قال روحي فداه و عجل الله فرجه : و بارك لنا في شهرنا هذا المرجب المكرم و ما بعده من اشهر الحرم الدعاء ،
اشارة الي شهر رجب و المرجب كمعظم وزنا و معني علي صيغة المفعول و اصله [ص 258] من رجب رجبا كفرح فرحا او كقعد رجبا كفلس اذا عظمه و سمي شهر رجب شهر رجب لان الناس في الجاهلية كانوا يعظمونه و يحرمون فيه القتال كذا قيل و هو في الاسلام ايضا معظم و قد ورد في حرمته اخبار و قال في المجمع في الحديث رجب نهر في الجنة اشد بياضا من اللبن و احلي من العسل و روي المجلسي (ره) في شأنه عن رسول الله صلي الله عليه و آله ان رجب شهر الله الاعظم و لايبلغه شهر في حرمته و فضيلته و يحرم فيه القتال و هو شهر الله و شعبان شهري و رمضان شهر امتي من صام يوما منه يستوجب رضا الله منه و عدم غضبه عليه و يسد عليه باب من ابواب النار و روي عن الصادق عن رسول الله صلي الله عليه و آله انه يسمي بالاصب لانه يصب فيه رحمة الله علي امتي فاكثروا من قول استغفر الله و اسأله التوبة ، و روي في فضله و فضل العبادة و الصيام و الاستغفار فيه اخبار كثيرة تصدي لنقلها الاصحاب و لست بصدد بيان الظواهر ثم انه من اشهر الحرم و هي اربعة ثلثة مجتمعة متوالية و واحدة مفردة و قد ورد في عداد الاشهر و تعيين الحرم اخبار اقتصر بذكر بعضها : ففي كنزالدقايق عن ابيجعفر عليه السلام قال حدثني ابي علي بن الحسين عن اميرالمؤمنين ان رسول الله صلي الله عليه و آله لما ثقل في مرضه قال ايها الناس ان السنة اثناعشر شهرا منها اربعة حرم ثم قال بيده رجب مفرد و ذوالقعدة و ذوالحجة و المحرم ثلث متواليات الحديث ، و عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل ان عدة الشهور عند الله اثناعشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الارض قال المحرم و صفر و ربيعالاول و ربيعالآخر و جماديالاول و جماديالآخر و رجب و شعبان و رمضان و شوال و ذوالقعدة و ذوالحجة منها اربعة حرم عشرون من ذيالحجة و المحرم و صفر و شهر ربيعالمولود و عشر من ربيعالآخر و عن ابيجعفر عليه السلام في حديث ماخلق الله بقعة في الارض احب اليه منها ثم اومي بيده نحو الكعبة و لا اكرم علي الله تعالي منها اما حرم الله [ص 259] الاشهر الحرم في كتابه يوم خلق السموات و الارض ثلثة متوالية للحج شوال و ذوالقعدة و ذوالحجة و شهر مفرد للعمرة رجب ، اقول ان المشهور بين علمائنا رضوان الله عليهم ان الاشهر الحرم رجب مفردا و ثلثة متوالية ذوالقعدة و ذوالحجة و محرم و لست الآن في صدد نقل جميع اخبار الباب و التفقه فيها و المراد محض بيان عظمة شهر رجب و يكفي في عظمته ان الله سبحانه قد خصه بنفسه و افرده من ساير الاشهر الحرم و خصه الله بفضايل كثيرة و قد علم الامام عليه السلام شيعته هذا الدعاء العظيم الجليل في هذا الشهر طلبا للرحمة و المغفرة و البركة من الله سبحانه و قد قال بارك لنا علي الاطلاق و هو طلب البركات المطلقة الظاهرية و الباطنية اما البركات الظاهرية فظاهرة و اما الباطنية فهي زيادة المعرفة به و بنبيه صلي الله عليه و آله و عترته صلوات الله عليهم و شيعتهم و زيادة العلوم و العبادات و المقامات العالية و الدرجات في الجنات فان العبد اذا عظم الشهر الذي عظمه الله و احبه و عرف قدره بتعظيم الله عز و جل و حبه له و عبده فيه و توجه اليه لصار مستحقا لرحمة الله و يستجيب الله لذلك دعاءه و يرحمه و يبلغه مناه و يغفر له و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و لما اتينا علي مجمل من بيان الظاهر لا علينا ان نرخي العنان في شرح الباطن : فاقول ان ما نطق به الاخبار ان الشهور في الباطن هم الائمة عليهم السلام و لا بد من بسط المقال في الجملة في بيان الحقيقة حتي يتضح ذلك فاقول قد مر سابقا ان النبي صلي الله عليه و آله هو اول ما خلق الله من الاكوان و الاعيان لميسبقه احد من الخلق و لميلحقه لاحق منهم و هو عرش جميع الخلق عرشه الله عليهم و ذلك قول الله تعالي و كان عرشه علي الماء و ذلك قبل خلق الخلق بما لايحد و هذا العرش هو مستوي الرحمن الذي قال الرحمن علي العرش استوي و الله سبحانه هو صاحب هذا العرش اذ قال رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من امره علي من يشاء فهو اطلس عن جميع الكثرات بريء عن كل الحدود [ص 260] و هو قطب الوجود يدور عليه جميع الكاينات للاستفاضة بالاستدارة الحقيقية و هو يتحرك علي الكل بالامداد و الافاضة ثم ان الله سبحانه قد خلق اخاه و وليه من نفسه فصار قرينه و ظاهره و قام معه في الوصل و ان كان في عالم الحقيقة معه و لايفارقه و هو كرسي الملك الذي احاط بجميع الكاينات و قد قال عليه السلام ان جميع ملك الله في الكرسي و قال الله تعالي وسع كرسيه السموات و الارض و لايؤده حفظهما و هو العلي العظيم و الضمير باحد المعاني راجع الي الكرسي اي الكرسي الذي وسع جميع الملك العلي العظيم صلوات الله عليه و هو مع العرش بابان من ابواب الغيب و جميع ما ينزل من الغيب ينزل منهما الا ان العرش هو باب الاجمال و الغيب و الكرسي هو باب الظاهر و التفصيل فجميع ما هو مذكور في العرش بالمعنوية و الكلية يذكر في الكرسي بالصورية و الجزئية علي حسبه اذ هو ايضا في نفسه كلي بالنسبة الي ما دونه الا انه جزئي بالنسبة الي العرش و لذلك صار محل البروج و المنازل ثم لا شك ان كل موجود لايتكمل وجوده الا باكوان ثلثة و كيفيات اربع روحانية و نفسانية و جسدانية اما الاكوان فيثبت له اعلي الي ربه و هو حيث اجماله و اسفل الي نفسه و هو حيث تفصيله و بينهما برزخ هو منتهي الاجمال و مبدؤ التفصيل و ذلك تأويل قوله تعالي مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان اي بحر الغيب و الشهادة و البرزخ بينهما و اما الكيفيات فهي الطبايع الاربع فان تركيب كل شئ منها لا محالة و ذلك قوله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين و الزوجان اربعة لا محالة و قد قال الامام عليه السلام ان الله لميخلق شيئا فردا قايما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه ، ثم بين عليه السلام ما حاصله ان لكل شئ فعلية اي حيث فعل و حيث مفعول و كل منهما لا محالة مركب من مادة و صورة فهذه اربعة و حاصل جمع الثلثة مع الاربعة سبعة فكليات مراتب العرش سبعة و الكرسي كذلك الا انها في العرش في غاية الاتحاد و في الكرسي تفصيله اكثر و لكن كمال الظهور و التفصيل في الافلاك فصارت [ص 261] سبعة و في كل منها يغلب كون او كيفية منها و كل فلك له ظاهر و باطن باطنه يحكي عما يخصه من العرش و ظاهره من الكرسي فهي السبع المثاني حاصلها اربعةعشر فالعرش و الكرسي في عالمهما اثنان يؤلان الي واحد و في الافلاك تفصلا الي اربعةعشر سبع عرشيون و سبع كرسيون عدد المعصومين صلوات الله عليهم ثم لا شك ان الاكوان كل منها يكون مربع الكيفية لان الروح مركب لا محالة و النفس مركبة و الجسد مركب علي ما مر و حاصل ضرب الثلثة في الاربعة اثناعشر و قد ظهرت في الكرسي علي صورة البروج الاثنيعشر و ذلك قوله تعالي و السماء ذات البروج و هم شؤن الولاية الكلية قد ظهرت في عالم التفصيل باثنيعشر فتدبر و هي عدد الائمة صلوات الله عليهم و عدد النقباء و الاسباط و اوصياء الانبياء علي قول و هي العدد الجامع في الاعداد لاشتماله علي حاصل ضرب الاكوان في الكيفيات ، و اعلم ان الافلاك كلها ظهورات العرش و الكرسي و عددها سبعة و هي مع ملاحظة بواطنها اربعةعشر و ذلك لان العرش و الكرسي اختارا من بينهما ظهورين لنفسيهما بمعني انهما احكي لهما من ساير الظواهر و هما فلك الشمس و القمر و قد يعبر عنهما باسم الشمس و القمر فالشمس ظهور العرش و القمر ظهور الكرسي في عالم الجزئية و الشخصية كما ان الائمة الاطياب صلوات الله عليهم كلهم محمد و علي في الحقيقة الا ان لهما ظهورين كاملين بينهم و هما محمد و علي الشخصيان المعروفان و قد ارسلا لتكميل قوابل الامكان و استخراج ما استجن فيها من الاكوان الشرعية و الكونية و ذلك لايمكن الا بحركتهما و سيرهما في مراتب التفصيل اي البروج فان لكل برج فعلية كاملة تامة مما يحتاج اليها قوابل الامكان في وجودها و بقائها شرعا و كونها فان في عرصة التشخص لايمكن حكاية جميع الكمالات لكل برج في كل حين و لذلك تعددت البروج و لا بد من سير شمس النبوة و قمر الولاية فيها للانصباغ بفعلياتها و تكميلها بها مع انهما [ص 262] لايفقدان في الحقيقة كمالات البروج و لكن في الظاهر صار الامر هكذا لحكم كثيرة فلذلك قدر الله سيرهما في البروج و ذلك قوله تعالي و الشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم و قال و القمر قدرناه منازل حتي عاد كالعرجون القديم و تمام دورة الشمس في البروج سنة كاملة لكل برج شهر فالشهر مدة سير الشمس في برج واحد و اما القمر فهو يسير اقل من شهر دورة لسرعة سيره و جزئيته و بذلك يستخرج قوي الارض ، فاذا عرفت حقيقة الامر اقول ان ما ذكرناه في عالم الغيب و الحقيقة و لكن الغيب تجلي علي ذلك في جميع العوالم الي ان انتهي الامر الي عالم الاجسام فان امر الاجسام ايضا الي ذلك فالعرش و الكرسي ظهوران لكلية محمد و علي عليهما السلام و الافلاك و البروج ظهور جزئيتهم علي ما مر بلا تفاوت فان جميع العوالم ظهوراتهم و آياتهم و العارف يعرف حقيقة ذلك و لايري في شئ من الظاهر و الباطن الا نورهم و ظهورهم و آيتهم و بالجملة فاذا تبين لك ذلك فاعلم ان مدة سير شمس النبوة في بروج كرسي الولاية و هم الائمة عليهم السلام سنة كاملة و مدة طيها لبرج شهر فكل شهر في الباطن امام من الائمة عليهم السلام و اذا عرفت مما مضي ان ساير الافلاك ايضا ظواهرهم و عرفت سير الكواكب في البروج تعرف ان كل امام من الائمة لا بد له من التربية و التجلي بجميع الفعليات الكاملة من شؤن الولاية و لست الآن بصدد بسطه و المراد الاشارة علي نحو الاجمال فالشهور الاثنيعشر الائمة الاطياب عليهم السلام ، بقي شئ و هو ان حاصل البيان ان الشهور الشمسية هم الائمة الاطهار عليهم السلام و لكن ظواهر الاخبار تدل علي تأويل الشهور القمرية ايضا بهم فاقول اما في عالم الحقيقة فمآل الشهور القمرية و الشمسية الي واحد فان الاختلاف حاصل من اختلاف الحركات المحورية فان في عالم الحقيقة بل فوق الدنيا شهورهم و سنيهم غير متفاوتة و اما في الدنيا فيمكن ان يقال ان قمر الولاية [ص 263] مخصوص بهداية الخلق الي صراط مستقيم و به يعين شهورهم و ايام عباداتهم و حجهم و جهادهم و اعيادهم و ساير ما يلزمهم و ذلك قوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد اي امام و هو مع ذلك جزئي بالنسبة الي الشمس الكلية فالشمس تكمل القوابل بسيرها دورة ما لايكمل القمر مثله الا في دورات مع ان القمر اخوها و معينها و ناصرها فلا بد و ان يعينها في التكميل بنقل انوار ساير البروج و الكواكب اليها و اداء فعلياتها اليها في عالم الشخصية مع ان الكل منها و اليها في عالم الحقيقة فلا بد من سير القمر في مدة مكث الشمس في برج دورة كاملة في تمام البروج بزيادة شئ لاعانة الشمس باداء انوار الكواكب و البروج اليها بانواع المزاجات و النظرات و تكميله ايضا القوابل بحسبه علي ما ينبغي له و ذلك قول علي عليه السلام في عالم التشخص علمته علمي و علمني علمه ، فافهم و وجه آخر ان تكميل الله عباده بحسب مصلحتهم و مصلحة الخلايق في تغير حالات قمر الولاية في الشدة و الضعف و ذلك لايحصل الا بسيره دورة كاملة فلذلك كله قدر سير القمر منازل لتعلموا عدد سنين ظهور نور النبوة و الحساب و انواع العبادات و التكملات في عرصة الاعراض و سمي مدة سير القمر دورة بزيادة شئ شهرا و اول الي امام من الائمة الاطهار و ساير الوجوه الحكمية كثيرة اقتصرنا علي ذلك ثم ان من الائمة عليهم السلام اربعة حرم و هم افضل الائمة صلوات الله عليهم اولهم اميرالمؤمنين عليه السلام و الثاني الحسن بن علي و الثالث ابوعبدالله حسين بن علي صلوات الله عليهم و هم ثلثة متوالون و واحد فرد قايم وحده و هو رجب القايم المؤمل المنتظر صلوات الله عليه فافهم و يدل علي ذلك صريح قوله تعالي ان عدة الشهور عند الله اثناعشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلاتظلموا فيهن انفسكم فانه لا شك ان الشهور الظاهرية بيانها اولا لايحتاج الي هذا التأكيد و ذلك قوله عند الله فان عدة هذه الشهور عند جميع مشركي العرب كان ذلك [ص 264] فما وجه تخصيص عددها بعنده و كذلك قوله في كتاب الله اي ذلك مما قدره في اللوح او اوجبه علي عباده و عدة هذه الشهور لايحتاج الي هذا التأكيد و حصول التفاوت فيها لايضر بالدين و كذلك قوله يوم خلق السموات و الارض و لا شك ان هذه الشهور حاصلة من حركة الشمس و القمر و لمتكن يوم خلق السماوات بل بعد ما خلقها و اكمل خلقها ادار الافلاك علي الارض و كذلك ذلك الدين القيم و لا شك ان عدة الشهور لا ارتباط لها بالدين الا بوجه جزئي و ذلك لايحتاج الي هذا التأكيد مع انا نري انه لميؤكد العبادات العظيمة بهذا التأكيد ثم نهي عن ظلمهم بانفسهم فيهم و ذلك ادل دليل علي المراد من ان عدة الشهور غير هذه الشهور الظاهرية فتدبر ، و يدل علي ذلك من الاخبار ما رواه ابوحمزة قال كنت عند ابيجعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام ذات يوم فلما تفرق من كان عنده قال يا اباحمزة من المحتوم الذي حتمه الله قيام قائمنا فمن شك فيما اقول لقي الله و هو كافر به و له جاحد ثم قال بابي و امي المسمي باسمي المكني بكنيتي السابع من ولدي يأتي فيملأ الارض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما يا اباحمزة من ادركه فيسلم ما سلم لمحمد صلي الله عليه و آله و علي فقد وجبت له الجنة و من لميسلم فقد حرم الله عليه الجنة و مأواه النار و بئس مثوي الظالمين و اوضح من هذا بحمد الله و انور و ابين و ازهر لمن هداه و احسن اليه قول الله في محكم كتابه ان عدة الشهور عند الله اثناعشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلاتظلموا فيهن انفسكم و معرفة الشهور المحرم و صفر و ربيع و ما بعده و الحرم منها رجب و ذوالقعدة و ذوالحجة و المحرم و ذلك لايكون دينا قيما لان اليهود و النصاري و المجوس و ساير الملل و الناس جميعا من المنافقين و المخالفين يعرفون هذه الشهور و يعدونها باسمائها و ليس هو كذلك و انما عني بهم الائمة القوامين بدين الله و الحرم منها اميرالمؤمنين [ص 265] علي الذي اشتق الله له اسما من اسمائه العلي كما اشتق لمحمد صلي الله عليه و آله اسما من اسمائه المحمود و ثلثة من ولده اسماؤهم علي بن الحسين و علي بن موسي و علي بن محمد فصار لهذا الاسم المشتق من اسماء الله عز و جل حرمة به يعني اميرالمؤمنين صلوات الله عليه ، و الاخبار بهذا المعني متعددة و قد يأول ذلك بوجه آخر و هو ما ورد عن مولانا ابيجعفر عليه السلام في تأويل الآية ان عدة الشهور الآية ، سئل عنها فتنفس الصعداء ثم قال يا جابر اما السنة فهي جدي رسول الله صلي الله عليه و آله و شهورها اثنيعشر شهرا فهو اميرالمؤمنين الي و الي ابني جعفر و ابنه موسي و ابنه علي و ابنه محمد و ابنه علي و الي ابنه الحسن و الي ابنه الهادي المهدي اثناعشر اماما حجج الله في خلقه و امناؤه علي وحيه و علمه و الاربعة الحرم و الدين هم الدين القيم و اربعة منهم يخرجون باسم واحد علي اميرالمؤمنين و الي علي بن الحسين و علي بن موسي و علي بن محمد و الاقرار بهؤلاء هو الدين القيم فلاتظلموا فيهن انفسكم ، و في هذين الخبرين اول الاشهر الحرم الي العليين صلوات الله عليهم و في مرآةالانوار روي ان الاربعة الحرم علي و الحسن و الحسين و القائم بدلالة قوله تعالي ذلك الدين القيم ، اقول ان لكل وجها اما كون الائمة الاربعة الحرم فلشرافتهم علي ساير الائمة عليهم السلام و اما اختصاصها بالعليين عليهم السلام فلان تمام النبوة بالولاية كما ان تمام الاقرار بها الاقرار بالولي و لذلك يكون الاقرار بالنبي دون الولي ناقصا و لايقبل فلذلك صار الاقرار بالولي مخصوصا بالمؤمنين و من هذا الباب يقال انه اشرف و ان من الائمة يحكون نور الولاية و منهم يحكون نور النبوة و بملاحظة كل من سمي منهم عليا يكون حاكيا للولاية و من سمي منهم محمدا يكون حاكيا للنبوة من باب ان الاسماء تدل علي معانيها الخاصة بها و هي تنزل من السماء بحسب القابلية فكل مسمي يحكي الولاية يسمي عليا و كل من يحكي النبوة يسمي محمدا و الاقرار بالعليين يخص بالمؤمنين فصاروا حرما و تلك [ص 266] الحرم هي الدين القيم عند الله فعن الصادق عليه السلام ان الاربعة الحرم المذكورين اخيرا هم الدين القيم ، و بالجملة فاذا عرفت ذلك فاعلم ان شهر رجب المرجب من اشهر الحرم و علي وجه يكون تأويله القايم عجل الله فرجه و علي تأويل يكون عليا عليه السلام و الثلثة المتوالية العليون الثلثة لكونهم في عرض واحد و علي اي حال يسأل ربه ان يبارك له في هذا الشهر المعظم اي القايم او اميرالمؤمنين عليهما السلام و ما بعده من اشهر الحرم اي الائمة الثلثة صلوات الله عليهم بنزول البركات السماوية و الارضية و الغيبية و الشهادية جميعها منهم و فيهم و بهم صلي الله عليهم فان الله سبحانه جعلهم معادن بركاته و البركة بمعني النماء و الزيادة و السعادة و هم القري الباطنية المباركة و قد امر الناس بالسير فيها لطلب البركات بواسطة القري الظاهرة كما قال الله في كتابه و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و قد مر سابقا الاشارة الي شرح الآية الكريمة و لا نحتاج الي تكرارها و كذلك قد مر سابقا ما يغنيك عن تفصيل القول في طلب البركة فيهم فانه لا شك ان جميع ما ينزل من الله ينزل بسببهم و هم الوسايط و السبل الي الله و يمكن ان يكون المعني طلب الزيادة في ولايتهم فان قولك بارك الله فيك زاد فيك و اسعدك فقولك بارك لنا فيهم اي في ولايتهم و الاعتصام بحبلهم و التمسك بعروتهم الوثقي .
قال عجل الله فرجه : و اسبغ علينا فيه النعم الدعاء ،
سبغت النعمة سبوغا كقعد اتسعت و الشئ تم و الدرع و كل شئ طال من فوق الي اسفل فقد سبغ فقولك اسبغ علينا فيه النعم اي وسع علي النعمة او اتم و اكمل علي النعم و قد حلي النعم بالالف و اللام ليكون عمومه و شموله اكثر اي جميع النعم المتعلقة بالدين و الدنيا و في الباطن يراد منها الولاية و ذلك قوله تعالي ثم لتسألن يومئذ عن النعيم و ورد ان جماعة تغدوا مع الامام عليه [ص 267] السلام فقال بعضهم لبعض لتسألن عن هذا النعيم فقال عليه السلام الله اجل من ان ينعم عبده بنعمة ثم يسأله عنها بل هي ولايتنا و ورد في تأويل النعيم و النعمة روايات اتبرك بذكرها ففي مرآةالانوار عن الباقر عليه السلام في قوله تعالي يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها قال عرفهم النبي ولاية علي عليه السلام و امرهم بولايته ثم انكروا بعد وفاته و عن ابنعباس في قوله تعالي و اما بنعمة ربك فحدث قال اي حدثهم بفضايل علي عليه السلام في كتاب الله لكي يعتقدوا ولايته و في كتاب ابنالبطريق عن الصادق عليه السلام في قوله تعالي ثم لتسألن يومئذ عن النعيم قال يعني الامن و الصحة و ولاية علي عليه السلام و من تفسير العياشي و غيره عن الصادق عليه السلام انه قال لابيحنيفة لما سأله عن معني النعيم في هذه الآية يا نعمان نحن اهل البيت النعيم الذي انعم الله بنا علي العباد و بنا ايتلفوا بعد ان كانوا مختلفين و بنا الف الله بين قلوبهم و جعلهم اخوانا بعد ان كانوا اعداء و في المجمع عن الصادق عليه السلام نحن والله نعمة الله التي انعم بها علي عباده بنا يفوز من فاز الخبر ، و عنهما عليهما السلام في قوله تعالي بدلوا نعمة الله كفرا ، نعمة الله رسوله صلي الله عليه و آله اذ يخبر امته بمن يرشدهم من الائمة عليهم السلام الخبر ، و عن الصدوق في قوله تعالي و اسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة فقال اما النعمة الظاهرة فالنبي صلي الله عليه و آله و ما جاء به من معرفة الله و توحيده و اما النعمة الباطنة فولايتنا اهل البيت و عقد مودتنا فاعتقد قوم هذه النعمة الظاهرة و الباطنة و اعتقدها قوم ظاهرة و لميعتقدوها باطنة الخبر ، و في رواية اخري عن الكاظم عليه السلام في الآية المذكورة قال النعمة الظاهرة الامام الظاهر و الباطنة الامام الغايب انتهي ، فظهر من هذه الاخبار ان النعمة الحقيقية آلمحمد عليهم السلام و معرفتهم و ولايتهم و الاقرار بهم و التسليم لامرهم و ذلك ان النعمة في اللغة بمعني المال و العطية و التنعم بمعني الترفه و التمتع و لا شك ان الاموال الدنيوية عارضية [ص 268] و عطاياها زايلة و هي لاتكون مال ينتفع به الانسان و يتمتع به بل هي متعلقة بالاعراض و تزول بزوالها و ملكها للعبد لايكون الا باضافة عرضية تزول في اقل وقت و ما دام النسبة ايضا لاتكون ملكا حقيقيا الاتري انك لاتقدر علي التصرف فيه في جميع الحالات و الاوقات و ليس معك في كل حال و لو كان مالك في الحقيقية لمابعد عنك طرفة عين فالمال الحقيقي ما يكون معك في كل حال في حياتك و مماتك و غيبتك و شهودك و تنتفع به في الحقيقة فهو لايكون الا ما هو مع ذاتك و تنتفع به و تستمد منه في كل حين و تعيش به في حال موتك و حياتك و هو الولاية الحقيقية بالبداهة بل هو آلمحمد صلوات الله عليهم اذ هم الذين ينتفع بهم العبد في كل حال و من الله بهم علي عباده فهم النعمة الواقعية و العطاء غير المحظور و لو لميمن بهم علي عباده لمابقي احد و بطل وجود الخلق في الحقيقة و الواقع و لذلك صار الواجب علي عباده شكره بسببهم فمنهم من امن بشكره لهم و منهم من كفر كما قال يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و لذلك سلب الله عنهم هذه النعمة و المنعم الحقيقي بهذه النعمة العظيمة شيعتهم اذ شكروا نعمة الرب فزادهم كما قال لئن شكرتم لازيدنكم و لئن كفرتم ان عذابي لشديد و قد امر عباده ان يسألوه ان يسلك بهم و يهديهم الي صراط المنعمين كما قال تعالي صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين فعن الباقر عليه السلام في قوله تعالي صراط الذين انعمت عليهم قال بان هديتهم بالاسلام و بولاية علي عليه السلام فلمتغضب عليهم و لميضلوا و عن النبي (ص) قال شيعة علي الذين انعمت عليهم بولاية علي عليه السلام و من تفسير الامام في شرح صراط الذين الآية ، قال بعد كلام له و انما امرتم بالدعاء بان ترشدوا الي صراط الذين انعم الله عليهم بالايمان بالله و بتصديق الرسول و بالولاية لمحمد و آله و بالمعرفة بحقوق الايمان و بالتقية الحسنة التي يسلم بها من اشر عباد الله و من الزيادة في آثام عباد الله انتهي ، فظهر من هذه الاخبار [ص 269] الشريفة ان المنعم من تنعم بنعمة ولايتهم فالمتنعم الحقيقي شيعتهم فدعاؤك و مسألتك ان يوسع عليك النعمة اي الولاية و المعرفة و ساير ما ذكر في الباطن و الظاهر و باسباغ هذه النعمة يعطي الانسان كل عطية و كل نعمة و يزيد شرفا و منزلة و يستحق الانسان بذلك جميع النعم .
قال صلي الله عليه : و اجزل لنا فيه القسم و ابرر لنا فيه القسم الدعاء ،
الجزل و الجزيل بمعني الكثير فالعطاء الجزل و الجزيل بمعني الكثير فاجزل لنا اي اكثر او من جزل جزالة كضخم ضخامة بمعني عظم و الحاصل واحد و القسم بكسر القاف و فتح السين جمع قسمة كسدرة و سدر بمعني النصيب و هي اسم فقوله اجزل لنا فيه القسم اي اكثر نصيبنا مما قسمته لنا و قد اطلق القول لشموله و عمومه اي ما قدرت لنا من الارزاق الدنيوية و الاخروية اي من العلوم و الحكم و المعارف و من الارزاق الدنيوية و اعلم ان الرزق ما ينتفع به و العطاء و قد سمي ما يطعم به بالرزق لانتفاع الانسان به و هو دايما في بقائه يحتاج الي الرزق من الله و الله هو الرزاق و يرزق اهل كل عالم بما يناسبهم فالابدان الدنيوية تحتاج الي ارزاق دنيوية و الارواح تحتاج الي ارزاق روحانية و النفوس الي ارزاق نفسانية و هكذا و الله يرزقهم بحسب اقتضائهم فرزق النفوس العلوم لانها نبتت من ارض العلم و خلقت من عناصرها فغذاؤها منها كما ان الحيوان المخلوق في الارض يتغذي من نبات الارض و لذلك قال الامام عليه السلام في تأويل قوله تعالي فلينظر الانسان الي طعامه اي الي علمه عمن يأخذه ، فان طعام النفس علمها فانها تتقوي و تزداد بعلمها كما يتقوي البدن بغذائه فطلبك زيادة القسمة علي الاطلاق يشمل العلوم و كذلك المعارف غذاء الفؤاد و هو يتقوي بها و الحكم غذاء العقول و هي تتقوي بها و لذلك يضعف هذه المشاعر بترك العلم و الحكمة حتي تفني بالمرة و العجب من اناس لميطلبوا العلم ابدا و لميكسبوا الحكمة و [ص 270] المعرفة و مع ذلك يدعون الانسانية و هم بهايم كالانعام بنص قوله تعالي ان هم الا كالانعام بل هم اضل و قال هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون فتدبر و في الباطن نقول ان القسمة و النصيب الحقيقي الذي رزقه الله العباد هم آلمحمد عليهم السلام و شيعتهم كما مر سابقا انهم النعمة الحقيقية و القسمة ليست الا نصيب كل احد من النعمة فقول العبد اجزل القسمة اي نصيبنا من ولايتهم و معرفتهم و نظرهم الينا بالرأفة و الرحمة و العطوفة و امثال ذلك ، قوله و ابرر لنا فيه القسم فالقسم بفتح القاف و السين بمعني الحلف و اليمين و فلان ابر قسمه اي صدق فقوله ابرر لنا فيه القسم اي اجعله صادقا اي وفقنا في هذا الشهر علي القسم الصادق و لاتكلنا الي انفسنا حتي نكذب في قسمنا كما قال في كتابه و لاتجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا و يشمل هذا السؤال جميع المعاهدات و النذور و العهد الذي يعاهد الانسان ربه ان لايعصيه و يطيعه و كذلك العهود المستحكمة التي عاهد الله عباده في الذر و المواثيق التي واثقهم بها فان القسم ليس الا لتأكيد البيان و تقريره بالاستشهاد بالمقسم به و كذلك امر هذه العهود فسؤال ابرار القسم شامل للجميع و قد امر العبد بسؤال جميع الاشياء من ربه لان الامر كله بيده و لذا ورد ان الله امر موسي ان يسأله كل شئ حتي ملح طعامه فالله الذي يحفظ الانسان في كل حال من كل خطاء فالواجب علي الانسان ان يسأله من كل شئ فتدبر .
قال صلي الله عليه و عجل الله فرجه : باسمك الاعظم الاعظم الاجل الاكرم الذي وضعته علي النهار فاضاء و علي الليل فاظلم الدعاء ،
اعلم ان الاسم علي ما قال بعض اللغويين اصله سمو بالكسر او بالضم من السمو و هو العلو وزنا و معني و في المعيار الدليل عليه انه يرد الي اصله في التصغير و جمع التكسير و يقال سمي و اصله سميو قلبت الواو ياءا لانها الحرف [ص 271] الرابع و ادغمت في ياء التصغير و اسماء كجسم و اجسام و قفل و اقفال و علي هذا فالناقص منه اللام و وزنه افع بالكسر او الضم و الهمزة عوض عنها و هو القياس ايضا لانهم لو عوضوا موضع المحذوف لكان المحذوف اولي بالاثبات و ذهب بعض الكوفيين الي ان اصله وسم لانه من الوسم و هو العلامة فحذفت الواو و هي فاء الكلمة و عوض عنها الهمزة و علي هذا فوزنه اعل بالكسر او الضم و هذا ضعيف لانه لو كان كذلك لقيل في التصغير وسيم و في الجمع اوسام و لانك تقول اسميته و لو كان من السمة لقلت وسمته و عن ابي العلامة اعلي الله مقامه الاسم عند اهل البصرة من الاسماء المحذوفة الاعجاز و اشتقاقه من السمو لانه رفعة للمسمي و استدلوا بتصريفه علي اسماء و اسامي و سمي علي صيغة التصغير و سميت تسمية و اسميت اسماءا و سما كهدي قال الشاعر : و الله اسماك سما مباركا ، و عند اهل الكوفة من المقلوبة الاوايل اصله وسم قلبت واوه همزة و قيل حذفت واوه و عوضت عنها همزة الوصل ليقل اعلاله و يؤيد قول الكوفيين ما روي عن الرضا عليه السلام في معني بسم الله قال اي اسم نفسي بسمة من سمات الله قيل و ما السمة قال عليه السلام العلامة انتهي ، و لعل ذلك من باب الاشتقاق الكبير فسمعه اهل الكوفة منهم و لميعقلوه و الاشتقاق الصغير علي ما قاله اهل البصرة انتهي كلامه اعلي الله مقامه ، اقول اما وجه اشتقاقه من السموّ بمعني العلو فظاهر و قد اختير الاسم لما ينبئ عن المسمي لان مدلول الفعل حركة المسمي و هي كماله الاول و صفته و مدلول الحرف معني رابطي غير تام و كلاهما كائنا ما كانا فرع الذات و اللفظ المنبئ عنهما ايضا من حيزهما لان الاسماء تنزل من السماء و الله لايسمي شيئا باسم الا بوجه مناسبة كاملة فمقام لفظ الفعل و الحرف بحسب مدلولهما و اما الاسم فهو المنبئ عن نفس المسمي و هي مرتفعة و مقامها فوق الفعل و الحرف فاختير للدلالة عليه لفظ الاسم من السمو بمعني العلو و اما اشتقاقه [ص 272] من الوسم فلايستقيم الا علي ظاهر الظاهر و هو وجه تأويل و معني حسن معروف عند اهله و كثيرا ما كان الائمة صلوات الله عليهم يأولون الالفاظ بهذا الوجه من التأويل كما قالوا في معني الشيعة انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا ، فان الشيعة علي الوجه الظاهر من شايع و سمي به لمشايعته لامامه فتأويله بذلك ليس الا علي ظاهر الظاهر و من هذا الباب اخذ الاسم من الوسم و السمة فتدبر ثم ان اميرالمؤمنين عليه السلام قال في تعريفه ان الاسم ما انبأ عن المسمي و قال الرضا عليه السلام الاسم صفة لموصوف ، و كلاهما حق و صدق و لا تنافي بينهما فاما قول اميرالمؤمنين عليه السلام فوجهه ان الله سبحانه خلق كل شئ و وضع لها علامات تتلفظ بها و يعبر بها عنها فما وضعه بازاء نفوس الاشياء من حيث هي يسمي بالاسم فينبئ عنها و ما وضع بازاء حركتها الاولي يسمي بالفعل و ما وضع بازاء ظواهرها و نعوتها سمي باسماء المعاني و النعوت و هكذا و لا شك ان الواضع الحكيم العليم لميضع اسما لشئ الا ما كان يدل عليه بوضعه و لايدل شئ علي شئ الا بعد ظهور شبحه فيه فلما وقع شبح النفس علي الاسم صار اسمها و لذلك صار منبئا عنها و هكذا ، و اما قول الرضا عليه السلام ان الاسم صفة لموصوف فذلك ان الله لميختر شيئا لايدل علي شئ له بل اختار ما يدل بدلالة كاملة و لايدل علي الشئ بكماله الا نوره و شبحه فاسم الشئ في الحقيقة نوره و شبحه و لذلك يكون صفته و لذلك نقول بالمناسبة التامة بين الاسماء و المعاني نعم في عالم الاعراض ربما يتغير الحكم بتغير الاعراض فلايوضع الاسم الموضوع علي شئ في عالم الحقيقة عليه في عالم الاعراض و لذلك نقول انه لايمكن الاستدلال علي الاشياء باسمائها في عالم الاعراض و اما في عالم الحقايق فالامر جار علي ذلك فان اسم كل احد يدل علي نفسه البتة و ما بينه سيدنا الاستاد اعلي الله مقامه في رسالة خاصة من المناسبة بين الالفاظ و المعاني لميرد منه الا ذلك و لكن من لميعرف اصطلاحه [ص 273] ربما يزعم انه اراد المناسبة في عالم الاعراض و يري انه ربما يخطي الامر فيرد عليه اعلي الله مقامه كلامه و بالجملة فالاسم صفة لموصوف في الواقع و الحقيقة فاذا عرفت ذلك لا بد لنا من معرفة حقيقة اسماء الله و المسمي بها فاعلم ان الله سبحانه احد منزه عن كل ما يجري علي خلقه اذ جميع ما يجري علي خلقه ينافي الاحدية و البساطة الاولية و كلها مما يجوز في الحدث و جميع ما يجوز في الحدث يمتنع في القدم هذا و الاحد امتناع ما سواه كائنا ما كان بالغا ما بلغ فساحته اجل و اعلي من ان يعد معه شئ ايا كان فكيف يمكن توصيفه و هو اعلي من الوصف لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران الممتنع في القدم فعلي ذلك كمال توحيده تعالي نفي الصفات عنه و قد قال الله تعالي سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و قال سبحانه سبحان الله عما يصفون ، و نقول بلسان اهل الجدل ان هذا الاسم الذي تضعه عليه او الصفة التي تصفه بها هل يكون لمعني فيه تعالي او لغير معني فان قلت بالاول اقول المعني عين ذاته من كل جهة فهو هي و هي جوهر قديم قيوم ازلي و لاتكون صفة و لا اسما و لايقول بذلك انه بذاته معني اسم او صفة و ان قلت ان المعني غير ذاته فاقول هل يكون المعني جوهرا قديما فيلزم تعدد الذوات القديمة و هذا محال من القول و ليس فيه حجة و لا في المسألة عنه جواب و ان قلت انه صفة و عرض فكيف يجتمع مع الذات تعالي عما يقول الواصفون المشبهون فلا بد لك ان تقول بالثاني اي كونه لغير معني اقول فلم تختار اسما دون اسم و وصفا دون وصف و ما الفائدة في ان تسميه و توصفه بما ليس فيه و لايفيد شيئا فافهم فليس في الذات معني للاسماء و الصفات و هي بنفسها لاتكون معناها بالبداهة مسلما اذ المعني في اللفظ كالروح في الجسد و لا بد بينهما من المناسبة التامة كما بين روح زيد و جسده و الله تعالي [ص 274] عن ذلك علوا كبيرا و ليس كمثله شئ لايصير روح خلقه و لا خلقه يصير بدنه لما يلزم بينهما من الاقتران الثابت في الحدث الممتنع من الازل هذا و الله لايصير حالا و لا محلولا افهم ذلك فهو بذاته لايسمي و لايوصف و لايحد و اما الاسماء المذكورة التي يسمي الرب تعالي شأنه بها فهي موضوعة لمعني غير الذات و هو الله كما في خبر ان المعني بها هو الله و الله هو اول الاسماء و هو اول التجليات و اجل الظهورات قد تجلي الله سبحانه به للاسماء و الصفات و هو المسمي و الموصوف و لكونه جلوة الذات و نورها ينسب جميع ما ينسب اليه الي الذات تعالي فاسماؤه اسماء الذات و قد ارانا الله آية ذلك في جميع ملكه منها الشعلة المرئية المحسوسة فانها جلوة النار الغيبية و ظهورها و قد ظهرت النار بها و حقيقة النار معراة عن كل اسم و وصف فانها لاتكون ملونة بالالوان و لا محدودة بالحدود الدنيوية و لا موصوفة بصفاتها و لكنها ظهرت في الشعلة و خصصت فيها و حدت بالحدود فصارت حمراء مخروطة ساخنة مفتتة و هكذا و جميع هذه الاسماء و الصفات جارية علي الشعلة لا النور و هي واردة عليها لا عليها و لكن لفناء الشعلة في جنب النار ينسب الي النار كل ما ينسب الي الشعلة فنقول ان النار ساخنة مسخنة حمراء مفتتة مع ان بدأ جميع هذه الصفات و الاسماء من الشعلة و عودها اليها و كذلك الامر في صفاتك بالنسبة اليك فان لكل صفة من صفاتك موقعا و مبدءا خاصا و المسمي بهذه الصفات هذه المبادي و المواقع و لكن ينسب الكل الي الذات فالكاتب مثلا منشأه يدك و ذاتك منزهة عن الاتصاف بالكتب و لكنها تتجلي لليد و يظهر التجلي منها علي هذه الصورة فلذلك يرجع الكتب اليها و تقول اني كاتب و هكذا في ساير الصفات و كذلك الامر في اسماء الله تعالي فان ذاته منزهة عن كلها و لكل اسم مسمي و المسمي بالكل هو التجلي الاعلي و هو الله و لكن ينسب الكل الي الذات فتدبر هذا بيان اصل الاسم و مسماه و اما في الواقع فاسماؤه خلقه و هم معانيه و حججه صلوات الله عليهم و قد تجلي الله [ص 275] سبحانه بهم لخلقه ليعرفوه و يعبدوه حق عبادته و قد مر سابقا بيان ذلك بقدر ما يقتضيه هذه الرسالة و لانعيد الكلام و مرادنا هنا شرح الاسم الاعظم ، فاما في الظاهر فاعلم ان الاخبار قد اختلفت في بيانه في الظاهر و ان لمتكن مختلفة في الحقيقة و لا علينا ان نبين حقيقة ذلك في الجملة و لما كان مرادنا الاختصار نقتصر في رواية الاخبار بالاجمال فاقول في بعض الاخبار عينوا اسماء خاصة و سموها بالاسم الاعظم كالحي القيوم و العلي العظيم و بسم الله الرحمن الرحيم و يا هو و يا من لا هو الا هو و امثال ذلك و ورد دعوات ذكروا ان فيها الاسم الاعظم و لا بد لنا من بيان الاسم الاعظم حتي يعرف به و يرتفع بذلك الاختلاف فاقول اولا لا شك ان الاسم الاعظم هو الذي اذا قرأ علي الجبال لتدكدكت و علي الارض لساخت و صاحب الاسم الاعظم يؤثر فيما يشاء باذن الله تعالي و ذلك مما لا شك فيه و لا شك ان هذه الاسماء المعروفة بالاسم الاعظم مشهورة معروفة يقرؤها كل احد و لايري منها هذا الاثر فيظهر من ذلك ان هذه الاسماء بظواهرها ليست اسماءا عظمي و لو كانت هي اسماء عظمي لاثرت لا محالة و يشهد ذلك بان الاسم الاعظم غيرها و لكن هذه الاسماء تعبيرات يعبر بها عن الاسم الاعظم فمن عرف الاسم الاعظم بحقيقته و دعا ربه بهذه الالفاظ و بغيرها يستجاب له و اما من لميعرف الحقيقة لايكاد يستجاب له قال مولانا الصادق عليه السلام احفظ ادب الدعاء و انظر من تدعو و كيف تدعو و لماذا تدعو و حقق عظمة الله و كبرياءه و عاين بقلبك علمه بما في ضميرك و اطلاعه علي سرك و ما تكن فيه من الحق و الباطل و اعرف طرق نجاتك و هلاكك كيلاتدعو الله بشئ عسي ان يكون فيه هلاكك و انت تظن ان فيه نجاتك قال الله عز و جل و يدعو الانسان بالشر دعائه بالخير و كان الانسان عجولا و تفكر ماذا تسأل و لماذا تسأل ( و لم تسأل خل ) و الدعاء استجابة الكل منك للحق و تذويب المهجة في مشاهدة الرب و ترك الاختيار جميعا و تسليم الامور كلها ظاهرها و باطنها الي الله تعالي فان لمتأت بشرط الدعاء [ص 276] فلاتنتظر الاجابة فانه يعلم السر و اخفي فلعلك تدعوه بشئ قد علم من نيتك بخلاف ذلك قال بعض الصحابة لبعضهم انتم تنتظرون المطر بالدعاء و انا انتظر الحجر و اعلم انه لو لميكن امرنا الله تعالي بالدعاء لكنا اذا اخلصنا الدعاء تفضل علينا بالاجابة فكيف و قد ضمن ذلك لمن اتي بشرايط الدعاء سئل رسول الله صلي الله عليه و آله عن اسم الله الاعظم قال كل اسم من اسماء الله اعظم و فرغ قلبك عن كل ما سواه و ادعه باي اسم شئت و ليس في الحقيقة لله اسم دون اسم بل هو هو الله الواحد القهار و قال النبي صلي الله عليه و آله ان الله لايستجيب الدعاء من قلب لاه ، فظهر من هذا الحديث الشريف و الكلام المنيف ان الاسم الاعظم كل اسم دعوت الله به بفراغ البال متوجها الي ربك بكلك و تنسي غيره و لاتذكر شيئا سواه بل قال شيخنا و عمادنا الاوحد الامجد اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه ان من شرط استجابة الدعاء نسيان الحاجة و الباب و الخلوص لوجه الله تعالي قال النبي (ص) قال الله تعالي من شغله ذكري عن مسئلتي اعطيته افضل ما اعطي السائلين و قال الصادق عليه السلام لقد دعوت الله مرة فاستجاب لي و نسيت الحاجة لان استجابته باقباله علي عبده عند دعوته اعظم و اجل مما يريد منه العبد و لو كانت الجنة و نعيمها الابدي و لكن لايعقل ذلك الا العالمون المحبون العارفون من صفوة الله و خواصه ، فظهر من ذلك ان الاسم الاعظم حالي لا مقالي و هو معرفة الاحدية و الخلوص للاحد جل شأنه و التوجه الكامل اليه و الاعراض عما سواه و نسيان غيره بالمرة و لكن هذا ايضا ظاهر الاسم الاعظم و حقيقته غير ذلك و اما حقيقته فهي آلمحمد سلام الله عليهم كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام اي نبأ لله اعظم مني و اي آية له اكبر مني و عن اميرالمؤمنين عليه السلام نحن الاسم المخزون المكنون نحن الاسماء الحسني التي اذا سئل الله عز و جل بها اجاب نحن الاسماء [ص 277] المكتوبة علي العرش و لاجلنا خلق الله عز و جل السماء و الارض و العرش و الكرسي و الجنة و النار و منا تعلمت الملئكة التسبيح و التقديس و التوحيد و التهليل و التكبير و نحن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه و بيان ذلك علي نحو الاجمال ان جميع ما خلق الله اسماؤه و صفاته كما قال الحكماء ليس الا الله و صفاته و اسماؤه و ورد عن اهل العصمة ليس الا الله و فعله و نوره ، و لا شك انه ليس في الخلق احد اشرف من محمد و آلمحمد صلوات الله عليهم فانهم صلوات الله عليهم اول ما خلق الله و لا شك ان اول الخلق اول الاسماء و الصفات و اعظمها و اجلها فهم الاسم الذي اذا دعي الله به اجاب اذا كان الانسان عارفا بشأنهم مقرا بفضلهم ثم من بعدهم الانبياء فهم اسماء عظيمة لله بالنسبة و من بعدهم الاولياء و اما ساير الخلق فشأنهم بحسبهم فكل من هو اجمع و ابسط يكون اعظم و كذلك في الاسماء اللفظية المنطوقة و الدعوات المأثورة كل اسم يكون دلالته علي المعاني الجامعة الكلية اكثر يكون اعظم فان الاسم الذي لايدل الا علي معني جزئي و كمال جزئي يكون اصغر من الاسم الذي يدل علي كمال ازيد و اكثر فعلي ذلك الاسماء المطلقة عظمتها اكثر من الاسماء المقيدة و الاسم الموضوع علي التجلي الاشرف الاجل الاعلي فكل اسم دلالته عليه اكثر هو اعظم و لذا اختار ائمتنا صلوات الله عليهم اسماءا بين الاسماء و سموها الاسم الاعظم كاسم الله و الحي القيوم و العلي العظيم و الرحمن الرحيم و غير ذلك من الاسماء فافهم فاذا عرف احد الاسم الاعظم و دعا الله به يستجاب له و لذلك توسل عليه السلام لاستجابة الدعاء بالاسم الاعظم الاجل و قد اجمله و لميفسره ليدل علي جميع مراتب الاسم الاعظم و يقرأه كل بحسب علمه و شأنه و لانه لميحب الافصاح به لانه من السر المكتوم الذي كتمه الله عن عباده و ستره عليهم و هذا هو الاسم الذي قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل جعل اسمه الاعظم علي ثلثة و سبعين حرفا فاعطي آدم منها خمسة و عشرين حرفا و اعطي منها ابرهيم [ص 278] ثمانية احرف و اعطي موسي منها اربعة احرف و اعطي عيسي منها حرفين و كان يحيي بهما الموتي و يبرأ الاكمه و الابرص و اعطي محمدا اثنين و سبعين حرفا و احتجب حرفا لئلايعلم ما في نفسه و يعلم ما في نفس العباد انتهي ، ثم اعلم ان اجمال الاسم و عدم التصريح به لايورث عدم استجابة الدعاء بل مثل ذلك ان تعرف ان عند السلطان احدا يحبه و لاتعرفه فتقسمه بحق من عنده فيجيب دعوتك لا محالة مع انك لمتعرف محبوبه و كذلك الامر هنا اذا اقسمت ربك بحق هذا الاسم الاعظم يجيب دعائك و ان لمتعرفه و ان كان دعاؤك مع المعرفة اسرع للاجابة و ذلك مما لا شك فيه و ذلك مثل قولك في الدعاء اللهم اني اسألك باسمك الذي اذا دعيت به اجبت فافهم ، و اما قوله عليه السلام الذي وضعته علي النهار فاضاء و علي الليل فاظلم فاعلم ان الله ذات احدية و الاحد لايكون علة لشئ و لا سببا فان العلية و السببية من الاسماء المتضايفة فانه لايكون علة الا و معها معلول و لا سببا الا و معه مسبب كالابوة و البنوة و اصل العلية صفة حادثة الاتري ان شيئا واحدا يوصف بالعلية و المعلولية فان كل شئ علة لما دونه و معلول لما فوقه كالابوة و البنوة و غيرهما من الصفات و الذات بنفسها لاتكون متضايفة و ان قلت انها غيرها قلنا فلاتجري عليها مع ان الاقتران ممتنع في الازل ثابت في الحدث و قد غلط افلاطون حيث قال في صفة الله يا علة العلل يا قديما لميزل ان اراد المعني الظاهر من العلة و اذ لميكن الرب تعالي بنفسه علة لشئ فللاشياء علة غير ذاته تعالي و هي اسماؤه تعالي و ذلك قوله ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها ، و هي الاسباب لخلق الخلق و من هذا الباب ما ورد في دعوات كثيرة في مقام القسم باسمك الذي خلقت به فلان و فعلت به فلان و من هذا الباب اقسمه في المقام باسم الذي به نور النهار و اظلم الليل و اما وجه انتساب هذا الفعل الي الاسم الاعظم فلكلية الفعل فان اغلب حوادث الزمان بل كلها يرجع الي توالي الملوان و تجدد الحدثان و بهما يجري [ص 279] امر الملك فبنور النهار و بظلمة الليل يخلق المواليد و يبقي ما يبقي و يفني ما يفني و لذلك جعل عليه السلام متعلق هذا الامر العظيم الاسم الاعظم الاجل و اما في الباطن فنقول ان الاسم الاعظم هو حجة الله و بسببه ظهر نور الحق من ظلمة الباطل و لولا الحجة لماعرف احد طريق النجاة و لا سبيل الهلاك و مثال ذلك ظاهر و لكن لا بد لمن اراد الحقيقة معرفة المثال فاقول ان الشمس اذا لمتطلع لاتتبين الليل من النهار و لا الظل من الضوء و لكن اذا طلعت الشمس يستضيء اليوم و باشراقها يتصاعد الابخرة و يظل السحاب و بغروبها يتبين الليل فمرجع الكل اليهما .
قال صلي الله عليه : و اغفر لنا ما تعلم منا و لانعلم و اعصمنا من الذنوب خير العصم الخ ،
قوله عجل الله فرجه و اغفر لنا ما تعلم منا و لانعلم اما يريد الذنوب التي ينساها الانسان و لايتذكرها ليستغفر عنها فيستغفر نوعا او يريد جميع الذنوب و سلب العلم عن نفسه من باب الاقرار بوحدانيته في علمه بان لا شريك له تعالي فيه و كل احد عالم بعلمه و لا علم لغيره و لا حول و لا قوة الا بالله و لايدرك مخلوق شيئا الا بالله فعلي ذلك يكون الاستغفار المذكور عن جميع الذنوب كلها او يكون المراد الاستغفار عن اعمال يرتكبها العبد و لايعلم انها معصية فيستغفر ربه عنها و هي و ان لمتكن سبب العقاب شرعا لعدم علم العبد بها و لا تكليف للعبد بشئ اذ لميعلمه فانه رفع عن الامة ما لايعلمون بل ما يعلمون و لايطيقون و لكن ذلك في التكاليف الشرعية الظاهرية و اما في الواقع فلا شك ان المعاصي و الطاعات لها آثار كونية في الانسان تظهر منها سواءا كان الانسان عالما بها او لميكن عالما كالخمر فان شربه يؤثر في البدن سواءا شربه عالما او جاهلا نعم اذا شربه جاهلا لايعذب به مع انه سكران فالاستغفار عن ذلك لمحو اثر المعاصي عن النفس مطلقا فان ماء التوبة ماء يمحو السيئات و آثارها المتعلقة بها في الدنيا [ص 280] و الآخرة و بعد ما استغفر من الذنوب طلب العصمة ان يعصمه من الذنوب الآتية بافضل العصم فان الله سبحانه هو العاصم لعبده عن العصيان و يعصمه باي نحو شاء و اراد من انواع السلامة و البلايا و الامراض و الاعراض فان الانسان ربما يبتلي بمرض يمنعه عن معصيته و نحوه و قد سأل ربه ان يعصمه بخير العصم اي في عافية و بركة و بوسايط الخير و امثال ذلك مما لا اشكال فيه و لكن لنا كلام عريض في المقام ان بعصمة الله العبد عن العصيان هل يلزم جبر و هل يحمد العبد بتركه للمعصية ام لا و هل يجوز للعاصي ان يقول يا رب انك لمتعصمني فعصيت و عصمت فلانا فلميعصك ، اقول ان الله سبحانه عدل لايجور و لايظلم بلا شك و لا ريب و لايعامل العبد بالجور و الظلم و لايبتلي احدا بالعصيان ثم يعاقبه و لايبتلي احدا بالطاعة ثم يثيبه بل خلق ما خلق بحيث لو شاء ان يطيع اطاع و لو شاء ان يعصي لعصي و ذلك بان وفق العبد بتوفيق مطلق بمشيته المطلقة و العبد بهذا التوفيق المطلق يفعل ما يفعل و هذا التوفيق من الله فالعاصي يعصي بتوفيقه و المطيع يطيع بتوفيقه و مثال ذلك رجلان ركبا السفينة يريد احدهما زيارة ابيعبدالله و الآخر عصيانا و كلاهما يسيران الي مقصودهما بسير واحد يسير بهما السفان و لكن هذا علي نيته و هذا علي نيته قال الله تعالي كل يعمل علي شاكلته اي علي نيته فاذا اقبل العبد الي الطاعة باختياره يساعده ايادي التقدير و تكمله و تجري علي يديه الخير فيقال ان الله وفقه و هذا هو الحق و اذا اقبل الي المعصية باختياره يعينه ايادي التقدير فيقال ان الله خذله و الفعل من الله مطلق لايكون علي صورة الخذلان و لا علي صورة التوفيق و من بعد ذلك الله اولي بحسنات العبد لكونها علي صفة مشية الله و العبد اولي بسيئاته لانها علي خلاف صفة مشية الله كما روي عن ابيالحسن عليه السلام قال قال الله تبارك و تعالي ابن آدم بمشيتي كنت انت الذي تشاء و تقول و بقوتي اديت الي فريضتي و بنعمتي قويت علي معصيتي ما اصابك من حسنة فمن الله و ما [ص 281] اصابك من سيئة فمن نفسك و ذاك اني اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك مني و ذاك اني لااسأل عما افعل و هم يسألون و سمع الصادق عليه السلام يقول ان مما اوحي الله الي موسي و انزل في التورية اني لا اله الا انا خلقت الخلق و خلقت الخير و اجريته علي يدي من احب فطوبي لمن اجريته علي يديه و انا الله لا اله الا انا خلقت الخلق و خلقت الشر و اجريته علي يدي من اريد فويل لمن اجريته علي يديه انتهي ، فبهذه الملاحظة التي ذكرنا الكل بفعل الله و لكن الفعل ينصبغ بصورة الخير و الشر في بطن القوابل و ما من الله تعالي مطلق لا لون له و لا صبغ و لكنه ينصبغ في القوابل كماء ينزل من السماء مطلقا و يسقي به انواع النبات فيختلف صورته في بطون النباتات نخلا و زيتونا و رمانا و عنبا و غير ذلك و الماء ماء واحد لا اختلاف فيه فتدبر فعصمة الله بحسب قابلية العبد لا باقتضاء نفسه هذا في الظاهر و اما في الباطن فنقول ان الذنوب التي لايعلمها العباد هي الاتصال باعداء الله بانواع الاتصالات فانها حقيقة المعصية فان ظواهرها الاعمال القبيحة و الاخلاق السيئة التي نهي الله عنها و بواطنها رؤساء الجور و الظلم و لكن امرها مختف عن الناس الا من شاء الله و كذلك الطاعات ظواهرها الاعمال الحسنة و الصفات الطيبة و اما بواطنها فهم ائمة الحق صلوات الله عليهم و بذلك نطق الاخبار و صحيح الاعتبار فالمراد من الذنوب المجهولة يحتمل ان يكون ذلك فان ظواهرها معروفة معلومة لا غبرة عليها و بواطنها مجهولة علي الاغلبين ، و اما الفقرة الثانية فالمراد منها العصمة من هؤلاء بولاية آلمحمد عليهم السلام فانها العصمة الحقيقية و لولا الولاية لمافصل العصمة عن الذنوب ظواهرها و بواطنها و لا مجال لي الآن و لا اقبال لقلبي و الا لبسطت القول في ذلك بسطا ثم ان هذا الاستغفار بالنسبة الي الشيعة ظاهر لا غبرة عليه و لكن الاشكال و الداء العضال في معرفته بالنسبة اليهم و قد مر سابقا في شرح الصلوات بيان ذلك في الجملة و اشير الي بيانه هنا ايضا فاقول استغفارهم اما يكون لطلب الزيادة و الارتقاء [ص 282] فانهم و ان بلغوا اقصي الغايات و وقفوا فوق النهايات و لكن الله تعالي لميقف منهم علي حد و هو يدلج بين ايديهم دايما و هم سايرون اليه بلا نهاية و في كل سير يزدادون و هذا احد معاني ما ورد انا نزداد في كل ليلة جمعة فان مقام الجمع فوق هذه الكثرات و مقام اتحاد الانوار و ليلته مقام عبوديته و هم يزدادون من مقام الجمع في ليلة العبودية و هي ليلة القدر التي هي خير من الف شهر و يتنزل فيها الروح و الملئكة بكل امر فيزدادون ما شاء الله و لذلك امر الله نبيه بطلب الزيادة و قال قل رب زدني علما و قال النبي رب زدني فيك تحيرا ، و جميع هذا الطلب بترك المقام الاسفل و الارتقاء الي المقام الاعلي و هذا معني التوبة و الاستغفار لا انهم عليهم السلام يعصون الله فيما امرهم و هم الذين عصمهم الله من الزلل و طهرهم من الدنس تطهيرا و اما يكون الاستغفار لمحض الانية الجزئية التي فيهم و هي و ان كانت نيرة مستضيئة بل هي انور من ربوبيات ساير الكاينات و لكنها بالنسبة الي ما يريدون قصور فلذلك يستغفرون دايما و ينسبون الي انفسهم الذنوب و اما يكون هذا الاستغفار لاجل ما يصل اليهم من ذنوب شيعتهم و قد مر بيان ذلك سابقا فتدبر .