة الدنيا و ليس في خارجها و لا محدوداً بها و لا في نسقها كأن يكون ، مثلاً ، واحداً من أيام الأسبوع أو أشهر السنة أو سنوات هذه الدنيا ، بل جميعها حاضرة عنده و هو حاضر فيها جميعاً ، و الشواهد علي هذا الكلام موجودة في الأخبار . فمثلاً جاء في حديثٍ أنّ أيام الأسبوع تأتي في القيامة و أمامها يوم الجمعة ، و الحال أنه لو كان يوم القيامة واحداً من هذه الأيام لمااتسع لسائر الأيام ، و من هنا يفهم الشخص العالم أنّه فوق جميع الأزمنة و ليس واحداً من تلك الأيام ، بل جميع الأيام مجموعة فيه ، و لذلك جاء في الحديث أنّ القيامة يوم الجمعة ، أي جميع الأيام و جميع الأشخاص مجموعون فيه ، و لذلك سمّي يوم القيامة بيوم الجمع ، و لكن الجاهل عند ما يسمع أنّ القيامة تقوم يوم الجمعة يتصوّرها هذه الجمعة التي تأتي بعد الخميس و قبل السبت . نعم يمكننا القول بأنّ آثار يوم القيامة في أيام جُمَعِنا أكثر ظهوراً . فمثلما أنّ ظهور آثار الحياة الكلية ، مثلاً ، في الحيوانات مختلف و في بعضها أكثر ظهوراً أو ظهور آثار النفس الناطقة الكلية في بعض الأفراد أكثر و ظهورها الجامع هو في وجود الخاتم صلي الله عليه و آله أو ظهور روح القدس في جميع الأنبياء لم‌يكن واحداً و ظهوره الجامع في خاتم الأنبياء و الأئمة الأطهار عليهم السلام ، و الحال أنّ ظهور يوم القيامة هو كذلك في يوم جمعتنا أكثر من سبتنا فإذا خصّ بالجمعة فهو من هذا الباب . أو الصراط الذي حقيقته المطلقة السير إلي الله ظهوره الكامل في السير الدنيوي لطلب العلم [ص 53] في القري الظاهرة و كسب المعرفة بالإمام عليه السلام ، و الجنة التي هي حقيقة كافة الأعمال الحسنة و ظهورها في الأعمال الحسنة للمؤمنين ، و جهنم التي هي حقيقة كافة الأعمال السيئة و ظهورها في الأعمال السيئة للكفار ، حيث يقول تعالي : ﴿ إنّ جهنمَ لمحيطةٌ بالكافرين ﴾ ● و الصراط و الجنة و جهنم موجودة و مُقامة في عالم الدهر و ظهورها هنا و حقيقتها هناك .

نعم ، هذه مسائل عويصة طريق فهمها هو زيادة الفهم بواسطة العمل بشرائع و أوامر الشارع المقدس و تهذيب النفس و ما دام ذلك الفهم لم‌يأت و تلك البصيرة لم‌تنفتح ، فإنه لايمكن إدراك تلك المباحث بمشعر آخر غير مشعرها الخاص ، مثلما أنّ المرئيات لايمكن رؤيتها بالأذن و المسموعات لايمكن سماعها بالعين و لا فائدة من التوضيح الكثير قبل تلك الرؤية و قد يؤدّي إلي الحيرة و المقدار الذي ذكرته كان لتنبّه خاطرك أنّ المباحث الموجودة خلف هذه المباحث الظاهرة كثيرة و هناك حقائق كثيرة في ما وراء تصورات العوام هذه ، حيث يجب علي الناس أن يرتقوا بتحصيل العلم و العمل به ، شيئاً فشيئاً ، من كونهم عاميين في الصف الأول إلي الصف الثاني و يتعلّموا دروس ذلك الصف ليكون لديهم استعداد الترقي إلي صفوف أعلي و لكن مع الأسف ، أغلبهم يراوحون مكانهم و يُعرِضون عن العلم و العمل و تذكير العلماء ﴿ يا حسرة علي العباد مايأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون ﴾ ● .

[ص 54] السؤال ● - ما معني أنهم قالوا داخل في الأشياء لا كدخول شيء في شيء و خارج عن الأشياء لا كخروج شيء عن شيء مع كل شيء ؟

الجواب - الظاهر أنّ هذا الكلام هو نقل بالمعني و المضمون لقول أميرالمؤمنين عليه السلام ، حيث قال في حديث له في صفة الله تعالي : ﴿ داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل ، و خارج من الأشياء لا كشيء من شيء خارج ، سبحان من هو هكذا و لا هكذا غيره و لكل شئ مبدأ ﴾ ● . لكنني لم‌أرَ حديثاً باللفظ الذي كتبتَه و ليس بعيداً أيضاً أن يوجد ، و علي كلّ حال معناه صحيح و المراد منه توحيد الله تعالي في مقام آياته و صفاته و إلّا فإنّ ذاته تعالي حتي من هذا الشرح و الوصف منزهة ، فهو تعالي يقول : ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ ● ، و هذا الشرح هو حول صفات الله و آياته التي أظهرها في الآفاق و الأنفس ، و مثلها في الآفاق دخول المطلقات في المقيدات و خروجها منها مثل الجسم المطلق الذي هو داخل في جميع الأجسام المقيدة الجزئية ، ليس مثل دخول الماء في الكوز ، حيث يكون الماء محدوداً بالكوز و الكوز بالماء و هو خارج من الأجسام الجزئية ليس مثل خروج الأشياء من بعضها البعض ؛ واحداً إلي جانب الآخر ، و مثله في الأنفس نفس الإنسان التي هي داخلة في جميع أعمالها و هي منها خارجة و منزهة عنها .

[ص 55] و في الختام ، أعتذر عن التأخّر في جواب الأسئلة و أتمنّي أن تكون موفقاً في تحصيل العلم و العمل به إن شاء الله و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي أعدائهم أجمعين .

تمّ علي يد العبد المسكين عبدالرضا بن أبي‌القاسم بن زين‌العابدين في قرية أحمدآباد من قري كرمان بتاريخ ٢٩ محرم ١٣٩٣ .