قال روحي فداه و عجل الله فرجه : يا موصوفا بغير كنه و معروفا بغير شبه الدعاء .

الكنه كقفل بمعني النهاية و الحقيقة و ان كلام المرأ في غير كنهه اي في [ص 211] غير وقته و جوهره و غايته و قدره و وجهه و لايشتق منه فعل و قولهم اكتنهه او لايكتنهه وصف مولد فقوله عليه السلام يا موصوفا بغير كنه يعني يوصف بالصفات و لايكتنهه احد من الواصفين و لاينهيه وصف من الناعتين او يكون المعني يا موصوفا بغير نهاية اي بانه لا نهاية له او يكون المعني انه موصوف من غير ان يدل وصف علي ذاته و كلها حق و صدق و ذلك انه تعالي احد و الاحد فوق كل حد و نهاية و جميع ما يقال او يدرك او يعلم كله من عرصة النهايات و الحدود فلايجري علي الله سبحانه و لايحده شئ منها بخلاف ساير الخلق فان كل مخلوق يحد مثله و ينهيه شبهه فان السماء محدود بالارض و الارض محدودة بالسماء و المواليد بعضها محدود ببعض و الله سبحانه خالق جميعها و حاد كلها كما يأتي في الفقرة الاخري و حاد كل محدود و قد اراك الله آية ذلك في خلقه كما قال في كتابه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد انظر الي الجسم المطلق الذي هو آية الاحد جل و عز قد تنزه عن حدود جميع الافراد و علا عن قيودها فلاتحده السماوية و لاتخصصه الارضية اذ لو كان محدودا بالسماوية لم‌يكن يظهر في الارض و تراه ظاهرا منها الاتري ان الارض جوهر قابل و هذا صورة الجسم و كذلك لو كان محدودا بالارضية لماكان في السماء فانها ايضا جوهر قابل افهم ذلك يا ناظرا في رسالتي و اجمع لبك حتي تقف علي مرادي و لو كان ذات الجسم محدودة بصورة السماوية او الارضية لماوجد في ضد صورته فان الضد لايكاد يجتمع مع ضده بل يفارقه الاتري ان الارض لاتري في السماء و السماء لاتري في الارض و كذلك نري الجسم في كل المواليد فان كل مولود جسم الاتري ان كلها جوهر قابل فانه يصلح كل منها للتصور بغير الصورة الخاصة و لو بعد حين بالاستحالة و نحوها فاي دليل ادلّ من ذلك علي ان الجسم غير محدود بالحدود و لكنه يجري في كل الحدود و يوصف بكلها و مع ذلك هو منزه عن كلها و يصلح للتصور باضعافها فان الجسم [ص 212] لو تجلي بآلاف سماء بل بسماوات غير متناهية لماحد بشئ منها و مانقص من صلوحه و قابليته فلايكتنه ابدا بشئ منها و ذلك ان ذاته لاتكاد تنزل من مقامها و لاترد عليها صورة منها بل تتجلي فيها و كلها دونها و جميعها كمالاتها الوصفية فلاتبلغ ذاتها و حقيقتها ابدا ابدا و ان لم‌تعرف حقيقة ذلك من المطلق فاعرفها من بعض الافراد المشهودة و قد اراك الله آية ذلك في السراج المشهود الملموس انه بالظهور في المرايا المتعددة لاينقص من ذاته شئ و لايرد حد من الحدود الجارية في المظاهر عليه ابدا بل لو ظهر باضعافها لمانقص منه شئ فالسراج موصوف بجميع الانوار و الاشعة بغير كنه اي بغير ان يبلغ نهايته او موصوف بانه لا نهاية له و لكن جميع ما تري في الخلق كله نسبي فان الجسم غير محدود بالنسبة الي الاجسام المقيدة و السراج غير محدود بالنسبة الي اشعته و كلاهما محدودان في ذاتهما و اما الاحد جل شأنه فلايحد بحد من الحدود الجزئية و الكلية و الخلقية ابدا و قد تنزه عن كلها مع انه تعالي تجلي بجميعها و يتجلي بغيرها بلا نهاية لاحديته و هو ظاهر بكل الخلق لهم بهم و كلهم اوصافه و علاماته و آياته مع انه لايحد بشئ منها فيوصف بكلها مع انه لايكتنه و لايدل وصف من الصفات علي كنهه تعالي اذ كنهه تفريق بينه و بين خلقه و الصفات كلها في الخلق هذا و كل منها يدل علي معني مناسب له و قد كشف عن ذلك الامام الهمام عليه السلام لهشام حيث قال في شرح اسم الله الله مشتق من اله و اله يقتضي مألوها و الاسم غير المسمي فمن عبد الاسم دون المعني فقد كفر و من عبد الاسم و المعني فقد اشرك و عبد اثنين و من عبد المعني دون الاسم فذاك التوحيد افهمت يا هشام قال قلت زدني قال لله تسعة و تسعون اسما فلو كان الاسم هو المسمي لكان لكل اسم منها اله و لكن الله معني يدل عليه بهذه الاسماء و كلها غيره يا هشام الخبز اسم للمأكول و الماء اسم للمشروب و الثوب اسم للملبوس و النار اسم للمحرق افهمت يا هشام فهما تدفع و تناضل به اعداءنا الملحدين مع [ص 213] الله عز و جل غيره قلت نعم ، فظهر من هذا الحديث الشريف ان الله لايحد باسمائه و لكنه معني ينزه عن جميعها و لكن يستدل عليه بهذه الاسماء كما قال عليه السلام في الخبر اسماؤه تعبير و افعاله تفهيم ، فبهذه التعبيرات يستدل عليه تعالي ثم استدل عليه السلام بان الخبز اسم للمأكول الي آخر اراد عليه السلام ان كل اسم يدل علي معني خاص و لايدل شئ منها علي الذات البحت و غاية دلالة الاسماء و الصفات علي الله الذي بين اول الخبر انه مشتق من اله و هو يقتضي مألوها فهو غير الذات فافهم فالاسماء لايدل شئ منها علي كنه الذات و لا دليل علي كنهها غير نفسها و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح يا من دل علي ذاته بذاته و تنزه عن مجانسة مخلوقاته و قال عليه السلام اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر الحديث ، فجميع الاسماء دلالاتها علي معانيها و الذات تدل علي الذات و وجه ذلك انه لم‌يحد وصف من الصفات نفس الذات بل هي جلوات لها علي ما مر سابقا فالله الموصوف بغير كنه بجميع المعاني المحتملة ، و اما في الباطن فنقول ان آل‌محمد عليهم السلام هم الآيات العظمي و العلامات العلي و قد تجلي الله سبحانه بهم لخلقه اذ غاب بنفسه عن اعين خلقه كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة الجمعة و الغدير اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبار ، و قد مر سابقا في شرح المقامات ما فيه كفاية و بلاغ و قد تجلي الله سبحانه بهم بجميع ما كلفهم به من مراتب المعرفة و وجه آخر ان الله سبحانه منزه عن التعريف و التعرف و لايوصف و لايحد و لا شك ان الانسان لايتمكن من الاقرار بمجهول الكنه الذي لم‌يقف علي حقيقته بوجه الاتري انك جاهل صرف بما لم‌تجده و لاتتمكن من [ص 214] مدحه و لا ذمه اذ انت جاهل به و الانسان فاقد لما جهله و لايقف عليه فان لم‌تجد ربك بوجه كيف تثبته و كيف توصفه بانه لايوصف و قد يقال في الجواب ان التصديق له و لما يليق به محض الايمان لا الوجدان اقول ان هذا الجواب تعبير عن حقيقة المسألة بعبارة اخري خفية و ان الايمان بمعني التصديق و التصديق ان كان بلا تصور فهو غير مجد و ان كان مع التصور فالله مدرك معروف و هذا خلف فتدبر و لايكشف حقيقة ذلك الا بما نبيّنه ، فاعلم ان الله سبحانه بذاته غير مدرك و لا معروف و لايكاد يعرفه احد من خلقه و لايقف علي ربه مخلوق بوجه حتي يعرف انه معروف او غير معروف موصوف او غير موصوف اذ حيث هو يمتنع وجود الخلق و حيث الخلق يمتنع الذات و لكن الله سبحانه ظهر بآل‌محمد سلام الله عليهم ثم كلفهم بالقبول منهم فجميع ما تري انك تري او لاتري و تعرف انك تعرف او لاتعرف كل من آل‌محمد و فيهم و بهم و اليهم غاية الامر ان لكل جلوة مقاما من مقاماتهم فقد ظهر في ذواتهم بانه لايعرف و لايوصف و لايدرك و في عقولهم و نفوسهم بانه المطلع علي الاشياء و العالم بحقايقها و الواقف علي سرايرها و في طبايعهم بانه الفاعل لما يشاء و الخالق لما يريد و امثال ذلك فما نراه من انوار الرب تعالي كله ما ظهر لنا من آل‌محمد لا من الذات و ان قلت اذا كان ذلك من آل‌محمد فمن اين عرفت انه من الله لا من ذاتهم مع انك لم‌تجد الذات اقول عرفنا ذلك بفنائهم تحت نور الجمال و اشعة الجلال و اراءتهم لغيرهم الاتري انك لاتكاد تجد ذات زيد بنفسها الا ما ظهر لك في البدن و انت تجدها في البدن و تعرف انها الذات و ليس ذلك الا لفناء البدن في جنبها و حكايتها علي ما ينبغي للذات فالناس يدركون ربهم بقدر معرفتهم لآل‌محمد عليهم السلام و هم آية الرب و علامته لهم ، فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان الله سبحانه قد تجلي بحقايق آل‌محمد سلام الله عليهم لعباده بعدم الاكتناه و عدم المعروفية و المحدودية و تجلي لهم [ص 215] بساير مراتبهم بالموصوفية بالكمالات المطلقة و المقيدة فانت اذا نظرت الي ساير مراتبهم و رأيت كمالاتهم التي لاتعد و لاتحصي تعرف كمالات ربك غير المتناهية فانك لاتكاد تقف علي كمالات الله من غير هذا السبيل هذا و هم في هذا المقام نفس اسماء الله و صفاته و هم قدرة الرب و مشيته لا انك تستدل بقدرتهم مثلا علي قدرة غيرها لله كما تستدل مثلا ببياض القرطاس علي بياض الثلج فان البياض الظاهر علي الثلج غير البياض في القرطاس نعم هو مماثل له فتقول هذا مثل هذا و ليس الامر في ما نحن فيه هكذا فان اسم الله بنفسه ظهر من آل‌محمد اي مقام من مقاماتهم اسم الله الرضي و وجهه فبهذا الاسم تستدل علي نفسه و تعبر به عن ربك فتدبر في هذا السر المنمنم و الرمز المبهم الذي كشفت لك هنا ثم هم بذواتهم فوق عرصة الذوات و الصفات بل ذاتهم ذات الذوات للذات و هي مقام البيان و عين الله في عرصة العيان و هذا مقام ليس كمثله شئ و التوحيد الخالص و معرفة الله القديم العامة و البيان بتجليه في الصفات لايكتنه و لايجري عليه حد كما تري في ذاتك بالنسبة الي صفاتك فانك بقيامك و قعودك و ركوبك لاتكاد تحد ابدا فان جميعها دون ذاتك و انت كالشمس الطالعة عليها او كالمطلق النافذ فيها و علي اي حال انت موصوف بها من غير ان تكتنه و كذلك الامر في آل‌محمد سلام الله عليهم بحسب شأنهم و الفرق بينك و بينهم انهم بكلهم لله تعالي فذاتهم لله و صفاتهم لله و انت لنفسك بذاتك و صفتك و انهم كاملون في ذاتهم و صفاتهم و انت ناقص و هم المؤثر و انت الاثر و غير ذلك من الفروق التي تظهر للطالب بادني تأمل و بالجملة فانت اذا نظرت الي صفات آل‌محمد تعرف صفات ربك و اذا نظرت الي افعالهم تقف علي افعال ربك و اذا نظرت الي ذاتهم تقف علي ذاته الظاهرة تعالي فتعرف بذلك انه لا كيف لربك تعالي و لا حد و لا نهاية فافهم و تدبر .

قوله عجل الله فرجه يا معروفا بغير شبه ، اما يكون معناه انه معروف بانه [ص 216] لا شبه له او يكون المعني انه معروف من غير ان يشبه شيئا او يشابهه اما معروفيته تعالي فليست كمعروفية خلقه فان كل معروف محدود اذ لايعرف شئ الا باحد المشاعر و المشاعر الخلقية كلها محدودة مع انها تحد انفسها و تشير الي نظائرها فان الخيال مثلا مشعر صوري جزئي و لايدرك الا الصور الجزئية و الوهم معنوي جزئي و لايدرك الا المعاني الجزئية و كذلك ساير المشاعر كل منها يخص صورة معينة و يدرك شكلها و مثلها و لايتجاوز حدها و الانسان فاقد لمشعر غير محدود غير متعين حتي يعرف الرب غير المحدود فالانسان لايعرف ربه و لكن الله سبحانه بنفسه يعرف نفسه لا غير فهو العارف بنفسه و ذلك ما قال عليه السلام بك عرفتك و انت دللتني عليك و لولا انت لم‌ادر ما انت ، فهو المعروف بنفسه و ان عرفت ربك كذلك فقد وقفت علي معرفة ربك و لايعرف حقيقة هذه المسألة الا اصحاب الذوق و العرفان و ليس ذلك شأن غيرهم و في الباطن نقول ان النفس التي يعرف بها الله سبحانه آل‌محمد سلام الله عليهم فانهم النفس القايمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن كما في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلام فمن عرفهم فقد عرف الله كما في الزيارة السلام علي من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و سئل عليه السلام عن معرفة الله فقال معرفة اهل كل زمان امامهم ، فالله لايعرف الا بالامام و لذلك صار معرفة الامام واجبا اذ معرفة الله واجبة و من لم‌يعرفه لايعبده و لايوحده فيشرك به من حيث لايعلم و يكفر به جهلا فالواجب علي كل الخلق ان يعرفوا امام الزمان حتي يصيروا عارفا بربهم و لذلك قال عليه السلام من مات و لم‌يعرف امام زمانه مات ميتة كفر و نفاق ، فانه لا شك ان منكر الرب كافر و الجاهل به كافر فالمنكر للامام كافر و الجاهل به كافر فافهم فاذا عرفت ذلك فاعلم انه تعالي يعرف بغير شبه اذ كل معروف دونه يشبهه شئ و يعرف بوجه كما ظهر لك مما مضي و هو يعرف بانه لا شبه له في ملكه و تعرف حقيقة ذلك بانك اذا سبحت في طمطام بحر الاحدية و دخلت في بحبوحة [ص 217] يم الواحدية لاتكاد تجد غيره سبحانه حتي تري له شبيها بل هو هو وحده وحده لا غير معه و اراك آية ذلك في النفوس ايضا فانك اذا نظرت الي زيد كاشفا عن جميع السبحات ماحيا لجميع الموهومات صارفا نظرك عن كل الاسماء و الصفات لرأيت الذات وحدها من غير صفة فتراها بلا شبيه لها من عرصة صفاتها و كذلك الامر في الله سبحانه اذا نظرت الي وجهه من حيث ذكرنا و قطعت نظرك عن كل الكثرات لوجدته من غير شبيه او بانه لا شبه له او يكون معروفا هكذا من غير ان يشبهه شئ و علي الباطن نقول ان الامام واحد لا شبيه له و لا شكيل و ليس مثله احد من الخلق و لو كان مثله احد لكان اماما و لم‌يبق له اولوية بالامامة فهو واحد العالم و اذا عرفت ربك به و آمنت به و صدقته لعرفت ربك فيه و ان صدقت انه الواحد الفرد لوحدت ربك و المشرك من اشرك بامامه غيره و لاتتعجب من قولي و انظر بعين الانصاف دون الاعتساف حتي تعرف المراد و حسبك هذا القدر من البيان في شرح هذه الفقرة اذ اتيت علي اصل المسألة .

قال روحي و روح العالمين فداه : حاد كل محدود و شاهد كل مشهود الدعاء ،

بعد ما بين عليه السلام موصوفيته بلا كنه و معروفيته بلا شبه قال حاد كل محدود بمناسبة نفي النهاية و الحد عنه و قوله ذلك عطف علي سابقه اي يا حاد كل محدود و يا شاهد كل مشهود اي هو الفاعل لكل حد و جاعله فان الله سبحانه كان قبل ان يكون كان و لم‌يكن معه شئ من الاكوان احدا فردا صمدا و لم‌يتخذ صاحبة و لا ولدا ثم خلق ما خلق بمشيته و لم‌يكن شئ الا بمشيته من المواد و الصور و الوجودات و الماهيات و قد اخطأ جماعة من الحكماء حيث زعموا ان الماهيات غير مجعولة و قد قال قايلهم ان الله لم‌يجعل المشمش مشمشا بل جعله موجودا و كان ذلك حين كان يأكل المشمش و يبين هذه المسألة و مراده ان وجود المشمش اي مادته مجعولة لله سبحانه بجعل خاص و لما اوجده انوجد بهذا الايجاد صورة [ص 218] المشمشية ايضا و يرد عليهم هذه الفقرة حيث قال عليه السلام يا حاد كل محدود فانه عليه السلام اوضح و بين انه تعالي حدد المحدود بحدوده و لا شك ان حد كل شئ صورته فهو مصور الصور و ذلك قوله تعالي الله خالق كل شئ فان الصور يصدق عليها اسم الشئ لا محالة و كذلك قال جعل الظلمات و النور و لا شك ان النور هو الوجود و الماهية هي الظلمة و صرح اميرالمؤمنين عليه السلام ان الماهية مجعولة و الحديث بعبارته لايحضرني الآن ، و بالجملة لا شك لمن آنس باخبار آل‌محمد عليهم السلام و مذهب شيعتهم ان الماهية مخلوقة لله سبحانه ثم لا شك ان بالجعل المتعلق بالوجود لايخلق الماهية اذ الوجود مطلق غير محدود و غير مقيد و الفعل المتعلق به هو رأس المشية المتعلق به و هو بحسبه لا محالة فانه يشترط المناسبة بين الفعل و المفعول فان المفعول مقام الانفعال بالفعل و المصدر و هو مشتق من الفعل و لايشتق من كل فعل كل مفعول بالبداهة فان النصر لايشتق من ضرب و الضرب من نصر بالبداهة و العقل السليم يصدق ذلك فالفعل المتعلق بوجود الشئ اوجد و باوجدية لايتكون الصورة الخاصة المتعينة بل يتكون الوجود فتقول اوجدته فانوجد و اما الحد فهو مخلوق بحدد فتقول حددته و المخلوق به المحدود لا محالة نعم كما ان الماهية بنفسها فرع الوجود و متحقق به كذلك الفعل الموجد لها فرع الفعل المتعلق بالوجود و ذلك مما لا شك فيه فلو قال الاول ان الماهية مجعولة بجعل تابع لجعل الوجود كان حقا بقي الكلام في بيان كيفية تحديد الله للمحدودات و تلك مسألة عجيبة غريبة زل في معرفة حقيقتها الاقدام و ضل في الاحاطة باطرافها الاحلام ، فاعلم ان الله سبحانه بذاته احد بحت و لايحد بكيف و لاينهي بكم و لايحصر في وضع و لا و لا منزه عن كل الصفات مرتفع عن جميع السمات و مشيته سبحانه تابعة له في جميع ذلك بحسبها اذ هي فعله و قد قال عليه السلام لا كيف لفعله [ص 219] كما لا كيف له و قال لايسئل عما يفعل و هم يسئلون لان السؤال لايكون الا عن المتكثر فانك اما تسأل عن ماهية الشئ او اعراضها و الله سبحانه ليس له ماهية كماهية خلقه و لا اعراض و كذلك فعله عز و جل آيته و مثله و ليس له ماهية مثل المفعولات و لا اعراض فالمشية فعل مطلق و نور متألق غير محدود بالحدود و لا متعين بالتعينات الخلقية الاتري انك تسميها تارة بالوجود المطلق و مرة بالوجود بشرط لا و مرة بالامكان المطلق و الراجح و امثال ذلك من التعبيرات اللايقة بها و قد خلقها اول ما خلق هكذا و لما كانت كاملة في وجودها سطع منها نور منبث اضاء به كل شئ من الاكوان و الاعيان الثابتة تحت مشية الله بنفس ذلك النور و نورها ايضا نور مطلق اذ هو صادر من المطلق و هو علي حسبه اذ الواحد لم‌يصدر منه الا الواحد و بعد ما القي علي قوابل الموجودات نوره تلون في كل قابلية بلونها و حد بحدها كما تري في نور الشمس من وراء الزجاجات و قد بينا ذلك كثيرا في مباحثاتنا و رسائلنا فالنور الظاهر في وجودات الاشياء و موادها ظهر بلونها و النور الظاهر في الماهيات بلونها و هيأتها ففي الحدود و النهايات صار حادها و في الوجودات صار موجدها و فاعلها و الكل ينسب الي الله سبحانه لانه صاحب النور و جاعله و صاحب الفعل و خالقه فتدبر و قد اجملت القول الا اني بينت اصل المسألة و لكني رمزت الحقيقة لقوله عليه السلام من اذاع سرنا كمن قتلنا قتل عمد لا قتل خطاء ، و ان ادمت الفكرة و امعنت النظرة فيما ذكرت لعلك تقف علي المراد انشاء الله .

و بوجه آخر من البيان في شرح الفقرة يمكن ان يقال ان المراد انه حادها بمعني انه حدها في حدودها و حبسها في مقامات وجودها بحيث لايصل شئ منها الي احديته تعالي فان كل محدود مجبور علي حده مجبول علي وصفه و لايتمكن من ان يخرج من حده و يقف فوق مقامه فلايكاد يتجاوز ما وراء مبدئه و لايصل الي ربه ابدا ابدا و ذلك امر ظاهر بين و يمكن ان يقال بوجه من التضمين [ص 220] ان المراد من حاد كل محدود العالم بكل الخلق بقرينة قوله بعده و شاهد كل مشهود من باب ان من علم شيئا فقد حده و نهاه بالاحاطة باطرافه و جهاته فالله سبحانه حد الاشياء اي علم ظواهرها و بواطنها و جهاتها و حيوثها و لم‌يخف عليه خافية في الارض و لا في السماء قال تعالي يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء وسع كرسيه السموات و الارض اي احاط علمه بكل شئ و قال الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير ، قوله عليه السلام شاهد كل مشهود ظاهره معلوم لا غبرة عليه و المراد من قوله كل مشهود كل مشهود له لا كل مشهود للخلق فان كل مشهود للخلق مشهود لهم ايضا و المشهود له جميع خلقه من مشيته الي تحت الثري فانه تعالي يعلم جميعها في مقاماتها و قد اختلف آراء الناس في علمه تعالي و ذهب كل الي رأي و قد بينت الاقوال مع ما يرد عليها و ما هو الحق بادلته و براهينه في ينابيع‌الحكمة و من باب عدم خلو هذا الشرح منه نقول ان الله يعلم جميع خلقه في الخلق لا في ذاته فان ذاته تعالي منزهة عن الخلق و يمتنع معها ذكر الخلق بالنفي و الاثبات و الاجمال و التفصيل و من زعم انه تعالي واحد لخلقه في ذاته لم‌يوحده بل كثره نعم هو تعالي بذاته عالم بكل شئ في مقامه لا في مقام الذات و درك هذه المسألة موقوف علي درك علم النفس فان الله تعالي قال و في انفسكم افلاتبصرون انظر الي نفسك حيث تقول اني عالم بفلان و فلان هل يكون علمك بمعلومك بحضوره في ذاتك او حضور آخر لا شك انه ليس بالحضور الذاتي فانها لو تصورت بصورة خاصة لاتكاد تغيب عنها و لاتتغير عن حالها و لايرد عليها غيرها فان ذاتك ان تصورت بصورة علم النحو لاتتغير عن ذلك فان الذاتيات لاتتغير ابدا فان الذات ان تغيرت لصارت الي غيرها و لزم من ذلك ان النحوي اذا صار صرفيا لصار غيره ثم نقول هل يذهب صورته الاولي بالكلية ام تبقي له فان قلت بالاولي للزم اولا بطلان الذات بالمرة و ثانيا لزم [ص 221] ذهاب العلم الاول بعد العلم الثاني و هذا خلف و ان قلت انه يحصل للذات صورة كلية من علومها ننقل الكلام اليها فاما اولا فنقول يلزم من ذلك عدم العلم التفصيلي للذات مع انها عالمة بالعلم التفصيلي بتصديق العقل السليم و ثانيا نقول ان الصورة الكلية هل تتفاوت باكتساب العلوم ام لا فان قلت بالاول يلزم عين ما مر في الجزئي و ان قلت بالثاني يلزم علم زيد بما لايعلم و سيعلم و كلاهما باطلان فافهم و تدبر فعلمك بمعلومك لايكون بحضوره بعينه او شبحه عند ذاتك بل الذات منزهة عن الاعراض ظاهرية كانت او باطنية صورية او معنوية و لكن المعلومات تحضر في مشاعرك حينا بعد حين و يوما بعد يوم و ذاتك واقفة علي كلها في تلك المشاعر فان قلت كيف يثبت لها الثواب و العقاب بالعلوم و الاعمال ان كانت دونها اقول ان لكل منها دهرية ثابتة تثبت مع الذات ابدا دهريا و هي تتنعم منها فان جميع ما في الدنيا و المثال حبات عنقود الذات تظهر ما دام البدن في الدنيا و المثال و اذا فسد تركيب البدن ترجع الي اصلها كسراج يذهب بنوره اذا اذهب من البيت و مع ذلك لايعود الانوار الي ذات السراج فافهم فان هذا كلام مشكل لايعرفه الجاهل و يقف علي حقه العالم و كذلك الامر في علمه تعالي فانه لايرجع شئ الي ذاته تعالي لانه لم‌يجئ شئ من الذات و كل شئ واقف في حده علي حذو قول الشاعر :

و واقفون لديه عند حدهم من نقطة العلم او من شكلة الحكم

و هو تعالي عالم بكل شئ في مقامه و قد ثبت ان علمه تعالي نفس المعلوم لا غير و لو لم‌يكن الامر هكذا للزم ان يكون الله تعالي عالما بالشئ بعلم آخر غيره فاذا كان غيره هل يكون ذاته تعالي او غيرها فان كان ذاته للزم نسبة الذات الي خلقها و ذلك خطاء محض اذ يلزم من ذلك حدوث الذات و ان كان غيرها فهل يكون العلم موافقا لمعلومها من كل حيث و جهة بحيث لايخالفه في وجه فهو هو و ان كان مخالفا له من حيث فهو مخالف لمعلومه و يلزم من ذلك علم [ص 222] الله للشئ بخلاف ما هو عليه و لو من حيث و هذا خلف فعلمه تعالي نفس المعلوم و يلزم من ذلك ان يكون علمه بالمطلقات مطلقا و بالمقيدات مقيدا و بالسرمديات سرمديا و بالدهريات دهريا و بالزمانيات زمانيا ثم ان له تعالي علما ازليا بمعلوماته يعلمها في الازل علي ما ينبغي لجلال وجهه و قد فصلناه و بيناه في ينابيع‌الحكمة فقوله عليه السلام و شاهد كل مشهود في وصفه تعالي يجري في علمه الازلي و الخلقي كل بحسبه و هذا في الظاهر و اما في الباطن فقد عرفت سابقا في شرح الاشهاد ان آل‌محمد سلام الله عليهم شهداء الله علي خلقه و هم الشاهدون الذين لايخفي عنهم خافية في الارض و لا في السماء و شهادتهم هذه شهادة الله لخلقه اذ الامام عين الله الناظرة و سمعه الواعية و كل ما يصل اليه يصل الي الله فالله شاهد عالم بشهادته .

قال روحي فداه : و موجد كل موجود و محصي كل معدود و فاقد كل مفقود الدعاء ،

لا غبرة علي هذه الفقرات سيما بعد ما بينا في هذه الاوراق فانه تعالي موجد كل موجود ايا كان و لا شريك له من خلقه و محصي كل معدود بعلمه و فاقد كل مفقود اي عادم كل معدوم اذ الموجد هو الفاقد لا غير و لا اشكال في ذلك و الاشكال في ان الله تعالي هل يفعل ذلك بذاته ام لا لا شك في ان ذاته تعالي لاتكون سبب شئ فان السبب يرتبط بمسببه و ينتسب اليه بل هو اعلي درجته بلا شبهة و قد اثبتنا ذلك فيما مضي و لا اشكال فيه و الله سبحانه يجري كل شئ بسببه كما قال ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و في الزيارة ما من شئ منا الا و انتم له السبب و قال عليه السلام نحن سبب خلق الخلق ، فآل‌محمد عليهم السلام سبب الخلق و علتهم و بهم يخلق الله العباد و يرزقهم و يحييهم و يميتهم و كل ما يعامل الرب مع خلقه يكون بسببهم و لذلك قلنا فيما مضي ان الواجب علي العبد ان يتمسك في كل حادثة و حاجة بآل‌محمد عليهم السلام و يجعلهم وسيلته لانجاح طلبته [ص 223] و قضاء حاجته و وصلته الي ربه تعالي و الناس قد غفلوا عن هذا الامر و ربما يتمسكون بالمسببات لطلبها فلايصلون اليها او يسألون الذات من غير ملاحظة الاسباب و لايصلون اليها اذ جعل الله لكل شئ سببا و اوجب علي عباده طلب الاسباب و بالجملة فآل‌محمد سبب خلق الخلق و الله الخالق فهو الموجد لهم بسببهم و المعدم لهم بسببهم اذ هم محال مشية الله و اكمام ارادته و جميع ما يجري في الملك لا شك انه يجري بمشية الله و اذ كانوا محل المشية فالامر يجري منهم و الحكم يهبط اليهم اولا و ذلك قوله عليه السلام و ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليكم و في الدعاء جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك فاذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم الدعاء ، فجميع اوامر الله يجري منهم و بسببهم كما ان امر النار الغيبية يجري بسبب الدخان المشتعل به فان الدخان وكر لطاير النار لاتستقر الا فيه و لاتظهر امرها الا منه فالدخان سبب وجود الانوار و علتها و سبب وجود الحرارة و علتها و لولا الدخان لماسطع من النار نور و لاظهر منها حرارة كما تري ان كرة النار لاتضيء شيئا و لاتسخن و لو كانت ضيئة في نفسها حارة في مزاجها و كذلك مشية الله و ان كانت فعالة مؤثرة الا ان فعلها و اثرها لايظهر الا من آل‌محمد سلام الله عليهم لانهم الحاكون لها في عالم الخلق فمرجع جميع آثار المشية الي آل‌محمد سلام الله عليهم هذا بملاحظة الظاهر و اما في الحقيقة و الباطن فهم سلام الله عليهم نفس مشية الله و عين ارادته لقوله عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد و قوله عليه السلام في الزيارة و القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم و فيها و مجاهدتك في الله ذات مشية الله و بالجملة ادلة ذلك من الاخبار و الآثار كثيرة مر شطر منها سابقا و بينا بعض الادلة العقلية علي ذلك فراجع فاذا كانوا بانفسهم عين مشية الله فهي السبب الكلي لجميع الاشياء بلا ارتياب و رجوع كل شئ اليها كما ان بدأ كل شئ منها [ص 224] كما قال عليه السلام ان الينا اياب هذا الخلق و علينا حسابهم .

قال عجل الله فرجه : ليس دونك من معبود الدعاء ،

يعني لا معبود سواك فانه تعالي هو المعبود الحق و اشهد ان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضك السابعة السفلي باطل مضمحل ما خلا وجهك الكريم اي عبده جميع خلقه طوعا في الكون او عبده العابدون منهم في الشرع و ظاهر ذلك سهل ان شاء الله و المراد من العبادة العمل بمقتضي العبودية علي حسب امره و نهيه كونا و شرعا فالاوامر الكونية اوامر وجودية امرهم الله بالانوجاد و التصور بالصور و التهيأ بالهيئات و ساير الحركات و السكنات و لم‌يخالفه احد من خلقه في جزئي الامور و كليها و اما في الشرع فهي الاوامر الشرعية الجارية علي لسان الانبياء و الاولياء صلوات الله عليهم فاطاعه من اطاعه و عصاه من عصاه و العابد في الشرع من اتبعه فيما امر و نهي و لم‌يخالفه الي غيره و حق العبادة سير العباد الي الله سبحانه باقدام الامتثال لظهور نوره سبحانه فيهم و بروز كنه العبودية من كوامنهم و هي العلة الغائية لجميع الموجودات كما قال الله تعالي و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و قال في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و المعرفة اصل العبادة و اولها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام اول عبادة الله معرفته و قال اول الدين معرفته ، و امثال ذلك من الاخبار متعددة فالمعرفة عبادة و العبادة معرفة و الواجب علي العبد عبادته و معرفته و توحيده فيها و الناس يزعمون ان توحيد العبادة منحصر في العبادات الظاهرية كالصلوة و الزكوة و لكن الامر علي خلاف ذلك فان الواجب علي الانسان توحيده تعالي في المعرفة اي يعرفه بالربوبية و لايعرف احدا سواه فيعبده و يطيع امره و لايطيع احدا سواه و ذلك حظ اصحاب السلوك الموحدين حيث يكون نظرهم في كل حال مقصورا علي ربهم و التوجه اليه و الاخلاص له علي ما قال مولانا اميرالمؤمنين مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه او بعده [ص 225] و لعل الترديد من الراوي و سئل عليه السلام هل رأيت ربك قال لم‌اعبد ربا لم‌اره و قد اشار الي ذلك في خطبته حيث قال رأيت الله و افرودوس الخطبة ، فتدبر و هذا اعلي درجات العبادة و توحيدها و ينتج ذلك ان لاتكون ناظرا الي غيره و لاتخاف سواه و لاترجو عداه و لاتؤمن بغيره فتعبده و لاتشرك به احدا و اما من لم‌يبلغ في معرفته هذا الحد فهو مشرك لا محالة في حده و درجته و لذلك قال الله تعالي و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون نعم من باب ان الله لايكلف نفسا الا ما آتيها و وسعها سيغفر لمن لم‌يشرك في نيته و ذاته و ان كان مشركا في اسفل منها و اما غيرهم فلايغفر لهم و قد قال ان الشرك لظلم عظيم و قال ان الله لايغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء و لذلك ورد ان الموحد يدخل الجنة و ان كان عاصيا و ذلك مروي عن ابي‌ذر عن رسول الله صلي الله عليه و آله عن جبرئيل حيث قال له ان الموحد يدخل الجنة قال رسول الله صلي الله عليه و آله و ان زني و ان سرق قال و ان زني و ان سرق و عن مولانا الرضا عليه السلام في الحديث المعروف الذي رواه جماعة عنه من قال لا اله الا الله وجبت له الجنة انتهي ، و ذلك ان الموحد الحقيقي حاله مثل ما بينا مع انه يؤمن بجميع ما انزل الله و يصدق رسله و حججه و اما من لم‌يعرف ربه فهو تارك لاول العبادات فلاينفعه بعد عمل من الاعمال لانه يعبد من لم‌يعرف فلعله صار عابدا للشيطان زعما منه انه الرحمن و لذا تري العابد بلا معرفة لايترقي ابدا و العارف العاصي يترقي و لذا قال عليه السلام ما معناه العابد بلا علم كحمار الطاحونة يدور دايما و لايزول من مقامه انتهي معني الخبر ، و اما من كان عارفا بربه فهو يعبد ربه من حيث يعلم فينفعه عمله و لو كان قليلا و لذا ورد ما معناه ان الله لاينظر الي كمية العمل و لكنه ينظر الي كيفيته و لما بلغ الكلام الي هنا احببت ان اشير الي مطلب خفي طار فيه الالباب و طاش فيه افكار العلماء الاطياب و قد ذهب الناس في حقيقته الي مذاهب فجماعة اصحاب القشر لم‌يعرفوا الا الظاهر و جماعة سموا [ص 226] نفسهم اصحاب اللب و اختاروا مذهبا باطلا و اشركوا بربهم من حيث لم‌يعلموا و ارباب الوصول قليلون علي حذو قول الشاعر :

خليلي قطاع الفيافي كثيرة و لكن ارباب الوصول قليل

و قال آخر :

و كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاكا

اذا انبجست دموع من خدود تبين من بكي ممن تباكي

و هو بيان جهة العبادة و حقيقة كونه تعالي معبودا فاعلم ان الله سبحانه بذاته تجل عن ان يعرف او يوصف لما مر سابقا فلايعرف بالتحديد و لايوصف بالمعبودية اذ المعبود صفة مفعول و هو يقتضي عابدا و لا بد بينهما من الاقتران الممتنع من الازل الثابت في الحدث فان صارت الذات معبودة لزم اقترانها بخلقه العابدين هذا و العبادة هي العمل بمقتضي رضا المعبود و سخطه و ذاته تعالي تجل عن ان ترضي و تسخط فان الرضا هو الميل الي الشئ و السخط اعراض و فرار عن الشئ و لايحصلان الا بالمناسبة و المنافرة و الاتصال و الانفصال و الله سبحانه يجل عن جميع ذلك اذ كلها مخالف للاحدية فرضاه و سخطه في خلقه و ذلك ما روي في تأويل قوله تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم قال عليه السلام ان الله لايأسف كاسفنا و لكنه خلق لنفسه اولياء جعل اسفهم اسفه الحديث ، فالله سبحانه امرهم و نهاهم بحسب رضاء اوليائه و سخطهم و امرهم بعبادته فيهم و منهم و بهم لا كما زعمه الصوفية ان يجعل الانسان صورهم الجسمانية في خياله و يجعلها مخاطبة بما يليق بالاحد الصمد فان ذلك شرك بالله عز و جل و اما الحق ان يكون الانسان عابدا لربه لا غير بهدايتهم و الاستشفاع بهم كما في دعاء التوجه اللهم اني اتوجه اليك بمحمد و آل‌محمد و اقدمهم بين يدي صلوتي و اتقرب بهم اليك فاجعلني بهم وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين مننت علي بمعرفتهم فاختم لي بطاعتهم و معرفتهم و ولايتهم فانها السعادة و اختم لي بها فانك علي كل شئ [ص 227] قدير انتهي ، و ذلك من حيث انهم اسماؤه و صفاته و علاماته و آياته لا من حيث الصور الجسمانية فانها اجسام كساير الاجسام و لاتدل من حيث جسميتها علي غير الجوهر القابل للابعاد و لكن من حيث ظهور اسماء الله و صفاته فيها تدل علي الله كما تري في الشعلة المرئية انها من حيث دخانيتها لاتدل علي النار الغيبية بل هو اي الدخان اجزاء ترابيته من التراب و اليه و لكنها تدل علي النار من حيث ظهور النار فيه فانت اذا نظرت الي النارية فيها يمكن لك الوصول الي النار و الا فلا و كذلك الامر فيهم صلي الله عليهم فان وجه الله الباقي بعد فناء كل شئ ظهر فيهم و منهم و هم يدلون علي الله بهذا الوجه فانت اذا نظرت الي الوجه و النور تتمكن من التوجه الي الله لا غير فافهم فعلي ذلك آل‌محمد ليسوا معبودين بل هم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و لذلك تشهد في صلوتك اولا و آخرا و وسطا بعبودية محمد (ص) لله و لو كان بنفسه معبودا لكان الشهادة بعبوديته كذبا و لكن الله سبحانه جعلهم جهات عبادته بامتثال اوامرهم و مراقبة طاعتهم و الاستشفاع بهم و التوسل بهم الي الله كما جعل الكعبة جاهه فافهم راشدا موفقا و ليس هنا موقع تفصيل هذه المسألة و يجزي هذا القدر من البيان .

قال روحي فداه و عجل الله فرجه : اهل الكبرياء و الجود الدعاء ،

الكبر و الكبرياء بمعني العظمة و اتي بمعني الشرف و مر سابقا بيان الكبر و العظمة و الفرق بينهما اذا اجتمعا فان الكبر يستعمل في كبر البدن و العظمة في كبر النفس و لذلك قال الله تعالي الكبرياء ردائي فمن نازعني في ردائي سلبته عنه و العظمة دثاري فمن نازعني في دثاري سلبته عنه ، و الدثار يلبس تحت الرداء و الرداء يلبس فوق الالبسة و لذلك قال الله تعالي له الكبرياء في السموات و الارض فانه تعالي له ظهور في كل عالم بحسبه ففي الجبروت ظهر بالعلو و في الملكوت بالعظم و هو العلي العظيم لان العلو صفته العليا الظاهرة في الجبروت اول ما خلق [ص 228] الله و العظم صفة نفسه تعالي الظاهرة في نفسه القايمة فيه بالسنن و لذلك قال عليه السلام العلي العظيم اول الاسماء ، و اما الكبر فهو الظاهر في السماوات و الارض و هو جلال الرب و قد مر شرحه و لا شك ان هذه المظاهر بعضها فوق بعض و السماوات و الارض فوق الجميع فخص بها الكبرياء اذ هي بمنزلة الجسم للباقي ثم لما كان الصلوة عبادة جامعة جعل فيها صور جميع العوالم لتكميل كل المراتب بها و خص كل صورة بذكر يليق به فان الاذكار تؤثر اذا كانت في مواقعها و محالها و لذلك لايؤثر ذكر الجاهل لانه لايعلم محل ذكره و ربما يذكر ما يليق بحالة في حالة كما كان الرجل الجاهل يقول في حال التطهير ما يخص الاستنشاق من طلب استشمام ريح الجنة و روحها و طيبها فلذلك جعل النبي المحيط العالم لكل حالة من حالات الصلوة ذكرا خاصا و بعض الاذكار كانت عامة يليق بكل مقام فجعلها مطلقة فحال القيام لما كان صورة انتصاب الاعضاء و ظهور جميع البدن مع انه مقام بقاء العبد و حفظه لنفسه و اظهاره الانية كان دالا علي حال الجسم الظاهر و اذا صار الانسان خالصا لربه يظهر فيه الكبرياء و الجلال فيليق بذكر كبرياء الله و مشاهدتها فتقول حين قيامك الله اكبر اي اكبر من ان يوصف او اكبر من كل شئ لا بمعني ان لغيره كبرياءا و هو اكبر عنه بل المعني ان له الكبر المطلق كقولك هو اعلم و من هذا الباب قوله تبارك الله احسن الخالقين فانه لا خالق سواه فيكون احسن منه فافهم فوجه استعمال افعل التفضيل في المقام محض اثبات الصفة له و ذلك احد معاني افعل التفضيل ثم الركوع مقام بروز النفس اذ هي البرزخ بين الغيب الفاني في جنب احدية الاحد و مقام الوجود و الشهادة الثابتة القايمة فاسفلها قايم و اعلاها فان فمن رأس الانسان الي وسطه الذي هو محل حكاية الغيب ينخفض لربه و يخضع و من وسطه الي قدمه يقوم كهيئة الدال الذي يدل في عالم الحروف علي النفس فالعبد في هذا المقام يقوم في مقام النفس الملكوتية فيتذكر عظمة ربه الظاهرة فيها [ص 229] فيقول سبحان ربي العظيم و بحمده و ذلك قوله تعالي فسبح باسم ربك العظيم و بعد ما ظهر في الانسان نور الغيب كاملا يخر لعظمة ربه ساجدا كما في حديث المعراج ان النبي شاهده فسجد له اذ مقام السجدة مقام الفناء و الاضمحلال لله و الفناء لحكاية الوجود و لذلك يكون اقرب حالات العبد الي ربه حالة سجدته و انما تقرب من تقرب اليه لطول السجدة ففي هذه الحالة يظهر له نور العلو فيقول سبحان ربي الاعلي و بحمده و يستحب ان يكرر الاذكار في كل حالة لرسوخها في القلب و تأثيرها في المراتب و اقله ثلثة لان كليات مراتب الانسان ثلثة : روح و نفس و جسم و بكل ذكر يكمل مرتبة من مراتبه و من هذا الباب صار من المستحبات تكرير تكبيرة الافتتاح ثلثا او خمسا او سبعا لتكميل جميع المشاعر البرزخية فتدبر حتي تقف علي نوع اسرار العبادات ، و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده فالكبرياء مقام بروز جلال الرب في الظاهر كما اشار رسول الله صلي الله عليه و آله بيده الشريفة الي السماوات و الارض في حديث زينب العطارة و قال جلال ربي جلال ربي و جلاله في السماء اظهر و لذلك لم‌يكن ينظر الي السماء ابدا و كان دايما ينظر الي الارض لان جلاله في السماء اظهر لان السماء محل بروز انوار الله و افعاله و هو محل مشيته و مكمن ارادته و كان رسول الله (ص) واجدا لذلك فكان يستحيي منه و اما نحن فلانريه و لانعرفه فلانستحيي منه و السماء و الارض لنا بالسواء ثم اعلم ان حقيقة هذه الكبرياء ظاهرة في آل‌محمد سلام الله عليهم و ذلك لانهم اخلصوا في توحيد الله و لم‌يشركوا به احدا غيره و لم‌يدعوا لانفسهم انية بل افنوا انفسهم في جنب الله كما افني الدخان نفسه في جنب النار الغيبية فاشتعل بنورها و هذا حقيقة التواضع الذي قال عليه السلام من تواضع رفعه الله ، فآل‌محمد قد تواضعوا لله بحقيقة التواضع حتي ظهر فيهم كبرياؤه و عظمته و جلاله و قد مر سابقا شرح ذلك فراجع و اما الجود فهو ضد البخل و الله سبحانه هو الجواد [ص 230] الكريم و لايكاد يبخل عن شئ و ذلك لان الجود لازمة الاحدية و الرحمة الواسعة و البخل صفة الحد و لايكاد يبخل البخيل عن شئ الا لاقتضاء منه و اقتضاؤه الخاص لايحصل الا لاجل الصورة الخاصة مع انه لازمة السوداء و هو منشأ الانقباض و الموت و الرحمة الواسعة صفة الحرارة و اليبوسة و الاحدية المحيطة بكل صورة فهو الجواد المطلق علي كل احد نعم ربما يمتنع العبد بنفسه من حيازة عطاء الله سبحانه لسوء عمله فلايصل اليه عطاؤه فيزعم ان ذلك من بخل ربه عنه و ظنه ذلك باطل فان الجود من الرحمة و رحمته وسعت كل شئ و احاطت بكل شئ الاتري الي قوله تعالي الرحمن علي العرش استوي اي علي ملكه احتوي و استولي علي ما دق و جل و قال عليه السلام يا من استوي برحمانيته علي العرش فصار العرش غيبا في ذاته ، فان الرحمن قد احاط بملكه بحيث صار ملكه غيبا في ذاته بالمرة اي ذات الرحمانية باحد المعاني و لايضر تذكير الضمير لملاحظة المعني او يراد ذات الله بسبب رحمنيته او يرجع الضمير الي ذات العرش اي صار ذاته غايبة في الرحمانية ، و بالجملة فالرحمن محيط بكل ملك الله و لايعزب عنه شئ في الارض و لا في السماء و بقاء كل شئ بسبب رحمته فجوده و عطاؤه محيط بكل ملكه و لايمنعه مانع عن الجود نعم الموانع تمنع العباد عن قبول عطائه ثم لما كان الله محيطا بكل شئ حتي القوابل ينسب منعها ايضا اليه فيقال انه المانع مع ان منعه ايضا بعطاء آخر و ذلك نظر دقيق فان القابلية لاتمتنع من شئ الا باقتضاء منه و اقتضاؤه لايكون بعطاء الله سبحانه ثم ذكر الجود بعد الكبرياء لايخفي وجه مناسبته فاذا كان الكبر بمعني الشرف فالجود احد جهات الشرف و لوازمه و ان كان من العظم فالجود ايضا منه و علي اي حال بينهما مناسبة قريبة و اما وجه تخصيص الذكر بهما فالمناسبة للطلب و الدعاء فانك اذا سألت احدا توصفه اولا بكبره و جوده ليتذكر ذلك و يهيج جوده بتذكره له فيعطي و كذلك الله تعالي خص كل امر [ص 231] باسم خاص من اسمائه تعالي و لكل اسم اثر خاص فانت تذكر في المقام اسم الجود و العطاء و ان قلت ان الله هو صاحب الجود و لاينسي صفته ذلك مع احاطته بكل شئ و هو يعلم حاجتي فاي حاجة الي ذكر الاسم بل ذكر الحاجة اقول اما ذكر الحاجة فلتخصيص العطاء المطلق فيك بما تحتاج اليه فان عطاءه مطلق لايخص بامر خاص و انت ربما تحتاج الي شئ خاص و هو بنفسه لايقتضي امرا مخصوصا فيعطيك باقتضائه فامرت بالذكر لتتلون بجميع مراتبك بما تحتاج اليه فينصبغ العطاء المطلق فيك مع ما له من فوايد اخري مما يلزم العبودية و الفقدان و ذكر المنعم و اما ذكر الاسم فلان الله يعطي ما يشاء باسمائه و هي مطلقة و لها مواقع مطلقة و لا تعلق لها بك خاصة فاذا ذكرت الاسم يخرج من قوتك الي الفعلية ما كمن فيك من آثار ذلك الاسم مثال ذلك ان الله عز و جل جواد و جوده مطلق عام ملأ اركان كل شئ و في قوة كل شئ منه بقدر و اذا خرج من قوته يؤثر في نفسه و في غيره و لا شك انه لا سبب لاستخراج شئ من القوة الي الفعلية اقوي و انسب منه من نفسه كما تري ان النار في قوة الدهن مثلا و اذا اردت استخراجها منها تهيأ لذلك نارا بالفعل و تخرجها بها من قوته و ان لم‌تظفر بنار بالفعل تختار احد لوازمها كالحركة مثلا و تخرجها بها فكذلك الامر فيما نحن فيه اذا اردت استخراج اسم الجواد من كمونك لا بد لك من طلب اسم الجواد فتذكره بلسانك و ان عملت به لكان ابلغ في التأثير فجد بنفسك علي غيرك حتي يخرج الاسم من قوتك و لذا امر ائمتنا سلام الله عليهم بمعالجة الفقر بالصدقة فاذا فعلت ذلك مع المداومة علي ذكر اسم الجواد سيما اذا ذكرته بعدد قوي حروفه لاثر فيك حتي تصير بنفسك موقع هذا الاسم الشريف فيجود الله بك عليك كما خلقك اولا بنفسك فافهم فلذلك يجب مراعاة الاذكار و الاسماء في كل موقع و لايؤثر كل اسم لكل حاجة ، و اعلم ان معرفة مواقع الاسماء ايضا لازمة لاستجابة الدعاء و من لم‌يكن [ص 232] عارفا بمواقعها و طلبها من غيرها لماظفر بها و ذلك ان الله سبحانه بذاته لايفعل شيئا و قد جعل لكل شئ سببا و ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها فاذا طلبت الشئ من سببه لظفرت به و الا فلا الاتري ان الله جل و عز جعل النار سبب السخونة و الماء سبب البرودة فانت اذا طلبت البرد من النار لحرمت البتة فانه ليس البرد الا للماء فانت اذا جلست مدة عمرك قبالة النار و سألتها ان يبردك لماقضي لك حاجة بل تتسخن دايما و لايفيدك ان تقول ان الله يعطيني من حيث يشاء فان شاء ان يبردني بالنار لفعل اقول بلي ان الله يقدر علي ذلك و لكن هذا مما لايكون و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها الاتري الي قول الامام عليه السلام في جواب من سأله عن الله هل يقدر ان يدخل السماوات في البيضة من غير ان يصغر السماء و يكبر البيضة قال الله قادر و هذا مما لايكون ، و اجاب في خبر آخر سئل عن ذلك بوجه يمكن قال ما معناه ان الله ادخل السماء في عينك مع انها مقدار شعرة خنزير ، بيان ذلك ان السماء بعينه لايدخل في البيضة و لكن شبحه يمكن ان يلقي فيها و بالجملة من هذا الباب اجراء شئ بسبب غيره فان هذا مما لايكون ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان نفس الانسان اذا كانت متوجهة الي آل‌محمد عليهم السلام تكون متوجهة الي ابواب الفيض و النعمة مقبلة الي عليين و اذا توجهت الي اعداء آل‌محمد (ع) او الدنيا الدنية او كانت غافلة عنهم لكانت متوجهة الي سجين و هؤلاء المذكورات ليست ابواب الفيوض بل هي ابواب العذاب فان النار تأكل بعضها بعضا و اهل النار وقودها كما قال الله تعالي وقودها الناس و الحجارة اعدت للكافرين فانت اذا اقبلت الي اهل النار لاتجد سوي العذاب لان اهل النار اسباب التعذيب و اما اذا توجهت الي آل‌محمد عليهم السلام فقد اقبلت الي اسباب رحمة الله و النعمة و وصلت اليها و ان قال قايل نري جماعة من الاعداء يسألون ربهم الرحمة في الدنيا و النعمة فيرحمهم مع انهم [ص 233] مقبلون الي ابواب العذاب اقول لنا عن ذلك جوابان وجيهان : الاول ان الله لايرحمهم الا برحمته العامة و رب رحمة في الدنيا تكون من عذاب الآخرة كما ان النقمة الدنياوية ربما تعود في الآخرة نعمة و ذلك ظاهر مكشوف و الثاني ان الكفار اذا اقبلوا الي الاعداء و سألوا ربهم لايكاد يرحمهم بل يردهم و يخيب رجاءهم و يقطع املهم و ما تري من استجابة دعوتهم فذلك حين توجههم الي ابواب الخير غاية الامر انهم وجدوهم بصورة اخري عرضية غير الصورة التي عرفوا بها و المناط هو الصورة الذاتية لا العرض بيان ذلك ان المؤمن يقبل الي مولاه لانه وجه الله و انه جامع للصفات الحميدة فيسأل ربه و يقضي له حاجاته و المنافق ربما يقبل الي غير مولي المؤمن بحسب الصورة الظاهرة و لكنه يزعم انه علي صورة مولي المؤمن و انه وجه الله و جامع للصفات الحميدة و هذه الصورة في الواقع صورة مولي المؤمن و قد زعمها المنافق في بدن من دعاه مولي له و قد اعطاه ذلك من باب ظنه كما ورد ان الله عند ظن عبده ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا ، و لذلك ورد فيمن اقبل الي اهل الباطل بزعم انه مرضاة الرب يقبل منه و اصل هذا التأثر من نفس الانسان فان النفس اذا تصورت بصورة و داومت عليها تؤثر في بدنها و ان كانت مقبلة الي غير الباب كأنك تقبل الي الماء و تتخيل انه نار و يقوي خيالك في ذلك تتسخن لا محالة ، و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده فآل‌محمد سلام الله عليهم ابواب رحمة الله و هم محال مشية الله و مواقع اسمائه فكلما طلبت اسما لتأثير خاص لا بد لك من الوقوف بحضرتهم و قرع بابهم و الطلب منهم و هي اي الاسماء و ان كانت في غيب جميع الملك الا انها في قوة الاشياء و لا اقل من ان بعضها بالفعل في البعض و لذلك لاينفع الاقبال الي كل شئ لطلب كل شئ و اما آل‌محمد سلام الله عليهم فهم المرجوون لكل خير المسؤلون لكل نعمة لانهم باب كل اسم فالواجب علي الانسان ان يجعلهم جاهه اوقات دعواته و حاجاته و هذا الذي قلنا [ص 234] قشري ظاهري و بالبيانات القشرية الظاهرية لايكشف الحقايق و لذا يبقي بعدها بعض جهات المسألة مستورة دايما و اما بالبيان الباطني اللبي يكشف تمام جهات المسئلة و الاشارة اليه انهم اول الاسماء و اصلها و جميع الاسماء و الصفات آثارهم و مثلهم بين الاسماء كمثل السراج بالنسبة الي الانوار او زيد بالنسبة الي ساير صفاته فعلي ذلك ان ظهر اسم آخر في موقع من المواقع غيرهم يكون منهم و اليهم و يدل عليهم كما في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه ، فالنار مثلا حاملة لاسم المحرق و هذا من اثر آل‌محمد الاسم الاعظم و التجلي الاكرم فاذا اقبلت الي النار سايلا الاحراق اقبلت الي المؤثر الواقعي عرفته او لم‌تعرفه الا ان معرفته اسرع للاجابة و اولي للترقية و السير الي عليين و مبادي العلل فافهم فقد بينت مر الحق و كشفت عن حق المسألة و الحمد لله فهم مظهر الكبرياء و الجود و جميع الكبر لهم و كل الملك من جودهم و فيضهم و الخلق دايما مستمدون منهم و ذلك قوله :