فاعلم ان القدرة بمعني القوة فلان قادر علي كذا اي قوي عليه قال في المعيار [ص 51] قدر علي الشئ كنصر و ضرب و فرح و المصدر كسحابة و رطوبة و رضوان و سحاب و كتاب قوي عليه و الاسم القدرة كغرفة و مقدرة العبارة ، فقدرة الله سبحانه قوته علي ما يشاء و قد عدوا القدرة من الصفات الذاتية و لكن حق القول ان له تعالي قدرتين قدرة ذاتية و قدرة خلقية و وجه ذلك انه لا شك ان قدرته تتعلق بالخلق و قد نطق بذلك الاخبار و الآيات قال الله تعالي ان الله علي كل شئ قدير و قال اليس الله بقادر علي ان يحيي الموتي و غير ذلك من الآيات ، و في الدعاء اللهم اني اسألك من قدرتك بالقدرة التي استطلت بها علي كل شئ و كل قدرتك مستطيلة اللهم اني اسألك بقدرتك كلها ، و لا شك ان ذاته تعالي لاتقع علي شئ و لاتكون سببا لشئ و علة لشئ فالقدرة التي تتعلق بالاشياء هي غير الذات و هي فعله لا محالة و قد بين الامام عليه السلام القدرة الذاتية و الفعلية في بياناته فاما القدرة الذاتية فهي التي بينها مولانا علي بن موسي الرضا عليهما السلام قيل له خلق الاشياء بالقدرة ام بغير القدرة فقال عليه السلام لايجوز ان يكون خلق الاشياء بالقدرة لانك اذا قلت خلق الاشياء بالقدرة فكأنك قد جعلت القدرة شيئا غيره و جعلتها آلة له بها خلق الاشياء و هذا شرك و اذا قلت خلق الاشياء بقدرة فانما تصفه انه جعلها باقتدار عليها و قدرة و لكن ليس هو بضعيف و لا عاجز و لا محتاج الي غيره بل هو سبحانه قادر لذاته لا بالقدرة و اما القدرة الفعلية فهي ما بينه اميرالمؤمنين عليه السلام لليهودي حين قال له فربك يحمل او يحمل قال عليه السلام ان ربي عز و جل يحمل كل شئ بقدرته و لايحمله شئ قال فكيف قوله تعالي و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية قال يا يهودي المتعلم ان لله ما في السماوات و ما في الارض و ما بينهما و ما تحت الثري فكل شئ علي الثري و الثري علي القدرة و القدرة تحمل كل شئ الخبر ، فهذه القدرة هي فعله تعالي و لايعلم ما تحت الثري الا الله و لا شك انها غير الذات اذ قد نفي عليه السلام صدر الخبر كونه حاملا لشئ بذاته و قال انه يحمل كل شئ بقدرته [ص 52] و مدخول الباء غير الذات بل هو سبب به يفعل ما يشاء فتدبر علي انه قال ان الثري علي القدرة و لا شك ان الثري لايكون علي ذات الله تعالي فانها لاتكون محلا لشئ و ذلك ثابت محقق في محله ثم ان مولانا الصادق عليه السلام جمع بيان القدرتين في خبر و قال لميزل الله عز و جل ربنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلما احدث الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ، فظهر من هذا الخبر انه له علمان علم اذ لا معلوم و هو ذاته و علم اذ معلوم و هو علم مخلوق و كذلك السمع و البصر و القدرة و القدرة الذاتية لاتكون علة لشئ و لا سببا لشئ و لميفعل بها شيئا بل يمتنع معها كل شئ و محال ان تتعلق القدرة الذاتية بشئ اذ يمتنع معها الشئ و بالدليل القشري الجدلي نقول لا بد بين المتعلق و المتعلق من نسبة و علاقة و بين القديم و الحادث لا علاقة و لا نسبة و محال ان يقع النسبة الا بين حادثين فلايتعلق قديم بحادث ابدا و سبحانه و تعالي عن جميع النسب بل جميع الاعراض و الجواهر و اما القدرة التي تتعلق بشئ فهي مشيته و هي التي استطال بها تعالي قدره علي كل شئ و هي القوة التي قال عليه السلام في دعاء كميل بن زياد و بقوتك التي قهرت بها كل شئ ، و اعلم ان القوة في الخلق الصلوح فان فلانا يقوي علي كذا اي يصلح ان يفعل كذا مع انه لميفعل و من هذا الباب يسمي المشاعر بالقوي فان قوة السمع مثلا ما به يصلح ان يسمع و هكذا و اما قوته تعالي فهي مشيته و هي من حيث نفسها فعل لا صلوح و انه لا افتخار في الصلوح نعم قد يقال ان المشية امكان فعلي كما ان الامكان الجايز انفعالي و لكن المراد غير ظاهره فانه لايراد انها امكان في فعليته المنبأة عن حركة المسمّي اَيْ اول كمالاته بَلْ هي في انبائها بالفعل و لكنها قوة بالنسبة الي ظهوراتها ايْ تصلح لان تظهر في كذا و كذا فان فعلك مثلا [ص 53] كامل في فعليته و ينبأ عن حركتك بالفعل و لا نقص فيه من هذه الجهة و لكن ليس متعينا بصورة خاصة بالفعل كما انه لايتصور بنفسه بعين خاصة الا بظهوره و هو يصلح ان يظهر بصور متعددة في البدن الذي هو بمنزلة الامكان الجايز للصفات فيسمع في الاذن و يبصر بالعين فافهم فان قلنا ان الفعل قوة فبنسبة ظهوره فتدبر في ذلك حتي تعرف المراد و هذا النحو من الاِمْكان لا نقص فيه و لكن النقص في الامكان الانفعالي هذا و ان كان المشية صالحة للظهور و لمتظهر بعد و كانت منتظرة لكان فيها نقص ايضا و لكن المظاهر كلها ثابتة في مقاماتها مركوزة في حدودها و لاتنتظر حدوث كمال و ظهور جمال بل هي واجدة لجميعها في مقاماتها الكلية في ذاتها و الجزئية في مقام ظهوراتها و بالجملة فالمشية قوة و لكن لا بمعني صلوح الانفعال بل صلوح الفعل و الكمال في ذلك فانه لو كان المشية مصورة بصورة كونية او عينية لانحصرت المخلوق بما يناسبها و لميكن يمكن التغيير و التبديل و لكن الله القادر المطلق اطلقها حتي يمكن خلق كل شئ بها و لذا وصفها بالقدرة المستطيلة التي استطال بها علي كل شئ و القوة التي قهر بها كل شئ فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الاخبار المتضافرة تدل علي ان آلمحمد سلام الله عليهم مشية الله و فعله و قدرته ففي العوالم عن المفضل بن عمر قال قال ابوعبدالله عليه السلام يا مفضل ان الله خلقنا من نوره و خلق شيعتنا منا و ساير الخلق في النار بنا يطاع الله و بنا يعصي سبقت عزيمة من الله انه لايتقبل من احد الا بنا و لايعذب احدا الا بنا فنحن باب الله و حجته و امناؤه علي خلقه و خزانه في سمائه و ارضه حللنا عن الله و حرمنا عن الله لانحتجب عن الله اذا شئنا شاء الله (ظ) و هو قوله تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و هو قوله ان الله جعل قلب وليه وكرا لارادته فاذا شئنا شاء الله و في خبر جابر اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد ، و قد مر قوله عليه السلام هم قدرة الرب و مشيته و [ص 54] ذلك ظاهر ان شاء الله لا اشكال فيه و لكن الشأن في تسليم ان ذواتهم صلوات الله عليهم واقفة موقف العلم الازلي و لذلك صارت ظواهر ذات الله و ذلك قوله عليه السلام السلام علي نفس الله القايمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن و قوله ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و قوله عليه السلام انا الذات انا الذات في الذوات للذات ، و يكشف عن جميع ذلك قوله عليه السلام في خطبته كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين الخطبة ، فذاتهم ثابتة بالكينونة قبل جميع مواقع الصفات و المشية من مواقع الصفات و مرجع كل الآيات و اذا كانوا قبل المشية فالمشية من شعاعهم و فعلهم و يكشف عن ذلك فقرات الزيارة التي رواها الاصحاب قال عليه السلام القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم ، و مر بعضها سابقا و قال مجاهدتك في الله ذات مشية الله ، فافهم و اغتنم و سلم لفضلهم و قد افلح المؤمنون اي المسلمون و هم النجباء و لاتنكر فضلهم فان الانكار لفضايلهم هو الكفر و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله فوجه تأويلنا القدرة بهم انهم القدرة في عرصة المعاني و اما البيان ففوق ذلك فقوله عليه السلام الواصفون لقدرتك بالمعنيين متحقق لهم صلوات الله عليهم فبالمعني الاول هم يصفون القدرة بذواتهم و بالمعني الثاني يصفونها باول جلواتهم فافهم .
قال روحي فداه و عجل الله فرجه : المعلنون لعظمتك ،
اقول الاعلان الاظهار من علن علونا كقعد اي ظهر و انتشر و يقال اعلنه و اعلن به و استعمل هنا باللام و يحتمل ان يكون للتعدية او التقوية و العظمة علي ما في اللغة الكبرياء و في فروقاللغة قيل العظيم الذي جاوز حدود العقول ان تقف علي صفات كماله و نعوت جلاله و اصل العظم في الاجسام ثم استعمل في مدركات البصاير و هي متفاوتة في العظم تفاوت الاجسام فما لايتصور ان يحيط العقل اصلا بكنه حقيقته و صفته منها فهو العظيم المطلق و هو الله تعالي و في [ص 55] شرحالاسماء للشيخ رجب العظيم معناه الغالب علي الاشياء قدرة و علما و احاطة فكل ما سواه ذليل خاضع فهو عظيم السلطان عظيم الشك (كذا) جبار في سلطانه قهار في جبروته متعاظم عن صفات خلقه انتهي ، و قال في المجمع في الفرق بين الجليل و العظيم الجليل من اسمائه تعالي هو راجع الي كمال الذات و العظيم راجع الي كمال الذات و الصفات هذا ما ظفرت عليه من اقوال الناس و الذي يظهر من الاخبار و الدعوات ان الجلال و العظمة و الكبرياء عند الفرق يستعمل بعضها في مقام بعض فان جل بمعني عظم و عظم بمعني كبر و عند الجمع يفرق بينها و وجه الفرق ان الكبرياء تستعمل في الملك علي خلاف ما زعم شارح الاسماء انها مخصوصة بالذات و قد قال الله تعالي له الكبرياء في السموات و الارض و هي عرصة الملك و الزمان و في القدسي الكبرياء ردائي و لا شك ان التشبيه في كلام الله ليس الا لمناسبة تامة و تشبيه الكبرياء بالرداء و العظمة بالازار في مقام الجمع ليس الا لان الكبرياء فوق العظمة من جهة الاسفل و اما العظمة فتستعمل في النفس و آثار مشية الله و الدهريات و لذا يوصف النفس بالعظم دون الكبر و الجثة توصف بالكبر و لذا ورد في صفة الله عريض الكبرياء و العريض صفة الجسم فعريض الكبرياء اي عريض السماء و الارض و من هذه الجهة قال في القدسي العظمة ازاري و الازار ما يلبس دون الرداء و اما الجلال قد يستعمل في الحقيقة كما في قول اميرالمؤمنين عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة علي ان يكون المضاف اليه غير المضاف فهو اقدم من العظمة اذ هي صفة الخلق و آثار الحقيقة كالعلو فانه ايضا صفة الذات و لذا قال اول الاسماء العلي العظيم فقدم العلي علي العظيم و هذا وجه اختيار ذكر كبرياء الله في حال القيام و العظمة في الركوع و العلو في السجود فان القيام من آثار الملك و هو اخس من الركوع و هو صورة انتصاب الاعضاء و قيام بعضها فوق بعض كقيام السماء فوق الارض و اما الركوع فهو شكل النفس و يدل عليه و بعد ما ركع يظهر عليه [ص 56] عظمة ربه فيسبحه و بذلك يتقرب من ربه و يكشف له عن النور الاعظم الاجل الاعلي و يسجد لله بافناء نفسه و شكل السجدة شكل الفناء و الاضمحلال و لذا ورد في حديث المعراج انه صلي الله عليه و آله بعد ما سجد و قام من سجدته الاولي نظر الي نور ربه فخر ساجدا ثانيا ، بالجملة فمقام العلو فوق العظمة بالجملة و قد استعمل كل من الجلال و العظمة و الكبرياء في مقام الآخر في مقام الافتراق فانه روي و الملك العظيم و اشار رسول الله صلي الله عليه و آله الي السماوات و الارض و قال جلال ربي جلال ربي ثلثا و غير ذلك من الاخبار و الآثار ففي مثل المقام يحتمل ان يكون المراد من العظمة الكبرياء و الجلال و يحتمل ان يكون المراد العظمة الملكوتية و هي ثالث مقامات الوجود و هي ظاهرة في آثار المشية و قد اعلنوا صلوات الله عليهم بلسان حالهم و قولهم عظمة الله بجميع معانيه في الظاهر و الباطن و بذلك ارتفعوا عن جميع الخلق و اقتربوا من الله و ذلك باطن قوله تعالي في بيوت اذن الله ان ترفع و من الكافي عن الباقر عليه السلام ان قتادة قال له والله لقد جلست بين يدي الفقهاء و قدامهم فمااضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك فقال له اتدري اين انت بين يدي بيوت اذن الله ان ترفع الي آخر الآية فانت ثمة و نحن اولئك فقال له قتادة صدقت والله جعلني الله فداك والله ما هي بيوت حجارة و لا طين ، و الاخبار الواردة بهذا المعني متعددة لمنذكرها هنا طلب الايجاز و الاختصار .
قال روحي فداه و عجل الله فرجه : اسألك بما نطق فيهم من مشيتك ،
اقول النطق التكلم بحروف و كلمات يظهر منها المعاني و نطق الكتاب اي بين و اوضح و بعد ما سأل ربه بمعاني جميع ما يدعوه به ولاة الامر اراد ان يسأل ربه بالناطق فيهم من المشية فان التمسك به نفسه اولي بالتأثير و التقوية من التمسك بكلامه و معني كلامه فان الكلام بجميع معانيه فرع المتكلم و اثره و ان كان [ص 57] المصداق بذاته فوق المتكلم لان المعني عرض قايم بذات المتكلم و ان كان مقتبسا من مصداق خارجي و ابين البيان بالمثال حتي تعرف المراد اقول ان المعني هو ما يقصده الانسان من كلامه في نفسه و يظهر عكسه في اللفظ و ما يقصده الانسان اثر فعله و ان كان مستنبطا من الخارج و الخارج ربما يكون اعلي من ذاتك ايضا و لكن ما اداها اليك ليس الا منك فالمعني الذي قصدوه ولاة الامر فرع وجودهم لا محالة و انت تتمسك بالفرع اولا ثم تتمسك بسببه و وسيلته الي ما نطق فيهم من مشية الله و لهذا الكلام وجوه كلها او بعضها مراده و لايضرنا بعد ما قالوا صلوات الله عليهم نحن نتكلم بالكلمة و نريد منها سبعين وجها لنا من كلها المخرج ، ان نتكلم في بعض الوجوه : فنقول يحتمل ان يكون من في قوله من مشيتك بيانية و هي الناطقة فيهم او يكون بمعني عن ثم الناطق فيهم هو روح القدس فعلي الثاني نقول ان الله سبحانه قد ايدهم بروح القدس و هو اول خلق من الروحانيين اعظم من جبرئيل و ميكائيل جعله الله في انبيائه و رسله و بيان ذلك ان الله سبحانه جعل فيهم ارواحا خمسة و بكل منها يفعلون ما يخصه و جعل في غيرهم من المؤمنين ارواحا اربعة و الاخبار الواردة في بيانها متعددة اقتصر بما رواه في البصاير عن جابر قال سألت اباجعفر عليه السلام عن الروح قال يا جابر ان الله خلق الخلق علي ثلث طبقات و انزلهم ثلث منازل و بين ذلك في كتابه قال و اصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة و اصحاب المشئمة ما اصحاب المشئمة و السابقون السابقون اولئك المقربون فاما ما ذكرت من السابقين فهم انبياء مرسلون و غير مرسلين جعل الله فيهم خمسة ارواح روح القدس و روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن و بين ذلك في كتابه حيث قال تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم فوق بعض درجات و آتينا عيسي بن مريم البينات و ايدناه بروح القدس ثم قال في جميعهم و ايدهم بروح منه فبروح القدس بعثوا انبياء مرسلين و [ص 58] غير مرسلين و بروح القدس علموا جميع الاشياء و بروح الايمان عبدوا الله و لميشركوا به شيئا و بروح القوة جاهدوا عدوهم و عالجوا معايشهم و بروح الشهوة اصابوا لذة الطعام و نكحوا الحلال من النساء و بروح البدن يدب و يدرج و اما ما ذكرت من اصحاب الميمنة فهم المؤمنون حقا جعل فيهم اربعة ارواح روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن و لايزال العبد مستكملا هذه الارواح الاربعة حتي يهم بالخطيئة فاذا هم بالخطيئة زين له روح الشهوة و شجعه روح القوة و قاده روح البدن حتي يوقعه في تلك الخطيئة فاذا لامس الخطيئة انتقص الايمان و انتقص الايمان منه فان تاب تاب الله عليه و قد يأتي علي العبد تارات ينتقص منه بعض هذه الاربعة و ذلك قول الله تعالي و منكم من يرد الي ارذل العمر لكي لايعلم بعد علم شيئا فينتقص منه روح القوة و لايستطيع مجاهدة العدو و لا معالجة المعيشة و ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به احسن بنات آدم لميحن اليها و يبقي فيه روح الايمان و روح البدن فبروح الايمان يعبد الله و بروح البدن يدب و يدرج حتي يأتيه ملك الموت و اما ما ذكرت من اصحاب المشئمة فهم اهل الكتاب قال الله تعالي الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم و ان فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون الحق من ربك فلاتكونن من الممترين عرفوا رسول الله و الوصي عليهما السلام من بعده و كتموا ما عرفوا من الحق بغيا و حسدا فسلبهم الله روح الايمان و جعل لهم ثلثة ارواح روح القوة و روح الشهوة و روح البدن ثم اضافهم الي الانعام فقال ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا لان الدابة يا جابر انما تحمل بروح القوة و تعتلف بروح الشهوة و تسير بروح البدن انتهي ، فظهر لك من هذا الخبر الشريف ان لكل من هذه الارواح فعلا خاصا في البدن و لا شك ان كل روح اعلي يؤثر في الروح الاسفل ايضا و يغلب عليه كما تري ان الروح النباتي بعد ما خرج من قوة البدن و تعلق به يغلب علي جميع الاخلاط [ص 59] و روحها المعدني و يحكم فيها بما يشاء و يفعل ما يريد و يكون السلطان بعد للروح النباتي و كذلك بعد ما خرج الروح الحيواني من قوته يتسلط علي ساير الاخلاط و الروح المعدني و النباتي و يحكم في الكل و يفعل ما يشاء و لذلك يصير الحكم في مملكته له لا غير و ذلك ان النباتية طبيعة خامسة للاخلاط و الحيوانية طبيعة خامسة للنباتية و الطبع الخامس حاكم فاعل في الكل مسلط علي جميعها ثم بعد ما تعلق بها الانسانية و هي روح الايمان يتسلط علي كلها و يفعل فيها بمقتضي طبعه و بعد ما تعلق بها روح القدس يتسلط عليها و يفعل فيها ما يشاء و يحكم ما يريد باذن الله تعالي فكل روح تسلط علي بدن يكون ناطقا منه فاعلا فان الناطق من بدن الحيوان روح الحيوة و جميع حركاته و سكناته منه و يرجع اليه كل ما يصدر منه و كذلك الناطق من بدن الانسان روح الانسان و يرجع اليه كل ما يصدر منه و كذلك الامر في صاحب روح القدس فانه بعد ما تعلق باحد يصير الفاعل من بدنه و الناطق بلسانه و الباطش بيديه و الماشي من رجليه و الباصر من عينيه و السامع من اذنيه و لما كان الروح من عند الله و علي صفة مشية الله يكون جميع فعل العبد علي صفة مشية الله فلايكاد يغفل عن الله و لايلهو و لايلعب و لايلغو و لايجهل و يكون صاحب التصرفات و المعجزات و الافعال الغريبات و ساير ذلك مما يخص روح القدس و يكفي في صفته و كماله قوله تعالي تنزل الملئكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر و كل من ادوات العموم و يشمل جميع اوامر الله تعالي من اي قبيل كان و جميعها ينزل علي الولي في ليلة القدر سئل ابوعبدالله عليه السلام فقيل جعلت فداك تسألون عن الشئ فلايكون عندكم علمه فقال ربما كان ذاك قيل قلت كيف تصنعون قال يتلقانا به روح القدس و قيل له عليه السلام فبما تحكمون اذا حكمتم فقال بحكم الله و حكم داود و حكم محمد صلي الله عليه و آله فاذا ورد علينا ما ليس في كتاب علي عليه السلام تلقانا به روح القدس او الهمنا الله الهاما ، [ص 60] اقول ما يتلقونه من الروح فهو يؤدي اليهم من الله و ما يلهم الله يلهمهم بلا واسطة فما من حقايقهم نسبوه الي الله بلا واسطة اذ الروح لايصل الي هذه المرتبة و ما من ساير مشاعرهم نسبوه الي الروح فافهم و عن ابيجعفر الثاني قال قال ابوجعفر الباقر عليه السلام ان الاوصياء محدثون يحدثهم روح القدس و لايرونه و كان علي عليه السلام يعرض علي روح القدس ما يسأل عنه فيوجس في نفسه ان قد اصبت بالجواب فيخبر فيكون كما قال و عن المفضل بن عمر قال قلت لابيعبدالله عليه السلام سألته عن علم الامام بما في اقطار الارض و هو في بيته مرخي عليه ستره فقال يا مفضل ان الله تبارك و تعالي جعل للنبي صلي الله عليه و آله خمسة ارواح روح الحيوة فبه دب و درج و روح القوة فبه نهض و جاهد و روح الشهوة فبه اكل و شرب و اتي النساء من الحلال و روح الايمان فبه امر و عدل و روح القدس فبه حمل النبوة فاذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار في الامام و روح القدس لاينام و لايغفل و لايلهو و لايسهو و الاربعة الارواح ينام و يلهو و يغفل و يسهو و روح القدس ثابت يري به ما في شرق الارض و غربها و برها قلت جعلت فداك يتناول الامام ما ببغداد بيده قال و ما دون العرش انتهي ، و اعلم ان حقيقة روح القدس هو العقل الاول الكلي و هو اول مخلوق من الروحانيين عن يمين عرش الله قد خلقه بمشيته قبل جميع الكاينات و احبه و اصطفاه و لميكمله الا في احبائه كما ورد في الخبر و هو قلم الايجاد الذي نبت في حافة الصاد و به كتب الله حروف الكاينات في الالواح و اذا كان امره هكذا فجميع الموجودات قائمون بسببه و مستمدون عن الله به و امر الله يجري فيهم بواسطته ففضله اظهر من الشمس و ابين من الامس و اعلم ان حقيقته لاتكون الا مع محمد و آلمحمد صلوات الله عليهم و يخدمهم و كل ما رفع امام يتعلق بالذي يليه و هو الآن مع مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه يؤيده و يسدده و قد يتعلق رؤسه و اشعته بالانبياء صلوات الله عليهم و شعاع شعاعه بالشيعة [ص 61] المخلصين و لكن جميع رؤسه و اشعته و انواره تسمي بالروح و من هذا الباب يقال ان الشيعة ايضا مؤيدون بروح القدس و ورد بهذا المعني اخبار فمن ذلك ما رواه في البصاير عن ابيعبدالله في قوله عز و جل يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي قال ان الله تبارك و تعالي احد صمد و الصمد الشئ الذي ليس له جوف و انما الروح خلق من خلقه و له نصر و قوة و تأييد يجعله الله في قلوب الرسل و المؤمنين اقول يحتمل ان يكون المراد بهذا الروح الروح من امر الله او روح القدس ، فعلي الاول اقول ان الروح من امر الله شعاع روح القدس كما ثبت في الحكمة و مرادنا ذلك ايضا و ان كان المراد روح القدس فالمراد جعل شعاعه في قلوبهم لا ذاته اذ قد عرفت ان ذاته مع الائمة صلوات الله عليهم و في العوالم مما نقله عن ابنطاوس مما وجده في كتاب مفرد من سنن ادريس عليه السلام اعلموا و استيقنوا ان تقوي الله هي الحكمة الكبري و النعمة العظمي و السبب الداعي الي الخير و الفاتح لابواب الخير و الفهم و العقل لان الله لما خلق عباده وهب لهم العقل و اختص انبياءه و اولياءه بروح القدس فكشفوا لهم عن سراير الديانة و حقايق الحكمة لينتهوا عن الضلال و يتبعوا الرشاد انتهي ، و لاينافي ذلك ما قلنا ان الروح هو العقل فان المراد من العقل الذي قلنا هو العقل الشرعي و العقل الذي ذكر عليه السلام مقابل الروح هو العقل الكوني و هو الشعور المطلق و يحتمل ان يتعلق به روح القدس او غيره فتدبر و اعلم ان هذا الروح جميع روايته عن المشية و لايخالفها اما في الكون فمسلم اذ لايتجاوزها شئ من الاشياء و كل شئ سواك قام بامرك و اما في الشرع فقد عرفت انه العقل و هو ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و العبادة هي العمل لمرضاة الله جل شأنه و العقل العابد لايكاد يخالف مشية الله الشرعية فجميع فعله وفق مشية الله و كل نطقه عن الله سبحانه عن الصادق عليه السلام في فضايل شيعتهم شيعتنا ينطقون بامر الله عز و جل و من [ص 62] يخالفهم ينطق بتفلت ، و لذلك نقول ان من اتبعهم فقد اتبع الله اذ قولهم بامر الله و قد ورد من اصغي الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان ، الي غير ذلك من الاخبار و الآثار و لو لميمنعني ضيق الاوقات و كثرة الواردات لاذنت القلم في الجولان في هذا الميدان و شرحت امر الروح علي التفصيل و لكن الموانع تحجرني عن بسط المقال فاقتصر علي ما بينت و اما علي ان يكون من بيانية فالناطق عنهم نفس مشية الله فهم الآمرون من عند الله في الكون و الشرع و قد مر سابقا بعض البيان في ذلك و اشير هنا في الجملة الي وجه الحكمة بطرز رشيق و بيان رفيق فاصغ لما اقول حتي تفوز بالمأمول ، فاعلم ان الله سبحانه تجلي اول ما تجلي للكينونة العليا اي الكينونة العلمية التي هي نفس المشية التي قال عليه السلام بالعلم خلقت المشية ، فان الكينونة مصدر بمعني الكون و الوجود المصدري يعني بودن بالفارسية فتختلف بحسب اختلاف المضاف اليه و يختلف حكمها ايضا فكينونة الذات الاحدية كينونة قديمة ازلية ابدية غايبة لاتدرك و كينونة المشية فعلية سرمدية مطلقة و كينونة الدهر دهرية و كينونة الزمان زمانية و هكذا كينونة كل مولود من مواليد العوالم بحسبه و لمجموع الملك من المشية الي ادني الخلق كينونة في الازل الثانوي و هي اللوح المحفوظ عند الله و علمه الازلي الذي لايضل ربي و لاينسي و خزينة الرب التي قال ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و مقام الشئ الذي قال عليه السلام في تفسير هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئا مذكورا كان شيئا و لميكن مذكورا و في حديث كان مذكورا في العلم و لميكن مذكورا في الكون ، و مقام قوله كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين الخطبة ، و هي اول التجليات و صاحبة جميع الاسماء و الصفات و مبدأ المبادي و علة العلل و بها خلق الله مشيته لا بمشية اخري سابقة [ص 63] و بعد ما خلق المشية وقع العلم عليها فصار غيبا فيها بمعني القوة و الصلوح بعد ما كان بالفعل كما ان ما تصورته في ذهنك من مثال صنعتك نزل في يدك و صار في قوتها حتي خرج منها و وقع شبحه علي المواد الخارجية فافهم فانه دقيق و الناس قد زعموا ان الاشياء كانت مذكورة في العلم الذاتي و الكينونة الذاتية و قد اخطأوا السبيل و وقعوا في واد سحيق و لكنها ثابتة في اللوح المحفوظ و العلم الازلي بالازلية الثانوية فافهم و بعد ما نزل في مشية الله سبحانه نزل منها الي بحر الجواز و ارض الجرز اي ارض القابليات و نبت منها نبات العقل فحيي باذن الله و عبد الله في دهور كثيرة حتي انزله الله الي الروح كما في الخبر في صفة خلق العقل قال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل و لاينفي اثباته عليه السلام الادبار من العقل ما ذكرناه من قبله فان عدم ذكره اما لمصلحة او لعدم الحاجة او لان نزول الاعالي ثابت في ضمن العقل فان قبله مقام الامكان و عدم التعين و نزوله بالتهيأ بهيأة العقل ثم في ضمنه نزل الي منتهي الادبار و لكل وجه و الحاصل انه انزله بعلمه عالما بعد عالم الي ان نزل الي التراب فصار التراب مجموع العالمين و في قوته كل ما كان و ما يكون الي يوم الدين و يمكن ان يستخرج منه جميع السماوات و الارضين و ما بينها من المواليد و بعد ما نزل اليه و لميكن دونه عالم ينزل اليه وقف هنا عابدا لربه حتي اتاه نداء اقبل بلسان مشية الله سبحانه الظاهرة في الافلاك فاقبل الي حيث ادبر منه فصعد صاعدا و ترقي في اول قدم الي النباتية فخرج من كمونه صورة جامعة للعناصر الاربعة اذ لايكاد يخرج النفس النامية الا بعد تركيب العناصر الاربعة بتركيب الاعتدال في الجملة و اتحادها لتقبل صورة الوحدة الفلكية و يتعلق بها النفس و هي الطبع الخامس و ما لمتتركب بهذا الوجه لاتقبل الطبع الخامس اذ هو صورة الوحدة و هي مختلفة و كل جزء من اجزائها يقتضي صورة خاصة و كل صورة تطلب حيزا مخصوصا الاتري انك اذا جمعت العناصر الاربعة [ص 64] بقاسر في طنجير مثلا من غير ان تركبها و تجمع بينها لايصدق عليها اسم المولود الواحد و كل ما ارتفع القاسر يسير كل جزء الي حيزه و يظهر ذلك في التراكيب الفلسفية فانك اذا جمعت بين الروح و الجسد مثلا بالملغمة الناقصة اذا سلطت النار عليها ينفر الروح و يبقي الجسد بلا روح فهما في الحقيقة اثنان و لايصدق عليهما اسم الاكسير و اما اذا احكمت الملغمة بحيث لايفارق بعضها بعضا و يصير حكم البعض حكم الكل يصدق عليه اسم الاكسير و هكذا الامر في النبات لا بد من تركيب العناصر بحيث يصير حكم البعض حكم الكل فاذا صعد النار يصعد معها ساير اخواتها و بالعكس و اذا بلغ المركب هذا المبلغ يصدق عليه اسم النبات اذ يتعلق به النفس النامية و ينمو و يزيد و ينقص و بعد ما بلغ هذا المبلغ يعد في سنخ النبات و يحشر في عالمه و يظهر منه آثاره و يتبين منه علاماته و يسمي باسمه من غير نكير الاتري انك تشير باصابعك الي الشجر انه نبات و لاينكر ذلك عليك احد الا مكابر عنود و الا فلا شك في نباتيته مع انه جسم مركب من العناصر الجمادية فافهم ذلك و اتقنه و لمتبلغ هذه العناصر هذا المبلغ الا لخروج النفس النباتية من كمونه الي عرصة البروز و الظهور و قبل ذلك لميكن يسمي بهذا الاسم و لميكن يدعا بهذا اللقب فعلي ذلك الاسماء للفعليات لا القوي و لو جاز التسمية لمحض القوة كان يجوز ان يقال للحجر انه نبات بل حيوان و انسان و لا شك ان هذا كذب علي الله تعالي و خطاء محض و من قال للحصاة انه نواة و دان الله به فقد اشرك بالله فكيف حال عبدة النيران و الاوثان اذ سموها اربابا بل اشرك بالله من سماها شفعاء ايضا اذ لميخرج من قواها روح الشفاعة فلايقدرون علي شفاعتهم كما قال الله تعالي و اتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لايستطيعون نصرهم و هم لهم جند محضرون و لا شك ان ذلك اولي بالشرك و الكفر فهم اشركوا بربهم بذلك فاسع جهدك يا ايها الناظر في كتابي هذا ان لاتسمي الاشياء الا بفعلياتها و ذلك مرضات الرب فان المؤمن مؤمن بفعليته [ص 65] و الكافر كافر بفعليته فالنبات ما خرج من قوة النفس النامية لا غير ثم بعد ما استمع النبات ثانيا نداء اقبل من عند الله عز و جل و تقدم اليه قدما آخر باعتدال مزاجه و صفائه و صعوده من الكيموسية الي درجة البخار الفلكي اي الدخان يتعلق به روح الحيوان الفلكي و ذلك لاستعداد قابليته و سؤاله ما سأله دخان الفلك ربه فان الله عز و جل قال ادعوني استجب لكم فلو دعاه قوابل متعددة بلسان واحد امرا واحدا يعطيها الله تعالي لا محالة كما انها اذا سألت عن امور متعددة يعطيها الله و ذلك ان الله بذاته لايقتضي شيئا و قد حتم ان يعطي خلقه علي حسب مسألتها و مسألتها بلسان استعدادها لا غير قل مايعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم و من يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره فعلي ذلك اذا سأل جميع خلق الله ما سأله جوزهر القمر لاعطاها الله تعالي اذا المراد من المسألة استعداد القابلية و الشئ لايكون الا بفاعل و قابل و الفاعل لا صنع له من نفسه اذ هو من المشية المطلقة و صبغه في القابل فاذا كان جميع الملك بلون جوزهر القمر يصير الفاعل فيها بصفة الروح الفلكي و لا مدخل للاعراض الزايدة علي القابلية في ذلك ما لمتخرج القابلية عن صرافتها فالعلو و السفل و العظم و الصغر و السواد و البياض و الكروية و الخراطة و الطول و القصر و اختلاف المزاج في الجملة بقدر ان لايمنع القابلية من اقتضاء الحيوة لاينافي ذلك ابدا فكل ما حصل دخان صالح لتعلق روح الحيات به يحيي سواءا كان في الفلك او في قلب انسان او حيوان فان المراد صلوح القابلية و لما تعلق به روح الحيوة يصير حيوانا باذن الله تعالي و يخرج من كمونه قوي الحيوانية و خاصيتاه فيسمع و يبصر و يذوق و يشم و يلمس و يرضي و يغضب و قبل ذلك لميكن يدرك هذا البدن المركب شيئا كما يدركه بعد تعلق الروح به بل كان جمادا و نباتا و اما بعد تعلق الروح به يصير حيوانا بلا تأويل فان الله سبحانه انزل الاسماء من السماء بحسب الفعليات علي ما مر الاتري انك تسمي الجسم ذا الطول بالطويل و ذا العرض بالعريض و ليس [ص 66] ذلك الا لظهور نفس العرض و الطول عليه و كذلك بعد ما تعلق به نفس النبات يسمي نباتا و ان كان له بدن جمادي لايسمي بالنبات لولا الروح النباتي و كذلك بعد ما تعلق به روح الحيوة يسمي حيوانا و كذلك كل فرد من افراد الحيوان يسمي باسم مخصوص بصورته و لو سلبت عنه لايسمي باسمها فكل حي حيوان فلكي فافهم ذلك و اتقنه و لكن اذا سميت الحيوان انسانا لاخطأت و وقعت في المهلكة و اشركت بالله و لكن بعد ما اعتدل الحيوان طباعه و صفا مزاجه يتعلق به نفس الانسانية فيخرج من كمون عناصر بدنه مشاعره الفلكية قوي الانسان و هي العلم و الذكر و الفكر و الحلم و النباهة و خاصيتاه النزاهة و الحكمة فيكون حيا بما هو انسان بعد ان كان حيا بما هو حيوان و تشير الي الذي كنت تشير اليه بالحيوانية بالانسانية لا غير و لايقدر احد علي انكار ذلك الا مكابر معاند و كما ان قبل ذلك لميكن يسميه انسانا الا مأول و هو مشرك بالله لو سماه احد بعد الانسانية بغيرها لاشرك بالله من حيث لايعلم نعم يصح هذا القول بمعني انه واجد هذا الروح في مقام بدنه و كذلك بعد ما صعد من هذه المرتبة يتعلق به الروح الملكوتي و هو الروح من امر و النفس القدسية الالهية فتدعي لنفسه النبوة بالحق و هو في دعواه صادق فكما ان زيدا يقول انا انسان و هو صادق كذلك واجد الروح يقول انا نبي و هو صادق و يخرج من كمونه قوي النفس القدسية و خاصيتاه و هي البقاء في فناء و النعيم في شقاء و العز في ذل و الصبر في بلاء و الفقر في غناء و التسليم و الرضا فيحيي بما هو نبي دون ان يكون حيا بما هو انسان و حيوان و من انكر نبوة نبي من الانبياء فقد كفر و خلد في النار و الامر في ذلك اصعب من انكار امر ساير الارواح لانه متعلق التكاليف الشرعية ثم بعد ما صعد من هذه المرتبة يتعلق به النفس العليا و هي العقل و روح القدس فيصير خاتما في الوصاية و النبوة او يكون هذا المقام ايضا متعلقا بالانبياء و المخصوص بالخاتميين مقام الفؤاد و لكلٍ وجهٌ وجيه و لسنا في المقام بصدد تعيين المقامات ، [ص 67] و بالجملة بعد ما بلغ هذا المبلغ يصير للمتقين برمتهم اماما و حجة الله علي جميع العالمين و يكون نبيا و آدم بين الماء و الطين و يرجع اليه امر الخلايق اجمعين فيصير حبيب الله بين العباد كما كان اولا فيستمع خطاب الله باللسان الذي سمعه اولا و قبل ذلك لميكن يستمع من هذا اللسان و يري ما رآه اولا و ذلك قوله تعالي و لقد رآه نزلة اخري عند سدرة المنتهي فيدعي باسم الخاتم خاتم الوصيين او النبيين و كلهم واحد لا اختلاف بينهم و هو يقول بنفسه انا الخاتم و انا الفاتح و انت تخاطبه بذلك في لسان المخاطبة و تشير الي ما كنت تشير به قبل ذلك بغير هذا الاسم كما انك تشير الي زيد قبل تحصيل الفقه بزيد و مقلد فتقول يا مقلد و يا جاهل و بعد ما تفقه في الدين تشير الي زيد الذي كنت تشير اليه اولا و تقول يا مجتهد افهم ذلك و مثال آخر ان في البحر حيوانا صغيرا في الغاية له جناحان و هما الصدفان و يغتذي من الحيتان و الحيوانات الصغيرة البحرية بان يفتح جناحيه و يبلعها و هو حيوان تشير اليه بالحيوانية ثم يتكون في صدفيه اللؤلؤ فينزل في البحر و يحدث له اصل في الارض فيكون نباتا و يسمي بهذا الاسم و يقطع و يخرج من البحر و يسمي جمادا كذا يقال و قيل انه حيوان له اصل في البحر و يتكون فيه اللؤلؤ و يقطع و يخرج و لو لميخرج في مدة معلومة لتحلل اللؤلؤ في بطنه و الله اعلم بحقيقة الحال و الذي ثبت عندي انه حينا ما يكون حيوانا في الماء و يصيده الصايدون و يأكلون لحمه و له لحم قليل و بالجملة مرادنا بيان تغير احواله و تسميته بكل اسم كل حين و كذلك الامر في جميع مواليد الملك و بعد ما تعلق به الروح الخاص يسمي باسمه الي اعلي المراتب فعلي ذلك اذا خرج من قوة المولود نور الله و آيته و النفس التي من عرفها عرف ربه يسمي باسم النور فيدعي نور الله كما في ساير المراتب و يظهر منه آثار النور و اعلم ان نور الله تستضيء به كل شئ و يغلب علي كل شئ و هو العزيز الذي يقهر بعزته كل شئ و القوي الذي يقهر بقوته كل شئ و يظهر [ص 68] منه هذه الآثار و امثالها فيفعل في كل شئ باذن ربه ما يشاء و يحكم ما يريد و اذا صعد من هذه المرتبة مرتبة اخري و ترك الاضداد بالكلية و خلع الانداد بالمرة يخرج من كمونه مشية الله و هي هي المشية لا غير كما ان ما خرج من كمون الدخان كان هو هو الروح و هذا مقتضي وعد الله سبحانه و لايكذب وعده و قد قال ادعوني استجب لكم و هذا المولود دعا ربه ان يخرج من كمونه مشيته فاخرجها فصار فعل الله و امره و حكمه فنطق منه المشية كما ان الناطق منه في اول قدم النبات و في ثانيه الحيوان و في ثالثه الانسان و انت حين ما تكلم الانسان بكلمة كنت تقول ان الانسان قال كذا و كذا و كذلك اذا خرج من قوته مشية الله تنطق منه فكل قوله مقتضي مشية الله فاذا تكلم الامام بكلمة و قلت انه امر الله و حكمه لصدقت و هذا هو الحق من ربك و اذا عملت بمقتضاه و قلت عملت بمقتضي مشية الله لصدقت و من ذلك اعلم ان جميع الطاعات مقتضي مشية الله اذ شاءها الامام و النبي و جميع المعاصي علي خلاف مشية الله و بهذا المعني نقول ان الله لميشأ و لميرد ان يعصي العاصي اي لميأمر علي لسان وليه بذلك و ان خلق المعصية باصل المشية و ذلك ايضا مطلب شريف احب ان اشير اليه علي الاختصار حتي يظهر لك سر خلق جميع الخير و الشر بالمشية الكونية ، فاعلم ان المشية الكونية مطلقة مبهمة علي ما بيناه سابقا و قد فصلناه في الينابيع بما لا مزيد عليه و هي الذكر الاول و لا خصوصية له بعين و لا كون و الفعل المطلق الصلوحي فلا اختصاص له بالخيرات و الشرور و لكنها في صلوحها و اطلاقها نور محض و خير صرف و قد تجلي الله سبحانه بها الي القوابل الخلقية و قد انوجدت بها علي حسب صلوحها القريب اي موادها الجزئية فبعضها كان مستقيما معتدلا و لميغير مقتضي الفعل فصار خيرا و بعضها صار شرا بقابليته و وجود الكل بمشية الله و لكن الخيرات لعدم تغيرها عن الصورة الفطرية الاولية علي طبق مشية الله سبحانه و الشرور من مقتضي القابلية و هي قد غيرت ما بنفس الفعل فغير الله ما [ص 69] بها و بدلت نعمة الله كفرا و عوجت الفطرة المستقيمة فكل الشرور علي خلاف مشية الله فعلي ذلك ما بنا من نعمة فمن الله و ما بنا من سيئة فمن انفسنا و خيرك الينا نازل و شرّنا اليك صاعد و هذا معني بمشيتي كنت انت الذي تفعل ما تشاء اي بمشيتي خلقت بما اقتضيت من التعين و التخصص و تفعل بمقتضي تعينك ما تشاء و يحتمل ان يكون معني قوله عليه السلام ان افعال العباد مقدرة لا مخلوقة ذلك ايضا فان تقدير افعالهم اي هندستها بحسب قوابلهم لا بحسب خلق الله فانه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير ، و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده ففي الكون الخير و الشر كلاهما بمشية الله علي الوجه المزبور و اما في الشرع فالخير بالمشية الشرعية و هي رضاء الله و الشر بغير مشيته و هي سخط الله و الناطق منهم مشية الله في كل حال هذا في القول الظاهر و اما في الباطن فقد ظهر لك من اشارات كلماتنا انهم حملة مشية الله في الظاهر و الباطن كونا و شرعا و ذلك ما ورد في دعاء مولانا ابيعبدالله الحسين عليه السلام و روحي فداه اللهم منك البدأ و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايقهم ما منحتهم الدعاء ، فقد صرح عليه السلام ان قلوبهم مسكن مشية الله و ممكن ارادته و قال اذا شئت ما تشاء اي من امر الكون و الشرع في الفالف عالم و الفالف آدم و في الدنيا و الآخرة حركت من اسرارهم اي افئدتهم كوامن ما ابطنت فيهم و جميع الموجودات مما ابطنه الله فيهم اذ حقيقتهم الذكر الاول و هم العلة المادية لكل موجود فان الله سبحانه خلق ما خلق من شعاع نورهم و ظله فالخيرات برمتها من [ص 70] شعاعه و الشرور من ظل الشعاع بل كلها من نورهم فان الظل ايضا من النور فانه لولا النور لمابقي ظلمة و ظل ابدا و ظهور الظل جميعه بواسطة النور الا ان الاشعة صادرة من نفس النور و الاظلة صادرة منه بواسطة القوابل فافهم فاذا عرفت ذلك فاعلم ان شعاع آلمحمد سلام الله عليهم علي صفتهم فان النور علي صفة المنير لا محالة الاتري ان نور الشمس علي صفتها و طبعها و يظهر منه اثرها و فعلها و نور القمر كذلك و نور النار كذلك و لا معني لعدم مطابقة النور مع المنير فعلي ذلك ينبغي ان تكون شيعتهم ايضا محال المشية و اماكن الارادة فهل يكون الامر هكذا ام لا اقول لا شك في مطابقة النور مع المنير الا ان يعوقه عايق و يمنعه مانع فان نور السراج علي لونه من حيث الصدور و لكن في الزجاجات يتغير بحسبها فلذلك يخالفه في هذه الصفة و كذلك امر الشيعة لا شك ان شعاع آلمحمد علي حسبهم و لكن قوابل جميع الشيعة لاتصلح لحكاية الشعاع علي ما ينبغي و لذا تري في بعضهم من النقص ما لايخفي و من هذا الباب ربما يعصي بعض الشيعة و اكثرهم لايأمن من الخطاء و السهو و النسيان و ساير النقايص و من هذا الباب لاتري من جميعهم في الدنيا جميع آثار المشية نعم من بعضهم ربما يظهر بعض الآثار كالكرامات و امثالها و لكن لايبلغ هذا المبلغ جميعهم فالنجباء محرومون عن هذه الصفة مع انهم من الشيعة بلا شك و النقباء الجزئيون لايقدرون علي كل تأثير في الدنيا و اما في الآخرة فيرجعون علي حالهم من حيث الصدور كما ورد في الخبر ما معناه ان المعاصي تصدر من الشيعة في الدنيا لاختلاط طينهم و في الآخرة يخلصون و يكون كلهم علي صفة مواليهم و صورتهم و عن جابر بن يزيد الجعفي قال قال لي ابوجعفر عليه السلام ان المؤمن ليفوض الله اليه يوم القيامة فيصنع ما شاء قلت حدثني في كتاب الله اين قال قوله لهم ما يشاؤن فيها و لدينا مزيد فمشية الله مفوضة اليه و المزيد من الله ما لايحصي ثم قال يا جابر و لاتستعن بعدو لنا في حاجة و لاتستطعمه و لاتسأله شربة ماء انه [ص 71] ليخلد في النار فيمر به المؤمن فيقول يا مؤمن الست فعلت كذا و كذا فيستحيي منه فيستنقذه من النار و انما سمي المؤمن مؤمنا لانه يؤمن علي الله فيجيز الله امانه ، انظر الي عظمة امر المؤمن فان خلود عدوهم في النار من المحتوم فان مادته منها و صورته منها فلا بد من خلوده فيها و المؤمن ينقذه من النار و من العذاب و يخلده في الجنة و لايمكن ذلك الا بتغيير مادته و صورته و قلبهما الي مادة النور و صورته و كيف يمكن ذلك الا بمساعدة مشية الله فافهم و لااجترئ علي زيادة البيان فان للحيطان آذانا فبهذا المعني يمكن صرف هذه الفقرة الي شيعتهم او نقول انه ثابت لهم بالاصالة و لشيعتهم بالفرعية و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و لاتزعم من ذلك ان الامر مفوض اليهم حاشا و كلا فان القايل بذلك ملعون علي لسان الحجة عليه السلام و لكنهم مساكن المشية و المشية لله و ممكن الارادة و الارادة لله لا غير و من قال بغير ذلك فقد كفر نعوذ بالله .
قال روحي فداه و عليه السلام : فجعلتهم معادن لكلماتك الدعاء ،
اقول الفاء اما يكون للتفريع علي قوله بما نطق فيهم من مشيتك اي بعد ما نطق فيهم من مشيتك جعلتهم معادن كلماتك او علي جميع الفقرات السابقة او يكون عاطفة و جيء محض تأخير البيان او يكون بمعني الواو و هو معطوف علي ما نطق اي اسألك بما نطق و بما جعلتهم معادن لكلماتك فعلي الاول فالمعني سهل و علي الثاني اي بعد ما صاروا امناء علي سرك و مستبشرين بامرك الخ ، جعلتهم معادن لكلماتك فبهذه الصفات صاروا مستحقين لهذه النعمة فان الكلمة التامة بل الكلمات لاتظهر الا فيمن كان قابلا لها و لايكون قابلا لها الا من كان موصوفا بهذه الصفات و علي الثالث اما يكون ما موصولا بمعني الذي اي اسألك بالذي جعلتهم به معادن لكلمات و هو المشية التي سبق ذكرها او روح القدس او يكون المراد الاسم الذي ظهر فيهم فصاروا به كلمة الله العليا و هو الاسم الاعظم [ص 72] الاجل الاكرم و يحتمل ان يكون ما مصدريا و حاصل المعني اسألك بجعلك اياهم معادن كلماتك و يحتمل في الفقرة الاولي ذلك ايضا و الجعل اما يكون بمعني الخلق كقوله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي او بمعني وصف و بمعني صير قال تعالي انا جعلنا الشياطين و قال اني جاعلك للناس اماما او بمعني عمل كجعلت الشئ علي الشئ و بمعني اخذ و قوله و جعلناه قرآنا قيل صيرناه و قيل بمعني بيناه و يكون بمعني التسمية قال الله تعالي و جعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن اناثا اي سموهم و يكون بمعني صنع كجاعل الليل سكنا و جعل اعم من صنع يقال جعل يفعل كذا و لايقال صنع و هذه المعاني مما ذكره في المجمع و لايخلو بعضها من نظر و لسنا بصدد النقض و الابرام فان كان المراد في المقام الجعل بمعني الخلق فهو بمعني تكوين الوجود او اعم من تكوين الوجود و التصوير فقوله جعلتهم معادن اي خلقتهم و صورتهم كذا فنفس صورتهم و مادتهم هي المعدنية لكلمات الله او يكون مادتهم معدنا لكلمات الله و هي صورتهم فمادتهم بمنزلة المداد المتخذ للحروف و صورتهم بمنزلة الحروف المركبة و ان كان بمعني صير فيرجع المعني الي ان الله كون وجودهم ثم صيرهم معادن كلماته التي انزلها اليهم كونا و شرعا و الاول انسب بقوله تعالي بكلمة منه اسمه المسيح فجعل ذاته المسماة بالاسم كلمته و كذلك قال جعلنا ابن مريم و امه آية و الثاني يناسب تأويل قوله تعالي و تلقي آدم من ربه كلمات فان الكلمات الملقاة هي ما ظهر له من انوار الخمسة من ساق العرش و المتلقي غير الكلمات لا محالة و كذلك الامر في المقام اما يكون حقايقهم هي معادن كلمات الله اي جعلها الله معدنا لكلماته التامة اي خلقها او تكون حقايقهم مخلوقة اولا ثم صيرهم بعد ذلك معدنا لكلماته اي انزلها اليهم من عنده ثم انزلها منهم الي غيرهم فهم المعدن لها بالنسبة الي ساير الخلق و كذلك يكون المعني اذا كان جعل بمعني اخذ ، [ص 73] و اما المعدن كمجلس فهو منبت الجواهر من الذهب و نحوه سمي به لاقامة اهله فيه دايما او لاثبات الله عز و جل اياه فيه و مكان كل شئ اصله فهم معادن كلمات الله اما لان الطالبين للكلمات اقاموا عندهم لاستخراجها منهم او لان الله جل و عز اقام الكلمات و اثبتها فيهم او لانهم مكانها الذي منه اصلها و لكل وجه وجيه ، و اما الكلمة فهي مقام تركيب الحروف التي قبل تركبها لمتكن يفيد معني خاصا و بعد ما تركبت سميت كلمة فما دل منها علي المسمي سمي اسما و ما دل علي حركة المسمي سمي فعلا و من تركيب الكلمات يحصل الكلام و هو اللفظ المفيد للمعاني التامة الكاملة و بيان ذلك علي طريق الاجمال و الاختصار ان الله سبحانه و تعالي كان قبل ان يكون كان و هو الآن علي ما كان و خلق اول ما خلق ابداعه و هو مشيته و ارادته و النفس الرحماني الذي هو اول موجود كما ان اول موجود من الكلمات النفس فانه مادة جميع الحروف و الكلمات و قد عبر الحكماء عن المشية بالنفس الرحماني لانها اصل جميع الحروف و الكلمات الكونية و نسبوها الي الرحمن لكونها اول ما خلق الله و بملاحظة ان جميع الملك كتابه و كلماته و كلها من المشية و هي الذكر الاول لجميعها كما قال عليه السلام ليونس اوتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول ثم خلق الله بهذا الابداع الحروف و هي الامكان الجايز و الماء الذي قال عليه السلام اول ما خلق الله الماء و قال الله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي ثم خلق الله من الحروف الكلمات الكونية و هي اكوان الموجودات من الدرة الي الذرة و قد اشار مولانا الرضا عليه السلام الي ذلك في حديث عمران الصابي قال و اعلم ان الابداع و المشية و الارادة معناها واحد و اسماؤها ثلثة و كان اول ابداعه و ارادته و مشيته الحروف التي جعلها اصلا لكل شئ و دليلا علي كل مدرك و فاصلا لكل مشكل و بتلك الحروف تفريق كل شئ من اسم حق او باطل او [ص 74] فعل او مفعول او معني او غير معني و عليها اجتمعت الامور كلها و لميجعل للحروف في ابداعه لها معني غير انفسها بتناه و لا وجود لانها مبدعة بالابداع و النور في هذا الموضع اول فعل الله الذي هو نور السماوات و الارض و الحروف هي المفعول بذلك الفعل و هي الحروف التي عليها الكلام و العبارات كلها من الله عز و جل علمها خلقه و هي ثلثة و ثلثون حرفا فمنها ثمانية و عشرون حرفا تدل علي لغات العربية و من الثمانية و العشرين اثنان و عشرون حرفا تدل علي لغات السريانية و العبرانية و منها خمسة احرف متحرفة في ساير اللغات من العجم لاقاليم اللغات كلها و هي خمسة احرف تحرفت من الثمانية و العشرين الحروف من اللغات فصارت الحروف ثلثة و ثلثين حرفا فاما الخمسة المختلفة فحجج لايجوز ذكرها اكثر مما ذكرنا ثم جعل الحروف بعد احصائها و احكام عدتها فعلا منه كقوله عز و جل كن فيكون و كن منه صنع و ما يكون به المصنوع فالخلق الاول من الله الابداع لا وزن له و لا حركة و لا سمع و لا لون و لا حس و الخلق الثاني الحروف لا وزن لها و لا لون و هي مسموعة موصوفة غير منظور اليها و الخلق الثالث ما كان من الانواع كلها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظورا اليه و الله تبارك و تعالي سابق للابداع لانه ليس قبله عز و جل شئ و لا كان معه شئ و الابداع سابق للحروف و الحروف لاتدل علي غير انفسها قال المأمون و كيف لاتدل علي غير انفسها قال الرضا عليه السلام لان الله عز و جل لايجمع منها شيئا لغير معني ابدا فاذا الف منها احرفا اربعة او خمسة او ستة او اكثر من ذلك او اقل لميؤلفها لغير معني و لميك الا لمعني محدث لميكن قبل ذلك شيئا قال عمران فكيف معرفة ذلك قال الرضا عليه السلام اما المعرفة فوجه ذلك و بابه انك تذكر الحروف اذا لمترد بها غير نفسها ذكرتها فردا فقلت ا ب الخ ، فلمتجد لها معني غير انفسها فاذا الفتها و جمعت منها احرفا و جعلتها اسما و صفة لمعني ما طلبت و وجهه ما عنيت كانت دليلة علي معانيها داعية الي الموصوف بها الحديث ، [ص 75] فظهر من هذا الحديث الشريف وجه الخلق ان اول الخلق هو الابداع و الخلق الثاني الحروف و الخلق الثالث الكلمات و الحروف لكونها بمنزلة الهباء لا معني لها متعينا غير نفسها كالطين الذي يؤخذ منه الكيزان و اللبنات و الاواني فان الطين بنفسه لا معني له سوي نفسه و بعد ما ركب بصورة حصل له معني خاص فافهم و كذلك الامر في الحروف التدوينية فان الالف مثلا لا معني له غير انه الف و الباء لا معني له غير انه باء و هكذا ساير الحروف و لاتدل علي الله و لا علي خلقه و بعد ما الف منها اسماء فان كانت مناسبة لاسم الله سبحانه تدل عليه و ان كانت مناسبة للخلق تدل عليهم و كذلك الصفات و الافعال فكذلك الامر في التكوين فان الحرف الصرف اي الهباء لايدل علي معني غير نفسه و بعد ما الف منه كون و عين يدل علي مسماه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان اغلب الخلق بمنزلة الحروف المقطعة التي لميخرج من بطونها الكلمات فلاتدل علي شئ ابدا و لذلك لاتكاد تعرف منهم معني غير انفسهم فزيد زيد و لا معني له غير نفسه و بعد ما روضوا انفسهم و الفوا بين ما اجتمع فيهم من مراتب الغيب و الشهود بعد ما اخرجت من بطونهم اي قواهم يدلون علي معني غير انفسهم لا محالة فان خرج من بطن واحد حروف يكون كلمة كما في قوله تعالي بكلمة منه اسمه المسيح و اذا جمع في واحد كلمات يكون آية و اقلها اثنتان كما تري في الكتاب التدويني انه يسمي كلمتان بآية كقوله مدهامتان و امثالها فكل صاحب كلمتين آية من الآيات التكوينية و اذا كان نفران صاحبي كلمتين يعدان آية كما قال و جعلنا ابن مريم و امه آية و من كان صاحب آيات يعد كتابا فالائمة الطاهرون صلوات الله عليهم كتاب الله اذ قد جمع فيهم جميع الآيات و لذلك يأول اليهم كلما في الكتاب التدويني من اسم الكتاب و ذلك قوله تعالي هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق و قد ورد في تأويله ان الكتاب التدويني لاينطق فالمراد منه الامام و قال و كل شئ احصيناه في امام مبين اي علي عليه السلام فانه مجمع صور العالمين و مختصر [ص 76] اللوح المحفوظ و اكبر حجة الله علي خلقه و الآية العظمي و النعمة الكبري و النبأ العظيم و قد يسمي باسم الآية بمعني ان مجموع الكتاب آية كما ان مجموع الملك آية و لكنها آية عظيمة كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام اي آية اعظم مني ، و قد يسمي باسم الآيات ايضا كما قال تعالي في قصة فرعون اريناه آياتنا كلها فكذب و ابي و المراد منها في الباطن وجه اميرالمؤمنين اذ تجلي لفرعون في قصره و حمل عليه فخر من كرسيه و قد يسمي كلمة بملاحظة ان اصل الجميع كلمة واحدة بل بملاحظة يسمي نقطة كما قال عليه السلام انا النقطة تحت الباء ، و ذلك بملاحظة وحدته و بساطته فان الواحد الاول لايقبل القسمة بوجه من الوجوه لدلالته علي الاحد البحت البات و منه بدأت جميع الحروف و الكلمات ، و بالجملة لكل وجه وجيه و في هذا الموضع اختار الامام عليه السلام لفظ الكلمات و هي اعم من الآيات و الكتاب فالله سبحانه جعلهم اي ولاة الامر و هم آلمحمد عليهم السلام معادن جميع كلماته اي اصولها او محل بروزها و ظهورها و لكل وجه وجيه فعلي ان يكون المراد من الكلمات الكلمات التكوينية فهم صلوات الله عليهم معدنها فان المعدن محل الجواهر علي ما مر و تؤخذ الجواهر منها و كذلك هم مبدأ جميع الخلق و قد خلقهم الله من نوره قبل جميع الخلق حيث لا سماء مبنية و لا ارض مدحية و لا جبل و لا بر و لا بحر و كانوا يعبدون ربهم حيث لا عابد سواهم و لا معبود عداهم و قد خلق جميع خلقه من نورهم و شعاعهم و الاخبار الواردة بهذا المعني اكثر من ان تحصي اقتصر علي حديث جامع في خلقهم و بدأ ساير الخلق منهم :