نطق البعير بفضل أحمد مخبرا هذا الّذي شرفت به أُمّ القري
هذا محمّد خير مبعوث أتي فهو الشفيع و خير من وطأ الثري
يا حاسديه تمزّقوا من غيظكم فهو الحبيب و لا سواه في الوري
قال و خرج أولاد عبد المطلب و أخذوا في أُهبة السفر ، فالتفتت خديجة إلي النبيّ (ص) و قالت يا سيّدي ما معك غير هذه الثياب ؟ فليست هذه تصلح للسّفر ، فقال لست أملك غيرها ، فبكت خديجة و قالت عندي يا سيّدي ما يصلح للسّفر ، غير أنّهن طوال فتمهّلْ حتّي اقصرها لك ، فقال هلمّي بها ، و كان (ص) إذا لبس القصير يطول و إذا لبس الطويل يقصر كأنّه مفصّل عليه ، فأخرجت له ثوبين من قباطي مصر و جبّة عدنيّة و بردة يمنيّة و عمامة عراقيّة و خفيّن من الأديم و قضيب خيزران ، فلبس النبيّ (ص) الثياب و خرج كأنّه البدر في تمامه ، فلمّا نظرت إليه جعلت تقول :
أُوتيتَ من شرف الجمال فنوناً و لقد فتنت بها القلوب فتونا
قد كوّنت للحسن فيك جواهر فيها دعيت الجوهر المكنونا
يا من أغار الظبي في فلواته للحسن جيداً سامياً و جفونا
انظر إلي جسمي النحيل و كيف قد أجريت من دمع العيون عيونا
أسهرت عيني في هواك صبابة و ملئت قلبي لوعةً و جنونا
ثمّ قالت يا سيّدي عندك ما تركب عليه ؟ قال إذا تعبت ركبت أيّ بعير أردت ، قالت و مايحملني علي ذلك ( تعبك خل ) الا كانت الأموال دونك يا محمّد ، ثمّ قالت لعبدها ميسرة ايتني بناقتي الصهباء حتّي يركبها سيّدي محمّد ، فأتي بها ميسرة و هي تزيد علي الأوصاف ، لايلحقها في سيرها تعب و لايصيبها نصب كأنّها خيمة مضروبة أو قبّة منصوبة ، [ص 31] ثمّ التفتت إلي ميسرة و ناصِح و قالت لهما اعلما أنّني قد أرسلت إليكما أميناً علي أموالي و أنّه أمير قريش و سيّدها ، فلا يدٌ علي يده ، فإن باع لايمنع و إن ترك لايؤمر و ليكن كلامكما له بلطف و أدب ، و لايعلو كلامكما علي كلامه ، قال عبدها ميسرة واللّه يا سيّدتي إنّ لمحمّد عندي محبّة عظيمة قديمة و الآن قد تضاعفت لمحبّتك له ، ثمّ إنّ النبيّ (ص) ودّع خديجة و ركب راحلته و خرج و ميسرة و ناصح بين يديه و عين اللّه ناظرة إليه ، فعندها قالت خديجة :
قلب المحبّ إلي الأحباب مجذوب و جسمه بيد الأسقام منهوب
و قائل كيف طعم الحبّ قلت له الحبّ عذب و لكن فيه تعذيب
أقذي ( افدي خل ) اللذين علي خدّي لبعدهم دمي و دمعي مسفوح و مسكوب
ما في الخيام و قد سارت ركابهم إلا محبّ له في القلب محبوب
كأنّما يوسف في كلّ ناحية ( راحلة خل ) و الحزن في كلّ بيت فيه يعقوب
ثمّ إنّ النبيّ (ص) سار مجدّاً للسّير إلي الأبطح ، فوجد القوم مجتمعين و هم لقدومه منتظرون ، فلمّا نظروا إلي جمال سيّد المرسلين و قد فاق الخلق أجمعين فرح المحبّ و اغتمّ الحاسد و زادت عقيدة من سبقت له السعادة من المؤمنين و ظهر الحسد و الكمد ممن سبقت له الشقاوة من المكذّبين ، فلما نظر العبّاس إليهم أنشأ يقول :
يا مخجل الشمس و البدر المنير إذا تبسّم الثغر لمع البرق منه أضا [ص 32]
كم معجزات رأينا منك قد ظهرت يا سيّداً ذكره يشفي به المرضي
فلمّا نظر النبيّ (ص) إلي أموال خديجة علي الأرض و لميحمل منها شيء زعق علي العبيد ، و قال ما الّذي منعكم عن شدّ رحالكم ؟ قالوا يا سيّدنا لقلّة عددنا و كثرة أموالنا ، فأبرك راحلته و نزل و لوّي ذيله في دور منطقته و صار يزعق بالبعير فيقوم بإذن اللّه تعالي ، فتعجّب الناس من فعله ، فنظر العبّاس إلي النبيّ (ص) و قد احمّرت وجناته من العرق فقال كيف أُخلّي الشمس تقرح هذا الوجه الكريم ؟ فعمد إلي خشبة و قال لأتّخذنّ منها حجفة تظلّ محمّداً من حرّ الشمس ، فارتجّت الأقطار و تجلّي الملك الجبّار ، و أمر الأمين جبرئيل (ع) أن يهبط إلي رضوان خازن الجنان و قل له يخرج لك الغمامة التّي خلقتها لحبيبي محمّد (ص) قبل أن أخلق آدم بألفي عام و انشرها علي رأس حبيبي محمّد ، فلمّا رأوها شخصت نحوها الأبصار ، و قال العبّاس والله إنّ محمّداً لكريم علي ربّه و لقد استغني عن حجفتي ، ثمّ أنشأ يقول :
وقف الهوي لي حيث كنتُ انت فليس لي متقدّم عنكم و لا متأخّر .
ثمّ سار القوم حتّي نزلوا بجحفة الوداع و حطّوا رحالهم حتّي يلحق بهم المتأخّرون فقال مطعم بن عديّ يا قوم إنّكم سائرون إلي أرض كثيرة المهامة و الأوعار و ليس لكم مقدّم تستبشرون به و ترجعون إلي أمره و الرأي عندي أنّكم تقدّمون عليكم رجلاً لتستندوا إلي رأيه و ترجعوا إلي أمره عن المنازع و المخالف ، قالوا نعم ما أشرت به ، فقال بنومخزوم نحن نقدّم علينا أخانا عمرو بن هشام المخزوميّ و قال بنو عديّ نحن نقدّم علينا أميرنا مطعم بن عديّ و قال بنو النضر نحن نقدّم علينا أميرنا النضر بن الحارث و قال بنو زهرة نحن نقدّم علينا أميرنا أُحيحة بن الجلاح و قال بنولويّ نحن نقدّم علينا أبا سفيان صخر [ص 33] بن حرب و قال ميسرة واللّه ما نقدّم علينا إلا سيّدنا محمّد بن عبدالله و قال بنو هاشم نحن أيضاً نقدم علينا محمّداً ، فقال أبوجهل لإن قدّمتم علينا محمّداً لأضعنّ هذا السيف في بطني و أُخرجه من ظهري ، فقبض حمزة علي سيفه و قال يا وغد الرجال و يا نذل الفعال واللّه ما أُريد إلا أن يقطع اللّه يديك و رجليك و يعمي عينيك ، فقال له النبيّ (ص) اغمد سيفك يا عمّاه و لاتستفتحوا سفركم بالشرّ ، دعوهم يسيرون أوّل النهار و نحن نسير آخره فإنَّ التقدمّ لقريش ، و كان (ص) أوّل من تكلّم بهذه الكلمة و سار أبوجهل و من يلوذ به و قد استغنم من بني هاشم الفرصة و هو ينشد و يقول :
لقد ضلّت حلوم بني قصيّ و قد زعموا بتسديد اليتيم
و راموا للخلافة غير كفو فكيف يكون ذا الأمر العظيم ؟
و انّي فيهم ليث حميّ بمصقول و لي جدّ كريم
فلو قصدوا عبيدة أو ظليماً و صخر الحرب ذا الشرف القديم
لكنّا راضيين لهم و كنّا لهم تبعاً علي حلف ( خلف خل ) ذميم
فأجابه العبّاس يقول :
ألا أيّها الوغد الّذي رام ثلبنا أتثلب قرناً في الرجال كريم
أتثلب يا ويك الكريم كفي التقي حبيب لربّ العالمين عظيم
و لو لا رجال قد عرفنا محلّهم و هم عندنا في مجدب و مقيم
لدارت سيوف يفلق الهامّ حدّها بأيدي رجال كاللّيوث تقيم
حماة كماة كالأُسود ضراغم إذا برزوا ردّوا لكلّ زعيم [ص 34]
ثمّ إنّ القوم ساروا إلي أن بعدوا عن مكّة فنزلوا بواد يقال له واد الأمواه لأنّه مجتمع السيول و أنهار الشام ، و منه تنبع عيون الحجاز ، فنزل به القوم و حطّوا رحالهم ، و اذاً بالسحاب قد اجتمع ، فقال النبيّ (ص) ما أخوفني علي أهل هذا الوادي أن يدهمهم السيل فيذهب بجميع أموالهم و لكن الرأي عندي أن نستند إلي هذا الجبل ، قال له العبّاس نعم ما رأيت يا ابن أخي ، فأمر النبيّ (ص) أن ينادي في القافلة أن ينقلوا رحالهم إلي نحو الجبل مخافة السيل ، ففعلوا إلا رجلاً من بني جمح يقال له مصعب و كان له مالٌ كثيرٌ فأبي أن يتغيّر من مكانه و قال يا قوم ما أضعف قلوبكم ؟ تنهزمون عن شيء لمتروه و لمتعاينوه ؟ فمااستتم كلامه إلا و قد ترادفت السحاب و البرق و نزل السيل و امتلأ الوادي من الحافّة إلي الحافّة ، و أصبح الجمحيّ و أمواله كأنّه لميكن ، و أقام القوم في ذلك المكان أربعة أيّام و السيل يزداد ، فقال ميسرة يا سيّدي هذه السيول لاتنقطع إلي شهر ، و لاتقطعه السفن ، و إن أقمنا هاهنا أضرّ بنا المقام و يفرق الزاد و لكن الرأي عندي أن نرجع إلي مكّة ، فلميجبه النبيّ (ص) إلي ذلك ، ثمّ نام فرأي في منامه ملكاً يقول له يا محمّد لاتحزن ، إذا كان غداة غد مُرْ قومك بالرحيل و قف علي شفير الوادي ، فإذا رأيت الطير الأبيض قد خط بجناحه فاتبع الخطّ و أنت تقول بسم اللّه و باللّه و أمر قومك أن يقولوا هذه الكلمة ، فمن قالها سلم و من حاد عنها غرق ، فاستيقظ النبيّ (ص) و هو فرح مسرور ، ثمّ أمر ميسرة أن ينادي في الناس بالرحيل ، فرحلوا و شدّ ميسرة رحاله ، فقال الناس يا ميسرة و كيف نسير و هذا الماء لاتقطعه إلا السفن ؟ فقال [ص 35] أمّا أنا فإنّ محمّداً أمرني و أنا لاأُخالفه ، فقال القوم و نحن أيضاً لانخالفه ، فبادر القوم و تقدّم النبيّ (ص) و وقف علي شفير الوادي ، و إذاً بالطير الأبيض قد أقبل من ذروة الجبل و خطّ بجناحه خطّاً أبيض يلمع ، فشمّر النبيّ (ص) أذياله و اقتحم الماء و هو يقول بسم اللّه و باللّه ، فلميصل الماء إلي نصف ساقه ، و نادي أيّها النّاس لايدخل أحد منكم الماء حتّي يقول هذه الكلمة ، فمن قالها سلم و من حاد عنها هلك ، فاقتحم القوم الماء و هم يقولون الكلمة ، و لميتأخر من القوم سوي رجلين أحدهما من بني جمح و الآخر من بني عديّ ، فقال العدويّ بسم اللّه و باللّه ، و قال الجمحيّ بسم اللّات و العزّي ، فغرق الجمحيّ و أمواله و سلم العدويّ و امواله ، فقال القوم للعدويّ ما بال صاحبك غرق ؟ قال إنّه قد عوج لسانه و خالف قول النبيّ (ص) فغرق ، فاغتمّ أبوجهل لعنه اللّه و قومه و قالوا ما هذا إلا سحرٌ عظيمٌ ، فقال له بعض أصحابه يا ابن هشام ما هذا بسحر و لكن واللّه ماأظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء أفضل من محمّد ، فلم يرد جواباً و ساروا حتّي نزلوا علي بئر و كان تنزل عليه العرب في طريق الشام ، فقال أبوجهل واللّه لأجد في نفسي غبنة و فيّ حرقة عظيمة إن ردّ محمّد من سفره هذا سالماً ، و لقد عزمت علي قتله و كيف لي بالحيلة في قتله و هو ينظر من ورائه كما ينظر من أمامه ، و لكن أفعل فسوف تنظرون ، ثمّ عمد إلي الرمل و الحصي و ملأ حجره و كبس به البئر ، فقال أصحابه و لمَ تفعل ذلك ؟ فقال أريد دفن البئر حتّي إذا جاء ركب بني هاشم و قد أجهدهم العطش فيموتوا عن آخرهم ، فتبادر القوم بالرمل و الحصي [ص 36] و لميتركوا للبئر أثراً ، فقال أبوجهل لعنه اللّه الآن قد بلغت مرادي ، ثمّ التفت إلي عبد له اسمه فلاح و قال له خذ هذه الراحلة و هذه القربة و الزاد و اختف تحت الجبل ، فإذا جاء ركب بنيهاشم يقدمهم محمّد و قد أجهدهم العطش و التعب و لميجدوا للبئر أثراً فيموتوا فأتني بخبرهم ، فإذا أتيتني و بشّرتني بموتهم أعتقتك و زوّجتك بمن تريد من أهل مكّة ، فقال حبّاً و كرامةً .
ثمّ سار أبوجهل و تأخّر العبد كما أمره مولاه ، و إذاً بركب بني هاشم قد أقبل يتقدّمهم محمّد ، فتبادر القوم إلي البئر فلميجدوا له أثراً ، فضاقت صدورهم و أيقنوا بالهلاك ، فلاذوا بمحمّد (ص) ، فقال لهم هل هنا موضع يعرف بالماء ؟ قالوا نعم بئر قد ردمت بالرمل و الحجارة ، فمشي النبيّ (ص) حتّي وقف علي شفير البئر فرفع طرفه إلي السماء و نادي يا عظيم الأسماء يا باسط الأرض و يا رافع السّماء ، قد أضرّ بنا الظماء فاسقنا الماء ، فاذا بالحجارة و الرمل قد تصلصلت و عين الماء قد نبعت و تفجّرت و جري الماء من تحت أقدامه ، فسقي القوم دوابّهم و ملؤوا قربهم و ساروا و سار العبد إلي مولاه ، فقال ما وراءك يا فلاح ؟ فقال واللّه ماأفلح من عادي محمّداً ، و حدّثهم بما عاين منه (ص) فامتلي أبوجهل غيظاً و قال للعبد غيّبْ وجهك عنّي ، فلا أفلحت أبداً ، ثمّ سار حتّي وصل وادياً من أودية الشام يقال له ذبيان و كان كثير الأشجار ، إذ خرج من ذلك الوادي ثعبان عظيم كأنّه النخلة السحوق ، ففتح فاه و زفر و خرج من عينيه الشرار ، فجفلت منه ناقة أبيجهل لعنه اللّه و لعبت بيديها و رجليها و رمته و كسرت أضلاعه ، فغشي عليه ، فلمّا أفاق قال لعبيده تأخّروا إلي جانب الطريق ، فإذا جاء ركب بنيهاشم يتقدّمهم [ص 37] محمّد فقدّموه علينا حتّي إذا رأت ناقته الثعبان فعسي أن ترميه إلي الأرض فيموت ، ففعل العبيد ما أمرهم به ، و إذا بركب بنيهاشم قد أقبل يتقدّمهم محمّد ، فقال النبيّ (ص) يا ابن هشام أراكم قد نزلتم و ليس هو وقت نزولكم ؟ فقال له يا محمّد واللّه قد استحييت أن أتقدّم عليك و أنت سيّد أهل الصفا و أعلا حسباً و نسباً ، فتقدّم ، فلعن اللّه من يبغضك ، ففرح العبّاس بذلك و أراد العبّاس أن يتقدّم فنهاه النبيّ (ص) و قال ارفق يا عمّ ، فما تقديمهم لنا إلا لمكيدة لنا ، ثمّ إنّه (ص) تقدّم أمامهم و دخل إلي ذلك الشعب و إذا بالثعبان قد ظهر فجفلت منه ناقة النبيّ (ص) ، فزعق بها النبيّ (ص) و قال ويحك كيف تخافين و عليك خاتم المرسلين و إمام المرسلين .
ثمّ التفت إلي الثعبان و قال له ارجع من حيث أتيت و إيّاك أن تتعرّض لأحدٍ من الركب ، فنطق الثعبان بقدرة اللّه تعالي و قال: السّلام عليك يا محمّد ، السّلام عليك يا أحمد ، فقال النبيّ (ص) السّلام علي من اتّبع الهدي و خشي عواقب الردي و أطاع الملك الأعلي ، فعندها قال يا محمّد ما أنا من هوام الأرض و إنّما أنا ملك من ملوك الجنّ و اسمي الهام ابن الهيم و قد آمنت علي يد أبيك إبراهيم الخليل و سألته الشفاعة ، فقال هو لولد يظهر من نسلي يقال له محمّد ، و و عدني أن أجتمع بك في هذا المكان و قد طال بي الانتظار ، و قد شاهدت المسيح عيسي بن مريم (ع) ليلة عرج به إلي السماء و هو يوصي الحواريّين باتّباعك و الدخول في ملّتك و الآن قد جمع اللّه شملي بك ، فلاتنسني من الشفاعة يا سيّد المرسلين ، فقال له النبيّ (ص) لك ذلك عليّ ، فعُدْ من حيث جئت و لاتتعرّض لأحد من الركب ، فغاب الثعبان ، فلمّا نظر القوم إلي كلامه عجبوا من ذلك و ازداد أعمام النبيّ (ص) يقيناً و فرحاً و ازداد الجنود غيظاً و حسداً ، فأنشأ العبّاس يقول :
[ص 38]يا قاصداً نحو الحطيم و زمزم بلّغ فضائل أحمد المتكرّم
و اشرح لهم ما عاينت عيناك من فضل لأحمد و السحاب الأركم
قد بانت بالآيات في السيل الّذي ملأ الفجاج بسيله المتراكم
و نجي الّذي لميخط قول محمّد و هو الّذي أخطأ بوسط جهنّم
و البئر لمّا أن أضرّ بنا الظماء فدعا الحبيب إلي الإله المنعم
فاضت عيوناً ثمّ سالت أنهراً و غدا الحسود بحسرة و تغمغم
و الهام بن الهيم لمّا أن رأي خير البريّة جاء كالمتسلم
ناداه أحمد فاستجاب ملبّياً و شكي المحبّة كالحبيب المغرم
من عهد إبراهيم ظلّ مكانه يرجو الشفاعة خوف حر جهنّم
من ذا يقاس أحمد في الفضل من كلّ البريّة من فصيح و أعجم
و به توسّل في الخطيئة آدم فليعلم الأخبار من لميعلم
و لمّا فرغ العباس من شعره أجابه الزبيرٖي و أنشأ يقول :
يا للرّجال ذوي البصائر و النظر قوموا انظروا أمراً مهولاً قد خطر
هذا بيان صادقٌ في عصرنا من سيّد عالي المراتب مفتخر
آياته قد أعجزت كلَّ الوري من ذا يقائس عدّها أو يختصر
منها الغمام تظلّه مهما مشي أنّي يسير تظلّه و إذا حضر
و كذلك الوادي أتي مترادفاً بالسيل يسحب للحجارة و الشجر
و نجي الّذي قد طاع قول محمّد و هوي المخالف مستقرّاً في سقر
و أزال عنّا الضيم من حرّ الظماء من بعد ما بان التقلقل و الضجر
و البئر فاضت بالمياه و أقبلت تجري علي الأراض أشباه النهر [ص 39]
و الهام فيه عبارة و دلالة لذوي العقول ذوي البصائر و الفكر
كاد الحسود يذوب ممّا عاينت عيناه من فضل لأحمد قد ظهر
يا للرّجال ألا انظروا أنواره تعلو علي نور الغزالة و القمر
اللّه فضّل أحمداً و اختاره و لقد أذلّ عدوّه ثمّ احتقر
فأجابه حمزة رضي اللّه عنه يقول :
ما نالت الحسّاد فيك مرادهم طلبوا نقوص الحال منك فزادا
كادوا و ماخافوا عواقب كيدهم و الكيد مرجعه علي من كادا
ما كلّ من طلب السعادة نالها بمكيدة أو أن يروم عنادا
يا حاسدين محمّداً يا ويلكم حسداً تمزّق منكم الأكبادا
اللّه فضّل أحمداً و اختاره و لسوف يملكه الوري و بلادا
و ليملأنّ الأرض من إيمانه و ليهدينّ عن الغوي من حادا
قال فشكر منهم النبيّ (ص) علي ذلك و ساروا جميعاً و نزلوا وادياً كانوا يتعاهدون فيه الماء قديماً فلميجدوا فيه شيئاً من الماء ، فشمّر النبيّ (ص) عن ذراعيه و غمس كفّيه في الرمل و رمق السّماء و هو يحرّك شفتيه فنبع الماء من بين أصابعه تيّاراً و جري علي وجه الأرض أنهاراً ، فقال العبّاس امسك يا بن أخي حذراً من الماء أن يغرق أموالنا ، ثمّ شربوا و ملؤا قِرَبهم و سقوا دوابّهم ، فقال النبيّ (ص) لميسرة لعلّ عندك شيئاً من التمر فأحضره ، و كان يأكل التمر و يغرس النوي في الأرض ، فقال له العبّاس لمَ تفعل ذلك يا بن أخي ؟ قال يا عمّ أريد أن أغرسها نخلاً ، قال و متي تطعم ؟ قال الساعة نأكل منها و نتزوّد إن شاء اللّه تعالي ، فقال له العبّاس يا بن أخي النخلة إذا غرست تثمر في خمس سنين ، قال يا عمّ سوف تري من آيات ربّي الكبري ، ثمّ ساروا حتي تواروا عن الوادي ، فقال يا عمّ ارجع إلي الموضع الّذي فيه النخلات و اجمع لنا ما نأكله ، فمضي [ص 40] العبّاس فرأي النخلات قد كبرت و تمايلت أثمارها و أزهرت ، فأوقر منها راحلته و التحق بالنبيّ (ص) ، فكان يأكل من التمر و يطعم القوم فصاروا متعجّبين من ذلك ، فقال أبوجهل لعنه اللّه لاتأكلوا يا قوم ممّا يصنعه محمّد الساحر ، فأجابه قومه و قالوا يا بن هشام اقصر عن الكلام فما هذا بسحر ، ثمّ سار القوم حتي وصلوا عقبة أيلة ، و كان بها دير و كان مملواً رهباناً و كان فيهم راهب يرجعون إلي رأيه و عقله يقال له الفيلق بن اليونان بن عبد الصليب و كان يكنّي أباخبير و قد قرء الكتب و عنده سِفر فيه صفة النبيّ (ص) من عهد عيسي بن مريم (ع) ، و كان إذا قرأ الإنجيل علي الرهبان و وصل إلي صفات النبيّ (ص) بكي و قال يا أولادي متي تبشّروني بقدوم البشير النذير الّذي يبعثه اللّه من تهامة ، متوّجاً بتاج الكرامة ، تظله الغمامة ، يشفع في العصاة يوم القيامة ، فقال له الرهبان لقد قتلت نفسك بالبكاء و الأسف علي هذا الّذي تذكره و عسي أن يكون قد قرب أوانه ، فقال إي واللّه إنّه قد ظهر بالبيت الحرام و دينه عند اللّه الإسلام ، فمتي تبشّروني بقدومه من أرض الحجاز و هو تظلّه الغمامة ؟ و أنشأ يقول :
لإن نظرت عيني جمال أحبّتي وهبتُ لبشري الوصل ما ملكت يدي
و ملّكته روحي و ما لي غيرها و هذا قليل في محبّة احمد
سألت إلهي أن يمنّ بقربه و يجمع شملي بالنبيّ محمّد [ص 41]
قال و ما زال الراهب كلّما ذكر الحبيب أكثر النحيب إلي أن حال منه النظر و زاد به الفكر ، فعند ذلك أشرف بعض الرهبان ، و قد أشرقت الأنوار من جبين النبيّ المختار ، فنظر الرهبان إلي الأنوار و قد تلألأت من الركب ، و قد أقبل من الفلا و النور قد أشرق و علا ، تقدّمهم سيّد الأمم و قد نشرت علي رأسه الغمامة ، فقالوا يا أبا الرهبان هذا ركب قد أقبل من الحجاز ، فقال يا أولادي و كم ركب قد أقبل و أتي و أنا أُعلّل نفسي بلعلّ و عسي ؟ قالوا يا أبانا قد رأينا نوراً قد علا ، فقال الآن قد زال الشقاء و ذهب العناء ، ثمّ رفع طرفه نحو السّماء و قال إلهي و سيّدي و مولاي بجاه هذا المحبوب الّذي زاد فيه تفكّري إلا ما رددت عليّ بصري ، فما استتمّ كلامه حتّي ردّ اللّه عليه بصره ، فقال الراهب للرّهبان كيف رأيتم جاه هذا المحبوب عند علّام الغيوب ؟ ثمّ أنشأ يقول :
بدا النور من وجه النبيّ فأشرقا و أحيا محبّاً بالصبابة محرقا
و أبرأ عيوناً قد عمين من البكاء و أصبح من سوء المكاره مطلقا
تري هل تري عيناي طلعة وجهه و أصبح من رقّ الضلالة معتقا
ثمّ قال يا أولادي إن كان هذا النبيّ المبعوث في هذا الركب فهو ينزل تحت هذه الشجرة فإنّها تخضرّ و تثمر ، فقد جلس تحتها عدّة من الأنبياء و هي من عهد عيسي بن مريم (ع) يابسة ، و هذه البئر لمنر فيها ماء فإنّه يأتي إليها و يشرب منها ، فما كان إلا قليلاً و إذا الركب قد أقبل و حول البئر قد نزلوا و حطّوا الأحمال عن الجمال ، و كان النبيّ (ص) يحبّ الخلوة بنفسه ، فأقبل تحت الشجرة فاخضرّت و أثمرت من وقتها و ساعتها ، فمااستقرّ بهم الجلوس حتّي قام النبيّ (ص) و مشي [ص 42] إلي البئر فنظر إليها و استحسن عمارتها و تفل فيها فتفجّرت منها عيون كثيرة و نبع منها ماء معين ، فلمّا رأي الراهب ذلك قال يا أولادي هذا هو المطلوب فبادروا بصنع الولائم من أحسن الطعام لنتشرّف بسيّد بني هاشم ، فإنّه سيّد الأنام لنأخذ منه الادام لسائر الرهبان ، فبادر القوم لأمره طائعين و صنعوا الولائم ، و قال لهم انزلوا إلي أمير هذا القوم و قولوا له إنّ أبانا يسلّم عليك و يقول لك إنّه قد عمل وليمة و هو يسألك أن تجيبه و تأكل من زاده ، فنزل بعض الرهبان فما رأي أحسن من أبيجهل لعنه اللّه و لمير رسول اللّه (ص) ، فأخبر أباجهل بمقالة الراهب ، فنادي في العرب إنّ هذا الراهب قد صنع لأجلي وليمة و أُريد أن تجيبوا لدعوته ، فقال القوم من نترك عند أموالنا ؟ فقال أبوجهل اجعلوا محمّداً عند أموالنا فهو الصّادق الأمين ، و في هذا المعني قيل :
و مناقب شهد العدوّ بفضلها و الفضل ما تشهد به الأعداءُ
فسار القوم إلي النبيّ (ص) و سألوه أن يجلس عند متاعهم و سار القوم إلي الراهب يتقدّمهم أبوجهل لعنه اللّه ، و قد أعجب بنفسه ، فلمّا دخلوا الدير أحضر لهم الطعام و ناداهم بالرحب و الإكرام ، فأخذ القوم في الأكل و أخذ الراهب القلنسوة و السفّود في يده و هو ينظر فيه و يدور علي القوم رجلاً رجلاً و جعل ينظر فيهم رجلاً رجلاً ، فلمير صفة النبيّ (ص) فرمي القلنسوة عن رأسه و نادي وا خيبتاه وا طول شقوتاه ، ثم جعل يقول :
[ص 43]يا أهل نجد تقضّي العمر في أسف منكم و قلبي لميبلغ أمانيه
يا ضيعة العمر لا وصل ألوذ به من قربكم لا و لا و عد أُرجّيه
قال ثمّ بعد ذلك قال يا سادات قريش هل بقي منكم أحد ؟ فقال أبوجهل نعم بقي منّا صبيٌّ صغيرٌ أجيرٌ علي أموال بعض نسائنا ، فمااستتمَّ كلامه حتّي قام له حمزة و ضربه ضرباً وجيعاً و ألقاه علي قفاه و قال يا وغد الأنام لمَ لا ؟ قلت تأخّر منّا البشير النذير السراج المنير ، و ماتركناه عند بضائعنا و أموالنا إلا لأمانته و ما فينا أصلح منه ، ثمّ التفت حمزة إلي الراهب و قال أرني السفْر و أخبرني بما فيه ، فقال سيّدي هذا سِفر فيه صفة النبيّ (ص) لا بالطويل الشاهق و لا بالقصير اللّاصق ، معتدل القامة بين كتفيه علامة تظلّه الغمامة يبعث من تهامة شفيع العصاة يوم القيامة ، قال العبّاس يا راهب إذا رأيته تعرفه ؟ قال نعم ، قال سِر معي إلي الشجرة ، فإن صاحب هذه الصفة تحتها ، فخرج الراهب من الدير يهرول في خطواته حتّي لحق بالنبيّ (ص) ، فلمّا رآه نهض قائماً لا متكبّراً و لا متجبّراً ، فقال مرحباً بالفيلق ، بعد ما قال له الراهب السّلام عليك يا أبا الفتيان ، فقال له النبيّ (ص) و عليك السّلام يا عالم الرهبان و يا ابن اليونان يا ابن عبد الصليب ، فقال الراهب و ما أدراك أنّي الفيلق بن اليونان بن عبد الصليب ؟ قال : الّذي أخبرك أنّي أُبعث في آخر الزمان بالأمر العجيب ، فانكبّ الراهب علي قدميه يقبّلهما و هو يقول يا سيد البشر لعلّك أن تجيب لوليمتنا لتحصل لنا بها الكرامة و نفوز بمحبتك يوم القيامة ، فقال له النبيّ (ص) اعلم أنّ القوم أودعوني أموالهم ، فقال يا مولاي تصدّق علينا بالمسير ، إن عدم لهم عقال عليّ ببعير ، فقال له النبيّ (ص) [ص 44] سِر ، و سار معهم إلي ديرهم و كان له بابان واحد كبير و الآخر صغير ، و قد وضعوا بحيال الباب الصغير كنيسة فيها تصاوير و تماثيل ، فإذا دخل الرجل من الباب الصغير ينحني برأسه ، و ذلك برسم السجود للتّصاوير في الكنيسة فخطر في نفسه أنّه يدخل النبي (ص) من الباب الصغير ليتلذّذ بمعجزاته و غرائب كراماته ، فلمّا دخل الراهب أمامه داخله الفزع من النبيّ (ص) فلمّا دخل النبيّ (ص) من الباب القصير أمر اللّه تعالي عضادتي الباب أن ترتفع ، فارتفع الباب حتّي دخل النبيّ (ص) منتصب القامة ، فلمّا أشرف علي القوم قاموا له إجلالاً و أجلسوه في أوساطهم علي أعلي مكان ، و و قف الراهب بين يديه و الرهبان حوله ، فقدّموا بين يديه طرائف الشام ، ثم رمق الراهب بطرفه إلي السماء فقال إلهي و سيّدي و مولاي أرني خاتم النبوة ، فأرسل اللّه عزّ و جلّ جبرئيل و رفع ثيابه عن ظهره ، فبان خاتم النبوّة بين كتفيه ، فسطع منه نور ساطع ، فلمّا رآه الراهب خرّ ساجداً هيبةً من ذلك النور ، ثمّ رفع رأسه و قال هو أنت حقّاً ، ثمّ إنّ حمزة أنشأ و يقول :
أنت المظلّل بالغمام و قد رأي الرهبان أنّك ذاك و انكشف الخبر
ربّيت في بحبوح مكّة بعد ما وضع الخليل و فاق فخرك من فخر
و رضعت في سعدٍ لثدي حليمة كرماً ففاض الثدي نحوك و انحدر [ص 45]
قال فشكره النبيّ (ص) و تفرّق القوم الي رحالهم ، و قد كمد أبوجهل غيظاً و بقي ميسرة و الراهب مع النبيّ (ص) ، فقال الراهب يا سيّدي أبشر ، فإنّ اللّه يوطئ لك رقاب العرب و تملك سائر البلاد و ينزل عليك القرآن و تدين لك الأنام ، و دينك عند اللّه هو الإسلام ، و تنكس الأصنام و تمحق الأديان و تخمد النيران و تكسر الصلبان و يبقي ذكرك إلي آخر الزمان ، فأسألك يا سيّدي أن تتصدّق علينا بالذمام لسائر الرهبان لتأخذ منهم أُمّتك الجزية في ذلك الزمان ، فيا ليتني كنت معك حتّي تبعث يا سيّدي ، فأعطاهم النبيّ (ص) الذمام و اكرمهم غاية الإكرام .
و قال الراهب لميسرة يا ميسرة اقرء مولاتك منّي السلام ، و اعلم أنّها قد ظفرت بسيّد الأنام و أنّه سيكون لها شأن من الشأن و تفضّلٌ علي سائر الخاصّ و العامّ ، و احذرها أن تفوتها القرب من هذا السيّد ، فإنّ اللّه تعالي سيجعل نسلها من نسله و يبقي ذكرها إلي آخر الزمان ، و يحسدها عليه كلّ أحد ، و أعلمها أنّه لايدخل الجنّة إلا من يؤمن به و يصدق برسالته ، و أنّه أشرف الأنبياء و أفضلهم و أصفاهم سريرة ، و احذر عليه من أعدائه اليهود في الشام حتي يعود إلي البيت الحرام ، ثمّ ودّع الراهب و خرج النبيّ (ص) و لحق بالقوم ، و ساروا من وقتهم و ساعتهم إلي أن نزلوا بأرض الشام فنزلوا بمدينة يقال لها براء و حطّوا رحالهم ، فبادر أهل المدينة و اشتروا بضاعتهم ، و باعت قريش بضائعها بأغلي أثمان في أحسن بيع ، و أمّا ما كان من النبيّ (ص) فإنّه لميبع شيئاً من بضاعته ، فقال أبوجهل لعنه اللّه واللّه مارأت خديجة سفرة أشأم من هذه ، لميبع من بضائعها قط شيئاً ، فلمّا اصبح الصباح بادر العرب ، فلمّا أقبلت من كلّ جانب و مكان يريدون البضائع ، فلميجدوا الا بضائع خديجة فباعها النبي (ص) بأضعاف ما باعت قريش ، فاغتمّ أبوجهل لذلك غمّاً شديداً ، و لميبق من بضائع خديجة إلا حمل أديم .
[ص 46] فجاء رجل من اليهود يقال له سعيد بن قطمور و كان من أحبار اليهود و كُهّانهم و كان قد اطّلع علي صفة النبيّ (ص) ، فلمّا نظر إليه عرفه بالنور و قال هذا الّذي يسفّه أحلامنا و يعطّل أدياننا و يرمّل نسواننا ، و أنا أحتال علي قتله ، ثمّ دنا من النبيّ (ص) و قال يا سيّدي بكم هذا الحمل ؟ فقال بخمس مأة درهم لاينقص منها شيء ، قال اشتريت بشرط أن تسير معي إلي منزلي و تأكل من طعامي حتي تحصل لنا البركة فقال النبيّ (ص) نعم ، فأخذ اليهوديّ حمل الأديم و سار إلي منزله ، و سار النبيّ (ص) ، فلمّا قرب اليهودي من منزله سبق إلي زوجته و قال لها أُريد منك أن تساعديني علي قتل هذا الّذي يعطّل أدياننا ، قالت و كيف أصنع به ؟ قال خذي فردة الرحي و اقعدي علي باب الدار ، فاذا رأيتيه قبض منّا ثمن حمل الأديم و خرج ارمي عليه فردة الرحي حتّي تقتليه و نستريح منه ، قال فأخذت زوجة اليهوديّ الرحي و طلعت علي سطح الدار ، فلمّا خرج النبيّ (ص) همّت أن تلقي عليه الرحي فأمسك اللّه يديها و رجف قلبها و كان قد غشي عليها من نور وجه رسول اللّه (ص) ، و كان لها ولدان قائمان بفناء الدار فسقطت الرحي عليهما فماتا ، فلمّا نظر اليهوديّ إلي ما جري علي أولاده نادي بأعلي صوته يا بنيقريظة فأجابوه من كلّ جانب و مكان من كان له، و قالوا له ما ورائك ؟ فقال اعلموا أنّه قد دخل ببلدكم هذا الرجل الذي يعطّل اديانكم و يسفّه احلامكم و قد دخل منزلي و أكل من طعامي و قتل أولادي ، فلمّا سمعت اليهود ذلك منه ركبوا خيولهم و جرّدوا سيوفهم و حملوا علي قريش بأجمعهم ، فلمّا نظر أعمام النبيّ (ص) إلي اليهود لبسوا دروعهم و بيضهم و ركبوا خيولهم العربيّة و ارتفع الصياح و [ص 47] شهّروا الصفاح و قالوا ما أبركه من صائح صاح ، و ركب حمزة علي جواده و هو أشقر مضمر حسن المنظر مليح المخبر صافي الجوهر من خيل قيصر ، و تقلّد سيفه و اعتقل رمحه و لبس درعه و حمل علي اليهود فهناك جاشت عليهم الخيل من كلّ مكان و حلّ بهم الوبال ، فأجمع رأيهم علي أن ينفذوا منهم سبعة رجال من رؤسائهم بلا سلاح ، فلما رأتهم قريش من غير سلاح قالوا ما شأنكم ؟ قالوا يا معشر العرب إن هذا الرجل الّذي معكم يعنون بذلك النبيّ (ص) أوّل من يبدئ بخراب دياركم و قتل رجالكم و تكسير أصنامكم ، و الرأي عندنا أن تسلّموه لنا حتّي نقتله و نستريح منه نحن و أنتم ، فلمّا سمع حمزة الكلام قال يا ويلكم هيهات هيهات أن نسلّمه إليكم ، فهو نورنا و سراجنا ، و لو تلفت فيه أرواحنا فهي فداه دون أموالنا ، فلمّا سمع اليهود ذلك آيسوا من بلوغ مرادهم و رجعوا علي أعقابهم .
فلمّا عاين قريش اليهود و قد انقلب بعضهم علي بعض رأوها فرصة فرحل القوم يجدّون السير إلي ديارهم ، و قد غنموا أسلاباً من اليهود و خيلهم و سلاحهم و قد فرحوا بالنصر و الظفر ، فلمّا استقاموا علي الطريق قال لهم ميسرة ما منكم أحد يا قوم إلا و قد سافر مرة أو مرّتين أو أكثر ، فهل رأيتم أبرك من هذه السفرة و أكثر من ربحها ؟ و ما ذلك إلا ببركة محمّد (ص) ، و هو قد نشأ فيكم و هو قليل المال ، فهل لكم أن تجمعوا له شيئاً من بينكم علي جهة الهديّة حتّي يستعين به علي حاله ، فقالوا له واللّه لقد أصبت الرأي يا ميسرة ، ثمّ إنّ القوم نزلوا منزلاً كثير الماء و الأشجار و الأنهار ، فاستخرج كلّ واحد منهم شيئاً لطيفاً و جاؤا به علي سبيل الهديّة و كان يحب الهديّة و يكره [ص 48] الصدقة ، فلمّا جمعوه بين يديه قالوا له خذها مباركة عليك ، فدفعها إلي ميسرة و لميردّ جواباً ، ثمّ إنّ القوم رحلوا يجدّون السير و يقطعون الفيافي و الأودية إلي أن نزلوا دير الراهب و هو الوادي الّذي تزوّدوا منه التمر . ثمّ إنّهم رحلوا حتّي قربوا من مكّة و نزلوا بحجفة الوداع ، فأخذ النّاس ينفذون إلي أهاليهم يبشّرونهم ميسرة بقدومهم و غنمهم ، قال أبوجهل لعنه اللّه يا قوم مارأيت ربحاً أكثر من سفرتنا هذه ، فقالوا نعم ، قال و أكثرنا أرباحاً محمّد (ص) ، قال ماكنت أحسب أنّه يجلبهم من أماكنهم و يبيع عليهم بأغلي الثمن ، ثمّ أخذ القوم في إنفاذ رسلهم ، و نفذ أبوجهل و غيره رسلاً ، فأقبل ميسرة إلي النبيِّ (ص) و قال يا قرّة العين هل أُرشدك إلي خير يصل إليك ؟ قال ما هو ؟ قال تسير من وقتك و ساعتك إلي مولاتي خديجة و تبشّرها بسلامة أموالها ، فإنّها تعطي من يبشّرها خيراً كثيراً ، و انا أُحب ان يكون ذلك لك ، فقم الآن و سر الي مكة و ادخل علي مولاتي خديجة و بشّرها بسلامة اموالها ، فقام النبي (ص) و قال يا ميسرة أُوصيك بمالك و نفسك خيراً ، و ركب مستقبل الطريق وحده يريد مكّة و غاب عن الأبصار ، فبعث اللّه ملكاً يطوي له البعيد و يهوّن عليه الصعب الشديد ، فلمّا أشرف علي الجبال ارسل اللّه عليه النوم فنام ، فأوحي اللّه تعالي إلي جبرئيل أن اهبط إلي جنّات عدن و اخرج منها القبّة الّتي خلقتها لصفوتي محمّد (ص) قبل أن أخلق آدم (ع) بألفي عام ، و انشرها علي رأسه ، و كانت من الياقوت الأحمر ، معلقة بعلائق من اللّؤلؤ الأبيض يري باطنها من ظاهرها و ظاهرها من باطنها ، لها أربعة أركان و أربعة أبواب ركن من الزبرجد و ركن من الياقوت و ركن من العقيان و ركن من [ص 49] اللّؤلؤ ، و كذا الأبواب ، فنزل جبرئيل و استخرجها فتباشرت الحور العين ، و أشرفت من قصورها ، و قلن لك الحمد يا رحمان هذا الآن يبعث صاحب القبّة و هبّت ريح الرحمة و صفقت الأشجار ، و نشر جبرئيل (ع) القبّة علي رأس النبيّ (ص) ، و أحدقت الملائكة بأركانها ، ثم أعلنوا بالتقديس و التسبيح ، و نشر جبرئيل بين يديه ثلاثة أعلام ، و تطاولت الجبال و نادت الأشجار و الأطيار و الأملاك ، يقولون لا إله إلا اللّه ، محمّد رسول اللّه (ص) ، هنيئاً لك من عبد ما أكرمك علي اللّه تعالي ، قال و كانت خديجة متّكئة علي موضع عال و جواريها حولها و عندها جماعة من نساء قريش ، و هي تطيل النظر إلي شعاب مكّة ، إذ كشف اللّه تعالي عن بصرها دون غيرها ، و قد نظرت نوراً ساطعاً و ضياءً لامعاً من جهة باب المعلّي ، ثمّ إنّها حقّقت النظر فرأت القبّة و المحدقين بها ، ناشرين أعلامها ، و النبيّ (ص) نائم بها ، فحارت في أمرها ، فجعلت تنظر إليه ، فقلن لها النسوة ما لنا نراك باهتة يا بنت العمّ ؟ فقالت يا بنات العرب أنا نائمة أم يقظانة ؟ فقلن نعيذك باللّه ، بل أنت يقظانة ، قالت لهنّ انظروا إلي باب المعلّي و انظروا القبّة ، قلن نعم رأينا ، قالت لهنّ و ما الذي ترون غير ذلك ؟ قلن نري نوراً ساطعاً و ضياءً لامعاً قد بلغ عنان السّماء ، قالت و ما الّذي ترون غير ذلك ؟ قلن لمنر شيئاً ، قالت أماترون القبّة و الراكب و الأطيار الخضر المحدقين بالقبّة ؟ فقلن لها لمنر شيئاً ، قالت أري راكباً أبهي من نور الشمس في قبّة خضراء لمأر أحسن منها علي ناقة واسعة الخطا ، و لا شكّ أنّ الناقة هي ناقتي الصهباء و الراكب محمّد (ص) ، فقلن يا سيّدتنا و من [ص 50] أين لمحمّد (ص) ما تقولين و ليس يقدر علي هذا كسري و لا قيصر ؟ فقالت لهنّ فضل محمّد أعظم من ذلك ، ثمّ إنّ الناقة دخلت بين الشعاب ، ثمّ قصدت باب المعلّي ، ثمّ إنّ الملائكة عرجت إلي السماء ، و عرج جبرئيل (ع) بالقبّة و الأعلام ، و انتبه النبيّ (ص) من نومه و دخل مكة و قصد منزل خديجة فوجدها و هي تقول متي يصل محمّد حتّي أُمتّع بالنظر إليه ؟ و هي تقوم و تقعد ، و إذا بالنبيّ (ص) قد قرع الباب ، قالت الجارية من بالباب ؟ قال أنا محمّد قد جئت أُبشّر خديجة بقدوم أموالها و سلامتها ، فلمّا سمعت خديجة كلام رسول اللّه (ص) انحدرت إلي وسط الدار و وقفت بالحجاب و فتحت الجارية الباب ، فقال السّلام عليكم يا أهل البيت ، فقالت خديجة هنيئاً لك السلامة يا قرّة عيني ، قال و أنت يهنئك سلامة أموالك ، قالت خديجة تهنئني سلامتك أنت يا قرّة العين ، فواللّه أنت عندي خير من جميع الأموال و الأهل ، ثمّ قالت :
جاء الحبيب الّذي أهواه من سفر و الشمس قد أثّرت في وجهه أثرا
عجبت للشّمس من تقبيل وجنته و الشمس لاينبغي أن تدرك القمرا
ثمّ قالت يا حبيبي أين خلّفت الركب ؟ قال بالحجفة ، قالت و متي عهدك بهم ؟ قال ساعتي هذه ، فلمّا سمعت خديجة كلامه اقشعرّ جلدها و قالت سألتك باللّه إنك فارقتهم بالحجفة ؟ قال نعم ، و لكن طوي اللّه لي البعيد ، قالت واللّه ماكنت أُحبّ أن تجيء هكذا وحيداً ، إنّما كنت أُحبّ أن تكون أوّل القوم ، و أنظر إليك و أنت مقدّم الرجال ، و أُرسل إليك جواريّ علي رؤوس الجبال بأيديهم المباخر و المعازف ، و آمر عبيدي بالذبائح و العقائر ، و يكون ذلك يومٌ مشهورٌ ، قال يا خديجة إنّي أتيت و لميعلم بي أحدٌ من أهل [ص 51] مكة ، فإن أمرتيني بالرجوع رجعت من هذه الساعة و تفعلين مرادك ؟ فقالت له يا سيّدي امهل قليلاً ، ثمّ عملت له زاداً ساخناً فوضعته في مزادة ، و كانت العرب تعرفه بنقائه و طيب ريحه ، و ملأت له قربة من ماء زمزم ، و قالت له ارجع أودعتك من طوي لك البعيد من الأرض ، فرجع النبيّ (ص) ، ثمّ إنّ خديجة رجعت إلي موضعها لتنظر هل تعود القبّة أم لا ، و إذا بالقبّة قد عادت و جبرئيل قد نزل ، و الملائكة قد أحدقوا بها كالأول ، ففرحت خديجة بذلك و أنشأت تقول :
نعم لي منكم ملزم أيّ ملزم و وصل مدي الأيّام لميتصرّم
و لو لميكن قلب المتيّم فيكم جريحاً لماسالت دموعي بالدم
و لميخل طرفي ساعة من خيالكم و من حبّكم قلبي و من ذكركم فمي
و لو جبلاً حمّلتموه بعادكم لمال و ما زال جسمي و أعظمي
أشدّ علي كبدي يدي فيردّها بما فيه من وجد من الشوق مضرم
طويت الهوي و الشوق ينشر طيّه و كتمت أشجاني فلمتتكتّم
فيا ربّ قد طالت بنا شقّة النوي و أنت قدير تنظم الشمل فانظم
قال ثمّ إنّ النبيّ (ص) سار قليلاً و التحق بالقوم و بعضهم يقظان و بعضهم رقود ، فلمّا أحس به ميسرة قال من الطارق في هذا اللّيل العاكر ؟ قال أنا محمّد بن عبدالله ، قال يا سيدي ماعهدتك ان تهزء و عهدي بك أنّك سائر ، فما الّذي أرجعك يا سيّدي ؟ فقال له يا ميسرة إنّي سافرت ثمّ عدت ، فضحك ميسرة و قال سافرت إلي ذيل هذا الجبل ، ثمّ عدت ، قال النبيّ (ص) بل قصدت البيت الحرام ، فقال له ميسرة ماعهدت منك يا سيّدي إلا الصدق ، فقال يا ميسرة ما قلت لك إلا الصدق ، فإن كان عندك شكّ فهذا خبز مولاتك خديجة و هذا ماء زمزم [ص 52] ، فلمّا نظر ميسرة إلي ذلك نهض قائماً علي قدميه و نادي يا معاشر قريش ، و يا بني النضر و يا بني زهرة ، و يا بني هاشم هل غاب محمّد عنكم غير ساعتين أو أقلّ من ذلك ؟ فقالوا نعم ، قال قد سار إلي مكّة و رجع ، و هذا خبز مولاتي خديجة و هذا ماء زمزم ، فتعجّب القوم و دهشت عقولهم ، و صاح أبوجهل لعنه اللّه و قال لايبعد هذا علي الساحر ، فلمّا أصبح الصباح رحل العرب و سبق الخبر بقدوم القافلة ، و خرج أهل مكة مبادرين ، و سبق عبيد خديجة و جواريها و تفرّقوا في شعاب مكّة و أوديتها ، بأيديهم المعازف و المباخر ، فكان النبيّ (ص) مايمرّ علي عبدٍ من عبيد خديجة إلا يعقر ناقة فرحاً بقدومه ، ثمّ تفرّق الناس إلي منازلهم ، و نظرت خديجة إلي جمالها و قد أقبلت كالعرائس ، و كانت معتادة أن يموت بعض جمالها و يجرب بعضها إلا تلك السفرة فإنّها لمتنقص منها شعرة ، فوقف قريش متعجّبين من تلك الجمال كلّما مرّ بهم جمل بإزائه ناقة هيفاء فيقولون لمن هذا ؟ فيقال هذا ما أفاده محمد (ص) لخديجة من الشام فذهلت عقول قريش لذلك ، فلمّا اجتمعت أموال خديجة فكّوا رحالها و عرضوا الجميع علي خديجة و كانت جالسة خلف الحجاب و النبيّ (ص) جالس وسط الدار و ميسرة يعرض عليها الأمتعة شيئاً فشيئاً ، فنظرت خديجة إلي شيء قد أدهشها فبعثت إلي أبيها تعرّفه بذلك و ترغّبه في محمّد (ص) ، فلمتك إلا ساعة واحدة و إذاً بخويلد قد أقبل و دخل منزل ابنته خديجة ، و هو متزيّن بالثياب متقلّد سيفاً ، فلمّا نظرت إليه قامت و أجلسته إلي جنبها و ابتدأته بالترحيب و جعلت تعرض عليه البضائع و هي تقول يا أبت هذا كلّه ببركة محمّد (ص) واللّه يا أبتاه إنّه مبارك الطلعة ميمون الغرّة فماربحت ربحاً أغنم [ص 53] من هذه السفرة ، ثمّ التفتت إلي ميسرة و قالت حدّثني كيف كان سفركم ؟ و ما الّذي عاينتم من محمّد (ص) ؟ قال يا سيّدتي و هل أُطيق أن أصف لك بعضاً من صفاته و ما عاينت منه (ص) ؟ ثمّ أخبرها بحديث السيل و البئر و الثعبان و النخل و ما أخبره الراهب و ما أوصاه إلي خديجة ، فقالت حسبك يا ميسرة لقد زدتني شوقاً إلي محمّد (ص) ، اذهب فأنت حرّ لوجه اللّه و زوجتك و أولادك ، و لك عندي مأتا درهم و راحلتان ، و خلعت عليه خلعة سنيّة ، و قد امتلأ سروراً و فرحاً ، ثمّ إنّ خديجة التفتت إلي النبيّ (ص) و قالت ادن منّي فلا حجاب اليوم بيني و بينك ، ثمّ رفعت عنها الحجاب ، و أمرت أن ينصب له كرسيّ من العاج و الآبنوس ، و أجلسته عليه ، و قالت يا سيّدي كيف كان سفركم ؟ فأخذ يحدّثها بما باعه و ما شراه ، فرأت خديجة ربحاً عظيماً ، و قالت يا سيّدي لقد فرحتني بطلعتك و أسعدتني برؤيتك ، فلالقيت بؤساً و لارأيت نحوساً ، ثمّ جعلت تقول :
فلو أنّني أمسيت في كلّ نعمة و دامت لي الدنيا و ملك الأكاسرة
لماسوّيت عندي جناح بعوضة إذا لميكن عيني لعينك ناظرة
قال ثمّ إنّ خديجة قالت يا سيّدي لك عندي حقّ البشارة زيادة علي ما كان بيننا فهل لك الساعة من حاجة فتقضي ؟ قال (ص) حتّي أستريح و أعود إليك ، ثمّ خرج و دخل منزل عمّه أبيطالب ، و كان أبوطالب فرحاً بما عاين من ابن أخيه ، فقبّل ما بين عينيه و دارت أعمامه حوله ، و قال أبوطالب يا ولدي ما الّذي أعطتك خديجة ؟ قال وعدتني بالزيادة علي ما بيننا ، قال هذه نعمة جليلة ، و قد عزمت أن أترك لك بعيرين تسافر عليهما و راحلتين تصلح بهما شأنك ، [ص 54] و أمّا الذهب و الفضّة أخطب لك بهما فتاة من نسوان قريش من قومك ثمّ لاأُبالي بالموت حيث أتي و كيف نزل ، فقال يا عمّاه افعل ما بدا لك ، فلمّا كان وقت الغداة اغتسل النبي (ص) من وعك السفر و تطيّب و سرّح رأسه و لبس أفخر أثوابه و سار إلي منزل خديجة ، فلميجد عندها سوي ميسرة ، فلمّا رأته فرحت بقدومه و جعلت تقول :
دنا فرمي من قوس حاجبه سهماً فصادفني حتّي قتلت به ظلما
و أسفر عن وجه و أسبل شعره فبات يباهي البدر في ليلة ظلماء
و لمأدر حتّي زار من غير موعدٍ علي رغم واش ما أحاط به علما
و علّمني من طيب حسن حديثه منادمة يستنطق الصخرة الصمّاء
قال ثمّ التفتت إليه و قالت يا سيّدي نعمت الصباح و دامت لك الأفراح ، هل من حاجة فتقضي ؟ فاستحيا و طأطأ رأسه و عرق جبينه ، فأقبلت عليه تلاطفه في الكلام ، ثمّ قالت يا سيّدي إذا سألتك عن شيء تخبرني ؟ قال نعم ، قالت خديجة إذا أخذت الجمال و المال من عندي ما تريد أن تصنع به ؟ قال لها و ما تريدين بذلك يا خديجة ؟ قالت أزيدك و ما أقدر عليه ، قال اعلمي أنَّ عمّي أباطالب قد أشار عليّ ان يترك لي بعيرين أُسافر بهما و بعيرين أصلح بهما شأني و الذهب و الفضّة يخطب لي بهما امرأة من قومي تقنع منّي بالقليل و لاتكلّفني ما لاأُطيق ، فتبسّمت خديجة و قالت يا سيّدي أماترضي أنّي اخطب لك امرأة تحن لك بقلبي ؟ قال نعم ، قالت قد وجدت لك زوجة و هي من أهل مكّة من قومك و هي أكثرهنّ مالاً و احسنهن جمالاً و أعظمهنّ كمالاً و أعفّهنّ فرجاً و أبسطهنّ يداً ، طاهرة مصونة ، تساعدك علي الأُمور و تقنع منك بالميسور و لاترضي من غيرك بالكثير و هي قريبة منك [ص 55] في النسب ، يحسدك عليها جميع الملوك و العرب ، غير أنّي أصف لك عيبها كما وصفت لك خيرها ، قال و ما ذلك ؟ قالت عرفت قبلك رجلين ، و هي اكبر منك سنّاً ، قال (ص) سمّيها لي ، قالت هي مملوكتك خديجة ، فاطرق منها خجلاً حتي عرق جبينه و امسك عن الكلام ، فأعادت عليه القول مرّة أُخري و قالت يا سيّدي ما لك لاتجيب ؟ و انت واللّه لي حبيب و اني لاأُخالف لك أمراً ، و أنشأت تقول بلسان حالها :
يا سعد إن جزت بوادي الأراك بلّغ قليبا ضاع منّي هناك
و استفت غزلان الفلا سائلا هل لأسير الحبّ منهم فكاك ؟
و إن تري ركبا بوادي الحمي سائلهم عنّي و من لي بذاك ؟
نعم سيروا و استصحبوا ناظري و الآن عيني تشتهي أن تراك
ما فيّ من عضو و لا مفصل إلا و قد ركب فيه هواك
عذّبتني بالهجر بعد الوفاء يا سيّدي ماذا جزاء بذاك ؟
فاحكم بما شئت و ما ترتضي فالقلب مايرضيه إلا رضاك
قال ثم ألحّت عليه بالكلام ، فقال لها يا ابنة العم أنت امرأة ذات مال و انا فقير لااملك الا ما تجودين به عليّ ، و ليس مثلك من يرغب في مثلي ، و انا اطلب امرأة يكون حالها كحالي و مالها كمالي و أنت ملكة لايصلح لك إلا الملوك ، فلمّا سمعت كلامه قالت واللّه يا محمّد إن كان مالك قليلاً فمالي كثير و من يسمح لك بنفسه كيف لايسمح لك بماله ؟ و أنا و مالي و جواريّ و جميع ما املك بين يديك و في ملكك لاأمنعك منه شيئاً و حقّ الكعبة و الصفا ماكان ظني ان تبعّدني عنك ، ثم ذرفت عبرتها و قالت :
[ص 56]واللّه ما هبّ نسيم الشمال إلا تذكرت ايام الوصال
و لاأضا من نحوكم بارق إلا توهمت لطيف الخيال
أحبابنا ما خطرت خطرة منكم غداة الوصل منّي ببال
جور اللّيالي خصّني بالجفا منكم و من يأمن جور اللّيال ؟
رقّوا و جودوا و اعطفوا و ارحموا لا بدّ لي منكم علي كلّ حال
قال ثمّ إنّ خديجة قالت و ربّ احتجب عن الأبصار و علم حقيقة الأسرار أنّي محقّة لك في هذا الأمر و لكن قم إلي عمومتك و قل لهم يخطبوني لك من أبي و لاتخف من كثرة المهر فهو عندي و أنا أقوم لك بالهدايا و المصانعات ، فسِرْ و أحسن الظنّ فيمن أحسن بك الظنّ ، فخرج النبيّ (ص) من عندها و دخل علي عمّه أبيطالب و السرور في وجهه قد زاد فوجد أعمامه مجتمعين ، فنظر إليه أبوطالب و قال يا بن أخي نهنّئك ما أعطتك خديجة و أظنّها قد غمرتك من عطاياها ، قال محمّد (ص) يا عمّ لي إليك حاجة ، قال و ما هي ؟ قال تنهض أنت و أعمامي هذه الساعة إلي خويلد و تخطبون لي منه خديجة ، فلميردّ أحد منهم عليه جواباً غير أبيطالب ، فقال يا حبيبي إليك نصير و بأمرك نستشير في أُمورنا ، و أنت تعلم أنّ خديجة امرأة كاملة ميمونة فاضلة تخشي العار و تحذر الثناء و قد عرفت قبلك رجلين أحدهما عتيق بن عائذ و الآخر عمرو الكنديّ و قد رزقت منه ولداً و خطبها ملوك العرب و رؤساؤهم و صناديد قريش و سادات بني هاشم و ملوك اليمن و أكابر الطائف و بذلوا لها الأموال ، فلمترغب في أحد منهم ، و رأت أنّها أكبر منهم ، و أنت يا بن أخي فقير لا مال لك و لا تجارة و خديجة امرأة مزّاحة عليك ، فلاتعلّل نفسك بمزاحها و لاتسمع قريشاً هذا الأمر ، فقال أبولهب يا ابن أخي لاتجعلنا في [ص 57] أفواه العرب و أنت لاتصلح لخديجة ، فقام إليه العبّاس و انتهره و قال واللّه إنّك لرذل الرجال ردي الافعال و ماعسي أن يقولوا في ابن أخي ، واللّه انه أكثر منهم جمالاً و أزيد كمالاً ، و بما ذا تتكبّر عليه خديجة ؟ لمالها أم لزيادة كمالها و جمالها ؟ فأُقسم بربّ الكعبة لإن طلبت عليه مالاً لأركبنّ جوادي و أطوف في الفلوات و لأدخلنّ علي الملوك حتّي أجمع له ما تطلب عليه خديجة ، قال النبيّ (ص) يا معاشر الأعمام قد أطلتم الكلام فيما لا فائدة فيه ، قوموا و اخطبوا لي خديجة من أبيها ، فما عندكم من العلم مثل ما عندي منها ، فنهضت صفيّة بنت عبد المطلب رضي اللّه عنها و قالت واللّه أنا أعلم أن ابن أخي صادق فيما قاله ، و يمكن أن تكون خديجة مازحة عليه ، و لكن أنا أروح و أُبيّن لكم الأمر ، ثمّ لبست أفخر ثيابها و سارت نحو منزل خديجة ، فلقيتها بعض جواريها في الطريق فسبقتها إلي الدار ، و أعلمت خديجة بقدوم صفيّة بنت عبد المطلب ، و كانت قد عزمت علي النوم فأخلت لها المكان ، و قد عثرت خديجة بذيلها ، فقالت لاأفلح من عاداك يا محمّد ، فسمعت صفيّة كلام خديجة فقالت في نفسها أجاد الدليل ، ثمّ طرقت الباب ، ففتح و جاءت إلي خديجة فلقيتها بالرحب و التحيّة ، و أرادت أن تأتي لها بطعام ، فقالت يا خديجة ماجئت لآكل طعام ، بل يا ابنة العمّ جئت أسألك عن كلام أ هو صحيح أم لا ؟ فقالت خديجة بل هو صحيح إن شئت تخفيه أو شئت تبديه ، و أنا قد خطبت محمّداً لنفسي و تحمّلت عنه مهري فلاتكذّبوه إن كان قد ذكر لكم بشيء ، و إني قد علمت أنه مؤيّد من ربّ السّماء ، فتبسّمت صفيّة و قالت واللّه إنّك لمعذورة فيمن أحببت ، واللّه ماشاهدت عيني مثل نور جبينه و لا اعذب من كلام ابن أخي و لا أحلي من لفظه ثمّ أنشأت تقول :
[ص 58]