و تقدست اذ جللت جدثا ثوي في لحده المدثر المزمل

اقول : لله در الناظم حيث ادرج في هذا البيت من جلائل المطالب و عظائم [ص 99] المراتب و تحقيق الحقايق و تدقيق الدقايق ما يتحير الفكر في اظهارها و ابرازها و القلم عن شرح اشاراتها و نكاتها الا انا نأتي بما يسعنا بيانه و لايعسر برهانه علي حسب اقبال القلب و نشاط الخاطر و نعرض عما سوي ذلك و نكتفي بما اشرنا عما لم‌نشر و بما ذكرنا عما لم‌نذكر فنقول لما ذكر سلمه الله ضمنا في البيت الاول تقدس هذا الستر و تنزهه عن كل ما ينبغي ( ما لاينبغي خ ) و كل ما يوجب بعدا عن الحق فاراد ان يصرح بالامر الملوح اليه هناك فذكر ان الستر و ان كان من شأنه ان يكون حجابا مانعا عن مشاهدة الوحدة لكونه في اعلي مقامات الكثرة لظهور الحجاب و الستر و من العجب انه مع هذا مقدس منزه عن جميع الرذائل التي اعظمها و اكبرها مشاهدة الكثرات و ملازمة الانيات فهو مع كونه حجابا لايحجب و سترا لايستر ،

رق الزجاج و رقت الخمر فتشابها و تشاكل الامر

فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر

و ذلك لما ظهر فيه من نور الوحدة و مقامات الانس في الخلوة و ان كان في ظلمات الكثرة لان ماء الحيوة في الظلمات فاذا ذقتها تيقنت فيها ان ماء الحيوة في الظلمات و لما كان هذا الستر هو التحفة التي ذكرها ايده الله بتوفيقه في اول القصيدة اتي بضمير المؤنث فقال و تقدست اي تلك التحفة و الهدية عما يقتضيه الامكان و صفاته من الكثرات و الاحوال الغير اللائقة من رذايل الصفات فاذا تنزهت عن العيوب و النقايص مطلقا جمعت لجميع الكمالات و معالي الصفات و فضائل الدرجات مطلقا لوجود المقتضي الذي هو محض الفيض اظهارا لكمال الالهي و رفع المانع الذي هو [ص 100] وجود النقايص و حصول القبايح فاثبت بهذه العبارة ان هذه التحفة جامعة لجميع الكمالات مما يعد في الامكان كمالا عدا ما اختص بالقبر و صاحبه من المآثر الحقيقية و المكارم الذاتية و اما ما عداها كلها ثابتة فيها موجودة عندها و منزهة عن جميع النقايص الامكانية مما يعد في الامكان نقصا سوي نقص الامكان فانه نقص لايكمل و جرح لايندمل الا اذا ذهب الامكان و جاء العيان و ظهر المكنون كما كان فبقوله تقدست اثبت جميع هذه الكمالات في جميع المراتب في كل مقام بحسبه ففي عالم الاجسام قد ظهرت علي نحو ظهور الاشياء في بدو الوجود علي حسب ما اليه يعود في الجنة و مراتبها فان الخلق صاعدون الي ان يصلوا الي الجنة و يتدرجوا في مراتبها و لايصعدون الا الي ما منه نزلوا فاعلي مقامات الجنة التي لا اعلي منها هي وجه المبدء فاذا خلص الشئ عن النقايص بالمرة يصل اليها و هذا الخلاص قد يكون في الدنيا و هو القليل الوقوع النادر الحصول كالاكسير الاحمر بل اعز منه و قد يكون في البرزخ و هو الكثير و قد يكون في القيمة و هو الكل و حيث ان قوله تقدست لم‌يذكر له متعلقا خاصا و التخصيص بشئ دون شئ من غير موجب و دليل غير معقول فوجب ان يكون هذا التقدس عن كل عيب و عايق يمنعه عن الوصول الي اعلي درجته التي تعلق به الفيض الابداعي اولا و لايكون ذلك في الاجسام الا الجسم الظاهر في اعلي مقامات الجنة و اقصي درجاتها و ابلغ مراتبها بحيث نور حورية من حواري الجنة قبل الاطلاع عليها يوهم الشخص انه نور الله و الاجسام في الكينونة الاولي كانت [ص 101] هكذا و انما تغيرت لمكان الادبار و نقص القوابل عن اظهار ما فيها من احكام الامكان و ما يقتضي من الاكوان و الاعيان فاذا تم النقصان و جبر الكسر بفاضل طهارة صاحب البيت الذي اذهب الله الرجس عن اهله و طهره تطهيرا يحكي كمال الاصل و صفته و يظهر علي شاكلته فيرجع الي اعلي ما كان مما اقتضاه الامكان فكان مقدسا عن كل رجس نجس و مطهرا عن كل لوم و خبث لبطلان الطفرة و اقتضاء الوحدة و كذلك ظهور سر التقديس ( التقدس خ ) علي ما ذكرنا في الاجسام يظهر في جميع مراتب الاكوان من عوالم المجردات و مراتب المفارقات فتتصفي و تتقدس و تصل الي اكمل ما يمكن في تلك المقامات العاليات و الدرجات المتعاليات علي حسب ما ذكرنا في صفاء الاجسام حرفا بحرف لان امر الله واحد ماتري في خلق الرحمن من تفاوت .

اشراق و ازهاق - قد لوح الناظم اسعده الله بتوفيقه في هذا البيت الي مقام عظيم و خطب جسيم و سر شريف و معني لطيف و حقيقة من اشرف الحقايق و دقيقة من اجل النكات و الدقايق فاثبت حين نفي و نفي حين اثبت علي حد قوله تعالي مارميت اذ رميت و لكن الله رمي فرفع الحجاب في عين الحجاب و اثبت النقاب برفع الحجاب و لوح بذلك الي باب الابواب و سبب الاسباب و اختلاف النشئات و حفظ المراتب و المقامات و الي لزوم كل احد مقامه و لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لقتله لحفظ ايمانه و الي ان طرق التوحيد بعدد انفس ( انفاس خ ) الخلايق و تفاوت الدرجات في العلم و اثبت ان فوق كل ذي علم عليم و [ص 102] انه ما منا الا و له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون و انه ماقدروا الله حق قدره و الارض جميعا قبضته و السموات مطويات بيمينه و الي ثبوت مقام هو توحيد لطائفة و شرك بالنسبة الي طائفة اخري و معذورية جماعة في المعرفة و عدم معذورية آخرين و الي مفاد قول سيدنا الصادق عليه السلام لو لم‌يقبل منهم حتي يكونوا مثلكم فلايقبل منكم حتي تكونوا مثلنا و الي قول سيد الساجدين عليه السلام :

و رب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا

و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما يأتونه حسنا

و الي قول رسول الله صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم لم‌يبلغ الرجل كمال الايمان حتي يشهد الف صديق بانه زنديق و غير ذلك من الاطوار و العلوم التي لاتحصي كثرة فلله دره من ناظم و مبين و من ملوح متقن و من طبيعة مستقيمة تجري علي هيئة اعتدالية و تجذب العلوم الحقيقية و الاسرار و تظهرها صفوا بلا اكدار ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الاشارة الي بيان ما ذكر مجملا انه سلمه الله جعل سترا قد جلل قبرا دفن فيه المدثر المزمل مقدسا و منزها عن كل عيب و نقص و لا ريب ان الكثرة و الاختلاف و تعدد الجهات و الكيفيات و الكميات من اعظم النقايص فيكون هذا الستر المكرم مقدسا و منزها عن جميع ما لايرجع الي المبدأ الحق فحركته دائما علي القطب لا المحور في سيره في مقامات الترقي الي ان يصل الي مقامات وجوده مقام غيبه و شهوده و ظهوره بلا كيف و لا اشارة و استماعه بلا لفظ و لا عبارة فيدور علي نفسه [ص 103] فيصحو له العلوم ( المعلوم خ ) بعد محوه الموهوم فيهتك الاستار لمشاهدة نور الانوار و ظهور سر الاسرار و قد ظهر هذا السر المجلل بالسر فيه لانه جلل قبرا فيه المدثر و المزمل صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم فالمزمل تعين و هو حجاب و المدثر تعين علي تعين و حجاب علي حجاب و ستر علي ستر و القبر خفاء و استتار و الدفن عدم بروز و اظهار مقام الكنز المخفي و السر المختفي و الجلال ستر اغلظ الحجب و هذه الاستار و الحجب اقتضت كشف الاستار و ظهور الانوار و التقدس و التنزه عما يوجب الاكدار بذكر الاغيار و هذا من اغرب الغرائب و اعجب ( ابعد خ ) العجائب و بيان هذا الاجمال و شرح هذا المقال علي جهة الاشارة ان المرايا و المجالي اذا تقابلت و ترتبت و تعددت ففي كل المتأخرة منها اشراق من المتقدمة هي جهة مبدئها و وجه علتها و اعلي ما عندها و اقصي مقام وحدتها و كثرتها انما تكون بالاقتران بانيتها و هي الحدود الموجودة في المرآة من الصغر و الكبر و الاعوجاج و الاستقامة و البياض و الحمرة و الصفرة و السواد و الكدورة و غيرها من الحدود فبالنظر الي هذه الحدود متكثرة و بالنظر الي المرآة التي قبلها و فوقها و ما يشرق منها فيها واحدة وحدة مايمكن لها ادراك وحدة غيرها و ذلك الاشراق اشراق تعين ما في المرآة العليا و مقام كثرة تلك المرآة فلو نظرت بها الي مبدئها اشركت و كثرت و لو نظرت السافلة بها وحدت و ( لو خ ) لم‌يوحدها بها كفرت فلايزال ما عند السافلة كفر بالنسبة الي ما عند العليا و توحيد بالنسبة الي نفسها و اعلي مقامات التوحيد بالنظر الي الاسفل منه ففي كل مقام [ص 104] شرك و توحيد و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون ففي المرآة الاولي صورة واحدة و في الثانية مرآة و صورتان و في الثالثة مرآتان و ثلثة اشباح و في الرابعة ثلث مرايا و اربعة اشباح و في الخامسة اربع مرايا و خمسة اشباح و هكذا الي ما لا نهاية له ففي كل مقام كثرة و وحدة بالنسبة الي الاعلي او ( و خ ) الاسفل فمقام تقدس السفلي و تنزهها مقام تعين و كثرة الاولي بل السفلي انما تحكي في عين توحيده مقام تعين العليا و كثرتها و هو قوله تعالي سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و لما كانت الحقيقة المحمدية هو التعين الاول فلما تمت حدوده و جهاته اشرق عنها بالاشراق المتصل التعين الثاني الذي هو قبرها و حجابها و لما تم التعين الثاني بحدوده و جهاته اشرق عنه الستر فالستر اعلي مقامات تقديسه و تنزيهه لاستشراقه عن ذلك النور ادني مقامات تعين و تكثر الحقيقة المقدسة صلي الله عليها ففي التعين الاول هو المزمل و في التعين الثاني هو المدثر فان الدثار ثوب علي الشعار فيكون في الحجاب الثاني و في التعين الثالث اختفت تلك الكنوز و تعجمت تلك الرموز فصارت في قبر لايسافر قاطنه و لاينتقل الي العالم الاول ساكنه و الستر قد استشرق من وراء الحجاب و وقف علي الباب و يغشي ( تغشي خ ) ذلك الجناب و صار قشرا لذلك اللب الذي هو لب اللباب فتقدس و تطهر عن كل شئ يعوقه عن ذلك الجناب فبذا صار القشر لبا و الفرع اصلا و الرشح بحرا و الذر نورا لما عداه من الاطياب و هو و ان كان واحدا بالنسبة اليه و ما تحته لكنه متكثر [ص 105] و متشعب بالنسبة الي تمام تعين الاول و الثاني و الثالث فالمزمل الذي هو التعين الاول له مراتب و مقامات المقام الاول في المقام الاول و العلامة الاولي و الآية الكبري و النقطة و الرحمة و السر المجلل بالسر و الباطن و الغيب المطلق مقام اللاهوتية المقام الثاني في المقام الثاني و العلامة الثانية و الآية العليا و السر المستسر و الالف التي لا نهاية لطولها بدوا و عودا و العماء المطلق و الباطن من حيث هو باطن المقام الثالث في المقام الثالث و العلامة الثالثة و الآية العظمي و سر السر و باطن الظاهر و الحروف العاليات و السحاب المثار من شجر البحر المقام الرابع في رابع المقامات و الآيات الظاهرات و البينات الواضحات و الكلمة التامة و السر و الظاهر من حيث هو ظاهر و الوجود المطلق و الحق المخلوق به و المفعول المطلق و النفس الرحماني الاولي و الاسم الذي استقر في ظله فلايخرج منه الي غيره و عالم فاحببت ان اعرف المحبة الحقيقة و المودة الواقعية الالهية رتبة الواحدية بحر الاحدية طمطام يم الواحدية الاختراع الاول كهيعص الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و الاسم الذي صلح به امر الاولين و الآخرين و الكلمة ( كلمة خ ) التقوي و الشجرة الاولي و القلم الاعلي و باتمام هذا المقام الرابع تم التعين الاول فتزمل بهذا الثوب و كان به اليه الاوب و اما المدثر فبعد ان تزمل بهذا الثوب الدائم الذي لايبلي و لاينفد و لايعتق و لايخلق بل كلما ازداد المدي ازداد بهاء و اشراقا و سرورا و وفاقا تدثر باثواب اخر [ص 106] الاول الثوب الابيض في الحجاب الابيض في اللؤلؤة البيضاء الثاني الرداء الاصفر في الحجاب الاصفر و ارض الزعفران و هو ثوب اصفر فاقع لونها تسر الناظرين الثالث الثوب الاخضر في حجاب الزمرد في مقام اللوح المحفوظ الرابع الثوب الاحمر في الحجاب الاحمر في مقام الياقوتة الحمراء التي غلظها غلظ السموات و الارضين الخامس الثوب الكمد المغموس في بحر المداد المنفجر من صاد الصمد الجاري من تحت جبل الازل الي الابد و هو الماء الذي منه كل شئ حي دهر السرمد السادس الثوب الاخضر عميق الخضرة في حجاب الاظلة في مقام الزمردة الخضراء في حوصلة الطير الاخضر ذلك طير القدس الطاير في هواء الانس الذي وكره فوق جبل الملكوت متنزلا الي اعلي الملك السابع الثوب الازرق المائل الي البياض كلون السماء الحجاب الاخضر وراء جبل قاف فلما تمت هذه الاثواب و تدثر بها ذلك الجناب اوحي اليه رب الارباب يا ايها المدثر قم فانذر لان المقام مقام الكثرة المقتضي للخوف الحاصل من الانذار و ربك فكبر لان الكبرياء ظهور الحق في عالم الاجسام ذات النقش و الارتسام و ثيابك فطهر هذه التعينات لتراكمها و تزاحمها و غلظتها تحمل اوساخ الادبار المقتضية لتطهيرها فصدع صلوات الله عليه بما امر و ادي ما حمل و حفظ ما استودع و ادي الامانات الي اهلها و اتقن الامور بحلها و عقدها الي ان جاء نصر الله و الفتح و رأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا فآن اوان خلع ذلك الجلباب و التوجه الي ذلك الجناب و ايداع تلك الاثواب قبرا مطهرا عن الاكدار و [ص 107] مقدسا عن الاغيار فجلل الستر الشريف ذلك القبر المنيف فتطهر بفاضل تطهيره و تقدس بفاضل تقديسه فصار مقدسا لاجل كونه سترا لذلك القبر و قد اعتني صاحبه بتطهيره امتثالا لامر ربه حيث امره بقوله تعالي و ثيابك فطهر فاشار الناظم وفقه الله و سدده الي تلك الدقايق ملوحا الي تلك الحقايق موميا الي هذا المقام و مبينا لهذا المرام باستقامة فطرته و اعتدال طويته فقال :

و تقدست اذ جللت جدثا ثوي في لحده المدثر المزمل

و قدم المدثر علي المزمل اشارة الي قوس الصعود و ابانة عن وجه الشهود و تحقيقا لسر العابد و المعبود و الا فالمزمل مقدم علي المدثر اما رأيت ما عقب الله سبحانه بعد ذكرهما بما يناسب مقتضي مقام كل منهما فتعرف بذلك ان القيت السمع و انت شهيد مقامهما و قد قال تعالي في المزمل قم الليل الا قليلا نصفه او انقص منه قليلا او زد عليه و رتل القرآن ترتيلا انا سنلقي عليك قولا ثقيلا ان ناشئة الليل هي اشد وطأ و اقوم قيلا و في كل ذلك يريد سبحانه منه صلي الله عليه ( و آله خ) و سلم خلع الاضداد و رفع الانداد و ازالة الاغيار و ازاحة ظلمة الاكدار و التوجه الي الوحدة الحقيقية في الليل و النهار و السير في الاسماء و الصفات و سائر الاطوار و اين هذا المقام في ( من خ ) قوله تعالي في المدثر قم فانذر و ربك فكبر و ثيابك فطهر و الرجز فاهجر و كل ذلك تكليف بالنزول الي مقامات الخلق و شتان ما بين الصعود و النزول فشتان ما بين المدثر و [ص 108] المزمل و لذا فسرنا الاول بالتعين الاول و الثاني بالثاني و كم من خبايا في زوايا و كم من امور في الصدور لم‌يؤذن لنا في ابرازها علي السطور ،

و لما شربناها و دب دبيبها الي موضع الاسرار قلت لها قفي

مخافة ان يعلو علي شعاعها و يطلع ندماني ( ندمائي خ ) علي سري الخفي

و لما وصف سلمه الله تعالي هذا الستر بالتقديس و التطهير و اجتماعه لجميع الكمالات و تنزهه عن رذائل السمات و الصفات فكان ببركة ذلك القبر المقدس جامعا لجميع الكمالات اذ ظهر فيه سر كمال صاحب القبر بحيث كل كمال دون كماله و كل جمال تحت جماله فالموجودات حيث انها بفطرتها تطلب الكمال طفقت تطلب الكمال منه فابتدأ بذكر اشرف الاشياء و اعلاها و اكملها و اقويها و مدبرها و مقدرها و مسخرها و انه يطلب من باب طلب المحال ان يكون بمحل ذلك الستر ليستشرق بذلك النور ليتم له السرور و يستولي في الظهور فيكون له نور فوق كل نور فقال ايده الله و سدده :

فاشتاق ستر العرش لو بمحلها يوما علي تلك الحظيرة يسبل

اقول : العرش له اطلاقات كثيرة يجمعها معنيان احدهما كل عال محيط بالسافل و ممد له بحيث لايكون في تلك المرتبة اعلي منه و لذا يقال للفلك الاطلس محدد الجهات عرش لاحاطته بجميع الاجسام و استمدادها جميعا منه لانه مظهر التدبير و التقدير و التسخير و ليس فوقه من الاجسام شئ فالعرش في كل مرتبة يكون هكذا لا كل عال بالنسبة الي سافله فلايقال للسموات عرش و قد اشتق من العريشة و هو ( هي خ ) السقف [ص 109] و هو اعلي ما في الدار فالعرش ليس فوقه شئ من جنسه و لذا كان مستوي الرحمن و منبع الاحسان و ينبوع الامتنان و ثانيهما مقر السلطنة و سرير المملكة و تخت الدولة الظاهرة عليه آثار السلطنة و القدرة كما في قوله تعالي من يأتيني بعرشها قبل ان يأتوني مسلمين فبالنظرين و اجتماعهما و افتراقهما اختلفت اطلاقات العرش و يجمع الكل قوله تعالي الرحمن علي العرش استوي ، فالاول من اطلاقات العرش الاختراع و الابتداع و الوجود المطلق لانه مبدأ الكل و لا رتبة فوقه و الله سبحانه تعالي لايتصل بشئ و قد ورد عن اهل البيت عليهم السلام في وصفهم خلقكم الله انوارا فجعلكم بعرشه محدقين و هو العرش الاعظم لان محمدا صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله و هو قبل الاجسام و الجسمانيات و الارواح و الروحانيات و البرازخ و مواقع الارتباطات مع ان خاتم الانبياء كان نبيا و آدم بين الماء و الطين و خاتم الاولياء كان وليا كذلك و الماء ماء الوجود و الطين تراب الانية فافهم فيكون هذا العرش هو الاختراع الاول لا غير و الثاني الحقيقة المحمدية و الحضرة الاحمدية و هو العرش مستوي الرحمن و مبدء الوجود و اول مقام الشهود و هو مقام المفعول المطلق لاشتقاقه من الفعل علي ما هو الاصح المختار من ان المصدر مشتق من الفعل فهو العرش العظيم و خاتم الولاية المطلقة الكرسي الرفيع و الثالث العقل الكلي و النور المحمدي صلي الله عليه و سلم لاحاطته علي جميع الوجودات المقيدة كافة و هو مقام المفعول به بعد المفعول المطلق في الوجود الاول [ص 110] الرابع الدين لقوله تعالي و كان عرشه علي الماء و الماء هو العلم في الزمان او الوجود من حيث هو بتفسير ان العرش الاختراع الاول و قد قيل لاميرالمؤمنين عليه السلام كم بقي العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض قال اتحسن ان تحسب قال بلي قال عليه السلام اخاف ان لاتحسن قال بلي يا اميرالمؤمنين قال ( عليه السلام خ ) لو صب خردل حتي ملأ الفضاء و سد ما بين الارض و السماء ثم لو عمرت مع ضعفك و كلفت ان تنقل حبة حبة من المشرق الي المغرب حتي ينفد لكان اقل من جزء من مأة‌الف جزء مما بقي العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض و استغفر الله عن التحديد بالقليل ، الخامس الطبيعة الكلية و هو تفسير آخر للآية الشريفة المتقدمة و الماء هو المادة الجسمانية و هو بحر لذوبانها و صلاحيتها لكل صورة من الصور الجسمانية و هو البحر الذي من دخانه اي من لطائفه خلق الله السموات السبع و من زبده اي من كثافته الارض ، السادس العلم الباطن و قد نص عليه مولينا الصادق عليه السلام في كلام له الي ان قال ثم العرش في الوصل منفرد عن الكرسي لانهما بابان من اكبر ابواب الغيوب و هما جميعا غيبان و هما في الغيب مقرونان الا ان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب منه مطلع الابداع و منه الاشياء كلها و العرش هو الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحد و الاين و صفة الارادة و علم الالفاظ و الحركات و علم العود و البدو فهما في [ص 111] العلم بابان مقرونان لان ملك العرش غير ملك الكرسي ، السابع كل العالم و هو قوله تعالي رب العرش العظيم اي الملك العظيم علي الوجه الثاني ، الثامن قلب المؤمن كما قيل ان قلب المؤمن هو العرش مستوي الرحمن و هو ايضا علي الوجه الثاني و يحتمل الوجه الاول علي الوجه الاول اذا جعلنا القلب كليا كالعقل الكلي و النور المحمدي ، التاسع الانوار الاربعة كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام العرش مركب من اربعة انوار نور احمر منه احمرت الحمرة نور اخضر منه اخضرت الخضرة نور اصفر منه اصفرت الصفرة و نور ابيض منه البياض و منه ضوء النهار و قد افردنا رسالة في تفسير هذه الانوار الاربعة و العرش مركب منها و العاشر التاسع من الافلاك و هو الفلك الاطلس محدد الجهات الجسمانية منتهي الاجسام و ممدها و خزانة الله للفيوضات النازلة اليها و الحادي‌عشر الوحدانية كما نص عليه سيدنا و مولانا الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالي سبحان الله رب العرش عما يصفون اي رب الوحدانية الثاني‌عشر المثل الاعلي كما في قول سيدنا الصادق في تفسير الآية المتقدمة رب المثل الاعلي و له اطلاقات اخر يجدها المتتبع في الكتاب و السنة و كلمات العارفين بالله و العلماء بالعلوم الحقيقية .

تنبيه - و اذ قد اعطيناك اصلا كليا في العرش و الاصل لهذا الاطلاق فلك ان تصرف لفظ العرش في جميع الاطوار التي تجد ما ذكرنا من الوجهين [ص 112] فاذن يصح اطلاق العرش في كل اصل اول تشعب منه الفروع فعلي مبدء كل عالم من عوالم الامكان يقال له عرش و علي كل مظهر من مظاهر الوجود الظاهر به السلطنة الكبري يقال له عرش ايضا فاذن لا حصر لاطلاقات العرش و ما عددناه من اطلاقاته هنا فهو ما وجدنا من اطلاقات الكتاب و السنة و عبارات العارفين علي الحقيقة فتنبه فلو اردنا من الستر الستر الظاهر المعروف فيكون المراد من العرش العرش الجسماني او غيرها من سايرها ماعدا الحقيقة المحمدية و لواحقها من العقل الكلي و النفس الكلية و الطبيعة الكلية و امثالها فان هذا الستر بالنسبة العرضية من جهة هذه النسبة خاصة اكتسب شرفا و كمالا وجوديا يشتاق جميع العوالم لان اشتياق الاصل يعم اشتياق الفروع كلها فاشتياق العرش في كل عالم دليل اشتياق جميع المراتب في ذلك العالم و بالجملة اشتاقت الاشياء كلها ان تكون بمحله في وقت ما حتي يحصل له نوع اختصاص لتنال به هذا الشرف الاعظم و الفخر الاقوم لان مدار الوجود علي خاتم النبوة و الولاية و كل ما انتسب اليهما و استشرق من نورهما و حصل له اختصاص بهما يحصل له الفخر الباذخ و الشأن الشامخ كل شئ يرومه و كل احد يتوقعه و اما اذا عممت القبر و الستر و صرفتهما الي المعاني التي ذكرت للقبر علي تلك التفاصيل التي شرحت فالكل في كل مقام و في كل عالم يدعي هذا الاشتياق و يتألم من هذا الفراق و يطلب من الله سبحانه هذا الاتفاق و لايناله اذ كل شئ له مقام معين و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون نعم يطلبونه من حيث الامكان علي حد قول الشاعر :

[ص 113]

الا ليت الشباب يعود لنا يوما فاخبره بما فعل المشيب بنا (كذا)

و من هذه الجهة اتي الناظم ايده الله و وفقه في الشرط بلو الامتناعية في قوله لو بمحلها و لو حرف امتناع و الامتناع فقد يكون ذاتيا كما في قوله تعالي لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا و قد يكون عاديا كما في هذه الاشياء في بعض الصور و قد يكون كونيا كما في هذه الاشياء اي الموجودات الكونية بعد لزوم الحدود و التعينات و وقوع كل شئ في مرتبة من المراتب بالنسبة الي القبر و الستر علي حسب التفصيل الذي ذكرناه من عدم امكان الدنو في اكثر المراتب من القبر و الستر في الاكوان دون الامكان ثم ان العرش قد ورد عن النبي صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم ان له ثلثمائة‌الف و ستين‌الف ركنا و خلق الله سبحانه و تعالي عند كل ركن ثلثمائة‌الف و ستين‌الف ملك اصغرهم لو امر ببلع السموات السبع و الارضين السبع كانت في لهواته اصغر من الخردلة في البرية الواسعة فامرهم الله سبحانه بان يحملوا العرش و عجزوا عن ذلك ثم جعل الله سبحانه و تعالي عند كل ركن ضعف ما كان و امرهم بحمل العرش فعجزوا ثم خلق عند كل ركن عشرة اضعاف ما كان فامرهم بحمله فعجزوا ثم قال لهم تنحوا عنه فاني امسكه بقوتي و قدرتي فتنحوا عنه ثم امر اربعة من الملائكة ان يحملوا بعد ان علمهم كلمات ليخف علي كواهلهم و هي بسم الله الرحمن الرحيم لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطيبين و كانت حملة العرش اربعة و يوم القيمة ليصيرون ثمانية و الوجه في ذلك ان الاسم الذي خلقه الله [ص 114] بلا كيف و لا اشارة جعله في مقام التعين ثلثة اجزاء عالم الجبروت و الملكوت و الملك و لما كانت هذه المراتب حادثة مااستغنت كل مرتبة عن اربعة اركان الخلق و الحيوة و الرزق و الموت كما قال تعالي الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و المخاطب عام فاذا لوحظت الاركان الاربعة في العوالم الثلاثة كان المجموع اثني‌عشر ثم كل مرتبة من هذه المراتب المذكورة حيث ان الله خلقها اظهارا لقدرته و اكمالا لنعمته و اتماما لحجته سار بها في ثلثين عالما و جعل له من كل عالم قبضة فقبضة من الامكان و قبضة من الوجود المقيد و قبضة من العقل و قبضة من الروح و قبضة من النفس و قبضة من الطبيعة و قبضة من المادة و قبضة من المثال و قبضة من الاجسام و قبضة من الاعراض و لكل منها ثلث مراتب الاعلي و الاوسط و الاسفل و هو تمام الثلثين و اذا لوحظ الثلثون في اثني‌عشر يكون الحاصل ثلثمائة و ستون و لما كان العرش ممدا لهذه العوالم كلها كان فيه وجها منها فمن هذه الجهة كانت اركانه ما ذكر و اما ترقيها الي الالوف لان العرش من العالم الربوبي و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون الا تري ان العرش مستوي الرحمن و سقف الجنان و انما كان ما ينسب الي الرب الفا لان العوالم اربعة عالم الملك و عالم الملكوت و عالم الجبروت و عالم اللاهوت و مراتب الاعداد اربعة الآحاد و العشرات و المئات و الالوف فاذا جعلت كلا منها بازاء الآخر يكون الالف بازاء عالم اللاهوت و هو عالم الربوبية و لما كان العرش من ذلك العالم كان عدد اركانه ثلثمائة‌الف و ستون‌الف ركنا و اما [ص 115] الحملة الذين هم الملائكة فهم حملة الروابط و النسب الجزئية للاضافات من وجه الفعل الجزئي و لا ريب ان النسب يتكثر ( تتكثر خ ) اذا تعددت المراتب فاذا كانت جميع الاركان ما ذكر كان اول النسب ملاحظة كل في الكل فيكون في كل ركن بعدد المجموع من الملائكة و لما كانت النسب كلما تكررت يتضاعف ( تتضاعف خ ) فلايسع لحامل البعض ان يحمل الكل فلا جرم عجزوا عن حمله ثم ثاني التفصيل و الكثرة رتبة العشرات فضعف الله سبحانه ( و تعالي خ ) كل مرتبة عشرا فصار المجموع ما سمعت ثم لما تضاعف النسب تحصل نسبا اخري من هذه التضاعيف و الحامل للبعض عاجز عن حمله ( حمل خ ) الكل فعجزوا و لما كانت الجزئيات لاتتناهي و نسبها ايضا كذلك فلاتنتهي الي حد و يحصل العجز و ان بلغ عدد الملائكة الي ما لا نهاية له فنحاهم الله سبحانه عن حمل المجموع و جعل الاربعة من الملائكة الكلية بتقويتهم بتلك الكلمات العاليات و الاسماء العظام حاملا له فكانت حملة العرش اربعة و لما كان يوم القيمة من هذا العالم و هذه الدنيا لايعدم ( تعدم خ ) وجب ان تكون حملة العرش يوم القيمة ثمانية اذ يحصل لكل من الملائكة الاربعة وجهان وجه للدنيا و وجه للآخرة .

كشف حجاب في الستر و الحجاب - اعلم ان الحجاب هو الواسطة بين المحجوب و المحجوب عنه كالستر الذي واسطة بين المستور و المستور عنه ففي السلسلة العرضية كل سافل مستمد من عاليه ممد الي غيره بذلك المدد من غير تصرف و ترجمة حجاب و ستر و في السلسلة الطولية كل وجه من وجوه الفعل حامل لفيض من الفيوضات الفعلية الي [ص 116] الآثار حجاب و ستر فعلي هذا فالستر في كل عالم بالنسبة الي كل مقام يختلف اختلافا لايسعني الآن شرح تفاصيله و نذكر ما هو المهم فنقول ان ستر العرش هم الحملة الذين يتلقون من المدد المخزون في العرش حين استواء الرحمن عليه الي جميع مراتب من دونه و هذه الاستار و ان كانت بعدد الاركان الثلثمائة و الستين‌الف الا ان كلياتها اربعة فالستر الاول ثوب احمر نسج من ريش جناح جبرائيل و ناسجه الروح علي ملئكة الحجب في الوجه الاسفل باسم الله القابض في حجاب الياقوت و باب الملك و منتهي الملكوت الستر الثاني ثوب اخضر نسج من ريش جناح عزرائيل و ناسجه الروح علي ملئكة الحجب في الوجه الاعلي و هو النفس التي لايعلم ما فيها عيسي و هو ذات الذوات و الذات في الذوات للذات و هو شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لم‌يشق ابدا و من جهلها ضل و غوي و صبغ في ارض الزعفران في حجاب الزمردة الخضراء عند الجسد الجديد و الملك الذي لايبيد و هو قبضة من ارض الشام الستر الثالث ثوب اصفر نسج من ريش جناح اسرافيل و ناسجه الروح من امر الله و صبغ بماء الذهب في ارض العرب و بشئ يشبه البرقا عند تغريد الورقاء الستر الرابع ثوب ابيض نسج من ريش جناح ميكائيل و ناسجه الروح القدس في الماء الغير الآسن و الابيض الغربي اشبه الاشياء بالزيبق و ماء ذي الوجهين كوكب زحل قد صبغ بقبضة من ارض مصر بعد ما ينفخ عليه بريح [ص 117] الجنوب و هذه الاربعة كليات استار العرش كل واحد منها له سبعون‌الف شقة و كل شقة يسع استظلال الخلايق به اجمعين و افرد الناظم وفقه الله الستر مع انه متعدد اشارة الي نوعه فلاينافي تعدد الافراد فستر العرش اربعة و ثلثمائة‌الف و ستون‌الف و عشرون‌الف و سبعمائة‌الف ( و سبعمائة‌الف و عشرون‌الف خ ) و سبعة‌آلاف‌الف و مأتاالف و اربعة منها كليات و الباقي جزئيات اضافية و لا حصر لجزئياتها الحقيقيي و هذه الاستار مسدولة علي العرش مسبلة عليه قد تغشاه كل ستر في محله و مكانه و تلك الاستار لما نظرت الي تلك الشرافة العظيمة التي حصلت هذا الستر الكريم المجاور لقبر النبي العظيم صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم قد جمع بتلك المجاورة جوامع الخيرات و نال بها كل المسرات و ساد بها علي كل سيد من السادات من العلويات و السفليات فاشتاقت تلك الاستار ان تسبل و لو يوما علي تلك الحظيرة القدس و مهوي الافئدة من الملائكة و الجن و الانس و لتنال بعض ذلك الشرف و لترقي الي بعض المراقي الصاعدة الي تلك الغرف و هيهات و اني لها ذلك و اين الثريا من يد المتناول فاذا فهمت حقيقة العرش و استاره فعمم الحكم في جميع معانيه و اطواره ملاحظا لمعاني القبر و معاني الستر علي ما فصلنا لك سابقا تجد نورا لايطفي و كنزا لايفني و بدرا لايخفي و لايسعنا الآن تفصيل ذلك لكنك تعرفه من تضاعيف الكلام علي حسب المقام .

تنبيه - هذا كله بالنسبة الي كون الاضافة في ستر العرش لامية و اما بالنسبة الي كونها بيانية فيكون العرش احد الاستار لانه حجاب لخاتم الولاية [ص 118] في افاضة الفيوضات الكونية و العينية علي جميع الذرات فتمني العرش ان يكون في الفرش بمنزلة ذلك الستر المسبل علي ذلك القبر صلي الله علي الحال فيه و لما بين الناظم وفقه الله تعالي ان ذلك الستر قد بلغ من الكمالات اقصاها و من المعالي اعلاها اراد ان يبين العلة في ذلك بانه قد ظهر فيه ظهور سر النبوة المطلقة و هي عامة شاملة لجميع الذرات و لذا اشتاق كل عال و ان جلت فضائله و عظمت مناقبه ان يكون بمحله لظهور سر النبوة في كل اطوار ( الاطوار خ ) و هو يقتضي الاستعلاء علي كل الاكوار و الادوار فيتمني كل شئ ان يكون بمحله و لايتمني هو ان يكون بمحل شئ تلك هي الشرافة البالغة التي بلغت حدها و وصلت غايتها فقال ايده الله بتوفيقه :

نشرت ففاح من النبوة نشرها ما المسك ما نفحاته ما الصندل

اقول : يعني نشرت تلك التحفة و الهدية التي هي الستر المكرم و الحجاب المعظم و فصلت و سطعت انوارها و فاحت روائحها فكان نشرها اي طيب رائحتها من النبوة التي تلزمها الولاية التي كل رائحة طيبة من بعض اطوار طيب رايحتها فلايعادلها بل و لايدانيها رائحة طيب من طيب الدنيا و الآخرة و قد روي عن النبي صلي الله عليه و آله و سلم انه قال لو علقت شعرة من شعور الحور العين بين السماء و الارض لمات اهل السموات و الارض من طيبها و حسن رائحتها و رائحة النبوة و طيبها اعظم و اعظم و النبوة وساطة و ترجمة عن الله سبحانه و تعالي الي ما عداه يحملها بشر جسماني تعلق به نور روحاني و سر سبحاني و علم [ص 119] لدني و وجه صمداني فان كان في تعلق الاختراع و الابتداع و المشية و الارادة و القدر و القضاء و الامضاء فهي نبوة تكوين و ان كان في الاحكام العملية و الافعال القولية و الجوارحية و التكاليف القلبية و البدنية فهي نبوة تشريع و كل منهما خاصة و عامة لان تلك الوساطة ان كانت مختصة في تكوين اشياء خاصة لايتعداها فهي نبوة تكوينية خاصة و ان كانت شاملة لكل الاطوار في الاكوار و الادوار و الاوطار في جميع العوالم الالف‌الف بحيث لايشذ ذرة من الذرات الوجودية من العلوية و السفلية و الغيبية و الشهودية و المجردية و المادية و غيرها فهي عامة مطلقة واسطة في الصدور و الاثبات لانها صفة التعين الاول قد ظهر بنوره و ظهوره في كل شئ من الاشياء و موجود من الموجودات يتلقي الفيض من اللاتعين و يوصله الي جميع الموجودات في السلسلتين الطولية و العرضية فيلقي الفيض اولا عن الله الي طبقة الانبياء و هم مائة‌الف و اربعة و عشرين‌الفا ( عشرون‌الف خ ) ثم بواسطة الانبياء الي حقيقة الرعية و هو اطوار الانسان الذي علم البيان ممن يجري عليه الامر و النهي و تنفي عنه المتبوعية ثم يلقي بالواسطتين الي حقيقة الجن من حيث الاجمال و التفصيل بجميع ما تحتاج اليه من حيث نوعها و صنفها و شخصها من الاطوار التكوينية و الاضافات ( الافاضات خ ) الوجودية ثم يلقي عن الله بالوسايط الثلث الي الحيوانات من البهائم بالاجناس المختلفة و الانواع المتعددة و كذا الحشرات باجناسها و انواعها و اصنافها و اشخاصها و الطيور بمراتبها و اختلاف اجناسها و انواعها و اشخاصها و هيئاتها و اوضاعها ثم يلقي عن الله [ص 120] الوحي التكويني بالوسايط الاربع الي النباتات من اقسام الاشجار المثمرة و غير المثمرة باختلاف اغصانها و عروقها و اثمارها و اوراقها و استقامتها و اعوجاجها و كثرة اغصانها و قلتها و ما يتعلق بها من نموها و ذبولها و سقوط ورقها و صلاح ثمرها و فسادها و غير ذلك من اطوارها ثم يلقي بالوسائط الخمس الي الجمادات من المعادن و غيرها من المايعات و الجامدات و المنطرقات و غير المنطرقات و الجواهر الثمينات و غيرها من ساير المعدنيات و كذا غيرها من الجمادات و الاحجار الغاسقة من الكبار و الصغار و الرمل و ساير المتولدات كل ذلك من الله سبحانه بواسطة النبي صلي الله عليه و سلم بهؤلاء الوسايط فالوساطة و الترجمة و ايصال كل فيض الي محله المقصود عن الله سبحانه هي النبوة التكوينية و هذه المراتب المذكورة هي السلسلة الطولية كل ثانية منها اشراق و شعاع من الاولي و كل هذه الاشراقات و الاشعة من فاضل اشراق و شعاع النبي المطلق صلي الله عليه و سلم و في كل من هذه السلسلة افلاك و عناصر و متولدات و للافلاك جوزهرات و تداوير و خوارج المراكز و الحوامل و ما يترتب عليها من الآثار و ما يتفرع علي قراناتها من الاضواء و الانوار من احكام الليل و النهار فالنبي المطلق الموحي اليه عن الله سبحانه يفيض تلك الفيوضات الي محالها و مواقعها و يمكن القابليات لقبولها فهي باب الله الي الخلق في الافاضة من اطوار الاكوان و الاعيان و مستجنات الامكان و الوساطة العامة في هذه الاطوار المذكورة و الغير المذكورة هي النبوة التكوينية و التصرف فيها علي حسب ما يراه مما اراه الله سبحانه [ص 121] و اعطي ( اعطاء خ ) كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه و اظهار السلطنة و اعلاء الكلمة و اثبات الهيمنة العامة و الخاصة هي الولاية العامة و الخاصة و لذا قال تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد فالنبوة هي الانذار و الولاية هي الهداية بالمعنيين اي الارائة و الايصال الي المطلوب فخاتم النبوة هو المنذر و خاتم الولاية هو الهادي كما جائت في الآثار الصحيحة بطرق متعددة عن النبي صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و اما النبوة التشريعية فهي وساطة في الاحكام مما يقتضي كينونة العباد من حيث عبوديتهم ان تكون عليها لتدل علي باريها و صانعها و تشهد له ببلاغ الحكمة و تمام الحجة و هذه قد تكون عامة و قد تكون خاصة اما الثانية فهي اذا كانت متعلقة باشخاص مخصوصين لاتتعدي عنهم الي غيرهم كما كانت نبوة ساير الانبياء سوي نبينا صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم و نبوة نوح (ع) و اما ما سواهما فمختصة باناس مخصوصين كما كان ابرهيم عليه السلام مبعوثا علي اربعين بيتا و لوط مبعوثا علي اهل المداين السبع و موسي (ع) و عيسي (ع) فانهما مبعوثان علي بني‌اسرائيل خاصة و هكذا ساير الانبياء و كان يتفق في زمان واحد انبياء متعددين كما ان بني‌اسرائيل قتلوا سبعين نبيا بين طلوع الفجر و طلوع الشمس و قتل كيخسرو ملك العجم كثيرا من الانبياء و هذا شئ معلوم و اما العامة فان تعم النبوة جميع الموجودات ممن يصلح لان يتعلق عليه التكليف من البالغ العاقل المختار و قد بينا في ساير اجوبتنا للمسائل و مباحثاتنا بالادلة القطعية من العقلية و النقلية ان كل شئ من الجمادات و النباتات لها ( له خ ) شعور و ادراك و عقل علي حسب حاله و مقامه فيكون تكليفه [ص 122] علي حسبه اماسمعت ان الله سبحانه يقول و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و لو كان تسبيحا بالحال و الكينونة و دلالة الاثر علي مؤثره لماصح قوله لاتفقهون لان دلالة الاثر علي المؤثر و الحادث علي القديم و العاجز علي القوي و المعدم علي الغني من اوضح الواضحات بل من ابده البديهيات فمابقي الا تسبيح خاص بشعور و اخلاص لايدركه عامة الناس و قوله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا و لا ريب ان الاباء و الاشفاق مع عدم العلم و الشعور كذب محض و زور صرف ينزه كلام الله سبحانه عنه مع عدم موجب علي تكلف التجوزات و تجشم الاستدلالات بانواع المجازات و قوله تعالي ثم استوي الي السماء و هي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين و لا ريب ان هذا الطوع يضاد الكراهة بنص الآية و لاتكون الطاعة الا بشعور و علم كما يكون ( تكون خ ) الكراهة كذلك انظر الي دقيقة قوله تعالي طائعين و الا لقال طائعات و قوله تعالي ظلالهم عن اليمين و الشمائل سجدا لله و هم داخرون و لم‌يقل هي داخرة و قوله تعالي حكاية عن يوسف اني رأيت احدعشر كوكبا و الشمس و القمر رأيتهم لي ساجدين و لم‌يقل رأيتها لي ساجدة و قوله تعالي و كل في فلك يسبحون و لم‌يقل سابحة و امثالها من الآيات اذا تتبعتها في القرآن تجد اكثر من ان تحصي و اعلي من ان تستقصي و قد ذكر سيد الساجدين في الصحيفة يخاطب القمر ايها الخلق المطيع الدائب السريع [ص 123] المتردد في منازل التقدير الي قوله في كل ذلك و انت ( ذلك انت خ ) له مطيع و الي ارادته سريع الدعاء و روي عن النبي صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم في دعائه لحمي يا ام‌ملدم ان كنت آمنت بالله فلاتأكلي اللحم و لاتشربي الدم و لاتفوري من الفم و انتقلي الي من يزعم ان مع الله آلهة اخري فاني اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له و ( اشهد خ ) ان محمدا صلي الله عليه ( و آله ) و سلم عبده و رسوله و الاحاديث في هذا المعني كثيرة و لا داعي لتأويلها اذ لا احد يقول ان شعورها و علمها كشعور الحيوانات الظاهرة بحيث يدركهما كل احد حتي يكون العمل بظاهر اللفظ خلاف حس العقلاء ليجب ارتكاب التأويل و التجوز و بالجملة لسنا بصدد بيان هذه المسئلة و شرحها و انما المقصود الاشارة الي نوعها فنقول اذا صح الاختيار فيصح الشعور فيصح التكليف فلا بد من مكلف فوجب ان يكون علي كل موجود من الموجودات من جميع اصنافها و انواعها و اجناسها بجميع مراتبها و اطوارها نبيا منذرا و علما هاديا يبين له ما يريد الله سبحانه من خلقه و من الاعمال و الافعال علي حسب مقتضي الكينونة الاعيانية و الكونية و الامكانية و لم‌يحظ بعموم هذه النبوة في جميع الازمان من مبدء الوجود الي آخر مراتب الشهود الا محمد صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم فانه قد بعثه الله علي كافة الخلق نذيرا في التشريع لقوله تعالي تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و جعله نبيا علي الانبياء و اوجب عليهم الايمان به لقوله تعالي و اذ اخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و [ص 124] لتنصرنه قال ءاقررتم و اخذتم علي ذلكم اصري قالوا اقررنا قال فاشهدوا و انا معكم من الشاهدين و كذلك بعثه نبيا في التكوين لقوله تعالي يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فاذا كان هو السراج المنير فيجب ان يكون كل ما سواه من اشعة انواره و عكوسات آثاره فهو النور الحق و النبي المطلق و كان نبيا و آدم الاول بين الماء و الطين و عم حكمه في كل الوجود في الغيب و الشهود فالانبياء تلقوا منه من وراء حجاب كما تلقت الكواكب النور من الشمس في الليل من وراء حجاب الارض و لما كانت تحت الحجاب بدت الكواكب و ظهرت و تميزت باشخاصها و صفاتها و آثارها فلما ارتفع الحجاب و انكشف النقاب و طلعت الشمس منخلعة عن الجلباب غابت الكواكب و خفيت اشخاصها و انمحقت اضوائها و انوارها فلا سلطان الا للشمس و لا برهان الا لها و لا عيان لغيرها و كذلك الانبياء لما كانوا مستمدين من نور خاتم الانبياء صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم من وراء حجاب الاصلاب و الارحام ظهرت الانبياء متميزة متشخصة باحكامها و آثارها و لما بزغت شمس النبوة المطلقة من افق ظهور ( الظهور خ ) غابت و خفيت و نسخت احكام الانبياء و لم‌يبق الا حكمه فهو الحاكم علي كل احد من الانبياء و غيرهم الا ان في الانبياء من وراء الحجاب و في غيرهم بعد انقطاعهم بلا حجاب و اليه الاشارة بقوله علماء امتي كانبياء بني‌اسرائيل بناء علي ان المشبه عين المشبه به فيكون المعني علماء امتي انبياء بني‌اسرائيل فالعالم امته و علماء امته الانبياء و انما خص بني‌اسرائيل لكثرتهم و شيوعهم [ص 125] و ظهورهم و الا فجميع الانبياء من آدم و من تحته علماء امته و اليه الاشارة في قوله تعالي لمن يعقل و يفهم و يعرف لحن المقال و يشاهد حقيقة الحال و يعرف وضع كل شئ في موضعه و هو قوله تعالي عباد مكرمون اي الانبياء اكرموا بالنبوة و الطهارة و العصمة و طيب الولادة و كمالات معنوية و صورية لايسبقونه بالقول يعني محمدا صلي الله عليه و سلم لدلالة الحال في لحن المقال و هم بامره يعملون في تكاليفهم و رسالاتهم و تبليغاتهم لانه اذا كان نبيا و آدم بين الماء و الطين فلانسخت نبوته و لاخصت رسالته و هم بامره يعملون في جميع ما لهم و منهم و اليهم و عندهم يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم لانه قد سبقهم فهو قبلهم و بعدهم فهو الفاتح و الخاتم و المبدأ و الوارث و لايشفعون الا لمن ارتضي محمدا صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم ارتضي دينهم و عرفه من امته و رعيته و كان معتقدا نبوته ( بنبوته خ ) لما اخبر من النبي المبعوث اليه ظاهرا فمن لم‌يكن هكذا في جميع الامم و الازمان فلاتناله شفاعة الشافعين لانهم كانوا عن التذكرة معرضين فما لهم من شافعين و لا صديق حميم و هم من خشيته مشفقون اي الانبياء من خشية مخالفة محمد صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم مشفقون لانه باب الله و وجهه و مخالفته مخالفة الله من يطع الرسول فقد اطاع الله و من يقل منهم اني اله من دونه ان قالوا ذلك و ادعوا الاستقلال من دونه فقد ادعوا الالوهية و الربوبية دون الاله الحق جل و علا من قوله تعالي أفرأيت من اتخذ الهه هويه ، و قوله عليه السلام من استمع الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق ينطق عن الله [ص 126] فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان فاذا ادعوا الاستقلال بانفسهم و اعرضوا عن باب الله فقد اتخذوا انفسهم آلهة من دون الله و قال اني اله من دون الله و من قال ذلك و فعل كذلك فذلك نجزيه جهنم و كذلك نجزي الظالمين الذين يضعون الاشياء في غير مواقعها بمخالفة محمد صلي الله عليه و آله الذي هو احمد الذي فرق بينه و بين الاحد بالميم و اما نبوة نوح عليه السلام فهي و ان كانت عامة الا ان عمومها بالنسبة الي اهل زمانه لا في جميع الازمنة فانه من احد رعايا محمد صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) خاتم النبيين و هو الشاهد عليه و دليله الي ربه و المهيمن علي ذلك كله .

تحقيق الهي - اعلم ان الرسالة قد تكون خاصة و الشريعة التي اتي بها الرسول عامة و قد تكون كلتاهما عامتين اما العكس ( عكس خ ) الاول فبان تكون الشريعة خاصة و النبوة عامة فلاتكون ابدا اما القسم الاول فكشرايع ( فكالشرايع خ ) الست فانها عامة في جميع الخلق مع ان نبوة بعض حامليها خاصة كما ذكرنا في ابرهيم و موسي و عيسي و اما النبوة العامة الحاملة للشريعة العامة في زمانه فهي شريعة نوح عليه السلام و اما النبوة الحاملة للشريعة العامة في كل الازمان و الامكنة فخاصة نبينا صلي الله عليه ( و آله خ ) و سلم دون غيره في جميع الاكوان و مغيبات الامكان بجميع الانحاء و الاطوار .

حكمة سماوية و حقيقة الهية - اعلم انه قد سبق منا ان محمدا صلي الله عليه و سلم ( و آله خ ) واقف في مبدأ الوجود فهو اذ ذاك واحد مثال للاحد و الواو لفرق المرتبة و لما كان وجه الاحد و الواسطة فكان متبوعا مطلقا لا تابعا [ص 127] فهو الواحد المتبوع الذي لايتبع احدا و لما سبح في بحر القدرة و بحر الجلالة و بحر العظمة و بحر الكبرياء و بحر الجمال و بحر العزة و بحر الحيوة و بحر القيومية الي تمام اثني‌عشر بحرا الي تمام العشرين و تمت سباحته في هذه الابحر التي هي شعب بحر الاحدية و خلجان طمطام يم الوحدانية قطرت منه مأة‌الف و اربعة و عشرون‌الف قطرة او لما ظهرت فيه حرارة نار الشجرة الزيتونة في رتبة الوساطة المقتضية للرطوبة عرق فبرز منه مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الف رشحة عرق او لما تجلي فيه النور المشرق من صبح الازل اشرق و اضاء فظهر من اشراقه و اضائته مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الف شعاعا او لما كملت ذاتيته و تمت كينونته فضل نوره فانقسم بمائة‌الف و اربعة و عشرين‌الف قسمة و كل هذه الفقرات معناها واحد ،

عباراتنا شتي و حسنك واحد و كل الي ذاك الجمال يشير

و هذه الطبقة الثانية حيث انهم اقرب الاشياء الي المبدأ لا واسطة بين مبدأ الحق و بينهم و لكمال قربهم اضمحلت انياتهم و ذهبت ماهياتهم فلم‌يبق فيهم الا وجه الحق و به كانوا واسطة بينه و بين الخلق فاستحقت تلك الرتبة اسم النبوة لكونها ظهرت علي مثاله و جرت علي شاكلته فجعل الله سبحانه كل قطرة من تلك القطرات و رشحة من تلك الرشحات و ذرة من تلك الذرات و قبسة من تلك القبسات نبيا من الانبياء فكانوا بذلك متبوعين لا تابعين آمرين لا مأمورين كما في قوله تعالي و ماارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله ، و اما ظهورهم بهذا العدد [ص 128] الخاص فاعلم ان الكثرة و الوحدة انما يكونان ( تكونان خ ) علي مقتضي المرتبة و اقتضائها و مقتضي تعلق الايجاد و قابليته و لما كانت رتبة الانبياء رتبة ثانية فهناك ( فهنالك خ ) يعتبر امران احدهما ملاحظة الرتبة من حيث هي و الثاني ملاحظة وجود اهلها في انجعالها و انفعالها عن الاختراع فباللحاظ الثاني يحصل اربعة و عشرون مرتبة لان جهة الكثرة في التعين الثاني اعظم و اكثر و لما كان حدود التعين و جهاتها لاتكون اقل من الستة و هي الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الزمان و المكان و كل من هذه الستة لايتحقق الا في اربع طبايع فاذا لاحظت حدود التعين في الطبايع الاربع كان الحاصل اربع ( اربعة خ ) و عشرين و باللحاظ الاول تحصل مائة لان العشرات اذا لوحظت في نفسها تكون مائة و هذا اللحاظ باعتبار وجود العوالم العشرة في العوالم العشرة لتمام الشئ مشروح العلل مبين الاسباب و هي عالم الامكان الراجح و عالم الوجود المقيد و عالم العقل و عالم الروح و عالم النفس و عالم الطبيعة و عالم المواد و عالم المثال و عالم الاجسام و عالم الاعراض و في كل من هذه العشرة ( عشرة خ ) عوالم عالم القلوب عالم الصدور عالم التعقل عالم العلم عالم الوهم عالم الخيال عالم الفكر عالم الوجود الثاني و هي الحرارة الغريزية و عالم الحياة و عالم المركبات فتمت المائة بمراتبها الكلية الاولية فلما جمعنا هذه المراتب مع مراتب حدود التعين فصار الحاصل مائة و اربعة و عشرون و لما كان عالم الانبياء عالم الربوبي و هما ( هم خ ) الربانيون كان الواحد في مقامهم الفا بالقياس الي غيرهم علي ما ذكرنا في العرش فاقتضي ان يكون عددهم مائة‌الف و اربعة و عشرين‌الفا [ص 129] كل واحد ظهر فيه جهة من جهات هذه المراتب و آثارها و احكامها فبالمجموع تمت المراتب فكان كل نبي حامل اسم من الاسماء الخاصة بمقامه و مرتبته و لما كانت هذه المرتبة بكثرتها و جمعيتها للاسماء رشحة من رشحات بحر النبوة المطلقة كان الحامل لتلك الرتبة و هو خاتم الانبياء جامعا حاويا لجميع الاسماء و الصفات و حائزا لجميع مظاهر الرحمانية مما ظهرت في رتبة الانبياء فكان حاملا للاسم الاعظم الاعظم الاعظم و ذاكرا بالذكر الاجل الاعلي الاعلي الاعلي و جميع الكمالات التي في مقامات الانبياء ذرة من ذرات نور وجوده و قطرة من رشحات بحر جوده فاذا نسبت الشئ اليه و ان كان في مقام الرعية بحيث حكي مثاله فظهرت عنه افعاله كان له الرتبة العليا علي كل ما عداه فحينئذ فقول الناظم : نشرت ففاح من النبوة نشرها ، اثبات لاستعلائها في جميع الكمالات التي ظهرت من نشر تلك التحفة و الهدية و ظهور طينها و نشرها في كافة الموجودات و تعطر مشامها من طيبها و لما كانت العوالم مرتبة ( مترتبة خ ) و المقامات متطابقة و هذه التحفة قد نزلت من الخزينة العلياء الي ان وصلت الي هذه الرتبة المحسوسة كان نشرها في ثلثين عالما و قد استنشق اهل تلك العوالم من حسن طيبها و رائحتها ما لم‌يجدوا نوعها عندهم فسكرت فصحت في سكرها و سكرت في صحوها و خرت مغشية عليها عند ظهور طيبها فتقوت بذلك مشامها و مداركها فاول تلك العوالم عالم الجبروت عالم العقول فلما نشرت تلك الهدية في اعلي مرتبتها هناك استنشقت مشام روح القدس منها و امتلأت من شذا طيبها فخرت مغشيّا عليه [ص 130] فلما افاق زاد الله سبحانه في قوته و نوره و بهجته و كماله ما لاتسعه الدفاتر و لاتتحمل ذكرها الضمائر ثم في العالم الثاني عالم الارواح فلما نشرت هناك و فاح نشرها فعل بالروح من امر الله ما ذكرناه في الروح القدس ثم في العالم الثالث في الجنة التي سقفها عرش الرحمن بجميع مراتبها من حورها و قصورها فلما نشرت ففاح من النبوة نشرها و ظهرت لاهل الجنة مقاما من اللذة و السرور ما نسوا ما كانوا يجدونها من نعيم الجنة قبلها و لو شئت لشرحت لك بعض تلك اللذات و لاسمعتك من تلك النغمات و لكني الآن في شغل عن ذلك لعادة الناس بغير تلك اللذات ثم في العالم الرابع في الكثيب الاحمر علي جبل الياقوت فظهرت فيه و اظهرت من القوة و النور ما لم‌يكن عندهم قبل ذلك ثم في العالم الخامس في البحر الابيض ثم في العالم السادس في البحر الاخضر في الجزيرة الخضراء و الجزائر الخضر التي في تلك النواحي من اهل الملأ الاعلي ثم في العالم السابع وراء جبل قاف في تسعة و ثلثين عالما الموجودة في تلك الوادي ثم في العالم الثامن في بلد بسم الله الرحمن الرحيم و بهجة الملك وحدائيل بجنوده و اعوانه من الملائكة الذين لايحصيهم الا الله و استنشقت مشامه من تلك الروايح الطيبة و انسته و جنوده كل شئ سواهم ثم في العالم التاسع عالم العرش من محدبه الي مقعره في اركانه و حملته و نشرت هناك ففاح من النبوة نشرها ففعل بهم ما تقدم ذكر نوعه ثم في العالم العاشر عالم الكرسي ثم في العالم الحادي‌عشر عالم البروج و المنازل و الكواكب و الملئكة الحاملين فاستنشقت [ص 131] مشامهم بتلك الرائحة العطرة الطيبة فازدادوا و تقووا لذكر الله ثم في العالم الثاني‌عشر عالم فلك المشتري بظاهره و باطنه بحامله و تدويره و الملائكة الحاملين له و المقيمين فيه ثم في العالم الثالث‌عشر عالم فلك المريخ من محدبه الي مقعره مع ما يشتمل عليه من الافلاك الجزئية و الدوائر ثم في العالم الرابع‌عشر عالم الشمس محل البيت المعمور بافلاكها و مراتبها ثم في العالم الخامس‌عشر عالم فلك الزهرة بمقاماتها ثم في العالم السادس‌عشر في عالم فلك عطارد و بالحاملين و المتممين و التداوير ( تدوير خ ) ثم في العالم السابع‌عشر عالم فلك القمر بافلاكه و جوزهره ثم في العالم الثامن‌عشر عالم الكرة الاثيرية بمراتبها و ساكنيها ثم في العالم التاسع‌عشر عالم الهواء بمراتبه الاربعة ثم في العالم العشرين عالم الماء بمراتبه من البحر المحيط و الابحر المنشعبة منه و الحيتان المتكونة منه و ساير ما في البحر من الحيوانات و النباتات و الجمادات ثم في العالم الحادي و العشرين عالم الارضين السبع بطبقاتها و اطرافها و جهاتها و اهاليها ثم في العالم الثاني و العشرين عالم الجماد ( و خ ) مبدأ الاستعداد ثم في العالم الثالث و العشرين عالم النبات باشجارها و اثمارها ثم في العالم الرابع و العشرين عالم الحيوان باجناسها و انواعها و اشخاصها ثم في العالم الخامس و العشرين عالم الجن باطوارها و اختلاف احوالها و طبقاتها ثم عالم الملائكة من المقربين و الكروبيين و العالين و ساير انواعها من المدبرات و المقسمات و المعقبات و ساير ملئكة الارضين و السموات من المسبحات و غيرها ثم في العالم السادس و [ص 132] العشرين عالم الانسان مقام الرعية بمراتبهم و اطوارهم و غيبهم و شهادتهم ثم في العالم السابع و العشرين مقام الانبياء علي نحو ما وصفنا لك سابقا من اولي العزم و اولي الشرايع و غيرهم من المرسلين و الغير المرسلين ثم في العالم الثامن و العشرين مقام الانسان الكامل الجامع مقام البشرية في الحقيقة المحمدية في مقام انا بشر مثلكم و مقام و للبسنا عليهم ما يلبسون و مقام قد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم ثم في العالم التاسع و العشرين عالم الاسماء و الصفات المربية لتلك المراتب و المدبرة لتلك الذوات ثم في العالم الثلثين عالم الهوية الانسانية و الحقيقة الالهية و المثال الملقي و المثل الاعلي و في كل هذه العوالم نشرت تلك الهدية المشرفة ففاح نشرها و طيب شذاها و بلغت الي كل احد و استنشقت منها مشام كل موجود في كل ( عالم خ ) علي حسبه لان نشر طيبها من النبوة و هي النبوة الاحمدية التي كل شئ دونها و تحت رتبتها فاذا ظهرت اخفت و اذا اخفت تلقت الاشياء منها ما يناسب مرتبتها و محلها و لعلك مااستنشقت من تلك الروائح و ماشممتها حين نشرت لك تلك التحفة و الهدية و ليس ذلك الا لضعف في قوتك الشامة و فتور في حاستك العامة كما لاتسمع صرير الاقلام و صوت خفقان الاعلام فاذا آن اوان قوله تعالي لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد تظهر تلك الرايحة و تسمع تلك الاصوات و تفهم تلك اللغات و تري تلك المعالم و المشاهد و هي قد تكون في الدنيا و قد تكون في البرزخ و قد تكون في الآخرة وفقنا الله و اياكم لنيل الدرجات [ص 133] العالية و الصعود الي اقصي المقامات السامية فعلي ما وصفنا لكم من نشرها و انها من نشر النبوة و وصفنا بعض مقاماتها فتعلم بذلك انه لايقاس بذلك طيب من طيب الدنيا و الآخرة و الجنة و مقاماتها فاذن ما المسك ما نفحاته ما الصندل و كذا غيرهما لانهما تولدت من تأليف العناصر و ذلك الطيب نشر من محل يكون كل الخلق عن ادراكه قاصرا و اين الثريا من يد المتناول و لو كان لي مجال و للقلب اقبال لذكرت لك من حقيقة المسك و الصندل من مبدأ وجودهما الي منتهي مقام شهودهما و كلما يتعلق بهما مما شاهدناه عند السير في عوالمهما و لكني في واسع العذر و نسأل الله الحفظ و الستر فاذا كان كذلك فمن اعطي هذه الهدية الفاخرة الطيبة فقد اعطي ما لم‌يعط به احد و لما كان قميص يوسف لما ارسله الي يعقوب من اظهر الافراد في المقام خصهما بالذكر فقال سلمه الله تعالي :