[ص 1]

كتاب شرح دعاء رجب

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي .

و بعد يقول العبد الاثيم و الفاني الرميم محمد بن كريم ابن ابرهيم انه قد امرني جناب عالي الجناب و لب اللباب و فخر الانجاب و سليل الاطياب العالم العامل و الفاضل الباذل المجاهد في سبيل الله المقدس المطهر الحاج سيد جعفر اليزدي ايده الله بلطف خفي منذ سنتين ان اشرح له الدعاء الرجبية الذي خرج من الناحية المقدسة العلية علي صاحبها آلاف التحية و اخرج له ما كمن فيه من خبايا الاسرار و ابين له ما احتجب فيه بالاستار بلا اطناب ممل و لا ايجاز مخل و انا مع تبلبل البال و اختلال الاحوال و كثرة الواردات و تواتر الحادثات اجبت امره تعظيما لشأنه و تكريما لمقامه و منزلته لانه مع ما له من الفضل بحسب العز و الجاه من الذين ادركوا جميع مشايخنا و له قدم صدق في ولايتهم و التسليم لامرهم و الاقرار بفضلهم و لم‌يلمه في الله لومة لائم و لم‌ينكر فضلا لاولياء القائم مع ما كان ابي اعلي الله مقامه و رفع اعلامه محبا له مستأنساً به ناظرا اليه بالمودة مراعيا لشأنه في الجلوة و الخلوة معاشرا له في كل حال مرافقا له بفراغ البال مع ما كان له علي حقوق كثيرة لاتحصي يضيق بنقلها الاوقات و لايضبطها هذه الوريقات فلاجل ذلك كله اطعت امره مع ما بي مما الله اعلم به [ص 3] علي ان هذا الدعاء يليق بشرح غزير مع بسط كثير لانه مشحون بفضائل كثيرة لآل‌محمد و شيعتهم سلام الله عليهم مع ان شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه ذكر في بعض رسائله اني ارجوا ان اشرح هذا الدعاء و لم‌يصل الينا شرح منه لذلك فاحببت ان يجري هذا الخير علي يدي بقدر وسعي مع قصور باعي و قلة متاعي في العلم و قد عاقني عن اجابة مسؤله عوائق الزمان و اشتغالي باجوبة مسائل الاخوان الي ان رأيت ان العوايق لاترتفع و البلايا لاتنقطع و المشاغل لاتنقضي فشمرت عن ساق الجد لاجابة مسؤله متوكلا علي الله ، فاقول انه قد روي هذا الدعاء الكفعمي في بلدالامين و جنة‌الامان عن ابن‌عياش انه قال و مما خرج علي يد الشيخ ابي‌جعفر محمد بن عثمان بن سعيد من الناحية المقدسة ما حدثني به خير بن عبدالله قال كتبته من التوقيع الخارج اليه بسم الله ، الدعاء و في مصباح الشيخ اخبرني جماعة عن ابن‌عياش الي آخر ما مر ، و الدعاء و ان كان في سنده ضعف لتضعيف الاصحاب لرواية ابن‌عياش و هو احمد بن محمد بن عبيدالله ابن الحسن بن عياش و عدم معروفية خير بن عبدالله و لكن لمطابقة فقراته و مضامينه للاخبار و الدعوات الصحيحة و قبول مشايخنا و الشيخ الطوسي و الكفعمي له و الاعتماد عليه نصححه و نعتمد عليه ان شاء الله و لست بصدد بسط وجوه التصحيح في هذه العجالة فاشرع في الشرح و لا حول و لا قوة الا بالله .

قال روحي و جسمي فداه و عجل الله فرجه : بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك ،

اقول اختلفوا في لفظ اللهم فقيل ان اصله يا الله فحذف حرف النداء و عوض عنه بالميم المشدد و لذا لايجتمعان و جوز الجمع في الشعر كقول الشاعر :

[ص 4]

اني اذا ما حدث المّا اقول يا اللهم يا اللهمّٰا

و قيل اصله يا الله اُمَّنا بالخير من امه اذا قصده و خفف و رد ذلك الشيخ الرضي بانه يقال اللهمّ لاتؤمّهم بالخير فلو كان اصله ذلك لزم التناقض في الكلام و قيل معناه يا الله اُمّ فاذا كان في الخير يكون المعني اقصد بالخير و اذا كان في الشر بالشر و ذلك المعني ايضا عندي بعيد و الذي يختلج بالبال انه معرب اِلُهيم في العبري يعني الله و هذا اصح الاحتمالات و اوفقها فهو منادي بحذف حرف النداء و مثل ذلك ورد ايضا في الدعاء كما عرب في الدعوات اهي اشراهي يعني الكاين الذي كاين و المنادي به اخضع من المنادي بيا الله و كذا قال ابي العلامة اعلي الله مقامه هذا في الظاهر و اما في الباطن فنقول ان واضع الاسماء لمعانيها هو الله سبحانه سيما في اسمائه تعالي فكل اسم من اسمائه تعالي وضع لمعني علي ما يقتضيه ذلك المعني فكل حرف من حروف الاسم في الجعل الاول بازاء جزء من اجزاء المعني و وضعه علي وضعه و ذلك لان الله تعالي لايقتضي بذاته شيئا فلايسمي مسمي باسم الا باقتضائه و الاسم ينزل من السماء بحسبه و يجري هذا الحكم في اسمائه تعالي لانه تعالي بذاته لايسمي باسم و الاسماء لمعانيها و سيأتي الكلام في المعاني ان شاء الله و مرادي في المقام الاشارة الي بيان آخر فالاسم اذا لم‌يتغير عن الوضع الاول و كان باقياً علي النظم الطبيعي يكون مطابقا للمعني الا اذا تغير عن الوضع الاولي فح ربما يخالف المعني فيسمي الحسن نحسا و النحس حسنا و لايجري هذا الحكم في اسماء الله و الحجج و بعض الالفاظ المضبوطة عند اهلها غير المتداولة علي الالسن و يدل علي ذلك حديث النملة مع سليمان عليه السلام ما معناه انه قال انت افضل ام ابوك قال ابي افضل فاوردت عليه لم يكون اسمك اكثر حرفا من اسمه ثم قالت انه سمي داود لانه داوي جرحه بود و حاصل المراد ان اصل الاسم الذي هو صفة للموصوف ذلك الا انه اشتق داود منه بالاشتقاق الكبير فباطن اسمه اكبر من اسم ولده فتدبر و [ص 5] هذه الحكمة جارية في جميع الملك فعلي ذلك في اختيار اللهم علي يا الله في مثل المقام من الحكيم وجه اختصاص بالبداهة فان الحكيم لايلهو و لايلعب في كلامه و بعد ما دققنا النظر و امعننا الفكر عرفنا ان وجه الاختصاص الخصوصية التي في الميم لا غير فكل الحكمة في باطن الميم المشدد فاعلم ان الميم اشارة الي ظاهر النبوة الخاتمية في عرصة الظهور اي الشعاع النازل في الخلق منه صلي الله عليه و آله و ان الميم في الحقيقة باطن الالف و اللام فان الالف بعد النزول في مقام اول ما خلق الله يكون ياءا فانه في الباطن اي مقام الوحدة اشارة الي مقام المعاني و لذلك يكون فيه صفات من صفات الله كما قال الصادق عليه السلام في تفسير الم في الالف ست صفات من صفات الله تعالي الابتداء فان الله ابتداء جميع الخلق و الالف ابتداء الحروف و الاستواء فهو عادل غير جائر و الالف مستو في ذاته و الانفراد فالله فرد و الالف فرد و اتصال الخلق بالله و الله لايتصل بالخلق و كلهم محتاجون الي الله و الله غني عنهم فكذلك الالف لايتصل بالحروف و الحروف متصلة به و هو منقطع من غيره و الله تعالي باين بجميع صفاته من خلقه و معناه من الالفة فكما ان الله تعالي سبب الفة الخلق فكذلك الالف عليه تألفت الحروف و هو سبب الفتها الحديث ، و بعد ما نزل في مقام العقل الذي هو اول الخلق و باب الله الاعظم و قلم الايجاد صار عشرة و بعد ما اتصل بالنفس اي الولي الاعظم الذي هو اللام صار اربعين فاستنطق بالميم و لذا صار مبدأ اسم النبي في ارض الشهادة و لما كان لكل شئ باطن و ظاهر و الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور كليات الحكمة ما لم‌تكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم كرر الميم ليدل العارف علي ظاهره و باطنه فصار اسمه الشريف ذا ميمين و لما كان ذريته صلي الله عليه و آله في عالم الشهادة من ظهره علي حذو قوله تعالي و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي شهدنا ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين اشار [ص 6] الله اليهم في اسمه الشريف بالدال و الحاء و مجموعهما اثناعشر و قد جعل الميم الدال علي ظاهره في عرضهم و بينهم و الميم الدال علي باطنه صدرهم و فوقهم فاسم نفسه الشريف علي الحقيقة الميم و لذا كان يسميه الصادق عليه السلام لمفضل بسيد الميم و الحاء و الدال من حدود الولاية الظاهرة و بالجملة لسنا بصدد بيان هذه الاسرار و لو كان البحر مدادا و الاشجار اقلاما لبيان هذه الاسرار و كتبت علي بسيط الارض لنفدت قبل ان تنفد هذه الاسرار و لكن مرادي محض الاشارة الي بعض حكم الله في فضلهم فالميم هو اسم الخاتم صلي الله عليه و آله فاذا عرفت هذه المسألة فاعلم ان من شرط استجابة دعوة الداعي ان يسأل الله من الباب الذي فتحه الله لخلقه و لو سأل من غير الباب لايستجاب له الدعاء ابدا قال الله تعالي ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها ، و عن علي عليه السلام نحن الخزنة و الابواب و لاتؤتي البيوت الا من ابوابها فمن اتاها من غير بابها سمي سارقا و قال الصادق عليه السلام نحن السبب بينكم و بين الله ، و الاخبار الواردة في ذلك مستفيضة بل بلغت في معناها فوق التواتر فلا بد للداعي و العابد و القاصد لله مطلقا ان يدخل عليه من الباب الذي فتحه الله لخلقه و لذا ورد في الزيارة مطلقا من اراد الله بدأ بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه اليكم بل قال عليه السلام هو المحتجب و نحن حجبه و قال في خبر محمد حجاب الله و لا شك ان المحتجب لاينادي الا من وراء الحجاب مع انهم سبل معرفته اذ هم اسماؤه و صفاته و المسمي لاينادي الا باسمه و الموصوف لايوصف الا بصفته فمن اجل ذلك اشير اليه باشارة خفية في مقام ذكره تعالي باسم النبي صلي الله عليه و آله الذي هو الحجاب الاعظم و الصراط الاقوم حتي يكون الداعي حين شروعه في الدعاء مبدءاً باسمهم كما قال من اراد الله بدأ بكم هذا و في الحقيقة هم نفس اسماء الله تعالي كما في الزيارة السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء و سيجيء في هذا الشرح بيان ذلك مشروحاً ان شاء الله [ص 7] و لكن هذا مقامهم في درجة المعاني لا الامامة و النبوة و اما الميم فهو الاسم الظاهر الحاكي عن الباطن و الامام المشتعل بالغيب الداخل الخارج فافهم فبالميم يشير الي الجناب و الباب و اسم الله الذي استوي علي عرشه و شدد الميم لما ذكرنا من حكمة الميمين في اسم محمد صلي الله عليه و آله و لكن هنا نكتة دقيقة احب الاشارة اليها و هي ان في الصعود الي الله سبحانه لا بد من الوقوف علي الباب و ملاحظته ثم الدخول علي ذي الباب بقدر الميسور و ذلك امر ظاهر بين و بمقتضي هذه الحكمة كان الواجب ذكر اسم الباب اولاً ثم ذكر اسم ذي الباب و مع ذلك انعكس الامر هنا و لنا عن ذلك اجوبة متعددة بعضها قشري ظاهري و بعضها باطني فمن الاجوبة الظاهرية ان تقديم اسم الله علي الميم لاجل مراعاة الادب و ذلك امر عظيم ينوط به تكميل العبودية و منها ان المقصود بالذات هو الله لا غير و قصد الباب لاجل ذي الباب فلذلك قدم اسمه تعالي لانه العمدة و من الاجوبة الباطنية ان محمدا صلي الله عليه و آله قد بلغ من تكميل العبودية منتهاها حتي صار من ربه ادني من قاب قوسين و ظهر فيه الربوبية التي هي كنه العبودية و اشتعل بنوره و كشف له عن الحجاب حتي احرق نور وجه الله ما انتهي اليه بصره من عبودية محمد صلي الله عليه و آله حتي صار حاكيا للرب و خفي عبوديته بالمرة فظهر نور الله سبحانه فوق الحجاب كما تري ان النار الغيبية بعد ما خرجت من غيب الدخان اشتعل ظاهره و باطنه بها فظهرت من ظاهره بحيث يشار اليه بالنارية فالنار سبقت الدخان و هي اقرب اليك منه و اوضح و كذلك الامر في نور الله الظاهر من وجه محمد صلي الله عليه و آله افهم ذلك و لذلك ورد في تأويل قوله تعالي وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة ان النظر الي وجه النبي صلي الله عليه و آله نظر الي الله تعالي و قال صلي الله عليه و آله من رآني فقد رأي الحق فكل معاملة معه معاملة مع الله عز و جل من غير الحاجة الي كشف سبحة اذ لا سبحة و لا فخر و لا ذخر في مشاهدة نور الله تعالي من احد بعد كشف السبحات [ص 8] و محو الموهومات فان كل احد يدل عليه بهذا الوجه قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما رأيت شيئاً الا و رأيت الله قبله او معه ،

و في كل شئ له آية تدل علي انه واحد

قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فنور الله ظاهر في كل شئ الا انه محتجب بحجب الانيات و لا بد من خرقها و لكن الفخر و الذخر في ان يكون الشئ بنفسه خارقا لحجاب انيته حتي يطلع نور الله من افق نفسه ظاهرا بينا و هذا شأن الخاتم و ذريته و الانبياء و من اتبعهم و حذا حذوهم و سلك منهجهم كما ورد عن الرضا عليه السلام قال يا اباالصلت من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر و لكن وجه الله انبياؤه و رسله و حججه صلوات الله عليهم هم الذين بهم يتوصل ( يتوجه خ‌ل ) الي الله عز و جل و الي دينه و معرفته و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل كل شئ هالك الا وجهه قال من اتي الله بما امر به من طاعة محمد و الائمة من بعده صلوات الله عليهم فهو الوجه الذي لايهلك ثم قرأ من يطع الرسول فقد اطاع الله و في خبر قال كل شئ هالك الا من اخذ طريق الحق انتهي ، فهم لما هتكوا الاستار و خرقوا الحجب ظهر منهم نور الله و وصفه حتي صاروا وجهه و كل احد يؤتي من وجهه فمن اراد الله يأتيه منهم و بالجملة فلذلك كله صار اسم الله اظهر من وجه محمد صلي الله عليه و آله عليه و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما معناه عرفت محمدا بالله فافهم و ورد ما يعارض ذلك ايضا من الاخبار بانواع المعارضة و لكن لا تعارض لها عند الحكيم ،

و لكل وجدت منهم مقاما ذكره في الكلام مما يطول

فلذلك قدم اسم الله علي الميم فقيل اللهمّ و اما فتح الميم ففي الظاهر لانه بدل الالف الذي يؤتي به في آخر المنادي في مقام الاستغاثة و المسألة و اما في الباطن فلان الفتح حركة القلب و القطب اذ قد انفتح لنزول الامداد من الغيب اليه و انشرح لما وجد في نفسه من السعة فتدبر في مطاوي هذه الاسرار حتي يقر عيناك [ص 9] بمثل ما اقر به عيوننا من انواع الفضايل و الحمد لله و المنة له ثم ان قيل ان مقتضي ما ذكرت عدم ذكر اسم الميم ابدا لفنائه في جنب الله لقلت ان لذلك اجوبة منها ان ذكره ذكر جزئي الاتري انه لم‌يذكر تمام الاسم بل ذكر بعضه و ذلك مما يلزم لكونه وقاية لنور الله بمنزلة الدخان للنار و لو فني الدخان بالمرّة لخفي النار بحيث لايبقي لها في الملك دليل و لايوجد لها بعد سبيل فان جميع ظهور النار في الدخان و هي في جميع الملك بالقوة الا في الدخان و كذلك الامر في الخاتم (ص) فانه لو افني و اهلك انيته بالمرة لمابقي بعد حجة لله و لا دليل و لا سبيل فاذا لايعبد الله كما في الخبر قال العبد الصالح (ع) ان الحجة لاتقوم لله علي خلقه الا بامام حتي يعرف و قال عليه السلام بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله ، فلا بد من وجود هذه القابلية ما دام لله في خلقه حاجة و بعد رفعهم تسيخ الارض و يفني اهلها و لذا قال صلي الله عليه و آله في صفة الحجاب الزبرجدة يتلألأ بخفق اي كان يضطرب بين الوجود و الفناء فلاجل ذلك ذكر حرف في المقام ليدل علي الانية الضعيفة هذا و هذا الذكر لاينافي الاحدية فان ما سواه تعالي حين ذكرهم يمتنعون معه فافهم و اعتبر فقد والله اسقيتك ماءاً غدقا و خمرا لذة للشاربين من ينبوع توحيد الله النازل من الفردوس فاغتنم ، و اما شرح اسم الجلالة علي ما ينبغي فيأتي بعد ذلك و في المقام نقتصر علي حديث واحد يشتمل علي معاني جليلة من الاسرار فعن هشام ابن الحكم قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن اسماء الله عز ذكره و اشتقاقها فقلت الله مما هو مشتق قال يا هشام الله مشتق من اله و اله يقتضي مألوهاً و الاسم غير المسمي فمن عبد الاسم دون المعني فقد كفر و لم‌يعبد شيئا و من عبد الاسم و المعني فقد كفر و في نسخة اشرك و عبد اثنين و من عبد المعني دون الاسم فذاك التوحيد افهمت يا هشام قال فقلت زدني فقال ان لله تبارك و تعالي تسعة و تسعين اسما فلو كان الاسم هو المسمي لكان كل اسم منها اِلٰها و لكن الله معني يدل عليه بهذه الاسماء و كلها غيره يا هشام الخبز اسم المأكول و الماء اسم [ص 10] المشروب و الثوب اسم الملبوس و النار اسم المحرق افهمت يا هشام فهماً تدفع به و تناضل اعدائنا و المتخذين مع الله عز و جل غيره قلت نعم قال فقال نفعك الله و ثبتك قال هشام فوالله ماقهرني احد في علم التوحيد حتي قمت مقامي هذا ، قوله روحي فداه اني اسألك اما ان فحرف التحقيق و التثبيت اتي به هنا لتحقيق الحاجة و تثبيته من العبودية و الياء حرف المتكلم يشير به الي النفس فاوضح لنا بذلك انّ السائل نفسه و انيته فانها منزلة العبودية و العبد في جميع ما له و اليه مخلوق لله سبحانه و محتاج في جميع الامور الي خالقه فيستمد منه كونا و شرعاً و يسأله بلسان كونه و شرعه و يمده الله سبحانه في كل الامور الكونية و الشرعية بمشيته الكونية و الشرعية و كما ان جميع الاستمداد من نفس الخلق التي هي جهة انيته كذلك الامداد كله من حيث ربه فانه قد ثبت في الحكمة ان الله سبحانه قد ركب كل خلقه من ربوبية و عبودية و جميع ما يعطيه الله سبحانه كائنا ما كان بالغا ما بلغ من ربوبيته لا غير و كل ما يشاهده من انوار الجمال و اشعة الجلال باي بساطة كانت كلها من نفسه و الي نفسه لا غير فالسائل الذي هو الانية حين المسألة يقبل الي حيث ربه و يسأله لا لنفسه بل لانه جهة الرب و آية الله فيه و عين الله التي اعارها اياه فالله المعطي من نفسه و اذا عرفت ان جميع عمل الشخص علي الحقيقة من جهة ربه فانها الوجود و جميع الفعل و القوة من الوجود تعرف ان السؤال ايضا منه الا انه سايل من جهة النفس فانت انت المسؤل و السايل فافهم ان شاء الله فبالياء اشار عليه السلام الي نفس السائل و هي الماهية المحتاجة المفتاقة الي الرب في جميع الاشياء حتي في كونها ماهية حين كونها ماهية و قد اختير لها الياء لاسرار جمة منها ان الوجود الذي هو جهة الرب و الفؤاد و التوسم متفرد متوحد لا اختلاف فيه و لذا صار معرفته معرفة الله و اختير له حرف الالف الواحد الدال علي الوحدة و الماهية هي الوجود الوصفي كما اثبتنا ذلك في ينابيع‌الحكمة علي خلاف قول الحكماء انها عدمية و الوجود الوصفي وجود في عرصة الاوصاف [ص 11] و هي دون الذات بدرجة فهي وجود نازل في الاسفل كالشمس الظاهرة في المرآة و لذا اختير لها من الحروف الالف ايضا الا انه الف نازل في مرتبة و اذا نزل الالف مرتبة يصير ياءا و لذا قلنا آنفا ان الياء علامة اول ما خلق الله فان اول ما خلق الله ماهية النبي و عبوديته غاية الامر انها فيه بحسبه و في ساير الخلق بحسبهم فراجع و اما السؤال فهو بمعني الطلب و لكنه طلب الداني من العالي في مثل المقام و في الظاهر يراد منه الطلب باللسان بالتكلم او بما يقوم مقامه ككتاب و اشارة و اما الطلب الحقيقي فغير ذلك و هو ان يطلب الشخص من ربه بجميع جوارحه و اعضائه و مشاعره الباطنة و الظاهرة و كل عضو يطلب حاجته بحسبه و اللسان يطلب ما يطلب بالتكلم في بعض الاحيان فليس التكلم جميع السؤال و الطلب و اللازم علي الانسان معرفة حقيقة ذلك قبل المسألة ، فاعلم ان الطلب الحقيقي تعديد القابلية لعطاء المعطي فان الطلب هو الاهتمام في تحصيل الشئ و اخذه و طلب اليه اي رغب و الاهتمام في تحصيل شئ ليس بمحض قول اني اهتم به و ارغب اليه بل القول في الحقيقة تعبير عن الهم و الفعل فان صار مطابقا للواقع فهو حق و الا فهو باطل و هذا سر سار في كل شئ الاتري ان حقيقة الخوف مثلا اضطراب النفس و وحشتها عما تراها منافية لها و آيته الفرار و الهرب ثم اذا اراد الخائف ان يعبر عن خوفه يقول اني اخاف و اخشي و لكن اذا لم‌يستوحش و لم‌يهرب ثم قال اني اخاف لايثبت له الخوف بل يكذبه العاقل و كذلك الامر في جميع المواطن فحقيقة السؤال الاهتمام بالامر و الرغبة اليه لا الدعاء و المسألة باللسان و لذا ادعية الناس ترد مع ان الله وفيّ يفي بعهده و قد قال في كتابه ادعوني استجب لكم و مع ذلك يدعون و لايجيب و هو لايخلف الميعاد و لكن الله قال اوفوا بعهدي اوفِ بعهدكم فشرط الاستجابة التي هي عهد الله الدعاء فاذا لم‌يظهر اثر الاستجابة بوجه من الوجوه يظهر منه ان العبد لم‌يدع بحقيقة الدعاء فحقيقة الدعاء و المسألة ان يجعل الانسان قابليته مطلقا قابلة لنزول طلبته و ذلك [ص 12] لايكون الا بالطاعة لله في اوامره و نواهيه و اصلاح السريرة و العلانية و ترك المعصية و اذا فعل العبد هكذا يعطيه الله و ان لم‌يسأل بلسانه كما قال الله تعالي انما يتقرب الي العبد بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سكت عني ابتدأته و في العدة عن ابي‌حمزة قال ان الله تعالي اوحي الي داود عليه السلام ان تبلغ قومك يا داود انه ليس عبد من عبادي آمره بطاعتي فيطيعني فيما آمره الا اعطيته قبل ان يسألني و استجبت له قبل ان يدعوني و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال ان الله اوحي الي داود ان ابلغ قومك انه ليس من عبد منهم آمره بطاعتي فيطيعني الا كان حقا علي ان اعطيه و اعينه علي طاعتي و ان سألني اعطيته و ان دعاني اجبته و ان اعتصم بي عصمته و ان استكفاني كفيته و ان توكل علي حفظته من وراء عورته فان كاده جميع خلقي كنت دونه انتهي ، فالسائل يجب عليه اولا ان يطيع ربه و يعبده و لايشرك به احدا ثم يسأله عما يبدو له و غير المطيع لايستجاب له عن مرحمة و ان اعطاه يوما ما فمن باب الاستدراج لا من باب الاستحقاق و ذلك قوله تعالي سنستدرجهم من حيث لايعلمون و املي لهم ان كيدي متين و اعلم ان حقيقة الطاعة ليست الا طاعة آل‌محمد عليهم السلام و ولايتهم و الاعتصام بحبلهم كما في روايات كثيرة يضيق بنقلها المجال و قد روينا اغلبها في الكتاب‌المبين و يكفينا عن نقل جميعها قوله تعالي من يطع الرسول فقد اطاع الله و قوله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و قوله عليه السلام بعبادتنا عبد الله و لولانا ماعبد الله ، فمعني السؤال في الحقيقة الطاعة فان اطاع الله السائل فهو سايل و الا فهو كاذب و قد ظهر لك وجه ذلك مما بينا و اجملنا و اما الكاف فهو كاف الخطاب و يخاطب العبد به ربه و حقيقة ذلك لايعرف ايضا الا ببيان :

فاعلم ان المخاطب لكل احد في الواقع هو ما ادركه ممن يعنيه في تخاطبه فان [ص 13] الانسان اذا نظر الي احد يقع شبحه في خياله فتصوره فيه علي حسب ما ادركه ثم يخاطبه بكلامه و خطابه يقع علي الشخص الخارجي بواسطة الشبح الذي اتخذه منه و لولا الشبح لماخاطبه ابدا و الاصل في التخاطب هو الشبح و لذلك ربما يتخيل الانسان من لايراه بعينه فيخاطبه و يتكلم معه و من هذا الباب التخاطب الخيالي و التخاطب في المنام فاذا لم‌يجد الانسان احدا و لم‌يخيله لايخاطبه بل لايرجع اليه ضميرا و ان كان غايبا فعلي ذلك لا معني لمخاطبة الله سبحانه بوجه من الوجوه اذ لم‌يجده العبد و لم‌يعرفه و كيف يخاطب من لم‌يعرف و لم‌يدرك فلا بد من مخاطبته سبحانه فيما يدرك منه تعالي و هو اسماؤه و صفاته فانت تخاطب مثلا الله و الرحمن و الرحيم لا من حيث حروفها و هجائها بل لاجل المعني الذي يدل عليه هذه الالفاظ و هو الوجه الذي يتوجه اليه الاولياء و النور الذي يسلك بضيائه السالكون فافهم ذلك و اعرف من تخاطبه و ان تعمقت النظر في ما سنذكره في هذه الرسالة الشريفة تعرف ان شاء الله حقيقة الحال و تصير عارفا بربك في الدعاء و السؤال فاذا عرفت معني السؤال و اسم الله المتعال في الجملة فنشرع في بيان المعاني اقول ان معني الكلام ما يتضمنه و يفهم و يقصد منه قال في المعيار و معني الكلام و معناته و الاصل معنية قلبت الياء الفا و معنيه و معنيّته و الاصل معنوي و معنوية قلبت الواو ياءا و ادغمت في الياء و كسرت النون للمجانسة و في بعض النسخ و معنيته كمنزلة كل ذلك واحد اي ما يتضمنه و يفهم و يقصد و يظهر منه ج من الجميع المعاني كمقعد و مقاعد و مرحلة و مراحل و مفعول و مفعولة و مفاعل و عن صاحب المصباح قال ابوحاتم و قول العامة لاي معني فعلت و العرب لاتعرف المعني و لاتكاد تتكلم به نعم قال بعض العرب ما معني هذا كمرمي و قال ابوزيد هذا في معناة ذلك و في معناه بلا هاء سواء اي مماثلته و مشابهته دلالة و مضمونا و مفهوما و قال الفارابي معني الشئ كمقعد و معناته بهاء و فحواه و مقتضاه و مضمونه كل ذلك ما يدل عليه اللفظ و في التهذيب المعني كمقعد و التفسير [ص 14] و التأويل واحد و قد استعمل الناس قولهم هذا معني كلامه و شبهه يريدون هذا مضمونه و دلالته و هو مطابق لقول ابي‌زيد و الفارابي و اجمع النحاة و اهل اللغة علي عبارة تداولوها و هو قولهم هذا بمعني هذا و هذا في المعني واحد و في المعني سواء و هذا في معني هذا كمقعد في الجميع اي مماثل له و مشابه انتهي كلامه ، اقول ان المعني في الاصل من عنت الارض النبات من باب رمي اظهرته كاعنته و قال ابوالبقاء المعني هو اما مفعل كما هو الظاهر من عني يعني اذا قصد المقصد و اما مخفف معني بالتشديد اسم مفعول منه اي المقصود و ايا ما كان لايصدق علي الصور الذهنية من حيث هي بل من حيث انها تقصد من اللفظ و المعني مقول بالاشتراك علي معنيين : الاول ما يقابل اللفظ سواءا كان عينا او عرضا و الثاني ما يقابل العين الذي قايم بنفسه و يقال هذا معني اي ليس بعين سواءا كان ما يستفاد من اللفظ او كان لفظا و المراد بالكلام النفسي هو هذا المعني الثاني و هو القايم بالغير و اما ما يتعلق به القصد باللفظ فهو معني اللفظ و لايطلقون المعني علي شئ الا اذا كان مقصودا و اما اذا فهم الشئ علي سبيل التبعية فهو يسمي معني بالعرض لا بالذات و المعني هو المفهوم من ظاهر اللفظ و الذي تصل اليه بغير واسطة و معني المعني هو ان تعقل من اللفظ معني ثم يفضي لك ذلك المعني الي معني آخر و المعني ما يفهم من اللفظ و الفحوي مطلق المفهوم و قيل فحوي الكلام ما فهم منه خارجا عن اصل معناه و قد يخص بما يعلم من الكلام بطريق القطع كتحريم الضرب من قوله تعالي فلاتقل لهما اف او من خلال التراكيب و ان لم‌يكن بالمطابقة و اللفظ اذا وضع بازاء الشئ فذلك الشئ من حيث يدل عليه اللفظ يسمي مدلولا و من حيث يعني باللفظ يسمي معني و من حيث يحصل منه يسمي مفهوما و من حيث كون الموضوع له اسما يسمي مسمي و المسمي اعم من المعني في الاستعمال لتناوله الافراد هذا آخر كلامه مما يتعلق بالمراد ، و اقواله ان كانت محض اصطلاح فلا مشاحة فيها و الا فبعضها باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و اسماء [ص 15] المعاني اي اسماء الظواهر و في عرف النحاة المشتقات و ما في معناها فاذا عرفت الظاهر في المعني نقول ان المعاني في المقام يراد منها المقصود من الاسماء و الصفات التي يدعو الله بها ولاة امره و الظاهر منها و لا شك ان معني الاسماء و الصفات حقيقتها و هي ظاهر الله سبحانه المتجلي اليها المتحلي بها و هو مقام من مقامات آل‌محمد سلام الله عليهم و لا بد لتعريفه من الاشارة الي مقاماتهم صلوات الله عليهم بقدر الميسور :

فاعلم ان لهم مقامات اربعة لا بد من معرفتها و لايكمل احد حقيقة الايمان و المعرفة الا بمعرفتهم فيها كما قال السجاد عليه السلام لجابر بن عبدالله الانصاري حين قال الحمد لله الذي من علي بمعرفتكم و الهمني فضلكم و وفقني لطاعتكم و موالاة مواليكم و معاداة اعدائكم قال (ص) يا جابر اوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا و هو قوله تعالي لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و تلا ايضا و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله ان الله عزيز حكيم ، يا جابر اثبات التوحيد و معرفة المعاني اما اثبات التوحيد معرفة الله القديم الغايب الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب ستدركه كما وصف به نفسه و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده فنحن نفعل باذنه ما نشاء و نحن اذا شئنا شاء الله و اذا اردنا اراد الله و نحن احلنا عز و جل هذا المحل و اصطفانا من بين عباده و جعلنا حجة في بلاده فمن انكر شيئا او رده فقد رد علي الله جل اسمه و كفر بآياته و انبيائه و رسله يا جابر من عرف الله تعالي بهذه الصفة فقد اثبت التوحيد لان هذه الصفة موافقة لما في الكتاب المنزل و ذلك قوله تعالي لاتدركه [ص 16] الابصار و هو يدرك الابصار ليس كمثله شئ و هو السميع العليم و قوله تعالي لايسئل عما يفعل و هم يسئلون الخبر ، و عن ابي‌جعفر عليه السلام انه قال يا جابر عليك بالبيان و المعاني فقلت و ما البيان و المعاني فقال عليه السلام اما البيان فهو ان تعرف ان الله سبحانه ليس كمثله شئ فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و كلمته و علمه و حقه و اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده و نحن المثاني التي اعطانا الله نبينا و نحن وجه الله الذي يتقلب في الارض بين اظهركم فمن عرفنا فامامه اليقين و من جهلنا فامامه سجين و لو شئنا خرقنا الارض و صعدنا السماء و ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم انتهي ، فظهر من هذين الحديثين الشريفين وجوب معرفتهم صلوات الله عليهم في مقاماتهم هذه و من لم‌يعرفهم فيها لم‌يعرف ربه و قد اشار الصادق عليه السلام ايضا الي هذه المقامات بقوله ان امرنا هو الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السر و سر السر و سر المستسر و سر مقنع بالسر و عنه عليه السلام ان امرنا سر مستسر و سر لايفيده الا سر و سرّ علي سرّ و سرّ مقنع بالسرّ انتهي ، و من باب توضيح البيان و شرح المرام بقدر ما يقتضيه المقام اقول ان لهم اربع مقامات : الاول مقام البيان اي بيان الله سبحانه و عينه و ذاته الظاهرة و كينونة الذات و هو اعلي مقاماتهم و اكبر الآيات و اسني العلامات و الذات في الذوات للذات و المثل الاعلي الذي قال و لله المثل الاعلي اي المثل المنزه عن كل اسم و صفة و قال ليس كمثله شئ اي مثل هذا المثل الاعلي و جماعة من القشريين زعموا ان الكاف زايدة و ليس ذلك الا من قلة معرفتهم فان كلام الله منزه عن الزوايد اذ هي فضلة لايحتاج اليها و لايأتي بحرف او كلمة الا لمعني فقوله كمثله اي مثل مثله و مثله الاعلي من كل مثال و قد قال تعالي في القدسي يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون انا حي لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حيا لاتموت ، [ص 17] فافهم و لاتزعم من ذلك ان مثل الله رب قديم غيره نعوذ بالله فان ذلك شرك بالله و ان الشرك لظلم عظيم بل المراد منه الآية و العلامة و اول الانوار و مؤثر الآثار و سر الاسرار فافهم ذلك و اتقنه و لا بد لي من شرح البيان في الجملة فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية قد احاطت باحديتها علي جميع خلقه من البدأ الي الختم و طوت باحديتها كل ما سواها طي الامتناع لا كطي شئ لشئ و احاطة شئ بشئ و قد ضرب الله مثلا لك و اراك آيته حيث قال و في انفسكم افلاتبصرون و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم و قال يا ابن آدم اعرف نفسك تعرف ربك ، فانظر الي نفسك و صفاتها و آثارها الاتري انها قد طوت جميعها طي النفوذ بحيث لاتري في القيام و القعود غير نفسك و انت اذا نظرت علي الفطرة لاتجد في جميع الصفات غير النفس الاتري انك تنظر الي زيد و لاتري غيره مع انه ظاهر في صفة مسلما و اذا سئلت عن وصفه الذي كان ظاهرا عليه ربما لم‌تطلع عليه و تقول لم‌اجد ذلك و لم‌اعرفه بل تقول وجدت زيدا لا غير و ليس ذلك الا من باب كونه اظهر في صفته منها و اولي بها منها كما ان نور السراج لايري معه و هو اولي بنوره منه و اوجد في مكان النور منه و كذلك الله ربنا و فوق ذلك فان جميع ما سواه انواره و قد احاط بكلها و صار اوجد منها في امكنتها و اولي بوجوداتها منها الاتري الي قوله تعالي انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا و قال الله ولي الذين آمنوا و قال الله نور السماوات و الارض فهو اولي بكل خلقه منهم و الله هو الولي لا غير و من هذا الباب ينسب اليه افعال الخلق و اعمالهم و صفاتهم فهو المعطي المانع في الحقيقة و المحيي المميت و لا فاعل سواه و كل شئ سواك قايم بامرك و قد قال الله تعالي الله يتوفي الانفس حين موتها و قال كيف تكفرون بالله و كنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون مع انه قال قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم و قال تتوفاهم الملئكة و قال لنبيه انك لاتهدي من احببت و لكن الله [ص 18] يهدي من يشاء و قال و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و من هذا الباب ربما يفسر قوله و ماكنت بجانب الطور اذ هو كان مع كل نبي و وصي و نفي وجوده هنا ليس الا من باب ان الله اولي به كما قال الله ولي الذين آمنوا و لاتزعم ولاية الله كالولايات الشرعية مثل ان الاب ولي ابنه و المولي ولي عبده بل الولاية الحقيقية لله سبحانه في الدنيا و الآخرة و لايجوز توضيح المسألة اكثر من ذلك و ان ضممت بياناتنا في هذا الشرح بعضها الي بعض لظهر لك المراد ان شاء الله فاذا كان الله هو المحيط الولي فلايبقي له مثل اذ لا احد سواه كما في الخبر و لايدرك اذ لا مدرك و قد قال عليه السلام لايدرك احد شيئا الا بالله فليس كمثله شئ اي لا شئ حتي يكون مثله و هو السميع لا سميع سواه البصير و لا بصير عداه و لايدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار فافهم فاذا عرفت علي وجه الاختصار بيان البيان فلا علي ان اشير الي وجه اختصاصه بالنبي و الائمة صلوات الله عليهم و ذلك من الاسرار ،

فاعلم ان آل‌محمد صلوات الله عليهم في مقام حقيقتهم نور الله الاعظم و وجهه الاكرم كما قال الولي الافخم ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ، فظاهره اي مقام التشخص و التعين في الظهور في عرصة النفوس امامة و وصية للنبي الظاهر في عرصة العقول و اما باطنه فغيب اي غايب يمتنع ادراكه اذ هو الذات الظاهرة و هو ليس كلية الباري و لا الباري سواه بل هو هو اثباتا و عيانا و شهودا و ليس هو هو كلا و لا جمعا و لا احاطة و امثل لك مثالا و لله المثل الاعلي ان الشعلة المرئية قد افنت نفسها في جنب النار بحيث حكتها علي ما يمكن و ينبغي و لاتكاد تجد عليها غير النار فهي هي النار اثباتا اذ لولاها لاتكاد تثبتها و لاتعرفها و عيانا اذ هي معاينتها و شهودها و لكن ليست الشعلة المرئية كل النار اذ ساير الشعلات ايضا نار و الجمرة نار و ليست في احاطة النار اذ الشعلة في مقام الشعلية لم‌تعط ساير الشعلات اسمها و حدها و النار هي التي تعطي ما دونها اسمها [ص 19] و حدها و كذلك الامر في المقام فان الصورة الانزعية التي تري علي المنابر و المحاريب ممسوسة في ذات الله فليست من الله الا كالشعلة من النار فاذا نظرت الي ظاهرها الانزعية لاتري سوي الشعاع و الضوء و هي دليل الغيب و آية اثباته و اذا نظرت الي غيبه لاتري سوي الرب تعالي و ذلك ما قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي انت رب الارض و سكنها و قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الحي الذي لايموت فاذا نظرت الي آل‌محمد سلام الله عليهم مع الغض عن القابلية تري نور الله فيهم علانية و ذلك لاستعداد قابليتهم و عصمتهم الكلية و اما ساير الخلق فلم‌يبلغوا هذه المرتبة و المقام نعم شيعتهم صاروا صاحبي البيان علي الشعاعية و التبعية و اما غير الشيعة فلا بيان لهم شرعا بل لا ولي لهم سوي الشيطان و ذلك قوله تعالي الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الي الظلمات و لذلك قال تعالي في آية اخري فاليوم لايؤخذ منكم فدية و لا من الذين كفروا مأويكم النار هي موليكم و بئس المصير و في آية اخري نفي المولي عنهم بالمرة و اثبته للمؤمنين و قال ذلك بان الله مولي الذين آمنوا و ان الكافرين لا مولي لهم و وجه ذلك ان الشياطين و الطواغيت عدمية الوجود و هم ماهيات معدومة و ان وجد لهم هياكل في الدنيا يجدونهم معدومة الوجود في القيامة اعني ناقصة الوجود غير مستقلة بالذات و لذلك يرون اهل النار انفسهم في الزوال دايما و ذلك قوله تعالي كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب و اما اهل الجنة فهم منعمون بالوجود الدايم و لايتحلل منهم شئ ابدا و التحلل من اهل النار لاينافي خلودهم ايضا اذ التحلل من الماهيات التي هي الجلود و البقاء من وجودهم و لو كان ضعيفا و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده فالله مولي المؤمنين فهم اصحاب البيان و لكن كما ان ذواتهم فروع ذات آل‌محمد عليهم السلام بيانهم ايضا فرع بيانهم نعم حين الالتفات لايلتفت الانسان الي الفرعية و الاصلية فتدبر فان في هذه نكتة [ص 20] غريبة الحاصل فالبيان مخصوص بآل‌محمد و شيعتهم و ساروي لك من الاخبار ما تقر به عينا و اعلم ان هذا البيان في آل‌محمد (ص) مقام حقيقتهم و كينونتهم الثابتة بكينونة الله عز و جل و ذلك قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين ، ثم دون مقام حقيقتهم مقام المعاني و ساشير اليه في الجملة ،

فاعلم ان الله سبحانه بذاته منزه عن جميع الصفات مستعل علي كل الانوار و الآيات لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادتهما بالاقتران الممتنع من الازل الثابت في الحدث فمن وصف الله سبحانه فقد حده و من حده فقد نهاه و من نهاه فقد جزاه و من جزّاه فقد ركّبه و من ركّبه فقد ظنه حادثا و تعالي عن ذلك علوا كبيرا فالذات بنفسها لاتوصف بصفة و لاتسمي باسم و كذلك اول التجليات و ظهور الذات فانه آية التعريف و التعرف و لو كان موصوفا بصفة لدل علي انه تعالي موصوف و كل موصوف محدود مجزي علي ما عرفت فمواقع الصفات دون التجلي الاول و من عرفها بلغ قرار المعرفة و اما ربنا تعالي فكمال توحيده نفي جميع الصفات عنه بالمرة ثم اعلم ان مواقع الصفات هي معانيها المقصودة منها و هي ظواهر الله سبحانه في عرصة الخلق و هي خلق الله سبحانه اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و اذا لم‌تكن حقا فهي خلق لا محالة و لكن لايسبق مواقع صفات الله سبحانه احد من الخلق و ذلك محال ممتنع و العقل السليم يحكم بذلك بل هو من الاوليات التي لايشك فيها فان الخالق قبل المخلوق و الرازق قبل المرزوق و هكذا و اول الخلق آل‌محمد سلام الله عليهم كما في الاخبار الساطعة المنار و اما مقام بيانهم فقد عرفت انه كاين بكينونة الله و غير مكون بالتكوين فمقام مكوّنيتهم بالتكوين و موجوديتهم بالايجاد مقام مبدئيتهم للخلق و هو مقام وصفيتهم لله و معنويتهم له سبحانه اي ظاهره و ظهوره في الصفات او نفس الصفات اي معانيها [ص 21] لا هجاؤها و ذلك في الظاهر كلام سهل و اما في الباطن فكلام عظيم و لايؤمن به الا الممتحنون و ذلك هو الحديث الصعب المستصعب الذي قال عليه السلام ان حديثنا صعب مستصعب اجرد ذكوان لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن ممتحن ، فهم في هذا المقام مرجع جميع الموجودات فان بدأ جميع الاشياء من صفاته تعالي و عود الكل اليها ثم دون هذا المقام مقام بابيتهم لله سبحانه و الباب هو الصراط الممدود بين الله و خلقه و السبيل اليه و السلم فمن حيث اسفله مرتبط بالخلق و من حيث الاعلي مرتبط الي الله سبحانه من حيث ظهوره فيه فكل من اراد الله سبحانه شرعا و كونا يجب عليه ان يبدأ بهم و كل من قصده يجب عليه ان يتوجه اليهم كما ان الشعلة المرئية واسطة بين النار الغيبية و بين ساير الاجسام و لايمكن لاحد ان يقتبس من النار الغيبية الا بواسطة الشعلة و سببها اذ النار بنفسها غايبة عن درك الابصار مستعلية عن جميع الانظار فلاتلمس بالاخماس و لاتلتمس بالحواس و الشعلة وجهها و محل ظهورها و هي من حيث دخانها الغليظ يناسب المخلوقين من العناصر الغليظة و من حيث اشتعاله بالنار الغيبية يحكي عنها و يؤدي عنها و اليها فجميع ما ينزل من النار ينزل من سبيلها و جميع ما يصعد اليها يصعد بسببها و كذلك الامر في آل‌محمد سلام الله عليهم فانهم الذين اشتعلوا بنور الله و قد غاب الله عن جميع خلقه و احتجب بهم عن نواظر غيرهم فلا سبيل اليه سواهم فالواجب علي جميع الخلق ان يقبلوا اليهم في جميع حوايجهم و كل سبيل سواهم مسدود و كل طلب عن غيرهم مردود نعم السبل المتناهية اليهم مشروعة و الابواب الموصلة اليهم مفتوحة و هم شيعتهم و هم في الواقع سبيل السبيل و باب الباب ،

و بالجملة فجميع ما ينزل من الله من الامر و الحكم و الخلق و الرزق و الموت و الحيات بقضها و قضيضها كلها نازلة منهم و جميع ما يصعد الي الله سبحانه من الدعوات و الاعمال و العبادات كلها يصعد من سبيلهم و من هذا الباب ما روي ان [ص 22] الاعمال تعرض عليهم في كل بكرة و عشي فافهم و دون هذا المقام مقام امامتهم و هو مقام التعين و التشخص و القطبية كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا و اصحابي ناشئة القطب و قال في خبر طارق بن شهاب الامام قطب الوجود و شرف الموجود ، و القطب نقطة من نقاط الدايرة الا انه وسط الكل و قلب الجميع و جميع النقاط تدور عليه و تستمد منه و هو لايستمد منها و لايدور عليها الا بالافاضة و هو بمنزلة العرش لساير الاجزاء و جميع ما يصل من الغيب من الفيوض و الامداد كلها ينزل علي القطب اولا ثم منه يصل الي ساير النقاط و هو في الحقيقة باب ظاهر او نقول انه مقام تعين الباب و تشخصه و مثال هذه المقامات الاربعة في الشعلة النار الغيبية و نورها الظاهر في الشعلة و نفس الشعلة و الدخان المشتعل فان النار هي نقطة البيان و النور معناها و نفس الشعلة اي الاشتعال مقام الباب و الدخان المشتعل مقام الامام و هو اي الامام الشاخص و السايس و العماد و السنام و الكلمة التامة و المولود الجامع و امثال ذلك من الصفات و الاسماء ثم ان هذه المقامات الاربعة تثبت لشيعتهم علي الفرعية فان عكس الشعلة الظاهر في المرآة ايضا له حكاية عن النار الغيبية و قد سطع نورها عليها البتة غاية الامر ان نار الشعلة خرجت من نفسها و نار العكس من الشعلة و كذلك النور و مثال المرآت في الاشتعال و الحكاية كالدخان بلا فرق غير ان الدخان بنفسه قد لطف حتي صار مشتعلا و المرآة بنفسها لم‌تشتعل الا انها قد اشتعلت باشتعال الدخان و بعد الاشتعال حكت النور مثل الدخان و سيأتي تمام البيان ان شاء الله فاذا عرفت مجمل القول في تفصيل المقامات احب ان ازين رسالتي ببعض الاخبار في اثبات المقامات و شرحها فيهم و في شيعتهم ، قال الصادق عليه السلام في حديث لمفضل فالصورة الانزعية هي الضياء و الظل و هي التي لاتتغير في قديم الدهور و لا فيما يحدث من الازمان فظاهره صورة الانزعية و باطنه المعنوية و تلك الصورة هيولي الهيوليات و فاعلة المفعولات [ص 23] و اس الحركات و علة كل علة لا بعدها سر و لايعلم ما هي الا هو و يجب ان يعلم يا مفضل ان الصورة الانزعية التي قالت ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ليست كلية الباري و لا الباري سواها و هي هو اثباتا و ايجابا و عيانا و يقينا لا هي هو كلا و لا جمعا و لا احصاءا و لا احاطة قال المفضل قلت يا مولاي زدني شرحا فقد علمت من فضلك و نعمك ما اقصر عن صفته قال يا مفضل سل عما احببت قلت يا مولاي تلك الصورة التي علي المنابر تدعو من ذاتها الي ذاتها بالمعنوية و تصرح باللاهوتية قلت لي انها ليست كلية الباري و لا الباري غيرها فكيف يعلم بحقيقة هذا القول قال يا مفضل تلك بيوت النور و قمص الظهور و السن العبارة و معدن الاشارة حجبك بها عنه و دلك منها اليه لا هي هو و لا هو غيرها محتجب بالنور ظاهر بالتجلي كل يراه بحسب معرفته و ينال علي مقدار طاعته ( طاقته خ‌ل ) فمنهم من يراه قريبا و منهم من يراه بعيدا الحديث ، و هو طويل شريف و حسبك هذه الكلمات اليسيرات منه و ظهر لك بعض معانيها مما مضي آنفا ان تدبرت فيها ان شاء الله و في حديث طويل عن سلمان عن علي عليه السلام اني لاعرف بطرق السماوات من طرق الارض نحن الاسم المخزون المكنون نحن الاسماء الحسني التي اذا سئل الله عز و جل بها اجاب نحن الاسماء المكتوبة علي العرش و لاجلنا خلق الله عز و جل السماء و الارض و العرش و الكرسي و الجنة و النار و منا تعلمت الملئكة التسبيح و التقديس و التوحيد و التهليل و التكبير و نحن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه و في تفسير قوله تعالي و لله الاسماء الحسني فادعوه بها عنه عليه السلام قال اذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا علي الله و هو قول الله و لله الاسماء الحسني فادعوه بها قال نحن والله الاسماء الحسني الذي لايقبل الله عملا الا بمعرفتنا و عن المفضل قال للصادق عليه السلام يا ابن رسول الله ان هذا الكلام تحار فيه العقول فعرفني ما معني قول [ص 24] اميرالمؤمنين عليه السلام الذي كنا بكينونته قبل خلق الخلق قال الصادق عليه السلام بكينونته في القدم و هو المكون و نحن المكان و هو المشيء و نحن الشئ و هو الخالق و نحن المخلوقون و هو الرب و نحن المربوبون و هو المعني و نحن اسماؤه و هو المحتجب و نحن حجبه كائنين غير مكونين نسبحه و نقدسه في ستة اكوان الحديث ، و عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال يا طارق الامام كلمة الله و حجة الله و وجه الله و نور الله و حجاب الله و يختاره الله و يجعل فيه ما يشاء و يوجب له بذلك الطاعة و الولاية علي جميع خلقه فهو وليه في سماواته و ارضه اخذ له بذلك العهد علي جميع عباده فمن تقدم عليه كفر بالله فوق عرشه فهو يفعل ما يشاء و اذا شاء الله شاء و يكتب علي عضده و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا فهو الصدق و العدل و ينصب له عمود من نور من الارض الي السماء يري فيه اعمال العباد و يلبس الهيبة و يعلم ما في الضمير و يطلع علي الغيب و يري ما بين المشرق و المغرب فلايخفي عليه شئ من عالم الملك و يعطي منطق الطير عند ولايته فهذا الذي يختاره الله لوحيه و يرتضيه لغيبه و يؤيده بكلمته و يلقنه حكمته و يجعل قلبه مكان مشيته و ينادي له بالسلطنة و يذعن له بالامرة و يحكم له بالطاعة و ذلك لان الامامة ميراث الانبياء و منزلة الاصفياء و خلافة الله و خلافة رسل الله (ظ) فهي عصمة و ولاية و سلطنة و هداية لانها تمام الدين و رجح الموازين الامام دليل القاصدين و منار للمهتدين و سبيل للسالكين و شمس مشرقة في قلوب العارفين الي ان قال فهم رأس دايرة الايمان و قطب الوجود و سماء الجود و شرف الموجود و ضوء شمس الشرف و نور قمره و اصل العز و المجد و بدؤه و معناه و مبناه فالامام هو السراج الوهاج و السبيل و المنهاج و الماء الثجاج و البحر العجاج و البدر المشرق و الغدير المغدق و المنهج الواضح المسالك و الدليل اذا عمت المهالك و السحاب الهاطل و الغيث الهامل و البدر الكامل و الدليل الفاصل و السماء الظليلة و النعمة [ص 25] الجليلة الي ان قال ظاهره امر لايملك و باطنه غيب لايدرك واحد دهره و خليفة الله في نهيه و امره لايوجد له مثيل و لايقوم له بديل فمن‌ذا ينال معرفتنا او يعرف درجتنا او يشهد كرامتنا او يدرك منزلتنا حارت الالباب و العقول و تاهت الافهام فيما اقول تصاغرت العظماء و تقاصرت العلماء و كلت الشعراء و خرست البلغاء و لكنت الخطباء و عجزت الفصحاء و تواضعت الارض و السماء عن وصف شأن الاولياء و هل يعرف او يوصف او يعلم او يفهم او يدرك او يملك من هو شعاع جلال الكبرياء و شرف الارض و السماء جل مقام آل‌محمد عن وصف الواصفين و نعت الناعتين و ان يقاس بهم احد من العالمين كيف و هم الكلمة العلياء و التزكية البيضاء و الوحدانية الكبري الي ان قال و الامام يا طارق بشر ملكي و جسد سماوي و امر الهي و روح قدسي و مقام علي و نور جلي و سر خفي فهو ملكي الذات الهي الصفات زايد الحسنات عالم بالمغيبات خصا من رب العالمين و نصا من الصادق الامين و هذا كله لآل‌محمد لايشاركهم فيه مشارك لانهم معدن التنزيل و معني التأويل و خاصة الرب الجليل و مهبط الامين جبرئيل صفوة الله و سره و كلمته شجرة النبوة و معدن الصفوة عين المقالة و منتهي الدلالة و محكم الرسالة و نور الجلالة جنب الله و وديعته و موضع كلمة الله و مفتاح حكمته و مصابيح رحمة الله و ينابيع نعمته السبيل الي الله و السلسبيل و القسطاس المستقيم الي آخر الحديث ، و هو طويل شريف في فضايلهم صلوات الله عليهم و يظهر مما روينا منه سياقه و روينا تمامه في كتاب‌المبين و ان شئت فراجع و الاخبار الدالة علي ثبوت هذه المقامات بالفرعية للشيعة كثيرة اقتصر ببعض الاخبار الكلية ففي القدسي لم‌تسعني سمائي و لا ارضي و لا عرشي و لا كرسي و انما وسعني قلب عبدي المؤمن و عن الباقر عليه السلام من استفاد اخا في الله علي ايمان بالله و وفاءا باخائه طلبا لمرضات الله فقد استفاد شعاعا من نور الله و امانا من عذاب الله و حجة يفلح بها يوم القيامة و عزا باقيا و ذكرا تاما لان [ص 26] المؤمن من الله عز و جل لا موصول و لا مفصول قيل له ما معني لا مفصول و لا موصول قال لا موصول به انه هو و لا مفصول منه انه من غيره انتهي ، فاذا كان المؤمن من الله فهو نوره و شعاعه و النور يثبت له المقامات بالبداهة هذا و في اخبار كثيرة ان المؤمن خلق من نور الله و من نور آل‌محمد (ص) بل ورد انه جزؤهم و منهم و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول اذا قال المؤمن لاخيه اف خرج من ولايته و اذا قال انت عدوي كفر احدهما لانه لايقبل الله عز و جل من احد عملا في تثريب علي مؤمن نصيحة و لايقبل من مؤمن عملا و هو يضمر في قلبه علي المؤمن سوءا و لو كشف الغطاء عن الناس فنظروا الي وصل ما بين الله عز و جل و ما بين المؤمن خضعت للمؤمنين رقابهم و تسهلت لهم امورهم و لانت لهم طاعتهم و لو نظروا الي مردود الاعمال من الله عز و جل لقالوا مايتقبل الله عز و جل من احد عملا و قال ابوعبدالله عليه السلام المؤمن اخو المؤمن كالجسد الواحد اذا اشتكي شيئا منه وجد الم ذلك في ساير جسده و ارواحهما من روح واحدة و ان روح المؤمن لاشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها و قال ابوجعفر عليه السلام لمالك الجهني يا مالك انتم شيعتنا لاتري انك تفرط في امرنا انه لايقدر علي صفة الله فكما لايقدر علي صفة الله كذلك لايقدر علي صفتنا و كما لايقدر علي صفتنا كذلك لايقدر علي صفة المؤمن ان المؤمن ليلقي المؤمن فيصافحه فلايزال ينظر اليهما و الذنوب تتحات عن وجوههما كما يتحات الورق عن الشجر حتي يفترقا فكيف يقدر علي صفة من هو كذلك ، ثم الاخبار الواردة في بابية الشيعة لله و لآل‌محمد صلوات الله عليهم متعددة اقتصر بقوله عليه السلام سلمان باب الله في الارض فمن عرفه كان مؤمنا و من جحده كان كافرا و قوله سبيل الله شيعتنا و قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و فسره الامام سلام الله عليه بهم و بشيعتهم ، و بالجملة فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان مراده عليه السلام من [ص 27] قوله بمعاني جميع ما يدعوك معاني اسمائه و صفاته تعالي مطلقا فتعم المعاني العليا و السفلي و الداعي يقسم ربه بهم لقضاء حوايجه لحقهم علي الله تعالي فان لله عليهم حقا و لهم عليه حقا اما حق الله عليهم فانه خلقهم لنفسه و اصطنعهم لقربه و اصطفاهم لسره و ارتضاهم لامره فجعلهم اصل كل خير و مخزن كل فضل و امثال ذلك من الحقوق التي لاتعد و لاتحصي و حقه تعالي عليهم اكثر من حقه علي جميع خلقه لانه انعم عليهم بنعم لاينعم بها علي احد من خلقه و اما حقهم علي الله فدعوتهم جميع اهل العوالم الي الله بالطاعة و المعرفة و نشرهم اسمه و وصفه في خلقه فان بهم عرف الله و لولاهم ماعرف و اظهارهم جميع انواره و طاعتهم له في جميع اوامره و انقيادهم له و عدم تخلفهم عن رضاه و تحملهم جميع المحن و المصايب في سبيله و صبرهم علي بلائه و امثال ذلك و حق الله اسبق علي حقهم و هو الاصل و حقهم الفرع و ان كان في الظهور حقهم اسبق اذ لم‌ينعم الله عليهم بنعمة الا باستحقاقهم كما قال قل مايعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم و لكن حقه اسبق في الوجود فان الاجابة في الحقيقة سبب الدعاء وجودا و لذا ورد ما معناه انك اذا الهمت الدعاء فاعلم ان الله يريد العطاء فنسأله ان يوفقنا علي الدعاء بنية خالصة و الفاظ صالحة ليجيب دعائنا و بالجملة و حق آل‌محمد عليهم السلام علي الله اكثر من حق جميع الانبياء و المرسلين اذ لم‌يطيعوه في مثلهم و لذا ورد فيما اظن ظنا متاخما بالعلم ان ادعوا الله بحق آل‌محمد عليهم السلام اذ لا حق لاحد غيرهم علي الله و لو كان لشيعتهم حق فمن باب انهم اوراق شجرة آل‌محمد سلام الله عليهم كما في اخبار فاذا ثبت لهم حق علي الله بالاصالة يثبت للشيعة ايضا بالفرعية فان جميع ما يثبت للاصل بالاصلية يثبت لفرعه بالفرعية و لذا قلنا ان المعاني تشمل المعاني السفلي ايضا ثم ان وجه اختيار المعاني خاصة دون البيان و ساير المراتب خفي و قل من يطلع علي ذلك فاعلم ان اصل القسم الاستعطافي في الحقيقة الاستشفاع و [ص 28] التمسك بمن له جاه و منزلة ليتأكد بقوته كلامه او يتقرب بقوته و يستنير بنوره ليستحق بسببه اجابة المدعو لدعائه و المدعو هو الله سبحانه و ليس احد اقرب اليه من نفسه فالتمسك بنفسه للتقرب اليه اولي و لايذكر نفسه تعالي الا باسمه فانك اذا اردت ان تحلف زيدا بنفسه لقضاء حاجتك تحلفه باسمه و صفته لا بعين ذاته فانها لاتذكر باللسان و كذلك في المقام فان المراد ان تقسمه تعالي بنفسه القايمة فيه بالسنن و هي بيانه و لايمكن ذلك الا بان يذكر بالمعاني فافهم و علي احد الوجهين المذكورين في المعاني سابقا و هو ان يكون المعاني نفس الاسماء فالمراد من المعاني هنا البيان اذ يقول (ع) بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك و هم يدعونه باسمائه و المعني بها هو الله و ان كان يجوز ان يقال انه معني المعاني و البيان بذاته لايسمي فافهم و لكلامهم وجوه لاتعد و لاتحصي الحاصل فالمراد من المعاني معاني الاسماء و يقسم الداعي ربه بها لانها اقرب الخلق من الله و هو احري بان يستشفع به و اما وجه عدم اختيار اسم البابية و الامام فلفنائهما في جنب المعاني فان النار اذا ظهرت علي الدخان لايري الدخان بعد و انك اذا سئلت عن اسمها تقول نار و لاتقول دخان هذا و هم ائمة للناس في المعاملات البشرية في الامور الشرعية و اما بالنسبة الي الله فهم اسماؤه و صفاته ،