تحقيق فيه تنوير - اعلم ان الطمأنينة و السكينة و الثبات في الحق لاتحصل الا بالتوجه الي الله و الاقبال عليه اماسمعت الله سبحانه يقول الا بذكر الله تطمئن القلوب فاذا بالتوجه الي الله سبحانه و التفكر في الآيات الآفاقية و الانفسية و المواظبة علي تلاوة القرآن و العمل بالطاعات و الرياضات و المجاهدة و اخراج الابالسة و الشياطين بقوة تلك الاعمال تحصل الطمأنينة التامة و بيان ذلك ان الله سبحانه خلق قلب الانسان و جعل له وجهين وجه اعلي و وجه اسفل و جعل العقل في جهة اليمين التي هي الوجه الاعلي و جعل الجهل في الجهة اليسري التي هي الوجه الاسفل و جعل لكل منهما خمسة و سبعين جندا و كل جند قبيل من الملائكة لايعلمون ( لايعلم . نسخة ١٣٠٥ م ) عددهم الا الله و جعل للجهل ايضا خمسة و [ص 377] سبعين جندا و كل جند قبيل من الشياطين لايعلم عددهم الا الله و لما كانت الشياطين اضدادا للملئكة كانت مقتضياتهم و شهواتهم و ميولاتهم ضدا لميولات الملائكة و شهواتهم و مقتضياتهم و لما كان العقل غذاؤه الطاعة و هو انما يتقوي بها و الجهل غذاؤه المعصية و هو انما يتقوي بها فاذا طلب العقل غذاءه بنوع مما يشتهيه من الطاعات مثلا الصلوة امر الملك الموكل بالصلوة الذي اسمه وصقائيل بان يأمر الجوارح التي هي خادمة لهذين السلطانين و لا خادم لهما غيرها و لايسع ان يخدم الاثنين في حالة واحدة و اذا اراد الملك الموكل بالصلوة استخدام الجوارح لفعل الصلوة امر الجهل الشياطين ( الشيطان . نسخة ١٣٠٥م ) الموكل بترك الصلوة ان يمنع الجوارح عن الاتيان بها و لا ريب ان كل واحد يطلب غذاءه و لايمتنع الا بان يغلب فيقوم الحرب علي ساقها بين العسكرين و يقع التغالب في البين و الانسان الذي له ( ادني . نسخة ١٣٠٥ م ) فطنة يري هذا النزاع و المغالبة عند فعل خير او شر و الانسان هو صاحب العلم فان مال بشهوته الي جانب العقل و اتي بالصلوة قتل الملك ذلك الشيطان و جلس ملك آخر في محله و اذا اقتضي العقل بشهوته ان يفعل طاعة لانه غذاؤه امر الملك الموكل بتلك الطاعة و الجهل حيث كان ضدا له يأمر الشيطان الموكل بضد تلك الطاعة بمنع الجوارح ان تأتي بها فيقع ايضا بينهما النزاع و القتال حتي يميل الشخص الي جهة مثلا مال الي جهة العقل و فعل ذلك الفعل و قتل الشيطان الموكل بتركه و جلس ملك من الملائكة في مكانه و هكذا لكل عمل من الاعمال الصالحة يقتل شيطان لان الحسنات يذهبن السيئات و يزيد [ص 378] ملكا من الملائكة الي ان تطمئن النفس بالطاعة و بقيت تعمل الطاعات بشهوتها و ارادتها فتضعف جنود الجهل و تتقوي جنود العقل الي ان تبيد جنود الجهل و تضمحل فاستقر سلطان العقل علي سرير السلطنة في العالم الانساني و البشر الثاني فتكون البلدة بلد الاسلام و يذهب عنها الشرك و الكفر و الطغيان و في مبدأ الامر يحصل له الاطمينان و السكينة بما في قلبه من ذكر الله سبحانه فيحصل له اتصال بملائكة سماء الدنيا و يختلفون في قلبه و لذا قال النبي صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم اجعلوا قلوبكم منبرا للملائكة فحينئذ يستنير قلبه الصنوبري لانه مساوي ( مساو خ ) لجوزهر فلك القمر و يزداد نورا و يعتدل مزاجه و تقوي قوة ( قواه خ ) الجسمانية في تحمل العلم و النور لا في قوة الجسم و ان كانت كذلك لو اراد فاذا استقرت في هذه الطمأنينة و الثبات و السكينة تتصل بملائكة الثلاثة الذين في فلك عطارد السماء الثانية و هم شمعون و سيمون و زيتون و الملائكة الذين في هذه السماء اكثر من جميع الملائكة و رئيسهم هؤلاء الثلثة و العلوم التي في القوي الدماغية من المتخيلة و المتفكرة و الواهمة و الحافظة و العاقلة و ما يتعلق بها و ما تتصرف فيه من العلوم الصورية علي اقسامها و انحائها كلها مخزونة في تلك القوي و مفاتيحها بيد هؤلاء الثلاثة فاذا وصل السالك بالطمأنينة في هذا المنزل و اتصل بهؤلاء الملائكة سلمت هذه الرؤساء مفاتيح هذه القوي الي هذا الشخص فيحيط حينئذ بجميع العلوم الحاصلة من دليل المجادلة بانحائها و اقسامها من العشرين بارواحها و اجسادها و اطوارها فاذا استقر في هذا المقام بالعلم [ص 379] و العمل و حصل له الطمأنينة و السكينة فيترقي و يتصل به ملائكة السموات السبع ثم يتصل به ملائكة الكرسي و العرش و ملائكة السرادقات فيكون مختلف الملائكة و مهبط الانوار القدسية فيتصل به حملة العرش و يسلموا اليه مفاتيح العلوم المودعة في خزائن القلب الاربعة النور الابيض و النور الاصفر و النور الاخضر و النور الاحمر فيحيط بجميع العلوم المتعلقة بخلق الله و يشاهد الآيات كلها لكنه يصدق و يسلم لا كالذي اراه الله آياته كلها فكذب و ابي كما قال تعالي و لقد اريناه آياتنا كلها فكذب و ابي ثم بالطمأنينة و السكينة يتصل بامر الله بسر الله و كلمة الله و وجه الله و عين الله و جنب الله و لسان الله و باب الله و مظاهر قدرة الله و اصحاب الفيض الاقدس و يكون حينئذ محل عناية الله فيسلم الله اليه مفاتيح الفؤاد الذي كان بيده سبحانه فيكون هذا السالك الذي عبر الناظم ايده الله عن قلبه بالتابوت يكون قلبه تابوتا لحكمة الله و وعاء لهذه العلوم و الرسوم التي هي وجهة لعناية الله و السكينة دليل علي اجتماعه بجميع العلوم و المعارف و علم المحبة و الوصل و الاتصال لان السكينة التامة هذه آثارها و هي التي انعم الله سبحانه بها نبيه و الصديقين من رعيته و اوليائه و خلفائه و قد قال تعالي فانزل الله سكينته علي رسوله و علي المؤمنين و الزمهم كلمة التقوي و كانوا احق بها و اهلها و المؤمنون هؤلاء الرجال الابدال الذين وصفتهم لك في خلال هذا المقال عند شرح هذه الاحوال و لذا قال تعالي و الزمهم كلمة التقوي هي الاتقاء عن ملاحظة الاغيار و التوجه الي ما يوجب الاكدار و يكون حينئذ [ص 380] محلا لنور الانوار و سر الاسرار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار فلما بلغوا مقام الاطمينان و استقرت السكينة في قلوبهم و ظهرت آثارها في صدورهم و قواهم و مشاعرهم ازالوا الاغيار و محوا الاكدار و كانوا احق بان يلزمهم الله سبحانه كلمة التقوي و هو لا اله الا الله و هو مقام عبدي اطعني اجعلك مثلي اقول للشئ كن فيكون و تقول للشئ كن فيكون انا حي لااموت اجعلك حيا لاتموت فالسكينة هي السبب في تلك المآثر و العلة في تلك المفاخر و لذا قال مولينا الصادق عليه آلاف التحية من الله الملك الخالق ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله حتي الملك المقرب او النبي المرسل او المؤمن الممتحن قلبه للايمان قيل فمن يحتمله قال نحن و في رواية من شئنا و في رواية اخري مدينة حصينة قيل و ما المدينة الحصينة قال هو القلب المجتمع انتهي ، فالقلب المجتمع هو القلب الذي فيه سكينة و في رواية عن طريق اهل البيت ان السكينة في التابوت ريح له وجه كوجه الانسان ه ، اما انها ريح لانه مادة الحيوة و اصلها لان الهواء حار رطب و هو مزاج الهواء انما عبر عنها بالريح و لميعبر بالهواء لانها دائم الحركة و دائم التوجه الي وجه المبدأ و دائم الاستمداد و دائم الامداد هو في عين الثبات و الطمأنينة دائم الحركة فمن زيادة الحركة تراه ساكنا فهي سكينة خاضعة ذليلة ثابتة مطمئنة حية بالذات و ثابتة بالصفات متحركة من جميع الجهات فحركتها الي الله اوجبت سكونها و طمأنينتها الا بذكر الله تطمئن القلوب و اما ان لها وجه كوجه الانسان لان الله خلق الانسان في احسن تقويم قال تعالي و صوركم فاحسن صوركم و حسن الصورة بالتوجه الي الله و الاعراض عما [ص 381] عداه و هذا هو الظاهر في الصورة الانسانية لانها الهيكل الالهي و الكتاب الرباني كما انبئتك سابقا مرارا عن اميرالمؤمنين و هذه السكينة بقية مما ترك آل موسي و آل هرون يراد في الباطن مظهر النبوة و الولاية فموسي هو النبي المطلق جامعا ( جامع خ ) النبوة المطلقة و هرون هو الولي المطلق حامل الولاية المطلقة و قد ورد في الحديث المتفق عليه في مخاطبة النبي صلي الله و سلم ( رسول الله صلي الله عليه و آله خ ) عليا اميرالمؤمنين روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء يا علي انت مني بمنزلة هرون من موسي الا انه لا نبي بعدي و قد نص الاديب الاريب الناظم اكرمه الله بتوفيقه في تخميسه لقصيدة الشيخ صالح التميمي و قال خطابا لامير المؤمنين ( عليه السلام خ ) :
فيك خير الانام اوتي سؤلا مثل ما اوتي ابن عمران قبلا
يا اباشبر و قد صح نقلا انت هرون و الكليم محلا
من نبي سمت به الانبياء
و قد ورد في الحديث المتفق عليه و رواه احمد في مسنده انه لايذكر المؤمنون في آية الا و علي اولهم و قد قال تعالي فانزل الله سكينته علي رسوله و علي المؤمنين و علي ( اميرالمؤمنين خ ) اولهم و سيدهم في مقام الولاية الباطنية فالسكينة من الله نزلت اولا علي النبي و الولي و من هو من سنخهما و المخلوق من طينتهما و المتعين بتعينهما و بقيتها مودعة في ذلك التابوت الذي فيه اسرار الملك و الملكوت و هو ما ذكرنا من اولئك الرجال الابدال تحمله الملائكة يعني ذلك التابوت الملائكة تحمله و هو ما ذكرنا لك سابقا و آنفا ان جميع مراتبه و مقاماته من ظاهر جسمه الي باطن قلبه محل افواج الملائكة و مختلفهم و هم يحفظونه من كل ما يكرهه [ص 382] الله و يحفظونه عن جميع البليات و الاذيات و يحفظونه عن مساوي الاخلاق السيئات و يفعلون له ما يشاء من الافعال و ينقادون له في السر و الاعلان و يفعلون له ما يشاء من غرائب الافعال و يظهرون له ما يريد من عجائب الاعمال و الله جعلهم تحت امره و نهيه و طوع ارادته لايخالفونه و يمتثلون احكامه لان الله احبه و اصطفيه و اختاره و اجتبيه و جعل الملائكة معه حاملة لمراتب ذاته و صفاته و افعاله و يظهرون ( فيظهرون خ ) له الكرامات و خوارق العادات و عجائب المعجزات و ما ذلك علي الله بعزيز لانه سبحانه قال من اقبل الي شبرا اقبلت اليه ذراعا و قال سبحانه الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اولياؤكم في الحيوة الدنيا و في الآخرة و هذا المعبر عنه بالتابوت هو الذي اعتقد بالربوبية و اتي بمقتضاه ثم استقام اليها من نفي التزلزل و الاضطراب و سكون القلب و الطمأنينة في ظاهر ابدانهم و باطن عقايدهم لايعتريهم شك و لا شبهة و لا وسوسة و لا زيغ و لا فتنة و لا توجه الي الغير و لايعتاق عن السير فهو المستقيم في التوحيد و النبوة و الولاية و هذا هو الذي عنده السكينة و بقية مما ترك آل موسي و آل هرون من علوم النبوة و الولاية و اسرار الربوبية و القيومية و الهيمنة و الاستيلاء و التعزز و التمنع فاذا صار هكذا اتته الملائكة و بشروه بانهم احباؤه في الحيوة الدنيا و في الآخرة و الحبيب يطيع محبوبه ، ان المحب لمن احب مطيع ، فحمل الملائكة هذا التابوت كما يقال ان الملائكة حملت العرش و هم جبرئيل و [ص 383] ميكائيل و اسرافيل و عزرائيل و هذه الحاملية ليست حاملية اقامة و اثبات و هيهات و اني لهم ذلك بل العرش اثقل من ان يحمله شئ من الملائكة لانه مستوي الرحمن استوي برحمانيته سبحانه عليه و اعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و الملائكة من اهل الاستحقاق المعطون من جملة الارزاق كيف تحملونه ( يحملونه . نسخة ١٣٠٥ م ) حمل اقامة و لهم منه الامداد و الافاضة فمعني حملهم للعرش حمل آثاره الي المواد و القوابل بحسب الاستعداد فجبرئيل حامل آثار الخلق و الصنع و الاحداث و ما يلزمها من الحركات و عزرائيل حامل آثار الموت الي المواد و القوابل المتأهلة بذلك و اسرافيل حامل آثار الحيوة كذلك و ميكائيل حامل آثار الرزق كذلك فهذه الاربعة الاركان آثارها سارية في الاكوان و الاعيان و هو قوله تعالي الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه و تعالي عما يشركون و كذلك الملائكة الحاملة للتابوت الذي فيه سكينة من ربه و هي الاطمينان و الثبات و الاستقرار و الاستقامة الحاصلة بذكر الله سبحانه و بقية مما ترك آل موسي و آل هرون من احكام النبوة و الولاية الظاهرة في جميع الذرات بحكم الاطلاق و الملائكة حملة تلك الآثار الظاهرة في قلب هذا المعبر عنه بالتابوت و ما يتعلق به من الاطوار الي انحاء الموجودات مما يشاء و يريد ذلك الستر و الحجاب فمن الملائكة من يحمل من آثار جسمه و منهم من يحمل من آثار مثاله البرزخ بين الروح و الجسم و منهم من يحمل من آثار نفسه بالمراتب الاربع النفس المطمئنة و النفس الراضية و [ص 384] النفس المرضية و النفس الكاملة و منهم من يحمل من آثار عقله في الاطوار الثلاثة و منهم من يحمل من آثار قلبه و هذه المراتب لها آثار تحملها الملائكة و تظهرها و تبرزها الي الاعيان الخارجية من انواع الكرامات و خوارق العادات كما شاهدناها من جماعة من هؤلاء الاولياء الذين هم باب الباب و جناب الجناب ثم اعلم ان التابوت و ان كان مفردا لكنه في المعني جمع يراد بهم النقباء و النجباء و انما افرد لان جهات اختلافهم و تعددهم ضعيفة و انياتهم مضمحلة و كثراتهم زائلة لانهم من عند الله لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فهم جماعة في الصورة و شخص واحد في الحقيقة و اشهد ان ارواحكم و طينتكم واحدة طابت و طهرت فيصح التعبير عنهم بالمفرد و الجمع و المعني واحد اذ ليس الكلام فيهم من حيث اشخاصهم و هيئاتهم و صورهم و انما المقصود منهم من حيث انهم مهابط انوار القدس و مظاهر اطوار الانس ففي هذا المعني كلهم واحد و لذا عبر الناظم عنهم بالمفرد بقوله الرواق و الكتاب و القرآن و التورية و الانجيل و الزبور و التابوت و نحن عبرنا عنهم بالجمع و هو عين المفرد كما ان المفرد عين الجمع و الانظار مختلفة و الاسرار واحدة .
نكتة عرفانية - اعلم ان الله سبحانه قال كما اشار اليه الناظم ايده الله و سدده و اسبل عليه جلابيب رحمته الواسعة و هو قوله تعالي ان آية ملكه ان يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربه و في وصف السكينة بانها من ربه اشعار و ايماء بان السكينة سكينتان سكينة من الرحمن و سكينة من الشيطان اما السكينة الرحمانية فقد شرحناها مفصلة و ان كانت الشيطانية [ص 385] تعرف بالمقابلة و لكن المدركون لذاك قليل فيجب ان نذكرها لتعم الفائدة و لحاجة اغلب الناس ممن يروم البواطن و الاسرار و الحقايق و الانوار اليه فلذا نبينها و ان كان يطول بذكرها زمام الكلام و لكن لا بأس اذا ترتبت ( عليها خ ) فوائد مهمة فنقول قد ذكرنا سابقا ان القلب له وجهان وجه الي عليين و وجه الي سجين الوجه الاول مقر العقل و جنوده و الوجه الثاني مقر الجهل و جنوده و الجوارح خادمة لهما علي التبادل و التناوب و هي محل غذائهما و مورد استمدادهما و سبب استمرارهما و اضمحلالهما و قوتهما و ضعفهما فان استمر الشخص نظره الي الوجه الاول و انقطع عن الوجه الثاني حصلت بتوفيق الله الطمأنينة و السكينة التي من الله و هي التي انزلها الله علي رسوله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و علي المؤمنين و ان نظر الي السجين ( سجين خ ) يعني مال الي جانب الجهل لما وقع التغالب بين الجندين و المقاتلة بين العسكرين فيوقع تلك المعصية فيخرج الملك الحامل لضد تلك المعصية و يجلس مكانه شيطان من الشياطين ثم اذا طلب العقل ( غذاءه . نسخة ١٣٠٥ م ) و الجهل عاكسه لاجل غذائه و مال الشخص الي جانب الجهل و اوقع تلك المعصية فيخرج الملك و يجلس مكانه شيطان و لايزال يفعل هكذا الي ان تضعف جنود العقل و تقوي ( جنود . نسخة ١٣٠٥ م ) الجهل و كثرت المعاصي و تقوت النفس الامارة بالسوء و ارتفعت اللوامة و اطمأنت و سكنت في المعاصي الي ان خرجت الملائكة باسرها و بقي العقل وحيدا فريدا مستضعفا حقيرا خائفا فخرج منها خائفا يترقب و هو قوله تعالي فاخرجنا من كان فيها من المؤمنين فماوجدنا فيها [ص 386] غير بيت من المسلمين و هو بيت العقل فاذا خرج العقل يكون البلد بلد الكفر و يستقر الجهل علي سرير السلطنة و الدولة و المكنة و يستولي علي جميع الاعضاء و القوي و الجوارح و تستخدمه الآلات و الادوات و الجوارح الجسمانية فيفعل ما يشاء من المعاصي و السيئات و يحكم ما يريد من قبايح الخطيئات .
ازالة وهم - لعلك تعترض علي قولنا بان العقل اذا خرج و خلي البدن من العقل جاء الجنون و اذا جاء الجنون ينقطع التكليف و التمييز مع ما نجد في الكفار من التميز و الشعور و الادراك ما تحير عنده اولوا العقول و الالباب و الجواب ان العقل عقلان عقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و هو النور المحض و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و عقل يراد به التمييز المطلق و الذي يميز بين الحق و الباطل و الجيد و الردي و الحسن و القبيح و النور و الظلمة و المعني و الصورة و يرتب الامور و يكشف عن دقايق الاشياء و ظواهرها فالذي قلنا انه يخرج و هو خائف يترقب و هو النبي الباطن رأّسه الله و بعثه علي البدن العالم الصغير الحاوي للعالم الكبير ليرفع عنه الاختلاف و يوضح ( له خ ) جوامع الاسماء و الصفات و يكشف عن صريح التوحيد الشهودي المقرون بصحيح الاعتقادات لواضح البينات و هو نبي مبعوث و شخص مخصوص لاثبات الوفاق و اظهار الاتفاق و رفع الاختلاف و هذا هو الذي اذا ضاق به الخناق ينهزم و يهرب فان الفرار مما لايطاق من سنن الانبياء و المرسلين و الصلحاء و الصديقين و الذي يبقي لاجل التكليف و اقامة الحجة و ايضاح [ص 387] المحجة هو العقل بالمعني الثاني فلاينافي ان يكون الكفار و اصحاب النار ذا شعور و ادراك و روية و لكنهم في عمي من مشاهدة الاسرار و ملاحظة الانوار قلوبهم في اكنة ان يفقهوا المعارف الالهية و الاسرار الربانية و القرآن الجامع لجوامع البيان لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل و اولئك هم الغافلون و ليس المراد انهم لايبصرون المحسوسات و لايسمعون الاصوات و لايفقهون الامور الدنيوية بلي و هم كاملون في كل تلك الجهات و انما عدم الادراك و التفقه و الاستماع لمعالي الامور و مراتب العرفان و هو قوله تعالي طبع الله علي قلوبهم و سمعهم و ابصارهم و قال تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم و بالجملة فالتمييز موجود و النور مفقود و لذا لما سئل اميرالمؤمنين روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء عن العقل قال هو ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان قيل و الذي في الكفار و الفجار قال تلك هي النكراء و الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بعقل ه ، فافهم ما القينا عليك من الوجه الجامع و البيان النافع .
رجع الي التحقيق بطور انيق - فنقول ان الجهل لما استولي علي سرير القلب و انقطع تردد الملئكة و اختلافهم و فروا و هربوا و انهزموا و لميبق لهم اثر و لا من عندهم خبر امتلأ القلب و الصدر و القوي و الجوارح من الشياطين المردة فانسوه ذكر الله بالمرة و جنبوه الطاعات و ورطوه في مهاوي السيئات فليس في ذلك الشخص جهة يذكر الله سبحانه [ص 388] فيه فانقلبت المساجد كنايس و هدمت الصوامع و خربت كعبة القلب و انهدم المسجد الحرام الصدر المنشرح و خرب البيت المعمور و حشي بانواع الفسق و الفجور و امتلأت بالشياطين و استقر وزير الجهل و هو الشيطان الرجيم عن جانب اليسري من القلب المنكوس للشخص المعكوس و الرجس المركوس اعاذنا الله منه و هو قوله تعالي و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين و انهم ليصدونهم عن السبيل و يحسبون انهم مهتدون حتي اذا جاءنا قال يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين فاذا تمكنت الشياطين في هذا القلب المنحوس فاول ما اتصل به شياطين الارض الاولي ثم شياطين الارض الثانية ارض الطبع ثم شياطين ارض العادات و هكذا الي تمام الاراضي السبعة و هؤلاء الشياطين علي اختلاف مراتبهم بحسب استعدادهم في طبقات الارض التي قد سكنوا فيها يعلمون هذا الشخص من السحر و الشعبدة و المخاريق و الحيل و سرعة الحركات ما تظهر بها خوارق العادات و يوهم المعجزات و الكرامات من علم السيميا و الريميا و الليمياء و الهيمياء و يساعدونه علي هذه الافعال القبيحة و الاعمال الشنيعة و الاطوار الباطلة و الاوطار المجتثة الزائلة ثم يبالغ هذا الشخص بزيادة الاتصال بالشياطين الذين هم تحت الارض السابعة السفلي لتلطيف ظاهره و باطنه بالرياضات الصعبة المستصعبة من انحاء الجلسات كجلسات الجوكية و هي عندهم اربعة و ثلاثون ( ثمانون خ ) جلسة لجميع ما يريدون من الاخبارات بالمغيبات و الاطلاع علي ما في الضمائر و ما يستقبل من الحوادث قالوا و العمدة فيها [ص 389] التي لا بد منها خمسة جلسات بعد ان يجوع نفسه جوعا مفرطا فيشتغل حينئذ في مواضع الخلوات بحيث لايراه احد و في بدء الامر بالمجاهدة تنهد القوة و يضعف البدن قالوا فلاتبالي بذلك من شئ لان اول زمان المجاهدة كالصيف و الشتاء و في آخرها كالخريف و الربيع .
الجلسة الاولي لتقوية الكليتين و تنقية الظاهر و الباطن و هضم الطعام و جذب البرودة الساكنة في الاعصاب و المفاصل و هي لمن يجلس متربعا ثم يطوي رجله اليمني مع الساق علي فخذه الايسر و رجله اليسري علي فخذه الايمن و يجهد بالرفق و المداومة حتي يقدر علي ذلك و يصير عادة له من غير كلفة و هي المشكلة في البداية و اذا قدر علي ذلك قدر علي الجميع بالقدر و التدريج ثم يقوم ظهره و يضع يديه منتصبا عضده متكأ علي ركبتيه و ينظر الي السرة دائما و لايتحرك و لايلتفت حتي يظن كأنه شجرة نابتة علي الارض و يذكر و يقول هذه الكلمة دائما بالقلب لا باللسان الك معناها الله عز و جل و هي مذكورة في كل جلسة فاذا وصل الي هذا المقام يحصل له ثلث خصال قلة الطعام و قلة الكلام و قلة النوم .
الجلسة الثانية ان يجلس كما ذكرنا اولا و يجعل يده اليمني علي قفاه الي الكتف الايسر و كذلك اليسري علي الايمن و يدير رأسه في الجهات الاربعة من غير ان يحول وجهه ذاكرا بقلبه الكلمة المتقدمة و اذا اراد ان يسكن وضع يديه علي ركبتيه و يقوم عضديه متكأ عليهما و لايغفل عن ذكر القلب ابدا عسي الله ان يحصل له غيبة فان كان ذاكرا [ص 390] حاضرا شاهد من عالم الغيب اشياء تشوقه الي زيادة العمل فان وصل الي هذا المقام حصل له اشياء في ظاهره بعد مشاهدة الغيب في باطنه و هي انقطاع عرق الجذام و البرص و الناسور و الباسور و الدق فهذه العلل التي لا دواء لها عند الحكماء و الاطباء فمن عمل هذا العمل من به شئ من هذه العلل و يدوم بذلك تزول عنه و هو مشهور قالوا انه مجرب .
الجلسة الثالثة و هي ان يجلس كما ذكرنا في الاول و يدخل يديه بين الساق و الفخذ الي المرفق ثم يطلع يديه بقوة اليدين حتي يبقي معلقا و لاينسي الذكر الذي تقدم فاذا حصل له هذا المقام قلعت ( قلت خ ) عنه مادة الماء و التراب و كثرت فيه مادة النار و الهواء و هذا المقام المتوسط بين الملك و الانسان .
الجلسة الرابعة هي ان يجلس كما ذكرنا في الثالثة و يضع يديه علي قفاه شابكا لاصابعه و لايترك الذكر المتقدم فاذا حصل له هذا المقام زال عنه الخوف و الجزع من الجن و الانس حتي لو انطبقت السموات علي الارض لميخف ( و خ ) هذه مرتبة عظيمة عندهم .
الجلسة الخامسة و هي ان يجلس علي رجليه و يضع اولا يديه علي الارض منصوبتين و يضع المفصل الذي بين ابهام الرجل و اصابع رجله اليمني علي مرفقه اليمني و رجله اليسري كذلك علي مرفقه اليسري و يبقي معلقا علي قوة اليدين و لايترك الذكر المتقدم ذكره خاصة في هذه الحالة فاذا حصل له هذا المقام و رسخ فيه و بالغ بحيث لايبات الليل في هذه الحالة يحصل له الطيران و يصير من جملة الارواح و بمثل [ص 391] هذه الاعمال الشاقة و الرياضات الصعبة يلطفون البدن و يجففونه حتي يحصل لهم الاتصال بالشياطين الذين تحت الارض السابعة السفلي و فوقها و كلما يواظبون علي هذه الاعمال يكون اتصال الشياطين بهم اكثر و ازيد فكذلك كلما بالغوا في المعاصي التي ليس فيها حظ للبدن كالزنا و اللواط و شرب الخمر و امثال ذلك بل المعاصي التي تميت القلب و تقسيه تزداد الكفر و الشرك كالاستهانة بالقرآن و تنجيسه و العياذ بالله و الاستخفاف به و الاستخفاف بالكعبة و كتابة القرآن بالاشياء النجسة كالدم و العذرات و العياذ بالله و امثال ذلك لقد شاهدنا جماعة كانوا يفعلون ذلك لزيادة اتصال الشياطين بهم حتي يظهروا خوارق العادات و يموهوا علي الناس انهم من سادة البريات و قد قال سبحانه في الذكر الحكيم و النبأ العظيم هل انبئكم علي من تنزل الشياطين تنزل علي كل افاك اثيم يلقون السمع و اكثرهم كاذبون و الشعراء يتبعهم الغاوون المتر انهم في كل واد يهيمون و الشعراء هؤلاء افاكون و هم الذين يتبعهم الغاوون لا الذي ينظم الكلام و يحسنه باحسن النظام مع انهم لايتبعهم احد فالافاكون الآثمون الذين يرتكبون كبائر الاثم و الفواحش من نوع ما ذكرناه هم الشعراء و هم منازل الشياطين و مأوي الابالسة الملحدين فالشياطين يفعلون لهؤلاء الملحدين الضالين المضلين من نوع ما يفعله الملئكة للعارفين الكاملين و المرشدين الواصلين فيصعدون بهم الي الجهة ( جهة خ ) العلو لا الي الحد الذي يحرقهم الشهاب الثاقب اذا صعدوا لاستراق السمع و يمشون بهم علي وجه الماء فلايغرقون و لاتبل [ص 392] اقدامهم لان الشياطين تحملهم و تخفيهم عن ابصار الناس باحاطتهم به و ترميهم من اعلا ذروة قلة الجبل فلايتأذون لان الشياطين ينزلون بهم و يدخلون النار فلايحرقون لان الشياطين محيط ( تحيط . نسخة ١٣٠٥ م ) بهم و قد اخبرني من اثق به و هو المعروف المشهور ان الغلاة الذين يرون الاستقلال لمولانا اميرالمؤمنين روحي له الفداء علي محمد و عليه آلاف التحية و الثناء و يرون انه الله الذي لا اله الا هو و امثال ذلك من الاعتقادات الباطلة الفاسدة اذا ولد لهم ولد يرمونه من اعلي الجبل الي الارض فلايموت و لايصيبه جرح و لا اذية فيشتد بذلك اعتقادهم و يموهون و يلبسون علي غيرهم و تدخل الحيرة علي جماعة من الاخيار من فعلهم و لايدروا ( مايدروا خ ) انهم اذا القوه من ذروة الجبل تلقته الابالسة و الشياطين و يضعونه علي الارض بلا مضرة تبين و هكذا سائر ما يفعلونه مما يموهون به علي الناس كاخبارهم بما في الضمائر و اطلاعهم علي بعض ما في السراير و اظهارهم للناس مخفيات الامور و اخراجهم مخبيات الكنوز و اشباعهم خلقا كثيرا من رغيف واحد و دخولهم في النار و خروجهم من غير احتراق شئ من اجسادهم و ثيابهم و هكذا جميع ما كانوا يفعلون اهل الحق باستمداد الملئكة يفعلون هؤلاء الارجاس الانجاس باستمداد الشياطين و ان الشياطين ليوحون الي اوليائهم ليجادلوكم فيكثرون التصانيف و يأتون باشياء مموهة من الزخاريف و يبسطون في الكلام و يبالغون في النقض و الابرام و يأتون باشياء غريبة من المعاني مما يوحي اليهم من الشياطين من الصور المكتوبة و النقوش المرسومة في كتاب الفجار [ص 393] في سجين و يصورونها بعبارات محيرة تقرب الي القواعد المقررة لتلبيس الناس و تمويه الذي في صدره الوسواس الخناس انما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير مثال هؤلاء و اهل الحق من اهل الباطن كالماء الصافي و البول الصافي فان في كل منهما تنطبع الصورة الا ان احدهما من عليين و الآخر من سجين فهؤلاء استمر نظرهم في الوجه الثاني من وجهي القلب و اقتصروا في ملاحظة هذا الوجه فحصلت لهم فطرة ثانية مستقرة ثابتة بحيث لايلتفتون الي غيرها و ان كانت هي مجتثة زائلة في اصلها كما قال تعالي مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار الا ان هذه ( هذا خ ) الاجتثاث في اصل الشجرة من حيث هي الا ان نظرهم عليها ثابت و مشاهدتهم لها مستقرة فحصلت لهم في باطنهم الطمأنينة و السكينة و هذا ( هذه خ ) هي السكينة التي ليست من الله و لمينزلها الله علي اوليائه و لميرضها لهم فاولئك هم الكفرة الفجرة و هذا انما تحصل لهم اذا لمينظروا الي الفطرة الاولي الالهية اما اذا نظروا اليها بعد استقرارهم علي الثانية علي الوجه الذي ذكرنا جائهم معني قوله تعالي و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء لتعوده بالثانية و عدم التمكن من النزوع عنها و ملاحظة الاولي و منافاتها مع الثانية فهم دائما في ضيق و حرج و شدة و محنة في القلب اذ يأتيهم بالفطرة الاولي ما يقطعون بحقيته و الفطرة الثانية المغيرة يناقضها فلايقدرون الانفكاك عنها و الخروج منها فهم في شدة و عذاب و محنة و عقاب هذا في الدنيا و عذاب الآخرة اشد و اخزي و هو معني [ص 394] قوله تعالي و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا مع ما نجد من الكفار مثل الفرنج ( الافرنج خ ) و الروس في سلطنة و دولة و عيشة رغدة اما في قلوبهم عند النظر الي الفطرة الاولي في ضيق و حرج و الله سبحانه و تعالي اصدق القائلين و المخبرين فاما المؤمنون الكاملون و العارفون المرضيون و الحجب الصالحون فهؤلاء ليست لهم فطرتان بل بقوا علي الفطرة الاولي العليا و لميتمكن منهم الشيطان حتي يأمرهم فيغيروها كما وعد في قوله تعالي و لآمرنهم فليغيرن خلق الله و فطرتهم واحدة و طريقتهم واحدة لان امر ربهم واحدة ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير فهم رضوان الله عليهم في راحة و في جنة لايرون فيها نصبا و لا تعبا و اما اولئك المخذولون و عن نور الحق محجوبون الذين قد ران علي قلوبهم بما كانوا يكسبون اذا لمينظروا الي الفطرة العليا الاولي فهم في ثبات و طمأنينة و سكينة و راحة و لكن هذه الراحة متاع الحيوة الدنيا و في الآخرة هم الخاسرون تلفح وجوههم النار و هم فيها كالحون قل متاع الدنيا قليل فهم تابوت فيه سكينة و لكن هذه السكينة ليست من الله و لا الي الله و لا بالله و لا تشملها عناية الله و لاتعمها كرامة الله و لاينظر اليهم الله و لايزكيهم و لهم عذاب اليم .
تنبيه فيه تحذير يا اخي يا قرة عيني الحذر الحذر مهلا مهلا لايغرنك هؤلاء الخداعون و لايلبسن الامر عليك اولئك الملحدون و لاتغتر بمن تجد منه خوارق العادات و لا ما يشبه الكرامات و لا ما يوهم المعجزات [ص 395] لان هؤلاء اعداء الدين يريدون اضمحلاله بهذه الافعال المتشابهة و الاعمال المموهة بل اطلب الميزان ليدلك بصريح البيان الي مقام العيان و تميز بين الحق و الباطل و يفرق بين الثابت و الزائل و الله سبحانه و تعالي في القرآن قال و اقيموا الوزن بالقسط و لاتخسروا الميزان و الارض وضعها للانام فيها فاكهة و النخل ذات الاكمام و الحب ذو العصف و الريحان فباي آلاء ربكما تكذبان و قال سبحانه و زنوا بالقسطاس المستقيم و لاتبخسوا الناس اشياءهم و لاتعثوا في الارض مفسدين بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين فتمسك بالميزان و اطلب بقية الله فانه هو الميزان و ليس لي الآن اقبال علي ازيد من ذلك من البيان لعل فيما بعد نجد مقاما مناسبا لتمام البيان ان ساعد القدر بامر مستقر و وافق القضاء بحكم الامضاء و حصل لي نشاط في الحال و يرفع عني تبلبل البال و تدفع عني الامراض المانعة من استقامة الحال و تنطفي عني نوائر الاشغال التي احرقت كبدي و اوهنت خلدي و اذهبت جلدي حتي اقوم عن ساق النشاط و اظهر من الاسرار ما يكاد سنا برقه يذهب بالابصار فهيهات هيهات رفع هذه الموانع عني و انا في تمني رفعها كما قال الشاعر :
الا ليت الشباب يعود لنا يوما فاخبره بما فعل المشيب بنا
الا ان رجائنا بالله عظيم لانه سبحانه علي كل شئ قدير و بالاجابة لمن دعاه جدير و ما ذلك علي الله بعزيز .
عود في التحقيق بطرز رشيق - اعلم ان ما ذكرنا هو حال اصحاب السكينتين السكينة التي هي من عند الله و السكينة التي هي من الشيطان و هما [ص 396] السكينة الرحمانية و السكينة الشيطانية و اما اصحاب التلوين فهم الذين لميستقروا في حال و لميستقروا في جهة بل يميلون مرة الي جانب العقل و اخري الي جانب الجهل مرة يقرؤن ( يقوون خ ) الشيطان و اخري يسلكون سبيل الرحمن يتعارضا نظراهما و لاينصبغون بصبغ الا و قد نزعوه عنهم و انصبغوا بصبغ آخر لايلبسون لباسا الا و قد خلعوه و لبسوا لباسا آخر ضد الاول فهم بتعارض الانظار لميزالوا واقفين و لميحصل لهم الترقي و لايصلون الي مقام اليقين و لايتصلون باولياء الشياطين و هم دائموا الحركة و لكنهم وقوف يقدمون رجلا و يؤخرون اخري كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا هؤلاء ان كان قلبهم قد استقر بالحق الا ان اعمالهم المعاكسة لما استقرت عليه قلوبهم اقعدتهم و علقت بهم ثاء الثقيل من الاعمال الغير اللايقة و الافعال المنافية و اتصلت بهم ميم المركز و ظهرت هاء الهبوط فهم في مقام الاعتقاد راقون اعلي الدرجات و في مقام العمل هابطون الي اسفل الدركات و هؤلاء هم الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا عسي الله ان يتوب عليهم و عسي موجبة لان العلم يغلب علي العمل و الروح غالب علي الجسم فعند رد الفروع الي الاصول تصفوا الجوارح من مقتضياتها من دواعي النزول و يلحقون بآبائهم الذين هم الاصول و هو قوله تعالي و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم و ماالتناهم من عملهم من شئ و لولا سلاسل الاعمال و قيود الشهوات و الميولات و لوازم الانيات و الماهيات التي اقعدتهم و قيدتهم و منعتهم عن الصعود [ص 397] الي معالي الدرجات و لو وافق عملهم علمهم او طابقت شهوتهم معتقداتهم لكان هؤلاء ايضا من اصحاب التمكين و اصحاب السكينة و لكن ريش الغراب قعد بهم عن اللحوق بمقام العقاب و الوصول الي رتبة الاحباب و لكن مآلهم الي النجاة و عاقبتهم الي الحيوة فنسئل الله حسن الخاتمة الكاشفة عن الفاتحة و ان كان قلوبهم غير مستقرة و صدورهم غير منشرحة مااستمر نظرهم الي شئ ( و خ ) مااستقر عقيدتهم الي وجه بل مرايا قلوبهم و حقايقهم مضطربة متمايلة لاينتقش فيها شئ و لاينطبع فيها امر و المنطبع ليس له حقيقة و لا اصل و يحسبون انهم علي شئ الا انهم هم الكاذبون و هؤلاء متزلزلون مضطربون همج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لميستضيئوا بنور العلم و لميلجئوا الي ركن وثيق فهؤلاء المقصرة الذين مااطمأنت نفوسهم و لااستقرت مرايا حقايقهم و قلوبهم فلو استقرت لادركت و ابصرت و انتقشت صور الحقايق فيها فادركت و استشعرت لكنها مالت و ماثبتت فهم في دركات الهلاك نازلون و عن درجات النجاة مائلون اذ لميثبتوا علي شئ لا حق و لا باطل و عندهم ما يحصل به الاطمينان و التمكين و ان كان قلوبهم قاسية في اصل الفطرة كالاحجار الغاسقة التي لو استقرت و قابلت اشراق الشمس او ما يقابله لميثبت فيها شئ لانجماد حقيقتهم و خمود نار طويتهم لايستطيعون حيلة و لايهتدون سبيلا و هؤلاء هم المستضعفون الذين لا اعتبار بتصديقهم و لا بتكذيبهم و لايفيد نظرهم و لاينفع بصرهم و لايؤثر استمرارهم و لا استقرارهم فهؤلاء بعد لمتنضج [ص 398] طبايعهم و لمتعرف سرائرهم و لميعلم ما هم عليه في اكوارهم و ادوارهم و اطوارهم و اوطارهم و هم المرجون لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم فهؤلاء مراتب اهل التلوين في اصل الفطرة .
تقسيم - اصحاب التمكين و هم اصحاب السكينة علي قسمين تابع و متبوع فهم اربعة و اصحاب التلوين منهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و منهم المقصرة المترددة في طغيانهم يعمهون و منهم المستضعفون الذين لايستطيعون حيلة و لايهتدون سبيلا و قد اخبر الله سبحانه عنهم في سورة التوبة قال عز من قائل و السابقون الاولون من المهاجرين و الانصار و الذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و اعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ذلك الفوز العظيم و ممن حولكم من الاعراب منافقون و من اهل المدينة مردوا علي النفاق لاتعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون الي عذاب عظيم و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا عسي الله ان يتوب عليهم ان الله غفور رحيم الي ان قال سبحانه و تعالي و آخرون مرجون لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم و الله عليم حكيم اما السابقون الاولون من المهاجرين و الانصار ( و خ ) هم الحضرة المحمدية صلي الله عليها و من كان من سنخها و من حقيقتها هم السابقون الذين سبقوا الي كل خير و كل نور و هم في مقام التعين الاول كل ما سويهم تحت رتبتهم و هم سبقوا اولا قبل كل سابق و هم اول المجالي و اول المظاهر و اليهم تنتهي النسب و الاضافات و عنهم يرتجي [ص 399] كل الخيرات هم الاولون بلا آخر و لا غاية و هم السابقون بلا نهاية و هم المهاجرون الذين خرجوا من بيت انياتهم و ماهياتهم و سلبوا تعيناتهم و هاجروا الي ربهم بلا كيف و لا اشارة و لا جهة و لا عبارة فساروا فطاروا و داروا و شربوا و سكروا و وصلوا و اتصلوا فلا فرق بينهم و بين حبيبهم و هو قوله تعالي و من يخرج من بيته مهاجرا الي الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره علي الله و الموت هو الفناء و ذلك الفناء هو البقاء و هو السكر و ذلك السكر هو الصحو و هو المحو الذي هو الصحو و بالجملة هم الذين هجروا هجرة تامة ثم في سفرهم الرابع نصروا الله و نصروا امر الله و دين الله و عباد الله بان هدوهم الي الله و دعوهم الي الله و اخرجوهم من الظلمات الي النور و طهروا بيت الله و اظهروا امر الله كما في الدعاء و بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت و اما الذين اتبعوهم باحسان هم هؤلاء البررة الكرام الذين اشار اليهم الناظم سلمه الله تعالي و ايده بتقويه و اخذه بهويه الي رضاه في الابيات المصدرة بهذا و هذا و هم ابواب الباب و جنب الجناب و الذين فصلت ذكرهم في هذه الاوراق هم الذين اتبعوهم باحسان و هم قسما ( قسمان خ ) اهل التمكين اهل الطمأنينة و السكينة الالهية من المتبوعين و التابعين و هم الذين رضي الله عنهم و رضوا عنه الي آخر ما اعد لهم من الثواب و اما الذين حولكم من الاعراب الذين هم اشد كفرا و نفاقا و اجدر ان لايعلموا حدود ما انزل الله و انما قال حولكم لانهم دخلوا البيت من ظهورها و هؤلاء حولكم لانهم غمسوا في بحر الطغيان و [ص 400] سلكوا مسلك اهل البغضاء و الشنئان و كل ذلك من اقتضاء الماهيات و دواعي الانيات و هي حول الوجود و المستمدة منه في الغيبة و الشهود و الذين مردوا علي النفاق فالنفاق هو المراد بهم المنافقون الاولون المعرضون المدبرون عن نور الحق و هم الذين قال تعالي ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار انما سماهم نفاقا للمبالغة كما يقال زيد عدل و الذين مردوا علي النفاق هم اهل الشقاق الذين ذكرتهم و فصلتهم و بينت احوالهم و ابنت اقوالهم و احوالهم سابقا و آنفا و هم التابعون و الاولون هم المتبوعون و هم اهل السكينة و التمكين و لكنها من الابالسة و الشياطين كما ان الاولين سكينتهم من عند الله رب العالمين ثم اشار سبحانه و تعالي الي اهل التلوين فابتدأ بالاولين منهم و قال سبحانه و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و هم اصحاب التلوين الذين ذكرنا ان قلوبهم مستقرة و بواطنهم ثابتة علي الحق الا ان اعمالهم المنافية اقعدت بهم عن الترقي الي تلك الدرجات و قال اميرالمؤمنين روحي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء في الدعاء الذي ترجمه بالعربية من دعاء الخضر (ع) و فيه اللهم عظم بلائي و افرط بي سوء حالي و قصرت بي اعمالي و قعدت بي اغلالي و حبسني عن نفعي بعد آمالي و خدعتني الدنيا بغرورها و نفسي بخيانتها و مطالي و هؤلاء و ان كانوا من اهل التمكين لكن منعتهم ثاء الثقيل عن الوصول الي مسكنهم و البلوغ الي مأمنهم فهم في الطريق اخذهم قطاع الطريق و يوشك ان يوصلهم ( توصلهم . نسخة ١٣٠٥ م ) العناية الالهية الي خير غاية و اليهم ايضا [ص 401] يمكن الاشارة في قوله تعالي و من يخرج من بيته مهاجرا الي الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره علي الله و هؤلاء ايضا قد خرجوا من بيت انسهم و مأوي نفوسهم هائمين و الي جناب الحق طالبين و الي حضرته مشتاقين و قد منعهم ابليس اللعين و ساعدته الشهوات و الميولات التي هي من اقتضاء الماهيات و تلقيهم ( تلقتهم . نسخة ع ٤٠ ب ) الشياطين فاعتراهم داء دفين لعلك تعترض و تقول العارفون بالله كيف يعصون لان الذي عرف شيئا اما احبه غاية المحبة او اعرض عنه و ابغضه و اما ماعدا ذلك فلايتعقل بل و لايتخيل و الجواب ان العارفين بالله علي قسمين منهم اصحاء في الباطن و في الظاهر ابدانهم بسيطة ( نشيطة خ ) للعبادات و قلوبهم معلقة ببارئ السموات و سامك المسموكات و حرارة المحبة في قلوبهم كامنة و آثارها و لهبها في الجوارح ظاهرة جففت رطوبات مزاجهم و اخرجت المواد الفاسدة من كينوناتهم فاعتدلت طباعهم و صفي مزاجهم و رجح ميزانهم فاتبعت تلك القلوب الجوارح و الاعضاء و بقيت تعبد الله و تدعوه في السراء و الضراء لايفتر عن العبادة و لايتعب في الطاعة مستحضرون الحق سبحانه في كل حال و يشاهدونه بلا انقطاع و لا زوال و اوردوا انفسهم موارد الفناء و الاضمحلال و هم يسبحون بحمده بالغدو و الآصال و هم الذين عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون و هؤلاء هم الاصحاء من العارفين الكاملين الامناء و من العارفين مرضي و هم اناس ظهرت المعرفة في قلوبهم و سرائرهم و امتلأت بها افئدتهم و حقايقهم [ص 402] و لكن نفوسهم قد بقيت فيها بقايا من آثار الجهل و بقايا ظلمات من آثاره فتلك الظلمة و ان كانت قلت و ضعفت و خرجت النفس من كونها امارة بالسوء و لكنها سرت فيها سريان المواد الفاسدة في جوارح الانسان و اورثت امراضا مزمنة في ذلك البنيان فهو حي لكنه مريض و مرضه في نفسه و في مشاعره و قواه و كينونته فاذا اعترت معصية و دعت النفس اليها عرف الشخص لما فيه من النور في القلب ان هذه معصية و هي خلاف محبة الله و لكن النفس لما فيها من ثقل الامراض المزمنة فيها مايتمكن من النهوض و الهرب منها فتقارف المعصية و العياذ بالله و هي كارهة لها غير محبة اياها فاذا اقترفها و ارتكبها يحس بالمها و يندم و يستغيث كالمريض الذي لميقدر علي النهوض و الحركة و تأتيه افعي و هو يعلم انها تلدغ لكن لايمكنها النهوض و الهرب منها و هي مطروحة الي ان تأتي و تلدغه ثم يصيح المريض و ينادي و يستغيث و هذا مثال ذلك بعينه فافهم ضرب المثل و لذا قال تعالي خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا عسي الله ان يتوب عليهم ، قال مولينا الصادق عليه آلاف التحية و الثناء من الملك الخالق ان عسي في هذه ( الآية خ ) موجبة يعني يجب علي الله علي حسب وعده و تفضله ان يتوب عليهم و هو سبحانه ارحم الراحمين و اكرم الاكرمين غفار الذنوب ستار العيوب يا نور النور و يا مدبر الامور و افض علينا من نورك و انظر الينا بعين عنايتك و لاتجعلنا ملقي بين يدي عدوك يا غفار يا ستار و اما القسم الثاني من اصحاب التلوين فهم المقصرة فقد ادخلهم الله [ص 403] سبحانه مع التابعين من اهل السكينة في التوبيخ و العذاب و هو قوله تعالي من اهل المدينة مردوا علي النفاق قوله تعالي سنعذبهم مرتين لانهم الضالون المضلون فمرة لضلالة انفسهم و مرة لاضلالهم غيرهم و هو قوله تعالي و ليحملن اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم و ليسئلن يوم القيمة عما كانوا يفترون و لاينافي ذلك قوله تعالي و لاتزر وازرة وزر اخري لان ذلك ايضا من اوزارهم لانهم قالوا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا و هم اتبعوا سبيلهم تلك خطايا بدعتهم التي ابتدعوها لانهم قالوا كما اخبر الله سبحانه و قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم ثم قال سبحانه و ما هم بحاملين من خطاياهم من شئ انهم لكاذبون و ليحملن اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم و اما الذين ( اما الذي . نسخة ١٣٠٥ م ) ما يحملونه من خطاياهم و هو خطيئة المتابعة و هي التي يستغيثون منها يوم القيمة و يقولون انا اطعنا سادتنا و كبرائنا فاضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب و العنهم لعنا كبيرا و قال تعالي لكل ضعف و لكن لاتبصرون و بالجملة هم يحملون اثقال البدعة و اثقال حملهم اياهم تلك الخطيئة و الحاصل قوله تعالي سنعذبهم مرتين يريد به النوعين لا مرتين بالعدد فان لهم عذابا من الله مرات و مرات و مرات لايقضي عليهم فيموتوا و لايخفف عليهم ( عنهم . نسخة ١٣٠٥ م ) من عذابها و هم مبلسون ملعونون ناكسوا رؤسهم و هم يصطرخون فيها و قوله سبحانه و تعالي لاتعلمهم نحن نعلمهم فالمراد من هذا العلم العلم الذي تظهر آثاره فان العلم علي قسمين علم بشئ يتفرع عليه جميع آثاره و هذا هو العلم التام كما اذا علم الحاكم بالبينة او يعلمه من نفسه بثبوت حق علي آخر [ص 404] يحكم بما علم و يأخذ الحق من الذي عليه و كذا اذا علم بوجوب حد علي شخص فانه يحده و اذا علم بارتداد مرتد يجري عليه حكمه من قسمي الارتداد و هكذا كل من علم شيئا يجري مقتضي علمه و لكن هنا علم آخر حكم الله سبحانه علي عدم اجراء مقتضاه عليه كما ادب نبيه صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و قال و لاتكن للخائنين خصيما و قال و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل علي الله و امثالها من الآيات التي ادب بها نبيه صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) في السلوك مع منافقي قومه فهو صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم يعلمهم و يطلع عليهم و لكن لايجري عليهم مقتضيات ما يعلم منهم بل كان يكتفي منهم بمجرد اظهار الكلمتين و اما قلوبهم فلايسئلهم عنها و ان كانت مملوة غيظا و ضيقا و قد قال صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم اني امرت ان اقاتل الناس حتي يقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله ( صلي الله عليه و آله خ ) و لميرد منهم ازيد من القول شيئا و قال زينالعابدين و سيد الساجدين عليه آلاف التحية و الثناء من الله رب العالمين في دعاء السحر في شهر رمضان اللهم ان قوما آمنوا بالسنتهم ليحقنوا دمائهم فادركوا ما املوا و انا آمنا بالسنتنا و قلوبنا فادركنا ما املنا و ثبت رجاؤك في صدورنا الدعاء ، فكان رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) يعلم لكن مايجري مقتضي علمه عليهم فحيث انه سكت عنهم كأنه لميعلمهم و قد اشار سيد الساجدين في ذلك الدعاء الي هذا النوع بقوله روحي له الفداء فبحلمك امهلتني و بسترك سترتني [ص 405] حتي كأنك اغفلتني و من عقوبات المعاصي جنبتني الدعاء ، فان قلت فعلي هذا فالله سبحانه و تعالي مااجري مقتضي علمه عليهم فكيف نسب العلم الي نفسه و نفي عن نبيه صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و الحالة واحدة قلت هذا الكلام من الله سبحانه و هذا البيان و الاعلام لنبيه صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) من اجراء مقتضي علمه و لايلزم اجراء ذلك المقتضي في جميع الحالات لحكم و مصالح يضيق لذكرها الاحصاء فضلا عن الاستقصاء فكيف لايعلمهم رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و هو عالم بجميع القرآن تفسيره و تأويله ظاهره و باطنه و الله سبحانه و تعالي يقول و فيه تفصيل كل شئ و فيه تبيان كل شئ و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين ( و كل شئ احصيناه كتابا خ ) و كل شئ احصيناه في امام مبين اذا كان كل شئ في الكتاب و رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) عنده علم الكتاب فاي شئ يشذ عنه لا والله لايشذ عنه شئ و هو المحيط بعلم ما كان و ما يكون مما دخل في خزانة من الخزائن الغيبية فان الله سبحانه و تعالي ذكر في محكم كتابه فقال عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و هو صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) المرتضي من الرسل و هو الرسول المرتضي و قال تعالي و ماكان الله ليطلعكم علي الغيب و لكن الله يجتبي من رسله من يشاء و هو الرسول المجتبي و اي مانع لله سبحانه ان يعلم نبيه صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) علم كل شئ اوجده و جعله في خزائن الغيب و الشهادة من قوله تعالي و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم [ص 406] هل لضعف في قدرة الله او لقصور في قابلية رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و عدم تحمله لما في الامكان او ان الله سبحانه بخل عليه هذا الكمال او هو لميطلب من الله ذلك او ماكان يعلم ان طلب العلم كمال و العلم بالشئ خير من الجهل به اماكان يطلب من الله كل خير و نور اماكان يعلم ان العلم خير و نور اماكان كل حادث مظهر اسم من اسماء الله دالا علي نوع من قدرته سبحانه و جلاله و جماله اليس رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم مظهرا لجميع الاسماء و الصفات الالهية و هل يوجد اسم ماجمعه و لا حمله و لا كان مظهره صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم اليس سبحانه قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم اليست الآيات جمع مضاف يفيد العموم الاستغراقي امااري الله سبحانه جميع هذه الآيات نبيه صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و قد اري فرعون آياته كلها كما قال تعالي و لقد اريناه آياتنا كلها فكذب و ابي اماكان رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) صعد في المعراج و سار في جميع الخزائن و وقف علي جميع الذرات في جميع الحالات من مبدئها الي منتهاها و وقف علي كل شئ حين خلق الله سبحانه اياه اماكان نبيا علي العالمين اليس العالمون هم الذين كان الله ( سبحانه خ ) ربهم في قوله تعالي الحمد لله رب العالمين و كذلك قال تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا اليس النذير يعلم المنذر له و النبي يعلم من ارسل اليه و ان لميعلمه كيف يكون نبيا و كيف يؤمر مع ذلك ان يبلغ و كيف يأمره الله سبحانه بالتبليغ و هو يقول يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك فكيف يبلغ من لميعرفه ان قالوا ان التبليغ و التكليف فرع الشعور و العقل و الادراك و هي [ص 407] مفقودة في غير الانس و الجن و الحيوانات فقد بينا قبل ذلك ان كل شئ له ادراك و شعور و اقمنا عليه براهين قطعية و ذكرنا آيات كثيرة كالروايات و الادعية و ذكرنا دعاء امملدم المشروح ( المشهور خ ) ان النبي صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم علمه اميرالمؤمنين للحمي و امملدم اسم من اسمائها يا امملدم ان كنت آمنت بالله فلاتأكلي اللحم و لاتشربي الدم و لاتفوري من الفم و انتقلي الي من يزعم ان مع الله آلهة اخري فاني اشهد ان لا اله الا الله و اشهد ان محمدا عبده و رسوله فاذا كان هذا حال الحمي التي عندهم عرض من الاعراض فما ظنك بغيرها من ساير الاعراض و الجواهر و العلويات و السفليات و هل ينكر هذه الامور الضرورية و الاشياء التي قامت علي اكثرها ضرورة الاسلام و اجتمع عليه المسلمون فتبا لهم و سحقا ما لهم كيف يحكمون افلايبصرون ام علي الله يفترون و الله سبحانه يقول و قوله الحق قل فلله الحجة البالغة و اي حجة اعظم من رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و اي نقص اعظم من الجهل و اي كمال اشرف من العلم به يعرف الله و به يعبد و به يعظم و به يكبر و به ينزه و به يقدس و العلم معرفة آثار قدرته و آثار قدرته ظاهرة في مصنوعاته فمن العجب كيف يكون التعين الاول و النور الازل غير محيط بباقي التعينات و مهابط الفيوضات و مجالي التجليات لانها به تحققت و بظهوره تذوتت و بنوره تشيئت و من نوره تكونت و بوجهه ( و خ ) الي وجهه اقبلت و بظل عكوسات آثاره ادبرت و بفاضل ظهوره ظهرت قالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق [ص 408] بهما كيف يشاء فمن انكر علمه صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم بالاشياء المكونة الموجودة دقيقها و جليلها و خطيرها و حقيرها و عسيرها و يسيرها و ظاهرها و باطنها و سرها و علانيتها و شاهدها و غائبها و كيل الماء في البحار و قدر الهواء و النار و وزن الارض و السموات و عدد قطرات الامطار و عدد الرمال في البراري و القفار و عدد الاشجار و الاحجار و عدد كل ما يحويه الليل و النهار و عدد النجوم و الكواكب و عدد المشارق و المغارب ( و عدد الملائكة المسبحات خ ) و عدد الملائكة المقدرات و عدد الملائكة المقسمات و عدد الملائكة المعقبات و عدد الملائكة الحافظات و عدد الملائكة الحاملات و عدد الملائكة الجاريات و عدد النجوم في الكرسي و عدد اشبار العرش و السرادقات و عدد ما حواه اللوح من ذرات الكائنات و عدد ما جري القلم بانحاء الافاضات فقد اخطأ خطاء فاحشا كيف و هذه الاشياء تحققت بالولاية التي هو صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم بنفسه حاملها و الله من ورائه محيط و قد قال البوصيري و اجاد و افاد بقوله في القصيدة الميمية المشهورة :