لو اقسم المرء بالرحمن خالقه بان كل الوري لا شئ ماحنثا

ان كان شيئا فغير الله خالقه الله اكبر من ان يخلق العبثا

فهذه الكلمة اثبات و نفي اثبات الشئ الثابت و نفي الباطل الزائل لا ما زعموا من نفي الآلهة التي تشمله كلية واجب الوجود و عموم لفظ الله علي القول بانه كلي مشتق تنفي تلك الآلهة و وجودها بالدليل و يكون الله كليا منحصرا في الفرد و لذا قالوا في تعريف الكلي انه هو الذي نفس تصوره لايمنع عن وقوع الشركة قالوا انما قلنا نفس تصوره ليدخل فيه الله لانه من حيث مفهومه و نفس تصوره لايمتنع ان يكون لمن ثبت له [ص 646] الالوهية افراد متعددة لكن الدليل العقلي دل علي بطلان وجود ما سوي فرد واحد فيكون الله سبحانه كليا منحصرا في الفرد و من هذه الجهة قالوا انه جزئي حقيقي و جزئي اضافي و الاوقات اشرف من تضييعها بذكر هذه الترهات و بيان هذه المزخرفات سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا لقد سبق سبحانه الكلية و الجزئية لانهما مخلوقتان و لايجري عليه ما هو اجراه و الخالق سبق المخلوق في كل ما له من اسم و رسم فلا اله الا الله ليس علي زعمهم و لا علي تخيلهم بل علي معني آخر و وجه آخر :

ان بحت يوما طل فيه دمي و ان كتمت يضيق به صدري

نسئل الله الفرج من ضيق المخرج و يظهر كلمة الله الحق و يجعلها العلياء انه علي كل شئ قدير و الكلام في هذه الكلمة من وجوه شتي : احدها في ترتيبها و الاتيان بالاستثناء و خصوص هذه الهيئة التأليفية و ان الخبر ( الجزء خ ) المقدر ما هو هل ( هو . نسخة ١٣٠٥ م ) موجود او ممكن او مستحق للعبادة او غيرها الثاني في خصوص حروف هذه الكلمة و كونها علي هذا العدد المخصوص الثالث في ان اصولها انما هي ثلثة و هي اللام و الالف و الهاء و الباقي تكرار و الوجه في ذلك و العلة فيما هنالك الرابع في الفرق بين لا اله الا الله و لا اله الا هو الخامس في باطنها و سرها السادس في ظاهر ظاهرها و السابع في تأويلها الثامن في باطن باطنها و سر سرها التاسع في حقيقة اللام و سرها و حقيقة الالف و اطوارها العاشر في لفظ الجلالة و ما يتعلق بها و ما يضاف اليها و هنا مباحث اخر و لو اردنا شرح هذه الوجوه و بيانها و تفسيرها و تحقيقها لادي الي تطويل و [ص 647] تفصيل و لو اردنا ان نقتصر علي مجرد الاجمال لم‌يعرف المراد و تشوش الاذهان و تضطرب الايقان و اما التفصيل فلا سبيل اليه مع ابتلائي بهذا الزمان و اهله الذين لايصغون الي حق لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون حكمة بالغة فماتغن النذر عن حق (كذا) و لايؤمنون فاصفح عنهم و قل سلام فسوف يعلمون اذ الاغلال في اعناقهم و السلاسل يسحبون ثم في النار يسجرون و الحكم لله و لا قوة الا بالله .

اشعار - ان الناظم ايده الله بتوفيقه و سدده بتسديده اراد ان يبين دقيقة انيقة مخفية الا عن العارفين الكاملين مطوية الا عن صدور المؤمنين و هي ان القوم حملة الستر و الحجاب و الاعلام لما وصلوا الي باب ذلك الجناب سبحوا اشارة الي ما قال علي بن محمد الهادي العسكري اذا صرت بالباب فقف و اشهد الشهادتين فان باب الله لايعرف الا بذكر الله عنده فان ذكر الله عنده فهو الباب و الدليل و الجناب و السبيل و ان لم‌يذكر الله و لا اسمه و لا صفته عنده فليس ذلك الباب باب الله و لا ذلك الجناب جنابه و هو قول النبي صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم عاشر من يذكر الله رؤيته و يزيد في علمك منطقه فاذا لم‌تذكر الله عنده فذلك ليس باب الله فاذا لم‌يكن باب الله كان باب الشيطان اذ ما بعد الحق الا الضلال فلما قال رفع الله قدره و سما ذكره انهم سبحوا لما اتوك و كبروا الخ ، اراد التعريف لان ذلك السيد الاكبر و النور الازهر الامام موسي بن جعفر عليهما آلاف التحية من الخالق الاكبر باب الله و حجاب الله حيث ان القوم لما اتوا اشتغلوا بالتسبيح و التكبير و التهليل و لم‌يذكر التحميد لمذكوريته مع هذه [ص 648] فانه رابع لم‌يتخلف عن الثلاثة فبالاربعة تم الوجود و امتاز الشاهد من المشهود قيل للصادق جعفر بن محمد لما كانت الكعبة مربعة لها اربعة اركان قال لانها بازاء بيت ( البيت . نسخة ١٣٠٥ م ) المعمور و هو مربع قيل لما كان البيت المعمور مربعا قال لانه بازاء العرش و هو مربع قيل لما كان العرش مربعا قال لانه بازاء الكلمات التي بني عليها الاسلام و هي سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر فسكت السائل و لم‌يسئل ان هذه الكلمات لما كانت مربعة و لو سئل سائل لقلنا انها بازاء العوالم الاربعة عالم العقول مظهر التسبيح لاضمحلال الصور و الحدود النفسانية فيها و عالم الارواح مظهر التحميد لان ذلك العالم مبدأ تمايز الاشياء و ظهورها بصورها و هياكلها و هيئاتها المستدعية لظهور النعمة الموجبة للحمد و الشكر و الثناء عليه سبحانه بلسان الكينونة علي كماله و عظم جلاله و جماله و عالم النفوس مظهر التهليل لان الاشياء لما تميزت و تشخصت و تمايزت ظهرت انياتها و ماهياتها و استدعت ملاحظتها و حجبت عن مشاهدة بارئها فاقتضت كينوناتها رفع انياتها و نفي اعتبارها و تنفيها و تقتلها امتثالا لقوله تعالي توبوا الي بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فقالت لا اله الا الله كلمة اثبتت الحق و ابطلت السوي و عالم الاجساد ( الاجسام . نسخة ١٣٠٥ م ) مظهر التكبير لان الكبر من شأن الاجسام و الكبرياء ظهور الحق سبحانه في هذا العالم و لذا قال الحسين سيد الشهداء و الصديقين في دعائه يوم عاشورا و هو آخر دعاء دعا به عليه السلام في دار الدنيا يستحب [ص 649] قرائته يوم الثالث من شعبان يوم ولادته او يوم الخامس منه و هو اللهم متعالي المكان عظيم الجبروت شديد المحال عريض الكبرياء قادر علي ما يشاء الدعاء ، فوصف الكبرياء بالعرض الذي من صفات الاجسام فهذه العوالم الاربعة بازاء هذه الكلمات الاربع فتبين لك ان التسبيح ظهور الحق سبحانه في عالم العقول فمن غلبت عليه جهة العقل يكثر ذكر سبحان الله و التحميد ظهور الحق في عالم الارواح و التهليل ظهوره في عالم النفوس و التكبير ظهوره في عالم الاجسام و انما كانت الكلمات الاربعة ( الاربع خ ) بازاء العوالم الاربعة لان الله سبحانه و تعالي لما خلق النبي من حيث كونه وليا خر مغشيا عليه تحت عرش الله الف سنة ثم افاق و ناداه الله سبحانه و تعالي انت الحبيب انت المحبوب انت المراد و انت المريد خلقتك لاجلي و خلقت الخلق لاجلك ثم سجد لله شكرا و قال في سجوده الف سنة سبحان الله سبحان الله فسطع من هذا التسبيح نور ابيض اضاء الكون و استنار الوجود ثم قال الحمد لله و لم‌يزل يكررها الي مدة الف سنة فسطع من هذا الذكر نور اصفر فاقع ( لونه تسر الناظرين خ ) فاضاء العالم به و استشرق الكون بهذا النور ثم قال صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم لا اله الا الله الف سنة فسطع من نور هذا الذكر المبارك نور اخضر اضاء به الكون و امتلأ به الوجود و استشرق به كل مفقود و مشهود ثم قال الله اكبر الف سنة فسطع من هذا الذكر الشريف نور احمر اضاء الكون و استشرق به الوجود فمن هذه الانوار الاربعة الساطعة من هذه الكلمات الاربع اختلفت الموجودات و تشعبت و تكثرت و اختلفت [ص 650] و تفصلت و اجملت علي الوضع الذي نريه ( تريه خ ) و انما ذكر رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) هذه الاربعة علي حسب ما فيه من الطبايع الاربع التي كل طبيعة حية بالذات فمن عنصر النار ذكر الله اكبر و من عنصر الهواء ذكر الحمد لله و من عنصر الماء ذكر سبحان الله و من عنصر التراب ذكر لا اله الا الله و قد ذكرنا وجه المناسبة في ذلك و انما كانت الطبايع اربع لان الجعل اذا تعلق بالمجعول فعند التعلق يحصل هذه الطبايع فمن جهة الفعل تظهر النار و من جهة المجعول المفعول به يظهر التراب و من جهة نسبة الفعل الجعل الي المجعول يظهر الهواء و من جهة نسبة المجعول المفعول الي الجعل الفعل يظهر الماء و بهذه الاربعة تمت الاركان و كملت بها بنية الانسان و دار به الزمان و المكان و بها تحققت الامور و دهرت الدهور و تم بها الحور و القصور الا الي الله تصير الامور و الله ولي التوفيق و الهادي الي سواء الطريق .

وصل - و لما ذكر الناظم ايده الله بتأييده و سدده بتسديده و جعله من خلص عبيده ما رأي المشيعون و الواقفون في ذلك الوادي من نار تجلي موسي ما ارتهم ( اردتهم خ ) التسبيح و التكبير و التهليل و التحميد و هي جوامع الاذكار و كلما سويها تدخل تحت هيمنتها و سلطنتها الا الصلوة علي محمد و آله و خلفائه فان لها الهيمنة علي هذه الاربعة و لها الرتبة الجامعة و الدرجة الرفيعة الشاملة لها و لما سويها و قد ذكرنا في شرحنا علي الخطبة الطتنجية لاميرالمؤمنين روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء في هذا الباب كلاما وافيا و بيانا شافيا تطمئن به القلوب [ص 651] و تشرح به الصدور و تسكن اليه النفوس و بالجملة فلما اتوا بذكر الله و عرفوا ان ذلك الجناب اي حضرة الامام الهمام موسي بن جعفر عليهما من الله آلاف السلام باب الله و جنب الله و وجه الله الذي يتوجه به اليه الاولياء و بدلالته يصلون الي مقام القرب و الزلفي ( و هو ممن تجب مودته و فرض طاعته من اولي القربي خ ) و هو الوسيلة الي الله و الذريعة لديه لان مودته و آبائه و ابنائه واجبة علي كل الخلق من اهل الارض و السماء ما هو مدلول كم الشامل للامة كلها الذين هم العالمون في قوله تعالي قل لااسئلكم عليه اجرا الا المودة في القربي فلما عرفوا هذا المعني بالمشاهدة و العيان و بالدليل الواضح و البرهان و عرفوا انه الوسيلة الي الله و الذريعة اليه و باب الحوائج و مصدر المناهج فالتجئوا الي ضريحه و قال سلمه الله و ابقاه و جعل له الوسيلة الي بره و تقويه اشارة الي هذه الدقيقة الانيقة و الحقيقة العميقة الشريفة المنيفة :

و تزاحموا و تراكموا و توسلوا و توقعوا و تخضعوا و تذللوا

اقول : لما تبين لهم ان تلك القبة المشرفة و القبر المنور و ذلك الامام الازهر باب الله و تصعد ( مصعد . نسخة ع ٤٠ ب ) الحوائج و هو العمل الصالح كما ابن نوح عمل غير صالح و الكلم الطيب الحوائج المشروعة استقامة الطوية و السريرة و العمل الصالح الذي يرفع تلك الكلم الطيب الي الله و يقرنها بالنجح و الاجابة ذلك العبد الصالح و هو قوله تعالي اليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه و لما عرفوا انه العمل الصالح لرفع الكلم الطيب التي هي تلك الحوائج التي امر الله سبحانه بطلبها التجئوا اليه و رفعوا حوائجهم [ص 652] الي الله سبحانه لديه و لما كان السائل السافل المحتاج حقيرا ذليلا خاضعا خاشعا في الواقع وجب ان تكون هذه الجهات ( كلها خ ) ظاهرة منه حتي يصل الي ما يريد من المقامات العالية و الدرجات المتعالية و لما كان التوجه فلا بد ان يكون بكله و بجميع مراتبه حتي تشمله العناية بجميع المراتب و يكون محلا للكرامة بجميع المقامات و لما كان الانسان له جسم و نفس و روح و عقل منخفض و عقل مستوي و عقل مرتفع فوجب التوجه الي الله سبحانه بالوسائل التي جعلها للناس بكلهم و جميع مراتبهم و المراتب منحصرة في هذه الستة اشار الناظم ايده الله الي جهة توجههم في مقاماتهم المفصلة بذلك النير الاعظم و الامام المعظم المفخم فقال سلمه الله تعالي و تزاحموا اي بعد التهليل و التكبير و التسبيح في جلال ( جلالة خ ) قدرة الله تزاحموا للتوجه الي ذلك القبر المقدس قبر الامام عليه من الله آلاف التحية و السلام باجسامهم لان المزاحمة شأن الاجسام لغلظتها و لانها ذات ابعاد فلايمكن ان يحل احدها في محل صاحبه فاذا اراد الكل الوقوف في ذلك المحل لاستلزام ( لاستلام خ ) القبر الشريف و تقبيل المرقد المنيف يتزاحمون يزاحم بعضهم بعضا و يدفع بعضهم بعضا للدنو الي القبر و للالتماس بركته للمسارعة الي الخيرات و عدم الايثار في العبادات فلما تمت توجهاتهم بالاجسام مقام النقش و الارتسام و التوجه الجسمي وحده لايكفي فلا بد من التوجه بسائر المراتب و لما كان اقرب المراتب و المقامات الي الاجسام مقام النفوس فقال و تراكموا و التراكم اعم من المزاحمة و هو اتصال المنفصلات و اجتماع المتفرقات كما قال تعالي [ص 653] الم‌تر ان الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فالتراكم هو الاتصال و الاجتماع و لو بغير المزاحمة فان النفوس لما كانت من عالم التجرد لا مزاحمة بينها و القرب و البعد المكاني مساوي لها بالنسبة الي الاجسام و لما كانت نفوس المشيعين كلها متوجهة الي باطن القبر الشريف و كلها مقبلة مجتمعة علي شئ واحد من غير تدافع و لا تزاحم كانت متراكمة مقبلة و متوجهة لان الاجتماع مظنة الخيرات و لذا قال رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم لاتجتمع امتي علي خطاء و علي ضلالة و قال الله سبحانه و تعالي و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولي و نصله جهنم و سائت مصيرا فاذا اجتمعت النفوس و تراكمت علي شئ واحد فالله سبحانه و تعالي يوصل الخير اليهم و لذا يستحب الاجتماع عند الدعاء و في الحديث مااجتمع اربعون نفسا في دعاء و طلب حاجة من الله الا و استجيب لهم دعاؤهم و لما كان الاقبال بالنفس وحدها لايكفي بل يحتاج الي مراتب اخر و لما كان اقرب العوالم الي عالم النفوس عالم الارواح اشار سلمه الله تعالي الي نوع توجههم في ذلك العالم فقال و توسلوا نسب التوسل الي عالم الارواح لان الكثرة الغيبية الموجبة للتراكم و الشهودية الموجبة للتزاحم منتفية و هنا مبدأ ظهور العقل الذي ادراكه بفعله معتبر في هذا الشأن و الجسم و النفس انما اتيا بهما للتبعية و لان يكون محلا لاظهار العقل ما تقتضيه كينونته و لذا اذا كانت النفس و الجسم خاليتين من العقل اما بعدم ظهوره بعد في الغير البالغين و الغير المميزين من الاطفال [ص 654] و الصبيان او باختلال محله الموجب لعدم استقامة ظهوره كالمجانين لم‌تحصل منهم العبادة و لايقع عليهم التكليف اي التكليف العقلاني من معرفة التوحيد و الاعمال الصالحة و هو قول سيدنا و مولانا ابي‌جعفر محمد بن علي الباقر ان الله سبحانه خلق العقل فاستنطقه ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا احب الي منك و لا اكملتك الا فيمن احب و بك اثيب و بك اعاقب فحصر الثواب و العقاب بالعقل و لما كان الروح هو البرزخ بين العقل و بين النفس فوجهه الاسفل مرتبط و متصل بالنفس و يجري عليه حكمها و الوجه الاعلي مرتبط و متعلق بالعقل و يجري عليه حكمه و لما كان العقل له مراتب و كل مرتبة يجري عليها حكم غير ( حكم خ ) المرتبة الاخري اختلف ما ينسب اليها من الافعال و ان كان بالنوع رتبة واحدة فاول مراتبه اعلي الروح و هناك مقام التوسل و الالتجاء لما تبين له انه الباب و وجه الجناب و لاتلتمس الحوائج الا من ذلك الباب و من يساويه من الائمة الاطياب و الخلفاء الانجاب فوجب الالتجاء و التوسل و جعله وسيلة و ذريعة و معرفة ذلك و لما كانت هذه المعرفة و هذا الالتجاء و التوسل في مقام الارواح بعد تراكم النفوس و تزاحم الاجسام لايكفي وحدها في انجاح المطالب و حصول المآرب الا بباقي المراتب و لما كان اقرب المراتب الي الروح العقل المنخفض اشار اليه و قال اعلي الله مقامه و بلغه مرامه و توقعوا يعني انحطوا و سفلوا و وجدوا انفسهم منحطة و مرتبتهم سافلة و ذلك بالعقل المنخفض فانه اول مراتب العقل و اسفل مقاماته و اول ما ظهرت طبيعة العقل من البرودة و اليبوسة في هذه الرتبة فاقتضي الوقوع و [ص 655] التوقع و الانحطاط و التسافل و لما رأوا نور ذلك العالي سفلوا و وقعوا و انحطوا و لما كان الانحطاط و التسافل لا بد ان يكون في اعلي مقاماته و اكمل درجاته في جميع المراتب و المقامات و لايكفي الظهور بالعقل المنخفض وحده و لما كان اقرب المراتب الي العقل المنخفض العقل المستوي اشار سلمه الله تعالي اليه بقوله و تخضعوا نسب الخضوع الي العقل المستوي لان المقام كل ما ترقي ظهور عظمة الله يكون اكثر و لاتظهر العظمة الا بمعرفة نفسه خاضعة ذليلة لان فخر الامكان و كماله التذلل لله و الخضوع و الخشوع كما قال رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم الفقر فخري و به افتخر و كلما تزداد المعرفة يزداد الانكسار فلما توقع في المرتبة المتقدمة خضع و خشع في هذه المرتبة التي هي اعلي من ما قبلها و لما كان التوجه بالعقل المستوي و ان كان كافيا وافيا لكنه اذا كان بجميع المراتب كان اكمل و اوفي و لما كان اقرب المراتب الي العقل المستوي العقل المرتفع اشار سلمه الله تعالي الي فعله و توجهه فقال سلمه الله تعالي و تذللوا و الذلة لاتكون الا بالخضوع و الخشوع في جميع المراتب و وجدان نفسه محتاجة فقيرة في كل المقامات و المراتب و لما تمت المراتب و كملت جهات التوجه و وقع كمال التذلل عرفوا انفسهم بانهم ذليلون محتاجون من جميع المراتب و المقامات و هناك مقام الاستغاثة و مقام الانابة و مقام طلب السؤال و الحاجة و الاستغفار و التذلل فلما جاؤا متذللين متخضعين متوقعين متوسلين متراكمين متزاحمين بقوا يذكرون الوسيلة كما اخبر عنهم الناظم ايده الله و سدده [ص 656] و شملته آثار رحمته و نظر اليه بعين عنايته فقال :

جاؤك في آثار رحمة ربهم قد توجوا فيها الرؤس و كللوا

اقول : و ان كان كلام الناظم من باب الاخبار الا انه حكاية عن لسان حالهم و استعدادهم فخاطب الامام عليه السلام و قال جاؤك اي القوم المشيعون الذين حملوا اعلام الهداية و نشروا الوية النبوة و الولاية و عظموا شعائر الله و اظهروا امر الله فجاؤك في آثار رحمة الله اما الاثر فهو علي قسمين اثر متصل و اثر منفصل اما الاثر المتصل فهو كل سافل يستمد من عاليه و يكون العالي باب فيضه و يد غيره و يد مبدئه و هذا الاثر منسوب الي المبدأ و ان كان بواسطة هذا العالي كالولد فان الوالد باب المدد له و حامل الفيض من الله سبحانه اليه لان الولد اثر للوالد يعني منسوب اليه دال عليه مردود اليه سواء كان للثاني المسمي بالاثر المتصل له غني عن عاليه ام لا اما الاول فكالابن للاب في العالم الجسماني فان الاب و ان كان بابا لثبوت الابن و وجوده و لولاه لماتحقق الابن في العادة و لكن الابن لما تحقق و استقرت النطفة في رحم الام استغني عن الاب و لذا اذا مات الاب لايموت الابن و لاينقطع من هو ثابت باقي و هذا الكلام قشري و صوري لان هذا الاب ليس اب حقيقي فلو كان اب حقيقي لكان اصلا و لو كان ( كان ابا حقيقة لكان اصلا و كان خ ) الابن فرعا و لايمكن تحقق الفرع بدون الاصل لان المدد الذي يأتي الي الثاني بحسب ظاهر الاسباب انما يتأتي بترجمان الاول فاذا مات المترجم انقطع الترجمان و لايصلح المدد الاول للثاني فيجب ان لايكون و لو امكن لمحتاج ( لمااحتاج خ‌ل ) في الاول فليس هذا من باب [ص 657] الاثرية الاتصالية بل الاثر المتصل لايزايل مؤثره المتصل فلو فارقه آنا واحدا تعدم و فسد فالاب الذي هو مؤثر في الابن و يد للمبدأ بالنسبة اليه هو المادة اي مادة الولد و الام الصورة اي صورة الولد و لما كان الشخص حاملا لتلك المادة سمي ابا اطلاقا باسم الحال علي المحل و ذلك شايع ذايع فالاب تلك المادة و الام تلك الصورة و الولد هو الحاصل من اجتماعهما فلايفارقهما بحال من الاحوال و بطور من الاطوار لا في الدنيا و لا في الآخرة و لا في الرحم و بالجملة فان الاثر و ان كان متصلا لم‌يزل مع المؤثر و لايفارقه بحال من الاحوال و ان كان من سنخه و من جنسه و من نوعه فالاثر المتصل هو الذي يأتي اليه المدد بترجمان مؤثره الذي هو قبله و يطلق المؤثر للاثر المتصل الاسباب و المعدات و اليد و امثال ذلك فالفؤاد اثر منفصل من المشية و الوجود المطلق و العقل اثر ( متصل خ ) للفؤاد لان نسبته اليه نسبة الماء الي الثلج و الروح اثر متصل للعقل و النفس اثر متصل للروح و الطبيعة اثر متصل للنفس و المادة اثر متصل للطبيعة و المثال اثر متصل للمادة و الجسم اثر متصل للمثال و العرش اثر متصل للجسم الكل و الكرسي اثر متصل للعرش و الشمس اثر متصل للعرش بواسطة للكرسي ( الكرسي خ ) و زحل اثر متصل للشمس و الافلاك الستة آثار متصلة للشمس و لا ترتب بينهما اي بين الستة و النار اثر متصل للافلاك و الهواء اثر متصل للنار و الماء اثر متصل للهواء و التراب اثر متصل للماء و المعدن اثر متصل للعناصر من حيث الظهور و النبات اثر متصل للمعدن قائما به قيام ظهور و الحيوان اثر متصل للنبات في الظهور [ص 658] فالانسان كذلك انما قلنا في الظهور لان في الوجود بالعكس و ظهور العالي لازال قائما بالسافل و لذا قلنا ان ظهور العالي قائم بالسافل كقيام ظهور نور الشمس بالارض فلولاها لم‌يظهر النور لان النور هو موجود وجدت الارض ام لم‌توجد كذلك ظهور النبات بالمعدن و وجود المعدن بالنبات و ظهور الحيوان بالنبات و وجود النبات بالحيوان و هكذا الحكم في قوس الصعود و النزول ففي قوس النزول كل ثان اثر لاوله اثرا متصلا و في قوس الصعود كل ثان مؤثر لاوله اثرا متصلا و ظهوره اثر الاول اثرا متصلا فخذ هذه القاعدة و احفظها فانها مطردة لاتختلف في حال من الاحوال و اما الاثر المنفصل فهو كل سافل منسوب الي العالي من حيث هو لا من حيث انه يد الا بمعني تأويلي كشعاع الشمس بالنسبة الي الشمس و كالصورة بالنسبة الي الشاخص و كالظل بالنسبة الي ذي الظل فعلي هذا فحقيقة الانبياء من حيث التعين اثر منفصل للحقيقة المحمدية صلي الله عليها ( عليه و آله خ ) و حقيقة الرعية من الانسان اثر منفصل لحقايق الانبياء و الجن اثر منفصل لحقيقة الرعية و البهائم اثر منفصل لحقيقة الجن و النباتات اثر منفصل لحقيقة البهائم من الحيوانات و الجمادات اثر منفصل لحقيقة النباتات و الاثر المتصل حقيقة واحدة مع مؤثره و لكنه قشر و فاضل منه .

تمثيل قشري - اللوز له دهن و له سفل و للسفل ( ثفل و للثفل . نسخة ع ٤٠ ب ) قشر رقيق و له قشر غليظ و علي ذلك القشر قشر كثيف فالدهن اثر متصل لاشعة الافلاك و السفل ( الثفل . نسخة ع ٤٠ ب ) اثر متصل للدهن و هو قشر له و القشر الرقيق اثر متصل للسفل ( للثفل . نسخة ع ٤٠ ب ) [ص 659] و القشر الغليظ اثر متصل للقشر الرقيق و كل اثر متصل اذا عبرنا عنه به نريد علي هذا النوع من البيان فافهم و اتقن حتي لاتختلف عليك الامور فانه باب من العلم ينفتح منه الف باب ثم اعلم ان الشعاع ايضا له هذان الاطلاقان شعاع متصل و هو الاثر المتصل و شعاع منفصل و هو الاثر المنفصل فالاثر المتصل من سنخ مؤثره و بينهما جهة جامعة فاذا اطلق لفظ واحد عليهما كان الاطلاق من باب الاشتراك المعنوي علي التشكيك دون التواطي للتقدم و التأخر و الشرافة و الدنائة و الاولية و الثانوية و الاولية و غير الاولية ( و الاولوية و غير الاولوية خ ) و اما الاثر المنفصل فلا تجمعهما حقيقة واحدة اذا اطلق لفظ علي الاثر و المؤثر كالنور علي الشمس و علي الشعاع و كالانسان علي الحقيقة المحمدية صلي الله عليها ( عليه و آله خ ) و علي الانبياء و علي الرعية ( و كالحيوان علي الحقيقة المحمدية و علي الانبياء و علي الرعية خ ) و علي الجن و علي البهائم و كالجسم النامي علي الحقيقة المحمدية صلي الله عليها ( عليه و آله خ ) و علي الانبياء و علي الرعية من الانسان و علي الجن و علي البهائم و علي النباتات و كالجسم المطلق علي كل ما ذكرناه و علي الجمادات و كاطلاق الجوهر علي كل ما ذكرناه و علي العقول القادسة و النفوس المفارقة و كاطلاق الوجود علي الكل و كاطلاق المؤمن علي الكل و كاطلاق المسلم علي الكل و هكذا من ساير الاطلاقات فانها ليست من باب الاشتراك المعنوي تشكيكا كان او تواطئا و انما هو من باب الحقيقة بعد الحقيقة كما شرحناها و بيناها في كثير من مباحثاتنا و قد كتب بعض التلامذة رسالة في الحقيقة بعد الحقيقة و الوضع الخاص و الموضوع له العام [ص 660] الذي احاله كثير من الناس و هي رسالة جيدة منطوية علي مطالب شريفة في هذا الباب فمن ارادها فليطلبها فعلي هذا اذا وجدت لفظا اطلق علي الاثر المتصل و المؤثر و كان اطلاقه علي الاثر حقيقة لوجود علائم الحقيقة فيه فاقطع قطعا بحتا باتا علي ان ذلك اللفظ المستعمل في الاثر حقيقة هو المستعمل في المؤثر حقيقة و ان وجدت فيه علائم المجاز لان الواضع اذا كان هو الله سبحانه فلايخل بالحكمة كما اشرنا اليه سابقا و اما اذا كان استعماله في المؤثر حقيقة و في الاثر ان وجدت فيه علايم الحقيقة فالاشتراك معنوي و الصدق علي التشكيك و اما اذا اطلق لفظ علي الاثر المنفصل و مؤثره و كان حقيقة في الاثر لوجود العلائم فيه فاقطع قطعا حقيقيا باتا علي انه حقيقة في المؤثر وجدت علائم المجاز في المؤثر ام لم‌توجد نص اهل اللغة بذلك اي بمجازية المؤثر ام لم‌ينصوا فان العلائم ( و قول اهل اللغة خ ) انما يصار اليه اذا لم‌يحصل العلم القطعي بالموضوع له فاذا حصل العلم بالموضوع له و تبين انهم لم‌يعثروا علي الواقع فلا اتباع لقولهم و لا ركون الي نصهم لانهم ليسوا من اهل اللسان و انما هم استنبطوها من محاورات العرب و اشعارهم و خطبهم و حكاياتهم و امثال ذلك و جواز الخطاء عليهم من اجلي البديهيات و المناط المعتبر حصول العلم القطعي في المعني خالف في ذلك الفيروزابادي او وافق و ليس هو باولي من غيره و لم‌يأت نص من الله و لا من رسول الله ( صلي الله عليه و آله خ ) علي اتباعه فالبرهان احق بالاتباع حيث ما وجد و لا قام اجماع علي لزوم اتباعه و ان قام الدليل القاطع علي خطائهم افمن يهدي الي الحق احق [ص 661] ان يتبع ام لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون قال مولينا و سيدنا الباقر روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء ان علمتم فقولوا و الا فلا فافهم و الا فها فافهم و ثبت ( و الا فلا فافهم و تثبت خ ) ثبتك الله بالقول الثابت و هداك الله و ايانا الي الصراط المستقيم .

اما الرحمة فاعلم انها فيض الله سبحانه الجاري علي اطوار الموجودات فان جري علي مقتضي المشية الحتمية فهي الرحمة الواسعة و ان جري علي مقتضي المشية العزمية فهي المكتوبة و بيان ذلك ان الله سبحانه حتم علي نفسه ان يجري فيض جوده علي حسب القوابل و الاعيان و الاستعدادات علي حسب ما جري في علمه و قضائه و قدره خيرا كان ام شرا نعيما كان ام اليما جنة كان ام جحيما و مقتضي هذه المشية الحتمية تسمي رحمة العدل و هو قوله تعالي و رحمتي وسعت كل شئ و لا شك ان الجنة شئ و النار شئ و الثواب شئ و العقاب شئ و ظهور الحق سبحانه بهذه الرحمة هو اسم الرحمن قد استوي اي ظهر متساويا نسبته الي جميع ذرات ( الذرا . نسخة ١٣٠٥ م ) الوجودية من استقامة او اعوجاج من خير او شر عال او دان لان نسبة المبدأ الي جميع الموجودات الحادثات علي حد سواء و الا كان مختلف النسبة و مختلف النسبة حادث فاسم الرحمن هو الظاهر بالرحمة الواسعة قد استوي علي العرش يعني جعل العرش خزانة لجميع الامدادات و الفيوضات التي تستحقها قوابل السفليات و هو متساوي النسبة يعطي كل من سئله علي قدر سؤاله و لو سألته القوابل علي نسبة واحدة اعطاهم اياها و لكنها لما سألت بالاختلاف اجابهم و هو قوله تعالي انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها [ص 662] فنسبة الماء نسبة واحدة و القوابل اختلفت و الماء هو ماء الوجود و السماء هو العرش نزل منه الماء ماء الافاضة باسم الرحمن و الرحمن يوصف بالاسماء المتقابلة كالغافر و المنتقم و كالرؤف و القهار و كالعطوف و الجبار و كالمحيي و المميت و كالمنعم و المعذب و هكذا في ساير الاسماء و هذا الاسم اي الرحمن هو الآخذ بناصية كل شئ و كل دابة لما بينا سابقا من ان كل شئ له شعور و قوة و حركة يدب في ارض القابلية فكل شئ دابة و هو قوله تعالي ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربي علي صراط مستقيم و الصراط المستقيم هو الرحمة الواسعة و القدرة الجامعة و هو الذي عم كل شئ من شقي و سعيد و حق و باطل و طاهر و رجس كما نص عليه الله بقوله الحق فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و هذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون و قوله تعالي و هذا صراط ربك مستقيما يريد بالمشار اليه بهذا شرح صدر المؤمن و ضيق صدر الكافر و جعل الرجس علي الذين لايؤمنون هو الصراط المستقيم و المنهج القويم و فصل الخطاب و القول الفصل الذي ليس بالهزل و هذا الصراط المستقيم هو مقتضي اسم الرحمن الظاهر بالرحمة الواسعة و الرحمة الواسعة هو الماء الذي ينزل من القرآن يعني من اسم الله فيه شفاء للناس و لايزيد الظالمين الا خسارا فافهم و اتقن و اما الرحمة المكتوبة فهي رحمة الفضل و هي التي قال تعالي فسأكتبها للذين يتقون و [ص 663] يؤتون الزكوة بعد قوله تعالي و رحمتي وسعت كل شئ فان كانت الرحمة الواسعة هي رحمة الفضل و الخير لماكان لقوله تعالي فسأكتبها الآية ، معني محصلا لان تلك الرحمة قد وسعت كل شئ فاي اختصاص بالمؤمنين لها اذا لم‌تكن لها مزية فتلك الرحمة هي الرحمة التي يدخل اهل الجنة الجنة و يوصل بها اهل الخير اليه و يجعل النور في القلب و يشرح الصدر و يقوي الايمان و يذهب النفاق و يجنب المعاصي و السيئات و يوجب الطاعات و الحسنات و هذا مقتضي المشية العزمية و هي مشية المحبة فان الله سبحانه و تعالي احب لعباده الخير ليوصلهم الي جنات النعيم علي مراتب الجنة من جنة الوحدة و جنة الاسماء و الصفات و جنة اللذات و الشهوات و جنة الذكر و المناجاة و امثالها من جوامع الخيرات و محاسن المبرات و عظايم الحسنات و هذه الرحمة تسمي رحمة الفضل و الرحمة المكتوبة و هي مائة جزء اظهر الله سبحانه في الدنيا جزءا واحدا منها بها يرحم الناس بعضهم بعضا و تعطف الوالدة علي اولادها و الاب الي ابنائه و المحب الي حبيبه و الصديق الي صديقه و كل حنين و عطف و رأفة و لطف و احسان و امتنان و انعام و اكرام و غير ذلك من جوامع الاحسان كل ذلك بجزء واحد من الرحمة المكتوبة و اودع تسعة و تسعين جزء في خزائنه الغيبية او في الركن الايمن الاعلي من العرش فاذا جاء يوم القيمة اظهرها و ضم اليها هذا الجزء الذي في الدنيا فيرحم بها عامة عباده ممن ارتضي من المسلمين و المستضعفين من ساير الملل حتي يأتي ذمي الي المؤمن ممن ارتضي دينه فيقول له ان لي عليك حقا فيقول ما ذلك ( الحق خ ) فيقول استظللت بظل جداري في يوم حار [ص 664] فيذكره ذلك فيشفع له و يأتيه آخر فيقول ان لي عليك حقا فيقول المؤمن ما هو يقول سقيتك ماءا باردا في يوم حار فيذكره المؤمن فيشفع له و هكذا تنبسط الرحمة و تشمل عامة اهل الاسلام ماعدا الكفار ماحضين الكفر محضا حتي ان ابليس ليتوقع الرحمة .

تبيين - قد تطلق الرحمة الواسعة علي رحمة الفضل ايضا كما في الدعاء اللهم انك قلت و قولك الحق و رحمتي وسعت كل شئ و انا شئ فلتسعني رحمتك يا كريم و لا ريب ان الداعي لايطلب رحمة العدل فان ذلك لا بد ما يجري لانه سبحانه و تعالي حكيم لايخالف مقتضي الحكمة و السؤال في هذا المقام مستغن عنه و انما السؤال فيما لولاه لم‌يقع و ذلك رحمة الفضل لان الخلق بعدل الله ما يستحقون شيئا من الخير كما قال تعالي و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ماترك علي ظهرها من دابة و لكن يؤخرهم الي اجل مسمي و قال تعالي قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون اي من الاعمال و الافعال و قال سيد الساجدين و زين‌العابدين في الدعاء كل مننك ابتداء و كل احسانك تفضل لايجب لاحد ان تدخله جنتك باستحقاقه و لايوجبه رضوانك باستيجابه و له روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء دعاء احب ان اورده في هذا المقام بتمامه لتعرف مقام الخلق في استحقاقهم الجنة او الخير و هو لعمري دعاء تحير فيه الافهام و تحسر عن ادراكه الاذهان و تعجز عن البلوغ الي ادني مراقيه طامحات العقول و الاوهام و لايفتح مقفله و لايفك معضله و لايسهل مشكله الا بما ذكرنا سابقا في مقام التنزيه عن البيان فما اسعدك لو وفقت [ص 665] لمعرفة ذلك التبيان فانه قل ما عثر عليه انسان و الدعاء هذا : الهي و عزتك و جلالك لو انني منذ بدعت فطرتي من اول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين بحمد الخلايق و شكرهم اجمعين لكنت مقصرا في بلوغ اداء شكر خفي نعمة من نعمك و لو انني يا الهي كربت معادن حديد الدنيا بانيابي و حرثت ارضها باشفار عيني و بكيت من خشيتك مثل بحور السموات و الارضين دما و صديدا لكان ذلك قليلا من كثير ما يجب من حقك علي و لو انك يا الهي عذبتني بعذاب الخلايق اجمعين و عظمت بالنار خلقي و جسمي و ملأت طبقات جهنم مني بحيث لايكون في النار معذب غيري و لا لجهنم حطب سواي لكان ذلك قليلا من كثير ما استحق من عقوبتك يا كريم . تأمل في هذا الدعاء الشريف فانظر ( و انظر خ ) هل يبقي بعد ذلك الا ما قال تعالي قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون و تأمل في هذا الكلام الشريف و امعن النظر فيه و بالجملة فرحمة العدل ليس شئ يسئل عنها او يطلبها لان الخوف كل الخوف من عدله تعالي و نقول ربنا عاملنا بفضلك و لاتعاملنا بعدلك و في الدعاء و كل خوفي من عدلك فالرحمة التي سألها الامام بقوله و رحمتك وسعت كل شئ و انا شئ فلتسعني رحمتك يجب ان تكون هي رحمة الفضل دون العدل الا انه يرد هنا اشكال و هو ان الفضل ليس عاما لكل شئ و انما هو خاصة للمؤمنين لقوله تعالي و يؤت كل ذي فضل فضله فلايشمل كل احد و الا يلزم الاتكون نار و لا عقاب و لا جهنم و لا كدورة و لا شئ مما يكرهه الانسان لان الفضل بيد الله [ص 666] يعطيه من يشاء و لا اختصاص له بحال دون حال و بشخص دون شخص مع وجود المقتضي و رفع المانع بعيد عن الكرم بل قبيح علي ولي النعم و حينئذ كيف يجتمع و يوافق ( يطابق خ ) المذهب قوله تعالي و رحمتي وسعت كل شئ و اردنا بذلك رحمة الفضل فان الفضل يخص و لايعم و يجب تخصيص الشئ حتي ينطبق مع القواعد الاسلامية و الآيات القرآنية و لكن هذا التخصيص ينافي قوله عليه السلام في الدعاء و انا شئ و ظاهره الاستدلال بعموم الشئ و الا لماصح هذا الاستدلال اذا كان مخصوصا اللهم الا ان يقال حيث ان الله سبحانه ( و تعالي خ ) عالم السر و الخفيات يعلم مراد السائلين و يطلع علي ضمائر الطالبين خاطبه الداعي عليه السلام بما عنده مما يعلمه ان الله يعلم ما في سره و قلبه و هو قوله تعالي و اسروا قولكم او اجهروا به انه عليم بذات الصدور الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير فكأنه اراد عليه السلام بقوله و رحمتك وسعت كل شئ يعني فضلك شامل فوسع كل من رضيت دينه لان قلت و قولك الحق من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه و قلت و قولك الحق و لايشفعون الا لمن ارتضي اي من ارتضي دينه و قلت و قولك الحق و لو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤك فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول و انا يا الهي ممن ترضي دينه لاني آمنت بالتوحيد و النبوة و الولاية و اتيت بالذي امرت بالاتيان اليه خاضعا خاشعا مسلما محكما له فيما يقع التشاجر فانا يا الهي ( شئ خ ) ممن ترتضي عنه في الدين فلتسعني رحمتك اي فليشملني فضلك و لاتؤاخذني بالمعاصي التي اقترفت و اياه ارتكبت [ص 667] اذا كان ديني سالما و اعتقادي صحيحا فبهذا ينزل كلامه عليه السلام و يخصص شئ و ما قاله بعض المتكلفين ان المراد بهذه الرحمة لغة الوجود و هي عامة شاملة لكل موجود و مفقود فبعيد عن التحقيق و تكلف ظاهر مع انه لاينطبق بالواقع لان رحمة العدل هي الوجود و هي الفيض الذي ذكرناه و الوجود و الفيض انما تظهر بالقوابل ،

كقطر الماء في الاصداف در و في بطن الافاعي صار سما

لقد افصح الحق سبحانه عن هذه الدقيقة الانيقة بقوله تعالي انزل من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا و مما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية او متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق و الباطل فاما الزبد فيذهب جفاء و اما ما ينفع الناس فيمكث في الارض فكون الرحمة هي الوجود و الفيض لايقتضي ان يكون خيرا و نورا في جميع الموارد كما هو المعلوم الظاهر .

تنبيه - اعلم انهم قالوا ان الرحمن هو معطي الرحمة و الخير و الرزق في الدنيا و الرحيم هو معطي الخير و النور في الآخرة فعلي قولهم ان الرحمة فضل مطلقا الا ان الفضل في الدنيا يشمل المؤمن و الكافر من ادرار ارزاقهم و ابقاء حياتهم و رفع الاذي عنهم و ايصال الكل الي مطلوبهم بما شاء الله كيف شاء الله و هو رحمة الرحمن و اما الرحيم فهو المتفضل علي المؤمنين في الآخرة بالجنة و النجاة من النار و دفع الشدايد اهوال القيمة و الثبات علي الميزان و الجواز علي الصراط كالبرق الخاطف و امثالها من نعم الله سبحانه علي المؤمنين في دار الآخرة [ص 668] فخصوا رحمة الرحمن في الدنيا و خصوا رحمة الرحيم في الآخرة و لست ادري ما الذي الجأهم الي هذا القول الفاسد و ما الذي احوجهم الي هذا المذهب الكاسد مع انه عليه السلام قال في الدعاء يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما ، فنسب الرحمن الي الدنيا و الآخرة و الرحيم الي الدنيا و الآخرة فاين الاختصاص الذين يزعمون ان الرحمن مختص بالدنيا و الرحيم مختص بالآخرة و قال مولينا الصادق روحي له الفداء و عليه السلام من الملك الخالق في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم قال الباء بهاء الله و السين سناء الله و الميم ملك الله الي ان قال الرحمن اسم خاص لصفة عامة و الرحيم اسم عام لصفة خاصة يعني ان الرحمن اسم خاص بالله سبحانه لايصح اطلاقه علي غيره تعالي و وجه هذا الاختصاص ان صفته اي الظهور بالرحمة عامة شاملة لكل شئ من الاشياء و مخلوق من المخلوقات و يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه فمن جهة عموم هذه الصفة و عدم صحة صدقها علي غيره تعالي اختص هذا الاسم اي اسم الرحمن به تعالي و لايجوز اطلاقه علي غيره لان الرحمن هو الجامع لصفات الاضافة و صفات الخلق و الاسم الله هو الجامع لصفات القدس و الاضافة و الخلق و بهذا يفرق بين الاسمين الاعليين و كلاهما بالله سبحانه و تعالي لايصح اطلاقهما علي غيره و قول الشاعر في مدح مسيلمة الكذاب ، و انت غوث الوري لازلت رحمانا ، لاينهض حجة علي الجواز لان الشرع منعه و قول الخارج من الشرع لايعبؤ به و لايلتفت اليه و بالجملة فكلام الصادق عليه السلام نص في الاختصاص و انه عام يشمل [ص 669] كل شئ من الموجودات لانه لم‌يذكر متعلق العام فيكون شاملا لكل شئ من الاشياء و لكل موجود من الموجودات و لست ادري ما الذي دعاهم الي هذا التخصيص اظنه لما ذكر في كتب اللغة ان الرحمة لرقة القلب و الرحمن بزعمهم و ان لم‌يستعمل في معناه الحقيقي بقولهم ان الرحمن مجاز بلا حقيقة ( لكنه خ ) يراد منه العطف و الرأفة لان شرط المجاز ان يكون مناسبا للمعني الحقيقي فوجدوا المناسبة اذا اطلق علي الله سبحانه الرأفة و العطف فقالوا ان الرحمن عطف و رأفة لكنه في الدنيا شاملة للمؤمن و الكافر و العادل و الفاسق و العالي و السافل و الدني و الفاضل و الرحيم فضل خاص للمؤمنين في الآخرة لانه يقبح شمول الرحمة للكفار و اختص بالمؤمنين الاخيار و هذا القول مناف لظاهر الآية و رحمتي وسعت كل شئ بل نصها و مناف لصريح الدعاء يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما و مناف لصريح كلام الصادق روحي له الفداء و عليه و علي آبائه آلاف التحية و الثناء و ترك الكتاب و السنة و قول الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام الذي هو من افاضل علماء الامة لاجل اعتبار استحساني يشبه المجاز به ( المجازفة . نسخة ع ٤٠ ب ) مخالف للعقل السليم و الطبع المستقيم فالرحمن عام كما ذكرناه و الرحيم خاص كما قلناه و الرحمة التي في الدنيا بمعني التفضل علي الكافر من جهة ادرار الرزق و ما شاكل ذلك فذلك من رحمة الرحيم لا الرحمن فان الفضل يشمل الكافر لمصلحة المؤمن لا لنفس الكافر لان الله سبحانه امد الكفار و حفظهم عن طوارق الليل و النهار و جعلهم عن حوادث الدهر في اكنة و قرار لاجل انس المؤمنين لتوقف امور معاشهم و [ص 670] ما يصلح احوالهم حتي يتمكنوا من اصلاح معادهم في مقام العادة بحسب الاسباب الظاهرية علي اغلب الناس غير المؤمنين و المسلمين الاتري الافرنج و صنايعهم و تسهيلهم للامور و كذا غيرهم كل ذلك لاجل المسلمين و في الحقيقة هذا الفضل علي المسلمين لا الكفار و اما رحمة الرحمن في الدنيا رحمة العدل فمن نحو قوله تعالي و لايحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب مهين قال تعالي و املي لهم ان كيدي متين و اي فضل فيما كان علي سبيل المكيدة و عاقبته نار الحطمة و من نحو قوله تعالي فمن يرد الله ان يهديه الي قوله تعالي كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و من نحو قوله تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم و قوله تعالي و بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه و امثالها مما نشاهد من نزول الوبال و اللعنة علي الكفار و بالجملة فاسم الرحمن له ظهور في الدنيا و الآخرة و الرحيم له ظهور في الدنيا و الآخرة علي ما فصلناه لك منه ببعض البيان .

حكمة ايمانية - قد سري في الاوهام و جري في الاذهان ان الرحمن مجاز بلا حقيقة و ان الرحمة قد وضعت لرقة القلب و هي محال علي الله فالرحمن استعمل في خلاف ما وضع له ابدا و لم‌يستعمل فيما وضع له و هكذا الكلام علي التحقيق الذي سبق منا في مبحث الاثر كلام خارج عن التحقيق و بعيد عن وصمة ( وسمة خ ) التدقيق لانا قد بينا هناك ان اللفظ اذا اطلق علي الاثر و المؤثر و كان حقيقة في الاثر يجب ان يكون حقيقة في المؤثر [ص 671] سواء كان وجدت علائم الحقيقة فيما يطلق علي المؤثر ام لم‌توجد و سواء وجدت علائم المجاز فيما يطلق علي المؤثر ام لم‌يوجد بعين ما ذكرنا سابقا و اي عاقل يرضي بان يقول ان الله لم‌يكن رحمانا قبل ان يخلق العباد و قبل ان يخلق قلوبهم و قبل ان يخلق رقتها ثم خلق القلوب و رقتها ثم وضع لها اسما ثم استعار منه له تعالي اسما سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا و الحقيقة ذكر و المجاز انثي فنسبوا الحقيقة الي انفسهم و المجاز الي الله الكم الذكر و له الانثي تلك اذا قسمة ضيزي ان هي الا اسماء سميتموها انتم و آباؤكم ماانزل الله بها من سلطان فظهر الحق و بطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك و انقلبوا صاغرين .

تحقيق عرشي - قال تعالي و ماارسلناك الا رحمة للعالمين و هذه الرحمة يصح ان يكون رحمة واسعة و هي رحمة عدل في مقام النبوة لانه صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) لما دعي الخلق الي سبيل ربهم بالحكمة و الموعظة الحسنة في الدعوتين التكويني و التشريعي في العالمين في الغيب و الشهادة و الاجمال و التفصيل و الوحدة و الكثرة و الخلق قاطبة بين مصدق و مكذب في ظاهر اللسان و اما في باطن الجنان فهم بين مصدق و مكذب و مستضعف متوقف فالمصدق بايمانه و تصديقه كان النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) له نورا و رشدا موصلا له الي اعلي عليين و مسببا له اسباب التوفيق و مجنبا له عن المعاصي و السيئات و سوء الاخلاق و سوء الاعراق و اضمار النفاق و ابطان الشقاق و امثال ذلك مما ينافي الوفاق و كان لهؤلاء فضلا و نورا و للمكذبين ظلمة و وبالا و نكالا و [ص 672] عذابا و طبعا للقلب و ضيقا للصدر و التباسا للامر و اضطرابا في القلب و امثال ذلك و اما المتوقفون فيلهي منهم و يرجي امرهم حتي تصفوا قلوبهم و تظهر بواطنهم اما يعذبهم و اما يتوب عليهم و هذا هو مقتضي العدل و يصح ان تكون الرحمة رحمة الفضل لانه صلي الله عليه و آله بركة للعالمين و امان لهم عن الهلاك و العذاب كما قال تعالي و ماكان الله ليعذبهم و انت فيهم و ماكان الله معذبهم و هم يستغفرون و قد انقطع العذاب عن هذه الامة و لو اتوا بالكباير و موبقات الجراير كما كان شأن الامم الماضية من نزول العذاب عليهم بغرق و حرق و خسف و مسخ و صاعقة و صيحة و امثالها من انحاء العذاب و قد ارتفعت عن هذه الامة ببركة هذا السيد الطاهر و النور الباهر عليه آلاف التحية و الثناء من الملك القادر و كذلك ما كان علي الامم الماضية من العسار ( الآصار خ ) و الشدائد التي هي مذكورة في محلها و مثبتة عند اهلها كوجوب حمل بني‌اسرائيل قرابينهم علي اكتافهم الي موضع مخصوص يذبحونها فيه و كوجوب قرض بني‌اسرائيل لحومهم اذا تنجست بنجاسة البول و ككتابة المعصية اذا هم احدهم بها و لم‌يفعلها و كالكتابة علي باب دورهم اذا ارتكب صاحب الدار معصية ان فلان بن فلان عصي المعصية الفلانية و كان له بها العار و الفضيحة و الشنار و كانوا يؤاخذون بالخطاء و السهو و النسيان و كان اذا ارتكب احدهم معصية واحدة لم‌يغفر له حتي يتضرع و يخشع و يخضع و يهجر ملاذ الاطعمة و المشتهيات قريبا من خمسين سنة او ستين سنة و بعد ذلك ربما يغفر له ام لا و امثالها من العسار ( الآصار خ ) و [ص 673] الشدايد كثيرة و كل ذلك ارتفع عنا ببركة رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و فضله فكان هو رحمة للعالمين و فضلا من الله عليهم اجمعين و هو قوله تعالي قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون و فضل الله هو رتبة النبوة لما ذكرنا من ان النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) فضل علي الخلق و بركة و دعا لهم و رفع عنهم اعظم الآصار و المضار و ذلك بقبوله عن الله تعالي و امتثاله لامره و حكمه لما كلفه تعالي بمضمون الآية و ان تبدوا ما في انفسكم او تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء و كان الله سبحانه اذا كلف الامم الماضية يعني انبياءهم بذلك كانوا يستثقلون و يقولون ربنا لا طاقة لنا بذلك و لا اممنا لهم طاقة بذلك فاذا رأي الحق سبحانه منهم الاستثقال كان يلزم عليهم و لذا كانت الامم الماضية اذا هم واحد منهم بمعصية كتبت له و لما اوحي الي نبينا صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) ما اوحي و كان مما اوحي ان كلفه صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) بمضمون الآية الشريفة و لما كان صلي الله عليه و آله حبيبا و كان الحبيب لايستثقل شيئا مما يرد عليه من محبوبه بل كان يفرح و يسر اذا اتي اليه امر من المحبوب و ان كان فيه هلاك نفسه فكيف اذا كان فيه حيوته فقبله رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و لباه و اجاب داعي الحق بالسمع و الطاعة و القبول فلما رأي الحق سبحانه منه القبول قال سبحانه آمن الرسول بما انزل اليه من ربه ثم اجاب رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) عن امته و رعيته فقال صلي الله عليه و آله و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لانفرق بين احد من رسله و قالوا سمعنا و اطعنا غفرانك ربنا و اليك المصير [ص 674] و لما رأي الله سبحانه سرعة اجابته صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) عن نفسه و عن المؤمنين من امته تفضل عليهم و قال يا محمد لئن اجبت و اطعت فاسئل تعط و اشفع تشفع قال صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم ربنا لاتؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا قال تعالي لك ذلك و كانت الامم الماضية اذا اخطأوا او نسوا او سهوا يؤاخذون و يجري عليهم احكام الذي ترك عمدا فرفع الله سبحانه عن هذه الامة كرامة لنبينا صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و اجابة لدعائه ثم قال صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) ربنا و لاتحمل علينا اصرا كما حملته علي الذين من قبلنا قال تعالي لك ذلك فرفع عن امته الآصار و الشدائد التي اشرنا الي بعضه ( بعضها آنفا . نسخة ١٣٠٥ م ) و فصلها اميرالمؤمنين عليه السلام في جواب مسائل الزنديق مشروحا في الاحتجاج فارتفعت تلك الآثار كرامة للنبي المختار عليه و آله و صحبه سلام الله الملك الجبار ثم قال صلي الله عليه و آله ربنا و لاتحملنا ما لا طاقة لنا به و المراد من هذه الطاقة الطاقة العرفية كما اذا كلفهم بقرض لحومهم و ابشارهم او يمشون علي رؤسهم او لاينامون لياليهم و ايامهم و يشتغلون بالافعال الشاقة و امثال هذه المراد بما لا طاقة لنا به عادة فقال سبحانه لك ذلك فرفع عنه و عن امته ما لايطيقون عادة كما كانوا مكلفين بقرض لحومهم اذا اصابتهم بنجاسة ( نجاسة . نسخة ١٣٠٥ م ) البول ثم قال صلي الله عليه و آله و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا انت مولينا قال سبحانه لك ذلك فقد غفر سبحانه ذنوب امته و عفي عنهم و رفع عنهم تخليد العذاب بما كانوا يرتكبون من الموبقات و الجراير و السيئات فكل امة محمد صلي الله عليه و آله من امة الاجابة لا بد يؤل الي الجنة و ما اصابهم [ص 675] العقوبات عند الموت و الشدائد و اهوال القيمة او الالقاء في النار مدة ثم اخراجه عنها و ادخاله الجنة فذلك لما عراهم اي امته من لطخ الكفار و المنافقين الاشرار و ادخالهم في النار مدة يسيرة لتصفيتهم عن غش ما اصابهم من لطخ اولئك الكفار الفجار و الا فامته (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) مغفورة ذنوبهم مستورة عيوبهم لبركة دعائه و هو قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر يعني ذنب امته حيث نسبه (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) الي نفسه تشريفا لامته و تفخيما لهم و تعظيما و الا فرسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) لا ذنب له بحال من الاحوال الا ان حسنات الابرار سيئات المقربين ثم قال (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) فانصرنا علي القوم الكافرين قال تعالي لك ذلك و حكم له بان ينصره و يظهره علي الدين كله و لو كره المشركون و هذه كلها كرامة من الله سبحانه لرسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) علي هذه الامة و هو قوله تعالي لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم فكان رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) رحمة للعالمين رحمة الفضل علي ما بينا فقول الناظم ايده الله بتوفيقه و تسديده جاؤك في آثار رحمة ربهم اشارة في الباطن الي قوله تعالي فانظر الي آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها فاذا كان رسول الله (صلعم) ( صلي الله عليه و آله خ ) هو الرحمة اي رحمة الله كما نص عليه سبحانه و تعالي ( بقوله خ ) و ماارسلناك الا رحمة للعالمين و قد ذكر ان آثار الرحمة حيوة الارض بعد موتها و المراد بهذه الارض ارض الاكوان و موتها عبارة عن ذكر الامكان فان الذكر لا وجود له ظاهرا فهو بحكم الموت فيكون من آثار النبي الذي هو الرحمة حيوة الاكوان و وجودها و تحققها علي ما هي عليه من اختلافها و ايتلافها و هذه الرحمة تصح ان تكون رحمة العدل و ان تكون رحمة الفضل و الثاني اقرب و الي [ص 676] المقام انسب و ان كان الاول ايضا له مناسبة فان حيوة كل شئ علي حسبه و حيوة المؤمن بالهداية و الارشاد و تنوير القلب كما قال تعالي اومن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس و حيوة الكافر موت قلبه و طبعه و الختم عليه و امثالها من الامور كما قال تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فالحيوة بالمدد الا ان مدد كل شئ من سنخه فعلي هذا البيان جميع ما في الوجود الكوني من آثار نبينا (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) الا ان من الآثار ما هي متصلة و ما هي منفصلة و قد اشرنا الي نوع المتصل و المنفصل من الآثار فراجع و هذا هو المعني الحقيقي و المدح الواقعي الذي فوق ما يقوله القائلون و يصفه الواصفون و الي هذا المعني اشار الشاعر بقوله في مدح النبي (صلعم) ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) :