تنبيه وجيه - اعلم ان الذي ذكرنا ( ذكرناه خ ) من بيان النقباء و النجباء محصله ان الفرق بينهم باعتبار صعودهم لاكمال الاسفار الاربعة فمن سافر متصاعدا الي ان بلغ مقام مبدء تكوينه و قطع المنازل الثمانية و العشرين في التكوين و المنازل الثمانية و العشرين في التدوين و هو مراتب الحروف ثم صعد منها الي ان قطع المنازل الثمانية و العشرين من منازل الاسماء التي هي ارباب الانواع حافظة وجود كل مرتبة من مراتب التكوين و التدوين و مفيضة عليهما بالفيض المقدس من خزانة الفيض الاقدس فاذا قطع تلك المنازل و سري تلك المراحل فقد حصل الاسم الاعظم الجامع الكلي بالنسبة الي جميع مراتب العوالم و الاسماء العظام المختصة كل اسم منها بمرتبة من المراتب فقام ( فعال خ ) مؤثرا في جميع شؤن تلك المرتبة و اطوارها و احوالها و كل ما لها بها منها اليها عندها فهو الواقف علي فوارة القدر الجاري بامر مستقر و يفيض علي كل مرتبة بحسب اطوارها و شؤنها ما يناسب مقامها و مرتبتها فقد بلغ من المقام الي ان حصل الاسماء العظام و الاسم الجامع الكلي التام منفعل له الاشياء لما عنده من تلك الاسماء و تخضع لديه و تخشع عنده فهو الفعال في مراتب الوجود بما ( مما خ ) يختص بمرتبة في السلسلة العرضية و هذا الواصل الكامل هو النقيب و النجيب هو الذي اكمل الاسفار الاربعة في مراتب التكوين ( و التدوين خ ) و لميقطع منازل الاسماء و لميرحل اليها فما دام هو في هذا المقام نجيب و [ص 198] اذا رحل عنه الي مراحل الاسماء و منازلها و قطع تلك المراحل الي ان وصل مقام الاسم الجامع يكون نقيبا فالنجيب قبل النضج التام و الاعتدال العام و النقيب هو المعتدل الفعال فالنجباء يصلون الي مقام النقباء و النقباء ( هم خ ) في كمال المرتبة و لايصلون الي رتبة الاركان لان سلسلة النقباء مع الاركان طولية و مع النجباء عرضية هذا ملخص ما ذكرناه و محصل ما بيناه و لكنه في هذا ( هذه خ ) الايام قد ورد وارد غيبي من عالم اللاهوت علي القلب و عرفت ان النقباء و النجباء هم قسمان لايصل كل منهما الي ما يصل اليه الآخر .
توضيح و تبيين - اعلم ان الفيض الابداعي لما صدر عن المبدء الاول الحق و ان كان نسبته الي جميع محاله و مواقعه واحدة و لكن تلك المواقع و المحال كلما قرب من مبدئه كان واسطة لايصال الفيض الي من بعد عنه بحيث لايمكن ان يتحقق البعيد من دون توسط القريب و معني ذلك انه قد قبل ذلك الفيض قبولا لايصلح للبعيد ان يقبل الا به كما تري اختلاف النور بحسب قربه من السراج و بعده عنه و كذلك نور الشمس بحسب قربه من الشمس و بعده عنها و ما قرب من الشمس يفيض الي ما بعد فظهور تلك الحقيقة في تلك الحدود علي تفاوت و ترتب لايمكن وجود السافل الا بتحقق العالي كافراد الانسان فان كل فرد و ان كان شيئا واحدا و شخصا واحدا لكن له مراتب في وجوده مترتبة فلايمكن تحقق السفلي الا بالاولي العليا كالفؤاد و العقل و الروح و النفس و الطبيعة و المادة و المثال و الجسم و العرض فان العرض لايقوم و لايتحقق [ص 199] الا بالجسم و الجسم لايتحقق الا بالمثال و المثال لايتحقق الا بالمادة و هي لاتتحقق الا بالطبيعة و هي لاتتحقق الا بالنفس و هي لاتتحقق الا بالروح و هو لايتحقق الا بالعقل و هو لايتحقق الا بالفؤاد فاذا فرض عدم كل مرتبة عليا يعدم ما تحتها من المراتب و صدق الحقيقة في هذه المراتب يكون بالتشكيك بالاقدمية و الاولوية و كل مرتبة من هذه المراتب لها معدات لايصال فيض كل مرتبة الي مراتبها مثلا الاجسام عالم مستقل يصل الفيض اولا الي القطب ثم منه الي العرش علي جهة الاجمال ثم منه يفصل في الكرسي بالبروج و المنازل فهما المبدءان الاولان لتحقق عالم الاجسام فالعرش مبدأ الاجمال و الكرسي مبدأ التفصيل و لايحتاج تحقق الشئ الي مبدأ آخر غيرهما و لما كان الارض في الغاية من التدنس و الكثافة و العرش و الكرسي في الغاية من النورانية فخلق الله سبحانه و تعالي السموات السبع واسطة و وصلة لايصال الفيض من العرش و الكرسي الي الارض و ما يقترن بها من العناصر فهذه السموات و العرش و الكرسي و ان كانت من سنخ واحد لان الكل اجسام الا ان العرش و الكرسي قد سبقا السموات في الوجود فكانتا هما الواسطة في ثبوتها و تحققها و هذه السموات و ان كانت مع العناصر من سنخ واحد الا انها قد سبقت العناصر فكانت واسطة في ثبوتها و تحققها و هذا السبق سبق وجودي لا زماني فان السبق الزماني ليس عليه المدار فكم من سابق في الزمان متأخر في الوجود و كم من متأخر في الزمان مقدم في الوجود و التحقق الا الزمان الذي هو جزء وجود الشئ و جزء [ص 200] ماهيته فان حكمه حكم الشئ في حال التقدم و التأخر و السبق و اللحوق فزمان العرش مقدم علي زمان الكرسي و زمان الكرسي مقدم علي ازمنة السموات و ازمنتها متقدمة علي ازمنة العناصر لان الشئ لايتجاوز وقته و ما قالته الحكماء من ان الزمان منتزع عن حركات الافلاك كلام شعري قد هدمنا بنيانه و زعزعنا اركانه في كثير من مباحثاتنا و مصنفاتنا و اجوبتنا للمسائل و بالجملة فوجود هذه الاجسام مرتبة ( مترتبة خ ) في اصل التحقق فلايتحقق السافل الا بالعالي .
عود في التحقيق بطور انيق - فان تحقق لك هذا المثال و عرفت حقيقة الحال فاعلم ان العالم ينحل الي شيئين احدهما الاجزاء و الثاني الكل فالموجودات لها مقام في الجزئية و لها مقام في التمامية و الجامعية فكما ان الاجزاء يحتاج ( تحتاج خ ) في تحققها الي وجود ما هو اقرب منها كذلك الكليات و مرادي بها الحقايق الجامعة كافراد الانسان مثلا فان كل واحد تام في الجامعية و جامع للاجزاء الحقيقية و تمام هذا النوع لايتحقق الا بالوسايط كالاجزاء ففي الانسان من هو بمنزلة القطب النقطة التي يدور عليه الكون بتمامه و هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليها مع ما تشتمل عليه من المراتب و المقامات التي ذكرها سيد الساجدين و سند العابدين عليه السلام ( علي جده و عليه آلاف التحية و الثناء خ ) من مقام التوحيد الذي هو مقام البيان و مقام المعاني اركان التوحيد و مقام الابواب مقام الانبياء الذين هو سرهم و مبدأ تحققهم و كلهم قطرات من فاضل سباحته في بحر التفريد و التجريد و لجة بحر الاحدية و طمطام يم الوحدانية كما ذكره [ص 201] الشيخ الاكبر و في ( الاكبر في خ ) الدعاء رب ادخلني في لجة بحر احديتك و طمطام يم وحدانيتك و لذا روي انس بن مالك عن النبي صلي الله عليه و آله ( و سلم خ ) سئل عن تفسير قوله تعالي اولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا قال صلي الله عليه و آله اما النبيون فانا الخ ، فهو صلي الله عليه و سلم جامع لمقام الابواب بعد مقام التوحيد و المعاني و من مقام الامام الذي هو مقام خلفائه و اولاده الحقيقيين الذين من سنخ ذاته و نفسه فهو صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و خلفاؤه و اولاده هو القطب الذي يدور عليهم الوجود من الغيب و الشهود و الموجود و المفقود و لولا واحد من خلفائه الحامل لولايته لساخت الارض باهلها و لذا اشتهر عند الناس كلمة صحيحة و هي قولهم لو خليت لقلبت و من هو بمنزلة العرش الاركان الاربعة المذكورين و من هو بمنزلة الكرسي الحامل للمنازل التي بالسير فيها يكمل القمر شهرا تاما ثلاثين يوما هم النقباء ثلاثين نفسا علي ما قاله اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب عليه السلام و من هو بمنزلة الافلاك السبعة هم النجباء فعلي هذا البيان التام تبين لك ان النجباء لهم مركز يدورون حوله و مقام يقفون عنده لايصلون الي مقام النقباء في حال من الاحوال و وقت من الاوقات كما ان الافلاك السبعة لاتصل الي العرش و الكرسي في حال من الاحوال و وقت من الاوقات فالسبعة في مقامها تدور و تمد و تستمد بلا انقطاع و الكرسي في محله و مركزه يدور بلا انقطاع ( و العرش في محله و مركزه يدور بلا انقطاع . نسخة ١٣٠٥م ) و كل عال منها محل فيض للسافل و كذلك النجباء لهم مقام و مرتبة لايصل اليها [ص 202] احد مما تحتهم من المؤمنين و غيرهم و ان ترقوا ما ترقوا و بلغوا ما بلغوا و وصلوا ما وصلوا فهم قدامهم اينما ترقوا يدلجون بين يدي المدلج من عباد الله و خلقه من الذين تحت مرتبتهم و المستقهرين بسلطانهم ( لسلطانهم خ ) و المحاطين تحت احاطتهم فهم اكملوا الاسفار و جاسوا خلال تلك الديار و بلغوا اعلي مراتب الانوار و وصلوا الي سر الاسرار و ساروا و قطعوا مراحل الثمانية و العشرين من منازل الاسماء و بلغوا الي الاسم الاعظم و عرفوه بسرهم المقدم الاقدم و استداروا علي نقطة وجودهم و فنوا عن غيبهم و شهودهم فاشرق عليهم الجبار مقدار سم الابرة من نور عظمته فامدوا و استمدوا و لميزل هذا شأنهم و رأيهم ( دأبهم خ ) الي ما لا نهاية له و اليهم اشرت فيما قلت سابقا :
فيا لهم بشرا عزت مدارجهم حتي علوا رتبة الاوهام و الفكر
ساروا فطاروا و داروا اذ احاط بهم لطف الحبيب بلا عين و لا اثر
فهؤلاء هم النجباء تنفعل لهم الاشياء و تنقاد لهم الامور و تخضع لهم الرقاب الصعاب و هم من حيث لايشعرون و اما النقباء فهم علي وصفهم المتقدم و لهم رياسة عامة و سلطنة تامة تصدر النجباء و ترد عن امرهم و ينفذ عليهم حكمهم و لذا سموا بالنقباء و النقيب انما سمي نقيبا لعلو شأنه و نفوذ امره و حكمه و هم نافذوا الحكم في الاشياء مما هي تحت رتبتهم علي جهة العموم و الله سبحانه يريد لارادتهم و يشاء لمشيتهم علي حد ما قال ذلك العارف الكامل الذي لعله منهم انا نترك ما نريد لما يريد الله فهو سبحانه يترك ما يريد لما نريد و لايريدون الا ما يريد الله [ص 203] و لايشاؤن الا ما يشاء الله و هو قوله تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و هؤلاء و ان ظهروا بالثلثين عدد قوي لام التعريف و عدد اول ميقات موسي و لكنهم اذا مات منهم واحد يقوم بدله ما هو من سنخه و رتبته لا انه يترقي احد من النجباء بل الذي يقوم بدله شخص من رتبة مقامه و مرتبته و كذلك اذا مات رجل من النجباء يقوم شخص من سنخه و مرتبته مقامه لا ان رجلا من المؤمنين الاتقياء يترقي و يكون بدله حاشا و كلا لايكون ذلك ابدا كيف و ان المتأخر في الوجود لو ساوي المتقدم لميكن متأخرا الا من جهة العوارض الخارجية كالاب الظاهري للولد الذي هو اصل لوجوده كآباء الانبياء عليهم السلام و اما فيما نحن فيه لايقوم احد مقام الآخر الا ان يكون من سنخه في رتبة الحدود لا في رتبة الذات ذات الحدود هذا هو الذي ورد من عالم الغيب علي خاطر هذا الضعيف بوارد غيبي و ان كان الذي ذكرنا سابقا صحيحا فان النجباء هم حملة العلوم و الاسرار و هم القري الظاهرة للسير الي القري المباركة و هم العلماء الذين ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين الا ان الذي ذكرناه اخيرا هو الاوفق للقواعد العرفانية الجارية علي الشؤن الالهية من عالم العلم في التعين الاول فافهم راشدا موفقا مسددا مؤيدا هذا مجمل احوال الرواق علي ما عند اهل الاشراق من اهل الوفاق و الاتفاق و هو ثلثة في عين كونها واحدة الرواق الاول الاركان الرواق الثاني النقباء و الرواق الثالث النجباء فالاول مظهر التوحيد في مقام التابعية و الثاني مظهر النبوة في ذلك المقام [ص 204] و الثالث مظهر الولاية في ذلك المقام و ان كان الكل مظهر التوحيد و الكل مظهر النبوة و الكل مظهر الولاية و الكل مظهر البعض و الكل مظهر الكل قال تعالي و ما امرنا الا واحدة ، ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فالناظر الي الوجه الواحد اعور و الناظر الي الوجهين في الوجه الواحد من حيث هو واحد احول و الناظر الي الجميع بالوجه الواحد لا من حيث هو كذلك بصير كامل فافهم و ابن عليه امرك و اعلم ان ابواب الباب و وجوه الجناب كلها واحدة اذا كان الالتفات و النظر الي ما في البيت و المدينة و ان كان النظر و الالتفات الي نفس الابواب فارتفع الباب و انقطع الجناب و كان الباب عين البيت و انقلب السافل عاليا و لميكن الباب باب حطة بل بيت ارتفع من غير ان يرفعه الله بل ارتفاعه ادعاء ماانزل الله بها من سلطان لقد قال مولينا و سيدنا علي بن محمد الهادي عليه السلام ( عليهما آلاف التحية و الثناء خ ) في بعض احاديثه و كلماته اذا صرت بالباب فاشهد الشهادتين و انت علي غسل الخ ، فكم من عجائب في هذا المقام تركتها و غرائب كتمتها لماجد لها حملة و ليس لها الا مستجنات زوايا القلب و لايسع بيانها الا بالرمز المنمنم و السر المعمي لاني قد ابتليت بزمان قد مد الجور باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فلبوه من كل جانب و مكان و اجابوه باللسان و الجنان رضوا بالجهل انيسا و بالظلم قرينا فما عسي ان اقول و هل يسعني الا العزلة و الخمول غير اني كما قال الشاعر :
تعرضت في قولي بليلي و تارة بهند فلا ليلي عنيت و لا هندا [ص 205]
نسئل الله حسن الخاتمة الكاشفة عن الفاتحة هذا ما يتعلق بالامر الاول من الامور الثلاثة الذي وعدناك بيانها في مفتتح شرح هذا البيت و هو الرواق .
و اما الامر الثاني - اي المدينة فاعلم انها هي رسول الله صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) لانها مشتملة علي ثلث ميمات و حاء و دال و بيان ذلك ان الميم الاول هو المثبت ظاهرا في اول مدينة و الميم الثاني يحصل من ضرب الدال في الياء و الميم الثالث يحصل من النون لان النون بينات الميم و البينات صفة للزبر و الصفة تدل علي موصوفها بالالتزام و بالحكاية ثم ذكر الهاء في المدينة لبيان انها مخرج القسمة فاذا قسمت احد الميمات الثلث بالهاء يعني بخمسة اقسام فكانت كل قسمة ثمانية و استنطاقها الحاء فحصل عندنا ميمان و من الميم الثالث تولدت الحاء و الدال ملفوظ في اللفظ فاجتمع عندنا ميمان و حاء و دال و الميم الثالث مدغم لاجل استخراج الحاء فاستنطق محمد فالمدينة اسم محمد صلي الله عليه و سلم و من هذه الجهة قال انا مدينة العلم و الاضافة بيانية يعني انه هو العلم كما سنشرح و نبين لك ان شاء الله مفصلا في عين الاجمال و انما كان استخراج اسم محمد صلي الله عليه و سلم من المدينة علي هذا النحو لسر غامض ابي الله هتكه و لكني الوح تلويحا من دون اشارة و هو ظهور المراتب الثلث من التوحيد بالوجه الاعلي و النبوة علي الوجه الاتم و الولاية علي الوجه الاعظم فالهاء اصل التوحيد و سره و اذا اشبعتها يظهر منه الاسم الاعظم الجامع لجميع الاسماء و الصفات فكان ذلك اسما للذات و دلالته علي الهوية المطلقة فاذا [ص 206] لوحظ ظهوره في التعينات استنطق منها اسم الله العلي لان الهاء بالتعين الثاني تكون نونا و الواو تكون سينا و اذا جمعت الجميع و استنطقه كان عليا و هو العلي العظيم و هو العلي الكبير و انه في امالكتاب لدينا لعلي حكيم و قد قال مولينا الرضا عليه السلام ( عليه آلاف التحية و الثناء خ ) ان الله سبحانه و تعالي خلق لنفسه اسماء لغيره ليدعوه بها فاول ما اختاره لنفسه العلي العظيم فاسمه العلي و معناه الله اه ، و هو سر التوحيد و حقيقة التفريد و اسم للذات الجامعة لجميع شؤنات الصفات و ما وراءه في التوحيد مقام الارتفاع عن مقام الاسم و الرسم و رفع التعين و سلب الحدود و رفع الاضافات و هناك يرفع التميز و تطفئ السرج و يشرق النور الذي اندك به الجبل و خر موسي صعقا فافهم و اما النون ففيه ظهور النبوة لان النون تمام كلمة كن و مقام الكثرة الذكرية و مقام العلم الفعلي و مقام الاعيان الثابتة في العلم الامكاني و العمق الاكبر و ذكر الاشياء من قوله تعالي بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون فيجب علي الله سبحانه و تعالي ان يبعث عليهم نبيا لانها اول كثرة صحبت التعين الاول فكانت اول امة و ان من امة الا خلا فيها نذير و النبي النذير للطاعين ( للظاعنين . نسخة ١٣٠٥ م ) تحت حجاب النور و هو الكاف الموحي اليه بالوحي التكويني و التشريعي و الكاف آدم الاول و النذير الاول حامل الاسم الاعظم موصل الامدادات و الاحكام الالهية الي المستجنات المذكورات في مقام النون و هو العمق الاكبر و البحر الزاخر و التيار المتلاطم المواج و لكن اهلها ساجدة تحت عرش الجبار منقطعة عن انفسها مذهبة لانياتها لا تحقق لها و [ص 207] لا تذوت و لاتثبت مستقهرة تحت جلال العظمة مضمحلة عند سطوع نور الجبروت و الهيمنة ،
ليس الا الانفاس تخبر عنه و هو عنها مبرء معزول
و هم اول الامم فمن شدة الوجود سموا بالعدم و هو قوله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئا مذكورا قال سيدنا و مولينا جعفر بن محمد الصادق ( عليها السلام خ ) كان مذكورا في العلم و لميكن مكونا و من هنا جاء الوجود علي النحو المذكور الذي هو المتعارف عند اهل الشهود و قال تعالي اولايذكر الانسان انا خلقناه من قبل و لميك شيئا و من هنا جاء العدم فلما انعدمت انياتهم رجحت وجوداتهم فسموا بالوجود الراجح و هو قوله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار و النار هي الكاف و لما كان الرسول لا بد ان يكون مقرونا و متصلا بمن ارسل اليه اقترن الكاف بالنون فقيل كن و لذا قال عز من قائل انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فالكاف هو النبي المطلق و النون الرعية و هي عبارة عن ذكر الممكنات كلها مما يمكن ان يتعلق به الجعل الالهي فافهم الدقيقة لسر الحقيقة و تعيها اذن واعية فالنون مبدأ ظهور النبوة الجامعة لجميع مراتبها و اطوارها و احوالها في اطوار تنزلاتها في الخزائن الغيبية الالهية من قوله تعالي و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فالنون اشارة الي النبوة المطلقة فالهاء هي اشارة الي التوحيد المطلق و العالم الربوبي بجميع مقاماته و الهاء هو قلب العبد المؤمن الذي قال تعالي في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن و الهاء هي التي وسعت جميع [ص 208] الشؤنات الالهية ،
و اياك و اسم العامرية انني اخاف عليها من فم المتكلم
و اقول و :
اخاف عليك من غيري و مني و منك و من زمانك و المكان
و لو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني
و الياء و النون اذا جمعتهما تولد منهما السين و السين تكرار اللام و اللام هو النون مع اتصال الالف به فالكاف ظهرت بالالف و الالف اقترن بالنون فتولد منهما اللام فاشتق منهما اسم الولي لانا قد بينا في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل ان سر الاسم في الحرف الوسط كما ان سر الانسان في القلب فالولي اسمه اللام لانه مربي القوابل في ثلثين ليلة التي هي تمام عدة ميقات موسي و تمام قوي لام التعريف و سر التوصيف فبذلك كان يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه و الولي هو يد الله التي فوق ايديهم و الدال و الياء في المدينة اذا جمعتهما عند الجمع يكون يدا بها المنع و الاعطاء و الكرم و السخا ينفق الله بها كيف يشاء و يستنطق من الدال و الياء عند الجمع اسماء الجواد و الوهاب فبهما اظهر الله الجود و وهب لكل شئ ما يستحقه و ما لايستحقه من فيض فضله و من عميم جوده فهذه هي الولاية الظاهرة و الدال سر التربيع و به حصل الشكل المربع اول شكل بعد المثلث بل هو تمامه و لذا ظهر بالتأليف و المودة و المحبة و الايتلاف لانه مقام التمام و الياء اشارة الي القبضات العشر التي مايتم خلق شئ من الاشياء الا بها و هذه العشرة في كل عالم لها اسماء خاصة بها تحقق تفاصيل وجود الشئ و كمالاته و من هذه الجهة قال تعالي تلك عشرة كاملة و الميم اشارة الي تمام عدة ميقات موسي [ص 209] و قوله تعالي و واعدنا موسي ثلثين ليلة و اتممناها بعشر فتم ميقات ربه اربعين ليلة و الاربعون مدة تخمير طينة آدم و انضاجها و ظهورها مشروحة العلل مبينة الاسباب فالميم اشارة الي الوحدة الحاصلة بالاربعين و بها الكمال المطلق فافهم فالمدينة بلفظها باقتضاء المناسبة الذاتية بين الاسم و المسمي تدل علي جلائل النعم و عظائم الامور بل هو ( هي خ ) محتوية علي جميع الاسرار الوجودية من الغيبية و الشهودية من الوجود المطلق الي الوجود المطلق فالميم جمع و اجمال و تمام الشئ علي وجه الكمال و ظهور المقامات و المراتب علي جهة الوصل و الاتصال و روابط الذرات الوجودية الموصلة بها الي رتبة الوصال فالميم تمام و كمال و تفصيل و اجمال و الدال و الياء تفصيل الميم بان حصول هذا التأليف انما كان باصلين الدال المعبر عنها بالاركان و الياء المعبر عنها بالمراتب العشرة التي تدور عليها الاكوان و الاعيان و الزمان و المكان هذا اذا لاحظت الدال في الياء فيكون ظهور هذه الاركان في كل من العشرة التي بها الامكان فاذا لاحظت الياء مع الدال فهناك يد الله الحاملة لرحمته التي وسعت كل شئ قالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان و التثنية عين المفرد و المفرد عين التثنية و الفرق بالتعين و بهما ظهر الاسمان الاعليان الجواد و الوهاب اللذان لهما الهيمنة علي كل مذروء و مبروء فالجواد يجود محض التفضل و الوهاب يهب من غير استحقاق و اليد الاسمان المذكوران تعطي كل ذي حق حقه و توصل الي كل مخلوق رزقه و الهاء حرف ليلة القدر و [ص 210] الاشارة الي كف اليد و قبضته لان الخمسة كف الحكيم و قبضته العلي العظيم قال تعالي و ماقدروا الله حق قدره و الارض جميعا قبضته و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالي عما يشركون و الياء مع النون هو السين يس و القرآن الحكيم انك لمن المرسلين علي صراط مستقيم و السين حرف معتدل زبرها طبق بيناتها صفتها علي وفق موصوفها و ماحكي الاعتدال في جميع الحروف غيرها و هي سر الاعتدال و رتبة الوصال و مقام الاجمال و اصل الكمال و هو قلب القرآن و هو البيان الذي علمه الانسان و هي الاشارة الي الكينونة الاولية و الفطرة الاعتدالية التي جري الكون عليها و هي اسم محمد صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) جمعت جوامع الخير و هي اصل الحروف و اول ايجادها و معطية حقايقها و هي اول سر قامت بها السموات و الارض و بها الارتفاع ( الارتقاء خ ) الي العوالم العلوية و لها شكل في العرش و هي من حروف الاسم الاعظم و لها ظاهر و باطن فظاهرها صامت و به قامت السموات و بباطنه امسك العلويات و بها ظهرت الولاية في العالمين عالم الغيب و الشهادة و عالم الظاهر و الباطن و عالم الاجمال و التفصيل و عالم الالف و الباء و بها تم الكون فالسين سر الوجود و تمام الغيب و الشهود و مؤكد الركوع و السجود و مبين العابد و المعبود منها بدءت الاشياء و اليها تعود و النون تمام كلمة كن الوجود الراجح حواء و آدم الاول ارض الجرز قال تعالي و من آياته انك تري الارض هامدة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت و ربت و انبتت من كل زوج بهيج فالكاف هو الماء و النون هو الارض و النبات البهيج هو [ص 211] قوله تعالي يكون و هذا كله اسم محمد صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) فيدل هذا الاسم علي التعيين ( التعين خ ) الاول مظهر التوحيد المطلق و له النبوة المطلقة و الولاية المطلقة لانه كامل مطلق ظاهر بالتأليف و جامع للمراتب الكاملة المكملة و هو الظاهر بالوحدة و محل جود الله و موضع هبة الله و هو يد الله و عين الله و وجه الله و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و اليمين التي انطوت بها السماوات العاليات من العقول القادسات و النفوس المجردات و الحجب و السرادقات و القبضة التي تستقهر عندها الارض التي هي عبارة عن السفليات و اطوار الظلمات و قوابل السيئات و متممات الطاعات فيا لها من مدينة ما اوسعها و اعظمها و ما اشرفها و اكرمها فلذا اختصت الارض التي حملت ذلك النور الاعظم و السر الاقدم و السيد المكرم صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم بهذا الاسم اي المدينة لان المكان يناسب المتمكن و هو علي هيئة صفته و نور مرتبته قل كل يعمل علي شاكلته و كل ظاهر عنوان لسريرته و كل صورة شرح لمعنويته فلنقطع الكلام و علي من يفهم الكلام السلام ، ثم نقول عند ملاحظة المدينة فالمحال ثلثة كما هو المتعارف بلغة اهل هذا الوقت و الزمان الاول البيت و الثاني القرية و الثالث المدينة و هذا ( هذه خ ) الاوعية الثلثة كل واحد يطلق علي الآخر اذا اجتمعت افترقت و اذا افترقت اجتمعت فالبيت عند الافتراق هو المدينة و هو القرية قال تعالي في بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال علي قرائة المبني للمجهول في يسبح رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و اقام الصلوة [ص 212] و ايتاء الزكوة الآية ، فالبيوت هم الرجال و هم الخلفاء اي خلفاء الله و الاولياء و هم الذين اذن الله تعالي رفع شأنهم و اعلاء بنيانهم و حيث لميقيد الله الرفع بقيد و لميحده بحد عرفنا انه فوق القيد و الحد و ما كان من البيت الذي هذا صفته اي لا نهاية لرفعته و لا غاية لعلوه بل هو مرتفع الي ما لا نهاية له فيجب ان يكون ذلك البيت او تلك البيوت اقرب الخلق الي الله سبحانه و تعالي منزلة و شأنا و ليس شئ اقرب الي الله سبحانه من الحقيقة المحمدية لقد قال الشيخ الاكبر ان اقرب الحضرات الي الله الحضرة المحمدية و لما كان اولاده الروحانيون و خلفاؤه الاقدمون الطيبون حملة انواره و قبسة ذرات اسراره لا بد ان يكونوا من سنخه و من حقيقته لان الولد جزء من والده كما قال تعالي ردا علي من جعل الملئكة بنات الله و جعلوا له من عباده جزءا فيكون خلفاؤه و اولياؤه من سنخ رتبته و من داخل حضرته اقرب الحضرات الي الله سبحانه و حضرتهم متحدة مع الحضرة المحمدية فاذن هم البيوت التي اذن الله ان ترفع رفعة لا غاية لها و لا نهاية و قد قال اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب عليه السلام ( و روحي له الفداء خ ) في خطبة المشهورة ينحدر عني السيل و لايرقي الي الطير ، اي طير الاوهام و العقول و المدارك و الافهام و الاحلام لانه قال عليه السلام ظاهري ولاية و باطني غيب لايدرك و هذا بعينه حكم الخلفاء المشاركين له في الولاية المضاهين له في الرتبة فافهم وفقك الله و سددك و ايدك و ثبتك بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة و اول تلك البيوت هو الذي وضع علما لهداية الناس و منارا لارشادهم [ص 213] الي طريق النجاة و الخلاص هو الذي ببكة اي مكة لان رسول الله صلي الله عليه و سلم وضع حمله في مكة و بعث لهداية الخلق في مكة فيه الآيات البينات و الحجج الظاهرات و الدلائل القاهرات و البراهين الباهرات و فيه مقام ابرهيم فان شرافة ابرهيم عليه السلام و عزته و جلالته ماظهرت الا بعد ظهور هذا النور من صلبه فكان بذلك له الشرف الباذخ و الفضل الشامخ و له المجد الاصيل و الكرم النبيل و كان نبينا صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) مقام ظهور نور ابرهيم الخليل و هو المبارك الذي جعل الله سبحانه البركة في ذاته بان يفيض منها علي جميع ذرات الوجود مما يستحقونه من الاحكام التكوينية و التشريعية فيا لها من بركة شاملة لجميع حقايق الاكوان و الاعيان و جعل سبحانه البركة في بشريته الظاهرة بان جعل نسله و ذريته من البنت الواحدة عليها و علي ابيها و بعلها آلاف التحية و الثناء بحيث ملئت الاقطار و ظهرت و اشتهرت اشتهار الشمس في رابعة النهار لاسيما في هذه الاوقات و الازمان بحيث قل ما تجد شخصا لاينتمي اليه بالنسب الظاهر بل الغالب في الناس الفاطميين و العلويين ( الفاطميون و العلويون خ ) و ساير بنيهاشم لان شرافة اولئك من بركاته صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم لان بركاته عمتهم و شرافته خصتهم فبركاته عامة لانه رحمة الله قال تعالي و ماارسلناك الا رحمة للعالمين و قال سبحانه و رحمتي وسعت كل شئ و خاصة ببنيهاشم لاسيما العلويين لاسيما الفاطميين لاب كانت النسبة او لام قال تعالي و اذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ قال صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) كل نسب ينقطع يوم القيمة الا نسبي و لا ريب ان النسبة اليه [ص 214] صلي الله عليه و سلم يوم القيمة و هو السلطان الاعظم يوم جلوسه علي منبر الوسيلة التي لها الف مرقاة و من مرقاة الي مرقاة عدو فرس الجواد الف سنة و هو صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) و سلم الجالس علي اعلي المراقي و الحاكم علي كل الخلق و بيده مفاتيح الجنة و النار و اليه الاياب و عليه الحساب اتريه يغفل عن اولاده و المنتسبين اليه بظاهره و باطنه و ببدنه و كينونته و دينه لا والله ماكان الظن به هكذا بل يحسن اليهم غاية الاحسان و يمن عليهم عظيم الامتنان و لايفضحهم بسيئاتهم عند مخالفيهم الذين عادوهم لاجله ان ذلك لهو الفوز العظيم هنيئا لمنسوبين ( للمنسوبين . نسخة ١٣٠٥ م ) اليه جسدا و جسما و روحا و دينا جعلنا الله منهم و من الذين لهم حظ عظيم من بركاته انه ذو الفضل العظيم و المن الجسيم و هو صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم هدي للعالمين كما انه بركة لهم فان هدايته عمت جميع الخلق فبين من يهديهم الي النعيم المقيم و بين من يهديهم الي العذاب الاليم لانه الموصل الي كل ذي حق حقه و السائق الي كل احد رزقه و هو الهادي المطلق علي المعنيين بمعني ارائة الطريق و بمعني الايصال الي المطلوب للعالمين علي جهة العموم لان الله سبحانه جعله نذيرا للعالمين فقال عز من قائل تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و من دخل هذا البيت المقدس بيت النبوة و بيت العلم و بيت الرفعة و بيت الفخر و بيت السودد و بيت الشرف و بيت النور و بيت البهاء و بيت الثناء و بيت الضياء و بيت الجلال و بيت الجمال و بيت الرحمة و بيت الكرامة و بيت السلطنة و بيت الاسماء و الصفات [ص 215] و بيت التوحيد و مأوي التفريد كان آمنا من الشدة العظمي و البلية الكبري و الداهية الدهماء عذاب النار و غضب الجبار و الحشر مع الاشرار و حرمان لقاء الابرار و مقاسات كتاب الفجار و دخول هذا البيت عبارة عن الاذعان به و التصديق لحكمه و الانقياد لطاعته و الاجتناب عن معصيته و الدخول في دينه بشرايطه و آدابه فمن كان هكذا هو آمن يوم المحشر و يوم النشر و يوم القيمة و يوم الحساب علي الصراط و يوم العقاب و هو آمن في كل هذه المواقف لان الله سبحانه استجاب دعوة نبيه صلي الله عليه و سلم لما دعاه و قال ربنا لاتؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا ربنا و لاتحمل علينا اصرا كما حملته علي الذين من قبلنا ربنا و لاتحملنا ما لا طاقة لنا به و اغفر لنا و ارحمنا انت مولينا فانصرنا علي القوم الكافرين استغفر لامته و نسب ذنبهم اليه كرامة و تشريفا و تعظيما لامته فلما استغفر لهم اجاب الله سبحانه دعوته و قبل شفاعته و قال انا فتحنا لك فتحا مبينا يعني فتحنا الوجود بجميع ذراته من الغيب و الشهود ابتدأناه و ابتدعناه لك بانا صنعناك لنا و صنعنا الخلق لك و اليه الاشارة في تأويل قوله تعالي و اصطنعتك لنفسي فاذا كان مخلوقا و مصنوعا لله سبحانه و كان ما سواه مصنوعا و مخلوقا له ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك اي ذنب امتك الذي نسبته الي نفسك و استغفرته فغفرنا لك ذلك بل انا فتحنا لك فتحا مبينا انما فتحنا لك و خلقنا الخلق لاجلك ليكون الخلق كله لك و شفاعتك لهم عندنا مقبولة لانهم لك تمضي ارادتك و تنفد مشيتك و تقوم حجتك فهم بين يديك يجري فيهم كلما تريد لانك المحبوب و [ص 216] الحبيب و المراد و المريد و حاشا رسول الله صلي الله عليه و سلم ان يقترف ذنبا او يرتكب اثما كيف و قد خص الله سبحانه اشخاصا بانهم عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون فاذا كان اوقاتهم في الليل و النهار مستوعبة بذكر الله الجبار القهار و لايحصل لهم فتور و لا تهاون فاين وقت اذن يعصون الله سبحانه فيه لان المعصية لاتكون الا بالغفلة عن ذكر الله تعالي و قد شهد الله سبحانه لهؤلاء الاشخاص انهم لايزالون يسبحون الله في الليل و النهار و ليس لهم فتور و ضعف عن التسبيح و التمجيد و التقديس كما قال له من في السموات و من في الارض و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون و معلوم ان الذي في الارض هو الجن و الانس و الذي في السماء هم الملائكة فمن الذين عنده ثم نقول هؤلاء الذين عند الله هكذا صفتهم هل رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم داخل فيهم ام لا فان كان الثاني هل هو صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم افضل و اشرف منهم ام لا بل هم اشرف و افضل منه و علي الثاني يلزم ان لايكون رسول الله (صلعم) اول الخلق و مبدئهم لان الطفرة في الوجود باطلة و قاعدة امكان الاشرف ثابتة و محال علي الله سبحانه ترجيح المرجوح و تفضيل المفضول و تأخير ما هو حقه التقديم و تقديم ما هو حقه التأخير لان ثبوت هذه الاشياء يلزم اما ان لايكون نسبة الحق الي جميع الخلق علي السوية و التزام ذلك يوجب ان يكون الله محدودا متجزءا متقسما و ان لايكون الخلق حادثا بل قديما مختلفا و لايلزم ( لايلتزم خ ) بذلك من له ادني شعور و عقل و اما ان لايكون الله [ص 217] سبحانه عالما حيث لميعلم ان ذاك اكمل و اشرف حتي يوجه جعله و خلقه اليه دون الاخس ( الآخر خ ) و التزام الجهل في الله من الجهل بالله و خروج عن ضرورة الاسلام و دخول في الكفر و الطغيان و اما ان يكون الله سبحانه ظالما حيث وضع الشئ في غير موضعه و لانعني بالظلم الا هذا و ما ربك بظلام للعبيد و اما ان يكون الله سبحانه بخيلا حيث بخل علي المقدم و مااعطاه من فيض فضله و جوده و اعطي المؤخر و هو الجواد الكريم او يكون الله سبحانه عابثا حيث انه اعطي و منع من غير داع و جهة و سبب و هو الحكيم العليم و اما ان يكون الله سبحانه ممنوعا مقبوضا علي يده حيث منع من اعطاء المقدم الشرافة و الفضيلة بجبر جابر و قسر قاسر لا راد لمشيته و لا مانع لحكمه او انه سبحانه تجدد له سبحانه زيادة مؤنة لميكن له عند خلق الاول المقدم و وجد عند خلق المؤخر فاعطاه اياه دون المقدم و اثبات هذه التوالي له سبحانه مكابرة للضروري و مزاحمة للبديهي فلميبق الا القدح في انه صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم اول خلق الله و اول من اختاره الله سبحانه بالايجاد و اول التعين و التجلي الاول و التعين الاول و الاشراق الاول او ( و خ ) انه افضل خلق الله و اشرف عباد الله و خير عباد الله و خير الخلق و القدح في الاول قدح في ضرورة الاسلام و ما نطق به القرآن مع ان الله سبحانه قد بعثه علي كافة الخلق نذيرا و قال عز من قائل تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و تخصيص العالمين بالجن و الانس من اسخف الاقوال فان الله سبحانه و تعالي قال الحمد لله رب العالمين [ص 218] فالعالمون الذين الله ربهم و ( يكون خ ) محمد نبيهم و بالجملة فان رسول الله صلي الله عليه و سلم اول البيوت و اشرفها لانه العبد المؤمن الذي وسع قلبه جميع شؤن الربوبية و الاحكام الالهية و مراتب الاسماء و الصفات و هو مجمع شؤن الذات و في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن و هو المؤمن الاول لانه التعين الاول و صبح الازل و اطلاق البيت عليه عند العارفين بالله حقيقة دون المجاز لان المقتضي لوضع الاسم اي اسم البيت للمسكن المعروف فيه صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم اعظم و اولي فهو بيت النبوة و بيت الله الاعظم و المسجد الجامع المكرم و ان المساجد لله فلاتدعوا مع الله احدا فاذا اطلق البيت علي جهة الاطلاق يراد به تلك الحقيقة المقدسة و اولياؤه و خلفاؤه و يطلق ايضا علي مقابله اذا قيد كما اذا قيل بيت الشر و بيت العصيان و بيت الفسوق و الطغيان و بيت الكفر و الضلال فانه يراد به ابليس او محاله و مواقعه و هو ابوجهل و ابوالدواهي و فرعون و هامان و امثال ذلك فانهم بيوت الفسق كما ان اولئك بيوت النبوة و بيوت الولاية و سيدهم رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و كلمة الله و عين الله و وجه الله و هذا الذي ذكرنا هو ما يتعلق بالبيت عند الاطلاق .
و اما القرية - فانها ايضا رجال و قد نص علي ذلك في مواضع كثيرة من القرآن مثل قوله تعالي و كم من قرية اهلكناها فجاءها بأسنا و قوله تعالي و كأين من قرية اهلكناها و امثالهما من الآيات كثيرة و ارتكاب التجوز فيها علي خلاف قواعد اهل الله فان القرية [ص 219] محل البيوت و الحيطان و الجدران و العقود و امثالها و الله سبحانه خلق الانسان و جعل فيه كلما في العالم من العلويات و السفليات و المجردات و الماديات و البسايط و المركبات و الانوار و الظلمات و المعادن و النباتات و الانهار و العيون و ساير الاشياء المتفرقات كلها قد جمعها في هذا الشخص كلا في موضعه و كل فرد من افراد الانسان قرية فان كانت جهاتها نورانية كاملة منصرفة في وجوه الخير فقرية مباركة و ان كانت جهاتها ظلمانية ناقصة منصرفة في وجوه الشر فهي القرية السوءي و هي التي استوجبت الهلاك من الله سبحانه و لا ريب ان القرآن كان قد نزل علي رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم قبل خلق السموات و الارض و قبل العرش و الكرسي و قبل اللوح و القلم و قد قال سبحانه و تعالي و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان ، و قد قال رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين يريد به آدم الثاني لانه التعين الاول و لايعقل ان يكون نبيا و لايدري ما الكتاب و لا الايمان و لا ريب ان القرية كانت موجودة في القرآن القديم مع رسول الله (صلعم) و لمتكن هذه القري المعروفة بين اهل اللغة الظاهرة فاين المجاز لانه ان صح قبل الاستعمال لايصح قبل الوضع قطعا فكيف يتحقق الاستعمال مجازا و لميكن هذه القري مخلوقة ( مخلوقة موجودة خ ) و هل يجوز عاقل ان يكون اللفظ موجودا قبل المعني فان ذلك مكابرة واضحة فان اللفظ من عالم الشهادة و المعني من عالم الغيب و لايمكن ان يوجد عالم الشهادة قبل عالم الغيب لبطلان الطفرة و [ص 220] قاعدة امكان الاشرف و بالجملة فالقرية حقيقة في الذوات و الرجال و عالم التأويل و الباطن مقدم علي عالم القشر و الظاهر فان الباطن اب و اصل و الظاهر فرع و قشر و لايكون الفرع اصلا و الاصل فرعا في مقام من المقامات و حال من الحالات الا ان لايكون الله حكيما بل كان عابثا تعالي الله عما يقولون علوا كبيرا .
قاعدة كشفية عرشية - اعلم ان اللفظ اما ان يطلق علي معني او معنيين فان كان الاول فهو الحقيقة ان لميدل دليل قطعي علي مجازيته و ان كان الثاني بان يطلق علي معنيين او اكثر فلايخلو اما ان يكون بينهما ترتب ام لا فان كان هناك ترتب فلايخلو اما ان يكون الترتب علية و معلولية ام لا و ان كان الاول فلا شك ان اطلاقه علي العلة حقيقة اولية قطعا و الا لساوي العلة و المعلول او لايكون ( يكون خ ) المعلول اصلا و العلة فرعا و هو في البطلان بمكان اذا كان الواضع حكيما و اذا كانت علايم الحقيقة في الاطلاق علي المعلول موجودة فالاطلاق هناك حقيقة بعد حقيقة ليس من باب الاشتراك اللفظي لان الشرط فيه اتحاد الصقع و البينونة بين المشترك بالاشتراك اللفظي بينونة عزلة لا بينونة صفة و العلة و المعلول بينونتهما بينونة صفة لا بينونة عزلة و لايصح ان يكون الاشتراك معنويا لاستلزامه حقيقة واحدة و معني واحدا و العلة و المعلول لاتجمعهما حقيقة واحدة و الا لميكن احدهما اولي بان يكون علة و الآخر معلولا الا من جهة بعض العوارض الخارجية المقتضي لصدق العلة مجازا دون ان يكون حقيقة و لايصح ان يكون حقيقة و مجازا لان المفروض عدم المجازية و [ص 221] لايصح ان يكون منقولا لان الشرط في النقل هجر الاول و المفروض انه ليس بمهجور و لايصح ان يكون مرتجلا لفقد الشرطين فوجب ان يكون حقيقة بعد حقيقة و يكون الثاني آية و دليلا للاول حاكيا لصورته ظاهرا علي شاكلته و ان كان الترتب بينهما ليس بالعلية و المعلولية بل باللب و القشر و الاثر المتصل فاللفظ موضوع للمعني الجامع و صدق ذلك الامر الجامع علي المعاني التي يطلق عليها و يصدق عليها بالتشكيك ان لميدل هناك دليل علي ارادة خصوصيات الافراد و ان لميكن ترتب و لا دليل علي خصوصيات الافراد و يصح ان يكون هناك جهة جامعة للجميع فالوضع للمعني الجامع لقربه الي الوحدة التي هي المتعينة باللحاظ و الكثرة لا خير فيها فلاتلحظ الا لامر عارض و دليل خارج و ان لميكن هناك امر جامع او علم عدم ارادة الواضع فالوضع للجميع بالاشتراك و يراد جميع المعاني عند الاطلاق فخذ ما ذكرنا لك قاعدة كلية تصرفها في جميع تصاريف الالفاظ و المعاني و الصور و المباني و الحقايق الاول و الثواني فتعرف بذلك ان البواطن و الاسرار كلها حقايق اولية و الظواهر و القشور حقايق ثانوية و هي مجازات للاولية بعين كونها حقايق فلو لوحظ مجازيتها لميكن الثاني آية و حكاية لان بين الحقيقة و المجاز لا بد من العلاقة و العلاقة و الرابطة تقتضي الاثنينية و الاثنين كل واحد حجاب للآخر لا دليل للآخر ( علي الآخر خ ) لقوله تعالي ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه و الدليل ان لميلحظ المدلول فيه لميكن دليلا بل كان حجابا و ان لوحظ في عين ملاحظة الدليل بدون ملاحظة الدليل و المدلول [ص 222] فهناك يكون دليلا فلا دلالة الا اذا اتحد في اللحاظ فاذا نظرت الي الصورة التي في المرآة و لاحظت انها هي الصورة و هي المنفصلة عنك الصادرة منك و هي شبحك و اشراقك ففي هذه الملاحظة ليست دليلا عليك و لا سبيلا اليك و اما اذا قطعت النظر عن ملاحظتها و رأيت نفسك ظاهرا فيها لا من حيث الظهور و لا من حيث الصورة بل من حيث نفسك فانت تري نفسك لكنها في ظهور شبحك بل ماتري الا شبحك و لذا اذا سئلت عن هيئة صورتك تجيب عما المرآة عليه لا عما انت عليه فعلم ان الذي وصلت اليه شبحك و هو دليلك و هو المدلول عليك فلو كان المدلول هو ذاتك ماوصفتها علي هيئة الشبح و لو كان الدليل غير الشبح كان قد حجبت عنك لان الغير من حيث المغايرة حاجب لا دليل فاتحد المدلول و الدليل مع ان المدلول غير الدليل و قد اشار الي ما ذكرنا سيدنا الحسين عليه السلام الهي امرتني بالرجوع الي الآثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شئ قدير و الشاهد في قوله روحي فداه مصون السر عن النظر اليها الي آخر ، فبالجملة فالبواطن حقايق لا مجازات بل المجاز عند اهل المجاز و اهل الحقايق ليس عندهم مجاز قال اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و المجاز لضيق المجاز و الحقيقة هي الاصل في اول الطراز ماادري ما اقول ،
كمذا تموه بالشعبين و العلم و الامر اوضح من نار علي علم [ص 223]
اراك تسئل عن نجد و انت بها و عن تهامة هذا فعل متهم
فلنقبض العنان و للحيطان آذان و تعيها اذن واعية فالقري رجال اهلكوا و رجال بورك عليهم و قد قال سبحانه و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين فالقري المباركة رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله يعني لاتشغلهم الامور الدنيوية و مقتضيات الانية عن ذكر الله الذي به تطمئن القلوب فهم مطمئنوا القلب باردوا الفؤاد لايصيبهم شك و لا وهم و لا ريب و لا وسوسة و لا سفسطة و لا ظن و لا ما يوجب الفتن و لا المحن و قد قال سيد العابدين و امام الزاهدين في المناجات الي ان قال روحي له الفداء فان الشكوك و الظنون لواقح الفتن و مكدرة لصفو المنايح و المنن و هؤلاء الرجال لايلهيهم التكاثر حتي يزروا ( يزوروا ظ ) المقابر ابدا فهم مع الناس و قلوبهم معلقة بالرفيق الاعلي و هؤلاء هم القري المباركة و هم الانبياء و الخلفاء الذين من سنخهم المأخوذون من حقيقتهم و هم الذين بارك الله سبحانه فيهم بكمال البركة علي ما وصفنا لك سابقا من بعض البركات التي كانت لسيد الكاينات صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و حيث ان البركة ماقيدها بقيد و لاحدها بحد عرفنا ان المراد به البركات كلها و الفيوضات باسرها و قد ورد عن طريق اهل البيت ان القرآن ذلول ذا ( ذو خ ) وجوه فاحملوه علي احسن الوجوه و الذي حاز البركات باسرها و جمع الفيوضات بحذافيرها و اختص بالكرامات كلها و ظهر بالتجليات جميعها ليس الا الولي المطلق و النبي المطلق و قد تبين و وضح سابقا و سيتضح [ص 224] لاحقا و عليه اجماع العارفين الكاملين ان النبوة المطلقة و الولاية المطلقة منحصرة في الحضرة المحمدية و تلك الحقيقة المقدسة بشعبها و حدودها و اطوارها هي القري المباركة علي المعني العام الشامل و الوجه التام الكامل و القري الظاهرة علماء امته الذين هم كانبياء بنياسرائيل تأدبوا بآدابهم و نهجوا منهجهم و اختصوا بهم و انقطعوا اليهم و قالوا عنهم و مالوا اليهم و اعرضوا عن اعدائهم و قصروا انظارهم فيهم و مدوا اعناقهم اليهم و شخصوا ابصارهم نحوهم و توجهوا بكلهم اليهم فاستشرقت سرائرهم من انوارهم و استضائت بواطنهم من نور اسرارهم و ظهر فيهم سرهم و صاروا هم الوسايط بينهم و بين رعيتهم الايتام المنقطعين عنهم القاصرين الغير البالغين في معرفتهم و آدابهم و هؤلاء القري الظاهرة هم الذين وصفناهم لك في الرواق الاول و الرواق الثاني و الرواق الثالث و هم الرواق و القري الظاهرة و اولئك العوام الجهال الذين يجب عليهم الاخذ عنهم و السير اليهم هم الرواقيون يعني المنسوبين الي الرواق لا انهم الجالسون في الرواق و هؤلاء القري الظاهرة يجب علي الناس كافة السير فيهم اي الاخذ عنهم و السؤال منهم لانهم اهل الذكر و هؤلاء هم الذين لايعلمون فيجب الاخذ عنهم ليالي و اياما آمنين يعني مقلدين يأخذون قولهم عن محض التقليد فيبينون لهم بالقول السديد بفائق التسديد و التأييد و هذا هو المراد بالسير في الليالي فان الساير في الليل يتوجه الي المقصود و يصل اليه لكنه لايري شيئا و لاينظر الي الطرق و لا الي الدلايل و العلامات الموصلة الي المطلوب [ص 225] و اذا ساروا فيهم يعني اخذوا عنهم بالبرهان و الدليل بالكتاب و العقل المستنير كما افصح عنه قوله تعالي فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون بالبينات و الزبر البينات هي البراهين العقلية و القياسات الاعتبارية المطابقة للواقع و الزبر الكتاب و السنة و العقل وحده لايكفي و النقل وحده لايبصر به لانه تقليد و اما اذا حصل الدليل و البرهان العقلي و مشاهدة الآيات الآفاقية و الانفسية يكون الاخذ عنهم علي بصيرة و يقين و بينة من الله رب العالمين و هم الذين يدعون الي الله بعلم و هدي و كتاب منير و هذا معني سيرهم في القري اياما و اليوم عبارة عن البصيرة و البينة و هم اي المقلدون التابعون في كل هذه الاحوال آمنون عن الخطاء و الغفلة و السهو لانهم اهل الذكر و الذكر مضاد للنسيان و الغفلة و لانهم هم الذين جاهدوا في الله و احسنوا و الله معهم و الله سبحانه ليس مع المخطين لقد قال تعالي الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و ان الله لمع المحسنين و المراد بهذه المعية معية عناية و كرامة و تسديد و تأييد لا معية قيومية من قوله تعالي مايكون من نجوي ثلثة الا هو رابعهم الي ان قال سبحانه و هو معكم اينما كنتم و قال تعالي و نحن اقرب اليكم منكم و لكن لاتبصرون فالمعية في قوله تعالي و ان الله لمع المحسنين معية اكرام و احسان و انعام و امتنان فلايكون ذلك الا بحفظ عن الوقوع في الخطاء و منع للشياطين المغوية لهم و بالجملة الله سبحانه لايكون الا مع اوليائه بالمعني الذي ذكرنا الا ان اولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون فالتابعون السائرون في هذه [ص 226] القري الظاهرة الي القري المباركة آمنون مطمئنون غير مضطربين و لا مشوشين عالمون عارفون و هم الذين قال سبحانه لايملكون الشفاعة الا من شهد بالحق و هم يعلمون السائرون في القري اي التابعون و المتبوعون الذين هم القري كلهم عالمون الا ان علوم القري عن مشاهدة و عيان و علوم التابعين عن دلالة و بيان و الفرق عظيم و الخطب جسيم فافهم .