و اما البيت فهو وعاء و جامع و مكن للشئ فلما كان رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) هو وعاء العلم و النور و السرور و السودد و الشرف و الكمال و الجمال و الجلال و الرحمة و العزة و الكرامة و هو الذي قال تعالي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن و لما كان ذات الله سبحانه و تعالي لايسعها شئ و لايحويها شئ و لايدانيها شئ فلايصح اعتبارها في هذا الحديث الشريف فاذا تعذرت الحقيقة فاقرب المجازات متعين فحينئذ يجب ان يكون قلبه الشريف قد وسع جميع مقامات الربوبية من الاسماء و الصفات و الاسماء الحسني العظام و الامثال العليا الكرام و الاسم الاعظم الاعظم الاعظم و الذكر الاجل الاعلي الاعلي الاعلي و الكلمات التامات و الاسماء الفاعلات و ساير الشؤنات و الاطوار و النسب و الاضافات و الذات الظاهرة بانحاء الظهورات و مقامات الاختراع و الابتداع و الافعال و ساير الظهورات و الشؤنات كلها قد وسعها ذلك القلب الشريف لذلك العنصر اللطيف و كان بذلك بيت الله و مسجد الله و كعبة الله و كتاب الله و جمع الله و حيث كان [ص 778] النبي و الولي لهما ثلث مقامات مقام جمع الجمع و مقام الجمع و مقام الفرق كانت المراتب المذكورة في المقام الاول و الثاني غير متميزة و اما في مقام الفرق فحيث ان النبي سماء و الولي ارض و النبي عرش و الولي كرسي و النبي شمس و الولي قمر و النبي واحد و الولي متعدد و النبي قلم و الولي لوح و النبي باطن و الولي ظاهر و النبي غيب و الولي شهادة و النبي نقطة و الولي الف و النبي سحاب مزجي و الولي سحاب متراكم و النبي سحاب و الولي ماء و النبي ماء و الولي تراب و النبي بذر و الولي شجرة و النبي شجرة و الولي ثمرة و النبي قطب و الولي محور و النبي اصل و الولي فرع و النبي علم و الولي قلب و النبي سر و لب و الولي بيت فالبيت عند التفصيل يختص بالولي و في مقام الجمع يشملها فصارت مهابط الولاية و محالها التي هي مواقع النجوم كل واحد بيت للاجمالات التي ترد من سماء النبوة و تأوي الي هذه البيوت و تتفصل و تتميز و تتشخص و الي هذه البيوت اشار سبحانه بقوله تعالي في بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال علي قراءة المبني للمجهول و الوقف علي الآصال رجال يعني تلك البيوت رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الابصار فاذا كانت البيوت هم الرجال الذين صفتهم انهم لايلتهون عن ذكر الله بالشواغل الدنيوية بل العوارض الغيرية فاذا لمتشغلهم ذلك فقد توجهت بكينوناتهم و سرائرهم الي المبدأ الاول الحق فهم البيوت المرتفعة لا الي غاية ثم عين الله [ص 779] سبحانه اول تلك البيوت و قال تعالي ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين و لقد شرعت في تفسير هذه الآية الشريفة منذ ثمان سنوات في كل شهر رمضان نبين تفسيرها مقدار ساعتين او اكثر او اقل و في بعض السنين يتفق كل خميس و جمعة نفسرها الي الآن تمام ثمان سنين تقريبا و مافرغنا بعد من تفسير البطن الاول و التأويل الاول من هذه الآية الشريفة مع انا في هذه المدة لمنخرج عن المقام و حصرنا الكلام فيما يتمكن بهذه الآية الشريفة دون زوايد الكلام و الامور التي لا دخل لها في المقام و هكذا ان مدني الله في العمر نحصر امرنا في تفسير هذه الآية و بيان غرائب ما فيها و عجائب ما هي متضمنة لها و ما عسي ان اقول الآن مع ضيق المجال و تبلبل البال و ما في نفسي من الامور التي تمنعني علي التهجم في المقال نسئل الله التوفيق في المبدأ و المآل و بالجملة فاهل البيت بيت العلم الذي انزله الله سبحانه علي رسوله و لميرسل نبيه (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) حتي يكمل علومه و يعلمه ما كان و ما يكون و ما هو كائن الي يوم القيمة و بعده الي ما شاء الله من الاطوار و الادوار و الاكوار و الاوطار و هم بيت الرحمة و قد بينا سابقا من قوله تعالي و ماارسلناك الا رحمة للعالمين ان رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) رحمة واسعة و رحمة مكتوبة و ذكرنا تفسير قوله تعالي سابقا انظر الي آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها فهم بيت تلك الرحمة واسعة كانت ام مكتوبة منهم تفصلت و بهم تشعبت و بهم [ص 780] تميزت و وصلت الي كل شئ استحقاقه منها كالبلورة الحاملة لاشراق نور الشمس و الجامعة لذلك النور و المترجمة له حتي أظهرت الحرارة الموجبة للاحراق فالبلورة بيت الشمس لاظهار احراقها كلما يقابلها و كذلك هم بيت الرحمة تشعبت الرحمة و فصل الي متعلقاتها بهم و هم بيت الهداية التي هي الايصال الي المطلوب اي الي ما تيسر له في الخلق الاول علي حد قول النبي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) كل ميسر لما خلق له و كل عامل بعمله و لما كان الولي هو ذلك الميسر بكسر السين كان يوصل كل احد الي ما خلق له مما تقتضيه كينونته و تستدعيه حقيقته ان خيرا فخير و ان شرا فشر .
و اما المصطفي فهو الذي اصطفاه الله في القدم علي سائر الامم اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار فاول ما اصطفاه في الحجاب الواحدية و التعين الاول و النور الازل حيث لا غيره و لا مخلوق سواه و كان طايفا تحت ذلك الحجاب علي حجاب القدرة ثمانينالف سنة و كان هو المصطفي و المنتجب اذ لا غيره لانه الفرد الاول محل العناية و موضع الكرامة اول المدد و عاد العدد بلا امد ثم اصطفيه تحت الحجاب الرحمانية و الطوف عند جلال العظمة تحت القدرة و هناك اثنان احدهما الطائف حول جلال القدرة و الثاني الطائف علي جلال العظمة فهنا مبدأ ظهور الولاية فاصطفي النبي علي الولي ثم اصطفاه في الحروف العاليات التي هي الكلمات الطيبات و الحروف نفس الكلمة و الكلمة نفس الحروف و هنا حجاب الرحيم و مقام [ص 781] العلي العظيم و هذه الحروف هي السبع المثاني و عالم المعاني و البشر الثاني و النور الشعشعاني ثم اصطفاه في آخر المبادي عند ما ينادي المنادي عند ظهور حرف ليلة القدر و هنا حجاب الملك ثم قام تربيع الفرد الاول ثم اصطفاه في الظلال منتهي الآمال اول ظهور الجلال و الجمال عبرنا عنها بالظلال لانها صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ثم اصطفاه في القلم الاعلي و النور الاسني قصبة الياقوت و حجاب اللاهوت و سر الله في الملك و الملكوت ثم اصطفاه في مقام حملة الاسماء و الصفات و مطارح تجليات الذات بحجب الصفات ثم اصطفاه في البحر الابيض بحر الصاد و بحر المزن و النون و موضع ظهور البطون الواو الغايبة بين الكاف و النون و هنا مقام ظهور العين في التعين الثاني و هي العين التي بين الكاف و النون ثم اصطفاه في اللوح المحفوظ و الكتاب المسطور في رق منشور و البيت المعمور المحيط به السقف المرفوع و هكذا اصطفاه الله سبحانه في كل عالم من العوالم الالفالف و اجتباه فيها و خصه بنفسه الشريفة و جعل طاعته طاعته و محبته محبته و امره امره و حكمه حكمه و رضاه رضاه و سخطه سخطه فاصطفيه لنفسه و خلق الخلق لاجله قال تعالي و اصطنعتك لنفسي اذهب انت و اخوك بآياتي و لاتنيا في ذكري اذهبا الي فرعون انه طغي و ما اصطفاه الله علي كل احد الا بعد ان علم انه اشرف كل احد و اشرف كل شئ فهو علم الله الذي قال تعالي ليعلم الله من ينصره و [ص 782] رسله بالغيب و ليعلم الله الذين صدقوا و يعلم الكاذبين و امثالها و التجرد ( التجدد . نسخة ع ٤٠ ب ) في ذات الله محال فيكون في اول التعين ( التعلق خ ) و هو قدرة الله المتعلقة التي استطال بها علي كل شئ فلان التعلق اقتران و الاقتران في ذات الله محال فيكون في التعين الاول و هو امر الله الواحد قال تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و قال تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و هو جود الله الذي به جاد علي كل موجود و منه استنطق اسم الجواد و الوهاب و هو الكمال و هو الجمال و هو العزة اي عزة الله الظاهرة في المخلوقات روي في الحديث عن طريق اهل البيت ان يهوديا اتي رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) و قال يا محمد قد بلغ من امرك انك تقول اني رسول الله و افضل من موسي و عيسي فقال (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) اما قولك اني رسول الله فنعم قد قلت ذلك و اما قولك قلت اني افضل من موسي و عيسي يا يهودي ماينبغي ان اصغر ما عظمه الله من قدري ان الله اوحي الي يا محمد فضلك علي الانبياء كفضلي و انا رب العزة علي كل الخلق فبالجملة فالمصطفي هو كمال الله الظاهر و جماله الباهر و نوره الزاهر و رحمته الواسعة و قدرته الجامعة و علمه النافذ الانفذ و هكذا ساير الكمالات مما لايحويها فكري و لايجري بها قلمي و لايفوه بها فمي فعلي هذا فاهل البيت هم اهل بيت العلم و اهل بيت المعرفة و اهل بيت المجد و اهل بيت القدرة و اهل بيت الجود و اهل بيت العزة و اهل بيت الكرم و اهل بيت الكمال و اهل بيت الجمال و اهل بيت الجلال و اهل بيت النور و اهل بيت الاسماء و الصفات [ص 783] و اهل بيت الذات الظاهرة و اهل بيت الافعال القاهرة و اهل بيت الملك المستعلي علي كل شئ و اهل بيت الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و اهل بيت النور المشرق من صبح الازل و اهل بيت السلطنة و اهل بيت الرياسة و اهل بيت الفخر و اهل بيت المنعة و اهل بيت الرحمة و اهل بيت الحيوة و اهل بيت النبوة و اهل بيت الرسالة و اهل بيت الوحي و اهل بيت العصمة و اهل بيت الطهارة و اهل بيت الفخار و هكذا فكل كمال هو رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) المصطفي و المجتبي و المرتضي و هم اهله و اذا كانوا اهله فجمعوا كل خير فهم بيت كل خير و نور فان شئت جعلت المصطفي بيت الاصطفاء و جعلتهم اهله كما سماه الله الذكر في قوله تعالي و انزلنا اليكم ذكرا رسولا ثم قال تعالي فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون بالبينات و الزبر و هم اهل الذكر المسؤلون او ان رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) هو الكمال و هم بيت الكمال و بيت الجمال و ذلك الكمال استقر عندهم و ذلك ( ذلك الجمال . نسخة ع ٤٠ ب ) استكن لديهم و هم بيته و مأويه و محلا لسره و نجويه و موضعا لرسالته و علاه و مظهرا لسودده و بهائه و بالجملة هم اهل بيت المصطفي بكل المعاني كيف ما شئت فقل ،
حدث فلا حرج عليك فانما تروي ( لنا . نسخة ع ٤٠ ب ) متسلسل الاسناد
و قد قال البوصيري في مدح النبي صلي الله عليه و آله و سلم :
دع ما ادعته النصاري في نبيهم و احكم بما شئت مدحا فيه و احتكم
و كفي بهم فخرا و شرفا من ان انتسبوا الي تلك الحقيقة المقدسة المشرفة المكرمة و الولد من سنخ الوالد و نفس الشئ من سنخه و ذاته فما عسي [ص 784] ان يقول قائل او يتكلم متكلم و هو كما قال مولانا و سيدنا ابوعبدالله الصادق في حديث مشهور نزلونا عن الربوبية و قولوا فينا ما شئتم و لنتبلغوا و قال فيما قدمنا و ما عسي ان يبلغ اليكم من فضلنا والله ماوصل اليكم من فضلنا الا الف غير معطوفة و كل ذلك بنسبتهم الي المصطفي محمد رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) لا غير و الي هذا المعني اشار الناظم في مخمسه لقصيدة الشيخ صالح التميمي في مدح اميرالمؤمنين روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء قال :
رتب نلتها بنسبة طه قصرت كل رتبة عن مداها
ان نظرنا الانام من مبتداها ماتري ( مانري . نسخة ع ٤٠ ب ) ما استطال الا تناها
و معاليك ما لهن انتهاء
و هو كما ذكر فالمفاخر باسرها و الشرافات برمتها انما ناولوها بهذه النسبة و كفي بها فخرا و شرفا و الي هذا المعني يشير تأويل قوله تعالي و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم و الذين آمنوا هو رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) و جمع لكونه مفردا و مفرد لكونه جمعا و لذا قال (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) اولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا و قال (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) اما النبيون فانا الحديث ، فرسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) و الذين آمنوا و ذريته الذين اتبعهم بايمان صادق و تصديق موافق بظاهرهم و باطنهم و سرهم و علانيتهم و شاهدهم و غائبهم و اولهم و آخرهم فلما آمنوا كايمانه و صدقوا كتصديقه قبلهم الله [ص 785] سبحانه و الحقهم به في منزلته و مرتبته و في جميع ما ينسب اليه تفضلا من الله و كرامة لذلك السيد الطاهر و تصديقا لايمانهم و تحقيقا لشأنهم و تشييدا لسلطانهم و قد فعل و له الحمد و الشكر و ان لميعملوا كعمله و هيهات و اني لهم و عمل رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) فلايعادل جميع اعمالهم ثواب تسبيحة واحدة من رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) و ينبهك علي هذه الدقيقة و ينبئك علي هذه النكتة العميقة الانيقة اشارة و تلويحا قول رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) ضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين فقال ابوعبدالله الصادق روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء و انا من الثقلين فانظر ما تري فعلي هذا يصح ان يقال ان رمية رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) كفا من الحصي علي وجوه الاعداء تعدل عبادة الثقلين و اميرالمؤمنين من الثقلين و ينبئك علي ما ذكرنا نسبة الله بتلك الرمية الي نفسه الشريفة بقوله تعالي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي فتلك رمي الله و اي نسبة بين فعل الله ( سبحانه خ ) و بين فعل الخلق و جميع الافعال من نوع واحد و نسبتها الي فعل غيره كنسبة فعل الله سبحانه الي فعل غيره و لا نسبة فلايبلغ احد من الائمة و الذرية عمل رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) و لكنه تعالي الحقهم به تفضلا و آتاهم ما لميؤت احدا من العالمين اكراما لجدهم و ذلك ظاهر ان شاء الله و قد صرح اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته عند ذكر الآل الي ان قال عليه السلام علاهم بتعليته و سما لهم ( بهم . نسخة ع ٤٠ ب ) الي مرتبته فبالجملة لما ان [ص 786] الناظم ذكر لهم المدح الباذخ و الفخر الشامخ بندائهم بيا آل المصطفي فاسترحمهم و استعطفهم فقال : و تكرموا و تفضلوا و تقبلوا ، يعني تنزهوا و تكرموا عن ابعادنا و تطريدنا كما هو شأنكم التكرم و لاتنظروا الينا بسوء اعمالنا و لاتعاملونا بافعالنا فان افعالنا قبيحة و اعمالنا سيئة و آثارنا غير مليحة و لكن شأنكم الصفح و العفو و التكرم و عدم المقابلة بالاعمال السيئة اذا كان القلب مطابقا موافقا و محتاجا ( محبا خ ) صادقا و الاعمال ربما تغلب النفس الامارة و نقترف مساوي الافعال و نرتكب قبايح الاعمال لكنا مصدقين بفضلكم و مسلمين لكم و مسمين بكم فتكرموا يا سادتي و تنزهوا عن طردنا و ابعادنا و تفضلوا بغير استحقاق فانا باعمالنا القبيحة لانستأهل منكم نظرا و لا عناية لانكم الطيبون الطاهرون و نحن يا سادتي مغشوشون مكدرون بكدورة الخطايا و الذنوب متوسخون باوساخ المعاصي و العيوب و لكن القلوب مصدقة و الصدور مؤمنة فتفضلوا فانا اهل و موضع فضل لان الله سبحانه يؤت كل ذي فضل فضله و الفضل لا بد له من محل لايق و هو المرتضي دينه و نحن ذلك الذي اخترناكم ائمة و سادة و قادة فتفضلوا بنا و اشرقوا علينا من فاضل انواركم لتغسلوا عنا تلك الاوساخ و الدرن و تصرفوا عنا صروف الدهر و الزمن و نطلب فضلكم و نرجو احسانكم و تقبلوا منا ما اتينا به اليكم من تلك الهدية الشريفة مع صفاء الاعتقاد و خلوص الوداد فانه غير عزيز منكم عن مثلنا كما قال الشاعر :
لانبرح ( لاابرح خ ) الباب حتي تصلحوا عوجي او تقبلوني علي عيبي و نقصاني
و قبولكم هو المأمول و التفاتكم هو المرجو المسؤل و قد سمع بعض العلماء [ص 787] العارفين عن بعض اهل البيت عليه ( عليهم خ ) السلام دعاء يدعو به في جوف الليل اللهم ان شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا علي محبتنا و ولنا يوم القيمة حسابهم و لاتفضحهم بسيئاتهم ثقل موازينهم بفاضل حسناتنا الدعاء ، فهم معدن الجود و الكرم و عين الاحسان في الامم لايخيبون من جاءهم و لايجبهون بالرد من اتيهم جعلنا الله من محبيهم و مواليهم و المرحومين بشفاعتهم و المحشورين في زمرتهم و تحت لوائهم انك علي كل شئ قدير .
وصل - لما بلغ الناظم بلغه الله امنيته و اوصله بغية المراد من ذكر القصيدة الشريفة و نال المقصود بذكر هذه الخريدة المنيفة ختم الكلام بالصلوة عليهم فانه مفتاح كل خير و قد روي عن النبي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) انه قال من صلي علي مرة صلي الله عليه عشرا و في رواية من صلي علي محمد و آله مرة صلي الله عليه في الف صف من الملئكة كل صف ما بين المشرق و المغرب فاراد سلمه الله ان يختم الكلام في قصيدته الغراء و فريدته النوراء الذي جمع فيه بدايع المعاني و ضمن فيها جوامع المعاني و المباني بالصلوة علي محمد و آله ليكون ختامه مسكا فقال ختم الله له بالحسني و مهد له اسباب الخير في الدنيا و العقبي :
صلي الاله عليكم ما رنحت ريح الصبا غصنا و غرد بلبل
اقول : الصلوة قالوا انها اذا استعملت في الله تكون بمعني الرحمة و اذا استعملت في الملئكة تكون بمعني الاستغفار و اذا استعملت في المؤمنين تكون بمعني الدعاء اي دعاء مخصوص فالصلوة عندهم لفظ مشترك بين ثلثة [ص 788] معان اشتراكا لفظيا و قوله تعالي ان الله و ملئكته يصلون علي النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما و عدوا هذه الآية من المواضع التي استعمل اللفظ المشترك في اكثر من معناه استعمالا واحدا هذا قولهم و اقول الصلوة اما مشتقة من الصلة او من الوصل او من الصلوان فان كانت مشتقة من الصلة فمعناه اعطاكم الله و حباكم و منحكم و اكرمكم من عطائه و حبائه و فضله و كرمه ما يغبطه الاولون و الآخرون و آتيكم الفضيلة و الوسيلة و المنزلة الرفيعة و الشرف الباذخ و العلو الشامخ ما لميؤت احدا من العالمين بحيث طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شئ لكم و اشرقت الارض بنوركم و فاز الفائزون بولايتكم و بكم يسلك الي الرضوان و علي من جحد ولايتكم غضب الرحمن و ان كان الاشتقاق عن الوصل فمعناه وصلكم الله به بحيث يجعل حكمكم حكمه و امركم امره و قولكم قوله و رضاكم رضاه و سخطكم سخطه و طاعتكم طاعته و محبتكم محبته و عداوتكم عداوته و بيعتكم بيعته و قد قال تعالي الذين يبايعونك انما يبايعون الله و قال تعالي قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و قال تعالي من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال ابوعبدالله جعفر بن محمد ان الله لايأسف كاسفنا لكنه خلق لنفسه اولياء جعل اسفهم اسفه و رضاهم رضاه و سخطهم سخطه فاذا اسفوا ينسب اسفهم الي نفسه فهو قوله تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم انتهي ، و كذلك يجعل بيتهم بيته و روحهم روحه و انفسهم نفسه و مشيتهم [ص 789] مشيته و ارادتهم ارادته و علمهم علمه قال تعالي و نفخت فيه من روحي و قال تعالي و طهر بيتي للطائفين و القائمين و الركع السجود و قال تعالي ام حسبتم ان تدخلوا الجنة و لمايعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين و في دعاء السحر اللهم اني اسألك من علمك بانفذه و كل علمك نافذ و لا ريب ان ذات الله ليست مختلفة حتي يوصف بالنافذية و الانفذية فيكون فيه التعدد حتي يدخل عليها كل سور الموجبة الكلية و بالجملة فوصلهم الله الي نفسه و قال في عيسي انه روح الله و في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلام السلام عليك يا نفس الله القائمة فيه بالسنن و اذا جعلت الصلوة مشتقة من الوصل يكون فيه ظهور معني قوله في دعاء كل يوم من رجب لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك و قول النبي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) الجمع بلا تفرقة زندقة و التفرقة بلا جمع تعطيل و الجمع بينهما توحيد و اذا جعلت الصلوة مشتقة من الصلوان و منه المصلي و المجلي في فرس الرهان فالمصلي هو الذي رأسه عند ورك الآخر فمعناها جعل الله طاعتكم مقرونة بطاعته و معصيتكم كمعصيته و امركم كامره و هذا غير الوصل و منه الحديث ان الله تعالي قال اني اثيب من اطاع النبي و ان عصاني و اني اعذب من عصي النبي و ان اطاعني ، فامرهم تابع لامر الله و نهيهم تابع لنهيه و طاعتهم تابعة لطاعه الله و معصيتهم تابعة لمعصية الله و في كل الاحوال فالمراد بالصلوة عليهم طلب ظهور الحق سبحانه فيهم اما بالمتابعة او بالاتصال او بالعطية و الاعطاء و الاكرام و في كل [ص 790] ذلك بركة لاهل محبتهم و ولايتهم و طاعتهم .
تحقيق - اعلم ان العلماء اختلفوا في ان الصلوة علي النبي هل يكون سببا لزيادة في رتبته ام لا فبعضهم قال بالاول لانها دعاء و هو اذا لميستجب فلا فائدة في ذلك و يكون هذا التأكيد الاكيد و الحث البليغ في الصلوة عليه و آله عبثا و هو غير معقول و بعضهم قال بالثاني لان الله سبحانه اعطاه فوق ما يتحمله ممكن فلا محل للزيادة و القول الاول اوجه من جهة اللفظ و الصورة و ان كان في الحقيقة غير موجه و القول الثاني لا وجه له لفظا و لا معني و لا حقيقة بل هو من فضول المقال و اسخف الاقوال و قولهم ان الفائدة ترجع الينا فذلك خارج عن حقيقة اللغة لان الصلوة دعاء و طلب لشخص كيف يتناول غيره كأن تقول اعط زيدا فانه لايتناول العطاء لعمرو فان كان من جهة التعبد فذلك لايكون الا لامر واقعي ذاتي حقيقي و ما قالوا ان الامر الفلاني تعبدي ان ارادوا بان افهامنا لاتدركه فله وجه و ان ارادوا انه لا حكمة له في الخارج اصلا فهو محض مجازفة فذلك ينافي حكمة الحكيم القادر العليم و الاعيان الثابتة عند الاعيان من العلماء العارفين و العرفاء المحققين قد قطع عذر كل متعذر و ابطل حجة كل محتج و لسنا الآن بصدد بيان هذه المسألة و انا اقول الذي يقول ان الصلوة يكون سببا لزيادة في مقامهم و مرتبتهم في ذاتهم و حقيقتهم و هويتهم فقد اتي بالكلام الباطل المجتث الزايل لان الخلق ما سوي الحقيقة المحمدية اذا كانوا من اشعة انوارها و من عكوسات آثارها فاي تأثير للشعاع في المنير و قد بينا ان الشعاع لا ذكر له في [ص 791] حقيقة المنير بحال من الاحوال اذ لا ريب ان التعينات المتأخرة بالذات لا ذكر لها عند التعين الاول فلا تأثير و لايكون صلوتهم سببا لزيادة مرتبته و ( في . نسخة ١٣٠٥ م ) مقام ذات الحقيقة المحمدية و الذي يقول ان الصلوة لاتؤثر اصلا فقد افرط في المقال ايضا نعم انما تؤثر الصلوة في زيادة شوكتهم و سلطانهم و نورهم و الشوكة و السلطان في مقام الادني دون مقام الذات الاتري ان شوكة الشجر تزيد بالورق مع ان الورق يستمد منها و يأخذ عنها و شوكة الشمس تزيد اذا اشرقت علي مرايا صافية او بلورة صافية و يعظم ظهورها و يزداد نورها و سلطانها مع ان الشعاع لا تأثير له في مقام ذات الشمس فالذي ينكر الفرق الواضح بين ظهور الشمس من حيث هي ( و خ ) بين ظهورها في المرايا الصافية في الزيادة فقد كابر وجدانه و انكر حسه فظهر لك ان الصلوة تزيد في مقامهم الظاهر لغيرهم من عظمتهم و شوكتهم و سلطانهم و عزتهم الظاهرة لغيرهم في مقام الظهور لا ذاتهم من حيث انفسها الغير الظاهرة لغيرهم فانها مستغنية الا عن الله و لاتترقي و لاتزداد الا باعمالهم الذاتية من انحاء التوجهات من الذاتية ( الحقيقية خ ) من التوحيد و مشاهدة الاسماء و الصفات و ظهور التجليات و ساير الحالات الذاتية الحقيقية فالترقي بالعمل الذاتي لا بالظهور الغيري فان ذلك حظ الغير و هو معني قوله عليه السلام ان الذكر ليس قولا باللسان و لا اخطارا بالبال فان الاول للذاكر و الثاني للمذكور ( فان اللسان و آثاره شأن من شؤنات صاحب اللسان و لا دخل للغير فيه و التصور و الاخطار للمذكور خ ) من حيث هو مذكور لان التصور [ص 792] لايكون الا بالتمييز و التحديد و هو مشخص المذكور عن غيره فالمذكور من حيث هو مذكور تحديد و هو لايجوز علي الله فالذكر اذن هو التوحيد الذاتي و الاقبال السري الحقيقي الي جهة الله سبحانه بلا كيف و لا اشارة و هو العمل الذاتي و التجلي الحقيقي و ما عدا ذلك فليس مما يوجب الترقي في عين الذات فان قلت ان العمل كيف يكون ذاتيا و هو اثر فعله و لايكون ذلك الا بفعله و الفعل ليس عين حقيقة الذات لانه حركة و الذات منزهة عنها و قد قال اميرالمؤمنين روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء ان الفعل ما انبأ عن حركة المسمي فالفعل اذا كان حركة فكيف يجري في الذات و كيف يكون العمل ذاتيا قلت الفاعل اذا كان قديما فلا ريب ان فعله حادث غيره لما ذكرت بعينه و اما اذا كان الفاعل حادثا فهو له فعلان فعل هو اثر لا دخل لذاته فيه و فعل هو قبول الوجود و الكون من مبدئه و هو انوجد و انفعل حين تعلق الوجود و الكون به و ذلك الفعل لتمام ذاته و هو قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و الضمير الفاعل انت و هو المكون و لذا تري الضمير في يكون راجعا الي الشئ و لذا قلنا ان المفعول هو فاعل فعل الفاعل و هو مقتضي الصيغة اللفظية و المعني علي طبقها و هذا مرادنا من الفعل الذاتي و هو عبارة عن التجلي و قبوله الذاتي هو المظهر و المحل و العين الثابت و للكل اصطلاح في التعبير و المعني في الكل واحد و ليس هذا المقام موضع استقصاء هذا المبحث و ان كان من اصعب ما يرد علي العلماء الاعلام فانه من مزال الاقدام و كم زلت للاعلام فيه اقدام [ص 793] نسئل الله العصمة و التوفيق فترقيات الحقيقة المحمدية صلي الله عليها من اعمالهم الذاتية و لما كان الممكن دائم الاحداث و دائم الاستمداد فالمدد في كل حال لازم و القبول متحتم فالحادث في كل حال مستمد و لايكون ذلك الا بالعمل الذاتي اي بكن فيكون و هو قوله تعالي افعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد فخطاب كن دائم الورود و قبول يكون دائم التحقق و الي هذا المعني نظر من قال بالحركة الجوهرية فكل عمل اذا كان من جهة الاقبال يزداد نورا و بهاء و يوجب زيادة في الذات و الحقيقة فالممكن الحادث دائم الحركة و الزيادة في ذاته اما متصاعدا الي ما لا نهاية له من ساوي يوماه فهو مغبون و اما متنازلا الي ما لايتناهي من كان يومه الاول احسن من الثاني فهو ملعون كما ورد في الحديث و هذا التصاعد و التنازل بكون المدد و هو يكون بالعمل و هو قوله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فالذي يقول ان الحقيقة المقدسة المحمدية صلي الله عليها لاتترقي بعد و انما بلغت حدا لاتبلغ الزيادة فكلام شعري الا ان ينكر حدوثها و يقول انه الواجب القديم تعالي الله عما يقولون علوا كبيرا و اذا كان خلقا حادثا و هو التعين الاول مقابلا للتجلي الاول فالحق دائم التجلي و هو دائم القبول و هذا معني الزيادة لان كل تجلي يورث اشراقا زايدا يوجب صقالة المظهر فتوجب زيادة الظهور كما تشاهد في المرآة اذا اشرق عليها الشمس و تزيد في صقالة المرآة فالظهور دائما في الزيادة فلا وقوف للممكن بحال ابدا و لذا قلنا ان الجامد لايوجد في [ص 794] الكون و الامكان و الاشياء كلها مشتقة و المبني لا وجود له اصلا و الاشياء كلها معربة متغيرة بتغيير العوامل و ورودها و عروض العوامل دائم التحقق و التغيير في كل الاحوال حاصل و الظهور اي ظهور التغيير ثابت للذي فتح الله عين بصيرته و من عليه بمعاينة الاشياء و مشاهدتها من قوله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) اللهم ارني الاشياء كما هي نعم قد يخفي علي بعض المحجوبين المغلوب عليهم بالشهوات و ملاحظة الانيات فيزعمون انه المبني او انه الجامد و قد قال تعالي و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب صنع الله الذي اتقن كل شئ فالحقيقة المقدسة المحمدية صلي الله عليها دائمة الترقي و الزيادة في كل حين و آن و كل مكان و زمان و في كل حال علي كل حال و بكل طور و لكن زيادة مقامهم لاتظهر لما عداهم لقصور ما عديهم عن مشاهدة مقاماتهم الذاتية فالذي ظهر للناس و ساير المخلوقات وجه واحد من وجوه سلطانهم و الخلق يتفاوتون علي حسب قوة مشاعرهم و ضعفها في ظهور تلك الحقيقة الظاهرية لهم فمرة يريها مخفية و مرة يريها ظاهرة بظهور ضعيف و مرة يريها ظاهرة بظهور قوي فالذي يظهر للخلق يوم القيمة علي منبر الوسيلة هو الذي كان ظاهرا في الدنيا الا ان الابصار الدنيوية ضعيفة مرمدة فلاتقوي علي الابصار كما ينبغي فلما تقوت في الآخرة من قوله تعالي لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد و الغفلة عن المشاهدة دليل وجود المشهود فالحالة التي تكون رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) في الآخرة و علي [ص 795] منبر الوسيلة و في الجنة في درجاتها و مقاماتها و مراتبها هي بعينها موجودة في الدنيا بلا تغيير الا ان الابصار قليلة الادراك و القوي عديمة الاحساس فلايتوهمن متوهم ان تغييرات تلك الحالات و ظهور تلك المقامات تجددت له (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) و قد تغير في الترقي اليها حاشا و كلا نعم هو يترقي في كل حال بكل طور الا ان ذلك التغيير و ذلك الترقي لايحس غيره و غير ما في مقامه (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) من خلفائه و امنائه و اولاده فظهر لك مما بينا و تبين مما شرحنا ان الترقي و الزيادة حاصلة لتلك الحقيقة المقدسة بزيادة اطوار التجلي و احوالها و لكن تلك الزيادات لاتحصل بصلوتنا عليه بل نحن و جميع ما لنا و بنا و فينا و عندنا و علينا و لدينا من قد و مذ و مم كل ذلك معدوم الكون و العين عندهم فاي اثر لدعائنا لهم و صلوتنا ( صلواتنا خ ) عليهم نعم تلك الصلوات تزيد في شوكتهم و سلطانهم و تلك الزيادة باصلاح شأننا و اعلاء مكاننا و ترقي درجاتنا و ارتفاع مقاماتنا و ازالة الكدورات و لوازم الماهيات و دواعي الانيات عنا فاذا ارتفعت تلك الدواعي و المقتضيات و ظهرت تلك التجليات و الاشراقات فيحصل لنا قابلية حكاية نورهم و حفظ ما يظهر فينا من ظهورهم و تكون حالتنا عند ذلك كالبلورة الحافظة لنور الشمس و اشراقها و الحاملة لآثارها فتحرق ما يلاقيها و يصيبها فظهرت بذلك سلطان الشمس و مقاماتها في الاحراق فان من دون البلورة لميكن ظاهرا و اشرافها و ظهور مثالها فلولا المرآة لميكن ظاهرا و هذا معني القول بان فائدة الصلوة ترجع الينا مع ان تلك هي الدعاء لهم كيف يستجاب [ص 796] في غيرهم فان استجابة ذلك الدعاء لاتكون الا باصلاح حالنا و تزكية نفوسنا و هو قوله عليه السلام في الزيارة و جعل صلواتنا عليكم و ما خصصنا ( خصنا خ ) به من ولايتكم طيبا لخلقنا و طهارة لانفسنا و تزكية لنا و كفارة لذنوبنا فاذا تبين ما ذكرنا لك فهمت ان الصلوة تزيد في درجاتهم و زيادة درجاتهم لا تكون الا بزيادة درجاتنا ففائدة الصلوة ترجع اليهم عند رجوعها الينا فالذي قال انهم لايترقون في ذواتهم اخطأ و غلط و الذي قال ان الصلوة عليهم مما عداهم تكون سببا لزيادة درجاتهم الذاتية الحقيقية اخطأ و غلط و الذي قال ان فائدة الصلوة لاتكون سببا لزيادة درجاتهم مطلقا اخطأ و غلط و الذي قال ان فائدة الصلوة ترجع اليهم مطلقا فقد اخطأ و غلط و الذي قال ان فائدة الصلوة ترجع الي المصلي مطلقا اخطأ و غلط و الحق الصواب الذي لا يداخله شك و لا ارتياب انهم عليهم السلام يترقون و يزدادون في ذواتهم و هوياتهم دائم الابد بلا انقطاع ابدا و ليس لذلك الترقي سببا غير اعمالهم الذاتية علي ما وصفنا و ان هذه الصلوة لاتزيد في مقام ذاتياتهم و لاينتفعون بها و انهم ينتفعون بها في مقام عرضياتهم من ظهور شوكتهم و سلطانهم و شدة ظهور نورهم و امرهم و لايظهر هذا السلطان الا بتصفية قوابل اولئك المصلين ليظهر فيها اشراق انوار صاحب النبوة و الولاية المطلقة فمن قال انهم ينتفعون بهذه الصلوة صدق و من قال انهم لاينتفعون صدق و من قال ان الفائدة ترجع الي المصلين علي ما بينا و فصلنا ( فصلنا صدق خ ) و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل .
رفع اشتباه - لعلك رأيت من اختلاف كلمتنا ( كلماتنا . نسخة ١٣٠٥ م ) في ارجاع الضمير الي الحقيقة [ص 797] المقدسة المحمدية صلي الله عليها فان في بعض المقامات يرجع الضمير اليها مفردا و في بعضها جمعا و في بعضها مذكرا و في بعضها مؤنثا و الحقيقة واحدة و لعلك تحمل هذه الاختلافات علي قلة المعرفة في الرسوم الادبية و العلوم العربية و الامر ليس كذلك فانا قد تعمدنا الامر في ذلك اقتداءا بالله سبحانه في كتابه في قوله تعالي مصدقا بكلمة منه اسمه المسيح عيسي بن مريم ارجع الضمير الي الكلمة مذكرا و هي مؤنثة و قوله تعالي في الحديث القدسي خطابا لايوب اتشك في صورة انا اقمته ارجع الضمير الي الصورة و هي مؤنثة و هو مذكر و في دعاء كل يوم من شهر رجب و بمقاماتك ( و علاماتك خ ) التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الدعاء ، فافرد الضمير مرة و جمعه مرة اخري و ذكره مرة و انثه اخري و المرجع واحد في الجميع و لهذا الاختلاف غايات و علل لايقتضي المقام ذكرها و بيانها فانه يطول بها الكلام و كذلك الحكم في الحقيقة المقدسة فانها بحسب ظاهر اللفظ مؤنثة فارجعنا الضمير اليها بحسب الظاهر من اللفظ و بحسب الحقيقة و الواقع مذكر و هو الاصل و ما عداه فرع و هو الحقيقة و ما سواه مجاز و هو المقصود لذاته و ما سواه مقصود بالعرض و قد خاطبه الله سبحانه بلسان الوحي في الحديث القدسي انت المراد و انت المريد و انت المحبوب و انت الحبيب خلقتك لاجلي و خلقت الخلق لاجلك و هو قوله تعالي في القرآن في التأويل و الباطن و اصطنعتك لنفسي اذهب انت و اخوك [ص 798] بآياتي و لاتنيا في ذكري اذهبا الي فرعون انه طغي و لذا ارجعنا الضمير اليه مذكرا و هي في الظاهر اللفظي ( واحدة خ ) لكنها اثنان في مقام و ثلثة في مقام و اربعة في مقام و سبعة في مقام و المثني للجمع و التربيع في مقام فحكمها حكم اليد فانها واحدة في مقام و هو قوله تعالي يد الله فوق ايديهم و هي اثنان في مقام و هو قوله تعالي بل يداه مبسوطتان و هي ثلثة و ما زادت في مقام و هو قوله تعالي و السماء بنيناها بايد و انا لموسعون يعني خلقناها مستديرة لان المستديرة ( المستدير . نسخة ١٣٠٥ م ) اوسع الاشكال فمن هذه الجهة صرنا في سعة في الاطلاق حيث شئنا لانهم رخصونا و قالوا نزلونا عن الربوبية و قولوا فينا ما شئتم و لنتبلغوا و في رواية اخري اجعلوا لنا ربا نؤب اليه و قولوا فينا ما شئتم و لنتبلغوا اذ كل كمال قد جمعوه و كل جمال قد حازوه و كل خير عملوه و كل علم احاطوا به مما تسعه عقولنا و افهامنا و احلامنا و ما لمتسعه لانهم في مقام التعين الاول و كلما سواه تحته و فرعه و نوره و قشره ليس وراء الله و ورائكم يا سادتي منتهي ما شاء الله كان و ما لميشأ لميكن و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم هذا ما يتعلق ببعض القول في الصلوة علي اهل البيت .
و اما الاله فقد ذكر العلماء معانيه المتعددة في اللغة و وجه مناسبة اطلاقه علي الله فلايحتاج الي ذكرها و شرحها و بيانها لانا علي العهد مقيم و علي الصراط الحق مستقيم لانذكر في الغالب ما ذكروا و لمنسطر ما ستروا الا اذا اردنا ان نفرع عليه امرا آخر لميذكروا فنذكر مذكورهم و نسطر مسطورهم لنذكر عليه ما يتفرع عليه من تلك الفروع التي لميذكروها و لميسطروها و لذا اعرضنا عن ذكرها و واظبنا ( واجبنا . نسخة ١٣٠٥ م ) ذكر ما لميذكروا [ص 799] و هو ان الاله يراد به المعبود الحق سبحانه بكل معني و المعبود يستلزم عابدا و العابد يجب ان يتوجه الي الواحد الظاهر بالتوحيد الذاتي و الفعلي و الاسمي فاصل الاسم فيه اللام و الالف و هما حرف نفي يدل علي نفي جميع الغير و السوي و اثبات ان المعبود واحد و وجهه التوجه الي واحد و كل ما سواه باطل مضمحل ثم ان الالف المتحركة التي هي الهمزة في الاول تدل علي مقام الاسماء و الصفات و اللام تدل علي جهات العابد الظاهر فيها المعبود فالعابد لايتوجه الي المعبود الا بجميع مراتبه التفصيلية و للمعبود الظهور فيها بحيث اضمحلت به كثراته و فنيت به مراتب شهوده و الالف اللينية يدل علي التوحيد الصرف و محو الغير و الهاء اشارة الي مراتبه و ميادينه الحقة و قد مضي منا ما يصلح ان يكون شرحا و بيانا لهذه الاحرف علي هذه الوجوه و قوله سلمه الله و ابقاه و حرسه و وقاه : ما رنحت ريح الصبا غصنا ، هذا الكلام له ظاهر و باطن اما الظاهر فاعلم ان الريح شجر البحر و السحاب يثار من هذا الشجر كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و روحي له الفداء ( و بيانه خ ) ان بين الارض البارزة عن الماء و الكرة الزمهريرية التي هي الطبقة الثالثة من طبقات الهواء كرة تسمي كرة البخار و الهباء لان لطائف الماء و الرطوبات التي في الارض تجذبها حرارة الشمس و حرارة النار فتتصاعد و تختلط بالهواء و هي المسمي بالبخار و لطائف الارض اذا لطفتها الحرارة و القت في هويتها مثاله ( مثالها خ ) تتلطف و تتنعم و تقبل الحرارة و تحفظها في غيبها فتشبه بحمل تلك الحرارة و تجففها ( بخفتها خ ) المبادي العالية فتصعد اليها و هي المسمي [ص 800] بالهباء و هي الذرات المبثوثة في الهواء المختلطة به الظاهرة باشراق الشمس عليها اذا كانت متصلة بحجاب اسود و اجزاء ارضية اخري اكثف من الاولي و اغلظ منها قد سرت في باطنها اجزاء نارية صعدتها قوة النار لا خفة التراب و هي المسمي بالدخان و هذه اللطائف من الامور الثلثة المذكورة قد حصل لها نوع اتصال بالمبدأ فخفت و صعدت و اختلطت بالاجزاء الهوائية فصارت طبقة الهواء باعتبار امتزاج الاجزاء بهذه الاجزاء طبقة اخري و كرة اخري تجري عليها احكام اخر و تلك الطبقة هي الحافظة لنور الشمس و حرارتها في الجملة و هذه الكرة تسمي بكرة البخار تغليبا و الا فهي كرة مركبة من البخار و الدخان و الهباء ممتزجة ( و . نسخة ١٣٠٥ م ) مع الامتزاج منفصلة و قطر هذه الكرة سبعةعشر فرسخا و ثلث الفرسخ و يعلم منه مقدار المحيط لان القطر ثلث الدائرة و جزء من واحد و عشرين جزء تقريبا و هذه الكرة اختلفت كلمات اهل الشرع في التعبير فمن الروايات ما عبر عنها بالبحر و هو البحر الذي يأخذ السحاب منه الماء و هو بحر البخار لان السحاب انما ينعقد من هذا البحر لان الله سبحانه يأمر ملائكة من جنود جبرائيل يقسم البخار و الهباء فالبخار يقسمه اربعة اربعة و الهباء جزء جزء ثم يأمر ملائكة من جنود اسرافيل يمزج بين كل اربعة من البخار و جزء من الهباء بالمزج الاعتدالي حتي يحصل لها كيفية حمام مارية في التعفين و الحل ثم يأمر ملائكة من جنود ميكائيل تسوق تلك الاجزاء تنعقدها ( فتعقدها . نسخة ع ٤٠ ب ) سحابا و يرسل الماء الي المحل اللايق به و يظهر آثار رحمته فيه فتلك الكرة بحر لاختلاط اجزائه و عدم تمييزها و سيال و كل سيال كثير مجتمع الاجزاء غير مميزة يسمي في عرف اهل البيت بحرا و لذا ورد بحر النور بحر [ص 801] الظلمة بحر النار و الابحر التي سبح فيها نور رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) قبل خلق العالم و منها ما عبر عنها بالسماء و هي سماء المطر و هو انما ينزل من هذا البحر و بالجملة هو بحر قد خلقه الله سبحانه في الطبقة القريبة من الارض لانتفاع ساكنيها منها و هذا البحر بما فيه من الاجزاء ساكن كبحر الماء فاذا اصابت ناحية منها حرارة قوية بحيث تحفظ تلك الاجزاء من الحرارة في اعماقها فتتحرك الي جهة انبعاث تلك الحرارة قد تكون من الشمس و قد تكون من كواكب حارة اخر و قد تكون بقران كوكب ناري مع كوكب مائي و قد يكون بحلول كوكب ناري في برج ناري و لميكن مانع آخر يوجب ضعفها فلايترتب عليها تأثيرها فاذا سرت الحرارة في تلك الاجزاء تتحرك الي تلك الناحية و هذا المتحرك هو الريح فالذي يقولون ان الريح هي الهواء المتحرك يحمل علي هذا المعني الذي ذكرنا اذ ليست الريح هي الهواء المحض بل ذلك لايمكن الآن لامتلاء هذه الطبقة من البخار و الدخان و الهباء و بهذه الاجزاء يغلظ الهواء و يمنع الاجزاء و الاشياء الخفيفة كالريش الواحد او تبن اذا القيته من مكان عال عن النزول دفعة واحدة كالاشياء الثقيلة و ليست العلة في ذلك نفس الهواء بل وجود تلك الاجزاء المانعة فاذا صفي محل بآلات معينة عن تلك الاجزاء الارضية و المائية المسماة بالبخار و الدخان و الهباء و يصفو ( الهباء يصفو خ ) الهواء فلايمنع شيئا عن النزول خفيفا كان ام ثقيلا فاذا القيت ريشة او ذهبا من المكان المرتفع ينزلان معا سواء و ليس لخلو المكان من الهواء بل من الغلظة شبهوا و موهوا علي بعض [ص 802] الجهال بامكان الخلاء بان المكان يمكن ان يصفو من الهواء بالمرة فيلزم الخلاء و استدلوا علي ذلك بما ذكرنا و ذلك في الحقيقة تمويه و تلبيس لا غير فان المانع يمنع ان يكون هو الهواء المحض ليلزم ما ذكروا و بعد المانع ما ذكرنا من الاجزاء بل هو المانع حقيقة و هي التي تغلظ و الثقيل يحرقها ( يخرقها خ ) لما فيه من القوة النازلة لقوة الاجزاء المايلة الي مركز الثقل بخلاف الخفيف و ذلك معلوم واضح فاذا حلت الحرارة في تلك الاجزاء و تحركت الي ناحية الحرارة و هي التي قد انبعثت منها تسمي تلك الريح باسم تلك الناحية و لذا اختلفت امزجتها بالحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة مع ان الريح لو كانت هي الهواء كان مزاجها حارا رطبا لا غير كما هو طبع الماء مع ان الطبايع الاربع موجودة فيها كما نذكره ان شاء الله تعالي فصح ان الريح هي الهواء المختلط لا الهواء المحض و هي التي توصف بالطبايع المختلفة ثم ان الله سبحانه خلق ملائكة هي حملة الرياح و سايقوها الي المواضع التي يريد الله سبحانه عمارتها او خرابها احيائها او اهلاكها يأمر الملائكة الموكلين برياح تلك الناحية التي فيها ذلك الموضع فترسل اليه و هو قوله تعالي هو الذي يرسل الرياح فتجري ( فيجري خ ) قدر الله سبحانه و قضاؤه فيه و لما كانت الجهات اربعة كانت رؤساء الملائكة الموكلين بهذه الرياح اربعا :
فالاول الصبا و هو اسم ملك رئيس سلطان علي الهواء التي تهب ما بين مطلع الشمس الي الجدي و هذا الملك مقره الركن اليماني و يستمد من ميكائيل من روح القدس و هو الحامل للركن الاعلي من العرش و هو النور [ص 803] الابيض و طبعه بارد رطب منه الروح و الريحان و القوة و النشاط للانسان و لذا قال النبي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ) نصرت بالصبا و هلكت عاد بالدبور .
و الثاني الشمال و هو اسم ملك رئيس سلطان علي الريح التي تهب من الجدي الي المغرب و هذا الملك مقره الركن . . . و يستمد من عزرائيل و يستمد عزرائيل من الروح علي ملائكة الحجب و النفس التي لايعلم ما فيها عيسي و هي النفس التي قال تعالي و يحذركم الله نفسه و هذا الملك هو الحامل للركن الايسر الاعلي من العرش و هو النور الاخضر الذي منه اخضرت الخضرة و طبعه بارد يابس منه تقوي القوة الماسكة و بها تتقوي الانسان و تحفظ .
و الثالث الدبور و هو اسم ملك رئيس سلطان علي الريح التي تهب من سهيل الي المغرب و هذا الملك مقره الركن . . . و يستمد من جبرائيل و هو يستمد من الروح علي ملائكة الحجب غير الملك الاول و ان اشتركا في الاسم و هو الحامل للركن الايسر الاسفل من العرش و هو النور الاحمر الذي منه احمرت الحمرة و طبعه حار يابس و منه يستمد القوة الجاذبة و القابضة و منه الحرارة الغريزية و مبدؤها و قوتها .
و الرابع الجنوب و هو اسم ملك رئيس سلطان علي الريح التي تهب من مطلع الشمس الي سهيل و هذه ( هذا . نسخة ع ٤٠ ب ) الملك مقره الركن . . . و يستمد من اسرافيل و هو يستمد من الروح من امر الله و هو الحامل للركن الايمن الاسفل من العرش و هو النور الاصفر الذي منه اصفرت الصفرة و طبعه حار رطب و منه تستمد القوة الهاضمة او القوة المحللة و منه التحليل و [ص 804] التعفين و التحليل و جعل الغذاء شبيها لجزء البدن و هؤلاء الملائكة الاربعة اي الصبا و الدبور و الشمال و الجنوب مقره ركن من اركان الكعبة و كل ركن تهب ( مهب خ ) ريح من هذه الرياح الاربعة و قد روي عن طريق اهل البيت ان اصل هذه الرياح كلها من جانب الركن اليماني و لذا يتحرك هذا الجانب دائما و الظاهر انه روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء من هذا الكلام اراد امرا معنويا باطنيا و اما الظاهر فاني ماتتبعت كمال التتبع للركن اليماني حتي اجد الريح هناك دائما متحركة و اتفحص عنها و احقق خبرها حتي يحصل لي العلم بذلك لاني رأيت هذا الحديث الشريف بعد تشرفي بمكة المشرفة زادها الله شرفا و اعظاما لكن بحسب الباطن فلا محيص عن هذا الكلام لان الركن اليماني يريد منه يمين العرش كما ان الكعبة بازائه و علي اليمين روح القدس و هو اصل الملائكة الذين هم اصل حملة اركان العرش و مبدئه و سر تلك الاركان و حملتها انما تنتهي اليه فجميع الآثار كلها لاتخلو من ظهور طبيعة من طبايع هذه الاركان فيه و انما خص الناظم رزقه الله من نفحات القدس و اجلسه علي سرير الانس الريح بالصبا لانها ريح العافية و السلامة و اعتدال الطبيعة و محل الاستقامة و ان رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) قد نصر كما قال (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) نصرت بالصبا و هلكت عاد بالدبور حيث كانت الصبا ناصرة لرسول الله (صلعم) كان لها الاعتدال و الجلال و الجمال و الفخر و البهاء و النور و السناء و الآلاء و النعماء .
قوله سلمه الله تعالي : رنحت ، يعني اديرت الغصن لان الصبا اذا هبت الاغصان بها اعتدلت و تقوت و اورقت و صار بها ( لها خ ) استعداد الثمرة و ظهرت زينتها [ص 805] و بهجتها و لا يقال ان الصلوة منقطعة لانها ممتدة بمدة معينة و هي مقدار هبوب ريح الصبا و هو ريح الصبا ما دامت الدنيا موجودة فحصل بالصلوة علي محمد و آله انقطاع و من مثل الناظم الجاري علي الفطرة المستقيمة و الناظر الي الاشياء بعين المعرفة صاحب هذه القصيدة الغراء و الفريدة النوراء التي عجزت عن الاتيان بمثلها السن الفصحاء و عقول البلغاء يستبعد ان يكون لدعائه غاية و لطلب الخير و جلبه الي مثل هؤلاء الطاهرين نهاية ما السر في ذلك و ما النكتة فيها هنالك الجواب انه سلمه الله تعالي انما خص بالصبا لانها ريح السلامة و العافية و التربية و هي التي نصر رسول الله صلي الله عليه و آله بها فمراده بالصبا ما ينصر رسول الله (صلعم) من الرياح و هذه النصرة ثابتة في كل عالم في كل مقام من مبدأ الوجود الي اقصي غاياته و ابعد نهاياته و هي دائمة المهب ابد الابد و دهر السرمد فلا غاية لمهبها بل كل ريح تهب بالنسبة اليهم ريح الصبا ان الله سبحانه ينصر رسله دائما قال تعالي انا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحيوة الدنيا و يوم يقوم الاشهاد فهذه النصرة دائمة ثابتة و لا نهاية لذلك فافهم .