مقابلة - الشياطين اضداد للملائكة فشأنهم في الظلمات كما هو شأن الملائكة في الانوار فجهة النور فيهم مضمحلة فانية لا اثر لها ابدا كما ان الملائكة جهة الظلمة فيهم كذلك و الفرق بين الشياطين و الكفار الذين اعرضوا عن الله سبحانه بالمرة كنمرود و شداد و امثالهما و قد ادعيا الربوبية دون الله سبحانه كما ذكرنا في الفرق بين الملائكة و الانبياء الاطهار راجع تفهم و اصل مبدأ الشياطين ان ابليس كانت له امرأة اسمها طرطبة فواقعها و لما كانت ملساء باضت ثلثين بيضة فجعل ابليس كل عشرة منها في ناحية من نواحي العالم و خرجت من كل بيضة قبيل من الشياطين لايعلم عددهم الا الله و هؤلاء كلهم ذكور ليس فيهم اناث الا واحدة و هي امالصبيان و هؤلاء كلهم كفار ليس فيهم مؤمن الا واحد و هو هام بن هيم بن قيس بن ابليس هكذا سمعت من شيخي العلامة و استادي و سنادي و عمادي اعلي الله شأنه و انار برهانه و رفع ذكره و اعلي امره و قد سمعت منه ايضا اعلي الله مقامه ان ابليس نكح نفسه فحصلت هذه البيضات ففرقها في نواحي الوجود و لا منافاة بين الكلامين لان طرطبة اسم نفسه و انيته التي ينكحها وجوده المنصبغ بصبغ الطغيان كالماء الصافي اذا شرب منه الافعي انقلب سما قاتلا و لا منافاة ايضا بين ان اولاده [ص 471] كلهم ذكور و بين ما ورد في الحديث من ان هام بن هيم بن قيس بن ابليس اسلم و اتي الي النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) فتعلم منه بعض القرآن و عرفه الحلال و الحرام و وجه توهم المنافاة انهم اذا كانوا ذكورا كيف يحصل منهم التوالد حتي يكون الهام اعلي جده ابليس و وجه رفع التنافي ان اولاد ابليس اجزاؤه و من سنخه و قرأنا لكم سابقا آيات من القرآن ظاهرة الدلالة علي ان الولد علي هيئة الوالد و قوله تعالي قل كل يعمل علي شاكلته فيكون اولاد ابليس كلهم علي صفته و هيئة عمله فيكون كلهم ينكحون انفسهم و يبيضون فيكثر منهم النسل ( و خ ) لقد اراني الله سبحانه في بعض احوال المكاشفة كيفية صدور النسل من ابليس و تكثره و كيفية نكاحه نفسه و علي اي صورة كان حين النكاح و الحمد لله رب العالمين .
وصل - لما ذكر الناظم ايده الله بتوفيقه و سدده بتسديده و جعل نور الحق امداده و الملائكة وقاده ان الملائكة بدت تتنزل ضحي في دار السلام انجذابا لتلك الالوية و الاعلام لما اشرقت عليهم انوار العناية و تشعشعت لهم شروق شمس الكرامة فانجذبوا اليهم لما باهاهم الله بهم فاحاطوا بظاهرهم و باطنهم باعلاهم و اسفلهم بحيث لميبق لهم جهة الا و احاطوا بها شوقا و توقا لحصول المناسبة المقتضية للمحبة و الوداد فاشار سلمه الله الي هذه الاحاطة و تلك الاستدارة الموجبة لجذب الانوار و هتك الاستار و كشف الاسرار فقال سلمه الله العزيز الغفار :
من تحت اخمص زائريه كم لها من اجنح نشرت وطتها الارجل [ص 472]
اقول : هؤلاء الملائكة ليسوا من المدبرات و لا من المقسمات و لا من المعقبات و لا من الحافظات و لا من المخلقات و لا من المقدرات و لا غير ذلك من الموكلات بجهة خاصة من جهات العالم و انما هم ملائكة الرحمة و ملائكة المغفرة و ملائكة الكرامة و ملائكة العناية و ملائكة العفو و الرضوان و ملائكة هم حملة الاحسان و الامتنان و ملائكة الرأفة و ملائكة العطف و ملائكة الكرم و ملائكة الآلاء و النعم و ملائكة الانس و المحبة و ملائكة اللطف و المودة و ملائكة حملة اطباق النور المنثار و ملائكة يهتكون الاستار لكشف الاسرار فان اولئك الملائكة غير هؤلاء يشملون المؤمنين و الكفار و قد ورد ان الملك لايدخل بيتا فيه كلب او لايدخل بيتا فيه زبالة و امثالها من الاحاديث الواردة في نفي الملك في تلك الاماكن مع ما ورد و اشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار ان قطرة من المطر يحملها ملك و يضعها في محلها و ان كل شئ موكل عليه ملك و قد ذكرنا سابقا ان القوي الحيوانية من الجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة موكل عليها ملك يدبرها و يربيها مع ان في الكلب تلك القوي الاربعة و المطر يقع علي الكلب و علي الزبالة فالجمع بين هذه الروايات ما اشرنا اليه بلحن المقال من ان الملك الذي لايدخل بيتا فيه كلب هو ملك الرحمة و ملك النور و ملك الكرامة و العناية من نوع ما ذكرنا آنفا و اما الملائكة الذين يحملون القطرات و يربون القوي و موكلون علي الاشياء اولئك هي المدبرات و المقسمات و المقدرات و امثال ذلك مما في الارضين و السموات .
[ص 473] مطايبة - قد سئل بعض مخالفينا ممن يدعي العلم و المعرفة و يزعم ان رياسة فهم الاخبار و الآيات قد انتهت اليه عن الجمع بين الروايات الدالة علي ان الملك لايدخل بيتا فيه كلب و الروايات الدالة علي ان كل قطرة ( من المطر خ ) يحملها ملك فاجاب بان الملك الحامل للقطرة الي هذا البيت الذي فيه كلب يرمي بها من بعيد نحو الكلب و يولي منهزما ذلك مبلغهم من العلم و بالجملة حضور اولئك الملائكة المدبرات و غيرها ( غيابهم خ ) سبب لتمام الشئ بالحضور و نقصانه بمعني تزلزل بنيانه و هدم اركانه عند الغيبة فالمراد بغيبته عدم تصرفه فاذا لميتصرف بامر من الله لامر ( لمانع خ ) غيبي او شهودي مما يرجع الي نفس الشئ او ما يرجع الي ما يتعلق به من اضافاته و نسبه فانه يكون سببا لفساده و وقوع الخلل فيه و اما الملائكة الذين يحضرون لزيادة النور و ادخال السرور و هؤلاء ( فهولاء . نسخة ١٣٠٥ م ) ملائكة مقربون مخصوصون واقفون علي فوارة القدر بامر مستقر فيتلقون منها انحاء الافاضات و انواع الامدادات من انحاء الخيرات و يلقونها الي محالها و مواقعها من الذوات و الصفات و الاصول و الفروع و هؤلاء الملئكة الذين حضروا في دار السلام لتشييع تلك الاعلام التي حملتها اولئك الاعلام الكرام بين يدي الستر المنور الذي هتك بها الاستار و نفيت بها ( هتكت به الاستار و نفيت به . نسخة ١٣٠٥ م ) الاغيار و زالت به الاكدار هم الملائكة الذين بايديهم اطباق النور شملت عنايتهم الزوار فنشرت اجنحتهم لهم ليدوسوا عليها ليحصل لهم الفخار لان الله سبحانه بعثهم رحمة شاملة و نعمة كاملة لاهل دار السلام التي هي في كنف حماية و حراسة علي العالي علي القدر و المقام فاتت [ص 474] الملائكة طائفين بهم و محيطين عليهم فنشرت اجنحتها لتمشي الزوار و المشيعين عليها تحقيقا للافادة و تحصيلا لكمال الافاضة و تبيينا لغاية العناية ففعلوا ذلك بامر من الله سبحانه كرامة لرسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و عناية الي الامام الهمام حيث انه جزء لرسول الملك العلام و علي هيئته و شاكلته في الانام فالتعظيم له صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم يقتضي التعظيم لاولاده و احفاده و هو قوله تعالي قل لااسئلكم عليه اجرا الا المودة في القربي و القربي مؤنث الاقرب و اقرب الاشخاص الي الشخص اولاده اذا لميخالفوه في اخلاقه لان الولد جزؤه و لا شئ اقرب الي الكل من الجزء و لا شئ اقرب الي الشئ من نفسه اليه و هما قربان لايحول بينه و بين من يتقرب اليه حائل ابدا فيجب تعظيم الاولاد لتعظيم الآباء بشرط ان لايخالف الاولاد آبائهم بحال من الاحوال و بطور من الاطوار في طريقة من الطرائق و وجه من الوجوه و اذا جائت المخالفة جائت المباعدة علي حسب المخالفة ان كانت كلية قلبية فالمباعدة كلية كما قال تعالي في حق ابن نوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح و قال سيد الساجدين النار خلقت لمن عصاه و ان كان سيدا قرشيا و ان كانت المخالفة جزئية فالمباعدة جزئية عرضية ظاهرية فلاتتحقق الولادة التامة الموجبة الكرامة ( للكرامة خ ) التامة الا عند عدم المخالفة التامة و اذا وقعت المخالفة حصلت المباعدة بقدرها و اذا لمتتحقق لمتقع تأتي الجزئية و السنخية و المشاكلة علي حقيقتها فكلما يجب للاب يجب للابن في مقام الفرعية البدلية و الصفتية و التأكيدية و لايتفاوت الحال بان [ص 475] تكون البنوة لاب او لام و قد تقدم منا في البيت الثالث تفصيل الابوة و البنوة و الاب و الابن و اختلاف احوالهما علي التفصيل فراجع اليه تفهم ما نريد فالملائكة كرامة لجده رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) الذي هو سيد البشر و خير من غاب و حضر من اللاهوت الاعلي و الناسوت السفلي و ما بينهما من المراتب و المقامات حضروا بعدد لايحصيهم الا الله و نثروا علي زائر الامام الاطهر موسي بن جعفر عليهما التحية و الثناء من الله الخالق الاكبر اطباق النور و كل طبق ما بين المشرق و المغرب ممتل من انواع الجواهر المعنوية و التحف الحقيقية من حلي و ملابس و تيجان ( و خ ) نثروا هذه الاطباق علي رؤس الزوار و صار لكل منهم حظ عظيم و لكن ابدانهم الدنيوية وسخة كدرة لاتليق للبس تلك التحف و لا لاستعمال تلك الجواهر من انواع الذخائر فذخرها الله سبحانه في خزاين رحمته لهم الي ان تطهر ابدانهم و تصفو قواهم و مشاعرهم حتي تعرف تلك الجواهر النفيسة و التحف و الهدايا الانيسة حتي لايضيعوها و يعرفوا قدرها و الا فهي محفوظة لهم و مدخرة لاجلهم و لا بد ان تصل اليهم و لكن الدنيا ضيقة عن تحملها مثاله اذا كان السلطان له ولد صغير لايعرف قدر الجواهر و لا الاشياء الثمينة و لايعرف سياسة الملك و تدبير العسكر و تجهيز الجنود و تمهيد الامور و طريقة الرياسة و كيفية السياسة يمنعه السلطان عن التصرف في المملكة و لايعطيه تلك الجواهر النفيسة بل يدخر له الخزائن و ما فيها من الجواهر و التحف السنية و الاشياء النفيسة الي ان ينشئ الولد و يكبر و يرشد و يتبصر و [ص 476] يعرف دقايق الامور و مخفيات الاشياء فهنالك يعطيه ما ادخر له و كذلك هدايا الله سبحانه و تحفه و كراماته و احسانه لعباده المؤمنين المتقين التي يمنحهم اياها و يكرمهم بها في كل وقت و آن فهي لهم مخزونة في الخزاين محفوظة لهم عند ايناس رشدهم فان آنسوا منهم الرشد دفعوا اليهم تلك المزايا و المفاخر و الشرف و المآثر امتثالا لقوله تعالي فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم و حصول الرشد قد يكون في الدنيا و هم الكاملون البالغون و قد يكون عند الموت و هم المؤمنون الممتحنون الذين يحضرهم رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) في ملأ من الملائكة منهم جبرائيل و عزرائيل و منهم في البرزخ و هم اواسط الناس من المؤمنين و منهم في القيمة و منهم عند دخول الجنة و شرح هذه الاحوال و كيفية ايناس الرشد في هذه المقامات يطول به الكلام و انا مع عدم الاقبال و تبلبل البال كيف يرجي مني شرح تفصيل هذا المقال و بالجملة فهؤلاء الملائكة نثروا علي رؤس الزايرين تلك الاطباق و سقوا قلوبهم و اسرارهم كؤسا دهاقا و نشروا اجنحتهم لتمتع اسافل وجودهم و ارجلهم و الاستنارة بنور كرامة الله الظاهرة في جميع مراتبهم و هو تأويل قوله تعالي و لو انهم اقاموا التورية و الانجيل و ما انزل اليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم و من تحت ارجلهم منهم امة مقتصدة و كثير منهم ساء ما يعملون و الامة المقتصدة هؤلاء الابدال و صفوة الرجال الذين اعطاهم الله سبحانه و منحهم [ص 477] و اعد لهم و ادخر لهم في الدار الآخرة و لذا قال الناظم من تحت اخمص زائريه كم لها من اجنح نشرت ، اشارة الي هذه الدقيقة الشريفة و قد ورد في الحديث عن النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) ان الملائكة ليضع ( لتضع خ ) اجنحتها لطالب العلم رضي به و انه ليستغفر له كل من في السموات و الارضين حتي الحيتان في البحار و المراد بالعلم هنا علم النبوة و الولاية و ظهور سريان علم التوحيد فيهما و ذلك العلم يقتضي الزيادة و رفع الاعلام و نشر الالوية و ايصال هدية سيد الانام الي ذلك الامام الهمام عليه من الله آلاف التحية و الاكرام .
تنوير رباني - فحيث بلغ الكلام الي هذا المقام فلا بأس ان نشير ببعض الكلمات المختصرة الي بعض اسرار و معاني اجنحة الملائكة و ما ورد في بعض الاخبار عن بعض الاطهار ان الملائكة لتأتي الاولياء اهل التوحيد و الولاية و تزاحمهم علي فرشهم و تكاياهم و تقع عندهم اجنحتهم و ريشها و زغبها و انهم يجعلون زغب الملائكة و ريشها سجالا ( ظ سخالا خ ) لاولادهم و عوذة لهم يستكفئون ما يرد علي الاولاد من البلايا و النوائب و ان المراد من هذا الزغب و الريش الذي يقع علي بسطهم و فراشهم ما هو فنقول اما اتيان الملائكة لغير النبي صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم لا نكر فيه و لا استيحاش لما بينا سابقا من التفصيل التام ذكرنا الآية الدالة علي ذلك و نعيدها لانه المسك كلما كررته يتضوع و هو قوله تعالي الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اولياؤكم في الحيوة الدنيا و في الآخرة [ص 478] فاما الجناح فانه آلة الحركة و الطيران الي العالم الاعلي و قد قال تعالي جاعل الملائكة رسلا اولي اجنحة مثني و ثلاث و رباع يزيد في الخلق ما يشاء و هذا صريح في ان زيادة اجنحة الملائكة من زيادة الخلق فالاصل في الجناح الاثنان لان احدهما يمين و الآخر يسار بهما يطير الي فضاء القدس و مأوي الانس ثم الزيادة فبحسب متعلقاته و قد قال بعض العلماء كلاما في هذه المقام تفوح منه رائحة التحقيق لا بأس بنقله حرصا لزيادة الفائدة قال رحمه الله ان نفوس القدسية انسيها و ملكيها لما كانت بكمالاتها الذاتية و الكسبية ترتقي الي ذروة العوالم الالهية و حقيقة الجناح و الريش ليس الا ما يتمكن من الصعود من دون توسط آلة خارجة فالجناح الايمن هي المعارف الالهية و الجناح الايسر هي العبادات المقربة الي جناب الربوبية و الريش و الزغب عبارة عن كليات العلوم و جزئياتها اصولا و فروعا بحسب مناسبات تقع بينهما بالترتيب و التقدم و التأخر فالارواح الانسية بسبب خطاياهم و خطية ابيهم و وجوه اخر سقط ريشها فهبطت الي العالم الذي يقرب من عالمها الي ان وقعت في هذا العالم الاسفل فاعطاها الله القيوم قوي و اعضاء و آلات تقوم مقام ريشها و زغبها و جناحها بحيث لو سلكت سبل الهداية و صرفتها فيما خلقت له صارت تلك القوي و الاعضاء جناحا و ريشا لها فلما كانت الملائكة لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون بقوا علي اجنحتهم و ريشها و زغبها مما يناسب عالمهم و مرتبتهم و اما السر في سقوط الريش و الزغب في بيوت الاولياء فهو ان الحقايق العلوية بحسب ما اعطاها الله [ص 479] من القوة و القدرة لما توجهت الي العالم الذي تحت حيطتها تصورت هي و جميع ما لها من الكمالات و الصفات بصورة مناسبة لذلك العالم الا ان الصورة العقلية لايسعها ظرف الخيال و كذا الصور الخيالية لايسعها مضيق عالم الحس فما لميتلبس الصورة العقلية بكسوة مطمورة الخيال لميدخل في القوة الخيالية و هكذا فالملائكة الذين هم من عالم الامر لما كانوا من معدن الحيوة وجب ان يتراؤا بصورة حيوانية فعلومها و اذكارها و كمالاتها التي هي من توابعهم و بها يقدرون علي الذهاب و المجيء بحكم الله تصورت بصورة الجناح و الريش و في العالم الخيالي بما يناسب ذلك العالم و في عالم الشهادة بما يناسب تلك المرتبة من دون مجاز و استعارة و بالجملة لما جاؤا الي هذا العالم صاروا من موجودات ذلك العالم و باعتبار القوي و الكمالات التي يطيرون بها في فضاء القدس صاروا من اصناف الطير و ما يلزمها من الجناح و الريش و غيرهما و من لميفهم هكذا لميدخل في ميدان العرفاء انتهي كلامه و هو كلام متين و جوهر ثمين الا ( ان خ ) قوله في الانسان بحسب خطاياهم سقط ريشها بل لميسقط ريشها و هذه الخطايا الغير القلبية عرضيات لاتؤثر في حقيقتها بل الريش موجود في الانسان و الجناح متحقق فيه و لايلزم ان يكون الجناح و الريش علي صورة واحدة غير مختلفة بل تظهر في كل عالم بصور مختلفة و هيئات متعددة علي حسب اقتضاء تلك الرتبة الاتري الميزان فانه في كل مقام ظهر علي حسب ذلك المقام الاتري ميزان الشعر فانه علم العروض و ميزان [ص 480] العلوم فانه علم المنطق و ميزان الافلاك و حركات الكواكب فانه الارصاد و ميزان الحق و الباطل فانه الكتاب و السنة و ميزان المدارك اي المدركات فانه المشاعر و ميزان الاجسام المكيلة فهي المكيال باقدار مختلفة و اما الغير المكيلة فمن جنس الثياب و الاقمشة فالذراع و الاشبار و في الابنية ميزان اعتدالها و استقامتها الشاقول و ميزان الكواكب و البروج و ارتفاعات الكواكب و وقوعها في كل وقت في محل خاص الاسطرلاب و ميزان ساير الاجسام من الفلزات المنطرقة و غير المنطرقة و ساير الاجسام الميزان ذو الكفين و كلما ذكرناه ميزان ذو وجهين و جهتين لكنه يظهر في كل مقام بحسب اقتضاء ذلك المقام و تلك الرتبة و كذلك الجناح فهو آلة الطيران الا ان الطيران في كل عالم بحسبه و كل مقام علي مقتضاه فالانسان طير من اطيار القدس فمن جهة جامعيته تظهر باجنحة مختلفة حتي ان العلماء الكاملين و العرفاء الواصلين ذكروا في تأويل قوله تعالي جاعل الملائكة رسلا اولي اجنحة مثني و ثلاث و رباع قالوا ان الملئكة هم الانسان لصلاحية اللفظ للاطلاق كما قدمنا سابقا و لما قال النبي صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم ان الصلوة معراج المؤمن و العروج الي عالم القدس لايكون الا بالجناح فالصلوة جناحه لانها معراجه اي آلة عروجه و لما كان الجناح لايكون اقل من اثنين كذلك لاتكون الصلوة اقل من ركعتين فمثني صلوة الصبح و ثلث صلوة المغرب و رباع صلوة الظهر و العصر و العشاء ما دام في هذه الدنيا هي اجنحة فالعلوم و المعارف جناح التوحيد و الولاية و اذا اراد الصعود الي العلو المحسوس [ص 481] ان شاء صعد بجناح معنوي و ان شاء صعد بجناح صوري له ريش و زغب و لكن الانسان حيث خلق من طين لازب فاختار السكون و الخضوع و الخشوع و الانقياد و التسليم و لو اراد الرفعة و العلو و الطيران لمامنعه مانع لما حصل من الاجنحة الالهية بالهبوط و الخضوع و الانكسار و اما الملائكة حيث انهم مخلوقون من نور و شأنهم الخدمة و الاختلاف و التعدد ( التردد . نسخة ١٣٠٥ م ) فيما وكلوا به و الصعود للاستمداد لاجل الامداد فشأنهم شأن الروابط و الحروف العاملة الفعالة و طبيعتهم قد غلبت عليها الهواء فما غلبه الهواء مسكنه الهواء و ما كان مسكنه الهواء و ليس بصرف الهواء بل فيه خلط من التراب و الماء فلا بد لهم من حافظ و مانع يعارض التراب و الماء لجذبهما الي الهبوط و ذلك المانع هو الريش و الزغب لقوة الحرارة و وسعة المسامات اقتضت خروج الريش و الزغب من فاضل ما تدفعه القوة الدافعة فالهواء يتخلل في فرج الريش و الجناح فيقف في الهواء ما شاء ثم يهبط الي الارض ان شاء بقوة ما فيه من طبيعتي التراب و الماء ثم اذا شاء صعد لغلبة ما فيه من الهواء و هذا البيان سر حقيقة الطيور الدنياوية فقس عليها حال الطيور القدسية الالهية اذ ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لما كانت الملائكة انما خلقوا للخدمة و هي مقتضي التردد و الاختلاف ظهر طيرانهم فظهرت اجنحتهم بريشها و زغبها بخلاف غيرهم من الانس فافهم هذا البيان المكرر المردد بالفهم المسدد و اعلم بذلك ان الانسان ( من خ ) شأنه الطيران اذا شاء و حصول الريش و الزغب لقد جاءت الآثار و الاخبار ان الاولياء حملة الاسرار لايموتون الا ان يجعلوا لهم [ص 482] وليا و حافظا لاسرارهم و موضحا لمنارهم فبعض الاولياء جريا علي العادة المستمرة المستقرة اخرج من فمه طيرا شبه العصفور فابتلعه وصيه الحامل لعلومه و اسراره فسر هذا العصفور هو الذي ذكرنا لك في هذه السطور فافهم راشدا و اشرب عذبا صافيا .
وصل - لما ذكر الناظم ايده الله بتوفيقه و فتح عليه باب تسديده بعد وصف الستر كيفية ايصاله مع السايرين به و ظهور الجلالة و العظمة و الكبرياء الظاهر بكثرة المشيعين و انوار السايرين به و رفع الاعلام العظيمة و نشر الالوية الكثيرة التي قد قلنا انها الفالف بل ازيد و لو قلنا سبعينالفالف لميكن بعيدا بل هو قريب من قريب لان الله سبحانه قال انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فاذا كان مراتب الموجودات الفالف و العدد الربوبي من قوله تعالي ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون يقتضي ان يكون الفالف سبعينالفالفالف و هذه الاعلام بشققها من سبعينالف الي ما يتنزل من المراتب و طولها من سبعينالفالف قامة الي ما يتنزل من المراتب من الاذرع و الاشبار و الاصابع و غير ذلك بحسب مقام حاملها ( حامليها خ ) و تحت كل راية و علم من المخلوقين ( الخلق خ ) ما لايحصيهم الا الله سبحانه و اصواتهم مرتفعة بالتسبيح و التقديس و التكبير و التهليل و الاذكار المشتملة علي الثناء علي الله سبحانه اكملها و اعلاها و الثناء علي حامل النبوة المطلقة و الولاية المطلقة و ما يدل علي استعلاء الاسمين الاعلين الحي القيوم من منثور و منظوم و ارتفاع تلك الاصوات و تداخل بعضها ببعض كما تداخلت الظهورات [ص 483] في اطوار حقيقتهم ثم تنزل الملائكة ملائكة الرحمة و ملائكة النعمة و ملائكة الكرامة و ساير ما وصفناهم سابقا و بايديهم اطباق النور و بالسنتهم البشارات الموجبة للبهجة و السرور اجنحتهم منشورة علي الارض و ايديهم مبسوطة بنشر ما اعد الله عليهم من الكرامات و العنايات و هو في وقت الضحي محل التجليات و موضع بث الخيرات لتكميد الشيطان و ساير الابالسة من اهل الطغيان في دار السلام محل الاكرام و الاعظام و موضع علي الذي كاسمه علي علي كل ما يرد عليه من النقض و الابرام و هو ابوالفتوح و صاحب الشوكة و من بيده الحل و العقد في المهام صاحب السياسة و منتهي الرياسة أيد ( أبد خ ) الله شوكته علي الدوام فهم في هذه الحالة و الستر بين ايديهم يحمله ذلك السيد القمقام و البدر التمام ( التام خ ) فيا لها من حالة عجيبة و شوكة غريبة و هو روحي له الفداء بها خليق و لها حقيق الي ان اتوا به بذلك العز و الاكرام و اوردوه في محل قبره الشريف فاشار الي ما بعد الورود لاهل الوفود و قال سلمه الله تعالي :
و اتوا لبابك يحملون وسيلة المرسلون بها غدا تتوسلوا ( تتوسل خ )
اقول : ماادري ما اقول و ما عسي ان اقول و هذا باب و ان كان واسعا عاليا متعاليا متقدسا لكنه كباب حطة الداخلون علي ما يريد الله قليل و لذا ظهر الباب بالضيق و حكمه حكم الصراط فمن مر عليه و هو مؤمن موحد متقي يتوسع له كما بين المشرق و المغرب و من كان كافرا منافقا يترفع و يترقق حتي يصير ادق من الشعر و احد من السيف و هو قوله تعالي و ان منكم الا واردها كان علي ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين [ص 484] اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا و هذا ( هكذا خ ) الكلام في بيان هذا الباب علي وجه المقصود و المرام و اني في بيان ذلك كما قال الشاعر :
تعرضت عن قولي بليلي و تارة بهند فلا ليلي عنيت و لا هندا
فسميتها ليلي و سميت دارها بنجد فلا ليلي اردت و لا نجدا
و لكني اتكلم حيث ما يمدني الله بمدده و يسعدني باسعاده و يجري علي قلمي و يظهر بي كلمي فنقول و بالله التوفيق اما ظاهر هذا البيت فصعب و اما باطنه فسهل بعكس الابيات الاخر و نحن نبين حقيقة المرام بعون الله الملك العلام فنقول ان نبينا محمد صلي الله عليه و سلم ( محمدا صلي الله عليه و آله خ ) قد شرفه الله سبحانه علي كل الخلق لاسيما الانبياء و المرسلين لانه خاتم النبيين و لايكون الخاتم الا فاتحا و لايكون الفاتح الا مهيمنا و لذا ورد في زيارته صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم في حرم اميرالمؤمنين عليه و علي اخيه الف تحية و ثناء من رب العالمين السلام علي رسول الله امين الله علي وحيه و عزايم امره الخاتم لما سبق و الفاتح لما استقبل و المهيمن علي ذلك كله و رحمة الله و بركاته و لذا كان سيد الاولين و الآخرين و في وصف الله له غني عن وصف الواصفين و مدح المادحين و هو قوله تعالي ماكان محمد ابا احد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين و اذا كان خاتم النبيين كان اولهم لان الخلق الآن في قوس الصعود يصعدون الي ما منه بدؤا فلو لميكن البدو اي بدو النبوة هذه الحقيقة المقدسة لميكن الختم بها و الا لماصح قوله كما بدأكم تعودون فاذا كان به البدو و كان كلما سويه تحته و كان كل الانبياء رعيته [ص 485] لقوله سبحانه و تعالي و اذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه قال ءاقررتم و اخذتم علي ذلكم اصري قالوا اقررنا قال فاشهدوا و انا معكم من الشاهدين و هذا الرسول المصدق لما مع الانبياء لو كان غير نبينا محمد صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) لكان هو اشرف الانبياء و سيدهم و فخرهم حيث ان الانبياء مأمورون بالايمان به ثم اخذ عليهم العهد و الميثاق ثم جعلهم شهودا و جعل نفسه الشريفة شاهدا علي الكل و كان هو خاتم النبيين و سيد الاولين و الآخرين فاذا كان كذلك فوجب ان يبين الله اياه للخلق و يظهر امره و يوصي للانبياء ان يبشروا به امتهم من بعدهم كما اوصي بمحمد صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) كما اخبر الله سبحانه حكاية عن عيسي حين قال و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد و الله سبحانه ماغش الخلق و لميفضل سوي محمد صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) فعرفنا ان النبي الذي اوجب الله علي الانبياء الايمان به و التسليم و الانقياد هو نبينا محمد صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و هو الذي يكون جميع الانبياء رعيته و الزم به عليهم فرض طاعته و اوجب عليهم نصرته و اخذ عليهم العهد و الميثاق بذلك و قد روي محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله تعالي و اسئل من ارسلنا قبلك من رسلنا عن النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) انه قال ليلة اسري بي الي السماء اتيت المسجد الاقصي و اجتمعت الانبياء كلهم لدي فتقدمت و صليت بهم فلما فرغت من الصلوة اتاني جبرائيل و قال لي يا محمد سلهم بماذا بعثوا [ص 486] فقلت يا معشر الانبياء بماذا بعثتم قالوا بعثنا بشهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا عبده و رسوله و اذن جميع الانبياء من امته و رعيته يستمدون منه و يرجعون اليه و قد تقدم منا تأويل قوله تعالي عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون الآية ، ما يشفي العليل و يروي الغليل في هذا المقام و لا شك ان الامة تتوسل الي نبيه وسيلة يتقربون بها الي الله زلفي فمن اعظم الوسايل و اشرف الذرايع محبة اولاد الرسول و مودة احفاد الزهراء البتول و الانقطاع الي اولاد اميرالمؤمنين الذي هو نفس الرسول ( صلوات الله و سلامه عليهما خ ) كما افصح عنه قوله تعالي قل لااسئلكم عليه اجرا الا المودة في القربي و المخاطب جميع امة النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و قد قلنا كما قال الله سبحانه و تعالي انه بعث علي كل العالم ما سوي الله فخطاب قل لااسئلكم يشمل كل الوجود من الغيب و الشهود و منهم الانبياء و محبة اولي القربي و تعظيمهم و احترامهم هو اجر الرسالة و النبوة و اعظم ما يتوصل ( يتوسل خ ) به الي الله فالسائرون بالستر و المشيعون له و رافعوا الاعلام و الالوية حملوا وسيلة هو الستر و الحجاب لانه الوسيلة ( الوسيلة الي الله خ ) الي الفوز في يوم الحساب و يوم المآب و هذه الوسيلة التي هؤلاء حملوها و اتوا بها من الستر المعظم و الحجاب المقدم المكرم المفخم هي الوسيلة للانبياء في هذه الدنيا و يوم يقوم الاشهاد فاذا كان الكروبيون من المشيعين و من حملة الاعلام فما ظنك بالانبياء العظام الكرام فهم من السايرين المشيعين بالطريق الاولي فهم توسلوا بهذه الوسيلة و تمسكوا بهذه الذريعة اي حمل [ص 487] التحف و الهدايا اي قطع العباء و الكساء لآل رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) الذين منهم سيدنا الكاظم عليه آلاف التحية و الثناء الي رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) لينالوا اعلي الدرجات و يفوزوا باشرف المثوبات و لكن الابصار لما لمتنظر اليهم و الانظار لما لمتشاهدهم اخفي امرهم الناظم فقال ان المرسلون يتمسكون بهذه الاستار و الحجب يوم القيمة و مراده بذلك ظهور الامر كما ذكرنا عند قوله سلمه الله تعالي : و غدا عليها يسدل ، و الا فهم سلام الله عليهم دائما يتوسلون بهذه الوسائل الي النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) ليقربهم الي الله زلفي لانه نبيهم و هم رعيته و ابصار الرعية شاخصة الي نبيهم و اعينهم ممدودة اليه و اعناقهم مادة اليه يطلبون احسانه و يراقبون بره و امتنانه فهو الوسيلة لهم الي الله و هم عليهم السلام يتوسلون اليه بوسائل منها نشر فضائله و مناقبه و انما ( انه خ ) هو ذو القوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم امين و منها بابلاغ الرسالة التي هي ( هو . نسخة ١٣٠٥ م ) السبب فيها و سر النبوة المطلقة و الولاية المطلقة و منها نشر علومه و اسراره و شريعته و آثاره و منها الاشارة ( البشارة خ ) الي وجوده و الاخبار ببعثته و ظهوره و صدوره و وروده و اصداره و ايراده و منها احترام ذريته العلوية و اولاده الفاطمية و اعلاء كلمتهم و رفع ذكرهم و تعظيم شعائرهم و نشر فضائلهم و مقاماتهم فمنها زيارة قبره صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و قبورهم و المام مشهده و مشاهدهم و الحضور مع زواره و زوارهم و مساعدة احبائهم و مكايدة اعدائهم و الحاصل كل طرق الخير له صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و [ص 488] الانبياء يتوسلون بها اليه دائما في الدنيا و الآخرة في كل وقت و اوان و هذه هي الوسايل الجزئية و هو المراد من قول الناظم ايده الله تعالي : و المرسلون بها غدا يتوسلوا ، و انت تعلم انهم يتوسلون بها في الدنيا و الآخرة و لكن الوسيلة حيثما تطلق يراد بها منبر ينصب للنبي صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم يوم القيمة و لها الف مرقاة من كل مرقاة الي مرقاة عدو الفرس الجواد الف سنة و لعل هذا من الفرس التي يقطع ( تقطع خ ) في كل طرفة عين بقدر الدنيا سبع مرات انظر ماذا تري و قد ذكر المنجمون و اصحاب الهندسة ان قطر محدد الجهات مقدار قطع مسافة ثمانينالف سنة للرجل المتوسط السير فيكون من وجه الارض الذي هو تقريبا نصف القطر اربعينالف سنة و شيئا و ذلك المنبر مسافة الف ( الفالف خ ) سنة من فرس يقطع بقدر الدنيا سبع مرات بمقدار طرفة عين فانظر الي العظمة و سعة المملكة فان رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) جالس علي اعلي مراقيها و لواء الحمد عن يمينه و كتاب الله عن يساره و الخلق كلهم صفوف و وقوف عن يمين المنبر و يسارها ثم تجثوا الخلايق بين يدي الكتاب و يقرأ عليهم كتابهم و لكنه يتكلم بكلمة واحدة و صحايف اعمال الخلايق علي اختلاف مضامينها و مدلولاتها كل بيد صاحبها ينظر اليها و يري ان الكتاب ينطق بصحيفة من اولها الي آخرها و هو لايتكلم الا كلمة واحدة و تلك الكلمة تظهر في جميع الكتب و الصحف ظهور الشئ الواحد في المرايا المتعددة المتكثرة كل تحكي من الشئ الواحد علي ما عندها متحدة مختلفة مخططة منقوشة صافية كدرة و غيرها من الاحوال و الامور و الشئ [ص 489] واحد و كل مرآة تصفه بما فيها و هو قوله تعالي و تري كل امة جاثية كل امة تدعي الي كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و هذه المنبر هي المسماة بالوسيلة و هي التي قال رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) اذا دعوتم الله فادعوا ان يقرب لي الوسيلة ه ، لان عندها السلطنة الكبري و الرياسة العظمي و ظهور خضوع كل شئ من المكلفين له و استسلامهم لديه و تذللهم عنده و وقوفهم بين يديه فهو الرئيس المطلق و الحاكم بالحق و الناطق بالصدق و كل شئ منحط عند علياه و كل شئ محتاج اليه سواه له الحكم و اليه ترجعون و الله من ورائهم محيط و اما الباب فقد تكلمنا سابقا في معناه و المراد منه و فحواه في الظاهر و الباطن و ذكرنا ان الباب هو الستر و الحجاب و هو الرجال الابدال علي ما وصفنا سابقا فلانعيده و اما ما يتعلق باللفظ المطابق للمعني اما الباب ينحل الي ابين مع اتحاد المادة و اختلاف المتعلق و حيث ان الباب واسطة بين الاعلي و الاسفل و فيه نسبة الي الاعلي علي هيئته و نسبته الي الاسفل كذلك و لما كان كل اصل اب ( ابا خ ) علي ما قدمنا من البيان في البيت الثالث فيكون هذه الواسطة بالنسبة الي من دونها اب ( ابا خ ) لكنه مرة بصورة المتعلق السافل و مرة بصورة العالي الاعلي ففيه نسبتان و كل منهما يسمي باسم واحد و من هذه الجهة سمي بابا لانه واحد و هو اب لكنه في مقامين فافهم و هو ايضا مردود الصدر الي العجز فاوله عين آخره و ظاهره عين خافيه و الصورة و ان كانت واحدة و الاسم غير متعدد الا ان جهة كل واحد منهما غير [ص 490] الاخري باللطافة و الكثافة و الغلظة و الرقة فالباب دائما علي شكل ورق الآس و هو ايضا ثلثة احرف اثنان متوافقان و هو دليل اتحاد الرأسين بالعالمين و ظهور حقيقة اخري في البين فهو واحد و ان كان لوحظ فيه اثنان فالالف دليل وحدة عالمه و الباءان دليل نسبة الطرفين فهو اثنان في عين كونه واحدا فاذا حذفت الباء الاول ينقطع ان يكون بابا فيكون اب قد رجع الي الاول و انقطعت ملاحظة الثاني او رجع الي الثاني و انقطع عن الاول فآب بمعني رجع و اذا حذفت الباء الثاني يكون باء بزبره و بيناته و هو باء بسم الله الرحمن الرحيم التي ظهرت الموجودات منها و هي الالف المبسوطة و شجرة طوبي و اللوح الاعلي و الزمردة الخضراء و رتبة النعم و الآلاء مقام الرحمة و الشفاء و اذا حذفت الباء الاول انقطعت البابية و جاءت الابوة فيكون ابا للوجود و اصلا لكل غيب و شهود و مرجعا لكل موجود و مفقود منه بدءت الاشياء و اليه بالكمال تعود و لكنه اب ثانٍ و آدم تالٍ و هو البشر الذي خلق من الماء فجعله نسبا و صهرا و الماء هو آدم الاول و الاب الاول و البشر هو الاب الثاني و النور الشعشعاني سر البيان و المعاني و القياس الاقتراني و هو ايضا آخره يرد الي اوله و قد قيل في ذلك :
ما اسم اذا عكسته فعكسه في طرده لكن حفظ مال المشتري في رده
و هو ايضا خمسة كف الحكيم و سر النور القديم الظاهرة بالولاية الفاقدة للنهاية و البداية مطوي في الخمسة تسعة و هي الافلاك و اصل السماك و محقق الاندكاك و الانفكاك و الخمسة هي المجتمعة في العباء و المفصلة في البقاء و المجملة في اللقاء و الخمسة هي العدد الدائر الحافظة نفسها في جميع النسب و الاضافات اذا نسبت اليها و ان كثرت و ترامت و تعددت [ص 491] تكعيباته هذا سرها في الاعداد و اذا ثنيت تكون هي العشرة الكاملة حافظة نفسها في جميع مراتب التكوين و ظهور سرها في التكوين و التدوين و اما بيان ظهورها في المكونات في كل شئ و انتهاء الموجودات اليها فلان الاشياء كلها لاتخلو من العوالم العشرة عالم الامكان و عالم الفؤاد و عالم العقول و عالم الارواح و عالم النفوس و عالم الطبايع و عالم المواد و عالم المثال و عالم الاجسام و عالم الاعراض و اما حفظ نفسها في الالفاظ و الاعداد و الحروف و كل شئ فقاعدته ان تضعف ذلك الشئ ستة مرات ثم تضيف اليه واحدا ثم تضربه في عشر ثم تطرحه عشرين عشرين و يبقي الباقي عشرة و ذلك في كل شئ من لفظ و معني و لنضرب لك مثالا فنقول الباب مثلا خمسة في العدد و ثلثة في اللفظ اما اللفظ فقد ضعفناه ست مرات كانت ثمانيةعشر اضفنا اليها واحدا كان تسعةعشر فضربناها في عشرة فكان مائة و تسعين و اسقطنا عشرين عشرين فسقطت مائة و ثمانون و بقيت عشرة و اما في العدد فنقول ان عدد الباب خمسة ضربناها في ستة كان الحاصل ثلثين ثم اضفنا اليه واحدا و ضربنا المجموع في عشرة فكان الحاصل ثلاثمائة و عشرة فاذا اسقطنا عشرين عشرين تبقي عشر و هو المطلوب من انتهاء الاشياء اليها و هكذا تفعل في كل لفظ من حيث حروفه و من حيث عدده علي كل وجه و علي كل حال فاذا ضربنا الباقي في احدعشر قواه الاسم الاعظم يستنطق منه الاسم الاعظم علي و اذا اضيف اليها واحد و ثلثون يستنطق منها اسم عمر رضي الله تعالي عنه و بالجملة فالعشرة سر كامن في كل شئ [ص 492] فالخمسة كما انها بنفسها عدد دائر كذلك مثناها فالخمسة اذا ثنيت كانت عشرة تظهر في كل الوجود و الي هذه الدقيقة اشار سبحانه في قوله تعالي تلك عشرة كاملة و الا فمن البين ان الثلثة مع السبعة تكون عشرة فلو كان المراد هذا المعني الظاهر لميكن القرآن فيه تفصيل كل شئ و لميكن معجزة و لميكن الله سبحانه حكيما لتصديه لذكر البديهيات فاذا كعبت الهاء التي هي الخمسة اي ضربت في العشرة نطقت النون فدلت علي الكاف فاستنطق منها عين التعين الاول و ظهر بها كل ما قل و جل و الخمسة يستنطق منها الهاء و باشباعها حصلت الواو و باتصالها بها ظهر الاسم الاعظم هو فالهاء حرف الباطن من اعلاه و الواو حرف الظاهر من ادناه و هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و يتنزل هو الي رتبة ثانية ظهر العلي فبتنزل الهاء يتولد النون و بتنزل الواو ظهرت السين و المجموع مائة و عشرة و هو العلي الكبير و هو العلي العظيم و هو العلي الحكيم فتبين من هذا البيان و ما اودع الله سبحانه في الباب سرا دقيقا و رمزا رقيقا و هو ان الباب اذا نظرت الي باطنه فهو البيت لان الهاء التي هي استنطاق باطن الباب هي ميادين التوحيد الظاهر في كل شئ من الموجودات لان مراتب الموجودات لاتخلو من خمس يجمعها عالمان عالم الامر و هو الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و عالم الخلق و هو دلالة الكلمة فالكلمة لها اربع مراتب الاولي النقطة و الرحمة و السر المجلل بالسر و باطن الباطن و حق الحق الثانية الالف و الرياح و السر المستسر و باطن الباطن و حق الحق الثالثة الحروف و السحاب المزجي و سر السر [ص 493] و باطن الظاهر الرابعة الكلمة التامة و الظاهر و السحاب المتراكم و الحق و هذه الاسماء اخذناها من آية و رواية اما الآية ففي قوله تعالي هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي اذا اقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء فاخرجنا به من كل الثمرات بضميمة قوله تعالي المتر ان الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما و اما الرواية فقول اميرالمؤمنين ( عليه السلام خ ) كلما في الباء في النقطة بضميمة قوله عن النبي صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) ان امرنا هو الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السر و سر السر و السر المستسر و السر المقنع بالسر و الخامسة و هي مقام الخلق و هي الدلالة و الماء النازل من السحاب المتراكم و بحر الصاد و بحر المزن و المداد الاول و الدواة ( للدواة خ ) الاولي و المحبة و الوداد و الماء الذي به كل شئ حي و هذه الاسماء ايضا اخذت من ما تقدم من الآية بضميمة قوله تعالي كهيعص و قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون و قوله تعالي افرأيتم الماء الذي تشربون ءانتم انزلتموه من المزن ام نحن المنزلون و هذه المراتب الخمسة هي ميادين التوحيد و لا ريب ان التوحيد الظاهر للنقطة اعظم و اعلي من التوحيد الظاهر للالف و التوحيد الظاهر لها اعظم و اعلي من التوحيد الظاهر بالحروف و التوحيد الظاهر لها اعظم و اعلي من التوحيد الظاهر بالكلمة و التوحيد الظاهر لها اعظم و اعلي من التوحيد الظاهر للدلالة و بالدلالة تحققت الموجودات و الكاينات تصدق الدلالة عليها علي التشكيك و اما في السلسلة الطولية فهي الدلالة و دلالة الدلالة و دلالة دلالة الدلالة [ص 494] و هكذا الي آخر المراتب و صدق الدلالة علي الدلالة ( الدلالات خ ) المتأخرة من باب الحقيقة بعد الحقيقة فالخمسة جامعة لمراتب التوحيد كلها و هي غيب الباب و لذا كانت الخمسة هي العدد الظاهر لان التوحيد ينفي الغير و لايمتزج بالغير ابدا كالمراتب الخمسة نفسها و هي المبادي و هي لمتزل ظاهرة و هذه مراتب التوحيد و هي كلها في غيب الباب و مراتب الكلمة التي هي مراتب الفعل كلها في غيب الباب و مراتب المفعولات المخلوقات ( و خ ) القبضات العشر في غيب الباب و اليد الظاهرة بالكف الظاهرة بالاصابع الخمسة هي غيب الباب و الابوان في ظاهر الباب و الالف المبسوطة هي ظاهر الباب و الباء التي ظهرت الموجودات منها هي ظاهر الباب و رجوع الاشياء كلها اليها هي ظاهر الباب فالباب هو الباب و هو الولد لاولي الالباب و هو البيت و هو الساكن في البيت و هو اعلي البيت و هو اسفل البيت و هو سر البيت قال الشاعر و نعم ما قال :
ما في الديار سواي لابس مغفر و انا الحمي و الحي مع فلواتها
و هذا علي مذهب اهل الوحدة ظاهر و اما علي مذهب غيرهم فذلك مقامات الظهور و مراتب النور و الظهور غير الذات و ان قيل انها هي الذات و لذا قال النحاة ان اسم الفاعل مشتق من الفعل و المشتق فرع للمشتق منه و ان الفاعل ايضا هو اسم الفاعل و الكل مشتقة اما من الفعل او من المصدر فالفاعل اذن فرع من المصدر او الفعل مع ان الفعل و المصدر انما تحققا من الفاعل ان هذا لشئ عجيب و اللفظ علي طبق المعني و الصورة علي مثال المعني و الظاهر عنوان الباطن فافهم وفقك الله للصواب و رفع بفضله و منه عن وجه معرفتك النقاب و لله در الناظم حيث تنبه لامر دقيق و لميذكر ان الستر انما اتوا به الي الباب لان الستر [ص 495] هو الباب و هو الجناب و لو قال ايضا ذلك لكان له وجه و لو كان بعيدا جدا الا انه يكون كما قال صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) في الدعاء الهي هب لي نفسي ، فافهم و قوله سلمه الله : و اتوا لبابك ، انما يريد امتثال قوله تعالي و السعي الي ما مهده الله و السير فيما سهله الله و هو قوله و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين فامتثلوا امر الله و سلموا لحكم الله و قالوا لبيك لبيك اتينا طائعين و لقولك سامعين و لامرك ممتثلين و الي طريقك سالكين و في القري التي جعلتها لنا سايرين و لبابك الذي امرتنا بالدخول فيه داخلين خاضعين ذليلين قائلين حطة فاغفر لنا ذنوبنا انا كنا خاسرين و لذا قال سلمه الله : و اتوا لبابك يحملون وسيلة ، الوسيلة بعد الستر هذا الذي ذكرناه من كيفية الدخول في الباب الذي هو باب حطة لكن بنواسرائيل يجب ان يقولوا حطة فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم و اما هذه الامة المرحومة امة محمد صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) فلا بد لهم اذا وقفوا بالباب يشهدون الشهادتين و يكون ظاهرهم طاهرا و باطنهم مصفي عن ارجاس الذنوب و هو قول سيدنا علي الهادي العسكري عليه آلاف التحية و الثناء من الرب العلي اذا صرت بالباب فقف و اشهد الشهادتين و انت علي غسل و كبر الله الي ان قال تمام ( تمامه خ ) مائة تكبيرة و هاتان الشهادتان ثم التكبير بعدهما هو معني حطة و سرها و حقيقتها و روحها و غيبها فالاتيان للباب علي ما وصفنا هو اعظم الوسايل و اشرف الدلايل و اما الباب فالمراد منه اولئك [ص 496] النقباء الاطهار فقد بينا صفتهم و اعدادهم و احوالهم في البيت الذي قال الناظم المتقدم :
هذا رواق مدينة العلم التي من بابها قد ضل من لايدخل
ثم فيما بعده ازددت في البيان و التبيان حتي لايخفي شئ من حاله لكل من هو انسان لاسيما عند بيان اصحاب السكينة و ذكر مقامات اصحاب التمكين و السايرين بما لا مزيد عليه الا ما في قلبي من مخزونات الاسرار التي كتمانها في الصدور خير من ابرازها في السطور .
وصل - لما بين الناظم اشاد الله شأنه وصف السايرين الي ( ان اتوا الي خ ) باب الحضرة النضرة الخضرة شاهدوا الجمال و لاحظوا الجلال و رأوا النور علي الطور و ظهرت لهم التجليات و بانت لهم العزة و العظمة و الهيبة و سر الهيمنة و القيومية فلميتماسكوا ان نزلوا قال سلمه الله تعالي :
نزلوا علي الجرعاء من وادي طوي و تفرسوا بقبولهم فترجلوا
اقول : اي نزلوا بالخضوع و الخشوع و التذلل و المسكنة و رأوا ما في هذا المقام من الهيمنة و الهيبة و الجلالة و الكرامة و الانوار المشرقة و نيران المحبة المحرقة و ظهور الملائكة باكمل ما عندهم من الظهور و الكروبيون طائفون بذلك الوادي هائمون لصوت المنادي و هم الذين تجلي الرب سبحانه علي الجبل لموسي بن عمران مقدار سم الابرة بنور واحد منهم فقوله تعالي فلما تجلي ربه للجبل من قبيل قوله تعالي الله يتوفي الانفس و قوله تعالي قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم فما ظنك بهم باجمعهم مع كمال ما عندهم من انوار العظمة و اطوار الكبرياء و ما ظهر فيها من تجلي الحق جل و علا فلما رأوا تلك الانوار و شاهدوا [ص 497] تلك الاسرار حقروا انفسهم و صغروا ما عندهم و نزلوا خاضعين خاشعين و نسوا انفسهم و ما عندهم من النور و موارد البهجة و السرور فنزلوا علي الجرعاء و هو المكان المرتفع من وادي طوي و ذلك الوادي هو الذي كلم الله به موسي و هذا المكان الذي نزلوا هو العالي من ذلك الوادي و هو ارفع من تلك الرتبة و ان كان في ذلك الوادي ظهرت النار في الشجرة و تكلم الجبار مع موسي بن عمران بواسطة تلك الشجرة فقد ظهرت في هذا الوادي الشجرة الاحمدية من الحضرة المحمدية ( صلي الله عليه و آله خ ) و هي الشجرة المباركة الزيتونة لا شرقية و لا غربية منزهة عن الجهات مبراة عن الحدود و الكيفيات يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار التجلي من الوجود الازل ( الاول خ ) و الحي لميزل فتجلي له الجبار فاشرق بتجليه النار و هي نار المحبة و سر المودة التي كانت لخلق الخلق غاية و لذا كان هو الحبيب و هو المحبوب اين هذه الشجرة من شجرة موسي بن عمران و اين هذه النار من تلك النار و قد ورد في تفسير قوله تعالي ان بورك من في النار و من حولها قال عليه السلام من في النار هو رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و من حولها موسي بن عمران اين مقام الذي في عين النار نار المحبة الاولي العليا و مقام الذي يحوم حول النار الذي تصيبه حرارتها و لهبها و النار التي هذه صفتها رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم فيها و موسي بن جعفر انما تلقي من هذه النار و موسي بن عمران من حرارتها و وهجها و نار موسي بن عمران من شجرة طور سيناء في وادي طوي طوتها انوار الملئكة الكروبيين و ذلك الوادي مقرهم اجمعين و [ص 498] هم بشر و ليسوا بملك و نار موسي بن جعفر من الشجرة الاحمدية في وادي طوي مقرها الحقيقة المحمدية ( صلي الله عليه و آله و سلم خ ) فاين هذا الوادي من ذلك الوادي و لذا وصف الناظم و بين نزولهم علي الجرعاء من وادي طوي و هذه الجرعاء هي التي ينحدر عنها السيل و لايرقي اليها الطير فان كان موسي بن عمران خلق من قطرة لما اتم رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) السباحة في الابحر الاثنيعشر ثم في الابحر العشرين ثم قطرت منه صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم قطرات خلق الله من كل قطرة روح نبي من الانبياء منهم موسي بن عمران و صارت له تلك الشرافة و كذلك الانبياء لانهم خلقوا من قطرة من جسده الشريف فان حقيقة موسي بن جعفر قد خلقت من عين تلك الحضرة المقدسة و من ذات الحقيقة المحمدية عليها السلام من رب البرية و اين مقام من خلق روحه و جسمه و جسده من حقيقة ذاتية و من خلق روحه و جسده من قطرة خارجية و الفرق بعيد و الامر شديد و الموفق للاذعان بالحق سعيد و اين الثريا من يد المتناول فان قلت فعلي ما ذكرت يلزم ان يكون كل سيد فاطمي هذا حاله و حكمه فلم الاختصاص قلت نعم اذا وافقت اخلاقه اخلاق الرسول و افعاله افعاله و اعماله اعماله و حركاته و سكناته حركاته و سكناته و لميخالفه طرفة عين بحال من الاحوال و وجه من الوجوه و طور من الاطوار و نوع من الانواع فاذا رأيته وجدته علي شاكلته و علي جمال سيرته محتذيا طريقته امثلته بين عينيه فاذا وجدت سيدا هكذا فهو جزء رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و يجري عليه [ص 499] احكامه بالتبعية من العلم و الحلم و الكرم و هؤلاء قليلون لمنجد علي القطع و اليقين الا اناسا مخصوصين مشهورين بالكمال و معروفين بالجلال موصوفين بمعالي الاعراق و مكارم الاخلاق لميطعن فيهم احد بعيب و لميذكر لاحد منهم ريب لميخالفوا الرسول طرفة عين و هم متلقون عند الكل بالقبول بلا مين و هم مع كثرة اعدائهم الذين كانوا بصدد قتلهم و نهبهم و سبي ذراريهم ماامكنهم ان يظهروا لهم عيبا او نقصا و لو افتراءا و زورا و تقولا و بهتانا فلايوجد في كتاب من الكتب و لا في زبر من الصحف طعنا فيهم و قدحا في مقامهم و مرتبتهم مع شدة انكارهم عليهم و كمال اعراضهم عنهم فقد اعرضوا لقلة المناسبة و ماانكروا فضلهم لقوة الظهور و ما عسي ان يقول الشخص في الشمس و ان انكرها و عاندها كذلك هؤلاء الطيبون الطاهرون و قد احسن الشاعر و اجاد في مدح اميرالمؤمنين عليه السلام :