و وجه آخر ان العبد حين الدعاء لا بد له من التوحيد الخالص و من شرط الاستجابة ان ينسي العبد حاجته و نفسه و سبيله و لايري سوي ربه و ورد بهذا المعني الخبر و صرح به الشيخ الاجل الاوحد فلاينبغي حين التوجه الي الله في العبادات و الطاعات و الدعوات الالتفات الي الائمة من حيث امامتهم و لذا نقول انه لاينبغي التوجه اليهم في العبادة و ذلك شرك بالله سبحانه فان امام القوم سائسهم و هو قطبهم و الواجب علي المؤمن البالغ ان ينسي حين التوجه الي الله كل ما سواه فلذا ينسي الداعي ذكر الامامة و لايلتفت الا الي الله تعالي و اسمائه لا من حيث انها اسماء بل من حيث المسمي و ان قلت ان المعاني ايضا ممتنعة [ص 29] مع البيان فكيف اختير القسم بها اقول لا بد من الالتفات اليها بقدر جري ذكرها علي اللسان و ان كان القلب غافلا عنها فافهم فاني سمحت بما لميسمح به احد قبلي فيما اعلم و بينت السبيل و اوضحت المطلب و استغفر الله من طغيان القلم و علي السايل اطال الله بقاه و ادام توفيقاته ان يديم التفكر في هذه الاوراق حتي يستفيض بما اراد من شرح الدعاء فاذا عرفت هذه الاسرار فاعلم ان القسم الواقعي هو التوجه الي المعاني فانك اذا توجهت اليهم علي الوجه المقرر يحصل لك اهلية الاستجابة فيجيب الله دعاءك و يبلغك منتهي مرامك و لكن للذكر باللسان وجوه كما ان الدعاء الحقيقي الاقبال الي الله بالحاجة و لكن للذكر منافع منها استماع الملئكة و ارواح الاولياء و ساير المؤمنين استغاثة العبد فلعلهم يترحموا علي الانسان و يؤمنوا لدعائه كما هو صريح عبارة الدعاء . . . ● و منها تأثير الذكر في مراتب الانسان فان النية القلبية ما لمتبرز في المشاعر الغيبية و الشهادية لاتؤثر فيها فلاتتكمل بها الاتري ان بالتفكر في المسايل يزيد جولة الفكر و صفائه و يزيد في بسط علمك و يحصل لك الترقيات و لذا قال عليه السلام تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة ، و ذلك لان التفكر يعمل في سماواتك السبعة بمراتبها العشرة و حاصل ضربها سبعون و كذلك بالتفكر بلا بيان او كتب لايحصل الترقي الكامل فان في البيان آثارا عجيبة و للمبين الهامات غيبية لاتحصل له بغير البيان و ذلك امر مشهود مجرب و لذا ورد ما معناه ان زكوة العلم التعليم و باداء الزكوة يبارك فيه و كذلك بالكتب يتأثر مشاعر الانسان و يزيد في دقته [ص 30] و حفظه و لذا قال عليه السلام اكتبوا فانكم لاتحتفظون حتي تكتبوا و قد سمعت ابي العلامة اعلي الله مقامه انه يجب علي المتعلم ان يكون معه دواة و محبرة و كاغذ و يثبت جميع ما يسمعه من استاذه بل من ساير الناس مما يتعلق بالعلم او يفيد له فايدة ليكون ذلك معينا لحفظه و من هذا الباب امرنا بالذكر اللساني و الدعاء اللساني و وجه آخر ان الذكر و الدعاء و العلم بل كل عبادة لاتفيد للانسان فايدة حتي يصير ملكة و لذا ورد الحث علي الاستدامة في العمل و قال عليه السلام خير العمل ما دووم عليه ، و شرط السالكون المداومة علي الذكر في سنة و لا اقل من الاربعين يوما و الملكة لاتحصل الا بالعمل بجميع المراتب حتي البدن بجميع اعضائه فاللازم علي الداعي ان يدعو ربه بلسانه فافهم و تدبر و كذلك الامر في القسم هو في الحقيقة التوجه الي آلمحمد عليهم السلام و تمثل امثلتهم بين يديه و الاستشفاع بهم الي الله لعل الله يرحمه و لكن في اجراء عمله ذلك علي اللسان آثارا اخر كما تري في الادعية المأثورة ان آلمحمد سلام الله عليهم يذكرون قيامهم بحضرة الله و مدّ ايديهم اليه و مسألتهم عنه تعالي مع ان القيام و مد الايدي و البكاء مثلا امور متعلقة بالبدن حين المسألة و ليست هي من الحاجة و السؤال و لكن في ذكرها باللسان اثر في النفس و من هذا الباب ذكر القسم باللسان ثم نحتاج الي بيان سر القسم بما يدعو الرب به ولاة الامر مجملا و عدم القسم باسماء خاصة متعينة اقول ان ذلك سر في الدعوة و القسم و هو ان كل احد يقسم بما عرفه و اطلع عليه و لايقدر علي ذكر ما لميعرفه و تأثير القسم ايضا بقدر عظمة ما عرفه الانسان و لما كان معاني ما دعا الله به ولاة الامر اعظم من المعاني التي عرفها بمرات يذكرها الداعي و يقسم ربه بها ليكون ترحم الرب عليه اكثر لحبه لمعاني ما يدعوه به ولاة الامر فافهم ذلك و ان قلت ان المعني بها و بغيرها واحد و ان كان معرفة ولاة الامر بالحقايق اكثر اقول ليس الامر هكذا فان كل احد يدرك معني ما يذكره بحسب درجته و الله غاية الغايات و كل ما يميزه الداعي بوهمه في [ص 31] ادق معانيه فهو مخلوق مثله لا غير فالذي هو اقرب من كينونة الله ما يدركه افضل و اعلي و امثل لك مثالا و هو ان من كان من الرعية المحجوبين عن رؤية السُلْطٰان يسمّي سلطانا و يتصوره و لكن لا علي صورته بل علي صورة غيرها من عرضه فالذي يسميه سلطانا في الحقيقة رعية مثله و شبه من عرضه و الوزير الذي رأي السلطان و عرفه يتصوره علي صورته و هيئته و بين ما تصوره و تصور غيره فرق عظيم فافهم ذلك و ان كان يسمي الرعية من تصوره سلطانا و الوزير يسميه ايضا سلطانا و كذلك الامر في معرفة الله فان كل احد يعرفه بقدر ما تجلي له به و قد تجلي لكل احد بنفسه و لذا قال في الانجيل يا ابن آدم اعرف نفسك تعرف ربك ، و نفس الرعية اثر نفس ولاة الامر فما عرفوه و سموه ربا هو اثر ما عرفه آلمحمد عليهم السلام فما عرفوه و دعوا ربهم به اقرب الي الله و احب عنده مما عرفه العبد بنفسه و دعا ربه به و لذا ربما يؤكد الانسان قسمه بان يقول برب محمد و علي و لايقول بربي و من هذا الباب اقسم ربه في هذا الدعاء بما يدعوه به ولاة الامر و لما لميكن يعرف العبد حقيقة معني ما يجري علي لسانهم اجمل القسم و ابهمه و لو خصصه العبد بوصف خاص لرجع الي فهمه و معرفته و لكن في الاجمال لايخصص الا في الجملة فتدبّر و اغتنم فانك لاتجد هذه التدقيقات و التحقيقات في كتاب و اما قوله ولاة امرك الولاة جمع الوالي من وليت الامر اليه بكسر اللام ولاية ككتابة تقلدته و قمت به كتوليته علي تفعل و البلد و الصبي و المرأة و البيع و عليه في الجميع يتعدي بنفسه و بعلي ولاية ايضا اذا ملكت امرها فالفاعل الوالي ج الولاة فالائمة صلوات الله عليهم ولاة امر الله عز و جل و لذلك سموا باولي الامر في قوله تعالي اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و قوله و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم و في الزيارة الجامعة السادة الولاة و الذادة الحماة و اهل الذكر و اولي الامر ، و المراد من انهم ولاة الامر في الظاهر انه ولاهم الله امره و حكمه فان الامر باحد المعاني [ص 32] الحكم و الفرمان بالفارسية و هو يشمل النهي ايضا اذ المراد منه صرف الطلب علي الاستيلاء و الله سبحانه قد فوض اليهم هذا الامر و هم ولاته في جميع العرصات و العوالم بل لايجري حكم و شرع الا بواسطتهم و ذلك ان الله سبحانه كان قبل خلقه و لميكن معه خلق و لا امر و لا حكم شرعي او كوني ثم خلق اول ما خلق آلمحمد سلام الله عليهم في اعلي عليين حيث لا سماء مبنية و لا ارض مدحية و لا نبي و لا ملك و لا جني و لا انسي فكانوا يعبدون ربهم بخواص صورهم صلوات الله عليهم بعبادة لميكن يطيقها احد من الخلق ثم خلق الله من شعاع نورهم جميع الخلق و اجري عليهم حكمه بهم و منهم فاهل جميع العوالم اطاعوه و عبدوه بما اجري عليهم من حكمه الذي هو من خواص صور آلمحمد عليهم السلام و قد قام في جميع العرصات و العوالم عباد و عبدوا ربهم بما ظهر لهم و تمكنوا منه و تجلوا آلمحمد صلوات الله عليهم في جميع العوالم و كل الازمنة و الدهور بحجج الله و رسله و دعوا الي ربهم بجميع الالسنة و ذلك قوله تعالي و تقلبك في الساجدين و قوله عليه السلام الا و انا نحن النذر الاولي و نحن نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان و قوله ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا ، فهم الآمرون من السنتهم و الداعون بهم اذ هم المؤثرون لهم و جميع فعل الاثر ينسب الي المؤثر بلا تأويل فان الشمس اذا ظهرت في المرايا فجميع ما يسطع من الانوار من الشموس الظاهرة في المرايا ينسب الي شمس السماء بلا تأويل فان في الحقيقة لا نور للمرايا و جميع النور للشمس فافهم ذلك فعلي ذلك جميع اوامر الانبياء امر نبينا و جميع كتبهم كتابه و حكمهم حكمه فافهم ذلك و لذلك قال الله تعالي ان الدين عند الله الاسلام و ان قلت لم اختلفت الشرايع اقول ان الاختلاف لعدم صلاحية الازمنة لظهور جميع شرعة الاسلام و قد كلف كل نبي امته بحسب قابليتهم كما كان في اوايل بعثة نبينا صلي الله عليه و آله فانه امر الامة باوامر و نسخ بعضها في اواخر عمره [ص 33] الشريف مع ان دينه كله الاسلام و كذلك الامر في ساير الشرايع هذا و كل نبي بنفسه كان مكلفا بما كلف به هذه الامة كما في خبر بل ورد عن ابيجعفر عن ابيه عن النبي صلي الله عليه و آله قال مما اعطي الله امتي و فضلهم به علي ساير الامم اعطاهم ثلث خصال لميعطها الا نبي و ذلك ان الله تبارك و تعالي كان اذا بعث نبيا قال له اجتهد في دينك و لا حرج عليك و ان الله تبارك و تعالي اعطي ذلك امتي حيث يقول و ماجعل عليكم في الدين من حرج يقول من ضيق و كان اذا بعث نبيا قال له اذا حزنك امر تكرهه فادعني استجب لك و ان الله اعطي امتي ذلك حيث يقول ادعوني استجب لكم و كان اذا بعث نبيا جعله شهيدا علي قومه و ان الله تبارك و تعالي جعل امتي شهداء علي الخلق حيث يقول ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس و بالجملة فهم ولاة الامر مطلقا و جميع الحجج و الانبياء و الرسل امة نبينا و شيعة ائمتنا و قد اخذ الله عليهم الميثاق باطاعتهم و ولايتهم فعن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث و لقد اقر لي جميع الملئكة و الروح و الرسل بمثل ما اقروا لمحمد صلي الله عليه و آله و عن جابر الجعفي (ره) عن الباقر صلوات الله عليه قال سألته عن تفسير الرؤيا عن دانيال اهو صحيح قال نعم كان يوحي اليه كان نبيا و كان ممن علمه الله تأويل الاحاديث و كان صديقا حكيما و كان والله يدين بمحبتنا اهل البيت قال جابر بمحبتكم اهل البيت قال اي والله ما من نبي و لا ملك الا و كان يدين بمحبتنا و عن المفضل (ره) قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي توجه بملكه فعرف عباده نفسه ثم فوض اليهم امره و اباح لهم جنته فمن اراد الله ان يطهر قلبه من الجن و الانس عرفه ولايتنا و من اراد ان يطمس علي قلبه امسك عنه معرفتنا ثم قال يا مفضل والله مااستوجب آدم ان يخلقه الله بيده و ينفخ فيه من روحه الا بولاية علي عليه السلام و ماكلم الله موسي تكليما الا بولاية علي عليه السلام و لااقام عيسي عليه السلام آية للعالمين الا بالخضوع لعلي [ص 34] عليه السلام ثم قال اجمل الامر مااستأهل خلق من خلق الله النظر اليه الا بالعبودية لنا و عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان مما ناجي الله موسي اني لااقبل الصلوة الا ممن تواضع لعظمتي و الزم قلبه خوفي و قطع نهاره بذكري و لميبت مصرا علي خطيئته و عرف حق اوليائي و احبائي فقال موسي يا رب تعني باوليائك و احبائك ابرهيم و اسحق و يعقوب فقال هم كذلك الا اني اردت بذلك من من اجله خلقت آدم و حواء و من اجله خلقت الجنة و النار فقال و من هو يا رب فقال محمد احمد شققت اسمه من اسمي لاني انا المحمود و هو محمد فقال موسي يا رب اجعلني من امته فقال يا موسي انت من امته اذا عرفته و عرفت منزلته و منزلة اهل بيته ان مثله و مثل اهل بيته فيمن خلقت كمثل الفردوس في الجنان لاينتشر ورقها و لايتغير طعمها فمن عرفهم و عرف حقهم جعلت له عند الجهل علما و عند الظلمة نورا اجيبه قبل ان يدعوني و اعطيه قبل ان يسألني ، فظهر من هذه الاخبار ان الانبياء من امة نبينا و شيعة ائمتنا و مطيعون لهم و الاخبار الواردة بهذا المعني كثيرة تركناها طلبا للايجاز و الاختصار علي ما هو المراد فهم ولاة امر الله في جميع الازمنة و كذلك جميع خلق الله مطيعون لامرهم و حكمهم و هم الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر في جميع العوالم و هذا في الظاهر و اما في الباطن فنقول ان المراد من الامر امر جميع الملك و هم ولاة الامر في جميع ملك الله سبحانه كما روي عن اميرالمؤمنين و قد ذكر الحجج عليهم السلام قال هم رسول الله و من حل محله من اصفياء الله و هم ولاة الامر الذين قال الله فيهم اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و قال فيهم و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم قال السايل ما ذلك الامر قال عليه السلام الذي تنزل الملئكة في الليلة يفرق فيها كل امر حكيم من خلق و رزق و اجل و عمر و حيات و موت و علم غيب السماوات و الارض و المعجزات التي لاتنبغي الا لله و اصفيائه و السفرة بينه [ص 35] و بين خلقه انتهي ، فهم صلوات الله عليهم ولاة جميع هذه الامور و يجمعها قوله تعالي قل ان الامر كله لله و قوله الا الي الله تصير الامور و قد فوض كلها الي آلمحمد عليهم السلام و هذا هو الولاية الكلية التي قال الله تعالي هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا و خير عقبا و قد ذكر الله تعالي مقتضي هذه الولاية في قوله و اليه يرجع الامر كله فاعبده و توكل عليه يعني فاعبده بتوحيده و ادعه باسمائه و توكل عليه بان تفوض الامر كله اليه في كل الاحوال كذا قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه و
اذا قالت حذام فصدقوها فان القول ما قالت حذام
و في الزيارة الرجبية انا سائلكم و آملكم فيما اليكم التفويض و عليكم التعويض فبكم يجبر المهيض و يشفي المريض و عندكم ما تزداد الارحام و ما تغيض و عن محمد بن سنان قال كنت عند ابيجعفر عليه السلام فذكرت اختلاف الشيعة فقال ان الله لميزل فردا منفردا في الوحدانية ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة عليهم السلام فمكثوا الف دهر ثم خلق الاشياء و اشهدهم خلقها و اجري عليها طاعتهم و جعل فيهم ما شاء و فوض امر الاشياء اليهم في الحكم و التصرف و الارشاد و الامر و النهي في الخلق لانهم الولاة فلهم الامر و الولاية و الهداية فهم ابوابه و نوابه و حجابه يحللون ما شاء و يحرمون ما شاء و لايفعلون الا ما شاء عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فهذه الديانة التي من تقدمها غرق في بحر الافراط و من نقصهم عن هذه المراتب التي رتبهم الله فيها زهق في بر التفريط و لميعرف آلمحمد صلوات الله عليهم حقهم فيما يجب علي المؤمن من معرفتهم ثم قال خذها يا محمد فانها من مخزون العلم ، و الاخبار بهذا المعني ايضا كثيرة فلا شك ان جميع الامور مفوضة اليهم و هم يفعلون ما يشاؤن و امرهم ذلك اجل من امر سليمان لان سليمان كان يفعل ما يشاء في الملك بخاتمه و هم يفعلون ما يشاؤن بمشيتهم فافهم و ورد الخبر بهذا المعني ايضا و لاتزعم انه [ص 36] يلزم من هذا التفويض خلع يد الله عن ملكه او كونهم شركاء له فيفعل و يفعلون فان هذا شرك بالله بل هم مشية الرب و ارادته و الله سبحانه يفعل ما يشاء بهم فانك ان فعلت ما شئت لايلزم من ذلك ان يكون الفاعل غيرك او مشيتك فانك انت الفاعل و المشية يدك و سبب ايجاد ما شئت فتدبر و من هذا الباب يجوز نفي التفويض اليهم بالمرة لان الفاعل هو الله لا غير و لذا قال الرضا عليه السلام الغلاة كفار و المفوضة مشركون الحديث ، و قد جمع مولانا القائم عجل الله فرجه بين الاخبار الواردة في التفويض و عدمه لكامل بن ابرهيم المدني حين اراد سؤال ابيمحمد عليه السلام فظهر له القايم عليه السلام من وراء الستر و قال جئت تسأله عن مقالة المفوضة كذبوا بل قلوبنا اوعية لمشية الله فاذا شاء شئنا و الله يقول و ماتشاؤن الا ان يشاء الله ثم رجع الستر الي حالته و قال ابوالحسن الثالث عليه السلام ان الله جعل قلوب الائمة موردا لارادته فاذا شاء الله شيئا شاؤه و هو قول الله و ماتشاؤن الا ان يشاء الله انتهي ، فان قلنا ان الامر كله اليهم فمعناه ان الامر كله لله بلا اختلاف اذ هم مشيته و امره و حكمه اذا شاؤا شاء الله و يريد الله ما يريدون فهم ولاة جميع الامور الكونية و الشرعية و قد اجروا امر الكون من بدأ الوجود الي ختمه في اول جلوتهم بالمبدئية و اجروا امر الشرع ايضا من هذا المقام الي ان ظهروا في هذا العالم باللباس البشري و ما تري من معجزاتهم صلوات الله عليهم فمن باب تصرفاتهم في الاكوان و يمكن ان يأول الامر بالمشية و هم ولاة الامر اي المشية بمعني ان حقيقتهم صلي الله عليهم قائمة بكينونة الله علي ما في الخطبة كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين ، فاذا كانت قايمة بكينونة الله فمشية الله مفوضة اليها لا محالة و لذا قال الحجة عليه السلام و روحي فداه في الندبة المعروفة التي خرجت الي ابيجعفر محمد بن عبدالله الحميري مجاهدتك في الله ذات مشية الله و مقارعتك في الله ذات انتقام الله و صبرك في الله ذو اناة الله و [ص 37] شكرك لله ذو مزيد الله و رحمته الزيارة ، و فيها فالحق ما رضيتموه و الباطل ما سخطتموه و المعروف ما امرتم به و المنكر ما نهيتم عنه و القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم و الممحو ما لااستأثرت به سنتكم انتهي ، فاذا كان ذات المشية مجاهدتهم صلوات الله عليهم و المجاهدة فعلهم صلي الله عليهم فذاتهم فوقها هذا ما يظهر من الزيارة و يمكن تصحيح معناه و لايلزم من ذلك كونهم شركاء لله او غير مخلوقين بل ان الله سبحانه خلقهم و احسن ادبهم و بعد ما اطمئن بفعلهم فوض اليهم امر مشيته علي ما مر سابقا بمعني انهم محال فعله و مشيته فهم القائمون بهذا الامر كونا و شرعا و من عرفهم بهذه المعرفة وقف علي حق معرفتهم و ان وقفت علي هذا البيان الشريف تقف علي فضايل جمة ان شاء الله و يكفي هذا القدر من البيان في هذه الفقرة الشريفة و ان بنيت علي ذكر اسرار اودعه الحجة عليه السلام بقدر ما اعرفها لنفد العمر قبل ان تنفد فالاولي الاقتصار علي ما ذكرنا .
قال عجل الله فرجه و روحي فداه : المأمونون علي سرك ،
اقول المأمون هو المتصف بالامانة كذا في المجمع فهم المأمونون علي سر الله اي امناء سر الله و في الزيارة الجامعة و حفظة سر الله و كذلك فيها امناء الرحمن و الامانة الواقعية لاتكون الا للمعصوم الحقيقي فان ساير الامناء امناء من حيث في الجملة و هم خائنون من حيث بل خانوا الله في اشرف الامانات فان نفس الانسان اشرف امانة الله في يديه اذ هي اكبر حجة الله علي خلقه و آيته التي قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا و هي في التأويل النفس الانسانية فانها ظل الله و نوره و منه كما قال روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، و قد خانوا الله في هذه الامانة النفيسة اذ عصوا الله عز و جل بمتابعة عدوهم [ص 38] المضل المبين و ترك عبادة الله التي هي الصراط المستقيم فضيعوا انفسهم و اخلدوا الي الارض باتباع الاهواء المردية و الآراء المهلكة كما قال عز من قايل و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هويه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون و بعد ما خانوا الله في النفس فلايكادون يؤتمنون في شئ فان جميع الاعمال و الصفات الظاهرية و الباطنية مترتبة علي الذات التي هي المؤثرة لها و بعد فسادها يفسد كلها فامانة غير المعصوم امر محال الا في الشرع الظاهر في الجملة علي ما اشرنا نعم الانبياء صلوات الله عليهم امناء الله بقدر عصمتهم و شأنهم و العلماء اي النقباء و النجباء امناء الرسل بقدر اجتنابهم عن المعاصي و اما اصل الامانة و حقيقتها فمخصوصة بآلمحمد سلام الله عليهم فانهم الذين ائتمنوا مطلقا و ماخانوا مطلقا و فيهم يأول الآية في الباطن انا عرضنا الآية ، فان المراد من الامانة هي الولاية الكلية و السلطنة فانها لله خالصة من دون غيره كما قال هنالك الولاية لله الحق و عرضها علي جميع مواقع الاسماء و الصفات فاشفقن منها لثقلها و عظمتها فان ولاية كل احد علي قدر كليته و احاطته و لايحيط احد بجميع الكاينات الا آلمحمد سلام الله عليهم و هذا مقام الشجرة التي طمع في مثلها آدم علي نبينا و آله و عليه السلام فاخرج من الجنة و هي ثابتة لهم خاصة ثم من بعد يثبت الولاية لساير الاولياء بالنسبة الي من دونهم و ذلك قوله تعالي انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا فافهم فالولاية الكلية امانة الله فان الله تعالي قال الله هو الولي و قال الله ولي الذين آمنوا و قد عرضها علي جميع الخلق فلميحملها الا محمد و آله (ص) و ذلك قوله تعالي النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و ازواجه امهاتهم و قوله انما وليكم الله الآية ، و المؤمنون في الواقع آلمحمد ثم الانبياء ثم الاولياء و بعد ما ائتمنهم الله علي الولاية التي هي الاصل فصاروا مأمونين علي جميع الاشياء اذ جعل الله سبحانه جميع [ص 39] كمالاته في ملكه و جعلهم اولياء ملكه و اما السر ففي الظاهر يراد منه العلوم و الحكم التي رزقهم الله و اخفاها عن ساير الخلق و ذلك قوله عليه السلام ان امرنا هو السر و سر السر الحديث ، و مر تمامه و معرفة حقيقة السر من المشكلات فان نفس اسم السر سر لايمكن كشفه ان يقال ما هو و ان الناس عرفوا مجملا ان بعض المسايل سر لايحتمله بعض الناس و بعض قشر يحتمله و لكني اقول ان جميع المسايل لها حقيقة هي باطن باطنها و هو سر مكتوم عند آلمحمد سلام الله عليهم حتي المسايل الشرعية القشرية كمسألة الغسل مثلا فان له حقيقة مكتومة ثم دون الحقيقة ايضا بطون الي القشر الظاهر و يختلف مراتب هذا السر فبعضه مما لايحتمله احد سواهم صلوات الله عليهم فانهم امناء الله عليه لا غير و بعضه مما يحتمله اولوا العزم من الرسل و لايكشف لغيرهم و هم صلوات الله عليهم يوضحونه لهم و بعضه مما يحتمله الرسل ثم الانبياء ثم شيعتهم علي مراتبهم و كل دان لايحتمل ما يحتمله العالي و قد ورد الاخبار في بيان جميع المراتب المذكورة اروي بعضها و اشير الي بيان بعضها في الجملة عن الصادق عليه السلام ان حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن قيل فمن يحتمله قال من شئنا و في رواية نحن نحتمله ه ، و عنه عليه السلام في تفسير ذكوان ذكي ابدا و اجرد طري ابدا و مقنع مستور و عن الصفار اما الصعب فهو الذي لميركب بعد و اما المستصعب فهو الذي يهرب منه اذا رأي و اما الذكوان فهو ذكاء المؤمنين و اما الاجرد فهو الذي لايتعلق به شئ من بين يديه و لا من خلفه و هو قول الله تعالي الله نزل احسن الحديث فاحسن الحديث حديثنا لايحتمل احد من الخلايق امره بكماله حتي يحده لان من حد شيئا فهو اكبر منه ه ، اقول فبعض حديثهم يخصهم و لايليق احد بمعرفته و هو من حقيقة الحقايق و باطن البواطن و ما هو سابق علي مراتب الانبياء المرسلين و الملئكة المقربين [ص 40] و المؤمنين الممتحنين لما مر ان معرفة شئ تحديده كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها ، و ان تحديد الاداة الاطلاع علي جهات الشئ و لايطلع شئ بالحقيقة الا علي نفسه و اما معرفة غيره فبالاشارة اليه و الآلة لاتشير الا الي نظيرها فلايكاد يدرك احد ما فوقها و ما غاب عنها فعندهم مفاتح الغيب التي قال الله و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو و قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الذي عنده مفاتح الغيب و اما ما ورد في الاخبار مما يعارض ذلك فاما محمول علي التقية او اخفوه من باب الكتمان لان في يومهم لميكن جميع الشيعة يتحمل ذلك او المراد من الغيب المنفي علمه ذات الله تعالي و اما قوله تعالي قل لااقول لكم عندي خزائن الله و لااعلم الغيب و لااقول لكم اني ملك اناتبع الا ما يوحي الي قل هل يستوي الاعمي و البصير افلاتتفكرون فمعناه اني لااقول اني لااعلم الغيب لا انه لايعلم فافهم و علي ان يكون المراد نفي علم الغيب عن نفسه له وجه خطر بالبال و يظهر من بعض الاخبار و هو ان الغيب ما غاب عن الشخص و هم قد احاطوا بكل ملك الله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته التي يعد فيها علومه علمت ما كان و ما يكون الي ان قال كل ذلك علم احاطة و عيان ، و بالجملة فالخلق برمتهم لايطلعون علي ما فوقهم و هم المطلعون علي ما فوق جميع الخلق و هذا العلم مخصوص بهم صلوات الله عليهم فهم لايعلمون الغيب اذ لميغب عنهم شئ او يكون المراد من الغيب ذات الله كما ذكرنا و هي محجوبة عنهم و اما قوله صلوات الله عليه في جواب السايل من شئنا فله وجهان : الاول ان يحمل علي علم يمكن ابرازه لغيرهم و فهمه موكول علي مشيتهم فان شاؤا يفهمونه بمشيتهم عن امر من الله خاص فان من علومهم هكذا فانه لايبلغه احد الا بعناية خاصة من الله و منهم او يقال ان تعليمه موكول علي مشيتهم و لايشاؤن ان يلقونه الا الي مثلهم فكل سلف لايلقي علمه ذلك الا الي خلفه و لاينافي [ص 41] ذلك الامانة و الحفظ فان من الامانة التبليغ الي اهله و كلا الوجهين محتملان و فسر هذا الخبر مولانا ابوالحسن عليه السلام بوجه آخر علي ما رواه في معانيالاخبار قال انما معناه ان الملك لايحتمله في جوفه حتي يخرجه الي ملك مثله و لايحتمله نبي حتي يخرجه الي نبي مثله و لايحتمله مؤمن حتي يخرجه الي مؤمن مثله انما معناه ان لايحتمله في قلبه من حلاوة ما هو في صدره حتي يخرجه الي غيره ه ، اقول هذا ايضا قسم من احاديثهم لا ان كل حديثهم هكذا و تأويله عليه السلام الحديث الي هذا المعني لايدل علي حصر الوجوه فانهم صلوات الله عليهم قالوا نحن نتكلم بالكلمة و نريد منها سبعين وجها لنا من كلها المخرج ، و ليس يفيد انما الحصر علي الحتم و يحتمل ان يكون المراد منه الحصر ان كان مراده (ع) هذا الوجه بخصوصه كما قال في خبر نريد منها احد سبعين وجها ، و مع ذلك لهم علوم تخص بهم و لو اظهروه لغيرهم لكفر و من علومهم ما يحتمله الانبياء المرسلون و الملئكة المقربون و المؤمنون الممتحنون فعن الباقر عليه السلام ان حديث آلمحمد صعب مستصعب ثقيل مقنع اجرد ذكوان لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او عبد امتحن الله قلبه للايمان او مدينة حصينة فاذا قام قائمنا نطق و صدقه القرآن ، اقول ان في هذا الخبر اشكالا عظيما و هو تخصيص علمه بالملئكة المقربين و العبد الممتحن دون الانبياء غير المرسلين مع انهم اشرف من الملئكة و المؤمنين و بهذا المعني ورد اخبار اخر ايضا فعن جابر بن يزيد قال قال ابوجعفر عليه السلام يا جابر حديثنا صعب مستصعب امرد ( اجرد خل ) ذكوان وعر اجرد و لايحتمله والله الا نبي مرسل او ملك مقرب او مؤمن ممتحن فاذا ورد عليك يا جابر شئ من امرنا فلان له قلبك فاحمد الله و ان انكرته فرده الينا اهل البيت و لاتقل كيف جاء هذا او كيف كان و كيف هو فان هذا والله الشرك بالله العظيم انتهي ، ففي هذا الخبر قال مؤمن ممتحن و في [ص 42] الخبر السابق قال عبد امتحن الله قلبه للايمان و في خبر آخر عن ابيجعفر عليه السلام عن ابيه عليه السلام قال ذكرت التقية يوما عند علي بن الحسين عليهما السلام فقال والله لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لقتله و لقد آخي رسول الله (ص) بينهما فما ظنكم بساير الخلق ان علم العالم صعب مستصعب لايحتمله الا نبي مرسل او ملك مقرب او عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان قال و انما صار سلمان من العلماء لانه امرؤ منا اهل البيت فلذلك نسبه الينا ، و يظهر من هذا الخبر ان المراد من العبد هو المؤمن الممتحن ، و بالجملة فالاشكال في ان النبي غير المرسل كيف لايحتمل و المؤمن الممتحن هو يحتمل اقول ان لذلك وجوها : منها ان المراد من الملك المقرب هو الانبياء فان الملئكة بالمعني الاعم يشمل جميع الخلق من آلمحمد الي الجمادات و آلمحمد هم العالون الذين قال الله تعالي للشيطان استكبرت ام كنت من العالين ثم من بعدهم مقام الانبياء المرسلين و هم الكروبيّون و قد قال عليه السلام فيهم ان الكروبيين قوم من شيعتنا و ذلك قوله تعالي ان من شيعته لابرهيم و الانبياء غير المرسلين دون درجتهم لا محالة فهم ليسوا من الكروبيين و لكنهم مقربون و هذا وجه وجيه و له وجه آخر و هو ان امرهم صلوات الله عليهم ينزل الي كل درجة بحسب اقتضاء اهل هذه المرتبة و في كل درجة و مرتبة لايتحمله الا المقربون فامرهم النازل الي الانبياء لايحتملها الا المرسلون منهم و الامر النازل الي الملئكة لايحتمله الا المقربون و هكذا و لا شك ان الامر النازل الي اهل كل مرتبة بحسب شأنهم و لايحتمله الا حملة اسرارهم و لايلزم من ذلك ان يكون المؤمنون عالمين بما لميعلمه الانبياء و وجه آخر ان العالم بجميع ما كان و ما يكون في كل الاحوال آلمحمد عليهم السلام و اما غيرهم فلايكاد يقف علي كل شئ و في حكاية موسي و الخضر و الصياد عبرة فيحتمل ان يكون امر من الامور يحتمله العبد الممتحن و لايحتمله غير المرسلين فافهم نعم [ص 43] هنا دقيقة و هي ان الانبياء جهلهم بشئ لعدم توجههم و مأموريتهم و لو امروا بالتوجه لتوجهوا و عرفوا ، و بالجملة فشق من اسرار آلمحمد لايتحمله سوي هذه الجماعة و بعضها مما يتحمله الشيعة و لايتحمله سواهم و ذلك ما ورد عن ابيجعفر عليه السلام قال ان حديثنا هذا تشمئز منه قلوب الرجال فمن اقر به فزيدوه و من انكره فذروه انه لا بد من ان تكون فتنة و يسقط فيها كل بطانة و وليجة حتي يسقط فيها من كان يشق الشعر بشعرتين حتي لايبقي الا نحن و شيعتنا ، و هذا حديث عجيب غريب يرتعش منه الابدان و نحن قد جربنا ذلك و رأينا ان من كان يشق الشعر بشعرتين في دقة فهمه و كان في الدنيا من الزاهدين افتتن عند استماع حديثهم و سقط من درجة الايمان كأنما خر من السماء فتخطفه الطير او تلقي به الريح و كونهم امناء في هذه الاسرار و حفظة لاتنافي تبليغهم و القاءهم الي غيرهم فان الله سبحانه امرهم باداء الامانات الي اهلها نعم اداؤها الي غير اهلها تضييع و ذلك قوله عليه السلام من اذاع سرنا كمن قتلنا قتل عمد لا قتل خطاء ، و لكن المراد من ذلك الاذاعة عند من ليس له باهل قال عليه السلام ما معناه ليس كل العلم يقدر العالم ان يفسره لان من العلم ما يحتمل و منه ما لايحتمل و من الناس من يحتمل و منهم من لايحتمل و ورد ما معناه ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله ، و الامين كل الامين من يراقب في بيانه جميع ذلك هذا في الظاهر و اما في الباطن فنقول ان المراد من السر الولاية باحد البطون و قد مر سابقا انهم امناء الله فيها و هي في عرصة الامامة و اما فوقها فسر الله الذي اودعهم اياه هو البيان و هو التوحيد الخالص و هو ان تعرف الله بانه ليس كمثله شئ و تعبده و لاتشرك به احدا و هذا سر كتموه بحقيقته عن غيرهم و في الظهور الاول اظهروه للمرسلين و في الظهور الثاني للملئكة المقربين و في الثالث للممتحنين من المؤمنين و هكذا الي الظاهر القشر الذي اظهروه لساير [ص 44] الناس كل بحسب شأنه و درجته ثم ان الامام الحكيم لايختار في بيانه من الاسماء و الصفات الا ما يناسبه ففي هذا المقام اختار لفظ السر لمناسبة حكمية فان صفاتهم لاتنحصر في ذلك و اختيار اي وصف كان في البيان من غير مرجح ليس من شأن الحكيم و وجه المناسبة هو ان في الفقرة الاولي قال معاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك و قد ذكرنا ان المعاني مقامهم الثاني صلوات الله عليهم و قد توسل الداعي بهم لانجاح طلبته و وصوله الي مقصده و اختار اسم ولاة الامر بمناسبة ذكر الحاجة و الدعاء فان في ضمنه اقرارا بان الامر و الحكم لهم و بهذا الاقرار يشكر ربه فان شكر المنعم معرفته و صرف النعمة في سبيله مع انه بعد ما عرف والي الامر يقبل اليه و اذا كانوا ولاة الامر بانفسهم و عقولهم سائلين ربهم الظاهر لهم بافئدتهم فالداعي اذا سأل ربه بمعني ما سألوه به يقضي حاجته البتة و بعد ما وصفهم بهذه الصفة بهذه الملاحظة مع انه اقسم ربه بالمعاني ذكر السر بمناسبة المعاني و كونهم ولاة الامر الذي هو ظاهر الله فافهم ان شاء الله ثم اعلم ان هذا الفضل يثبت بالفرعية لشيعتهم بجميع المعاني المذكورة نعم آلمحمد امناء سر الله و هم امناء آلمحمد سلام الله عليهم كما قال ابوعبدالله عليه السلام مااجد احدا احيي ذكرنا و احاديث ابي عليه السلام الا زرارة و ابوبصير ليث المرادي و محمد بن مسلم و بريد بن معاوية العجلي و لولا هؤلاء ماكان احد يستنبط هذا هؤلاء حفاظ الدين و امناء ابي علي حلال الله و حرامه و هم السابقون الينا في الدنيا و السابقون الينا في الآخرة ، و قد مر سابقا من الاخبار ما يدل علي ظهور السر فيهم بساير المعاني .
قال عليه السلام و عجل الله فرجه : المستبشرون بامرك ،
اقول المستبشر بمعني الفرح يعني فرحون بامر الله سبحانه باحد المعاني و ذلك ان كل شئ يتقوي بما يناسبه و يتضعف بما ينافره و لذا يميل الي المناسب بالطبع و يفر من المنافر بالطبع و ذلك امر يجري في جميع الخلق حتي [ص 45] الجمادات و النباتات كما تري ان الحرارة تفر من البرد و البرودة من الحرارة فانك اذا القيت البطيخ الحار في الماء البارد يبرد ظاهره و يتسخن باطنه و اذا القيته في الماء الحار ينعكس الامر الا ان يدوم بقاؤه فيه حتي يتكمل ظاهره و باطنه و كذلك تحس في بدنك انك اذا غمست في الماء الحار يفر البرد من اسفل بدنك الي الاعلي الخارج عن الماء و في الماء البارد بعكس ذلك و من هذا الباب فرار الحيوان و الانسان من العدو و اقبالهما الي المحب فانه اذا وقع شبح الشئ في المشعر و تصور الروح بصورته فوجدها ملايمة لطبعه ينبسط لذلك و بانبساطه ينتشر الدم و يقبل الي الظاهر و لذا يظهر آثار الحمرة في الوجه و العين و ينفتح العين و الفم و يضحك و يتحرك نحوه و هكذا و اذا رأي ما يضاده يفر الروح و يشايعه الدم و ينقبض و يظهر اثر ذلك في الوجه و ذلك ما تري من انقباض الانسان في وجهه اذا كره شيئا فاذا عرفت وجه السرور و الحزن فاعلم ان الله قد ركب في خلقه نورا من عنده و ظلمة من جانب القوابل و هما منافران في الغاية و كل منهما يقتضي امرا يخالفه الآخر و يعيش بخلاف ما يعيش به الآخر و يلتذ بغيره و جميع ما يقتضيه النور هو من محاب الله و مما امر الله به و جميع ما يقتضيه الظلمة من مساخطه و مما نهي عنه فمن كان الغالب عليه النور يستبشر بجميع ما امر الله به لانه من مقتضيات نفسه و يعيش به لاجل المناسبة التامة و الظلمة بعكس ذلك و لاجل ذلك يكون اوامر النبي و نواهيه كلفة لاهل الظلمة و النفس و لذا سمي الشرع بالتكليف فانه تكليف للمنافرين لا للموافقين و لذلك نفي الحرج عن المؤمنين في الدين بالكلية فان الحرج هو الضيق و لا ضيق لهم في الدين بل الامر لهم اوسع مما بين السماء و الارض و اما الكفار فقد شددوا و شدد الله عليهم و بعدوا عن الله فضيق عليهم الاتري الي قوله تعالي في مخاطبته المؤمنين جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتبيكم و ماجعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم ابرهيم الآية ، [ص 46] الحاصل فمن غلب عليه النور يستبشر بامر الله مطلقا و حقيقة آلمحمد سلام الله عليهم نور الله الخالص عن شائبة الظلمة الا بقدر استمساك الوجود و هو ايضا متلاش في جنب النور و لاتزعم من قولنا ذلك ان فيهم ظلمة نعوذ بالله بل المراد من الظلمة المقابلة للنور في المقام الانية و الصورة و صورة النور و انيته نور ايضا الاتري ان صورة الشعلة لاتكون ظلمة بل هي نور و لكن تسمي بالظلمة لمكان حدها المخالف لاحدية الله فليس فيهم ظلمة كظلمة الجهل و لكن المراد منها صورتهم و هي بالنسبة الي ما دونها نور الانوار لعدم محدوديتها بحدود الخلق و غاية حدها كونها غير الله و لذا قال نزلونا عن الربوبية و قولوا في فضلنا ما شئتم و لنتبلغوا ، فهم نور مطلق بالنسبة الي ساير الخلق و جميع ما امر الله به مقتضيات هذا النور فان الشريعة الغراء صفات الخاتم لا غير و قد كلف الله ساير الخلق ان يتخلقوا بخلقه لانه قد احبه و لميحب سواه و آلمحمد سلام الله عليهم من نوره و طينته و لايخالفونه في شئ فهم ايضا محبوبون و لا حبيب الا هو و اهله فالشرع صفتهم ايضا و لا شك ان الانسان يتقوي بوصفه فيستبشر به و ذلك قوله تعالي يستبشرون بنعمة من الله و فضل و استبشار غيرهم بامره سبحانه بقدر مناسبتهم و مجانستهم لهم فالشيعة لانهم خلقوا من شعاع نورهم و طينتهم ايضا يستبشرون بامر الله و يحزنون بخلافه و لذا تري شيعة آلمحمد عليهم السلام اذا اخطأوا في امر و عصوا يحزنون بذلك بحيث يرضون بموتهم و اذا اطاعوا ربهم يفرحون كأنما تنعموا بافضل النعم و الامر هكذا بخلاف اعدائهم فان فرحهم بالمعصية و حزنهم بالطاعة فاذا رأيت احدا سروره في معصية الله و لايندم من ارتكابها و لايتذكر اذا ذكر فاعلم انه من طينة سجين و لو كان من طينة عليين لكان محزونا في قلبه بالمعصية و لذا يكون اشتياق المؤمن الي ربه و عبادته و مناجاته و الكافر بخلافه ففي القدسي اوحي الله عز و جل الي بعض الصديقين ان لي عبادا يحبونني و احبهم و يشتاقون الي فاشتاق اليهم و يذكرونني فاذكرهم فان [ص 47] اخذت طريقهم احببتك و ان عدلت عنهم مقتك قال رب ما علامتهم قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الشفيق غنمه و يحنون الي غروب الشمس كما يحن الطير الي اوكارها فاذا جن الليل و اختلط الظلام و فرشت الفرش و نصبت الاسرة و خلا كل حبيب بحبيبه نصبوا الي اقدامهم و افترشوا الي وجوههم و ناجوني بكلامي و تملقوا الي بانعامي فبين صريخ و باك و بين متأوه و شاك و بين قايم و قاعد و بين راكع و ساجد بعيني ما يتحملون من اجلي و بسمعي ما يسألون من حبي فاول ما اعطيهم ثلثا اقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما اخبرهم عنهم و الثاني لو كانت السماوات و الارض و ما فيها من موازينهم لاستقللتها لهم و الثالث اقبل بوجهي عليهم فتري من اقبلت بوجهي عليه يعلم احد ما اريد ان اعطيه ، و الاخبار الواردة في صفة المشتاقين متعددة لانطيل هنا بنقلها الكلام و مجمل القول انه لايشتاق احد الي شئ الا بالمناسبة و بعد ما ناسبه لايتباعد و لايغفل عنه باختياره و لو غفل عنه بسبب قاسر سيرجع اليه فان حيز المماثل في جوار مماثله و الشئ لايفارق حيزه الا بالقاسر و لذا ورد في صفة المشتاقين انه لو سها قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقا اليه فيا اخي ان كنت طالبا لذكر الله و عبادته فاسع اولا في اكتساب نور الله بالرياضات و المجاهدات حتي يضعف فيك الشيطان فح يضعف الظلمة و يذهب الغفلة و تذكر ربك طبعا و هذا ذكر مفيد يفيدك لا الذكر القسري و العبادة الجبرية فافهم فالمؤمن من كان مستبشرا بامر الله سبحانه اي حكمه في التكاليف و قد يعمم الامر و يقال انه بمعني المشية فآلمحمد سلام الله عليهم راضون بقضاء الله و قدره عن قلب و لايسخطون امرا ابدا و لذا كانوا مسرورين في جميع البلايا و المحن حتي ان سيدالشهداء عليه السلام و روحي فداه كان يري اثر السرور و البشر من وجهه يوم كربلا الي ان قال بعض اصحابه لبعضهم انظروا الي الرجل لايبالي بالموت و كذلك ساير الائمة الاطياب سلام الله عليهم و بكاؤهم حينا ما لبلاء [ص 48] من البلايا كبكاء النبي صلي الله عليه و آله لموت ابرهيم و بكاء سيدالشهداء في شهادة علي بن الحسين و قاسم بن الحسن و بكاء علي بن الحسين سيد الساجدين اربعين سنة لقتل الحسين و بكاء اميرالمؤمنين لموت الصديقة الطاهرة و بكاء الحسن عليه السلام قبل شهادته و هكذا لميكن لعدم رضائهم بامر الله حاشا و كلا و قد قيل للنبي صلي الله عليه و آله ما معناه اتبكي لموت ولدك قال (ص) انا لااقول ما يكره الله و لكن القلب يحترق و الدمع يجري ، فليس المراد من الرضا عدم احتراق القلب لفوت محبوبه و عدم البكاء فان ذلك امر قهري و لكن الراضي من كان راضيا باحتراق قلبه و شكره له و الساخط من يكره امر الله و احتراق قلبه فلاتغفل مع ان البكاء في بعض المصايب بنفسه افضل العبادات فبكاؤهم في بعض الاحيان كساير عباداتهم لا انه من باب عدم الرضا بالقضاء نعوذ بالله من غضب الله و الاخبار الواردة في رضاهم بل رضاء شيعتهم بقضاء الله اكثر من ان تحصي و كتب الاصحاب بها مشحونة و ان شئت فراجع و في عرصة الحقيقة ان هذا الامر المذكور حقيقتهم صلوات الله عليهم في عرصة المعاني اي بعد تنزلهم فيها للتجلي بها الي الخلق و لا شك ان عيش كل احد و سروره بنفسه بل اقول ان كل سرور من النفس و السرور و العيش بساير ما يرد علي الانسان ايضا من باب تقويته للنفس لا غير فهم مستبشرون بامر الله اي انفسهم و هي امر الله الذي قال الله تعالي اتي امر الله فلاتستعجلوه و قال و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر او هو اقرب و اعلم ان للامر معان عديدة منها الطلب و منها الحكم و منها الشأن و قد مر الاشارة الي المعنيين الاولين و الشأن ايضا احد المعاني و يحتمل ان يكون المراد انهم مستبشرون بشأن الله الظاهر لهم و في وجنتهم و لكل من ذلك وجه و ذلك انهم صلوات الله عليهم افنوا انفسهم في جنب نور الله سبحانه حتي ظهر لهم نور الله و تجلي لهم و لذلك ظهر من وجوههم عظمة الله و كبرياؤه و اعلم ان كبرياء الله لايظهر علي وجه احد الا بعد الخضوع لله سبحانه [ص 49] في الظاهر و الباطن ففي خبر عن رسول الله صلي الله عليه و آله من تواضع لله رفعه الله و من تكبر خفضه الله و من اقتصد في معيشته رزقه الله و من بذر حرمه الله و من اكثر ذكر الموت احبه الله و عن ابيعبدالله عليه السلام قال اوحي الله تعالي الي موسي ان يا موسي اتدري لما اصطفيتك بكلامي دون خلقي قال يا رب و لم ذاك قال فاوحي الله تعالي اليه يا موسي اني قلبت عبادي ظهرا لبطن فلماجد فيهم احدا اذل نفسا لي منك يا موسي انك اذا صليت وضعت خدك علي التراب او قال علي الارض و بالجملة الاخبار الواردة في الخضوع و التواضع متعددة اقتصرنا علي هذين الخبرين طلبا للايجاز و حاصل معناهما باحد الوجوه ان من جعل نفسه ذليلة لله و اظهر اثر الذلة من بدنه يحبه الله و يختاره الله و لذا اطلق القول في الخبر الاول و قال من تواضع لله علي الاطلاق رفعه الله فافهم ذلك فان ظاهره كلام قشري يقر به كل من سمعه و باطنه قول عظيم و اشير الي الباطن في الجملة و اقول ان الله سبحانه ركب عباده من نور ربوبيته و ظلمة العبودية و جمع بينهما بميزان العدل فاذا نسي العبد عبوديته و هاجرها و اتصل بنور الله يصير متقربا منه تعالي و معني نسيان العبودية الخضوع لله و معني التقرب الرفعة فانه تعالي رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من امره علي من يشاء فان من نسي شيئا لايجعل له وقعا و لاينظر اليه و لايعمل بمقتضاه و امثال ذلك من الصفات اللازمة لنسيان شئ و اذا هاجرها بالمرة يتصف بصفات الربوبية فانه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و العبودية جوهرة كنهها الربوبية فمن ترك العرض يصل الي الكنه و الحقيقة لا محالة و اعلم ان حقيقة الخضوع ظهرت في هذا الملك في مولانا سيدالشهداء روحي له الفداء اذ خضع لربه بحيث لميبق لنفسه اثرا و لو في الحكم الظاهري حتي ان بدنه الشريف صار مثل الكحل المسحوق و بعد ما خضع لله رفعه الله اليه فصار حيا في الدارين و ذلك باطن قوله تعالي [ص 50] بل رفعه الله اليه بالجملة بعد ما خضع لله هكذا ظهر الله فيه و صار مستبشرا بامر الله سبحانه بجميع المعاني في الدنيا و الآخرة .
قال روحي فداه و عجل الله فرجه : الواصفون لقدرتك ،
اقول الوصف في اللغة بمعني النعت و قيل ان النعت وصف الشئ بما فيه من حسن و لايقال في القبيح الا ان يتكلف متكلف فيقول نعت سوء و الوصف في الحسن و القبيح و يقال ان الصفة انما هي الحال المنتقلة و النعت ما كان في خلق او خلق و في مثل المقام المراد من الواصف المبين لوصف القدرة اي يوضحونها و يكشفون عنها بالسنتهم في لسان القال اذ يصفون ربهم بالقدرة و ينفون عنه العجز و ان اليهود وصفوا ربهم بالعجز كما قال الله تعالي قالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء و كان مرادهم من قولهم انه تعالي لايبدو له في ما قدر فنفي الله قولهم و لعنهم بقولهم و آلمحمد وصفوا ربهم بالقدرة و قد يشمل الوصف لسان الاحوال فانهم صلي الله عليهم بلسان حالهم وصفوا قدرة الله سبحانه و هذا البيان اشرف من كل بيان فان جميع البيانات اللسانية تعبيرات عن بعض وجوه المقصود فان اللسان مرآت ما في الخيال و لايعبر الا عما فيه و ليس في الخيال الا الصور الجزئية فجميع ما يعبر عنه اللسان يرجع اليها و اما البيان بجميع المراتب الغيبية و الشهادية فبيان عن الحقيقة بجميع صفاتها فهم بيّنوا قدرة الرب هكذا بل وصفوا جميع صفاته سبحانه هكذا حتي صاروا بانفسهم تمام قدرته بل تمام صفاته و ذلك قوله عليه السلام هم قدرة الرب و مشيته ، و قد مضي سابقا اخبار دالة علي انهم صفاته تعالي و اسماؤه و اعلم ان قدرة الله سبحانه ظاهرة في كل شئ بحسبه و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و لما بلغ الكلام الي هنا ناسب ان نذكر كلمات في بيان القدرة :