و محمومة طبعا عدلت مزاجها الي ضدها لما علت زفراتها
بجنية انسية ملكية هوائية نارية نفحاتها
جنوبية شرقية مغربية شمالية كل الجهات جهاتها
فانتفت هناك الآفاق و ظهر الاشراق و تهيجت الاشواق و ظهرت النار في الاسرار و بدت في ساير الاطوار ان في ذلك لآيات لاولي الابصار فلما تحركت الافلاك و اجري التدبير علي حسبها الاملاك بدت الظلمات و ظهرت الآفاق المايلات و تمايزت الحركات و اختلفت حركات الكرات و تصادمت في حركاتها الدايرات و تعارضت الصفات و تخالفت الظواهر و البواطن في الكينونات و تعارضت افعال الذوات و الصفات و ظهرت احكام اللطخ و الخلط في الحقايق و الاعراض عند ظهور الافاضات تغيرت [ص 710] الحالات و غلبت الظلمات و اضمحل النور و بدي حكم الغيور و خفيت اسباب الظهور و غلب الكافر و خفي النور الظاهر و غلب القمر المنير و تراكمت الموانع للمستشرق و المنير و اكفهرت السحب و تراكمت الحجب و ظهر تأويل قوله تعالي فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل ، و اصبر و ما صبرك الا بالله و لاتحزن عليهم و لاتكن في ضيق مما يمكرون و قوله تعالي هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و قوله تعالي ماارسلنا من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم و مقام القاء الشيطان الامنية و اما النسخ ما يلقيه متأخر بعد و قوله تعالي عليها تسعةعشر و ماجعلنا اصحاب النار الا ملائكة و ماجعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين اوتوا الكتاب الي قوله تعالي و ليقول الذين في قلوبهم مرض و الكافرون ماذا اراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء و يهدي من يشاء و مايعلم جنود ربك الا هو و قوله تعالي الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا و هم لايفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعملن الكاذبين و قوله تعالي فاذ لميأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون و قوله تعالي هل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض و تقطعوا ارحامكم و قوله تعالي ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون [ص 711] و امثالها من نحو هذه الآيات و الاخبار بهذا المضمون كثيرة جدا و لو لمتسمع من الآيات ما يدل علي هذا المعني لوجدته عيانا ظاهرا الاتري ان المؤمن قد يتفق ان يكون مشوه الخلقة و الكافر قد يكون حسن الخلقة معتدل الاعضاء متناسب التركيب الاتري ان القلب في الجانب الايسر و من شأنه ان يكون في الوسط الا تري الفضولات اذا خرجت من الانسان عفنة و نجسة الاتري العرق نتن و دمع العين مالح و ماء الاذن مر و ريق الفم تفه الاتري سقوط الاوراق و يبس الاشجار و عدم بلوغ الثمار و نضجها و ينعها علي ما ينبغي من الاطوار الاتري غور المياه من العيون و الآبار و غلاء الاسعار و عدم امنية البراري و القفار الاتري تلاطم البحار و تغطمط التيار و فساد الآثار الاتري تواتر الامراض و تكثر الاعراض الاتري كثرة النفاق و زيادة الشقاق الاتري البواطن مخالفة مع الظواهر و السرائر منافية مع الظواهر الاتري اكاذيب المقال و اغاليط الافعال الاتري قلة العلوم و نزر المعاني و الرسوم الاتري قلة المعارف و كثرة الاهوال و المخاوف الاتري ان اكثر الناس لايعقلون ( و اكثرهم لايسمعون خ ) و اكثرهم لايفقهون و اكثرهم يخرصون و اكثرهم يظنون و اكثرهم يجهلون الاتري انقسام الناس الي مجتهد و مقلد و مستبصر و بصير و عالم و متعلم و عامي و عالم الاتري سهو الناس و اغلاطهم و جهل الناس و اخلاطهم الاتري قلة الرفيق و عدم الصديق و فقد الشفيق الاتري قلة الجواهر و كثرة الاحجار و الخزف و ساير الجمادات الاتري قلة الاشجار المثمرة و كثرة الاشجار الغير المثمرة الاتري انقلاب اهل الزمان و تقلب الدهر الخوان الاتري كثرة [ص 712] الخيانة و قلة الامانة الاتري كثرة الكذب و قلة الصدق الاتري قلة المؤمنين و كثرة الكاذبين المنافقين الاتري المؤمن خائفا و الكافر في الغالب آمنا الاتري المؤمن تتعسر عليه الامور غالبا و الكافر تتسهل له غالبا الاتري ان المؤمن مغلوب مقهور و الكافر مظفر منصور الاتري الانبياء قد قتلوا و الاولياء قد استشهدوا و السعداء قد ابيدوا و اهلكوا لقد قتل بنواسرائيل من ما بين طلوع الفجر الي طلوع الشمس سبعين نبيا و لميحصل عنده اضطراب و لا تغيير احوال و لا تحاشي و لا انكار و قد قتل كيخسرو بن سياوش بن كيكاوس عشرين نبيا من انبياء الله العظام و هو علي سرير مملكته و تخت سلطنته الاتري نبينا (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) و مقاساته و مكابدته مع قريش و ساير الكفار حتي قال (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) مااوذي نبي مثل ما اوذيت و كفي به شاهدا الانقلاب الزمان و عدم مساعدته لامناء الله حتي قال سيد الخلق ما قال و بالجملة ما ذكرناه و ما لمنذكر اعظم شاهد و اعظم برهان و بيان بان العالم في الخلق الاول ماخلق هكذا و الا دل علي ضعف الصانع و عدم حكمة الخالق حاشا و كلا سبحان من اتقن صنع كل شئ و هذا الذي ذكرناه و ما ( الذي خ ) لمنذكر اعراض تزول و امراض عرضت بنية هذا العالم فعن قريب تتحول و تضمحل و تصحوا الابدان و يصفوا الزمان و تعتدل بنية الانسان و تتقوي الاكوان و الاعيان و تظهر حجة العالم و تحسن اطوار بني آدم و اما في هذا الوقت فالامراض غالبة و الاعراض قاهرة و الغرايز مستسرة مخفية امارأيتهم كيف قتلوا الحسين بن اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب و [ص 713] هم يعلمون انه سيد شباب اهل الجنة لانه الطيب الطاهر و انه الدر الفاخر و انه لا عيب في نسبه و لا حسبه و لا في علمه و لا في ادبه جمع المحاسن كلها و حاز المفاخر باسرها و انطوي علي المعالي بشراشرها و قد قال السيد السند السيد محمد القطيفي سلمه الله تعالي في هذا المقام و قد اجاد و تكلم بالمراد و دل علي مستجنات الفؤاد بقوله سلمه الله في قصيدته الدالية الي ان قال :
حملت به ام الفخار فعند ما مخضت به عقمت علي ميلادها
و بالجملة تمرض الزمان و فسد المكان و تغيرت بنية الانسان من اول ما خرج آدم من الجنة و لذا لما خرج قال :
تغيرت البلاد و من عليها و وجه الارض مغبر قبيح
و هكذا تبقي الي ان يصفو العالم عن اللطخ و الخلط فما دامت الدولة لاهل الخلط و اللطخ لايصفو تمام الصفاء فمن هذه الجهة قتل سيدنا و مولانا الكاظم و دفن بدار السلام و قتل مولانا و سيدنا محمد بن علي الجواد و دفن في جنب جده عليهما من الله آلاف التحية و الثناء و كانا ضجيعين و الا فاين الموت منهما اذ سببه تخلل الآلات الجسمانية في الموت البدني الجسماني و الخلل لايكون الا بفساد الطبيعة و سوء المزاج و حاشا طبيعتهم و طينتهم و مزاجهم المأخوذة من طينة رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) و مزاجه و طبيعته ان يتطرقا فيها الفساد او ينسب اليها سوء لان المنسوب الي الله لايتطرق اليه السوء لانه ليس منسوبا الي الله و لا من الله و انما هو من الشيطان و هم عباد الرحمن [ص 714] المخلصون اوليائه الصادقون قال تعالي ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين و قال عن لسان ابليس لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين فليس عندهم دواعي الموت و الفناء كاهل الجنة بل اهل الجنة مثلهم فلولا ان السيف قطع اعضاءهم و السم سري في امعائهم قطعها و فرق بينها فميز الاجزاء و منعها عن التعادل و التناسب و الاجتماع علي هيئة اعتدالية تحفظ جهات الصورة النوعية و كان سببا لمفارقة الروح من الابدان الظاهرة لماتفارقا ابدا كيف و بين ارواحهم و اجسادهم تحاب و تواد محبة العاشق معشوقه فلايفترقان ابدا كابدان اهل الجنة مع ارواحها و لذا تري بعض اولياء الله الذين ما بلغوا مقام خاتم النبيين و لميتمكن منهم اعداء الدين بلغوا من العمر خارج الحد المضروب له الاتري الخضر فانه الياء بن ملكا بن ارفخشد بن سام بن نوح لما لميتمكن منه احد من المخالفين لغيبته عن اعين الناظرين بقي حيا الي الآن و بعده الي يوم الوقت المعلوم حتي يقتل و كذلك عيسي بن مريم حيث هرب من القوم الظالمين و صعد الي السماء الرابعة بقي حيا الي الآن و ما بعده الي ان يقتل الدجال و يكون خير ناصر لدين الله الملك المتعال و كذلك ادريس و الياس و القائم المنتظر المهدي عجل الله فرجه وفاقا للشيخ الاكبر كما فصل احواله و ما يصير حال ظهوره في عدة من كتبه لاسيما في الشجرة الالهية الموضوعة في الاحوال الجارية في الازمنة المستقبلة و بالجملة لولا السيف و السم ماجاءهم ما جاءهم من الموت و الاصح ان رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) قتل بالسم [ص 715] سمته اليهودية و كذلك كل نبي من انبياء الله و كل ولي من اولياء الله اذا كانوا حاملين للولاية المطلقة او وجها من وجوهها ماماتوا و ماخرجوا من الدنيا الا مقتولين شهيدين منهم بالسيف و منهم بالسم و منهم بالحرق و الطبخ كما كان بنواسرائيل و غيرهم من الامم الماضية يفعلون بانبيائهم يقتلونهم و يطبخون لحومهم و يأكلون يا ويلهم ما اقسي قلوبهم و ما اصبرهم علي النار يوم يميز الاخيار من الاشرار و لذا قال تعالي لنبيه صلي الله عليه و آله انك ميت و انهم ميتون و نظرا الي ما ذكرنا من عدم اهلية ابدان الانبياء للموت و الفناء و الدثور و ان ابدانهم كابدان اهل الجنة في الجنة انكر سيدنا عمر رضي الله تعالي عنه موت النبي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) لما اتاه الناعي بنعي ( ينعي خ ) رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) و سيدنا ابوبكر نظرا الي الدقيقة المذكورة و عرف ان السم يقطع الامعاء و يفرق الاعضاء و يكون سببا لمفارقة الروح و اشار الي عمر بذلك و قرأ له الآية انك ميت و انهم ميتون فاستقر عمر و اعترف بموت النبي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) و الا كان في اول الامر قد ابي و لولا السم كان كما ظنه و تخيله و توهمه و لكن حكم الله غالب و امره ليس له مدافع و لكن ابي الله المشيئات كلها فلا عتب فيما شاء و ملام
( و لكن الي الله (ظ) المشيئات كلها فلا عتب فيما شائه و ملام . نسخة ع ٤٠ ب )
و بالجملة فقول الناظم اطال الله بقاه و امده برحمته و رضاه اشار بقوله ان محمد بن علي الجواد روحي فداءه و عليه آلاف التحية و الثناء ضجيع الامام موسي بن جعفر الي هذه الدقيقة الانيقة و الي الضجيع المدفون انما يكون في هذا الدهر المنكوس و الزمان المركوس و مع هذا كله هما [ص 716] احياء عند الله يريان يسمعان يبصران و يطلعان علي زايريهما و ينظران اليهم بنظر العطوفة و الرأفة و تشمل عليهم عطفهما و رأفتهما و رحمتهما و تنالهم بركتهما لاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون و قد رويت عن شيخي رفعه عن الامام جعفر بن محمد الصادق روحي له الفداء و عليهما آلاف التحية و الثناء ان حمل حنطة اذا مر بقبر مؤمن يعلم كم فيه من حبة و اذا كان هذا حال المؤمن فسيد المؤمنين و فخرهم بالطريق الاولي علي الوجه الاعلي و كيف لايعلمون و قد قال تعالي قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و لا ريب ان الامامين سلام الله عليهما من المؤمنين و قال تعالي و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول شهيدا عليكم و اذا كانت الامة هم الشهداء فان رسول الله سيدهم يشهدون بالطريق الاولي و لا فرق بين حيوتهم و موتهم كما تلونا عليك من الآية الشريفة و غيرها و قد طرق سمعك مرارا ان الحسين عليه السلام لما قطعوا رأسه الشريف و علوه علي السنان و الرمح كان يقرأ القرآن و ان بدنه الشريف كان يحس و يشعر و تكلم مع جده و ابيه و امه و اخيه لما اتوا الزيارة ( لزيارته . نسخة ١٣٠٥ م ) و ان الجمال الملعون لما اراد تكة سراويله مسك يده الشريفة عليها حتي قطعها ذلك الرجس اللعين ثم قبض بيده الاخري عليها حتي قطعها لعنه الله و بالجملة فحياتهم حال موتهم لاتنكر و لا تشبه حالهم حال ساير الموتي فسيدنا الكاظم عليه السلام و مولانا الجواد روحي لهما الفداء متحدان في مقام قائمان في مقام قاعدان في مقام [ص 717] و مستلقيان في مقام و مضطجعان في مقام و ليس ذلك مخصوصا بهما بل جميع ما هو منهما و من سنخهما الا ان يتفرق قبورهم و يتشتت مشاهدهم كرسول الله و اميرالمؤمنين عليهما من الله آلاف الف تحية و سلام و كاميرالمؤمنين و الحسين و اما الحسن و السجاد و الباقر و الصادق روحي لهم الفداء و عليهم من الله آلاف الف سلام فكما ذكرنا في الكاظم و الجواد و اما علي بن محمد الهادي و الحسن بن علي العسكري فكما ذكرنا فيهما صلي الله عليهما و عليهم و اما علي بن موسي الرضا روحي له الفداء و عليه من الله آلاف الف تحية و سلام فكما ذكرنا في اميرالمؤمنين و الحسين و اما بيان حال مولينا و سيدنا محمد بن علي الجواد و اصله و نسبه و اخلاقه و آدابه و كمالاته فقد ضربنا عنه صفحا لانه كالنور علي الطور و كالنار علي علم و كالشمس المضيئة فلايحتاج الي البيان و هو لعمري غني عن التذكار و التبيان مع ان العلماء من فرق الاسلام قد تصدوا لذكر ( احوال خ ) هؤلاء السادة الاطهار و بيان فضائلهم و مقاماتهم و آبائهم و اجدادهم مثل صاحب الصواعق المحرقة و الفصول المهمة و غيرهما في غيرهما فليطلب هناك و لااظن احدا خفي عليه امرهم من الموافق و المخالف و الصديق و العدو و المحب و الناصب و الغالي و القالي الا قليل من المستضعفين قال الشاعر في مدح اميرالمؤمنين ما احسنه و اقربه بمطابقة الواقع بل هو الواقع الحقيقي لا غير ،
تخالف الناس الا فيك و اختلفوا الا عليك و هذا موضع العبر
مع انا قد شرطنا انا لمنذكر ما ذكروا و لمنسطر ما سطروا لانا في شغل عن [ص 718] الناس و عن التصنيف و التأليف و اظهار ما هو قد ذكره الغير و لايفيد الا محض الاعلام بانه مطلع علي كلام الغير و لكن اخرجنا الي الكلام جهل الناس بمعالي المراتب و حقايق المطالب و النقطة التي يقع بها التأليف بين الظاهر و الباطن و الحقيقة و الطريقة و الشريعة و بها يعرف الحق من الباطن و السعيد من الشقي و الصادق من الكاذب و المحقق من المدعي فان الامور قد البست و الاحوال قد تشابهت و النفوس قد كاعت و الالباب قد ارتاعت و الوية الباطل قد نشرت و اعلام الضلالة قد خفقت و البدع قد ظهرت و الاباطيل قد شاعت و الاراجيف قد عملت و لما قرأنا قوله تعالي الذين يكتمون ما انزلنا من البينات و الهدي من بعد ما بيناه للناس اولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون و قال مولينا محمد الباقر روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء نحن اللاعنون و قوله تعالي و ان فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون و قول النبي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) اذا ظهرت البدع فليظهر العالم علمه و من لميفعل فعليه لعنة الله تصدينا لذكر المطالب الحقة النازلة من عليين علي القلوب الصافية و الصدور المنشرحة المستنيرة و ان نروعهم اولا بذكر المطالب و المقامات التي لميكتب في كتاب و لاجري في سؤال و لا جواب و لا في كتاب و لا في خطاب الا رموزات و اشارات ضمنت كلمات العرفاء الانجاب و العلماء الاطياب لتميل قلوبهم اولا الي فهمها و ان كان لاجل ابطالها و ردها و اذا تعلمت النفوس و تمكنت هذه المقامات و المراتب فيها و رسخت فيثبت عليها الموفق المصيب و تهدي ( يهتدي خل ) اليها كل عاقل لبيب و ينكرها [ص 719] من خلقت طينته من سجين من المركبات المسوخات ( المسخوطات . ١٣٠٥ م ) حتي يكون مصداقا لقوله تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما و علوا فيحصل المقصود من تمييز المنصف من العنود حتي نأتي ما امرنا الله باتيانه و لاندخل في زمرة الذين كتموا من البينات و الهدي من بعد ما بينه الله للناس و الله سبحانه اعلم و ابصر بعباده يفعل بهم ما يريدون و قال تعالي انك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء و قال تعالي و ما علي الرسول الا البلاغ المبين و الرسول عليه البيان اما بذاته او بنفسه او بيده فالاول في زمانه عند التمكن من خطابه الشريف و الثاني بعد زمانه عند عدم التمكن من امنائه و خلفائه و اصحابه القائمين مقامه و السادين مسده و الفاعلين فعله المتخلقين باخلاقه الاقرب فالاقرب و الثالث عند عدم التمكن من خلفائه و امنائه و اصحابه و هم العالمون المتقون و العرفاء الكاملون و حجبه المتوسطة بينهم و بين رعيتهم الغير البالغين فان قلت قولك ان هذه المطالب لمتذكر في خطاب و لمتبرز في سؤال و جواب دليل علي انها غير محتاج اليها و ليس كما قلت انها لدفع البدع و رفع شيوع المنكرات و لو كان كما ذكرت و الارض غير خالية من نائب عنهم و حاكم من قبلهم و ليس الامر منحصرا بك لتصدوا لذكرها و لتعرضوا لشرحها و بيانها و تفصيلها و اجمالها فعدم تعرضهم دليل عدم الحاجة لو فرضنا انها صحيحة قلت ان سكوت العلماء و عدم التعرض و التصدي للبيان و الاظهار من جهة فقدان الشرط فاكتفوا بالاشارات و اقتصروا علي التلويح في العبارات و ظهور البدع مع عدم التمكن من الاظهار ( الاظفار . نسخة ١٣٠٥ م ) لايوجب [ص 720] الاظهار كما ان رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) سكت اربعين عاما و الشيطان يعبد جهرة و الناس منغمسون في لجة الطغيان و العدوان و مغمورون بالشهوات فسكت عنهم رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) فلما آن اوانه و قرب ابانه نهض باعباء الرسالة و بلغ و بين و لكنه بقي في مكة احديعشر سنة لميقاتلهم و لميحاربهم و لايناجزهم بالقتال مع ما يلقي منهم من الاذيات و يقاس ( يقاسي . نسخة ١٣٠٥ م ) شدايد الكربات و يتحمل عنهم الي ان آن اوان الجهاد و دني وقت الاظهار و الاعلان و كسر سورة الباطل اتاه الاذن من الله و نزلت اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا و ان الله علي نصرهم لقدير الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا و لينصرن الله من ينصره فتصدي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) للجهاد و تعرض للقتال الي ان اختار الله له دار البقاء ففعل اوليائه و خلفائه و امنائه كفعله و مشوا علي منواله و احتذوا مثاله و كذلك العلماء البالغون تصدوا لاظهار ما تصدي رسول الله ( صلي الله عليه و آله خ ) لظاهر الشيعة ( الشريعة . نسخة ١٣٠٥ م ) و حكوا مثال اسمه الذي في الارض و هو محمد فان له (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) اسمان اسم في الارض و هو محمد و اسم في السماء و هو احمد الاسم هو الظهور يعني له ظهوران ظهور في العوالم الظاهرية مما يتعلق بظواهر الابدان من احكامها و افعالها و صفاتها و كينوناتها و مظهر هذا الظهور و موقع هذا النور المسمي بمحمد و له ظهور في العوالم الباطنية و الاسرار الغيبية و مظهر [ص 721] ذلك الاسم هو المسمي باحمد و لما كان الخلق في القوس الصعودي و كلما قرب من هذا القوس كان غليظا و كثيفا و كلما بعد و قرب الي المبدأ كان رقيقا لطيفا و من عهد النبي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) في رأس كل مائة سنة كان يظهر من يروج الاحكام المناسبة لذلك المقام و لما كان مبدأ القوس كانت التربية لظهور الاحكام بالظواهر و المروج في رأس كل مائة سنة كان يروج الشريعة علي مقتضي ظواهر الرعية و لما كان البدن الظاهري له مقامان مقام يتعلق بالاختلاف و عروض الاحوال و تغير الموضوعات و مقام لايقتضي ذلك و لما كان كل مقام انما يكمل في ستة اطوار كما بيناها سابقا كانت الاحكام الظاهرية التي هي مقتضي ظهور اسم محمد انما يتم في اثنيعشرمائة و في كل مائة من يروج الاحكام و يبين الحلال و الحرام و يظهر ما كان مخفيا و يفصل ما كان مجملا في المائة السابقة و يبين ما كان مبهما فيها و بالجملة فذلك العالم الكامل و الفاضل الفاصل يروي غصن الشريعة و تخضر ( يخضر خ ) عودها الي ان بلغ الكتاب اجله و تم تمام المائة الثانيةعشر و اذا ظهر بعض الكاملين و اظهر بعض البواطن للبالغين الواصلين ( الواصلين الذي خ ) كان مخفيا و تلك المطالب كانت مطوية كما فعله الشيخ الاكبر و جعل حقايق المطالب و خزنها تحت الالفاظ و العبارات و اودع تلك الدرر المكنونة في اصداف الاشارات حتي يكون عونا لمن يروجها و ذخيرة لمن يبرزها و يتقوي بها فلما تمت المائة الثانيةعشر ( الثانيةعشرة خ ) و تمت الدورة الاولي المتعلقة بالظواهر لشمس النبوة و الاثنتيعشرة دورة لقمر الولاية من حيث التبعية فتمت الدورة و تمت مقتضياتها و الكرة الثانية [ص 722] و الدورة الاخري لبيان احكام ظهور البواطن و الاسرار المخفيات و المخبيات تحت الحجب و الاستار و عبارة اخري الدورة الاولي لشمس النبوة كانت لتربية الابدان و الارواح المتعلقة بها مثاله الجنين في بطن الام و الكرة الثانية لتربية الارواح القادسة و النفوس المجردة الغير المرتبطة بالاجسام مثاله تربية الارواح بالتكليف في هذا الدنيا فلما تمت الدورة الاولي لشمس النبوة التي هي متعلقة بتربية الظواهر التي هي مقتضي ظهور اسم محمد اتت الدورة الثانية لشمس النبوة لتربية البواطن و الظواهر في هذه الدورة تابعة كما ان الدورة الاولي لتربية الظواهر و البواطن كانت تابعة فكانت هذه الدورة الثانية فيها اسم رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) الذي في السماء و هو احمد فكان المروج و الرئيس في رأس هذه المائة المسمي باحمد و لا بد ان يكون من اعذب ارض و احسن هوي و لو اردنا ان نبين خصوصيات مكانه و زمانه و سنه و استقامة بدنه و ساير احواله بالبرهان العقلي و الذوق الوجداني لفعلت و لكنه يطول بذكره الكلام و ان كانت فائدته عامة و نفعه شامل لكني في ضيق المجال و تبلبل البال و ابتلائي بمقاساة الانذال و مكابدة اذيات الجهال فلايسعني الآن شرح هذه الاحوال فلو امدني الله بالبقاء و كشف عني بمنه و كرمه هذه الالواء ( اللئواء . ع ٤٠ ب ) اكتب رسالة منفردة ابين فيها رئيس هذه المائة اي المائة الثالثةعشر التي نحن فيها و هي الالف و مأتان و سبعة و خمسون من الهجرة النبوية و اشرح احواله و ابين صفاته و ازيح جميع الاشكالات و انه المرجع الواجب عليه بيان تلك المطالب و [ص 723] الاشارات و الحمد لله رب العالمين و هذا الامر و ان وقع و هذا العالم و ان وجد لكنه لميمكنه اظهار مطالبه و لا افشاء مقامات علومه الا بتأييد حاكم مسلط نافذ الحكم مبسوط اليد و قد اتفق في هذا الزمان ان حامي حوزة الاسلام و حافظ شريعة سيد الانام جامع السياستين حاوي الرياستين رياسة العلم و الايقان و سياسة ( رياسة خ ) الحكم و السلطان الوزير الاعظم و الدستور المعظم عليپاشا والي دارالسلام و ولي الاحسان و الانعام قد اعان في ترويج هذه المطالب و سد ابواب الموانع و قصم شوكة المخالفين المنازعين ( المنافقين خ ) و فصم عروة المعاندين الناصبين فها هذا العالم الشريف قد سطع برهانه و ارتفع شأنه و تأسس بنيانه و قوي اركانه فطلبه الطلبة الحاملون و عرفه الماهرون و انشرحت به الصدور الضيقة و استنارت به القلوب الغاسقة و اطمأنت به النفوس المضطربة و سكنت به القوي المشوشة و وقفت به سفينة الطالبين للحق و اليقين و انهزمت به جنود الشياطين و تري الهداية خافقة و اعلام الارشاد علي رؤس الالباب و الافئدة مرفوفة ( مرفرفة خ ) و ظهر كالنور علي ظهر الطور و برز كنار علي علم و اوضحت المشكلات و انحلت المعضلات و احكم المتشابهات و ظهرت المجملات و تبينت الدلائل الواضحات و ظهر الميزان القويم القسطاس المستقيم و تبين المحق من المبطل و المدعي من المحقق و الصادق من الكاذب و لميزل بحمد الله في ازدياد و القلم الذي يسطر به علي القلوب و الاكباد سابغ المداد فتظهر به جوامع الاستعداد و محاسن القوابل للاستمداد نسئل الله تعالي بقاء هذه الدولة العلية بحاملها و الشوكة الالهية بواليها و [ص 724] ان ينصر سلطان الزمان و يمد ظلال رأفته و عطفه ( علي . نسخة ع ٤٠ ب ) حفظة قلوب اهل الايمان و حملة العلوم و الايقان فاذا عرفت ما بسطنا لك من قليل من كثير و قطرة من بحر ما في قلبي من الكلام علمت عذر اولئك الاعلام في السكوت و الكلام بالاشارة و الرمز و الاظهار لما لايوجب اعلاء الكلمة لعرفت عذرنا في النطق و البيان فاعلاء كلمة الله المستودعة في حقايق الانسان و ابراز ما كان مخفيا علي عامة الناس بجوامع البيان و واضح البرهان و قد جمع كلام مولينا و سيدنا ابيعبدالله جعفر بن محمد روحي له الفداء و عليهما آلاف التحية و الثناء جميع هذه الاحكام و ابان عن عذر من سكت و نطق بالكلام بقوله روحي له الفداء ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله و هو جوامع البيان لمن له عينان و اذنان يسمع الحق و يراه و يمشي عليه اليه فاحفظ ما القينا اليك و الله خليفتي عليك فقد انبئك نبأ من معي و من قبلي و الله عليم حكيم و قوله سلمه الله تعالي و ابقاه و حرسه و وقاه : و هو الامام الافضل ، يريد بالافضل بالنسبة الي غير هذا النوع اي غير اهل البيت المطهرين و الامناء المنتجبين المطهرين من الذنوب و المبرئين من العيوب و هذا لا شك فيه و لا ريب يعتريه فاما بالنسبة الي اهل هذا البيت فلا ريب انه ليس بافضلهم بل اما يساويهم او ادني ( منهم . نسخة ١٣٠٥ م ) و لا ريب ان الحسن و الحسين افضل منه لانهما سيدا شباب اهل الجنة و ليس في الجنة كهل و مولانا الجواد لا شك انه من اهل الجنة فيكون الحسنان افضل منه و لما قال رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) [ص 725] و ابوهما افضل منهما علمنا ان اميرالمؤمنين افضل منهما فيكون افضل من الجواد و هكذا غيره مما يطول بذلك الكلام فلتطلب تفاصيلها من كلام اولئك الاعلام في كتبهم المفصلة الموضوعة لبيان هذا المرام و عذرنا في عدم ذكر هذه الامور قد بيناه و ما عندنا قد بسطناه و الله ولي التوفيق .
و قوله سلمه الله : و حفيدها ، اشار الي ظاهر الامر و الا ففي الواقع ليس بينهما ترتب اصالة و فرعية فاذن ليس بينهما ترتب الابوة و البنوة فضلا عن الحفادة و قد يظهر لك معني كلامنا مما فصلنا سابقا في بيان الاب و الابن فراجع تجد الامر ظاهرا واضحا بينا منيرا و ان كان في الاجمال الذي ذكرت ايهام فافهم و علي من يفهم الكلام السلام بقي الكلام في الحضرة و الحضرات الخمس التي عند العرفاء الكاملين و العلماء البالغين الواصلين و تصحيح ما قالوا و شرح ما ذكروا و حقيقة القول علي الوجه الذي عندنا و ليس لي الآن اقبال لبيانها و توجه الي شرحها و تبيانها فلعل فيما بعد نشير الي شئ منها و نبين صحيحها و فاسدها و حقها و باطلها اذ لا كل حضرة حضرة و لا كلما يسمي بها هي و الله الموفق .
وصل - و لما بين وفقه الله للتوفيق و سقاه من رحيق التحقيق ان مولانا الامام الهمام هو الباب و الوجه و الجناب اراد يوضح هذا المعني و يشرح هذا المدعي و يوضح المقصود و يوجد المفقود و يرفع النقاب عن وجه الاحتمال و يدفع الشبه بواضح الاستدلال فقال اشاد الله شأنه و اوضح برهانه و اوصله الي مناه لكعبة ( المراد خ ) و بلغه طواف حول بيت الفؤاد باحسن الاستعداد :
[ص 726]يا كعبة الاسلام حول ضريحكم نسعي و نحفد بل نطوف و نرمل
اقول : لما كان في الابيات السابقة يخاطب سيدنا و مولينا الكاظم روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء ثم التفت في نفسه و قال انه و آباؤه و ابناؤه من نور واحد يشاركون في المزايا و الفواضل و الاختصاص لاجل خصوصية الحجاب و الستر الذي اوتي اليه من الباب و لما اكمل ما يتعلق بذلك الخطاب مع ذلك الجناب توجه بكلامه الي الجميع فقال وجه الله به الي قبلة التقوي و علمه منار اليقين و الهدي : يا كعبة الاسلام ، و هي كناية عن القبلة يعني يا قبلة الاسلام اعلم ان الكعبة اول بيت وضع للناس بناه آدم ابونا لما نزل من الجنة و تاب الله عليه و بيان ذلك ان آدم عليه السلام لما كان في الجنة خطر بباله انه خير خلق الله و اول مخلوقاته و اول من رفع رأسه من الطين مبدأ الخلق البشري و مظهر الهيكل الانساني مبين الصورة الانسانية حقيقة الكينونة التي هي كتاب الله الذي كتبه بيده و الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجمع صور العالمين و هي الشاهد علي كل غايب و هي الحجة علي كل جاحد و هي الصراط المستقيم و هي الصراط الممدود بين جنة المحبة و الطاعة و نار البعد و المعصية جنة المحبة و نار البغض و الكراهة فلما نظر آدم عليه السلام الي هذه الخلقة و الصفة و البهاء و الكرامة و انه خلقه بيده و نفخ فيه من روحه و اوجد فيه زوجته و احله دار كرامته و اسجده ملئكته و علمه الاسماء و اراه حقايق الاشياء و عاتب بذلك الملئكة لما اعترضوا في خلقته بعد ان سماه الله خليفته فاعترضوا عليه و قالوا اتجعل فيها من [ص 727] يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك فلما اعترضوا هذا الاعتراض و لميلتفتوا الي ما اجاب الله بقوله خليفة فان خليفة الله محال عليه ان يفسد و يسفك الدماء فبعد هذا الكلام ماكان ينبغي لهم الاعتراض فيقول اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء بعد ان يقول لهم الله اني جاعل في الارض خليفة فمن هذه الجهة احترقت اجنحتهم بنار الهيبة و اوضح لهم المقصود و انه خليفة الله بالبرهان و البينة بان عرض عليهم المسميات و سئل منهم اسمائها فلميعرفوا ثم علم آدم الاسماء فبين فضله علي الملئكة بواضح البرهان و مشاهدة العيان و اظهر عجز الملائكة حيث قالوا لا علم لنا الا ما علمتنا ثم ازداد آدم تشريفا و تعظيما الا ان كلف الملئكة بان يسجدوا لله و يتوجهوا اليه بوجهه فجعل آدم ذلك الوجه و الجناب و امرهم بالسجود له من ذلك الباب فسجدوا خاضعين بتقصيرهم معترفين و لقوله سبحانه و تعالي اني جاعل في الارض خليفة متذكرين لانه تعالي ماابقي باقية و لميجعل للكلام مساغ فاعترفوا بالزلل و تابوا الي الله بالقول و العمل ثم رجم ابليس عن دار رحمته و اخرجه من جنة كرامته و قال اخرج منها فانك رجيم و ان عليك لعنتي الي يوم الدين و ازاح حجج ابليس و ما يموه علي الناس من المكر و التلبيس فلما نظر آدم عليه السلام الي هذه المفاخر و تأمل في هذه المآثر تخيل انهم لشرافة منه و لكرامة له افتخر و اعتقد ان ليس في الكون له نظير و لا له شبيه و لا بديل افتخر بذلك مما اعطاه من الكرامة لا من جهة نفسه بل من باب و اما بنعمة ربك فحدث فلما لميكن غيره حدث به نفسه و لما [ص 728] كان هذا الخاطر ربما يفسد عليه الامر بدوامه و استمراره اراد ان يعرفه الحقيقة و يعلمه النكتة و الدقيقة و يبين له ان هذه المآثر و المفاخر ليس الا لاجل ذلك النور الزاهر و البدر الباهر في صلبه لانه نسي اصله و نسي ما اخذ عليه العهد في العالم الاول و هو قوله تعالي و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لمنجد له عزما فاراد الله سبحانه ان يذكره الميثاق و ان يريه ذلك العهد و الوفاق فقال له يا آدم ارفع رأسك و انظر الي ساق العرش فانطبع مثال النور الذي في صلبه في العرش فرأي ما عنده بتلك المرآت ( المراتب خ ) و رأي نورا ساطعا و بدرا لامعا و شمسا مضيئة و زجاجة كأنها كوكب دري قد استضاءت بذلك النور جميع مقامات الغيب و الشهود و توجهت اليه الاشياء من كل غيب و شهود و موجود و مفقود و قال آدم يا رب ما هذا النور و السرور و ما هذا التمثال الذي هو مقناطيس الارواح و الاشكال و ما هذا الجمال الذي كل شئ يتمني منه الوصال و ما هذا الجلال الذي اضمحلت دونه كل حقيقة ذات و مثال و ما هذه الشمس التي كل شئ له ظلال فاوحي الله اليه ان هذا نور حبيبي و صفيي و خليلي و نوري و من لماخلق الكائنات الا له و لماوجد الموجودات الا لاجله و ماكانت الاشياء الا تبعا له و هو الذي اخذت الميثاق عليك و علي ذريتك بطاعته و الايمان به و الاذعان بالتصديق له كما في قوله تعالي و اذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه ذاك الرسول هو هذا النور (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) فرجع آدم عليه السلام عما [ص 729] تخيله و خرج عنه ما توهمه و ذكر الميثاق و رجع الي التسليم و الانقياد و الاذعان و الوفاق فلما صار ما صار من امر آدم و حيلة ابليس و اليمين الكاذبة الفاجرة و خرج آدم و حواء من الجنة و الثلثة الباقية فاهبطوا الي الارض متفرقين متشتتين مطرودين مذودين فوقع آدم علي جبل سرانديب و هو جبل في الهند معدن الجواهر و الياقوت الاحمر و حواء نزلت الي جدة و ابليس نزل الي اصفهان و الحية بارض مغان و الطاووس بالهند و لما تشتتوا بقي آدم يدور يبكي علي معصيته و ينوح علي خطيئته و تجري دموعه كالسيل و قد روي من اهل البيت عليهم السلام انه جري من عينه اليمني نهر كالفرات و من عينه اليسري نهر كالدجلة و لميزل يبكي و يحث التراب علي رأسه من فراق الجنة و منازل الاحبة حتي طالت المدة و بقي ثلثةمائة و ثلثةعشر سنة يدور في الارض و لايأوي الي قرار و لايجعل له كنا و لا دارا حتي كان ذات يوم يمر فاذا بجوهرة مشرقة مضيئة تذهب بالابصار فاعجبت آدم و بقي يحد النظر اليها فنطقت الجوهرة باذن الله و قالت يا آدم انستك المعصية اماتعرفني انا صاحبك و صديقك في الجنة و كان ذلك ملكا من الملائكة شديد الحب لمحمد و آله فلما اخذ الله الميثاق من جميع الخلق بالطاعة و الانقياد و التسليم لمحمد و آله الذين مذكورون في التشهد في الصلوة فقبل من قبل و انكر من انكر فكتب ذلك بيد القدرة في لوح القدر و التقمه ذلك الملك لحبه لهم صلوات الله عليه و عليهم فلما خلق الله سبحانه آدم (ع) و اودع صلبه ذلك النور العظيم الذي ذل له [ص 730] كل شئ و خضع و خشع له كل موجود فلميزل ذلك الملك مع آدم (ع) لايفارقه محبة لذلك النور الذي في صلبه فبقي معه في جميع الاوقات و الاحوال فلما خرج آدم (ع) من الجنة و لميقدر ذلك الملك علي مفارقة آدم بحمله لذلك النور المعظم نزل من الجنة و انجمد حجرا ليكون مع آدم عليه السلام و كل من يكون ذلك النور في صلبه فامر الله سبحانه آدم عليه السلام بحمل ذلك الحجر فحمله آدم عليه السلام و لميزل يدعو الله و يستغيث و يسئله قبول توبته و دفع بليته الي ان تمت المدة و عطف الله عليه بالرحمة و جاءه جبرائيل و ذكره النور الذي رءاه علي ساق العرش فانه تعالي حلف بعزته و جلاله لايسئل الله سبحانه بشفاعة ذلك النور احد بحاجة الا و قضي الله حاجته و دفع بليته و علمه اسماء تلك الانوار يعني النور الواحد الذي تشعبت منه الانوار فدعي آدم ربه بتلك الاسماء فاستجاب دعوته و قبل توبته و بلغ امنيته و هو قوله تعالي و تلقي آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم فلما استقرت التوبة و زالت عنه البلية بقي يطلب حواء و لما صار يوم الثامن من ذيالحجة رأي آدم حواء و لما كانت المعصية غيرت خلقته و خلقتها و كثرة البكاء و التضرع هدمت اركانه و اركانها و من جهة الاقبال الي الله ليغفر له زلته اهمل نفسه و اهملت نفسها فلميعرف احدهما صاحبه و قال الصادق جعفر بن محمد روحي لهما الفداء و عليهما آلاف التحية و الثناء ماتناكرتم الا لما بينكم من الذنوب و لما قبلت توبتهما و سكنت عبرتهما و وقفت فورتهما جاءت المعرفة و ذهبت [ص 731] النكارة و لما صار اليوم التاسع من ذي الحجة عرف كل منهما صاحبه في ذلك المكان و لذا سمي ذلك اليوم عرفة و سمي ذلك المكان عرفات و لما تعارفا و شكرا لله علي هذه النعمة جائهما جبرائيل و قال لهما قفا في هذا المكان و هو اول الزوال وقت الظهر اي الظهور التام المقتضي للمعرفة فوقفا في ذلك بنية التقرب و ذكرا الله سبحانه و حمداه و شكرا له و لذا يستحب يوم عرفة قبل الشروع في الدعاء التكبير و التهليل و التحميد و امثالها مما بمضمونها مائة مرة فوقف آدم و حواء و جبرائيل ثالثهم الي غروب الشمس ثم افاضا من عرفات و اتي بهما الي المزدلفة فوقفا و باتا تلك الليلة فيها فلما اصبحا امرهما جبرائيل بنية الوقوف قربة الي الله الي طلوع الشمس فلما طلعت الشمس اتي بهما الي وادي محسر منتصف الطريق بين مني و المشعر امرهما بالهرولة فتهرولا حتي اتي بهما الي مكة و خط له خطا حد الكعبة حد البيت الذي هو الآن و امرهما بان يطوفا حول هذا الخط اسبوعا و نزلت خيمة من السماء من الحرير عمودها الزمرد و اوتادها الياقوت الاحمر و اطنابها من الابريسم علي موضع البيت ثم اتي بهما الي الصفا و المروة و طافا مبتدين بالصفا سبعة اشواط ثم استقر آدم بالجبل المحاذي للبيت و هو الصفا و استقرت حوا علي الجبل الآخر و هو المروة و سمي ذلك الجبل الصفا لانه مقر صفي الله و سمي الجبل الآخر مروة لانه مقر المرأة ثم ان الله سبحانه امر آدم عليه السلام ان يبني البيت علي حدود الخيمة و بني هذا البيت ثم امره تعالي ان يجعل الحجر الذي عنده في الركن العراقي ففي اي موضع بلغ نور الحجر [ص 732] فذلك حد الحرم ففعل آدم عليه السلام و حد الحرم بمبلغ نور الحجر و امر آدم عليه السلام ان يطوف هذا البيت و جعل البيت مربعا لانه بازاء البيت المعمور و هو مربع و البيت المعمور بازاء العرش و هو مربع من اربعة انوار النور الاحمر الذي منه احمرت الحمرة و النور الاخضر الذي منه اخضرت الخضرة و النور الاصفر الذي منه اصفرت الصفرة و النور الابيض الذي منه البياض و منه ضوء النهار و قد جعل البيت محاذيا للعرش حتي يذكر و ذريته النور الذي رآه علي ساق العرش و ان العالم له خلق و لظهور سلطانه وجد و لبيان شوكته تحقق و لتبيان معرفته تذوت و هو له و منه و اليه فيجب علي اهل العالم الاذعان و الانقياد له و التسليم لامره و التصديق له و القبول لفرض طاعته و جعل الحجر ملتقن الميثاق و الشاهد علي اهل الخلاف و النفاق و لذا يدعو الحاج اذا حاذاه و يقول شهادتي اديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة و يكون هذا الحجر بما عنده من اللوح الذي فيه اخذ الميثاق مذكرا لذلك العهد الذي اخذ عنهم علي التسليم لمحمد و آله (صلعم) ( صلي الله عليه و عليهم خ ) حتي يعرفوا ان الامر قد احكم من العالم الاول و خضعت الاشياء لذلك النور الاول من القديم الاول ليزدادوا تسليما و لينالوا الي اعلي الدرجات و اعلي المنازل و المقامات و يخضعوا لباري النسمات جعل الله سبحانه هذا البيت قبلة لاهل العالم اشارة الي انه وجه و باب بازاء العرش الذي هو مقر ذلك النور الذي قبلة العالم و وجهه يتوجهون به الي الله سبحانه و ذلك النور هو القبلة حقيقة و لما كان العرش محلا [ص 733] لذلك المثال و موضعا لذلك التمثال اكتسب الشرافة فصار قبلة و لما كان البيت المعمور بحذاء العرش و مثالا له صار قبلة و مطافا للملائكة الذين اعترضوا علي الله فانحطت درجتهم و لما خلق الله آدم و سجدوا لله تعظيما لآدم و تابوا و استشفعوا به قبل الله توبتهم و امرهم بان يطوفوا بالبيت المعمور و لميرخصهم للطواف بالعرش و اما آدم فلما نزل الي الارض و حجب من السماء و ذريته لايرون البيت المعمور و لا العرش جعل الله سبحانه هذه البقعة من الاخلاص ( الارض خ ) التي تقدمت في الاجابة علي الاراضي كلها جعله مثال البيت المعمور و قبلة لاهل الارض يتوجهون الي الله سبحانه بمثال المثال فالبيت المسمي بالكعبة حرم آمن لانه مثال ذلك الحرم الامن و قبلة لانه مثال تلك القبلة و مطاف لانه مقابل ذلك المطاف و يطوف بالعرش دائما مضروب بعشرين سبعمائة ( مضروب سبعمائة خ ) الف الف و مأتين الف في ثلثمائة و ستينالفا و الكل يطوفون سبعة اشواط كل يوم بسعة العرش و سعته لاتتناهي و تقريبه ان الكواكب المركوزة في الكرسي اكبرها بقدر الارض مائة مرة و اصغرها السهي التي لايدركها الا حديد البصر اكبر من الارض خمسةعشر مرة و انت اذا نظرت الكوكب الكبير كالجدي مثلا تجدها كالنقطة فاذن اعط كل نقطة من الفلك مقدار مائة مرة من الارض فاذا قسمت جميع الفلك المرئي نقطا و جعلت كل نقطة مقدار مائة مرة من الارض فانظر ماذا تري من سعة الكرسي و الكرسي بهذه السعة بالنسبة الي العرش بل الي سرادق واحد من سرادق العرش كحلقة ملقاة في فلاة قي و اولئك الملئكة المعدودة بالعدد المذكورة اصغرهم لو امر ببلع [ص 734] السموات السبع و الارضين السبع كان في لهواته كالخردلة في البرية الواسعة و اولئك الملئكة يطوفون حول العرش و يلوذون به لانه مقر نور محمد (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) و هو الملاذ لكل من عاذ و المعاذ لكل من لاذ و لذا كان حرما آمنا لان الذي فيه زمام الله الذي لايطاول و لايحاول و البيت المعمور قبلة و ملاذ و مثابة و حرم امن لكونه حكاية للعرش الذي هو الحرم الآمن لكون مثال ذلك النور فيه و الكعبة البيت الذي في الارض انما كان مطافا و مثابة و امنا و بركة لانه مثال مثال المثال الذي فيه آيات بينات مقام ابرهيم فكعبة الاسلام حقيقة ذلك السيد القمقام يعني الحقيقة المحمدية صلي الله عليها في مقام جمع الجمع و مقام الجمع و مقام التفصيل ان في ذلك لآيات لقوم يوقنون و تلك الحقيقة هي كعبة الاسلام في الحقيقة و الاسلام هو الاستسلام و الايمان الذي عم كل شئ و كل موجود و كل مشهود و مفقود فلله در الناظم حيث تنبه لهذا السر و تنبه لهذه الدقيقة و اشار الي تلك الحقيقة التي فيها الانوار المطهرة موجودة في مقام الجمع و الاجمال فيشملهم الحكم بالتفصيل و انما سميت الكعبة كعبة لانها مربعة و المربع هو الاصل الذي عليه تبني الاصول و هذا المعني حقيقة ينصرف الي ذلك الاصل الذي كل ما سويه فضول لان الفروع فاضل الاصل و هذا البيت انما يقال له كعبة لانه الاصل الذي دحيت الارض من تحته و هذا البيت الذي في الارض انما بناه ابونا آدم الذي هو آدم الآخر و ذلك البيت الاول الذي هي كعبة الاسلام حقيقة بناه آدم الاول و خلق الله سبحانه الفالف عالم و نحن في آخر العوالم [ص 735] و اولئك الآدميين فهناك البيت و البناء مادة البيت و الباقي ( الباني . نسخة ١٣٠٥ م ) واحد و قد بني آدم ابونا بيتا آخر و هو الجامع الاعظم الذي بالكوفة و سعة هذا الجامع كان اثنيعشرالف ذراع و ظني ان حايط القبلة من المسجد الموجود الآن من بنيان آدم باق الي الآن و البينان الآخر لآدم الاول بيت في بلدة باء بسم الله الرحمن الرحيم من زمردة خضراء مسافة اثنيعشر الف الف ذراع و كل ذراع اثنيعشر الف ( الف الف . نسخة ١٣٠٥ م ) قامة و كل قامة اثنيعشر الف الف شبر و كل شبر اثنيعشر الف الف اصبع و كل اصبع اثنيعشر الف الف شعيرات ( شعير خ ) و كل شعيرة اثنيعشر الف الف شعرة و كل شعرة اثنيعشر الف الف قامة من اهل هذه الارض و ذاك بيت ثاني بناه آدم الاول في بلدة الباء من بسم الله الرحمن الرحيم و ذلك البيت بحيطانه و اركانه و ابوابه كلها من الزمردة الخضراء و في ذلك البيت مقامات مقام ابرهيم الخليل و مقام جبرائيل و مقام اميرالمؤمنين و مقام رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) و مقام زينالعابدين و سيد الساجدين و مقام ابيعبدالله جعفر بن محمد الصادق و مقام دكة القضاء و مقام بيت الطشت و مقام آدم (ع) اما ابرهيم فهو ابرهيم الاول لان ابرهيم الخليل انما سمي ابرهيم لانه بر و هيم في محبة الله و هذا المعني في اول من خلق الله اوضح و فيه اظهر لانه الحبيب و الحبيب هائم في محبة المحبوب و بار بالمحبوب عامل بارادة المحبوب و الحبيب هو الذي اشار بعض الشعراء الي مقامه بقوله :
ما لي سوي روحي و باذل روحه في حب من يهواه ليس بمسرف
ثم تنبه الي النكتة و الدقيقة و نظر الي سر الحقيقة و عاتب نفسه و قال [ص 736] لقد ادعيت عظيما و ارتقيت مرتقا صعبا فهل انت اذا بذلت روحك في حق محبوبك اديت حقه حتي لاتعد مسرفا و ليس هذا دأب المحبين و لا ديدن المريدين ثم عدل عن هذا المقام و ترقي و نعم ما قال لقد اجاد في المقال :
و حياتكم و حياتكم قسما و في عمري بغير حياتكم لماحلف
لو ان روحي في يدي و وهبتها لمبشر لوصالكم لمانصف
و قد اتي بالصدق و قال بالحق و ادي بعض الحقوق و لميعد من اهل العقوق بل لميؤد شيئا و الي هذا المعني ناظر كلام سيد الساجدين زينالعابدين مما تلوناه عليك سابقا في دعاء اوله الهي و عزتك و جلالك الدعاء ، فاذا كان الفيض الاول الاقدس و النور الاعظم المقدس في مقام التعين الاول هو الحبيب الهائم في المحبة الفاني نفسه بالشوق و المودة فهو بر و هيم فهو ابرهيم فذاك مقامه و اما جبرائيل فيراد به الروح القدس و هو من العالين اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و اول من ذاق الباكورة في جنان الصاقورة و ( او خ ) الروح علي ملائكة الحجب او القلم الاعلي قصبة من ياقوت و هؤلاء لهم مقام في ذلك ( هذا خ ) المسجد يعبدون الله في ذلك المقام و هو روح القدس و هو باب الابواب و مقام التعين الاول في الحجاب و اما مقام زينالعابدين و سيد الساجدين فذاك مقام مبدأ الوجود و مقام امتياز العابد من المعبود و مؤكد الركوع و السجود و هو مقام المبدأ الاول القابلية الاولي الدواة الاولي و كان علي بن الحسين روحي لهما الفداء و عليهما آلاف التحية و الثناء مع تلك العبادة العظيمة و الجهد [ص 737] الجهيد في الطاعة و كان ذا الثفنات حتي لقب بسيد الساجدين و اذا اطلق ينصرف اليه كان اذا نظر الي طومار عبادة اميرالمؤمنين يتأوه و يتحسر و يقول من يقدر علي هذا و لا شك ان كلما قرب الي المبدأ اشد عبادة و اعظم في الطاعة فالمخلوق الاول اولي بان يسمي بهذا الاسم اما مقام ابوعبدالله الصادق عليه السلام فان الخلق الاول هو الاب و الاصل لجميع المخلوقات لانه حامل الولاية و الولي هو الذي يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه و الخلق كلهم عياله و العالم كله شخص واحد هو عبدالله و الولي ابو هذا العبد و هو ابوعبدالله و اما مقام اميرالمؤمنين علي فالعلي اسم من اسماء ( الاسماء خ ) و هذا الاستعلاء تستحقه التعين الاول و الملك الذي استعلي علوا سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لميبلغ ادني ما استأثر من ذلك اقصي نعت الناعتين ضلت فيه الصفات و تفسخت دونه النعوت و حارت في كبريائه لطائف الاوهام سبحانه من اله هذا وصف ملكه فكيف به في ذاته و هذا هو العلو الشامخ و الفضل البازخ ( الباذخ ظ ) و مقام علي مقام ذلك النور من الاختراع الاول و الفيض الايس ( الاقدس خ ) و اما مقام محمد (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) فهو مقام الحمد في الحمد لله رب العالمين و الحمد مشتق من الدال و الدال من الياء و الياء ( من الباء و الباء خ ) من الالف فافهم و اما دكة القضاء فهي السلطنة العامة و الرياسة الخاصة فيها منبر الوسيلة و مبدئها علي الحقيقة و المنبر قد وصفنا لك سابقا ان له الف مرقاة من مرقاة الي مرقاة عدو الفرس الجواد الف سنة من اسفل المنبر الي اعلاه مقدار مسافة الفالف سنة عدو الفرس الجواد و [ص 738] هذا الفرس يقطع في كل طرفة عين بقدر الدنيا سبع مرات فانظر ماذا تري فالجالس القاعد علي اعلي المراقي هو الولي المطلق و القاضي بالحق علي كل ذرات الكاينات ليعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه و هو خليفة الله صاحب الحكمة و هو فصل الخطاب و هو الذي قال تعالي اني جاعل في الارض خليفة يعني في ارض الامكان و لايكون ذلك الخليفة الا الواقف في اعلي مراتب الامكان حتي نسبة الامكان اليه نسبة الاجسام الي محدد الجهات و لا يكون ذلك الا التعين الاول و النور القديم الاول و اما بيت الطشت فهو طشت تقع فيه سلسلة الوجود و يزداد الولي بذلك علما كل آن و حين انه يسمع كوقع السلسلة في الطشت اذا كانت سلسلة الوجود حلقاتها كل الاكوان فيكون الطشت ارض الجواز و حقيقة المجاز مبدأ العزة و الاعزاز و اما مقام آدم فهو آدم الاول باني كعبة الاسلام و قبة الاكوان و الامكان و الوجود المطلق و الحق المخلوق به و النور القديم و مبدأ الاسم الحي القيوم باطن الاسم الاسم الاعظم ( باطن الاسم الاعظم الاعظم خ ) و سر المحبة في عالم احببت ان اعرف و هذا المقام افضل مقامات هذا المسجد و اشرف مراتبه فاذا عرفت هذا فاعلم ان هذه المقامات كلها لحقيقة واحدة بالنسبة الي ذلك المسجد الذي بناه آدم الاول و تلك الحقيقة هي الحقيقة المحمدية صلي الله عليها في مقام الوحدة الاجمالية في مقام الجمع ظهرت في كل مقام بطور من اطوارها ففي مقام ظهرت بطور ابرهيم الخليل بن تاريخ ( تارخ . نسخة ع ٤٠ ب ) حكاية و مثال له اعارته اسمها و في مقام ظهرت بطور روح القدس و في مقام كانت [ص 739] زينالعابدين و سيد الساجدين و في مقام ظهرت بطور الابوة للعالمين العالم الاكبر هو عبد واحد و تلك الحقيقة ابوه و هي اذن ابوعبدالله و ظهرت بطور الصادق في مقام ظهور الولاية التي هي مقام اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه فهو صادق فيما يعطي كل من علي حسب قابليته و استعداده و ان طلبوا بلسان الدعوي ان الطلب زايد او ناقص و جري العطاء علي خلاف القابلية فالمدعي كاذب و المعطي صادق و هو الصادق الامين الذي استودع ولاية الله رب العالمين الله اعلم حيث يجعل رسالته و اما مقام علي فتلك الحقيقة هي الظاهرة باسمها حين كانت طائفة حول جلال القدرة اسمها علي فاعارت اسمها اميرالمؤمنين لسر ذكرناه سابقا و اما مقام محمد (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) فهو ظاهرية الحقيقة لانه اسمها في الارض و اما دكة القضاء فلها السلطنة العامة و الرياسة التامة و القاضية بالقضاء المطلق في كل الكاينات و ذرات الموجودات حقايق الذوات و الصفات و اما بيت الطشت فالبيت هو العالم باسره و الطشت محل قابليتهم المستمد من المقبول و وقع السلسلة ظهور المقبول في قابلية القابل و انما عبر عنها بالسلسلة لان مراتب الوجود متصلة مترابطة لاتصال التدبير مقام الصنع و الاشياء متصلة بعضها ببعض فمن هذه الجهة عبر عنها بالسلسلة اما وقعه فان حلقاتها مختلفة كما ان الموجودات متشخصة متميزة فمن جهة تمايزها و تشاخصها هي حلق مختلفة و من جهة ارتباطها و اتصالها و انضمام بعضها ببعض عبر عنها بالسلسلة و كل واحدة [ص 740] اذا وقعت في الطشت و هي جهات القابليات اذا اتصلت المقبولات بها لكل واحدة منها اقتضاء غير اقتضاء الاخري و بيت الطشت هم بيته ( و هنا خ ) مقام آخر يسمي مقام نوح و هو انما سمي نوحا لانه من كثرة نوحه و خوفه مقام ربه و هذا المعني بالحقيقة اولي لان الخوف علي قدر المعرفة و كلما هو اقرب الي المبدأ معرفته اكمل و خوفه اعظم و تلك الحقيقة هو نوح و باعتبار هذا الظهور تميز لها مقام و اما مقام آدم فهو آدم الاول و انما كان اشرف المقامات لانه ظهور المبدأ الواحد و مقام العلية المطلقة و مقام الظهور المطلق و باقي المقامات كلها منشعبة ( متشعبة خ ) من هذا الظهور و منفصلة من هذا النور و هو اصل الذات و باقي الظهورات اولاده و هنا تفاصيل كثيرة تركت ذكرها لضيق المجال و تبلبل البال و بالجملة فهذا البيت بيت عظيم و له خطب جسيم بناه آدم الاول الذي هو كعبة الاسلام و قبلة الانام و نور الظلام و قوله سلمه الله تعالي و ابقاه : حول ضريحكم ، و ظاهر الضريح هو المعروف المعلوم و اما باطن الضريح هو حجاب القدر و هو باب الابواب القري الظاهرة للسير الي القري المباركة و هم النقباء و النجباء و هم الابدال الاطهار و هم الولاة علي الخلق من ولي الله الملك القهار و قد ذكرنا ان النقباء نسبتهم الي سائر الخلق نسبة العرش و الكرسي و النجباء نسبتهم نسبة السموات السبع الي المتولدات و لا شك ان السافل يسعي و يحفد يعني يسرع في السعي و يطوف اي يدور حول المركز دورة علي خلاف التوالي و يرمل اي يهرول السعي في عالم الاجسام و الاسراع خفة السير في عالم الارواح اي النفوس و الطواف ان كان بالاستدارة [ص 741] علي القطب فهو في عالم الفؤاد و ان كان بالاستدارة علي المحور فهو في عالم العقول و اما الترمل فهو سرعة السير في كل هذه المقامات في مقام الجامعية فالخلق يدورون بحركة الاستدارة الي نحو هذا الضريح و هو القري الظاهرة و باب الابواب و حجاب الحجاب و حجج الحجج و خلفاء الخلفاء و المحتاج لا بد له من الحركة علي وجه مبدئه و لما كان الامكان او السافل في كل مكان محتاجا الي مبدئه العالي بكل جهة كانت نسبته الي العالي بجميع جهاته علي السوية و كان السافل دائرة و العالي قطبا و جهة فقر السافل اليه من جميع الجهات متساوية و لانعني بالدائرة الا خطا منحنيا اذا فرضت نقطة في حلق وسطه تكون الخطوط الخارجة من تلك النقطة الي ذلك الخط المنحني المحيط مساوية ( متساوية . نسخة ١٣٠٥ م ) و الخط الواصل من الطرفين الي ذلك الخط المنحني المسمي بالمحيط يسمي محورا و ذلك الخط المحيط يسمي دائرة و القطب يسمي مركزا و اذا قلنا ان الحوادث متساوي النسب ( النسبة خ ) في جهة افتقارها الي الله سبحانه فيكون ذلك العالي الذي هو وجه المدد متساوي النسبة الي جميع مراتب السافل فبهذا المعني تكون جميع الحركات اي حركات السافل في جميع احوالها مستديرة و هذا قول شيخنا العلامة رفع الله في الدارين اعلامه ان الحركات كلها مستديرة يعني حركات الحوادث المحتاجة من جهة احتياجها كلها مستديرة ليس جهة في الفقر الي المبدأ اولي من جهة فكلها متساوية النسبة الي قطبها و الي هذا المعني يشير قوله تعالي في التأويل و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و لاتحصل [ص 742] الاحاطة بجميع الجهات حتي يكون وسطا و يحتمل ان يكون في قول الناظم اطال الله بقاه اشارة الي هذا المعني حيث اتي في الطواف بلفظة بل التي للاضراب فلما قال : حول ضريحكم نسعي و نحفد ، و السعي و الاسراع لما كان اعم من الاستدارة و الاستقامة كما كان السعي بين الصفا و المروة علي الاستقامة دون الاستدارة فاضرب عن الاول حيث كان عاما مبهما و قال بل نطوف فان الطواف لايكون الا بالاستدارة في الغالب الا ان يكون المطاف مستقيما او مربعا الا ان الطواف استدارة و نسبة الطائف متساوية و اما اذا كان المطاف غير متساوي النسبة فهذا امر آخر لا دخل له بالطايف فلما كان الطواف تعتبر فيه الاستدارة اتي بالطواف علي وجه الاضراب يعني لاتتوهم ان السعي بغير الاستدارة و انما هي استدارة لانه حركة علي وجه المبدأ و هو لايكون الا نقطة و الكعبة قد قلنا انها مثال العرش و هو مربع و لكنه في الصورة الظاهر مستدير الحركة و التربيع معنوي اراد الحق سبحانه ان يجعل تلك الاركان التي في العرش قد غلبت عليها جهة الوحدة و ظهرت علي شكل الاستدارة ظاهرة التربيع في عالم الحس حتي ان اهل الحجب الظاهرية يدركون ظاهر التربيع فقد ظهرت فيها جهة واحدة من العرش لا كل جهاتها فظهرت بالاركان دلالة علي تلك الاركان و ظهرت بالوحدة الحاصلة من التركيب التأليفي للدلالة علي وحدة العرش الظاهر بصفة الاستدارة و ظهرت علي التجويف دلالة علي ان العرش كرة مجوفة حمل ذلك المثال و ظهر فيه ذلك الجمال فصارت بهذه الحكاية مصدر الاقبال و صارت قبلة للذوات و الاظلال و انما وجب الطواف سبعا لبيان مراتب الاستدارة و الافتقار و اشارة الي ما اشار [ص 743] سيد الساجدين في الدعاء اللهم اني اخلصت بانقطاعي اليك و اقبلت بكلي عليك و الكل في عالم التفصيل جميع المراتب التفصيلية و لما كانت المراتب في عالم التفصيل بالاجمال سبعة و هو جمع الاركان مع الكيان لظهور العدد الكامل و النور الواصل الظاهر في المراتب السبع عالم العقول و النفوس و الطبايع و المواد و المثال و الاجسام و الاعراض فكل شوطه بازاء عالم من العوالم لبيان انه المقبل بكله و مستدير بجميع جهاته و عوالمه و مراتبه حتي يكون حجة تامة و لو اردنا ان نشرح اسرار الحج كلها في هذا المقام لايسعنا ذلك فاكتفينا بقدر الواجب و الا فاطوار العلوم كثيرة و نسبة العالي الي السافل غير عديدة فكل طور مظهر جهة من الجهات و حيثية من الحيثيات و اعتبار من الاعتبارات و جهات الشئ الواحد لاتتناهي الاتري علماء الحروف يستخرجون من حرف واحد حروفا غير متناهية كلها بجهات متسعة و قواعد مضبوطة من انحاء البسط باقسامه الستين من بسط الترفع و بسط التضارب و بسط العددي و بسط الطبيعي و بسط التمازج و امثالها الي الستين او اكثر و بكل بسط تظهر حروف غير متناهية لا غاية لها و هذه الحروف كلها جهات ذلك الحرف الواحد و كذلك المعاني بل الامر فيها اعظم لان دائرة المعاني اوسع من دائرة الالفاظ و الحروف و لذا قالوا ان المعاني غير متناهية و الالفاظ متناهية و لميعلموا ان الالفاظ و المعاني كلها صنع الحكيم العليم و هو واحد ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ما امرنا الا واحدة و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة فجعل احدهما متناهيا و الآخر غير متناه خلاف الوحدة المطلوبة [ص 744] المنصوصة فيجب اما القدح في عدم تناهي المعاني او تناهي الالفاظ فاختر لنفسك ما يحلو و ما ذكرنا في الوصلية ان المراد توضيح الوجه و الجناب فلا بد من الاشارة الي وجه التوضيح فنقول ان المراد بالوجه ليس هو الذات او وجه الذات و انما المراد بالوجه ما به يتوجه الي الشئ من افعاله و اقواله و كلماته و كيفية التوجه مثل الكعبة فانها قبلة يتوجه بها الي الله سبحانه في الصلوة فمقصودنا هو الله و التوجه الي هذه الجهة و ليست الجهة مقصودة اولا و بالذات و لا ثانيا و بالعرض و انما المقصود الذات فقط و مثالها و آثارها امور نتوجه بها اليه كما نتوجه بالمرآة الي الشاخص و ليس المقصود خصوص الصورة التي في المرآة و انما المقصود الشاخص الخارجي و الكعبة بهذه النسبة و لهذا قال سلمه الله تعالي و ابقاه : يا كعبة الاسلام ، اي يا قبلة الاسلام لان القبلة وجه للمقبل الي المقبل اليه و هو شئ موجود متحقق رابطة بين المقبل و المقبل اليه غير ملحوظة و لا منظور اليها حال التوجه و الالتفات فهم القبلة لانهم الكعبة و الخلايق حول ضريحهم يطوفون و يسعون و يسرعون في السعي و يهرولون في الطواف او يهرولون بين المنارتين منارة العقل و منارة الفؤاد فاذا وصل من عالم النفس الي عالم الروح خفت كينونته و اسرعت اي اخذت في الاسراع و اذا وصل الي مقام العقل اشتدت السرعة الي ان يبلغ ادني الفؤاد و هناك تسكن الحركات المحدودة و تأتي بغير المحدودة و هي الحركة الجوهرية و الاستدارة الغريزية و لبيانها محل آخر فان القوم حسب الحركات في اربع مقولات في مقولة الكم كحركة الاجسام من الصغر [ص 745] الي الكبر و من القصر الي الطول و من الطول الي القصر و من السمن الي الهزال و من الهزال الي السمن و في مقولة الكيف كالحركة من الحرارة الي البرودة و من الرطوبة الي اليبوسة و من اليبوسة الي الرطوبة و من البرودة الي الحرارة و من الجهل الي العلم و من القوة الي الضعف و من الضعف الي القوة و من النشاط الي الكسل و من الكسل الي النشاط و امثال ذلك و في مقولة الاين كالحركات المستقيمة التي توجب تبدل الامكنة و النقل من مكان الي مكان و في مقولة الوضع كحركات الافلاك من الكرات و الدوائر و كل حركة مستديرة لاتنتقل من المكان و هذه الاربعة متفق عليها و اما الحركة الجوهرية و الاستدارة الغريزية فمنهم من اثبتها و منهم من انكرها فلا المثبت عرف معناها و لا المنكر عرف معني ما انكر و لنا في ( هذا خ ) المقام مباحث شريفة تركنا ذكرها كغيرها لما بي من الضعف و الكسل و الملل و مقاساة الاهوال و مكابدة الارذال و لو كان لي قلب متوجه و سعة في المقال و لاابالي الطغام و لا التفت الي اللئام لاريتك من مكنونات العلم و مخزونات السر ما تحير به الاحلام و تحسر عن ادراكه الاوهام و لاريتك ما قاله الامام الهمام عن النبي عليه الصلوة و السلام ان الله اعد لعباده المتقين ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و لكن ما الحيلة في زمان عم اهله الجهل و النفاق و شملهم الطغيان و الشقاق رضوا بالجهل و اعرضوا عن العلم لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون و سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون و الي الله المشتكي من عظيم البلوي و الله المستعان و عليه التكلان .