يا ايها النار التي شب السنا منها لموسي و الظلام مجلل
و الولد علي سر والده و جزئه و قد قال الصادق روحي له الفداء في تفسير قوله تعالي ان بورك من في النار و من حولها ان من في النار هو رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و من حولها موسي فلنقبض العنان فللحيطان آذان و تعيها اذن واعية و الله خليفتي عليك .
وصل - و لما ذكر الناظم ان حملة الستر و الحجاب و المشيعين له علي ما وصفنا [ص 586] حالهم سابقا لما وصلوا الي ذلك المكان و رأوا السنا من القبتين الشريفتين و وجدوا منار الهدي قد توقد ضياء و نورا و لما كان السناء من ظاهر القبتين فهو لاتخلو اما من جواهر العلل و هم الانبياء اي انوارهم قد تلألأت و تشعشعت و ظهرت او انوار النقباء و النجباء و الكل يجب ان يكون ( من خ ) مظهر واحد لان انوار الانبياء اذا ظهرت من غير حجاب هلكت الرعية فلانهم خلقوا من شعاع نورهم من فاضل ظهورهم و الشعاع لايثبت عند ظهور المنير و يضمحل عند ظهور المنير و يحترق و ( قد خ ) قال النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) ان لله سبعينالف حجاب من نور و ظلمة لو كشف واحد منها لاحترقت ( لاحرقت . نسخة ١٣٠٥ م ) سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من الخلق و لذا لما تجلي الرب لموسي و وقع شعاع التجلي علي بنياسرائيل ماتوا و هلكوا و لميهلك موسي و لميمت مع ان مقتضي تجلي الرب ان يكون الخلق لميثبت عند ظهوره فكان يقتضي موت موسي بالبرهان الذي اقتضي موت بنياسرائيل حرفا بحرف و لكنه مامات موسي عليه السلام لان تجلي الرب و ظهوره انما كان في مقام موسي لقد تجلي له به و لما كان التجلي من جهة الوجود و هو يقتضي زوال الانية و اضمحلالها و ثبوت الشئ و قوامه و ظهوره و في ترتب الآثار عليه انما كان باقتران الوجود بالماهية فاذا اضمحلت الماهية و لو بالوجدان يستولي سلطان الوجود و يخر مغشيا عليه و يصعق فاذا علمت ذلك علمت معني كلامنا ان ظهور الانبياء و ظهور النقباء و النجباء في موضع واحد كما ان ظهور الحق كان في رتبة موسي و مات بنواسرائيل [ص 587] كذلك ظهور الانبياء في رتبة النقباء و النجباء و لما كان النور اذا غلب و كان قويا ينجذب الضعيف اليه لقوة المشاكلة فيسقط الضعيف مع ما هو عليه من الماهية عند تجلي القوي فاراد الناظم ان ينبه علي هذه الدقيقة و يشير الي سر هذه الحقيقة فقال شاهده الله نور قدسه و اجلسه علي سرير انسه :
فتهافتوا مثل الفراش و احدقوا فغشيهم النور القديم الاول
اقول : لما تجلي لهم الجبار بتلك الانوار الساطعة من القبتين النورانيتين اي قبة الكاظم و هي النقباء و قبة الجواد و هي النجباء و انما خصصنا قبة الكاظم بالنقباء لان النقباء اعلي مقاما و اعظم شأنا و اوسع جنانا ( جنابا . نسخة ٢٢٤٤ م ) فظهور الحلم و الكظم و العفو و المسامحة و الاغضاء فيهم اكثر لانهم خلعوا الانية و دكوا جبل الماهية فلايجدون لانفسهم مقاما حتي يغضوا او يجهلوا بل لايجدون لانفسهم تحققا و لايرون لها ترجحا اوماسمعت قصة نبي الله نوح عليه السلام فان اسمه كان عبدالخالق فمر ذات يوم علي كلب اجرب اوبر مشوه الخلقة فقال خطابا له يا كلب ما اقبح وجهك فلما قال ذلك راجع الي نفسه و عاتبها و قال لها يا نفس هل وجدت لك تحققا و عرفت لك ترجيحا و وجدت لك شيئية و تذوتا فبقي يبكي و يتضرع الي الله و يخضع و يخشع و ينوح و سمي نوحا لكثرة نوحه و بكائه و خوفه لمقام ربه قال تعالي و لمن خاف مقام ربه جنتان و قصة موسي عليه السلام نظير هذه القصة مشهورة و معروفة و قد قال سيد الشهداء الصديقين و سند الاصفياء المرضيين في مناجات ( مناجاته خ ) مع ربه الهي من كان ( كانت خ ) حقائقه دعاوي فكيف لايكون دعاويه دعاوي و من كانت محاسنه مساوي كيف لاتكون [ص 588] مساويه مساوي الدعاء ، و قال سيد الساجدين و زينالعابدين ذو الثفنات راهب العرب في دعائه في يوم عرفة الي ان قال و انا مع ذلك اقل الاقلين و اذل الاذلين مثل الذرة او دونها و في دعاء السحر الهي ما انا و ما خطري و امثال ذلك في كلمات اولئك الاجلاء العارفين و الاولياء الكاملين كثيرة و ذكرها يؤدي الي التطويل و ان كان تطويلا ليس بمخل و لكن الاختصار احب الي و قد ورد عن طريق اهل البيت عليهم السلام ان العلم ثلثة اشبار اذا بلغ الشخص الي الشبر الاول يجد في نفسه استقلالا و كبرياء و تكبرا و امثال ذلك مما هو معروف عند علماء هذا العصر و فقهائهم و اذا بلغ الي الشبر الثاني سكن و اطمأن و سكت الا عند الحاجة و اذا بلغ الشبر الثالث عرف انه لايعرف شيئا و اعترف بالجهل و صدق بقوله تعالي و من اهل المدينة مردوا علي النفاق لاتعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين و لايعقل ان رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) لايعلم منافقي امته و لايعرفهم و هم في بلد واحد و محل واحد فكيف يكون ذلك مع ان الامام عنده نور التفرس و نور التوسم اذا رأي شخصا عرفه بحقيقة الايمان و بحقيقة النفاق كما دلت عليه صريح الآيات و الاخبار لقد قرأنا عليك سابقا قوله تعالي قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون فكيف لايعلمهم رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و اعمال الخلايق تعرض عليه غدوا و رواحا و عشيا و صباحا و في كل ساعة بل كل وقت و اوان و في كل زمان و مكان و لقد قال تعالي كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا [ص 589] و بالجملة فعدم علم رسول الله صلي الله عليه و آله لكونه في العلم بالغا الي الشبر الثالث و المراد بالشبر الثالث مقام الفؤاد و العبودية التي كنهها الربوبية و مقام اللاتعين و مقام الشهود و مشاهدة المعبود فان في ذلك المقام ليس الا الله و الانيات مضمحلة و الماهيات متدككة ( متدكدكة خ ) فلا وجود و لا شهود الا للرب الودود و السيد المصمود اليه كل موجود و ذلك معلوم ظاهر و الشبر الثاني يراد به البلوغ الي مقام القلب مقام السكون و الاطمينان و السكوت لقلة الكثرات و ضعف روابط الانيات و مقام رقة الحجاب و ضعف المسبب لفتح الباب و الاسباب ان في ذلك لآية لاولي الالباب و اما الشبر الاول مقام النفس فان كانت امارة بالسوء فواعولاه و واويلاه و وافضيحتاه و ان كانت النفس مطمئنة فليس فيها الا الصور و الكثرات و الجهات و الاضافات و القرانات و ساير الحالات فافهم فمن هذه الجهة و امثالها قلنا قبة الكاظم هم النقباء الكاملون و العرفاء الواصلون و الحكماء البالغون مقام الشبر الثالث بقدم سعيهم و جهدهم و تربيتهم فقد بلغوا مبلغا عرفوا انفسهم و شاهدوا ربهم و عاينوا بعين طويتهم و سريرتهم فلايجدون سواه و لايرون غيره معرضون من حيث انفسهم كاظمون غيظهم و اما قبة الجواد فقد قلنا انهم النجباء لانهم في الشبر الثاني من العلم و النور لهم نظر الي انفسهم لكن من حيث الاضمحلال و في مقامهم ناجي سيد الشهداء بقوله ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و [ص 590] لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لمتجعل له من حبك نصيبا تعرفت الي في كل شئ حتي لااجهلك في شئ و كذلك سيد الساجدين و ان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضيك السابعة السفلي باطل مضمحل ماعدا وجهك الكريم لان الغير له ذكر في هذه الانظار و في هذه المقامات لكنه علي جهة الاضمحلال و الزوال و ظهور الحق لايزال فهم في هذا المقام مظهر الجود و بسط اليد بالانفاق و العطية علي اصحاب الحدود و تنوع العطايا علي حسب مراتب ارباب القيود و بالجملة فالنور الساطع من هذين النوعين اي القبتين قد تشعشع و علا و تلألأ و سما حتي احاط بجميع مراتب المشيعين من مبدأ وجود ذاتهم الي آخر مقام حقيقتهم فلميتمالكوا لعظم النور و شدة الظهور الي ان صعقوا و خروا كما خر موسي في الطور عند تجلي النور بما هو عليه من الظهور ففي هذه الصورة حال المشيعين حملة الستر و الحجاب حال موسي بن عمران عند ظهور النار علي الشجرة فجعل الناظم ايده الله و سدده بتقويه القبتين هما الشجرة و النور الساطع عليهما من تجلي القبر الشريف قبر موسي بن جعفر عليهما السلام نار الشجرة و الجماعة حملة الستر و المشيعين لهم مثال موسي بن عمران عليه السلام حيث خر فخروا فتهافتوا اي فتساقطوا و انجذبوا و فنوا لفناء انياتهم و انجذبوا الي ذلك النور انجذاب الحديدة الي المقناطيس و الفريسة الي السبع و تهافتوا تهافت الفراش علي السراج و الفراش هو الهمج من الطير الذي يتساقط في النار و يتهافت علي السراج حتي يحترق و المراد انهم [ص 591] فنوا و اضمحلوا و احترقت انياتهم بنار المحبة و المودة و ظهور النور من مبدأ السرور و انما نسبهم الي الفراش لبيان ان هذا التهافت و التساقط جبري لانه جذبة من نور المبدأ جذبتهم عن انفسهم فلميتمالكوا حتي سقطوا و خروا كالفراش و الفريسة لانهم مااهلوا انفسهم سابقا و لميرتاضوها بالرياضات و المجاهدات حتي حصلت لهم المحبة المقتضية لفنائهم عند ظهور المحبوب لما وجدوا عند انفسهم من كمال المحبوب و جماله فان هذا الجذب بكشف سبحات الجلال و بمحو الموهوم و صحو المعلوم و بهتك الستر لغلبة السر و بجذب الاحدية لصفة التوحيد و باطفاء السرج الانية لما بدي صبح الظهور من افق النور و اما في هذا المقام فليس الامر كذلك بل هم لما اقدموا علي التهجم علي هذا الوادي وادي المقدس و المحل الاقدس ظهر لهم النور نور العظيم حيث اخذهم و احاط بهم و لميتمالكوا حتي يتهافتوا كالفراش المتهافت علي السراج حتي يحترق و الفرق بين المقامين كثير و التفاوت بين لان الاولين السابقين ذاقوا حلاوة الفناء و عرفوا لذة البقاء مع المحبوب فاقدموا عليه و اما هؤلاء اتيهم الامر من حيث لايشعرون مثل بنياسرائيل لما غشيهم نور التجلي فتهافتوا تهافت الفراش علي السراج فاحترقوا و ماتوا و هؤلاء و ان كانوا في الغفلة مثل بنياسرائيل و لكن لميكونوا في الاقدام مثلهم لانهم اقدموا خاضعين خاشعين ذليلين منقادين فظهرت الانوار المتضمنة للاسرار و احاطت بهم من كل جانب من ظاهرهم و باطنهم و سرهم و علانيتهم فصاروا مشمولين للعناية و بالغين اقصي الامنية و منتهي الغاية [ص 592] فان الجذبة علي قسمين قسم تحصل بتسبب اسبابها منك كما اذا اشتغل بالرياضات و المجاهدات و انحاء النظر و التفكر في ملكوت الارض و السموات و استعمال الافكار المرضيات و تلاوة الآيات البينات و التأمل و النظر في الآيات المرئية في الآفاق و الانفس من ظهور المقامات و العلامات و ملاحظة الغير و السوي بعدم الاستقلال و مشاهدتهم اياها بنظر الاضمحلال فالتنبه و التوعي بعدد الدقايق و الساعات و الاشتغال بانحاء العبادات و الاتيان بالنوافل و المستحبات و التجنب عن المعاصي و السيئات و عن مساوي الاخلاق و رذائل العادات و السعي لتحصيل محاسن الملكات و عدم اشتغال النفس بالملهيات و عدم رخصتها باستعمال دواعي الشهوات و الميل الي مقتضيات الانيات و لوازم الماهيات و العمل لجوامع الخيرات و امثالها من الاحوال المورثة للقرب من بارئ السموات و رافع المسموكات و داحي المدحوات و ما يوجب ترقيق الحجاب و قرع الباب و التوجه الي الوجه و الجناب و النظر الي المسبب لا الاسباب و همة دخول بيت الوحدة لا الوقوف علي الابواب فان هذه و امثالها ترقق حجاب الانية و يصفيها من كدورات الماهية حتي يأهلها لمقابلة فوارة النور من عالم السرور و يحصل له قوة جامعة ماسكة اذا اشرق عليها النور حفظه و لميضيعه بملاحظة السواء و الغيور و يتجلي له الجبار حينئذ اي يظهر له التجلي و الا فهو سبحانه لميزل متجليا ظاهرا فاذا ظهر له ذلك التجلي انجذب و اذا جانب الوحدة و خلع جلباب الكثرة و نال بذلك الكرامة و العزة و خرج من عالم الغيور و الغرة و فني عن [ص 593] نفسه و ابطل شهود حسه و شاهد مقام رمسه فغاب من السواء و توجه الي المولي و بقي مغشيا عليه فلايجد شيئا سوي الظهور بلا كيف و لا اشارة و الانجذاب بهذه الاسباب مقتضي العبودية التي شهد لها اسم العبد و قد قال النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) روي عنه ابوعبدالله الصادق في تفسير قوله تعالي و ان كنتم في ريب مما نزلنا علي عبدنا قال عليه السلام العين علمه بالله و الباء بونه عن الخلق و الدال دنوه من الخالق بلا كيف و لا اشارة فالعين و الباء سببان للانجذاب فان المراد بالعلم هنا ما يعم اليقين و المعرفة فاذا حصل العلم حصل التوجه و اذا حصل التوجه حصلت البينونة ( و اذا حصلت البينونة . نسخة ١٣٠٥ م ) رقت الكينونة و اذا رقت الكينونة ظهر النور و انصبغت بصبغه فتحلي بحليته فارتفع عنه الكيف و الاشارة و القول و العبارة و هو معني الدنو بلا كيف و لا اشارة فاذا حصل هذا الدنو ظهر مقام اسم الفاعل الذات الظاهرة بالاثر كما اشار اليه مولينا و سيدنا ابوعبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه آلاف التحية و الثناء من الملك الخالق بفعله الشريف لما وقف في الصلوة و شرع في الفاتحة و لميزل يكررها حتي خر مغشيا عليه فلما افاق سئل عن ذلك فقال لازلت اكرر هذه الآية حتي سمعت من قائلها ه ، و القائل هو المتكلم اسم الفاعل فاذا تمادي في هذا الانجذاب و حصلت الجذبة و النفحة من نفحات العناية الازلية كرة بعد اخري و مرة بعد اولي يظهر هناك مقام التوحيد و مقام الذات الظاهرة بلا ملاحظة الظهور فهناك موضع مسمي الاسماء و منتهي النسب و الاضافات و هنا مقام فوق هاتين المرتبتين و هو مقام [ص 594] سقوط الاضافات من الاسم و المسمي و الذات و الظهور و الشأن و الشؤن و الغيور و ساير الامور و هذه هي الجذبة الاولي و هنا جذبة اخري و هي وقوفه من دون المقدمات و الاسباب مع اولئك الاطياب الانجاب و مصاحبة النور له من ذلك الباب بموافقة الاحباب و الاصحاب و حملهم لذلك النور المشرق و ان كان الواقف متسربلا بالجلباب فيأتيه النور من عالم الظهور فيجذبه عن السوي و الغيور فيفقد نفسه و يحل رمسه و يخمد حسه و يسمع النداء من الملأ الاعلي فيضمحل و يندك و مثال هذه الجذبة ما روي ان مولينا و سيدنا الحسين روحي له الفداء و عليه من الله آلاف التحية و الثناء كان ذات يوم جالسا في ملأ من اصحابه اذ ذكرت حكاية الاسرار و عدم تحمل الناس اياها فقال الحسين روحي له الفداء ان عندنا اسرارا و علوما مايتحملها الناس فالتمس الحاضرون منه عليه السلام اظهار شئ من ذلك فابي عليه السلام عليهم و هم قد كثر الحاحهم و لجاجهم و ارادوا منه عليه السلام بيانه و لميقبلوا منه الامتناع فقال عليه السلام ان كان و لا بد من البيان و انكم مصرون علي ذلك و اني اعلم انكم لاتتحملون ذلك و لكني آخذ بيد واحد منكم و اقويكم ( منكم اقويكم . نسخة ١٣٠٥ م ) عقلا و اثبتكم جنانا و اشدكم معرفة و ابصركم بمواقع الامور و اقواكم بنية و امتنكم اركانا و اصوبكم كلاما و اسدكم منطقا و اخبره بكلمة مما عندي سرا فان تحمل ما قلت له و ثبت عليه و لميتزلزل جنانه و لمتنهدم اركانه و لميتضعضع بنيانه و لميتزحزح عن مقره فبعد ذلك اخبركم بها و اما اذا تغير حاله و ضعف احتماله فصدقوني و اعلموا باني خبير بكم و بما انتم [ص 595] عليه بصير باحوالكم و بما صرتم اليه و ان اسرار الله لاتحتملها الا مدينة حصينة و قلوب منيرة و صدور منشرحة فرضوا بذلك فاخذ عليه السلام بيد واحد منهم اختاره بعلم و تصديق منهم بانه اشدهم اركانا و اقويهم جنانا و ابصرهم بالامور و اصبرهم علي عوائق الدهور لمعرفته التامة و بصيرته الكاملة فاتي به الي زاوية من زوايا البيت فاخبره بكلمة واحدة من المخزونات المكنونات و الاسرار المصونات عنده فاول ما طرق سمع الرجل بتلك الكلمة تزعزعت اركان بدنه و انهدم بنيانه و احدودب ظهره و ابيضت لحيته و شاربه و ضعف بدنه و سالت الفضولات الباردة من عينه و انفه و ارتعدت فرائصه و ارتعشت جوانبه و صار كمريض مضي عليه من العمر مائة و عشرون سنة ماذا تري من ضعف البدن بمقتضي العمر و بمقتضي المرض و الكلام تقريبي و الا فالامر اعظم و اعظم فمع ذلك قد نسي الكلمة و هام و تحير و مشي علي وجهه و لميعلم غاية خبره فهو يدور في البراري و الفلوات و لايعرف له حال بحال من الحالات فبهذا المثال تعرف حال الجذبة التي تأتي دفعة بدون تمهيد مقدمة و لا تسبيب سبب فانها تفسد المجذوب و تضمحل اركانه الظاهرية و الباطنية كاليد اذا كانت باردة غايتها و جعلتها ( علي النار خ ) القوية و حميتها بها دفعة واحدة فان اليد تشل و تسيل منها القيح و الدم و كذلك حكم كل باردة ( بارد في الغاية خ ) اذا ابقيتها علي النار القوية دفعة واحدة فانه يفسد و يضمحل و لاينتفع به ابدا و هو بعينه كما مثل الناظم جذبه الله اليه بعين عنايته و سلك به سبيل طاعته بالفراش فانه اذا رأي السراج ترمي بنفسه [ص 596] عليه و يتحرق بالنار التي حصل منها ذلك النور و هذا حال المشيعين و الحاملين لذلك الستر لكنهم و ان كانوا كالفراش و غشيهم ذلك النور الماحي للغيور و المزيل للسوي و الزور و تزعزعت اركانهم و لميتمالكوا بانفسهم حتي تساقطوا و تهافتوا لكنهم بلغوا مقام الصديقين و وصلوا رتبة المحبين و شاهدوا الحق و اليقين و اشرقت عليهم انوار رب العالمين و صاروا لايسمعون سواه و لايعرفون غيره قائلين لايسمع فيها صوت غير صوتك و لايري نور غير نورك قد محوا الاغيار و ازالوا الاكدار و قصروا انظارهم الي الواحد القهار فلايرون سواه و لايجدون غيره و لايشاهدون الا اياه و لايتوكلون الا عليه و لايسلمون الا اليه و لايدينون الا دين الشهود و لايتوجهون الا الي المعبود و لا دأب لهم الا الركوع و السجود فهم في نعيم مقيم و جنة ذات نعيم و لذة و سرور و معرفة و حبور و هذه نعمة اتتهم بغتة و هذه كرامة جاءهم دفعة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم و لمثلها فليعمل العاملون و لادراكها فليتنافس المتنافسون لكنها كرامة غيبية و نعمة ازلية انقطعت عنها يد الاسباب و ضربت دونها الف حجاب نعم ذلك مقتضي بدو شأن المجذوب من عالم الغيب الاتري حر بن يزيد الرياحي قد خرج من الكوفة بعدة و استعداد لحرب سيدنا الحسين سيد العباد و نور البلاد فلما وصل اليه و رأي حرص القوم في قتله اعرض عما جاء به و ادركته السعادة و نال من فضل الله سعادة الشهادة و انظر الي سحرة فرعون اتوا كفارا يريدون المغالبة علي موسي بن عمران فلما تبين لهم الامر و [ص 597] وضح نالتهم السعادة و خصوا بالشهادة فجمعوا سعادة الايمان و سعادة الاستسلام و الاذعان بان لاتخالفوا لومة لائم و لا صولة جائر فدوا انفسهم لنصرة دين ربهم و جاهروا باعلاء كلمة الحق لما وقعوا ساجدين و قالوا آمنا برب العالمين رب موسي و هرون فقتلهم فرعون شر قتلة رحمة الله عليهم تتري و هكذا من امثالهم كثيرة و قد قال صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم كن لما لاترجوه ارجي منك مما ترجوه ان موسي بن عمران خرج يطلب نارا فرجع و هو نبي فالجذبات الالهية اذا فاضت ( فاجئت . نسخة ٢٢٤٤ م ) الانسان و ان كانت تجعله كالفراش المتهافت علي السراج لكنها يصعد ( تصعد . نسخة ١٣٠٥ م ) به الي اعلي الدرجات و اكثر الغايات ( اكبر العنايات خ ) و قصة اصبحت كرديا و امسيت عربيا من المشهورات المسلمات ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون و يبصرون و يسمعون و هم القليلون لان الله سبحانه و تعالي قد ذرأ لجهنم كثيرا من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل و اولئك هم الغافلون فمن هذه الجهة وردت التأكيدات الاكيدة في زيارة قبور النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و الائمة و الاولياء و الخلفاء و السعداء و الشهداء و عباد الله الصالحين و اتيان مشاهدهم و الحضور عند العارفين الكاملين و في المشاعر العظام و بيت الله الحرام مع ان الحق سبحانه و تعالي ظاهر في كل مكان و النبي و الخلفاء هم وجه الله اينما تولوا فثم وجه الله و لايتفاوت لهم مكان و لا شأن و انما علة الحضور عند تلك القبور و تلك الاماكن لانها مهابط فيضه تعالي و منازل ملائكة الله و مختلف امنائه و موضع [ص 598] اجابة الدعاء فاذا حضر تلك الاماكن و تلك المواطن من قصرت قابليته عن استيهال تلك النعم الزاهرة و المزايا الوافرة تكمل قابليته بشمول انوار تلك الحضرات و اسرار تلك الاماكن المطهرات و ما يرد علي تلك القلوب و الضماير المطهرات من جلائل الكرامات و جوامع الخيرات و نوامي البركات ليشمل القاصرين تلك البركات و تعمهم تلك العنايات و يخصهم رشح من تلك الفيوضات تصلح قابليته و تنضج كينونته و تصلح للترقي الي معالي الدرجات و الصعود الي اعلي المراقي من الحسنات و هذا فرع من فروع تلك الجذبات و شمول تلك العنايات و من هذه الجهة لما اتي المشيعون و حملة الستر من جانب النبي الاعظم صلي الله عليه و آله الي جزء روحه و بدنه و قوة قلبه و قرة عينه موسي بن جعفر عليهما السلام و رأوا تلك الانوار المتضمنة لتلك الاسرار تهافتوا و تساقطوا كالفراش المتهافت علي السراج الوهاج فشملتهم العناية الاولية فغشيهم النور القديم الاول
اما النور فاعلم ان اهل اللغة قد اختلفوا فيه قال في القاموس النور بالضم الضوء اين كان او شعاعه قال و الضوء النور قال في الطراز النور ما به تظهر الاشياء للبصر فهو الضوء او هو ما للشئ من نفسه كالنور القائم بنفس الشمس و الضوء فرعه و هو الشعاع الفائض من المنبسط عنه و هو ابلغ من النور و ان كان فرعا لان الابصار بالفعل انما يتأتي بمدخلية الضوء و لايكفي فيه النور اذ النور القائم بالشئ انما يبصر به نفس ذلك الشئ لا غير فاما رؤية ما سواه فهو بتوسط الضوء الفائض منه و لذلك كان جعل [ص 599] الشمس سراجا ابلغ من جعل القمر نورا كما حققه السراج بالكشف و قال ( قول خ ) الفيروزابادي النور الضوء او شعاعه خطاء محض اذ لا قائل بان النور شعاع و قالت الحكماء الضوء ما للشئ من ذاته كما للشمس و النور ما له من غيره كما للقمر فانه مستفاد من الشمس قالوا و هو المطابق للتنزيل الالهي من قوله تعالي جعل الشمس ضياء و القمر نورا اه ، و فيه ايضا الضوء شدة النور و زيادته او شعاعه الفايض منه و يطلق كل منهما علي الآخر انتهي ، اقول : بين قوله في لغة الضوء انه شدة النور و زيادته او شعاعه الفائض منه و يطلق كل منهما علي الآخر مناف لما قاله عند تخطأة الفيروزابادي بان النور هو الضوء اذ لا قائل بان النور شعاع الضوء فاذا اطلق كل منهما علي الآخر و الضوء يطلق علي شدة النور و علي شعاعه يجب ان يكون النور ايضا كذلك بين الكلامين تدافع ظاهر و انا اذكر لك ما يطلق عليه الضوء و ما يطلق عليه النور من الآيات القرآنية حتي تعرف حقيقة اللغة فيهما بان الله سبحانه جعل القرآن عربيا غير ذي عوج فانزل القرآن عربيا و ما في القرآن اولي بان يتبع و عليه يستدل و سيأتيك تمام الكلام قال تعالي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و ظاهر ان النور في ( هذه خ ) الآية الشريفة فرع للضياء و الضياء اصل و اما ان هذه الفرعية بالشعاع في الاثر المنفصل او بالتنزل بالاثر المنفصل و ذلك امر آخر قال تعالي و لقد آتينا موسي و هرون الفرقان و ضياء و ذكرا للمتقين و الضياء في هذه الآية الشريفة اما صفة للفرقان او امر آخر في هرون و موسي بن عمران فان كان صفة للفرقان و الفرقان هو التورية و لا ريب ان التورية [ص 600] فرع للنبي و ذلك اقوي لضرورة ان الاصل اقوي من الفرع و ذلك الاصل اما ان يطلق عليه الضوء حتي يكون الضياء يطلق علي الاصل و الشعاع او يطلق عليه النور ليصح ما قالوا ان الضوء يطلق علي شعاع النور و قال تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار نور علي نور جعل الضياء مقدما علي هذا النور الثاني لان هذا النور الذي علي النور انما حصل من ضياء الزيت و هو الامكان الراجح و لو فرض تحقق الضوء بدون مس النار كان الزيت هو الضياء فالضوء في الرتبة مقدم علي النور الحاصل بعد مس النار و هنا دقيقة عظيمة و هي ان الضياء في هذا المقام نفس الكاف المستديرة فان الكاف تستدير علي نفسها علي خلاف التوالي و نفسها تدور عليها علي التوالي فالضياء في مقام النفس و النور في مقام الكاف مع ان الظاهر من الآية الشريفة ان النور هو المصباح الذي مثل النور و الضياء الذي ذكرناه مقدم علي الجميع و في حديث بدو الوحي ان رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) يسمع و يري الضوء فان الذي يسمعه النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) في مبدأ الوحي ليس هو صوت الملك و انما هو صوت الله من قوله عليه السلام لايسمع صوت غير صوتك فالضوء الذي يراه النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) هو ما ظهر في حقيقة ذاته المقدسة من نور الحق سبحانه و تعالي و ذلك النور قبل القبل و بعد البعد و قبل خلق الملك و الفلك و العرش و الكرسي و اللوح و القلم و ذلك الضوء هو علة العلل و مبدأ المبادي و حقيقة الحقايق و ايس الايسيات و اسطقس الاسطقسات و في حديث اميرالمؤمنين روحي له الفداء في ذكر نسبة [ص 601] تكوينه مع النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) قال انا من احمد كالضوء من الضوء و لا ريب انه لميسبق النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) موجود من الموجودات كما قال الشيخ الاكبر ان الحضرة المحمدية ( صلي الله عليه و آله خ ) اقرب الحضرات الي الله سبحانه و اقرب الحضرات الي هذه الحضرة المقدسة ابن عمه علي بن ابيطالب اذ لا ريب انه نفسه و لا شئ اقرب الي الشئ من نفسه اليه فالضوء في هذا المقام اطلق علي الذات و العلة لا الشعاع و الفرع هذا ما اذكر من اطلاقات الضوء في القرآن و الحديث و اما النور فقد قال تعالي الله نور السموات و الارض و قال الله تعالي مثل نوره و لا ريب ان مثل النور ليس هو النور الاول لان في الاول اطلق النور علي الله سبحانه و تعالي اما علي ما يراد من ذاته تعالي او علي الاسم الاعظم و اما في الآية الثانية فالمثل لنور الله فاذا كان الله هو النور يكون المثل نور النور و يؤيد ما ذكرناه و يشيد ما اصلناه ما ورد عن اميرالمؤمنين روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء ان مثل نوره رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و اين رسول الله من الله و قد قال صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) عند قول الاعرابي ما شاء الله و شاء محمد و ما شاء الله و شاء علي لاتقل هكذا قل ما شاء الله ثم شاء محمد فان مثل مشية محمد صلي الله عليه و آله في مشية الله كمثل الذباب تطير في هذه الدنيا و قل ما شاء الله ثم شاء علي لان مثل مشية علي في مشية الله مثل البعوضة تطير في هذه الدنيا فتشبيه مشيته صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) بالذبابة اشارة و تنبيه الي تأويل قوله تعالي يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون الله لنيخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا [ص 602] له و ان يسلبهم الذباب شيئا لايستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب و اشار بهذا التعبير الي تأويل قوله تعالي ليس لك من الامر شئ و حديث المعراج انه صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) نظر الي مقدار سم الابرة من نور العظمة ثم عطف سبحانه لبيان حقيقة الامر بقوله الحق بعد هذه الآية و ماقدروا الله حق قدره و الارض جميعا قبضته يوم القيمة و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالي عما يشركون ثم عظم الامر بقوله تعالي ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و هذه الخطاب ( الخطابات خ ) لمن قال له كن فيكون يعني ما آتيكم الرسول من العطايا التكوينية و التشريعية و الجوهرية و العرضية و الاصلية و الفرعية فخذوه و ما نهاكم عنه علي هذا التفصيل فانتهوا فافهم و اشار صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) بتشبيه مشية اميرالمؤمنين بالبعوضة الي تأويل قوله تعالي ان الله لايستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم و اما الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا و مايضل به الا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه الآية ، ثم رجعنا الي المطلب الاول قال تعالي نور علي نور يهدي الله لنوره من يشاء و الله بكل شئ عليم و لا ريب ان هذا النور ليس هو النور الاول بل هذا مثل النور فيكون مثل نور النور و قال ( تعالي خ ) الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الي الظلمات و لا ريب ان هذا النور ليس مثل نور النور [ص 603] و انما مثله محمد صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و هذا النور الذي يخرج المؤمن اليه و الكافر عنه انما هو اثر و صفة لمحمد صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) فالنور في هذه الآية مثل مثل نور النور و قال تعالي الحمد لله الذي خلق السموات و الارض و جعل الظلمات و النور و الجعل في غالب الاطلاقات انما يستعمل لاحداث الصفة و اثبات اللوازم لملزوماتها و الصفات لموصوفاتها و تقديم الخلق في هذه الآية الشريفة و تأخير الجعل اقوي دليل و اعظم قرينة في المراد و ان المقصود من النور هنا ( هو خ ) الصفة دون الذات فيكون مطابق المراد مع الآية المتقدمة و قال تعالي الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التورية و الانجيل الي ان قال سبحانه فالذين آمنوا به و عزروه و نصروه و اتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون و لا ريب ان النور في هذه الآية الشريفة هو الولي الظاهر بولاية الله المطلقة المعنوية الباطنية فيكون النور في هذا المقام مساويا لاطلاق النور في قوله تعالي مثل نوره كمشكوة فالمراد بالنور في هذا المقام هو الاصل و العلة دون الشعاع و الفرع الا بمعني آخر كما بينا من قوله عليه السلام السلام علي الاصل القديم و الفرع الكريم فافهم و قال تعالي قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين و هذا النور يحتمل ان يكون هو النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و الكتاب هو الولي و ان النور هو الولي و الكتاب هو القرآن الدال عليه فعلي اي التقديرين فالمراد بالنور هو الاصل و الذات لا الشعاع و الفرع فيكون مطابق المراد موافق المقصود مع الآية المتقدمة و قال تعالي افمن كان ميتا [ص 604] فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها و المراد بالنور في هذا المقام نور الهداية المتحققة بالتوحيد و النبوة و الولاية او الولاية لانها جاذبة للتوحيد و النبوة و المقصود واحد و اثر النبوة و الولاية و شعاعهما في القلب فيكون مثل المثل فقال تعالي و اشرقت الارض بنور ربها و لا شك ان رب الارض و صاحبها هو الولي بما ملكها اياه لما حمله الولاية و فرض له الطاعة و لا ريب ان في القيمة بالنبوة و الولاية يقوم المحشر و يدخل اهل الجنة الجنة و اهل النار النار و من اسماء النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) الحاشر لانه يحشر الخلايق و من اسماء النبي الشهيد و الولي السائق و اليهما الاشارة بقوله تعالي و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد و الشهيد هو النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) لقوله تعالي و يكون الرسول عليكم شهيدا و السائق الولي لانه يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه و هما المعنيان من قوله تعالي القيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله الها آخر فالقياه في العذاب الشديد و لا ريب ان الولي هو قسيم الجنة و النار و هو نعمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و هو الذي قال تعالي و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا و هو العذاب الواقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج و هو النار التي قال تعالي و ما جعلنا اصحاب النار الا ملئكة و الولي هو الذي ظهر به عدل الله و فضله فافهم قال تعالي يسعي نورهم بين ايديهم و بايمانهم و هذا النور كما ذكرنا في قوله تعالي يخرجهم [ص 605] من الظلمات الي النور فهو مثل مثل نور النور و قال تعالي انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورائكم فالتمسوا نورا و هو نور الايمان و الايقان و هو مثل ما تقدم من مثل المثل و قال تعالي و يجعل لكم نورا تمشون به و هذا النور اشراق في القلب متخذ مشرق من افق حكم الله بين العباد و سلطانه في العباد و البلاد كما تقدم في قوله تعالي فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم و قال تعالي يريدون ان يطفئوا نور الله بافواههم و يأبي الله الا ان يتم نوره و النور هو الولي او النبي صلي الله عليه و آله فان اهل الباطل و اهل الكفر و النفاق راموا و حاولوا اخفاء امر النبي و الولي و ابي الله الا ان يتم نوره يعني امر النبي و الولي و استقلاله و اضمحلال ما عداه و لما كان التابع من حيث هو تابع معربا باعراب متبوعه كان حكم المتبوع جاريا علي التابع حرفا بحرف فالحامل لامر النبي و الولي و المودع لاسرارهما المتبع لهما الناهج منهجهما و السالك سبيلهما الذي قد هجم به العلم علي حقيقة الايمان فاستلان من اخبارهما ما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون و اوله الجاهلون و نبذه الملحدون و هو الخلف الذي ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و هو نورهما و المبطلون يريدون اطفاء نورهما الذي هو نور الله و يأبي الله الا ان يتم نوره و لو كره الكافرون و قد قال بعض الشعراء لما رأي وقيعة الناس في مولانا العلامة و سيدنا الفهامة استادنا و عمادنا و كهفنا نور قلوب العارفين و سرور صدور الموحدين مولانا الشيخ احمد بن زينالدين انار الله برهانه و اعلي شأنه و رفع في الدارين اعلامه [ص 606] و انكار فضله و قصد اخماد ذكره بعث اليه اعلي الله مقامه بهذين البيتين :
لزين الدين احمد ضوء فضل به تجلي القلوب المدلهمة
يريد الحاسدون ليطفئوه و يأبي الله الا ان يتمه
و بالجملة فالنور في القرآن اطلق علي الله سبحانه و علي نبيه ( صلي الله عليه و آله خ ) و وليه و علي الايمان و الاسلام و علي ساير مقتضيات النبوة و الولاية و ما قاله في الطراز ان النور ما به يظهر الاشياء للبصر ثم تكلم في هذا النمط بما مرجعه الي الجسم و الظهور الحسي البصري و ذلك كما عرفت مخالف لمدلول جميع الآيات لان قوله تعالي الله نور السموات و الارض اي عاقل يحمله علي الظهور الحسي المكيف بالكيفيات المحدودة المشخصة و الذي قال به جماعة من اهل الاسلام من صحة الرؤية في الله سبحانه بالابصار لايريدون بذلك المشاهدة و الرؤية الجسمانية بالحدود الجسمية علي الاوضاع المعلومة فان ذلك مخالف لضرورة العقل و النقل و هم قد صرحوا بان الرؤية في الدنيا محال و في الآخرة تكون رؤية بلا كيف و لا اشارة و لا حد و لا كم و قولهم ما به تظهر الاشياء للبصر يريدون البصر و الادراك الحسي الجسمي المتعارف المحدود ثم في اطلاق النور علي العلم و الايمان و التقوي و الصلاح و نور القلب و شرح الصدر و امثالها كل ذلك مما لايدركه البصر و قد قال رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب و لا شك ان العلم ليس مدركا بالبصر الظاهري كذلك العقل نور من عند الله و ليس يدرك بالبصر كذلك الانوار العقلية و النفسية و الروحية لايدرك [ص 607] بالبصر و بالجملة فكأنهم ما ارادوا بتعريف النور الا نور الشمس و السراج و بعض الكواكب و تلك الانوار المذكورة في الكتاب و السنة جعلها كلها مجازات حتي يلزم شيوع المجاز و تكثره و هو خلاف الاصل مع انا قد بينا في كثير من رسائلنا و مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل ان اللفظ اطلق علي معان بينها ترتيب بالعلو و السفل بمعني ان وجود العالي له مدخلية في وجود السافل بما يوجب اطلاق الكلي علي الفردين التشكيك لايصح ان يكون اللفظ اطلاقه علي السافل حقيقة و علي العالي مجازا لان المجاز ان لميستلزم الاستعمال علي ما زعموا يستلزم الوضع قطعا فاذا كان العالي موجودا قبل السافل و صح اطلاق هذا اللفظ عليه فكيف يتعقل ان يكون الاطلاق علي السافل حقيقة و علي العالي مجازا و ذلك لايكون ابدا لاستلزام المجاز عدم الوضع و هذا باطل قطعا مع ان الحق الحقيق بالتحقيق و التصديق كما هو مذهب مشهور اهل العلم ان الواضع للالفاظ هو الله سبحانه و لا ريب ان الله سبحانه حكيم لايخل بالحكمة و الطفرة في الوجود باطلة فلايدع المخلوق اولا المستحق للاسم معطلا حتي يخلق السافل ثم يضع له اسما ثم يطلق ذلك الاسم علي العالي مجازا حتي يكون الاصل فرعا و الفرع اصلا و قد بينا في رسالة منفردة بالبراهين القطعية من العقلية و النقلية و مقتضي لوازم آداب اهل اللسان و مقتضي الحكمة الالهية و الطريقة الاثنيعشرية و القوانين الالهية و القواعد الاسلامية ان بين الالفاظ و معانيها مناسبة ذاتية و ان اللفظ تابع للمعني في الاصالة و الفرعية و ان اللفظ سفير المعني و بابه و شرافته و [ص 608] كثافته و عزته و ذلته تابع في معناه فكل مسمي شريف يتبرك باسمه الاتري اسم النبي و الولي مع اشتمالهما علي الحروف الهجائية و هي عامة في جميع الالفاظ و الاسماء حيث الفهما الله سبحانه بمناسبة خاصة بينهما و بين مسماهما كان يتبرك بهما و يستشفي بهما و تداوي الامراض بهما و يجب تعظيمهما و احترامهما حتي ان جماعة من الاثنيعشرية لايجوزون للمحدث مسهما و ليس ذلك الا لتبعيتهما لمسماهما كما ان اسم فرعون و هامان و اضرابهما من الفراعنة و الابالسة تهان اسماؤهم و تنجس و تحرق و غير ذلك من انواع الاهانات و ليس ذلك الا لتبعيتهما لمسماهما و بالجملة هذا المعني لايستريب فيه من له ادني مسكة في العلم و خبرة بطريقة اهل البيت فوجب ان يكون المعني اذا كان اصلا ان يكون اللفظ اصلا و اذا كان المعني فرعا فاللفظ ايضا يكون فرعا و لايصح ان يكون المعني اصلا و اللفظ فرعا و لا العكس ابدا فحينئذ فلا شك ان عالم العقول و الارواح و المجردات اصل لعالم الاجسام و الجسمانيات و الاعراض و العرضيات و كما اثبتنا تقدم وجودها علي الاجسام لبطلان الطفرة فاثبات تقدم وضع اللفظ عليها اي علي الارواح و المجردات علي عالم الاجسام و الاعراض بطريق اولي فلا اقل من اتحاد طريق المسئلتين لو لمنقل بالاولوية و الا فالاولية ظاهرة فحينئذ فقول صاحب الطراز لايجري علي مقتضي الطراز الاول معني مع انه لقائل ان يقول انكم كما جعلتم كتاب اللغة مثل القاموس و الصحاح و مصباح المنير و امثالها اصلا في اللغة و تحملون كل ما فيها علي الحقيقة علي المذهب الاصح فما ضركم لو جعلتم القرآن و كلام [ص 609] امناء الرحمن نازلا منزلة صحاح الجوهري و قاموس الفيروزابادي فجعلوا كلما تجدون فيه يستعمل فيه حقيقة الا اذا ثبت انه مجاز خلاف الاصل .
فاذا عرفت هذا القدر من الكلام فاعلم ان الذي حصلنا من اطلاقات الآيات في النور انه يطلق علي اختلافات اطلاقاته علي ثلاثة وجوه علي الله و علي النبي و الولي و علي الحقايق العلوية و الصفات الالهية اما اطلاقه علي الله فسبيله سبيل ساير الاطلاقات مما ملئنا كتبنا و مصنفاتنا من ذلك لاسيما اللوامع الحسينية و اما اطلاقه علي الحقيقة المحمدية صلي الله عليها ( صلي الله عليه و آله خ ) فحقيقة يقينا لسبقها و تقدمها في الوجود و اما اطلاقه علي الله و علي الحقيقة المقدسة المحمدية صلي الله عليها ( صلي الله عليه و آله خ ) فليس من باب الاشتراك المعنوي لاستلزامه التركيب و لا من باب الاشتراك اللفظي لاستلزامه بينونة العزلة و لا من باب الحقيقة و المجاز لعدم صحة السلب في كل منهما و وجود التبادر و الاطراد في مدلوليهما و لا النقل و لا الارتجال لعدم هجر واحد منهما المشترط فيهما و ليس الا قسما سابعا ماذكره الاصوليون و لا كتبه المتصدون لهذا الشأن و انما نطق به العلماء الالهيون و العرفاء الربانيون بما استودع عندهم من الاسرار و ما استجن في ضمايرهم من الانوار و هو الحقيقة بعد الحقيقة و فيه الوضع الخاص و الموضوع له العام و ان انكره من جهله و لو كان لي مجال و للقلب اقبال لشرحت هذه المسئلة بكمال الشرح و التحقيق و اوصلت الطالب الراغب الي سواء الطريق و لكني كيف اصنع مع ضيق المجال و تبلبل البال و تعارض الاحوال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال و مكابدة الانذال [ص 610] و مقاسات معارضات الارذال و الي الله المشتكي و عليه التوكل في كل الاحوال و كذلك اطلاق النور علي حقيقة الولي حقيقة و لكن اطلاق النور علي النبي و الولي ليس من باب الحقيقة بعد الحقيقة لمكان الرتبة الجامعة و عدم نقص في التركيب و ان كان ضعيفا لان كل ممكن زوج تركيبي و الدليل علي الجهة الجامعة فيهما قول النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) كنت انا و علي نورا واحدا ننتقل ( انتقل خ ) في الاصلاب و الارحام حتي انتقلنا الي صلب عبدالمطلب فافترقنا فقيل لنصف كن محمدا و للنصف الآخر كن عليا و الدليل علي صحة هذا الحديث قوله تعالي و انفسنا و انفسكم قد اتفق المفسرون بان المراد بالنفس هنا في هذه الآية الشريفة اميرالمؤمنين عليه السلام فاذا صدقت الآية الرواية وجب القبول و الاذعان مع ما ذكرنا سابقا من نسبة النبوة الي الولاية و نسبة الولاية الي النبوة مفصلا مشروحا فيكون الاشتراك بين النبي و الولي معنويا و اطلاق اللفظ الواحد عليهما بالاشتراك المعنوي و لكن لما كان النبي المطلق مقدما علي الولي المطلق و الولي تفصيل اجمالات النبي و الاجمال مقدم علي التفصيل و الوحدة مقدمة علي الكثرة فيكون الاطلاق من باب الاشتراك لكنه علي التشكيك و اما اطلاق النور علي العلم و الايمان و الاسلام و الكتاب و امثالها فحقيقة ايضا لما قلنا سابقا آنفا الا ان اطلاقه عليها و علي الحقيقة المحمدية صلي الله عليها ( صلي الله عليه و آله خ ) ليس من باب الاشتراك المعنوية لما قلنا لعدم الجامع لان الصفة لايجمعها مع موصوفها حقيقة و كذلك الاثر و المؤثر فلميبق الا الحقيقة بعد الحقيقة و اما اطلاق النور علي النور الظاهر في عالم الاجسام كالشمس و [ص 611] السراج و امثالهما فحقيقة ايضا للتبادر و عدم صحة السلب و اما نسبة الاطلاق بين النور الجسماني و الروحاني علي جهة الاشتراك المعنوي لكان ( لمكان خ ) الجهة الجامعة و هي الوجود و لكن الاطلاق من باب التشكيك لا باب التواطؤ لتقدم الارواح علي الاجسام و شرافتها عليها و هذا ما يتعلق بلفظ النور عند الاطلاق و اما ما يتعلق بالمعني فاختصر المقال بكلمة واحدة بلسان اهل الاشراق و اصحاب الاذواق فنقول ان كل شئ له جهتان جهة الي ربه و هي المعبر عنها بالوجود و جهة الي نفسه و هي المعبر عنها بالماهية و الوجود لاينظر الي نفسه ابدا كما ان الماهية لاتنظر الي ربها ابدا فالوجود هو نور محض و الماهية هي ظلمة محضة و لما كان الممكن لايمكن تحققه و لا تقومه الا بهذين الاصلين المتعاكسين المتقابلين المتضادين وجب تركب كل شئ منهما ظاهرا ( اظهارا . نسخة ع ٤٠ ب ) لحكمته و انفاذا لمشيته و تبيينا بانه تعالي لا ضد له و لا ند له و لا تركيب فيه كما قال مولينا الرضا عليه السلام و روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء في خطبته في مجلس المأمون الي ان قال بتجهيره الجواهر علم ان لا جوهر له و بتشعيره المشاعر علم ان لا مشعر له و بمضادته بين الاشياء علم ان لا ضد له الخطبة ، فخلق الخلق سبحانه من هذين الضدين و ركبهم منهما فاحد اجزائهم نور و الآخر ظلمة و من غلب عليه جهة النور سمي المجموع نورا و من غلب عليه جهة الظلمة سمي المجموع ظلمة فالمقبل نور و المدبر ظلمة و لما كان العالم عالم اللطخ و الخلط تفاوت ظواهر الاشياء و بواطنها فمن الموجودات من كان ظاهره بصفة الاقبال و باطنه [ص 612] بصفة الانكار و منهم بالعكس فمن كان ظاهره بصفة الاقبال كان نورا ظاهره فان كان باطنه ايضا بصفة الاقبال كان ظاهره و باطنه نورا و ان كان باطنه بصفة الانكار كان ظاهره نورا و باطنه ظلمة و ان كان ظاهره بصفة الانكار كان ظلمة فان كان باطنه طبق ظاهره كان باطنه و ظاهره ظلمة فالشمس نور لان ظاهرها بصفة الاقبال و باطن الشمس قد روي انها ظلمة يحشر بصورة العجل لانها عبدت من دون الله فكان باطنها ظلمة و الكافر علي الصورة الانسانية و هي نور لاسيما اذا كانت حسنة نضرة و باطنه بصفة الانكار ( و خ ) الادبار فهو ظلمة و الدليل علي ان الصورة الانسانية نور قوله عليه السلام في الدعاء اللهم ان الشيبة نور من انوارك فمحال ان تحرق نورك بنارك و لا ريب ان ليس المراد من الشيبة اللحية ضرورة ان اللحية ليست في الآخرة لانها من عوارض هذه الدنيا نبتت لآدم عليه السلام بعد ان قبلت توبته و غفرت حوبته فلما رآها استوحش منها فاستغاث بالله و قال يا رب هل صدر مني ذنب استوجب ( استوجبت . نسخة ١٣٠٥م ) منك العقوبة فاوحي الله اليه ان هذه بهاء و هيبة لك و للذكور من ذريتك فاين محلها في الآخرة اذا لمتكن منها و لايصعد الي مقام الا ما نزل منه و اللحية مانزلت من الجنة و لا من النار و هي من عوارض هذه الدنيا فلو كانت في الآخرة فاي فرق بين الدنيا و الآخرة و ذلك معلوم واضح فثبت ان المراد بها الصورة الانسانية و هي التي نور من انوار الله لانها كتاب كتبه الله بيده و من اسماء الكتاب الذي هو القرآن النور فما كان لطيفته زايدة علي ذاته فهو النور التام العام و الزيادة هي الشعاع و اللطيفة هي النور و تختلف الانوار علي حسب اختلاف اللطيفة في الزيادة و النقيصة و ما كانت [ص 613] لطيفته مساوية لذاته فهي اقل مراتب النور و ادناها بحسب الوجود و الظهور و ما كان لطيفته انقص من ذاته فذلك هو الظلمة و لذا قلنا ان الحكم لجهة الغالب و الا فالظلمة ليست بخالصة لا نور فيها و لا النور خالصا لا ظلمة فيه بل هما مقترنان ممتزجان و الاسم للغالب و اذا خلص اضمحل الكون و خلوصه محال الا ان يخرج الامكان عن امكانه او تعدم الاشياء من اصلها و الله سبحانه علي كل شئ قدير و لكن القدرة لاتتعلق بجعل الممكن واجبا كما لاتتعلق بجعل الواجب ممكنا و الممتنع موجودا قال سيدنا و مولينا الرضا عليه آلاف التحية و الثناء ليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب و لا في معناه لله تعظيم .
و اما القديم فاعلم انه بمعني التقدم فكل من تقدم عهده و تقادم عصره يسمي قديما فاقل ما يطلق علي الشئ لفظ القديم ما اتي عليه ستة اشهر و هو قوله تعالي كالعرجون القديم و لذا قال جماعة من الفقهاء ان الانسان اذا نذر ان يعتق كل عبد قديم له و ( او خ ) اوصي بذلك و لميعين فانه يعتق كل عبد دخل ملكه ستة اشهر فصاعدا و بالجملة هذه المدة اقل ما يطلق عليه القديم فيطلق علي اكثر من ستة اشهر و لا نهاية لهذا الاطلاق و لذا قالوا ان القديم علي قدمه فعلي هذا تعدد القدماء كما يتعدد الآزال كما تتعدد الارباب فتقول رب الارباب و ازل الآزال و اقدم من كل قديم و ارحم من كل رحيم فالقديم الاول هو التعين الاول و الحق المخلوق به و الوجود المنبسط و الوجود الراجح و الذكر الامكاني و الاعيان الثابتة في العلم و الغيب الاول فلك الولاية المطلقة الكاف المستديرة علي نفسها المحبة الحقيقية عالم فاحببت ان اعرف و الحركة بنفسها و الازل الاول و [ص 614] الغيب الاول و الازل الثاني و الغيب الثاني و النور الاول و السر لميزل و السر المستسر بالسر و السر المقنع بالسر رتبة الواحدية مبدأ الاسماء و الصفات اول مقام شؤن الذات حضرة الواحدية الحقيقة ( الحقيقية خ ) المحمدية في الرتبة الاولية و الي هذا المقام اشار اميرالمؤمنين روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء في الخطبة استخلصه الله في القدم علي ساير الامم اقامه في ساير عوالمه مقامه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و هذا القديم الاول في التزييل الفؤادي له اربع مقامات و كل منها قديم فالقديم الاول من القديم الاول السر المقنع بالسر و شمس الازل النقطة الاولية قطب القطب و سر المحور و الرحمة الاولية الالهية اول المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان مبدأ الآيات و سر الذوات بلا كيف و لا اشارة القديم الثاني من القديم الاول مقام النفس الرحماني و النور الشعشعاني و البشر الثاني و اصل المحور الف التكوين الغايب في بسم الله الرحمن الرحيم مبدأ التعلقات الذات المنتهي اليها تعلقات الصفات السر المستسر و ثاني المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و ثاني الآيات البينات القديم الثالث من القديم الاول عباد مكرمون الذين فنوا عن انفسهم و شاهدوا وجه محبوبهم كثرة هي غير الوحدة و وحدة فيها سر الكثرة و وجود المطلق و ظهور النور الحق و وجود الحق المخلوق به و اجزاء الذات البسيطة و هو من العجب و حدود الكلمة التامة و الحروف العاليات [ص 615] التي مادخلت تحت الكتابة و لا العبارة و لا الاشارة لا بلفظ و لا بمعني و هي التي تخججت و عن البيان تحرفت لايجوز البيان اكثر من ذلك القديم الرابع من القديم الاول السر المقنع بالسر و السر المستسر بالسر و الكلمة التامة و الولاية العامة و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر اسم المكنون المخزون الذي استقر في ظله لايخرج منه الي غيره .