اللّه أكبر كلّ الحسن في العرب كم تحت غرّة هذا البدر من عجب
قوامه ثمّ إن مالت ذوائبه من خلفه فهي تغنيه عن الأدب
تبّت يد اللائمي فيه و حاسده و ليس لي في سواه قطّ من أرب
قال ثم ان صفيّة رضي اللّه عنها عزمت علي الخروج من بيتها ، فقالت لها خديجة امهلي قليلاً ، ثم أخرجت خلعة سنيّة و خلعتها علي صفيّة ، و ضمّتها إلي صدرها و قالت يا صفيّة باللّه عليك إلا ما أعنتيني علي وصال محمّد (ص) ، قالت نعم ، ثم خرجت طالبة لإخوتها ، فقالوا لها ما وراءك يا صفيّة يا ابنة الطيّبين ؟ قالت يا إخوتي قوموا إن كنتم قائمين ، فواللّه إنّ لها في ابن أخيكم محمّد (ص) رغبة ليس تدرك ، ففرحوا بذلك كلهم غير أبيلهب ، فإنّ كلامها زاده غيظاً و حسداً لمحمّد (ص) ، و ذلك بسبب الشقاوة السابقة ، فزعق بهم العباس و قال فما قعودكم إذ كان قد حصل الأمر ؟ فنهضوا جميعاً إلي دار خويلد ، و قد عمد أبوطالب إلي النبيّ (ص) و ألبسه أحسن الثياب و قلّده سيفاً و أركبه علي جواده ، و دار حوله عمومته و كلّهم محدقون به ، فلقيهم أبوبكر بن أبيقحافة و قال أين تريدون يا أولاد عبد المطلب ؟ لقد كنت قاصداً إليكم في حاجة خطرت ببالي ، فقال له العبّاس و ما هي ؟ اذكرها ، قال رأيت في منامي كأنّ نجماً قد ظهر في منزل أبيطالب و ارتفع إلي أُفق السماء و أنار و استنار إلي أن صار كالقمر الزاهر ، ثمّ نزل بين الجدران فتبعته ، فإذا هو قد دخل في بيت خديجة بنت خويلد و دخل معها تحت الثياب ، فما تأويله ؟ قال له أبوطالب ها نحن لها قاصدون و علي خطبتها معوّلون ، ثمّ ساروا حتيّ وصلوا منزل خويلد فسبقتهم الجواري إليه و كان يشرب الخمر و [ص 59] قد لعب الخمر في رأسه ، فلمّا نظر إلي بني هاشم قام لهم و قال مرحباً و أهلاً بأبناء آبائنا و أعزّ الخلق علينا ، فقال أبوطالب يا خويلد ماجئناك إلا لحاجة و أنت تعلم قربنا منكم ، و نحن في هذا الحرم أبناء أب واحد و قد جئنا خاطبين ابنتك خديجة لسيّدنا محمد و نحن لها راغبون ، فقال خويلد و من الخاطب منكم ؟ و من المخطوبة منّي ؟ فقال أبوطالب : الخاطب منّا محمّد ابن أخي و المخطوبة خديجة ، فلمّا سمع ذلك خويلد تغيّر لونه و كبر عليه و قال واللّه إنّ فيكم الكفاية ، و أنتم أعزّ الخلق علينا ، و لكن خديجة قد ملكت نفسها و عقلها أوفر من عقلي و أنا لمتطب قلبي إن خطبها الملوك ، فكيف و هذا محمّد فقير صعلوك ؟ فقام إليه حمزة رضي اللّه عنه فقال له لايقدّر اليوم بأمس و لاتشاكل القمر بالشمس يا بادي الجهل و يا خسيف العقل ، أماعلمت أنّك قد ضلّ رشدك و غاب عقلك ، أ تثلب ابن أخينا ؟ أماعلمت أنّه إذا أراد أموالنا و أرواحنا قدّمنا الكلّ بين يديه ، و لكن سوف يبيّن لك غبّ فعلك ، ثمّ نفض أثوابه و نهض و نهض إخوته و ساروا إلي منازلهم ، و بلغ الخبر خديجة من جارية لها ، فقالت ما وراءك ؟ قالت أمر يغمّ القلوب ، فقالت لها ماذا يا ويحك ؟ قالت إنّ أباك قد ردّ أولاد عبد المطلب خائبين ، فلمّا سمعت خديجة كلامها قالت اطلبي لي عمّي ورقة ، فخرجت الجارية و عادت و معها ورقة ، فلمّا جاءها استقبلته بأحسن قبول و قالت مرحباً بك يا عمّ ، فلاغابت طلعتك عنّي ، ثمّ طرقت إلي الأرض و قد قطب حاجباها ، فقال ورقة حاشاك يا خديجة من السوء ، ما الّذي حلّ بك ؟ قالت يا عمّ مانال السائل ؟ و ما حال المسئول ؟ [ص 60] قال في أنحس حال ، قال و لكن أراك يا خديجة تخاطبيني بهذا الكلام كأنّك تريدين الزواج ؟ قالت أجل ، قال يا خديجة لقد خطبك الملوك و الصناديد و لمترضي بأحد منهم ، قالت ما أُريد من يخرجني من مكّة ، فقال واللّه ما فيها أحد إلا و قد خطبك ، مثل شيبة بن ربيعة و عقبة بن أبيمعيط و أبيجهل بن هشام و الصلت بن أبييهاب فأبيت عنهم جميعاً ، قالت ما أُريد من فيه عيب ، ثمّ قالت يا عمّ صف لي عيبهم ، قال يا خديجة أمّا شيبة ففيه سوء الظن و أمّا عقبة فهو كثير السنّ و أمّا أبوجهل فهو بخيل متكبّر كريه النفس و أمّا الصلت فهو رجل مطلاق ، فقالت لعن اللّه من ذكرت ، و هل تعلم أنّه خطبني غير هؤلاء ؟ قال سمعت أنّه قد خطبك محمّد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم ، قالت يا عمّ صف لي عيبه ، و كان ورقة عنده علم من الكتب السالفة بما يكون من أمر محمّد (ص) ، فلمّا سمع كلامها طأطأ رأسه و قال أصف لك عيبه ؟ قالت نعم ، قال أصله أصيل و فرعه طويل و طرفه كحيل و خلقه جميل و فضله عميم و جوده عظيم ، واللّه يا خديجة ماكذبت فيما قلت ، قالت يا عمّ صف لي عيبه كما وصفت لي خيره ، قال يا خديجة وجهه أقمر و جبينه أزهر و طرفه أحور و لفظه أعذب من المسك الأذفر و أحلي من السكّر ، و اذا مشي كأنّه البدر إذا بدر و الوبل إذا أمطر ، قالت يا عمّ صف لي عيبه ، قال يا خديجة مخلوق من الحسن الشامخ و النسب الباذخ و هو أحسن العالم سيرة و أصفاهم سريرة ، إذا مشي تخاله ينحدر من صبب ، شعره كالغيهب و خدّه أزهر من الورد الأحمر و ريحه أزكي من المسك الاذفر و لفظه أعذب من الشهد و أخير اُشهدك يا خديجة أنّي أُحبّه ، قالت يا عمّ أراك كلّما قلت لك صف لي عيبه وصفت لي حسنه ؟ قال يا ابنتي و هل أنا أقدر علي وصف خيره ، ثمّ أنشأ يقول :
[ص 61]لقد علمت كلّ القبائل و الملأ بأنّ حبيب اللّه أطهرهم قلبا
و أصدق من في الأرض قولاً و موعداً و أفضل خلق اللّه كلّهم قربا
فقالت يا ورقة إنّ أكثر الناس يثلبونه ، قال ثلبهم له إنّه فقير ، قالت يا عمّ أماسمعت قول الشاعر :
إذا سلمت رؤوس الرجال من الأذي فما المال إلا مثل قلم الأظافر
و لكن يا عمّ إذا كان ماله قليلاً فمالي كثير ، و إنّي يا عمّ محبّة له علي كلّ حال ، فقال لها إذن واللّه تسعدين و ترشدين و تحظين بنبيّ كريم ، فقالت يا عمّ أنا الّذي خطبته لنفسي ، فقال لها ورقة و ما الّذي تعطيني و أنا أزوّجك في هذه اللّيلة بمحمّد ؟ فقالت يا عمّ و هل لي شيء دونك أم يخفي عليك ؟ و هذه ذخائري بين يديك و منزلي لك و أنا كما قال القائل :
إذا تحقّقتم ما عند صاحبكم من الغرام فذاك العذر يكفيه
أنتم سكنتم بقلبي فهو منزلكم و صاحب البيت أدري بالّذي فيه
ثمّ قال ورقة يا خديجة لست أُريد شيئاً من حطام الدنيا ، و إنّما أُريد أن تشفعي لي عند محمّد (ص) يوم القيامة و اعلمي يا خديجة أنّ بين أيدينا حساب و كتاب و عقاب و عذاب و لاينجو إلا من تبع محمّداً و صدّق برسالته ، فيا ويل من زحزح عن الجنّة و أُدخل النار ، فلمّا سمعت خديجة كلامه قالت يا عم لك عندي ما طلبت ، فخرج ورقة و دخل علي أخيه خويلد و قد غلب عليه السكر ، فجلس ورقة و قد ظهر الغيظ في وجهه ، و قال يا أخي ما أغفلك عن نفسك ؟ تريد أن تقتلها أنت بنفسك ؟ فقال و من أين علمت يا أخي ؟ فقال لقد خلّفت بني عبد المطلب و قلوبهم تغلي عليك كغلي القدر ، و قد أراد حمزة أن يهجم عليك في دارك ، فقال [ص 62] خويلد يا أخي و أيّ ذنب أذنبته عليهم حتّي يفعلوا بي ذلك ؟ قال سمعتهم يقولون إنّك تثلب ابن أخيهم و هو عليك قبيح ، إن كان قد وقع منك ذلك واللّه ماوطئ الحصي مثل محمّد ، أنسيت ما جري له في صغره و ما بان له في كبره ؟ واللّه مايثلبه إلا لئيم ، قال خويلد ، واللّه يا أخي ماثلبت الرجل و إنّه خير منّي و إنّما أراد أن يتزوّج بخديجة ، فقال له أخوه و ماذا تنكر منه ؟ قال خويلد واللّه يا أخي ما أقول فيه شيئاً ، و لكن خشيت من وجهين : الاوّل تسبّني العرب حيث أنّي رددت اكابرهم و ساداتهم ، و أُزوّجها الآن بفقير لا مال له ، و الثاني أنّها لاترتضاه فقال ورقة ان العرب ما منهم أحد إلا و يحب ان يزوّجه بابنته و يشتهي ان يكون محمد نسيبه و قريبه و اما خديجة فمذ عاينت فضله رضيت به و اما انت فقد جلبتَ لنفسك عداوة من بني هاشم علي غير شيء و انهم مايتركونك غير ساعة لاسيما الاسد الهجوم حمزة القضاء المحتوم ، لايصدّه عنك صادّ و لايردّه عنك رادّ ، واللّه ان قبلت نصحي و سرت معي الي بنيهاشم سألتهم ان يرفعوا عنك يد العداوة ، و تزوّج محمّداً (ص) بخديجة واللّه ماتصلح الا له ، و لايصلح الا لها ، فقال يا أخي أخاف ان يهجموا بي و يقتلوني ، فقال ورقة ضمان هذا الامر عليّ فلاتخف ، فنهضا جميعاً و سارا حتّي دخلا علي أولاد عبد المطلب ، فوقفا علي الباب و كان من الامر المقدّر أنّ في ذلك الوقت كان أولاد عبد المطلب جالسين ، و بينهم النبي (ص) ، فنظر إليه حمزة و قال يا قرّة العين ما تقول ؟ واللّه لئن أمرتني لآتينّك في هذه الساعة برأس خويلد ، فقال خويلد لورقة اسمع يا أخي ، فقال ورقة اسمع أنت ، فقال خويلد دعني [ص 63] أرجع ، قال ورقة لا ، و انظر الآن ما أصنع ، دعنا نأتي إليهم فإنّهم لايبعدون من يأتي إليهم ، ثمّ إنّ ورقة قرع الباب فقال النبيّ (ص) لقد جاءكم خويلد و أخوه ورقة ، فقام حمزة فأدخلهم ، و يد خويلد في يد ورقة ، و نادي نعمتم صباحاً و مساءً و كفيتم شرّ الأعداء ، يا أولاد زمزم و الصفا ، فناداه أبوطالب و أنت يا خويلد كفيت ما تحذر و تخشي ، فانتهره حمزة و قال لا أهلاً و لا سهلاً لمن طلب منّا بعداً و أرانا هجراً و صدّاً ، قال خويلد ماكان ذلك منّي يا سيّدي و أنتم تعلمون أنّ خديجة وافرة العقل مالكة نفسها ، و إنّما تكلّمت بهذا الكلام حتّي أسمع ما تقول ، و الآن عرفت أنّ المرأة فيكم راغبة ، فلا تؤاخذوني بما جري ، و نحن كما قال الشاعر :
و من عجب الأيّام إنّك هاجري و ما زالت الأيّام تبدي العجائبا
و ما لي ذنب أستحق به الجفا و إن كان لي ذنب أتيتك تائبا
و الآن قد رضيت لرضاها و لأجل القرابة و النسب ، و قال :
عوّدوني الوصال فالوصل عذب و ارحموا فالفراق و الهجر صعب
زعموا حين عاينوا أنّ جرمي فرط حبّي لهم و ما ذاك ذنبٌ
لا و حقّ الخضوع عند التلاقي ماجزي من يحبّ أن لايحبّ
فقال عند ذلك حمزة يا خويلد أنت عندنا عزيز كريم و لكن ماكان يجوز منك إذا جئناك أن تبعّدنا ، فقال ورقة إنّا لنحبّ محمّداً أشدّ محبّة و نحن علي ما تقولون ، و لكنّي أُريد يا بنيهاشم أن تكون هذه الخطبة في غداة غد علي رؤوس الأنام ( الشهاد خل ) حتّي يسمع الغائب و الحاضر ، فقال حمزة لانخالفكم فيما تقولون ، فقال ورقة أُعلمكم أنّ أخي له لسان لايخلص به عند العرب ، و أُريد أن يوكّلني في أمر [ص 64] ابنته خديجة ، حتّي أصير أنا المجاوب ، و أنتم تعلمون أنّي قد قرأت سائر الكتب و عرفت سائر الأديان ، فقال حمزة وكّله يا خويلد علي ذلك ، فقال خويلد أُشهدكم يا أولاد هاشم أنّي قد وكّلت أخي ورقة في أمر ابنتي خديجة ، فقال ورقة أُريد أن يكون هذا الأمر عند الكعبة ، فساروا جميعاً إلي الكعبة ، فوجدوا العرب مجتمعين بين زمزم و المقام ، و هم جماعات كثيرة ، منهم الصلت بن أبييهاب و لئيمة بن الحجّاج و هشام بن المغيرة و أبوجهل بن هشام و عثمان بن مبارك العميريّ و أسد بن غويتب الدارميّ و عقبة بن أبيمعيط و أُميّة بن خلف و أبوسفيان بن حرب ، فناداهم ورقة نعمتم صباحاً يا سكّان حرم اللّه تعالي، فقالوا كلّهم أهلاً و سهلاً يا أبا البيان ، فقال ورقة يا معاشر قريش يا جميع من حضر إنّي أسألكم ، ما تقولون في خديجة بنت خويلد ؟ فنطق العرب بأجمعهم فقالوا بخ بخ لقد ذكرت واللّه الشرف الأوفي و النسب الأعلي و الرأي الأزكي و من لايوجد لها نظير في نساء العرب و العجم ، فقال أ تحمدون أن تكون بلا بعل ؟ فقالوا ليس بواجب و قد وجدنا الخُطّاب لها كثيراً و هي تأبي ، قال ورقة يا سادات العرب ألا و إنّ هذا أخي قد وكّلني في أمرها ، و هي قد أمرتني أن أُزوّجها و أعلمتني أنّ لها رغبة في سيّد من سادات قريش ، و سألتها أن تسمّيه لي ، فأبت ، و أُحبّ أن تسمعوا الوكالة منه و أن تحضروا كلّكم جميعاً غداة غد في منزلها ، فماتسعكم غير دارها ، و كان لها دارٌ واسعةٌ تسع أهل مكّة ، فلمّا سمعوا كلامه لميبق أحدٌ منهم إلا يقول أنا هو المطلوب ، فقالوا نعم الوكيل و الكفيل أنت ، فقال ورقة لأخيه خويلد تكلّم ما دامت السادات حاضرين ، قال خويلد أُشهدكم يا سادات [ص 65] العرب علي أنّي قد نزعت نفسي من أمر ابنتي خديجة ، و جعلت وكيلي و كفيلي في هذا الأمر أخي ، فلا رأي فوق رأيه و لا أمر فوق أمره ، فقال ورقة اسمعوا أيّها السادات ، و إنّه غير مجنون و لا مجبور و لا مخمور ، و إنّي أُزوّجها بمن شئت ، فقال العرب سمعنا و أطعنا و شهدنا ، و خرج خويلد و قد ذهب حكمها من يده ، و سار ورقة إلي منزل خديجة و هو فرح مسرور ، فلمّا نظرت إليه قالت مرحباً و أهلاً بك يا عمّ لعلّك قضيت الحاجة ، قال نعم يا خديجة يهنّيك و قد رجعت أحكامك إليّ فأنا وكيلك و في غداة غد أُزوّجك إن شاء اللّه تعالي بمحمّد (ص) ، فلمّا سمعت خديجة كلامه فرحت و خلعت عليه خلعة قد اشتراها عبدها ميسرة من الشام بخمس مأة دينار فقال ورقة لاترغّبيني في مثل هذا ، فلست براغب فيه ، و إنّما الرغبة في شفاعة محمّد (ص) ، فقالت لك ذلك ، ثمّ قال لها يا خديجة قُومي هذه الساعة و جهّزي أمرك و جمّلي منزلك و اخرجي ذخائرك و علّقي ستورك و انشري حللك و اكمدي عدوّك ، فمايدّخر المال إلا لمثل هذا اليوم ٍ و اصنعي وليمةً لايعوزك فيها شيء ، فإنّ العرب في غداة غد يأتون كلهم إلي دارك ، فلمّا سمعت منه ذلك نادت في عبيدها و جواريها ، و أخرجوا الستور و المساند و الوسائد و البسط المختلفة الألوان و الحلل ذات الأثمان و العقود و القلائد و نشرت الرايات .
[ص 66] و قد روت الرواة الّذين شاهدوا تلك اللّيلة أنّ تلك العبيد و الإماء الّذين كانوا برسم الخدمة لحمل الآنية ثمانون عبداً ، و ذبحت الذبائح و عقرت العقائر و عقدت الحلاوات من كلّ لون و جمعت الفواكه من كلّ فاكهة ، و قصد ورقة منزل أبيطالب فوجده و إخوته مجتمعين ، فقال لهم نعمتم صباحاً و مساءً ، مايحبسكم عن إصلاح أمركم ، انهضوا في أمر خديجة فقد صار أمرها بيدي ، فإذا كان غداة غد إن شاء اللّه تعالي أُزوّجها بمحمّد (ص) فعندها قال محمّد (ص) لاأنسي اللّه لك ذلك يا ورقة و جزاك فوق صنيعك معنا ، ثمّ قال أبوطالب الآن واللّه طاب قلبي و علمت أنّ ابن أخي قد بلغ المني و قام لعمل الوليمة و إخوته عنده ، فعند ذلك اهتزّ العرش و الكرسيّ و سجد الملائكة و أوحي اللّه تعالي إلي رضوان خازن الجنان أن يزيّنها و يصفّ الحور و الولدان و يهيّأ أقداح الشراب و يزيّن الكواعب و الأتراب ، و أوحي إلي الأمين جبرئيل (ع) أن ينشر لواء الحمد علي الكعبة و تطاولت الجبال و سبّحت بحمد الملك المتعال علي ما خصّ به محمّداً (ص) و فرحت الأرض و باتت مكّة تغلي بأهلها كما يغلي المرجل علي النار ، فلمّا أصبحوا أقبلت الطوائف و الأكابر و القبائل و العشائر ، فلمّا دخلوا منزل خديجة وجدوها و قد أعدّت لهم المساند و الوسائد و الكراسيّ و المراتب و جعلت مجلس كلّ و احد منهم في مرتبته و محلّه ، فدخل أبوجهل لعنه اللّه و هو يختال في مشيه و زينته و قد أرخي ذوائبه من ورائه و حمائل سيفه علي منكبه و قد أحدقت به بنو مخزوم ، فنظر إلي صدر المجلس و قد نصب فيه كرسيّ عظيم و تحته أحد عشر كرسيّاً في أعلي مكان مصفوفاً لمير أحسن منها ، فتقدّم و أراد الجلوس علي ذلك السرير العالي ، فصاح به ميسرة و قال [ص 67] له يا سيّدي تمهّل قليلاً و لاتعجل فقد وضعت منزلك عند بني مخزوم ، فرجع و هو خجلان و جلس فماكان إلا قليلاً و إذاً بأصوات قد علت و العرب قد تواثبت و قد أقبل النبي (ص) و العبّاس و حمزة إلي جانبه و سيفه مجرّد من غمده و أبوطالب يقدمهم ، و حمزة يقول يا اهل مكّة الزموا الأدب و قلّلوا الكلام و انهضوا علي الأقدام و دعوا الكبر فإنّه قد جاءكم صاحب الزمان راعي الذمار محمّد المختار من الملك الجبّار ، المتوّج بالأنوار ، صاحب الهيبة و الوقار و قد ورد عليكم ، فنظرت العرب و إذاً بالنبيّ (ص) قد جاء و هو معتمّ بعمامة سوداء تلوح ضياء جبينه من تحتها و عليه قميص عبد المطلب و بردة الياس و في رجليه نعلان لجدّه عبد المطلب و في يده قضيب إبراهيم الخليل متختّم بخاتم من العقيق الأحمر ، و الناس محدقون به ينظرون إليه و قد أحاطت به عشيرته ، و حمزة يحجبه عن أعين الناظرين و قد شخصت إليه جميع المخلوقات و الموجودات بالإشارة يسلّمون عليه ، و قد ذهلت العرب ( العقول خل ) ممّا رأوا منه و خرصت الالسن و قام كلّ قاعد منهم علي قدميه ، و جلس النبيّ (ص) و أعمامه في أعلي موضع و مكان و هو المكان الّذي نحّي عنه أبوجهل و أصحابه ، و لميبق منهم جالس غير أبوجهل لعنه اللّه و أخزاه ، و قال ان كان الأمر لخديجة لتأخذنّ محمّداً ، فتقدّم إليه حمزة كالأسد و قبض علي أطرافه و قال له قم لاسلمت من النوائب و لانجوت من المصائب ، فأخذ أبوجهل يده و ضربها في قائم سيفه ، فسبقه حمزة و قبض علي يده حتّي نبع الدم من تحت أظفاره و وكزه الحارث و قال له ويلك يا ابن هشام ما أنت عديل من نهض إليك من جملة الناس ، و رأيت أنّك أشرف منهم ، لئن [ص 68] لمتقعد لآخذ رأسك ، فخاف الفتنة و سكت و ظنّ أنّه زوج خديجة ، فلمّا استقرّ بالناس الجلوس إذاً بخويلد قد أقبل و دخل علي خديجة و قد صار معها خلق كثير و هي تحت حجابها و قال يا خديجة أين عقلك ؟ و اين سوددك ؟ انا لمأرض لك بالملوك و رددتهم كبراً عليهم ، و ترضين الآن لنفسك بصبيّ صغير فقير يتيم ليس له مال أبداً قد كان لك أجيراً و هذا اليوم يكون لك بعلاً ؟ لاكان ذلك أبداً ، و الآن إن قبلتيه لأُعلينّك بهذا السيف ، و اليوم لا شكّ فيه تسفك الدماء ، و نهض علي قدميه و خرج كأنّه مجنون حتّي وقف علي صدر المجلس و قال يا معاشر العرب و يا ذوي المعالي و الرتب أُشهدكم علي أنّي لمأرض محمّداً لابنتي بعلاً و لو دفع لي وزن جبل أبيقبيس ذهباً فما بيني و بينه إلا السيوف ، فما مثلي من يخدع بشرب المدام ، ثمّ قال :
و لو أنّها قالت نعم لعلوتها بشفرة حدّ للجماجم فاصل
فمن رام تزويج ابنتي بمحمّد و إن رضيت يا قوم لست بقابل
قال فلمّا سمع أعمام النبيّ (ص) كلامه و الحاضرون قال حمزة لأخيه أبيطالب مع إخوته : مابقي للجلوس موضع ، قوموا بنا ، فبينا هم في ذلك إذ أقبلت جارية لخديجة و أشارت إلي أبيطالب فقام معها ، و وقف أبوطالب خلف الحجاب فسلّمت عليه خديجة و قالت نعمت صباحاً و مساءً يا سيّد الحرم لاتغترّ بشقشقة أبي فإنّه ينصلح بشيء قليل ، ثمّ أعطته كيساً فيه ألفا دينار و قالت يا سيّدي خذ هذا و سر به إليه كأنّك تعاتبه و صبّه في حجره ، فإنّه يرضي ، فسار أبوطالب و الناس حاضرون و قال له يا خويلد ادن منّي ، قال لاأدنو منك أبداً ، قال يا خويلد إنّه كلام تسمعه ، فإن لميرضك فما أحد يقهرك ، و فتح [ص 69] أبوطالب الكيس و صبّه في حجر خويلد و قال له هذا عطيّة من ابن أخي لك غير مهر ابنتك ، فلمّا رأي خويلد المال انطفت ناره و أقبل و وقف في الموقف الأوّل علي رؤوس الجمع و نادي بأعلي صوته يا معاشر العرب و ذوي المعالي و الرتب فواللّه ماأظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء بأفضل من محمّد و لقد رضيته لابنتي بعلاً و كفواً فكونوا علي ذلك من الشاهدين ، ثمّ قام العبّاس و قال يا معاشر العرب لمَ تنكرون الفضل لأهله ، هل سقيتم الغيث إلا بابن أخي ؟ و هل اخضرّ زرعكم إلا به ؟ و كم له عليكم من أياد كتمتموها و لزمتم له الحسد و العناد و باللّه أُقسم ما فيكم من يعادل صيانته و لا أمانته ، و اعلموا أنّ محمّداً (ص) لميخطب خديجة لمالها و لا جمالها ، إنّ المال زائل و إلي نفاد ، ثمّ إنّ خويلد أقبل و جلس إلي جانب رسول اللّه (ص) و أمسك الناس عن الكلام حتّي يسمعوا ما يقول خويلد ، فقال خويلد يا أباطالب ما الانتظار عمّا طلبتم ؟ اقضوا الأمر فإنّ الحكم لكم و أنتم الرؤساء و الخطباء و البلغاء و الفصحاء ، فليخطب خطيبكم و يكون العقد لنا و لكم ، فنهض أبوطالب و أشار إلي الناس ان انصتوا ، فأنصتوا فقال : الحمد للّه الّذي جعلنا من نسل إبراهيم الخليل و أخرجنا من سلالة إسماعيل و فضّلنا و شرّفنا علي جميع العرب و جعلنا في حرمه و أسبغ علينا من نعمه و صرف عنّا شرّ نقمه و ساق إلينا الرزق من كلّ فجّ عميق و مكان سحيق و الحمد للّه علي ما أولانا و له الشكر علي ما أعطانا و ما به حبانا و فضّلنا علي الأنام و عصمنا عن الحرام و أمرنا بالمقاربة و الوصل و ذلك ليكثر منّا النسل [ص 70] و بعد فاعلموا يا معاشر من حضر أنّ ابن أخينا محمّد بن عبدالله خاطبٌ كريمتكم الموصوفة بالسخاء و العفّة و هي فتاتكم المعروفة المذكورة فضلها الشامخ خطبها و هو قد خطبها من أبيها خويلد علي ما يحبّ من المال .
ثم نهض ورقة و كان إلي جانب اخيه خويلد و قال نريد مهرها المعجّل دون المؤجل اربعمائة الف دينار ذهباً و مأة الف ناقة سود الحدق حمر الوبر و عشر حلل و ثمانية و عشرين عبداً و أمةً و ليس ذلك بكثير عليكم ( علينا خل ) قال له أبوطالب رضينا بذلك ، فقال خويلد و قد رضيت و زوّجت خديجة بمحمّد علي ذلك ، فقبل النبيّ (ص) عقد النكاح ، فنهض عند ذلك حمزة و كان معه دراهم فنثرها علي الحاضرين ، و كذلك أصحابه ، فقام أبو جهل لعنه اللّه و قال يا قوم رأينا الرجال يمهرون النساء أم النساء يمهرون الرجال ؟ فنهض أبوطالب رضي اللّه عنه و قال ما لك يا لكع الرجال و يا رئيس الارذال ؟ مثل محمّد يحمل إليه و يُعطي ، و مثلك من يهدي و لايقبل منه ، ثمّ سمع الناس مناديا ينادي من السماء إنّ اللّه تعالي قد زوّج الطاهرة بالطاهر و الصادقة بالصادق ، ثمّ رفع الحجاب و خرجت منه جوار بأيديهنّ نثار ينثرن علي الناس ، و أمر اللّه عزّ و جلّ جبرئيل أن يرسل علي الناس الطيب علي البرّ و الفاجر ، فكان الرجل يقول لصاحبه من أين لك هذا الطيب ؟ فيقول هذا من طيب محمّد ، ثمّ نهض الناس إلي منازلهم ، و مضي رسول اللّه (ص) إلي منزل عمّه أبيطالب رضي اللّه عنه و أعمامه حوله و هو كالقمر ، فاجتمعت نسوان قريش و نساء بني عبد المطلب و بنيهاشم في دار خديجة و الفتيان يضربن الدفوف و بعثت خديجة من يومها أربعة آلاف دينار إلي رسول اللّه (ص) و قالت يا سيّدي انفذها إلي [ص 71] عمّك العبّاس ينفذها إلي أبي ، و أرسلت مع المال خلعةً سنيّةً ، فسار بها العباس و أبوطالب إلي منزل خويلد و ألبساه الخلعة ، فقام خويلد من و قته و ساعته إلي دار خديجة و قال يا بنتي ما الانتظار بالدخول ؟ جهزي نفسك ، فهذا مهرك قد أتوا به إليّ ، و أعطوني هذه الخلعة ، واللّه ماتزوّج احد بزوج مثلك لا في الحسن و لا في الجمال ، فسمع أبوجهل ذلك فقام في الناس يقول هذا المال من عند خديجة فبلغ الخبر أباطالب فخرج من وقته و ساعته متقلّداً سيفه و وقف في الأبطح و العرب مجتمعون ، و قال يا معاشر العرب سمعنا قول قائل و عيب عائب ، فإن كانت النساء قد أقمن بواجب حقّنا فليس ذلك بعيب و حقّ لمحمّد أن يعطي و يهدي إليه ، فهذا جري منها علي رغم أنف من تكلّم ، و تكلّم بعض قريش من المبغضين بالإزراء علي خديجة حيث تزوجها محمّد (ص) و بلغ الخبر إلي خديجة فصنعت طعاماً و دعت نساء المبغضين ، فلمّا اجتمعن و أكلن قالت لهنّ معاشر النساء بلغني أنّ بعولتكنّ عابوا عليّ فيما فعلته من أنّي تزوّجت محمّداً و أنا أسألكم هل فيكم مثله ، أو في بطن مكة شكله من جماله و كماله و فضله و أخلاقه الرضيّة ؟ و أنا قد أخذته لأجل ما قد رأيت منه ، و سمعت منه أشياء ما أحد رآها ، فلايتكلّم أحد فيما لايعنيه ، فكفّ كلّ منهنّ عن الكلام .
[ص 72] ثمّ إنّ خديجة قالت لعمّها ورقة خذ هذه الأموال و سر بها إلي محمّد و قل له إنّ هذه جميعها هديّة له و هي ملكه يتصرّف فيها كيف شاء و قل له إنّ مالي و عبيدي و جميع ما أملك و ما هو تحت يدي فقد وهبته لمحمد (ص) إجلالاً و إعظاماً له ، فوقف ورقة بين زمزم و المقام و نادي بأعلي صوته يا معاشر العرب إنّ خديجة تشهدكم علي أنها قد وهبت نفسها و مالها و عبيدها و خدمها و جميع ما ملكت يمينها و المواشي و الصداق و الهدايا لمحمّد (ص) و جميع ما بذل لها مقبولٌ منه ، و هو هديّة منها إليه إجلالاً له و اعظاماً و رغبة فيه ، فكونوا عليها من الشاهدين ، ثمّ سار ورقة إلي منزل أبيطالب رضي اللّه عنه ، و كانت خديجة قد بعثت جارية و معها خلعة سنية و قالت ادخليها إلي محمّد (ص) فإذا دخل عليه عمّي ورقة يخلعها عليه ليزداد فيه حبّاً ، فلمّا دخل ورقة عليهم قدم المال إليهم و قال الّذي قالته خديجة ، فقام النبيّ (ص) و أفرغ عليه الخلعة و زاده خلعة أُخري ، فلمّا خرج ورقة تعجّب الناس من حسنه و جماله ، ثمّ أخذت خديجة في جهازها و اعتدت صوافي الذهب و الفضّة و فيها الطيب و المسك و العنبر ، فلمّا كانت اللّيلة الثالثة دخل عليها عمّات النبيّ (ص) و اجتمع السادات و الأكابر في اليوم الثالث كعادتهم ، و نهض العبّاس و هو يقول :
[ص 73]أبشروا بالمواهب آل فهر و غالب افخروا يا آل قومنا بالثناء و الرغائب
شاع في الناس فضلكم و علي في المراتب قد فخرتم بأحمد زين كلّ الأطائب
فهو كالبدر نوره مشرق غير غائب قد ظفرتي خديجة بجليل المواهب
بفتي هاشم الّذي ماله من مناسب جمع اللّه شملكم فهو ربّ المطالب
أحمد سيّد الوري خير ماشٍ و راكب فعليه الصلاة ما سار عيس براكب
ثمّ إنّ خديجة قالت اعلموا أنّ شأن محمّد (ص) عظيمٌ و فضله عميمٌ و جوده جسيمٌ ، ثمّ نثرت عليهنّ من المال و الطيب ما دهش الحاضرين ، و شجر طوبي تنثر في الجنّة علي الحور العين ، فجعلن يلتقطن النثار ، ثمّ يتهادينه ، ثمّ إنّ خديجة أنفذت إلي أبيطالب غنماً كثيراً و دنانير و دراهم و ثياباً و طيباً ، و عمل أبوطالب وليمةً عظيمةً ، و وقف النبيّ (ص) و شدّ وسطه و ألزم نفسه خدمة جميع الناس و أقام لأهل مكة الوليمة ثلاثة أيّام ، و أعمام النبيّ (ص) تحته في الخدمة ، و أنفذت خديجة إلي الطائف و غيره و دعت أهل الصنايع إلي منزلها و صاغت المصاغ و الحليّ و فصلت الثياب و عملت الشمع بالعنبر علي هيئة الأشجار و أجرت عليه الذهب و عملت عليه التماثيل من المسك و العنبر ، و لمتزل تعمل في شغل العرس ستّة أشهر حتّي فرغت من جميع ما تحتاج إليه و علقت ستور الديباج المطرّز و نقشت فيها صورة الشمس و القمر و فرشت المجالس و و ضعت المساند و الوسائد من الديباج و الخزّ و فرشت لرسول اللّه (ص) مجلسا علي سرير تحت الابريسم و الوشي و السرير من العاج و الآبنوس ، مصفّح بصفائح الذهب الوهّاج ، و البست جواريها و خدمها ثياب الحرير و الديباج المختلفات الألوان و نظمت شعورهنّ باللّؤلؤ و المرجان و سوّرتهنّ و وضعت في اعناقهن قلائد الذهب و اوقفت الخدم بأيديهنّ المجامر من [ص 74] الذهب و فيها الطيب و العنبر و البخور من العود و الندّ و جعلت في يد كلّ واحدة من الخدم مراوح منقوشة بالذهب مقصّبة بالفضّة و أوقفتهنّ عند مجلس رسول اللّه (ص) و دفعت إلي بعضهنّ الدفوف و الشموع و نصبت في وسط الدار شمعاً كثيراً علي أمثال النخيل ، فلمّا فرغت من ذلك دعت نسوان أهل مكة جميعهن فاقبلن إليها و رفعت مجلس عمّات النبيّ (ص) ثمّ أرسلت إلي أبيطالب ليحضر وقت الزفاف ، فلمّا كان تلك اللّيلة أقبل النبيّ (ص) بين أعمامه و عليه ثياب من قباطيّ مصر و عمامة حمراء و عبيد بنيهاشم بأيديهم الشموع و المصابيح و قد كثر الناس في شعاب مكّة ينظرون إلي محمّد (ص) و منهم من وقف علي السرادقات و النور يخرج من بين ثناياه و من جبينه و من تحت ثيابه فلما وصلوا الي دار خديجة دخل هو صلوات اللّه عليه و آله و هو كأنّه القمر في تمامه قد خرج من الأُفق ، و أعمامه محدقون به كأنّهم أُسود الشري في أحسن زينة و فرحة يكبرون اللّه و يحمدونه علي ما وصلوا إليه من الكرامة ، فدخلوا جميعاً إلي دارها ، و جلس النبيّ (ص) في المجلس الّذي هيّئ له في دار خديجة رضي اللّه عنها ، و نوره قد علا نور المصابيح ، فذهلت النساء ممّا رأين من حسنه و جماله ، ثمّ هيّئوا خديجة للجلاء فخرجت أوّل مرّةً و عليها ثياب معمّدة و علي رأسها تاجٌ من الذهب الأحمر مرصّع بالدرّ و الجوهر و في رجليها خلخالان من الذهب ، منقوش بالفيروزج ، لمتر الأعين له نظيراً و عليه قلائد لاتحصي من الزمرّد و الياقوت ، فلمّا برزت ضربن النساء الدفوف ، و جعلت بعض النساء تقول :
[ص 75]أضحي الفخار لنا و عزّ الشأن و لقد فخرنا يا بني العدنان
أ خديجة نلت العلا بين الوري و فخرت فيه جملة الثقلان
أعني محمّداً الّذي لا مثله ولد النساء في سائر الازمان
فيه المكارم و المعالي و الحيا ما ناحت الأطيار في الأغصان
صلّوا عليه و سلّموا و ترحّموا فهو المفضّل من بني عدنان
فتطاولي فيه خديجة و اعلمي أنه قد خصصت بصفوة الرحمان
ثمّ أقبلن بها نساء بني هاشم للجلوة الثانية علي رسول اللّه (ص) ، و قد أشرق من نور وجهها نور علا علي جميع المصابيح و الشموع ، فتعجّبت منها بنات عبد المطلب حتّي زاد فيها نور لمير الراؤون مثله ، و ذلك فضل لرسول اللّه (ص) و عطيّة من اللّه تعالي لها ، و اقبلوا بها ، و قد فاقت علي جميع من حضر ، و عليها سقلاط ابيض مذهّب مرصّع بالجوهر الأحمر و الأخضر و الأصفر و من كل الألوان ، و كانت خديجة امرأة طويلة شامخة عريضة من النساء بيضاء لمير في عصرها ألطف منها و لا أحسن ، و خرجت بين يديها صفيّة بنت عبد المطلب رضي اللّه عنها و قالت :
جاء السرور مع الفرح و مضي النحوس مع الترح
انوارنا قد أقبلت و الحال فينا قد نجح
بمحمّد المذكور في كلّ المفاوز و البطح
لو أن يوازن أحمد بالخلق كلهم رجح
و لقد بدا من فضله لقريش أمر قد وضح [ص 76]
ثمّ السعود لاحمد و السعد عنه ما برح
بخديجة بنت الكمال و بحر نايلها طفح
يا حسنها في حليها و الحلم منها ما برح
هذا النبيّ محمّد ما في مدائحه كلح
صلّوا عليه تسعدوا و اللّه عنكم قد صفح
ثم اقبلن بها رضي اللّه عنها حتّي أوقفوها بين يدي النبيّ (ص) ، ثمّ بعد ذلك أخذوا التاج و رفعوه من رأسها و و ضعوه علي رأس النبيّ (ص) ، ثمّ أتوا بالدفوف و هنّ يضربن لها و قلن لها يا خديجة لقد خصّصت هذه الليلة بشيء ماخصّ به غيرك و لاناله سواك من قبائل العرب و العجم ، فهنيئاً لك بما أُوتيته و وصل إليك من العزّ و الشرف ، و خرجت في الجلوة الثالثة و عليها ثوب أصفر و عليها حليّ و جوهر ، و قد أضاء الموضع من لمعان ذلك الجوهر الّذي في وسط الإكليل و في آخر الإكليل ياقوتة حمراء تضيء و قد اشرقت الدار من ذلك الجوهر و من نورها و حسنها و أقبلت بين يديها صفيّة بنت عبد المطلب رضي اللّه عنها و هي تقول :
اخذ الشوق موثقات الفؤاد و ألقت السهاد بعد الرقاد
فليالي اللقاء بنور التداني مشرقات خلاف طول البعاد
فزت بالفخر يا خديجة إذ نلت من المصطفي عظيم الوداد
فغدا شكره علي الناس فرضاً شاملاً كلّ حاضر ثمّ بادي
كبّر الناس و الملائك جمعاً جبرئيل لدي السماء ينادي
فزت يا أحمد بكلّ الأماني فنحي اللّه عنك أهل العناد [ص 77]
فعليك الصلاة ما سارت العيس و حطّت لثقلها في البلاد
قال ثمّ بعد ذلك أجلسوها مع النبيّ (ص) و خرج جميع الناس عنها ، و بقي عندها في أحسن حال و أرخي بال ، و لميأخذ عليها أحداً من النساء حتّي ماتت بعد ما بعث صلوات اللّه عليه و آله ، و آمنت به و صدّقته و انتقلت إلي جنان عدن في أعلي علّيّين من قصور الجنّة .
اقول و في بعض النسخ بعد الأبيات : و خلا رسول اللّه (ص) مع عروسه ، و أوحي اللّه إلي جبرئيل أن اهبط إلي الجنّة و خذ قبضة من مسكها و قبضة من عنبرها و قبضة من كافورها و انثرها علي جبال مكّة ، ففعل فامتلأت شعاب مكّة و أوديتها و منازلها و طرقها من ذلك الطيب ، حتي ان الرجل يقول اذا خلا مع زوجته : ما هذا الطيب ؟ فتقول : هذا من طيب خديجة و محمّد (ص) .
قال صاحب العوالم : المزمّم هو الّذي شدّ عليه الزمام و هو الّذي يقاد به البعير . و العقيان من الذهب : الخالص . و الإرقال ضرب من العدو ، و في بعض النسخ بالفاء من قولهم فلان يرفل في مشيته أي يتبختر . و الإغضاء إدناء الجفون . و باح بسرّه اي أظهره . و الجوي : الحرقة و شدّة الوجد من عشق أو حزن . و الصبوة : الميل إلي الجهل . و المراس بالكسر : الشدّة و القوّة . و يقال : لفت وجهه أي صرفه . و الصبابة : رقّة الشوق و حرارته . و لوعة الحبّ : حرقته . و الكَمَد بالتحريك : الحزن المكتوم . و الحجفة : الترس . و الوغد : الرجل الّذي يخدم بطعام بطنه . و النذل : الخسيس . و الثلب : التصريح بالعيب و النقص . و تغمغم الكلام : لايبيّن . و اغرم بالشيء : اولع به . و خطر [ص 78] الرجل في مشيته : رفع يديه و وضعهما . و جفل : أسرع . و الجافل : المنزعج . و الغزالة : الشمس . و التيّار : الموج ، و يقال : قطع عرقاً تيّاراً أي سريعة الجري . و اعتكر اللّيل و أعكر : اشتدّ سواده . و الهَيَف بالتحريك : ضمر البطن و الخاصرة . و فرس هيفاء : ضامرة . و السحيق : البعيد . و السقلاط : شيء من صوف تلقيه المرأة علي هودجها ، أو ثياب ككتّان . موشية : كان وشيه خاتم . و العيس بالكسر : الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة .
فصل في كنيتها و سنها عند التزويج برسول الله (ص) و تاريخ وفاتها و اولادها .
عوالم من كشف الغمة نقلا من كتاب معالم العترة النبوية لابيمحمد عبدالعزيز بن الاخضر الحبابذي الحنبلي روي أن خديجة رضي الله عنها كانت تكني أمهند . و عن ابنعباس ان عم خديجة عمرو بن أسد زوّجها رسول الله صلي الله عليه و آله و ان أباها مات قبل الفجار . و عن ابنعباس أنه تزوجها و هي ابنة ثماني و عشرين سنة و مهرها النبي اثنتي عشرة أوقية و كذلك كانت مهور نسائه و قيل إنها ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة و تزوجها صلي الله عليه و آله و هي بنت أربعين سنة و رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم ابن خمس و عشرين سنة و حديث عفيف و رؤيته النبي صلي الله عليه و آله و سلم و خديجة و عليا يصلون حين قدم تاجرا إلي العباس و قوله لا و الله ماعلمت علي ظهر الأرض كلها علي هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة و لميختلف في أنها عليها السلام أول الناس اسلاما . و قال ابنسعد يرفعه إلي حكم بن حزام قال توفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشر من النبوة و هي ابنة خمس و ستين فخرجنا بها [ص 79] من منزلها حتي دفناها بالحجون فنزل رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم في حفرتها و لم يكن يومئذ صلاة علي الجنازة قيل و متي ذلك يا أباخالد قال قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها و بعد خروج بنيهاشم من الشعب بيسير قال و كانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم و أولاده كلهم منها إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية .
و من الكافي عن أبي علي الأشعري عن محمد بن سالم عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبيجعفر عليه السلام قال دخل رسول الله صلي الله عليه و آله علي خديجة حين مات القاسم ابنها و هي تبكي فقال لها ما يبكيك ؟ فقالت درت دريرة فبكيت فقال يا خديجة أماترضين إذا كان يوم القيامة أن تجيئ إلي باب الجنة و هو قائم فيأخذ بيدك فيدخلك الجنة و ينزلك أفضلها و ذلك لكل مؤمن ، إن الله عز و جل احكم و أكرم من أن يسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثم يعذبه بعدها أبدا . و عن جماعة عن البرقي عن إسماعيل بن مهران عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبيجعفر عليه السلام قال لما توفي طاهر ابن رسول الله صلي الله عليه و آله نهي رسول الله خديجة عن البكاء ، فقالت بلي يا رسول الله و لكن درت عليه الدريرة فبكيت ، فقال لها أماترضين أن تجديه قائما علي باب الجنة فإذا راك أخذ بيدك فأدخلك الجنة أطهرها مكانا و أطيبها ؟ قالت و إن ذلك كذلك ؟ قال فان الله أعز و أكرم من أن يسلب عبدا ثمرة فؤاده فيصبر و يحتسب و يحمد الله عز و جل ثم يعذبه .
[ص 80] فصل في تاريخ وفاة سيدتنا خديجة سلام الله عليها .
في نزهة المجالس للشيخ عبدالرحمن الشافعي الصفوري ماتت خديجة قبل الهجرة بثلث سنين و هي بنت خمس و ستين سنة و دفنت بالحجون و نزل النبي (ص) في قبرها و لمتكن ( صلوة ظ ) الجنازة يومئذ فرضا . و قيل ماتت بعد موت أبيطالب بثلاثة ايام فطمعت قريش بعد ذلك في النبي (ص) و بالغوا في اذاه . قال الطبري كل اولاده منها صلي الله عليه و سلم الا ابرهيم فانه من مارية القبطية و تزوجت خديجة قبل النبي (ص) برجلين اولهما عتيق بن عابد بن عبدالله ثم تزوجها بعدها ابوخالد . قال القرطبي في سورة الاحزاب كان اسمه زرارة فولدت منه ولدا فعاش و ادرك الاسلام و كان يقول انا اكرم الناس ابا و اما و اخا و اختا ابي رسول الله (ص) و امي خديجة و اخي القاسم و اختي فاطمة فلما مات بالبصرة ازدحم الناس علي جنازته و قالوا ربيب رسول الله (ص) و قيل قتل مع علي في وقعة الجمل و الله اعلم .
اقول في مجموعة وجدت بخط شيخنا الشيخ محمد الجباعي جد شيخنا البهائي اعلي الله مقامهما قال ابوحاتم و ابوعمرو الدولابي ماتت خديجة بمكة قبل الهجرة الي المدينة بثلث سنين و حكي ابوعمرو انها توفيت في شهر رمضان و دفنت في الحجون و هي ابنة خمس و ستين سنة قال ابن اسحق هلكت خديجة و ابوطالب في عام و احد .
فصل في ان الحسن عليه السلام اشبه الناس بخديجة و الحسين بفاطمة و امير المؤمنين عليه السلام برسول الله و هذا دال علي الحُسن البالغ في الظاهر و الباطن .
[ص 81] روي مولانا الكريم اعلي الله مقامه في تفسير الذي خلقك فسوّاك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك عن الحسن عليه السلام صوّر الله علياً في ظهر ابيطالب علي صورة محمد صلي الله عليه و آله فكان عليٌّ اشبه الناس برسول الله و كان الحسين اشبه بفاطمة و كنت اشبه الناس بخديجة .
فصل في مرثية امير المؤمنين لوفاة خديجة و في شرح جزع رسول الله (ص) في وفاة خديجة سلام الله عليها و شدته و ما كان يصنعه رسول الله (ص) .
منتخب الطريحي حكي انه لما توفيت فاطمه عليها السلام حزن امير المؤمنين عليه السلام لفقدها حزنا عظيما و انفرد بالعزاء وحده و انحجب عن الناس مدة طويلة فاجتمع جماعة من اخوانه المؤمنين و شيعته الصادقين و قالوا ان علي بن ابيطالب عليه السلام امامنا و ولينا و اميرنا و امير المؤمنين و اجتمع الناس و هم يقولون انحجب عنا و صرنا لانراه الا وقت اداء الفرايض و انقطع عنا ما كان يفيده من احاديثه و يرشدنا به من اخباره و قد طال ذلك علينا منه و صرنا كالغنم بغير راع فوقع يقين الجماعة علي عمار بن ياسر و قالوا له يا عمار امض الي امير المؤمنين عليه السلام و كلّمه في ذلك فلعلك تأتينا به او تستأذن لنا بالدخول عليه ، قال عمار فقمت و دخلت عليه فوجدته جالسا في بيته و معه و لداه الحسن و الحسين و هو مع ذلك يبكي فسلمت عليه و جلست بين يديه ساعة فقلت له ياسيدي ما بالكم تأمرون بالصبر علي المصيبة و نراكم تجزعون فقال يا عمار ان العزا عن مثل من فقدته لعزيز يا عمار لما فقدت رسول الله صلي الله عليه و آله كانت فاطمة الزهراء هي الخلف منه و العوض عنه و كانت صلوات الله عليها اذا نطقت ملأت سمعي بكلامه و ان مشت حكت كريم قوامه فوالله يا عمار ماحسست بوجع المصيبة الا بموتها و ماحسست [ص 82] بألم الفراق الا بفراقها ، قال عمار فابكاني كلامه و بكاؤه و بكيت رحمة له فقلت يا امير المؤمنين اعلم ان الناس صنفان مقر و مفتقر اليك و قول الناصح ثقيل فقال يا عمار اني احدّثك بحديث سمعته من رسول الله صلي الله عليه و آله قال لما قتل النبي يحيي بن زكريا عليه السلام و وجم عيسي بن مريم وجوما فقطعه ذلك عن الكلام و انحجب عن الانام دخل عليه احد الحواريون فقال له يا روح الله لاتقطع عادتك المباركة عنا و اخبرنا بالاحاديث الصحيحة لعل الله يرحمنا و لعل حديثك ينبّه ابناء الدنيا من رقدة الغفلة و يخرجهم من ظلمة الجهل فرب كلمة قد احيت سامعا بعد الموت و رفعة بعد الضعة و نعشة بعد الصرعة و اغنية بعد الفقر و جبرية بعد الكسر و ايقظة بعد السِنة و بقيت في قلبه ففجرت ينابيع الحيوة فسالت منه اودية الحكمة او تنبت فيه غرايس الرحمة اذا وفق ذلك القضاء من الله عز و جل قال له عيسي نعم يا عبدالله ان مثلك من يستدعي من العالم الكلام و لا بأس عليك و اما انت يا عمار بن ياسر اعلم ان هذه المفقودة الماضية بنت رسول الله و عند الله احتسبها ثم نهض و دموعه تنحدر علي لمته فتلقوه الجماعة و صاروا بين عاذر و عاذل فقال لهم رويدا فان القلوب اذا حيت قالت و اذا كرهت مالت ألستم تعلمون انه لما توفت ام المؤمنين خديجة الكبري جزع رسول الله صلي الله عليه و آله جزعا شديدا حتي اني شفقت عليه من شدة الجزع فقلت له يا رسول الله انت والله القبلة و اليك الاشارة و بك القدوة و عليك المعتمد و منك التعليم و انت السراج اذا ضللنا و انت الصلاح اذا فسدنا و انت الهادي اذا تهنا و حولك حاسد و حاقد و محب و واجد و قريش شاخصة الابصار اليك مصغية الآذان نحوك و بعد فانت يا رسول [ص 83] الله ممن اذا قال فعل و اذا امر عمل فقال لي مهلا يا اباالحسن لقد بردت دمعي و سكنت جزعي ثم انه صلي الله عليه و آله صار يحب الخلوة بنفسه و يتطرق الامكنة الخالية فبينما هو ذات يوم بظاهر مكة شرفها الله تعالي اذ سمع هاتفا ينشد بيتا من الشعر يقول :
و كل ذي سفرة يؤب و غائب الموت لايؤب
فقال النبي صلي الله عليه و آله ان من الشعر لحكمة ثم قال صلي الله عليه و آله ياعلي حفظته قلت نعم فاستعاده مني نوبا كثيرة و كان صلي الله عليه و آله يقول :
و كل ذي سفرة يؤب و لايؤب غائب الموت
ثم قال عليه السلام يا عمار والله ماذكرت فاطمة امها خديجة الا و اجابها رسول الله صلي الله عليه و آله في ذكرها و لارآها تبكيها الا و سبقتها عبرته عليها و لاجري ذكرها الا و اسهب في وصفها و اطال الثناء عليها و تلهف علي فراقها و لما مات ولده ابرهيم عليه السلام بكي رسول الله صلي الله عليه و آله حتي جرت دموعه علي لمته صلوات الله عليه فقيل له يا رسول الله أ تنهي عن البكاء و انت تبكي هكذا فقال ليس هذا بكاء و انما هو رحمة و من لايرحم لايرحم و انما البكاء الذي له رنّة و صراخ عالي ثم التفت عليه السلام الي اصحابه و قال اتلوموني علي فقْد بنت رسول الله و اني لاقتدي برسول الله (ص) لانه بكي علي فقد خديجة الكبري و ليست بنت نبي و ان فاطمة الزهراء ستّ النساء بنت اشرف الانبياء و والدة سيد الشهداء صلوات الله عليها و علي ابيها .
[ص 84] اقول في ديوان امير المؤمنين عليه السلام مرثية خديجة و أبيطالب (ع) :
أ عينيّ جودا بارك اللّه فيكما علي هالكين لاتري لهما مثلا
علي سيّد البطحاء و ابن رئيسها و سيّدة النسوان اوّل من صلّي
مهذّبة قد طيّب اللّه خيمها مباركة و اللّه ساق لها الفضلا
مصابهما أدجي إلي الجوّ و الهواء فبتُّ اُقاسي منهم الهمَّ و الثكلا
لقد نصرا في اللّه دين محمّد علي من بغا في الدين قد رعيا إلّا
باب سيدتنا آمنة بنت وهب ام النبي (ص) .
المناقب لابن شهراشوب : توفي أبوه و أمه حامل به ، و ماتت أمه و هو ابن أربع سنين . الكلبي : و هو ابن ثمانية و عشرين شهرا .
و من قصص الراوندي ان اباه توفي و امه حبلي و قدمت امه آمنة بنت وهب علي اخواله من بني عديّ من النجار بالمدينة ثم رجعت به حتي اذا كانت بالايواء ماتت .
و من مناقب ابن شهراشوب محمد بن إسحاق : توفيت أمه بالابواء منصرفة إلي مكة .
و قال الكازروني في المنتقي كان رسول اللّه (ص) مع أمّه آمنة بنت وهب ، فلمّا بلغ ستّ سنين خرجت به إلي اخواله بني عديّ بن النجار بالمدينة تزورهم به و معه أمأيمن تحضنه و هم علي بعيرين ، فنزلت به في دار النابغة فأقامت به عندهم شهراً ، و كان قوم من اليهود يختلفون و ينظرون ، قالت أمّأيمن فسمعت أحدهم يقول هو نبيّ هذه الاُمّة و هذه دار هجرته ، ثمّ رجعت به امه إلي مكة ، فلمّا كانوا بالأبواء توفيت أمّه آمنة فقبرها هناك ، فرجعت به أُمّ أيمن إلي مكّة ، ثمّ لمّا مرّ رسول اللّه (ص) في عمرة الحديبيّة بالأبواء قال إنّ اللّه قد أذن لي في زيارة قبر أُمّي ، فأتاه رسول اللّه (ص) فأصلحه و بكي عنده و بكي المسلمون لبكاء رسول اللّه (ص) ، فقيل له فقال أدركتني [ص 85] رحمة رحمتها فبكيت . و روي عن بريدة قال لمّا فتح رسول اللّه (ص) مكّة أتي قبراً فجلس إليه و جلس الناس حوله ، فجعل يتكلّم كهيئة المخاطب ، ثمّ قام و هو يبكي فاستقبله عمر فقال يا رسول اللّه ما الّذي أبكاك ؟ قال هذا قبر أُمّي سألت ربّي الزيارة فأذن لي . ثمّ قال في المنتقي وجه الجمع أنّه يجوز أنّها توفّيت بالأبواء ثمّ حملت إلي مكّة فدفنت بها .
و من علل الشرايع و معاني الاخبار باسناده عن أنس بن مالك قال اتي أبوذر يوما إلي مسجد رسول صلي الله عليه و آله فقال مارأيت كما رأيت البارحة قالوا و ما رأيت البارحة ؟ قال رأيت رسول الله صلي الله عليه و آله ببابه فخرج ليلا فاخذ بيد علي بن أبيطالب (ع) و خرجا إلي البقيع فمازلت أقفو أثرهما إلي أن أتيا مقابر مكة فعدل إلي قبر أبيه فصلّي عنده ركعتين فإذا بالقبر قد انشق و إذا بعبد الله جالس و هو يقول أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله ، فقال له من و ليك يا أبه ؟ فقال و ما الولي يا بني قال هو هذا علي ، قال و ان عليا وليي ، قال فارجع إلي روضتك ثم عدل إلي قبر أمه فصنع كما صنع عند قبر أبيه فإذا بالقبر قد انشق فإذا هي تقول أشهد أن لا إله إلا الله و انك نبي الله و رسوله، فقال لها من وليك يا أماه ؟ فقالت و من الولي يا بُنيَّ ؟ فقال هو هذا علي بن أبيطالب ، فقالت ان عليا وليي فقال أرجعي إلي حفرتك و روضتك . فكذبوه و يسبّوه و قالوا يا رسول الله كذب عليك اليوم فقال و ما كان من ذلك . قال إن جندب حكي عنك كيت و كيت فقال النبي صلي الله عليه و آله ماأظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء علي ذي لهجة أصدق من أبيذر .
[ص 86] و من تفسير علي بن ابراهيم قال رسول الله (ص) لو قمت المقام المحمود لشفعت لأبي و أُمّي و أخ كان لي مواخياً في الجاهلية .
و من قرب الاسناد السندي بن محمد عن صفوان بن الجمّال عن أبي عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله إني مستوهب من ربي أربعة و هو واهبهم لي إن شاء الله تعالي آمنة بنت وهب و عبدالله بن عبد المطلب و ابوطالب بن عبد المطلب و رجل من الأنصار جرت بيني و بينه ملحة .
اقول و من حيوة القلوب للمجلسي رحمه الله : در حديث معتبر منقول است كه داود رقي بخدمت حضرت صادق عليه السلام آمد و گفت بمردي مال دادم و ميترسم بدست من نيايد فرمود چون بمكه روي يك طواف و دو ركعت نماز به نيابت عبد المطلب بكن و يك طواف ديگر با دو ركعت نماز به نيابت ابوطالب بكن و هم براي آمنه و مادر حضرت امير المؤمنين عليه السلام بجا آور و چنين كردم در همان روز مال بدستم آمد .